اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المذموم من الأخلاق والسلوك

المشاركات التي تم ترشيحها

104.jpg

1-اليأسُ والقُنوطُ

الفرقُ بَينَ اليأسِ والقُنوطِ:

أكثَرُ العُلماءِ على أنَّهما بمَعنًى واحِدٍ .
ويرى بَعضُ العُلماءِ أنَّ بَينَهما اختِلافًا، وأنَّ القُنوطَ: أتَمُّ اليأسِ وأشَدُّه .
قال
ابنُ عُثَيمين: (يعني: إذا ارتَفعَ اليأسُ حتَّى لم يَبقَ في الإنسانِ أيُّ أمَلٍ، فهذا قُنوطٌ) .
وقيل: اليأسُ يكونُ مِن وُقوعِ شَيءٍ مِن أنواعِ الرَّحمةِ له مَعَ إسلامِه، فإذا انضَمَّ إلى هذا اليأسِ حالةٌ هي أشَدُّ منه، وهي التَّصميمُ على عَدَمِ وُقوعِ الرَّحمةِ له، فهو القُنوطُ .
وقيل: إنَّ اليأسَ مِن صِفةِ القَلبِ، والقُنوطُ ظُهورُ آثارِه على ظاهِرِ البَدَنِ
وقيل:إنَّ القُنوطَ ثَمَرةُ اليأسِ .


الفرقُ بَينَ اليأسِ والخَيبةِ:
1- الخَيبةُ لا تَكونُ إلَّا بَعدَ أمَلٍ؛ لأنَّها امتِناعُ نَيلِ ما أمَّل.
2- اليأسُ: قد يكونُ قَبلَ الأمَلِ، وقد يكونُ بَعدَه .



105.jpg

أقسامُ اليأسِ

ينقَسِمُ اليأسُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ:
يأسٌ مَنهيٌّ عنه، كاليأسِ مِن رَحمةِ اللهِ.
قال
السَّعديُّ: (الإياسُ مِن رَحمةِ اللهِ من أعظَمِ المَحاذيرِ، وهو نَوعانِ: إياسُ الكُفَّارِ منها، وتَركُهم جَميعَ سَبَبٍ يُقَرِّبُهم منها، وإياسُ العُصاةِ بسَبَبِ كثرةِ جِناياتِهم أوحَشَتْهم، فمَلكَت قُلوبَهم، فأحدَثَ لها الإياسَ) .
ويأسٌ مَأمورٌ به، كاليأسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ.
ويأسٌ جائِزٌ، كاليأسِ مِن حُصولِ بَعضِ الأشياءِ البَعيدةِ المَنالِ، كالسَّفرِ إلى بَلدةٍ مُعيَّنةٍ، أو في وقتٍ مُعيَّنٍ، أوِ الحُصولِ على وظيفةٍ مُعَيَّنةٍ، إلى غَيرِ ذلك.
105.jpg

