اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

حديث السبعة

المشاركات التي تم ترشيحها

 

حديث السبعة (1).. تأملات إيمانية حول الحديث

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

مقدمة:

- يذكر فيها الخطيب الحديث، وينبه أنه سيتكلم عن نوع من الأصناف السبعة في كل جمعة، وأن حديث اليوم تقديم وتمهيد ببعض المعاني الإيمانية حول الحديث.

- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) متفق عليه.

- قال ابن عبد البر في التمهيد: "هذا أحسن حديث يـُروى في فضائل الأعمال وأعمها وأصحها".

- تعليق الخطيب: لأنه اشتمل على جميع أطراف المجتمع، فبدأ بقمته وهو الإمام العادل، وانتهى بقاعدته وهو الذي لا يعلم به أحد إلا الله: (وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ).

1- حول موقف يوم القيامة لبيان عظيم مكانة هؤلاء:

 - فناء الخلق جميعا؛ قال الله -تعالى-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ)(الرحمن:26-27).

- إحياء الخلق للبعث والحساب؛ قال الله -تعالى-: (إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا... )(الزلزلة).

- جمع الناس للحساب والعرض؛ قال الله -تعالى-: (وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا)(الكهف:48).

- شدة هول هذا اليوم؛ قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)(الحج:1-2).

- شدة الموقف على الناس؛ قال الله -تعالى-: (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(الجاثية:28)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ -قَالَ- فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَقْوَيْهِ -خاصرتيه- وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَاماً) رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

2- المراد بالظل:

- فسره أهل العلم بأنه ظل العرش؛ لما رواه سعيد بن منصور عن سلمان بإسناد حسن: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ).

- العرش أول المخلوقات؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلاَئِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ -قَالَ- وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) رواه مسلم.

- عظم العرش؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) رواه البيهقي في الأسماء والصفات وابن جرير في تفسيره، وقال الألباني: صحيح بطرقه.

- اسألوا الله ظل العرش وسقفه؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ) رواه البخاري.

3- معاني إيمانية مشتركة بين الأصناف السبعة:

إن الأصناف السبعة يجمعهم تلك المعاني الإيمانية العظيمة وهي: (الخوف - المراقبة - الرغبة فيما عند الله).

- الإمام العادل: خوفه من الله، ومظالم العباد حمله على العدل، ومعلوم أنه لا سلطان فوقه على الناس.

- الشاب المتدين: لا يطلع على حقيقة عبادته إلا الله، ولولا الخوف والمراقبة لساير الشباب الغافلين.

- المتعلق بالمساجد: لرغبته فيما عند الله وخوفه لم يتعلق قلبه بامرأة أو دنيا يصيبها.

- المتصدق في الخفاء: تغلب على شح نفسه، طمعـًا في العوض من الله، ولم يرقب الناس لعلمه بمراقبة الله.

- الذي دعته المرأة: تغلب على دواعي الفاحشة، خوفاً من الله وطمعًا فيما عنده.

- الباكي من خشية الله: ما أبكاه إلا الخوف والمراقبة، والرغبة فيما عند الله.

4- تأثير الأصناف السبعة بعضها على بعض:

إن المتأمل للترتيب يجد أنهم يرتبطون ببعضهم؛ كالأسباب والمسببات، والمقدمات والنتائج.

- فالإمام العادل: سيقيم مجتمعاً فاضلاً، وهذه البيئة الطيبة من العبادة والفضائل يكون معها...

- الشباب الذين ينشأون في عبادة الله: وهؤلاء الشباب من أخص خصائصهم ارتياد المساجد، وسيكون منهم...

- من قلبه معلق بالمساجد: وهذه المساجد سيلتقي فيها أهل الطاعات المختلفة فيكون منهم...

- رجلان تحابا في الله: وهؤلاء إذا تحابوا في الله، تعاونوا على طاعته وتقواه، وإصلاح قلوبهم وتزكية نفوسهم، ومن هؤلاء...

- من إذا دعته امرأة ذات منصب وجمال قال: إني أخاف الله، وتعوذ بربه ومولاه، ومن كان كذلك عظم إخلاصه فكان منهم...

- من تصدق بصدقة فأخفاها... لعظيم إخلاصه وتقواه، ومثل هذا سيكون عظيم الخوف من الله، فيكون منهم...

- من ذكر الله خاليا ففاضت عيناه، وذلك لما اجتمع له من خصال الخير ومعاني التقوى.

5- يوسف -عليه السلام- جمع الأوصاف السبعة:

1- لما تولى المُلك كان إماماً عادلاً (أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ)(يوسف:59).

2- وكان في شبابه نعم الشاب المتدين (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)(يوسف:6)، (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(يوسف:22).

3- وجمعه ووالده الحب في الله (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا)(يوسف:8).

4- وكان قلبه معلقا بالصلاة والمساجد، وهذا أمر مقطوع به في حق الأنبياء والمرسلين.

5- ولما دعته امرأة ذات منصب وجمال تعفف وقال: (مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)(يوسف:23).

6- وكان أكثر الناس تصدقاً وعطاءً (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ)(يوسف:88).

7- وأما بكاؤه فثبت في مواطن كثيرة ذكرها المفسرون من أبرزها يوم جمع الله شمله بأهله وكان عنده المُلك، بكى شوقاً لما عند الله (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)(يوسف:101).
 
993660wvwo82jpus.gif

حديث السبعة (2).. الإمام العادل

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة تمهيدية للإمام العادل:

- هو السلطان العدل في نفسه، العادل في حكمه، الذي يقيم دين الله في الأرض؛ إذ هو حق الله عليه إذ مكنه، قال الله -تعالى- لنبيٍّ حاكم: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)(ص:26).

- يحفظ للرعية دينهم ودنياهم، قال -تعالى-: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(الحج:41).

- بصلاحه تصلح الأمة، قال الثوري -رحمه الله-: "صنفان إذا صلحا صلحت الأمة وإذا فسدا فسدت الأمة: السلطان والعلماء"، وقال الليث: "من رأس العين يأتي الكدر، فإذا صفا رأس العين صفت السواقي"؛ ولذا كان الإمام أحمد يقول: "لو كانت لي دعوة مستجابة لجعلتها للسلطان؛ لأنه بصلاحه صلاح الأمة".

- ومتى لم يُقم دين الله في الأرض، وحكم بغير شرعه، أو أمر بمعصية؛ فلا سمع ولا طاعة، إلا أن يأمر بالمعروف فتكون الطاعة حينئذٍ لله على الحقيقة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِق) رواه أحمد، وصححه الألباني.

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن مسعود -رضي الله عنه-: (لَيْسَ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ طَاعَةٌ لِمَنْ عَصَى اللَّهَ) قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. رواه أحمد، وصححه الألباني.

وقال أحد الأمراء لأحد التابعين: "أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: (وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)؟"، فقال له: "أليس قد نـُزعت عنكم -يعني الطاعة- إذا خالفتم الحق بقوله: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)؟". فتح الباري.

وقال الشوكاني -رحمه الله-: "وأولو الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كان له ولاية شرعية، لا ولاية طاغوتية". فتح القدير.

1- مكانته وتعظيم الشرع لذلك:

- أمر الله بطاعته، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(النساء:59).

- أمر الله بتوقيره وإجلاله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أجلَّ سلطان الله أجله الله يوم القيامة) رواه الطبراني، وحسنه الألباني.

- دعا له النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ) رواه مسلم.

- جعل الله له دعوة مستجابة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لا يرد الله دعاءهم: الذاكر الله كثيرًا والمظلوم والإمام المقسط) رواه البيهقي، وحسنه الألباني.

- ورغبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء له، قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَلا أُخْبِرُكم بِخِيارِ أُمَرَائِكُم وَشِرَارِهم؟ خيَارُهم: الذين تُحِبُّونَهم، ويُحِبُّونَكُم، وَتَدْعُونَ لَهُمْ ويَدْعُونَ لَكُمْ، وشِرَارُ أُمَرائِكم: الذين تُبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكم، وَتَلْعَنُونَهُمْ، ويَلْعَنُونَكُمْ) رواه الترمذي، وصححه الألباني.

2- عظم مسئولية الإمام:

- عن عوف بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنْ شِئْتُمْ أَنْبَأْتُكُمْ عَنِ الإِمَارَةِ وَمَا هِيَ؟ فَقُمْتُ فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي ثَلاثَ مَرَّاتٍ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ أَوَّلُهَا مَلامَةٌ، وَثَانِيهَا نَدَامَةٌ، وثَالِثُهَا عَذَابٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلا مَنْ عَدَلَ) رواه البزار والطبراني، وحسنه الألباني.

- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ) رواه البخاري.

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ، حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ) رواه ابن حبان، وقال الألباني: حسن صحيح، ولذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول للبعير الأجرب من إبل الصدقة وهو يطليه ويداويه: "إني أخاف أن أسأل عنك يوم القيامة".

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلاَّ أَتَى اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- مَغْلُولاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ أَوَّلُهَا مَلاَمَةٌ وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ وَآخِرُهَا خِزْىٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) رواه أحمد، وحسنه الألباني.

- وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- تأخذه الإغفاءة من النوم في المجلس مرات، فقيل له: فقال: لو نمت بالليل ضاعت نفسي، ولو نمت بالنهار ضاع الناس، وكان كثيرًا ما يدور في المدينة ليلاً يتفقد أحوال الناس وقصصه في ذلك معروفة، ومن أشهر ذلك: (قصة الرضيع الباكي في عام الرمادة - قصة بائعة اللبن - قصة حراسته أموال التجار الوافدين ليلاً).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّمَا رَاعٍ غَشَّ رَعِيَّتَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ) أخرجه ابن عساكر وأبو عوانة والطبراني، وصححه الألباني.

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لاَ يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ) رواه مسلم.

- كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مع عظيم عدله يقول يوم موته: "الحمد لله الذي لم يجعل قاتلي من المسلمين، ضعوا خدي على الأرض لعل الله يرحمني".