ذَمُّ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ

أ- مِنَ القُرآنِ الكريمِ
- قال تعالى:بشّرناك بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 55 - 56] .
قال
الطَّبَريُّ: (قال ضَيفُ إبراهيمَ له: بَشَّرناك بحَقٍّ يقينٍ، وعِلمٍ مِنَّا بأنَّ اللهَ قد وهَبَ لك غُلامًا عليمًا، فلا تَكُنْ مِنَ الذين يقنَطونَ مِن فضلِ اللهِ فييأسَونَ منه، ولكِنْ أبشِرْ بما بَشَّرْناك به واقبَلِ البُشرى... فقال إبراهيمُ للضَّيفِ: ومَن ييأسُ مِن رَحمةِ اللهِ إلَّا القَومُ الذين قد أخطؤوا سَبيلَ الصَّوابِ، وتَرَكوا قَصدَ السَّبيلِ في تَركِهم رَجاءَ اللهِ -ولا يخيبُ مَن رَجاه- فضلُّوا بذلك عن دينِ اللهِ) .
وقال الواحِديُّ: (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ: مِنَ الآيِسينَ، والقُنوطُ: اليأسُ مِنَ الخَيرِ. قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
[الحجر: 56] . قال ابنُ عَبَّاسٍ: يُريدُ: ومَن يَيأسُ مِن رَحمةِ رَبِّه إلَّا المُكذِّبونَ، وهذا يدُلُّ على أنَّ إبراهيمَ لم يكُنْ قانِطًا، ولكِنَّه استبعَدَ ذلك، فظَنَّتِ المَلائِكةُ به قُنوطًا، فنَفى ذلك عن نَفسِه، وأخبَرَ أنَّ القانِطَ مِن رَحمةِ اللهِ ضالٌّ) .
- وقال تعالى على لسانِ يعقوبَ عليه السَّلامُ: يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
[يوسف: 87] ، (يقولُ: ولا تَقنَطوا مِن أن يُرَوِّحَ اللهُ عنَّا ما نحن فيه مِنَ الحُزنِ على يوسُفَ وأخيه بفرَجٍ مِن عِندِه، فيُرينيهما؛إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، يقولُ: لا يقنَطُ مِن فرَجِه ورَحمَتِه ويقطَعُ رَجاءَه منهإلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ يعني: القَومَ الذين يجحَدونَ قُدرَتَه على ما شاءَ تَكوينَه) .
- وقال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36].
(يُخبرُ تعالى عن طَبيعةِ أكثَرِ النَّاسِ في حالَيِ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ؛ أنَّهم إذا أذاقَهمُ اللهُ منه رَحمةً مِن صِحَّةٍ وغِنًى ونَصرٍ ونَحوِ ذلك، فرِحوا بذلك فرَحَ بَطَرٍ لا فرَحَ شُكرٍ وتَبَجُّحٍ بنِعمةِ اللهِ. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي: حالٌ تَسوؤُهم، وذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ المَعاصي، إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ييأسونَ مِن زَوالِ ذلك الفقرِ والمَرَضِ ونَحوِه. وهذا جَهلٌ منهم وعَدَمُ مَعرِفةٍ) .
قال
البَغويُّ: (إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ييأسونَ مِن رَحمةِ اللهِ، وهذا خِلافُ وَصفِ المُؤمِنِ؛ فإنَّه يشكُرُ اللهَ عِندَ النِّعمةِ، ويرجو رَبّه عِندَ الشِّدَّةِ) .
- وقال تعالى: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
[الزمر: 53] .
(لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أي: لا تَيأسوا منها، فتُلقوا بأيديكم إلى التَّهلُكةِ، وتَقولوا: قد كثُرَت ذُنوبُنا، وتَراكمَت عُيوبُنا، فليس لها طَريقٌ يُزيلُها، ولا سَبيلٌ يصرِفُها؛ فتَبقَونَ بسَبَبِ ذلك مُصِرِّينَ على العِصيانِ، مُتَزَوِّدينَ ما يُغضِبُ عليكمُ الرَّحمَنَ، ولكِنِ اعرِفوا رَبَّكم بأسمائِه الدَّالَّةِ على كرَمِه وجودِه، واعلَموا أنَّه يغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا مِنَ الشِّركِ والقَتلِ والزِّنا والرِّبا والظُّلمِ، وغَيرِ ذلك مِنَ الذُّنوبِ الكِبارِ) .
- وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ
[الشورى: 28] .
قال
ابنُ كثيرٍ: (وقَولُه: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا أي: مِن بَعدِ إياسِ النَّاسِ مِن نُزولِ المَطَرِ، يُنزِلُه عليهم في وقتِ حاجَتِهم وفقرِهم إليه، كقَولِه: وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ [الروم: 49] ،وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ أي: هو المُتَصَرِّفُ لخَلقِه بما ينفَعُهم في دُنياهم وأُخراهم، وهو المَحمودُ العاقِبةِ في جَميعِ ما يُقدِّرُه ويفعَلُه) .
وفي قَولِه تعالى: مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا أنَّ طَبيعةَ الإنسانِ أنَّه لا يصبرُ؛ فيستَولي عليه اليأسُ والقُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ! والذي يجِبُ على المَرءِ ألَّا يقنَطَ مِن رَحمةِ اللهِ، كما قال عَزَّ وجَلَّ: قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[الزمر: 53] ، وقال تعالى حِكايةً عن إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56] ، إنَّما الواجِبُ على المَرءِ إذا مَسَّه السُّوءُ أن يصبرَ ويحتَسِبَ، ودَوامُ الحالِ مِنَ المُحالِ .
- وقال تعالى: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ
[فصلت: 49] .
قال
الطَّبَريُّ: (فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ يقولُ: فإنَّه ذو يأسٍ مِن رَوحِ اللهِ وفرَجِه، قَنوطٌ مَن رَحمَتِه، ومِن أن يكشِفَ ذلك الشَّرَّ النَّازِلَبه عنه) .
وفي قَوله تعالى: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ دَليلٌ أنَّ على المَرءِ أن يصبرَ عِندَ المَصائِبِ، ولا ييأسَ مِن رَحمةِ رَبِّه، ولا يُلهيَه مَسُّ المُصيبةِ عنِ الذِّكرِ والشُّكرِ؛ فإنَّ المَصائِبَ وإن كانت تَشُقُّ عليه فهي كفَّاراتٌ، وعاقِبَتُها كراماتٌ، ومِن صِفةِ المُؤمِنِ أن يكونَ شَكورًا عِندَ الشَّدائِدِ والرَّخاءِ؛ فما مِن شِدَّةٍ إلَّا وفوقَها شِدَّةٌ، فإذا بُلِيَبأدوَنِها كان عليه الشُّكرُ في صَرفِ أرفَعِها والمُعافاةِ منها، فمَن جَعَل مَوضِعَ الشُّكرِ القُنوطَ واليأسَ قَلَّ تبصُّرُه، وساءَ تَخَيُّرُه .

ب- مِنَ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللهَ خَلقَ الرَّحمةَ يومَ خَلقَها مِائةَ رَحمةٍ، فأمسَك عِندَه تِسعًا وتِسعينَ رَحمةً، وأرسَل في خَلقِه كُلِّهم رَحمةً واحِدةً، فلو يَعلَمُ الكافِرُ بكُلِّ الذي عِندَ اللهِ مِنَ الرَّحمةِ لم ييأَسْ مِنَ الجَنَّةِ، ولو يَعلَمُ المُسلمُ بكُلِّ الذي عِندَ اللهِ مِنَ العَذابِ لم يأمَنْ مِنَ النَّارِ)) .
قَولُه: ((لم ييأَسْ مِنَ الجَنَّةِ) ) قيل: المُرادُ أنَّ الكافِرَ لو عَلمَ سَعةَ الرَّحمةِ لغَطَّى على ما يَعلمُه مِن عِظَمِ العَذابِ، فيحصُلُ له الرَّجاءُ، وقيل: المُرادُ أنَّ مُتَعَلَّقَ عِلمِه بسَعةِ الرَّحمةِ مَعَ عَدَمِ التِفاتِه إلى مُقابِلِها يُطمِعُه في الرَّحمةِ .
- وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لو يعلَمُ المُؤمِنُ ما عِندَ اللهِ مِنَ العُقوبةِ ما طَمِعَ بجَنَّتِه أحَدٌ، ولو يَعلمُ الكافِرُ ما عِندَ اللهِ مِنَ الرَّحمةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتِه أحَدٌ)) .
قال المُباركفوريُّ: (إنَّ المُؤمِنَ قدِ اختصَّ بأن يطمَعَ في الجَنَّةِ، فإذا انتَفى الطَّمَعُ منه فقد انتَفى عنِ الكُلِّ، وكذلك الكافِرُ مُختَصٌّ بالقُنوطِ، فإذا انتَفى القُنوطُ عنه فقدِ انتَفى عنِ الكُلِّ. وورَدَ الحَديثُ في بَيانِ كثرةِ رَحمَتِه وعُقوبَتِه؛ كيلا يغتَرَّ مُؤمِنٌ برَحمَتِه فيأمَنَ مِن عَذابِه، ولا ييأسَ كافِرٌ مِن رَحِمتِه ويترُكَ بابَه)