3- جزاء الإمام العادل:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ) رواه مسلم.

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَ... ) رواه مسلم.

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَ... ) متفق عليه، فذكره في أول السبعة.

4- ما جاء في الترهيب من الإمارة:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) رواه مسلم.

- وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْىٌ وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا) رواه مسلم.

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا) متفق عليه.

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِىٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ، إِلاَّ كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، فَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى) رواه البخاري.

فاللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، وقيض لهم البطانة الصالحة، والحمد لله رب العالمين.
 

993660wvwo82jpus.gif

حديث السبعة (3).. شاب نشأ في عبادة الله

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- الحديث فيها عن فضل من يظله الله في ظله في اختصار تذكير بما سبق.

- كذلك ذكر فائدة وهي: أيهما أفضل؟ الشاب الذي نشأ في عبادة الله، أم الذي قارف الذنوب والشهوات والملذات ثم تاب توبة نصوحا؟

العلماء على قولين: أصحهما الأول؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ) رواه الروياني في مسنده، وقال الألباني: إسناده جيد، والصبوة: الميل إلى الهوى والشهوات، ومنه تعوذ يوسف -عليه السلام-: (وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(يوسف:33).

لماذا كان الشاب المتعبد في ظل عرش الرحمن؟

الجواب على ذلك من وجهين عليهما تدور الخطبة تقريبا.

1- الوجه الأول (عظيم وأهمية مرحلة الشباب في عمر الإنسان):

- الشباب مرحلة القوة والبذل؛ قال -تعالى-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)(الروم:54)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) رواه الحاكم، وصححه الألباني، فذكر منها: (شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ).

- مرحلة يسأل الإنسان عنها يوم القيامة مرتين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ) رواه الترمذي، وصححه الألباني.

- الشباب حملة الدين والدعوة والجهاد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ) رواه النسائي، وحسنه الألباني، لأن الشباب هم راية الجهاد.

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اجْتَنِبُوا السَّوَادَ) رواه مسلم، وأجازه للشيخ في المعركة لإغاظة الأعداء؛ لأن الشباب هم غيظ العدو.

كان كثير من الأنبياء والمصلحين من الشباب:

- إبراهيم -عليه السلام- كان شابا يوم حطم الأصنام (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)(الأنبياء:60).

- إسماعيل -عليه السلام- كان شابا يوم رفع البيت (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)(البقرة:127).

- يوسف -عليه السلام- كان شابا أكثر مراحل دعوته (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا)(يوسف:22).

- داود -عليه السلام- كان شابا يوم مكـَّن الله له وبعثه (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ)(البقرة:251).

- أصحاب الكهف كانوا شبابا (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)(الكهف:13).

- الرعيل الأول من الصحابة كانوا شبابا، وقد تحملوا في سبيل الله كثيرا، كان أكبرهم بعد أبي بكر عمر بن الخطاب 26 عاما، والبقية تحت العشرين، وأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير، وعلى بن أبي طالب، وأبا موسى الأشعري -رضي الله عنهم- وكانوا شبابا.

2- الوجه الثاني (لأنه نشأ في ظل العبادة):

1- قلبه معلق بالمساجد، ويحافظ على الجماعة، ويتعلم العلم والدين، وغيره معلق بالمعاصي والملاهي: (الكرة - الموضة - الأغاني والموسيقى).

2- يحب أهل الصلاح ويفارق أهل السوء (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)(الكهف:28).

3- يتصدق ويتعبد لله بإخلاص (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)(آل عمران:92)، (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا)(التوبة:103).

4- يتعفف عن الفواحش (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)(المؤمنون:3)، (الزنا وما تعلق به - وسائل الإعلام الماجنة).

5- يقوم الليل ويكثر القنوت لله (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)(الفرقان:64).

6- صاحب قرآن وتدبر وخشوع طلبا للهداية (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(المائدة:16).

7- يتعلم سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهديه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)(الأحزاب:21).

3- صور مشرقة وصفحات عطرة من حياة شباب نشأوا في عبادة الله:

- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أول من أسلم من الفتيان (فدائي ليلة الهجرة - قاتل صناديد قريش وغيرهم - قامع بدعة الخوارج)، قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) متفق عليه، وقال له: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى) متفق عليه.

- مصعب الخير (إسلامه وموقفه مع أمه - هجرته ودعوته - استشهاده يوم أحد وهو يردد: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)(آل عمران:144).

- الزبير وولده عبد الله (تربية أمه صفية الشديدة - يقاتل بسيفين - يصطحب ولده في المعارك - ابن الزبير وأدبه في  الطريق مع عمر).

- أسامة بن زيد (قائد الجيوش قبل العشرين - شفيع الناس عند النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم المرأة المخزومية).

- محمد الفاتح (قائد المسلمين في العشرين - فاتح القسطنطينية وله 22 سنة - فاتح الكثير من بلاد أوروبا).

كلمة ختام:

أخي المسلم: قد يقول قائل: "لقد جاوزت مرحلة الشباب، فلست معنيا بالحديث"!!