 
ج- مِن أقوالِ السَّلَفِ والعُلماءِ
- قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (الفقيهُ حَقُّ الفقيهِ: مَن لم يُقنِّطِ النَّاسَ مِن رَحمةِ اللهِ، ولم يُرَخِّصْ لهم في مَعاصي اللهِ، ولم يُؤَمِّنْهم مِن عَذابِ اللهِ) .
- وقال
ابنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (الهَلاكُ في اثنَتَينِ: القُنوطِ، والعُجبِ) .
- وقال أيضًا: (الكبائِرُ: الشِّركُ باللهِ، واليأسُ مِن رَوحِ اللهِ، والقُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مَكرِ اللهِ) .
- وقال
مُحَمَّدُ بنُ سيرينَ: (لا تَيأسْ فتَقنَطَ فلا تَعمَلَ) .
- وقال
سُفيانُ بنُ عُيَينةَ: (من ذَهَبَ يُقنِّطُ النَّاسَ مِن رَحمةِ اللهِ، أو يُقنِّطُ نَفسَه، فقد أخطَأ) .
- وعن عَبد الرَّحمَنِ بنِ أبي المَوالي، قال: سَمِعتُ مُحَمَّدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: (الكبائِرُ ثَلاثٌ: أن تَأمَنَ مَكرَ اللهِ، وأن تَقنَطَ مِن رَحمةِ اللهِ، وأن تَيأسَ مِن رَوحِ اللهِ. قال: ويتلو القُرَظيُّ هذه الآياتِ: أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
[الأعراف: 99] ، وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56] ، وقال يعقوبُعليه السَّلامُ لبَنيه: وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87] ) .
- وقال مَنصورُ بنُ عَمَّارٍ لأهلِ مَجلِسِه: (ما أرى إساءةً تَكثُرُ على عَفوِ اللهِ؛ فلا تَيأسْ، ورُبَّما آخَذَ اللهُ على الصَّغيرةِ؛ فلا تَأمَنْ) .
- وقال أبو القاسِمِ المُطَرِّزُ: سَمِعتُ الجُنَيدَ بنَ مُحَمَّدٍ يقولُ لرَجُلٍ وهو يُكلِّمُه في شَيءٍ: (لا تَيأسْ مِن نَفسِك وأنتَ تُشفِقُ مِن ذَنبِك، وتَندَمُ عليه بَعدَ فِعلِك) .
- وقال
ابنُ الجَوزيِّ: (إيَّاك إيَّاك أن تَستَطيلَ زَمانَ البَلاءِ، وتَضجَرَ مِن كثرةِ الدُّعاءِ؛ فإنَّك مُبتَلًى بالبَلاءِ، مُتَعَبَّدٌ بالصَّبرِ والدُّعاءِ، ولا تَيأسْ مِن رَوحِ اللهِ وإن طال البَلاءُ) .
- وقال أيضًا: (اقبَلْ نُصحي يا مَخدوعًا بغَرَضِه؛ إن ضَعُفتَ عن حَمل بَلائِه فاستَغِثْ به، وإن آلَمَك كَربُ اختيارِه فإنَّك بَينَ يدَيه، ولا تَيأسْ مِن رَوحِه وإن قَوِيَ خِناقُ البَلاءِ. باللهِ إنَّ مَوتَ الخادِمِ في الخِدمةِ حَسَنٌ عِندَ العُقَلاءِ) .
- وقال مُحَمَّدٌ الغَزاليُّ: (على أطلالِ الماضي القَريبِ أوِ البَعيدِ يُمكِنُك أن تَنهَضَ لتَبنيَ مُستَقبلَك، ولا تَؤودَنَّك كثرةُ الخَطايا؛ فلو كانت رُكامًا أسودَ كزَبَدِ البَحرِ ما بالى اللهُ عَزَّ وجَلَّ بالتَّعفيةِ عليها إن أنتَ اتَّجَهتَ إليه قَصدًا، وانطَلقتَ إليه رَكضًا...
وفي حَديثٍ قُدسيٍّ عنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: (يا ابنَ آدَمَ، إنَّك ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفرتُ لك على ما كان مِنك ولا أُبالي. يا ابنَ آدَمَ لو بَلغَت ذُنوبُك عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ استغفَرتَني غَفرتُ لك ولا أُبالي. يا ابنَ آدَمَ لو أتَيتَني بقُرابِ الأرضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشرِكُ بي شَيئًا لأتَيتُك بقُرابِها مَغفِرةً) .
وهذا الحَديثُ وأمثالُه جُرعةٌ تُحيي الأمَلَ في الإرادةِ المُخَدَّرةِ، وتُنهِضُ العَزيمةَ الغافيةَ وهي خَجلى؛ لتَستَأنِفَ السَّيرَ إلى اللهِ، ولتُجَدِّدَ حَياتَها بَعدَ ماضٍ مُلتَوٍ مُستَكينٍ) .
- وقال أيضًا: (وما أظُنُّ عاقِلًا يزهَدُ في البَشاشةِ، أو مُؤمِنًا يجنَحُ إلى التَّشاؤُمِ واليأسِ، ورُبَّما غَلبَتِ المَرءَ أعراضٌ قاهرةٌ فسَلبَته طُمَأنينَتَه ورِضاه، وهنا يجِبُ عليه أن يتَشَبَّثَ بالعِنايةِ العُليا؛ كي تُنقِذَه مِمَّا حَلَّ به؛ فإنَّ الاستِسلامَ لتَيَّارِ الكآبةِ بدايةُ انهيارٍ شامِلٍ في الإرادةِ يطبَعُ الأعمالَ كُلَّها بالعَجزِ والشَّلَلِ؛ولذلك كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُ أصحابَه أن يستَعينوا باللهِ في النَّجاةِ مِن هذه الآفاتِ) .
- وقال مُصطَفى صادِق الرَّافِعيُّ: (أيُّها المُؤمِنُ، إن كُنتَ أصَبتَ في السَّاعاتِ التي مَضَت فاجتَهِدْ للسَّاعاتِ التي تَتلو، وإن كُنتَ أخطَأتَ فكَفِّرْ وامحُ ساعةً بساعةٍ، الزَّمَنُ يمحو الزَّمَنَ، والعَمَلُ يُغَيِّرُ العَمَلَ، ودَقيقةٌ باقيةٌ في العُمرِ هي أمَلٌ كبيرٌ في رَحمةِ اللهِ) .
- وقال حُسَينٌ المَهديُّ: (المُتَفائِلُ مُؤمِنٌ باللهِ واثِقٌ به، يَعلمُ أنَّ القُنوطَ واليأسَ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ)


الدرر السنية
يتبع

. 218.jpg


 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
مَظاهرُ وصُوَرُ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ

صُوَرُ اليأسِ والقُنوطِ كثيرةٌ، ومنها:

1- اليأسُ والقُنوطُ مِن مَغفِرةِ اللهِ للذُّنوبِ.

2- اليأسُ والقُنوطُ مِن زَوالِ الشَّدائِدِ وتَفريجِ الكُروبِ.
قال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الروم: 36 - 37].

3- اليأسُ مِنَ التَّغييرِ للأفضَلِ:
ويتَمَثَّلُ في يأسِ الإنسانِ مِن تَحصيلِ ما يرجوه في أمرٍ مِن أُمورِ الدُّنيا، كجاهٍ أو مالٍ، أو زَوجةٍ أو أولادٍ وغَيرِهم.

4- اليأسُ مِن نَصرِ الإسلامِ، وارتِفاعِ الذُّلِّ والمَهانةِ عنِ المُسلمينَ.

5- اليأسُ والقُنوطُ مِن تَوبةِ العُصاةِ، والتَّخذيلُ عنِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكرِ:
ويكونُ التَّخذيلُ عنِ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكرِ بدَعوى عَدَمِ وُجودِ تَغَيُّرٍ مَلموسٍ وفائِدةٍ، كما قال تعالى حِكايةً عن بَعضِ النَّاسِ:وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
[الأعراف: 164] .
قال
ابنُ كثيرٍ: (يُخبرُ تعالى عن أهلِ هذه القَريةِ أنَّهم صاروا إلى ثَلاثِ فِرَقٍ: فِرقةٌ ارتَكبَتِ المَحذورَ، واحتالوا على اصطيادِ السَّمَكِ يومَ السَّبتِ، وفِرقةٌ نَهَت عن ذلك، وأنكرَت واعتَزَلتْهم. وفِرقةٌ سَكتَت فلم تَفعَلْ ولم تَنهَ، ولكِنَّها قالت للمُنكِرةِ:لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الأعراف: 164] ، أي: لمَ تَنهَونَ هؤلاء، وقد عَلِمتُم أنَّهم هَلكوا واستَحَقُّوا العُقوبةَ مِنَ اللهِ؟ فلا فائِدةَ في نَهيِكم إيَّاهم. قالت لهمُ المُنكِرةُ: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أي: نَفعَلُ ذلك مَعذِرةً إلى رَبِّكم، أي: فيما أُخِذَ علينا مِنَ الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عنِ المُنكرِ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يقولونَ: ولعَلَّ بهذا الإنكارِ يتَّقونَ ما هم فيه ويترُكونَه، ويرجِعونَ إلى اللهِ تائِبينَ، فإذا تابوا تابَ اللهُ عليهم ورَحِمَهم).

6- اليأسُ مِنَ الرِّزقِ ونَحوِه أو وُجودِ المَفقودِ، أو يأسُ المَريضِ مِنَ العافيةِ.


وللإحباطِ صُوَرٌ كثيرةٌ ومَظاهِرُ مُتَعَدِّدةٌ، لعَلَّه مِن أهَمِّها:

1- الجَزَعُ عِندَ المُصيبةِ.

2- سوءُ الظَّنِّ باللهِ، والشُّعورُ بالعَجزِ والكسَلِ.

3- الجُرأةُ على الذُّنوبِ واستِصغارُها.

4- تَعَمُّدُ المَرءِ قَتلَ نَفسِه.

5- العُزلةُ والتَّشاؤُمُ، وعَدَمُ القُدرةِ على تَحَمُّلِ البَلاءِ.

6- العُبوسُ وتَقطيبُ الجَبينِ والاكتِئابُ والبُكاءُ .

7- القَلَقُ والحُزنُ والعُدوانيَّةُ وحِدَّة الطَّبعِ .

الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 

آثارُ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ
 
1- اليأسُ والقُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ مِن صِفاتِ الكافِرِ والضَّالِّ:
قال اللهُ تعالى: قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
[الحجر: 56] .
وقال: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[يوسف: 87] .
قال
السَّعديُّ: (يُخبرُ تعالى عن طَبيعةِ الإنسانِ أنَّه جاهلٌ ظالمٌ؛ بأنَّ اللهَ إذا أذاقَه منه رَحمةً كالصِّحَّةِ والرِّزقِ والأولادِ ونَحوِ ذلك، ثُمَّ نَزَعَها منه، فإنَّه يستَسلِمُ لليأسِ، وينقادُ للقُنوطِ) .
قال ابنُ عَطيَّةَ: (اليأسُ مِن رَحمةِ اللهِ وتَفريجِه مِن صِفةِ الكافِرينَ) .

2- اليأسُ والقُنوطُ ليس مِن صِفاتِ المُؤمِنينَ:
قال
البَغَويُّ: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36] ييأسونَ مِن رَحمةِ اللهِ، وهذا خِلافُ وَصفِ المُؤمِنِ؛ فإنَّه يشكُرُ اللهَ عِندَ النِّعمةِ، ويرجو رَبَّه عِندَ الشِّدَّةِ) .
قال القاسِميُّ: (الجَزَعُ واليأسُ مِنَ الفرَجِ عِندَ مَسِّ شَرٍّ قُضِيعليه، وكُلُّ ذلك مِمَّا يُنافي عَقدَ الإيمانِ) .

3- اليأسُ والقُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ فيه تَكذيبٌ للهِ ولرَسولِه:
قال ابنُ عَطيَّةَ: (اليأسُ مِن رَحمةِ اللهِ وتَفريجِه مِن صِفةِ الكافِرينَ؛ إذ فيه إمَّا التَّكذيبُ بالرُّبوبيَّةِ، وإمَّا الجَهلُ بصِفاتِ اللهِ تعالى).
قال
القُرطُبيُّ: (اليأسُ مِن رَحمةِ اللهِ... فيه تَكذيبُ القُرآنِ؛ إذ يقولُ وقَولُه الحَقُّ: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: 156] ، وهو يقولُ: لا يغفِرُ له! فقد حَجَرَ واسِعًا. هذا إذا كان مُعتَقِدًا لذلك؛ ولذلك قال اللهُ تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ[يوسف: 87] ، وبَعده القُنوطُ، قال اللهُ تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: 56] ) .