فنقول لك: هذا الكلام غير صحيح، فأنت معني بالحديث وبالشباب بوجه من الوجوه؛ فأنت إما أب لشاب، أو أخ لشاب، أو صاحب لشاب، أو جار لشاب.

فاللهم أصلح شباب المسلمين، وانصر دينك وكتابك وعبادك المؤمنين.

 
993660wvwo82jpus.gif

حديث السبعة (4).. رجل قلبه معلق بالمساجد

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

مقدمة:

- الحديث فيها عن سبب كونه في ظل عرش الرحمن، وذلك لسببين عظيمين يتم بناء الخطبة عليهما بعد ذلك.

السبب الأول: لأنه تعلق بأشرف بقاع الأرض.

السبب الثاني: لأن "قلبه" وليس جسده هو المعلق بالمساجد.

1- حول السبب الأول "فضل المساجد وفضل بنائها":

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق) (رواه الحاكم والطبراني، وحسنه الألباني).

- التنويه من خلال الحديث على أن هناك من تعلقت قلوبهم بما هو أدنى من الأماكن أو ما هو محرم "البيوت - الملاعب والملاهي".

- ومن فضائل المساجد: "تكرار النداء العظيم "الأذان" - تحفها الملائكة - تتجرد فيها النفوس من مناصب الدنيا - ملتقى الأحبة في الدنيا".

قال -تعالى-: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ . رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ . لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (النور:35-38).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "لما ضرب الله -تعالى- مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقدة من زيت طيب وذلك كالقنديل مثلا، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله -تعالى- في الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها".اهـ.

- ومما يدل على عظيم مكانة المساجد؛ ما أحيط بها من معانٍ شرعية مثل:

الدعاء عند التوجه إليها: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا وَفِي بَصَرِي نُورًا وَفي سَمْعِي نُورًا وَعَنْ يَمِينِي نُورًا وَعَنْ يَسَارِي نُورًا وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا وَأَمَامِي نُورًا وَخَلْفِي نُورًا وَعَظِّمْ لِي نُورًا) (متفق عليه).

- الدعاء عند دخولها: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- فضل السعي إليها: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) (متفق عليه).

- فضل بنائها؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: من علم علمًا أو كرى نهرًا أو حفر بئرًا أو غرس نخلاً أو بنى مسجدًا أو ورث مصحفًا أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته) (رواه البزار وأبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).

2- حول السبب الثاني "سيد البشر خير من تعلق قلبه بالمسجد":

- جعل بيوته إلى جوار المسجد؛ وهذا شأن المحب مع المحبوب.

- (كَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلاَّهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا) (رواه مسلم).

- كان إذا رجع من سفر أو غزو بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين ثم ينقلب إلى بيته.

- وفي مرض موته وبين السكرات والإفاقة يسأل عن أحوال المسجد والمسلمين فيقال: هم ينتظرونك. ولما وجد في نفسه خفة خرج يهادى به بين الرجلين حتى أقيم إلى جنب أبي بكر في الصلاة.

من قلبه معلق بالمساجد؟

1- أحرص الناس على صلاة الجماعة:

- قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

- يقول سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة".

2- يحملون إلى المساجد وهم مرضى:

- قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ" (رواه مسلم).

3- الحرص على الموت في المسجد في حال انتظار الصلاة:

- قيل لعبد الرحمن السلمي لما حضرته الوفاة وهو في المسجد: "لو تحولت إلى الفراش فإنه أوثر وأوطأ. قال: حدثني فلان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلاَّهُ يَنْتَظِرُ الصَّلاَةَ) (رواه مسلم)، وإني أريد أن أموت في مسجدي".

4- الحرص على تكبيرة الإحرام:

- قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ، يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

5- التبكير في يوم الجمعة إلى المساجد:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) (متفق عليه).

6- يجدون فيها مخرجا من هموم الدنيا:

- علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقصد المسجد، ويأوي إليه لما تشاحن مع زوجته فاطمة -رضي الله عنها-.

- أبو أمامة يقصد المسجد بالدعاء والصلاة لما تراكمت عليه الديون، وكثرت عليه الهموم.

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المسجد بيت كل مؤمن) (رواه أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).

فاللهم اجعلنا ممن تعلقت قلوبهم بالمساجد، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها، والحمد لله رب العالمين.
 
993660wvwo82jpus.gif

حديث السبعة (5).. رجلان تحابا في الله

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- التذكير بما سبق، وبيان فضل كون الأصناف السبعة في ظل العرش باختصار.

1- لماذا كانا من السبعة؟

هذا السؤال هو الذي سيعتمد عليه الخطيب في بناء أكثر الخطبة من خلال أجوبة، منها:

- لأنهما يحبان بعضهما بما فيهما من صفات يحبها الله لا لذواتهما، فإن هذا حب الصور.

- لأنهما يحبان بعضهما لتعاونهما على طاعة الله، فذابت عند ذلك فوارق الدنيا بينهما، ولذلك فمن لم يذق حلاوة ذلك يعجب منهما، فإنه يرى "الغني مع الفقير، والكبير مع الصغير، والوزير مع الخفير، والأستاذ مع الحرفي"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (متفق عليه).

- لأن محبتهما باقية في الدنيا والآخرة، قال -صلى الله عليه وسلم-: (اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف:67).

- لأنهما يحبان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أكثر من أنفسهما، لأنه أعظم الناس اتصافـًا بما يحبه الله، ويحبان المؤمنين ويكرهان الكافرين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَوْثق عُرَى الإِيمَانِ الْمُوَالاةُ فِي اللَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

2- نعمة الحب في الله:

- تلتقي فيها الأرواح قبل الأجساد؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ) (متفق عليه).

- تجمع القلوب التي لا تجمعها أموال الدنيا؛ قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ . وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ   عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال:62-63).

- نعمة الله المنقذة من النار؛ قال -تعالى-: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ   اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ   النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)(آل عمران:103).

- ومن ثمَّ كانت أسمى علاقة، وأقوى من علاقة النسب؛ قال -تعالى-: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ   وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) (هود:45- 46).

- ولذا كان الحسن -رحمه الله- يقول: "إخواننا أحب إلينا من أهلينا، فإخواننا يذكروننا بالآخرة، وأهلونا يذكروننا بالدنيا".

3- فضائل المتحابين في الله:

- تغفر ذنوبهم بالحب في الله؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن المسلم إذا صافح أخاه تحاتت خطاياهما كما يتحات ورق الشجر) (رواه البزار، وقال الألباني: صحيح لغيره).

- يغبطهم الأنبياء والشهداء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلاَ أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لاَ يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ. وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

- هم أهل محبة الله في الدنيا والآخرة؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنَّ رَجُلاً زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لاَ غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ) (رواه مسلم)، وقال -عز وجل- في الحديث القدسي: (وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِىَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِىَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِىَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِىَّ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

- ينالون بها الجنة؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- وهذا كله فيمن يحب وربما لم يخبر صاحبه، فكيف إذا أخبره؟! قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَحَبَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُعْلِمْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

4- وسائل لتعميق الأخوة والمحبة في الله:

- أن يخبر أخاه أنه يحبه؛ عن أنس -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلاً كَانَ عِنْدَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا. فَقَالَ لَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَعْلَمْتَهُ؟) قَالَ: لاَ. قال: (أَعْلِمْهُ). قَالَ: فَلَحِقَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).

- أن يطلق وجهه عند اللقاء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ) (رواه مسلم).

- أن يكون في عونه في كل الأحوال؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم).

- أن يؤدي له حقوق الأخوة في الله.

 
993660wvwo82jpus.gif

حديث السبعة (6).. حقوق الأخوة في الله

 

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة تلخص ما سبق:

- الحب في الله والأخوة في الله أوثق عرى الإيمان، وهي أعظم من أخوة النسب إن كان النسب على غير طاعة الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَوْثق عُرَى الإِيمَانِ الْمُوَالاةُ فِي اللَّهِ، وَالْمُعَادَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

- تذكير بنعمة الأخوة في الله؛ قال -تعالى-: (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) (آل عمران:103).

من حقوق الأخوة في الله:

بيان أن هذه الحقوق منها ما يتعلق باللسان، ومنها ما يتعلق بالقلب، ومنها ما يتعلق بالبدن، ومنها ما يتعلق بالمال، ومنها ما يتعلق بكل ذلك.

1- المواساة بالمال:

قال الله -عز وجل- في الحديث القدسي: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِىَّ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وهي على ثلاث مراتب:

- أدناها: أن تقوم بحاجته من فضل مالك من غير أن تحوجه للسؤال:

جاء رجل من السلف إلى صديق له فخرج إليه فقال:

"ما جاء بك؟

قال: عليَّ أربعمائة درهم.

فدخل الدار فوزنها ثم خرج فأعطاه ثم عاد إلى الدار باكيًا، فقالت زوجته: هلا تعللت عليه إذا كان إعطاؤه يشق عليك؟!

فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله، فاحتاج أن يقول ذلك"!! "ترطيب الأفواه 1/361".

- أوسطها: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في المال:

رأى أحد الصالحين رجلين يصطحبان لا يفترقان فسأل عنهما، فقيل: "صديقان". فقال متعجبًا: "ما بال أحدهما فقير والآخر غني؟!". ولله در سعد بن الربيع -رضي الله عنه- يعرض شطر ماله وإحدى زوجتيه على أخيه المهاجري.

أعلاها: أن تقدمه على نفسك، وتقدم حاجته على حاجتك:

قال -تعالى-: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر:9)، وذكر سبب النزول.

وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لعشرون درهمًا أعطيها أخي في الله أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين".

2- الإعانة بالنفس والبدن على قضاء الحاجات:

- وهي كذلك درجات كالمال؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم).