4- اليأسُ فيه سوءُ أدَبٍ مَعَ اللهِ سُبحانَه وتعالى:
ف(الخَوفُ الموقِعُ في الإياسِ: إساءةُ أدَبٍ على رَحمةِ اللهِ تعالى التي سَبَقَت غَضَبَه، وجَهلٌ بها) .

5- اليأسُ سَبَبٌ في الوُقوعِ في الهَلاكِ والضَّلالِ:
قال القاسِميُّ: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا
[الإسراء: 83] إشارةٌ إلى السَّبَبِ في وُقوعِ هَؤُلاءِ الضَّالِّينَ في أوديةِ الضَّلالِ، وهو حُبُّ الدُّنيا وإيثارُها على الأُخرى، وكُفرانُ نِعَمِه تعالى بالإعراضِ عن شُكرِها، والجَزَعِ واليأسِ مِنَ الفرَجِ عِندَ مَسِّ شَرٍّ قُضيَعليه) .
قال عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ: وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال: القُنوطُ) .

6- الفُتورُ والكسَلُ عن فِعلِ الطَّاعاتِ والغَفلةِ عن ذِكرِ اللهِ:
قال
ابن حجرالهيتمي: (القانِطُ آيِسٌ من نَفعِ الأعمالِ، ومَن لازَمَ ذلك تَرَكها) .
قال
فخرُ الدِّينِ الرَّازيُّ: (وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا أي: إذا مَسَّه فقرٌ أو مَرضٌ أو نازِلةٌ مِنَ النَّوازِلِ كان يئوسًا شَديدَ اليأسِ مِن رَحمةِ اللهِ... إن فازَ بالنِّعمةِ والدَّولةِ اغتَرَّ بها فنَسيَ ذِكرَ الله، وإن بَقيَ في الحِرمانِ عنِ الدُّنيا استَولى عليه الأسَفُ والحُزنُ ولم يتَفرَّغْ لذِكرِ اللهِ تعالى، فهذا المِسكينُ مَحرومٌ أبَدًا عن ذِكرِ اللهِ) .

7- الاستِمرارُ في الذُّنوبِ والمَعاصي:
قال أبو قِلابةَ: (الرَّجُلُ يُصيبُ الذَّنبَ فيقولُ: قد هَلَكتُ، ليس لي تَوبةٌ! فييأسُ مِن رَحمةِ اللهِ، وينهَمِكُ في المَعاصي؛ فنَهاهمُ الله تعالى عن ذلك، قال الله تعالى: إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[يوسف: 87] ) .

8- اليأسُ مِن رَحمةِ اللهِ سَبَبٌ في الحِرمانِ منها:
قال المُبارَكفوريُّ: (إنِ اعتَقدَ أو ظَنَّ الإنسانُ أنَّ اللهَ لا يقبَلُها -يعني: أعمالَه- وأنَّها لا تَنفعُه، فهذا هو اليأسُ مِن رَحمةِ اللهِ، وهو مِنَ الكبائِرِ، ومَن ماتَ على ذلك وكِلَ إلى ما ظَنَّ، كما في بَعضِ طَرقِ حَديثِ: «أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، فيَظُنُّ بي عَبدي ما شاءَ» .

9- اليأسُ مِن رَحمةِ اللهِ سَبَبٌ لفسادِ القَلبِ:
قال
ابنُ القَيِّمِ وهو يُعَدِّدُ الكبائِرَ: (الكبائِرُ:... القُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ، واليأسُ مِن رَوحِ اللهِ... وتَوابعُ هذه الأُمورِ التي هي أشَدُّ تَحريمًا مِنَ الزِّنا وشُربِ الخَمرِ وغَيرِهما مِنَ الكبائِرِ الظَّاهرةِ، ولا صَلاحَ للقَلبِ ولا للجَسَدِ إلَّا باجتِنابِها، والتَّوبةِ منها، وإلَّا فهو قَلبٌ فاسِدٌ، وإذا فسَدَ القَلبُ فسَدَ البَدَنُ) .

10- اليأسُ يُؤَدِّي إلى ذَهابِ سَكينةِ القَلبِ والشُّعورِ الدَّائِمِ بالحِرمانِ والحُزنِ والهَمِّ:
ف (اليأسُ مِن رَوحِ اللهِ والقُنوطُ من رَحمتِه يُؤَدِّي إلى تَركِ العَمَلِ؛ إذ لا فائِدةَ منه بزَعمِه، وهذه طامَّةٌ مِنَ الطَّوامِّ، وكبيرةٌ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ، تُخرِجُ القَلبَ عن سَكينتِه وأُنسِه، إلى انزِعاجِه وقَلقِه وهَمِّه) .
قال
الشَّوكانيُّ: (إذا مَسَّه -أي: الإنسانَ- الشَّرُّ مَن مَرضٍ أو فقرٍ، كان يؤوسًا شَديدَ اليأسِ مِن رَحمةِ اللهِ، وإن فازَ بالمَطلوب الدُّنيويِّ، وظَفِرَ بالمَقصودِ نَسيَ المَعبودَ، وإن فاتَه شَيءٌ مِن ذلك استَولى عليه الأسَفُ، وغَلبَ عليه القُنوطُ، وكِلتا الخَصلتَينِ قَبيحةٌ مَذمومةٌ) .

11- اليأسُ يُؤَدِّي إلى الشُّعورِ بالعَجزِ والكسَلِ والفُتورِ والجُبنِ والصَّغارِ والذُّلِّ.

12- اليأسُ يتَسَبَّبُ في نَكدِ العَيشِ، وعَدَمِ الرَّغبةِ في الحَياةِ.