- أفضل من الاعتكاف في المسجد النبوي؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِ فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

- أرسل الحسن البصري جماعة من أصحابه في قضاء حاجة لأخ لهم، وقال: "مرُّوا بثابت البناني فخذوه معكم". فمرُّوا بثابت فقال: "أنا معتكف". فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال لهم: قولوا له يا أعمش أما علمت أن سعيك في حاجة أخيك خير لك من حجة بعد حجة؟ فرجعوا إلى ثابت فأخبروه فترك اعتكافه وخرج معهم.

3- ذكره بما يحب في حضوره وغيابه:

- قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذا أحب أحدُكم أخاه في الله فَلْيُعْلِمْهُ فإنه أبقى في الألفة وأثبت في المودة) (رواه وكيع في الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان عن مجاهد مرسلاً، وحسنه الألباني).

- دعوته بأحب الأسماء إليه؛ كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول للصبي: (يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ) (متفق عليه).

بل ترفق بالكافر الذي جاء يعاند دعوته؛ فقال له: (أفرغت يا أبا الوليد؟) (أخرجه البيهقي في الدلائل وابن عساكر).

- الدفاع عنه إذا أكل لحمه؛ قال -تعالى-: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ) (الحجرات:12).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

4- زيارته في الله:

- هي سبب حب الله؛ قال -تعالى- في الحديث القدسي: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِىَّ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وتقدم حدث الملك مع الرجل.

- ذكر ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد -رحمه الله- عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: "لما أُطلق أبي من المحنة خشي أن يجيء إليه إسحاق بن راهويه؛ فرحل أبي إليه فلما بلغ الري دخل إلى مسجد فجاء مطر كأفواه القرب فلما كانت العتمة قالوا له: "اخرُج من المسجد فإنا نريد أن نغلقه.

فقال لهم: هذا مسجد الله وأنا عبد الله.

فقيل له: أيهما أحب إليك أن تخرُج أو نجُر رجلك؟

قال أحمد: فقلت سلامًا، فخرجت من المسجد والمطر والرعد والبرق فلا أدري أين أضع رجلي، ولا أين أتوجه فإذا رجل قد خرج من داره فقال لي: يا هذا أين تمر في هذا الوقت؟

فقلت: لا أدري أين أمر؟ فقال لي: ادخل. فأدخلني دارًا ونزع ثيابي، وأعطوني ثيابًا جافة وتطهرت للصلاة فدخلت إلى بيت فيه كانون فحم ولبود، ومائدة منصوبة فقيل لي: كل. فأكلت معهم.

فقال لي: من أين أتيت؟

فقلت: من بغداد.

فقال لي: تعرف رجلاً يقال له أحمد بن حنبل؟

فقلت: أنا أحمد بن حنبل.

فقال لي: وأنا إسحاق بن راهويه".

قال الشافعي:

قـالوا يزورك أحمد وتـزوره              قـلتُ المكارم لا تـفارق مـنـزله

إن زارني فبفضله أو زرتـه              فلفضله فالفضل في الحالين له

5- الدعاء له في حياته وبعد مماته:

- قال -صلى الله عليه وسلم-: (دُعَاءُ الأَخِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ لاَ يُرَدُّ) (رواه البزار، وصححه الألباني).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من استغفر للمؤمنين والمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني).

6- العفو عن زلاته وهفواته:

- قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَفْرَكْ -يبغض- مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِىَ مِنْهَا آخَرَ) (رواه مسلم).

- وقال -صلى الله عليه وسلم- في أخلاق بعض النساء: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) (متفق عليه).

فاحذر أن تتشبه بالنساء مع أخيك.

ونسأل الله أن يجمعنا إخوة متحابين في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

 

993660wvwo82jpus.gif

حديث السبعة (7).. رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال

 

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

1- مقدمة:

- التذكير بفضل السبعة من خلال ذكر الحديث.

- طرح السؤال الذي تبنى عليه الخطبة، وهو: لماذا كان من السبعة؟

- الجواب من وجهين:

الأول: لأن المرأة كانت على أكمل الأوصاف، وبذلك تعظم فتنتها.

الثاني: لقوة دينه وإيمانه، فهو شبيه يوسف -عليه السلام- (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ).

2- تفصيل ذلك:

- فأما المرأة فقد توافرت معها دواعي فتنة الرجل، ومنها:

1- ما غرز في الرجال من الميل للنساء، فضلاً عن أنه قد يكون شابًا فميله يكون أشد.

2- أن المرأة على أكمل الأوصاف، فليست من عموم الناس (ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ).

3- أنها هي الداعية، مما وفر عليه كلفة الطلب الذي قد يـُرد، وربما معه العقوبة من ذات المنصب.

4- أنها ذات منصب وسلطان، فلا يقدر على محاسبتها أو معاقبتها أحد من الناس في الغالب.

- وأما الرجل:

1- في الحديث عظيم دين الرجل، وهو مقصود دون النساء، ولم يخرج مخرج الغالب والله أعلم، مع أن القرآن جاء بالمزاوجة في مقام العفة (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ) (الأحزاب:35).