 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الوسائِلُ المُعينةُ على التَّخَلُّصِ مِنَ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ

1- الإيمانُ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِه:
إنَّ العِلمَ والإيمانَ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِه، وخاصَّةً التي تَدُلُّ على الرَّحمةِ والمَغفِرةِ والكرَمِ والجودِ، تَجعَلُ المُسلمَ لا ييأَسُ مِن رَحمةِ اللهِ وفَضلِه، ف(إذا عَلمَ العَبدُ، وآمَنَ بصِفاتِ اللهِ مِنَ الرَّحمةِ والرَّأفةِ، والتَّوبِ واللُّطفِ، والعَفوِ والمَغفِرةِ والسَّترِ، وإجابةِ الدُّعاءِ؛ فإنَّه كُلَّما وقَعَ في ذَنبٍ دَعا اللهَ أن يرحَمَه ويغفِرَ له ويتوبَ عليه، وطَمِع فيما عِندَ اللهِ مِن سَترٍ ولُطفٍ بعِبادِه المُؤمِنينَ، فأكسَبَه هذا رَجعةً وأوبةً إلى اللهِ كُلَّما أذنَبَ، ولا يجِدُ اليأسُ إلى قَلبِه سَبيلًا، كيف ييأسُ مَن يُؤمِنُ بصِفاتِ الصَّبرِ والحِلمِ؟! كيف ييأسُ مِن رَحمةِ اللهِ مَن عَلِمَ أنَّ اللهَ يتَّصِفُ بصِفةِ الكرَمِ والجودِ والعَطاءِ؟!)
.
2- حُسنُ الظَّنِّ باللهِ ورَجاءُ رَحمَتِه:
قال السَّفَّارينيُّ: (حالُ السَّلفِ رَجاءٌ بلا إهمالٍ، وخَوفٌ بلا قُنوطٍ. ولابُدَّ مِن حُسنِ الظَّنِّ باللهِ تعالى) .
فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا مَعَه حَيثُ يذكُرُني، واللهِ، للهُ أفرَحُ بتَوبةِ عَبدِه مِن أحَدِكم يجِدُ ضالَّتَه بالفلاةِ، ومَن تَقرَّب إليَّ شِبرًا تَقَرَّبتُ إليه ذِراعًا، ومن تَقَرَّب إليَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إليه باعًا، وإذا أقبَل إليَّ يمشي أقبَلتُ إليه أُهَروِلُ)) .
وعن
أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((قال اللهُ تعالى: يا ابنَ آدَمَ، إنَّك ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفرتُ لك على ما كان مِنك ولا أُبالي. يا ابنَ آدَمَ لو بَلغَت ذُنوبُك عَنانَ السَّماءِ ثُمَّ استغفَرتَني غَفرتُ لك ولا أُبالي. يا ابنَ آدَمَ لو أتَيتَني بقُرابِ الأرضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيتَني لا تُشرِكُ بي شَيئًا لأتَيتُك بقُرابِها مَغفِرةً)) .
قال
الشَّافِعيُّ:
ولمَّا قَسا قَلبي وضاقَت مَذاهبي
جَعَلتُ رَجائي دونَ عَفوِك سُلَّمَا
تعاظَمَني ذَنبي فلمَّا قَرَنتُه
بعَفوِك رَبِّي كان عَفوُك أعظَما
فما زِلتَ ذا عَفوٍ عنِ الذَّنبِ لم تَزَلْ
تجودُ وتَعفو مِنَّةً وتكَرُّمَا
فإن تَنتَقِمْ مِنِّي فلستُ بآيِسٍ
ولو دَخَلَت نَفسي بجُرمي جَهنَّما
ولولاك لم يَغوَ بإبليسَ عابدٌ
فكيف وقد أغوى صَفيَّك آدَما
وإنِّي لآتي الذَّنبَ أعرِفُ قَدْرَه
وأعلمُ أنَّ اللهَ يعفو تَرَحُّمَا
- وأنشَد بَعضُهم:
صَبرًا جَميلًا ما أقرَبَ الفَرَجَا
مَن راقَبَ اللهَ في الأُمورِ نَجا
مَن صَدَقَ اللهَ لم ينَلْه أذًى
ومَن رَجاه يكونُ حَيثُ رَجا


3- تعَلُّقُ القَلبِ باللهِ والثِّقةُ به:
لا بُدَّ للمَرءِ مِن أن يُعَلِّقَ قَلبَه باللهِ، ويجعَلَ الثِّقةَ به سُبحانَه وتعالى في كُلِّ أحوالِه، مَعَ الاستِعانةِ باللهِ وحدَه، والإقرارِ له بالرَّجاءِ، وتَحقيقِ التَّوكُّلِعليه، والتَّفويضِ إليه، واعتِرافِ العَبدِ له بأنَّ ناصيتَه في يدِه، يُصَرِّفُه كيف يشاءُ، وأنَّه ماضٍ فيه حُكمُه، عَدلٌ فيه قَضاؤُه، و(لا يليقُ بالمُسلمِ أن ييأسَ مِن رَوحِ اللهِ ولا يقنَطَ مَن رَحمتِه، ولا يكونُ نَظَرُه مَقصورًا على الأُمورِ المادِّيَّةِ والأسبابِ الظَّاهرةِ، بل يكونُ مُتَلفِّتًا في قَلبِه في كُلِّ وقتٍ إلى مُسَبِّبِ الأسبابِ، إلى الكريمِ الوهَّاب، مُتَحَرِّيًا للفرَجِ، واثِقًا بأنَّ اللهَ سَيجعَلُ بَعدَ العُسرِ يُسرًا، ومِن هنا ينبَعِثُ للقيامِ بما يقدِرُ عليه مِنَ النُّصحِ والإرشادِ والدَّعوةِ، ويقنَعُ باليسيرِ إذا لم يُمكِنِ الكثيرُ، وبزَوالِ بَعضِ الشَّرِّ وتَخفيفِه إذا تَعَذَّرَ غَيرُ ذلك) .
وأنشَد بعضُهم:
هَوِّنْعليك وكُنْ برَبِّك واثِقًا
فأخو التَّوكُّلِ شَأنُه التَّهوينُ .
وقال مُصطَفى صادِق الرَّافِعيُّ: (أنت عَجَزتَ أيُّها الإنسانُ فأيقَنتَ أنَّك لا تَستَطيعُ أن تُغَيِّرَ أطوارَ الدُّنيا، ولكِن كيف نَسيتَ الذي يستَطيعُ أن يُغَيِّرَها، وهو يُغَيِّرُها كُلَّ طَرفةِ عَينٍ؟!) .


4- الأخذُ بالأسبابِ، وتَركُ الاستِسلامِ لليأسِ،
وقد قال نَبيُّ اللهِ يعقوبُ عليه السَّلامُ لأولادِه لمَّا أبلغوه فَقْدَ ابنِه الثَّاني: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87] .

5- أن يكونَ العَبدُ بَينَ الخَوفِ والرَّجاءِ:
قال تعالى في مَدحِ عِبادِه المُؤمِنينَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [الأنبياء: 90] .
وقال ابنُ هانِئٍ: قال لي
أبو عبدِ اللهِ أحمَدُ بنُ حَنبَلٍ: (ينبغي للمُؤمِنِ أن يكونَ رَجاؤُه وخَوفُه واحِدًا). وقال غَيرُه عنه: (فأيُّهما رَجَحَ صاحِبُه هَلَك) .
وهذا هو العَدلُ؛ ولهذا مَن غَلبَ عليه حالُ الخَوفِ أوقعَه في نَوعٍ مِنَ اليأسِ والقُنوطِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا في أُمورِ النَّاسِ، ومَن غَلبَ عليه حالُ الرَّجاءِبلا خَوفٍ أوقَعَه في نَوعٍ مِنَ الأمنِ لمَكرِ اللهِ، إمَّا في نَفسِه وإمَّا في أُمورِ النَّاسِ .


6- الإيمانُ بالقَضاءِ والقَدَرِ:
إذا عَلمَ المَرءُ وأيقَنَ أنَّ كُلَّ ما حَصَل له هو بقَضاءِ اللهِ وقدَرِه استَراحَ قَلبُه، ولم يشعُرْ بيأسٍ ولا حُزنٍ لفواتِ شَيءٍ كان يرجوه، أو لوُقوعِ أمرٍ كان يحذَرُ منه؛ قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] .
وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[التغابن: 11] .
قال
ابنُ القَيِّمِ: (إذا جَرى على العَبدِ مَقدورٌ يَكرَهُه، فله فيه سِتَّةُ مَشاهدَ؛ أحَدُها: مَشهَدُ التَّوحيدِ، وأنَّ اللهَ هو الذي قدَّرَه وشاءَه وخَلقَه، وما شاءَ اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، الثَّاني: مَشهَدُ العَدلِ، وأنَّه ماضٍ فيه حُكمُه عَدلٌ فيه قَضاؤُه، الثَّالثُ: مَشهَدُ الرَّحمةِ، وأنَّ رَحمَتَه في هذا المَقدورِ غالِبةٌ لغَضَبِه وانتِقامِه، ورَحمتُه حَشْوُه، الرَّابعُ: مَشهَدُ الحِكمةِ، وأنَّ حِكمَتَه سُبحانَه اقتَضَت ذلك لم يُقدِّره سُدًى ولا قَضاه عَبَثًا، الخامِسُ: مَشهَدُ الحَمدِ، وأنَّ له سُبحانَه الحَمدَ التَّامَّ على ذلك مِن جَميعِ وُجوهِه، السَّادِسُ: مَشهَدُ العُبوديَّةِ، وأنَّه عَبدٌ مَحضٌ مِن كُلِّ وجهٍ تَجري عليه أحكامُ سَيِّدِه وأقضيتُه بحُكمِ كونِه مِلكَه وعَبدَه، فيُصرِّفُه تَحتَ أحكامِه القدَريَّةِ كما يُصَرِّفُه تَحتَ أحكامِه الدِّينيَّةِ؛ فهو مَحَلٌّ لجَرَيانِ هذه الأحكامِ عليه) .
وقال مُصطَفى صادِق الرَّافِعيُّ: (سِرُّ سَعادةِ المُؤمِنِ على ما يجِدُ مِنَ الفقرِ والشَّقاءِ في هذه الحَياةِ: أنَّ في ضَميرِه مِن فِكرةِ الآخِرةِ وُجودًا إلهيًّا عَظيمًا، فيه الرِّضا الدَّائِمُ عنِ اللهِ، والصَّبرُ الدَّائِمُ على قَضاءِ اللهِ، والأمَلُ الدَّائِمُ في رَحمةِ اللهِ. فكُلُّ حِرمانِ الدُّنيا يذهَبُ في الرِّضا فلا حِرمانَ، وكُلُّ مَصائِبِها تَقَعُ في الصَّبرِ فتَتَحَوَّلُ مَعانيها، والأمَلُ الدَّائِمُ في رَحمةِ اللهِ قوَّةٌللقوَّتَينِ) .
وقال أيضًا: (لا يُمكِنُ أن تُرضيَك الدُّنيا كُلَّما أحبَبتَ، ولا بكُلِّ ما تُحِبُّ؛ فلستَ أنتَ العاصِمةَ في مَملكةِ اللهِ، ولكِنَّ المُمكِنَ أن تَرضى أنتَ بما يُمكِنُ) .
فينبَغي التَّفاؤُلُ والتَّسليمُ للقَضاءِ؛ قال
أبو عَبدِ اللهِ القُرطُبيُّ: (ومَن سَلَّم للقَضاءِ أسفرَت عاقِبَتُه عنِ اليدِ البَيضاءِ) .