2- الرجل إذا توافرت له الأسباب المأمونة التي يفعل معها الفاحشة، لن يمنعه إلا الخوف من الله وحده، وأما المرأة فيشوب خوفها ربما أنواع أخرى من الخوف من الخلق: "كالحمل - وفض البكارة - والعار - ونحو ذلك... ".

3- خطر الزنا وعظيم فتنة النساء:

- قال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ... ) (آل عمران:14).

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ) (متفق عليه).

- وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ) (رواه مسلم).

- وقال -تعالى-: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا) (الإسراء:32).

- وقال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم:21).

4- عاقبة الزنا:

- في الدنيا:

قال -تعالى-: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ) (متفق عليه)، وقد رجم ماعزًا والغامدية، واليهوديين.

- في القبر:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ -قَالَ- فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا -قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلاَءِ قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ... الحديث، وفي آخره: وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي) (رواه البخاري).

- في الآخرة:

قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا) (الفرقان:68-69).

5- نماذج مشرفة من قصص الأولين في الصبر على الفاحشة:

- أحد الثلاثة أصحاب الغار:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا ثَلاَثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ انْظُرُوا أَعْمَالاً عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ... وفيه: وَقَالَ الآخَرُ اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِىَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ عَنْهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّى فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً. فَفَرَجَ لَهُمْ) (متفق عليه).

- جريج العابد:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ عِيسَى، وَكَانَ فِي بَني إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّى، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي. فَقَالَتِ اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَقَالَتْ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ قَالَ الرَّاعِي. قَالُوا نَبْنِى صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ لاَ إِلاَّ مِنْ طِينٍ... ) (متفق عليه).

6- من عوامل الثبات في مواجهة الفتن والشهوات:

1- المراقبة؛ فإنها تولد (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)، وتستحضر بـ (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ) (إبراهيم:38).

2- الفرار من أماكن ومواطن الفتن؛ (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ... ) (يوسف:25)، "الأسواق - الشواطئ - ونحوها... ".

3- غض البصر؛ (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور:30)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

4- الزواج مبكرًا؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ) (متفق عليه).

5- الصوم؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (متفق عليه).

6- شغل النفس بالطاعة؛ قال ابن القيم -رحمه الله-: "نفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية".

فاللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 
993660wvwo82jpus.gif
 

حديث السبعة.. (8) رجل تصدق بصدقة فأخفاها

 

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلماذا نال هذه المكانة؟

الجواب:

أولاً: لأنه متصدق.

ثانيًا: لأنه مخلص، بل عظيم الإخلاص.

1- فضل الصدقة:

- قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) (آل عمران:133-134)، "سبب لدخول الجنة".

- وقال -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة:261)، "التجارة والأرباح المضمونة".

- تضعيف الحسنات؛ (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) (البقرة:276)، (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا): ينقصه ويذهب بركته، (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ): يزيدها وينمِّيها، ويضاعف ثوابها.

- الفقير يقرض الغني! (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) (الحديد:11).

- الجزاء من جنس العمل؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: قال الله -تعالى-: (يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) (متفق عليه).

- دعوة الملائكة للمتصدق؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (متفق عليه).

- لا تحتقر القليل من الصدقة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ)، قَالُوا: وَكَيْفَ؟ قَالَ: (كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَحَدِهِمَا، وَانْطَلَقَ رَجُلٌ إِلَى عُرْضِ مَالِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهَا) (رواه النسائي، وحسنه الألباني).

2- جزاء الإخلاص والنية الصالحة:

- قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ).

"يخفيها عن جوارحه فكيف بالناس؟!"

"فضل صدقة السر وهي التطوع، وأما الواجبة فالإعلان فيها أفضل".

- قال الله -تعالى-: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة:271).

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

- ولو وقعت خطأ عند غير مستحقها؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ. قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِيٍّ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنيٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ، أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا، وَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ، وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ) (متفق عليه)، وهذا في الصدقة؛ بخلاف الزكاة المفروضة فلابد أن تصل لمستحقيها لتبرأ الذمة.

- بل ولو لم تفعل فقد تساوي بالنية الصالحة في الأجر مَن عمل؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ ِللهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالاً وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ ِللهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللهُ مَالاً وَلاَ عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

3- صور مشرقة:

- تنبيه: قلَّ ذكر صور المتصدقين سرًّا في كتب أهل العلم؛ لأن هذا مقتضى حالهم، ولكن بعضهم عرف من آثاره.

- زين العابدين بن الحسين، قال محمد بن إسحاق: "كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ما كانوا يؤتون به في الليل".

- عبد الله بن المبارك يقضي دين شاب من تلامذته من غير علمه، وذلك لما افتقده فسأل عنه فقالوا: محبوس بدين "عشرة آلاف درهم"، فاستدل على الغريم ووزن له وحلـَّفَه ألا يخبر أحدًا ما عاش، فأخرج الشاب ولم يعلم الرجل إلا بعد موت ابن المبارك.

- عكرمة الفياض "جابر عثرات الكرام"، لما ذكر له في مجلسه أمر رجل صالح يقال له: "خزيمة بن بشر"، وما آل إليه حاله من الفقر والشدة حتى أغلق عليه بابه ينتظر الموت. فقام فحمل أربعة آلاف دينار في كيس واحد، ثم أمر بإسراج دابته، وخرج سرًّا من أهله حتى نزل بيت خزيمة فأعطاه فلما ألح عليه خزيمة أن يعرفه قال: "جابر عثرات الكرام".

4- آداب الصدقة:

1- فهم معناها وأنها دليل على المحبة والطاعة، وكذلك تطهر من الشح؛ (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) (التوبة:111)، وقال: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9).

2- أن تكون من كسب طيب؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) (البقرة:267).

3- أن لا يفسدها بالمن والأذى؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) (البقرة:264).

4- أن يطلب بصدقته من تزكو به الصدقة؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِيٌّ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني).

 

993660wvwo82jpus.gif

 

حديث السبعة (9).. رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه

كتبه/ سعيد محمود

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- تذكير بالحديث وطرح السؤال الذي تبنى على إجابته الخطبة. لماذا نال هذه المكانة؟

الجواب من ثلاثة وجوه:

الأول: لأنه كان من الذاكرين.

الثاني: لأنه كان في خلوة بربه بعيدًا عن الناس.

الثالث: لأنه فاضت عيناه.

1- فضل الذكر:

قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) (الأحزاب:41-42)، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الله -تعالى- لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر؛ فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)"(النساء:103).

- الذكر عبودية الكائنات جميعًا؛ قال الله -تعالى-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (الإسراء:44).

ولأهمية الذكر حفت به حياة المسلم: "في العبادة - وفي نواحي الحياة".

أما العبادة:

فـ"الصلاة" تقوم على الذكر ومحفوفة بالذكر: "الأذان - الوضوء وذكر الله عليه - السعي إلى المسجد وغيره".

و"الزكاة" معها الدعاء للمتصدق: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) (التوبة:103).

و"الصيام" مقرون بشهر الذكر: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة:185)، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9).

و"الحج" محفوف بالذكر في كل مناسكه؛ عن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَىُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). الْعَجُّ: يَعْنِى التَّلْبِيَةَ، وَالثَّجُّ: يَعْنِى إِهْرَاقَةُ الدَّمِ.

وأما نواحي الحياة:

فقالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) (رواه مسلم)، "عند النوم - الاستيقاظ - عند الخلاء - عند الخروج والدخول - عند الأكل والشرب - عند الملبس وغيره".

- الذكر حسنة الدنيا، ومثبت قلوب المؤمنين؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ أَوْ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني).

- الذي لا يذكر الله إما شيطان أو غبي؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَبْقَى شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلاَّ سَبَّحَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِحَمْدِهِ إِلاَّ مَا كَانَ مِنَ الشَّيَاطِين وأغْبِيَاء بَنِي آدَمَ) (رواه ابن السني وأبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).

- الذكر حياة النفوس والبيوت؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لاَ يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَىِّ وَالْمَيِّتِ) (متفق عليه).

- جزاء الذاكرين؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ. قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمِّرُ فِي الإِسْلاَمِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

2- فضل الذكر خاليًا:

- أول ما بدئ به سيد المرسلين؛ قالت عائشة -رضي الله عنها-: (أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِىَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ) (رواه البخاري).

- خلوته بعد البعثة في قيام الليل؛ عن عائشة -رضي الله عنها-: (أنَّ نَبِيَّ الله -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) (متفق عليه).

تنبيه: الخلوة المطلقة ليست من هديه -صلى الله عليه وسلم-.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

3- ففاضت عيناه:

- بكاء الصادقين أنواع ثلاثة:

الأول: بكاء من خشية الله؛ كبكاء عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لما سمع الرجل يقرأ آية: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ) (الطور:7)، فبكى ومرض شهرًا.

الثاني: بكاء رغبة فيما عند الله؛ كبكاء عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- بعد موت مصعب بن عمير وحمزة -رضي الله عنهما-.

الثالث: بكاء رحمة ورقة؛ كبكاء النبي -صلى الله عليه وسلم- عند موت ولده إبراهيم.

- وبكاء الكاذبين على نوعين:

الأول: كذب وادعاء الصدق؛ كبكاء أخوة يوسف (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) (يوسف:16).

الثاني: ضلال وجهل؛ كبكاء الرهبان والأحبار بعد الإسلام (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ... ) (الغاشية:2).

- الرجل فاضت عيناه؛ لأنه خاف الله (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... ) (الأنفال:2)، وهناك رواية: (فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَة اللَّه).

- ترغيب النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته في البكاء؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عَيْنَانِ لاَ تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

خاتمة وعود على بدء:

- تذكير بالحديث، وقول ابن عبد البر -رحمه الله-: "هذا أحسن حديث يروى في فضائل الأعمال وأصحها وأعمها".

نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يحسن خاتمتنا في الأمور كلها، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

صوت السلف


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×