7- الدُّعاءُ مَعَ الإيقانِ بالإجابةِ:
(اليأسُ داءٌ قَتَّالٌ، ولمَّا كانت هَواجِسُ الإنسانِ في أكثَرِ حالاتِه تَدعوه إلى اليأسِ حينَ يُدرِكُ واقِعَه الظَّاهريَّ دونَ أن يمتَدَّ باستِشفافِه إلى ما يطويه اللهُ مِن خَيرٍ سيُؤتي ثِمارَه عن قَريبٍ؛ فقد رَسَمَت سورةُ الشَّرحِ سُبُلًا لدَرءِ هذا اليأسِ القاتِلِ، وهو التَّوجُّهُ إلى اللهِ بالدُّعاءِ والارتِكانِ كُلَّالارتِكانِ إلى عَونِ السَّماءِ، يقولُ اللهُجَلَّ ذِكرُه: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ [الشرح: 7 - 8] ؛ ليدعوَ الإنسانَ إلى أن يترُكَ واقِعَه المُظلمَ ويتَّجِهَ إلى السَّماءِ راغِبًا داعيًا حَيثُ يجِدُ في عَونِها الفَرَجَ الواسِعَ مِنَ الفرجِ الضَّيِّقِ، والالتِجاءِ إلى قُدرةِ اللهِ؛ مِمَّا يبعَثُ الطُّمَأنينةَ ويرُدُّ التَّشاؤُمَ إلى التَّفاؤُلِ؛ لأنَّ صاحِبَ القُدرةِ القادِرة يستَجيبُ للمُضطَرِّ إذا دَعاه، فيكشِفُ السُّوءَ، فهو إذَن مَلاذُ اللَّائِذينَ، وغَوثُ المُستَغيثينَ) .
وهذا نَبيُّ اللهِ يعقوبُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمَّا عوتِبَ في تَذَكُّرِ يوسُفَعليه السَّلامُ بَعدَ طولِ الزَّمانِ، وانقِطاعِ الأمَلِ، وحُصولِ اليأسِ في رُجوعِه، قال بلِسانِ المُؤمِنِ الواثِقِ في وعدِ اللهِ برَفعِ البَلاءِ عنِ الصَّابرينَ وإجابةِ دَعوةِ المُضطَرِّينَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
[يوسف: 86] .
وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
((لا يزالُ يُستَجابُ للعَبدِ، ما لم يدْعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رَحِمٍ، ما لم يستَعجِلْ)) .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطُبيُّ: ينبَغي (استِدامةُ الدُّعاءِ وتَركُ اليأسِ مِنَ الإجابةِ، ودوامُ رَجائِهما، واستِدامةُ الإلحاحِ في الدُّعاءِ؛فإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُلحِّينَ في الدُّعاءِ) .
فليلجَأِ العَبدُ إلى مَنِ القُلوبُ بَينَ إصبَعَيه، وأزمَّةُ الأُمورِ بيدَيه، وانتِهاءُ كُلِّ شَيءٍ إليه على الدَّوامِ؛ فلعَلَّه أن يُصادِفَ ساعةً مِنَ السَّاعاتِ التي لا يُسألُ اللهُ فيها شَيئًا إلَّا أعطاه، فمَن أُعطيَ مَنشورَ الدُّعاءِ أُعطيَ الإجابةَ، فإنَّه لو لم يُرِدْ إجابَتَه لما ألهَمَه الدُّعاءَ .
والمَرءُ مَعَ إلحاحِه في الدُّعاءِ عليه أن يوقِنَ بأنَّ (النَّصرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مَعَ الكربِ، وأنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا) .
- كثرةُ ذِكرِ اللهِ تعالى؛ قال
ابنُ القَيِّمِ: (إنَّه قوتُ القَلِب والرُّوحِ، فإذا فقدَه العَبدُ صارَ بمَنزِلةِ الجِسمِ إذا حيل بَينَه وبَينَ قوَّتِه، وحَضَرتُ شَيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّةَ مَرَّةً صَلَّى الفجرَ ثُمَّ جَلسَ يذكُرُ اللهَ تعالى إلى قَريبٍ مِن انتِصافِ النَّهارِ، ثُمَّ التَفتَ إليَّ وقال: هذه غَدوتَي، ولو لم أتَغَدَّ الغَداءَ سَقَطَت قوَّتي!) .
- أن يرتَعَ قَلبُه في رياضِ القُرآنِ، وأن يستَضيءَ به في ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وأن يتَسَلَّى به عن كُلِّ فائِتٍ، ويتَعَزَّى به عن كُلِّ مُصيبةٍ، ويستَشفيَ به مِن أدواءِ صَدرِه، فيكونُ جَلاءَ حُزنِه، وشِفاءَ هَمِّه وغَمِّه .


8- الصَّبرُ عِندَ حُدوثِ البَلاءِ:
وذلك أنَّ اللهَ سُبحانَه ذَمَّ اليائِسينَ مِن رَحمَتِه عِندَ حُصولِ البَلاءِ، واستثنى مِنَ الذَّمِّ الصَّابرينَ على البَلاءِ، وجَعَل لهمُ الثَّوابَ العَظيمَ.
فقال تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
[هود: 10-11] .
ونَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن تَمَنِّي المَوتِ بسَبَبِ البَلاءِ؛فعن
أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يتَمَنَّينَّ أحَدُكمُ المَوتَ لضُرٍّ نَزَل به، فإن كان لا بُدَّ مُتَمَنِّيًا للمَوتِ فليقُلِ: اللَّهمَّ أحيِني ما كانتِ الحَياةُ خَيرًا لي، وتوفَّني إذا كانتِ الوفاةُ خَيرًا لي)) .
ومِمَّا يُعينُ على الصَّبرِ على أقدارِ اللهِ المُؤلِمةِ: مُلاحَظةُ حُسنِ الجَزاءِ، وانتِظارُ رَوحِ الفرَجِ، وتَهوينُ البَليَّةِ بعَدِّ أيادي المِنَنِ، وبذِكرِ سَوالِفِ النِّعَمِ .


9- عَدَمُ التَّحَسُّرِ على ما فاتَ، وتَركُ القَلقِ على المُستَقبَلِ.
قال السَّعديُّ: (إيَّاك والتَّحَسُّرَ على الأُمورِ الماضيةِ التي لم تُقدَّرْ لك؛ مِن فقدِ صِحَّةٍ أو مالٍ أو عَمَلٍ دُنيويٍّ ونَحوِها، وليكُنْ هَمُّك في إصلاحِ عَمَلِ يومِك؛ فإنَّ الإنسانَ ابنُ يومِه، لا يحزَنُ لِما مَضى، ولا يتَطَلَّعُ للمُستَقبَلِ حَيثُ لا ينفعُه التَّطَلُّعُ) .
وقال أيضًا: (مِنَ الأسباب الموجِبةِ للسُّرورِ وزَوالِ الهَمِّ والغَمِّ: السَّعيُ في إزالةِ الأسبابِ الجالبةِ للهُمومِ، وفي تَحصيلِ الأسبابِ الجالبةِ للسُّرورِ، وذلك بنِسيانِ ما مضى عليه مِنَ المَكارِه التي لا يُمكِنُه رَدُّها، ومَعرِفتِه أنَّ اشتِغالَ فِكرِه فيها مِن بابِ العَبَثِ والمُحالِ، وأنَّ ذلك حُمقٌ وجُنونٌ، فيُجاهِدُ قَلبَه عنِ التَّفكُّرِ فيها، وكذلك يُجاهدُ قَلبَه عن قَلقِه لِما يستَقبلُه، مِمَّا يتَوهَّمُه مِن فقرٍ أو خَوفٍ أو غَيرِهما مِنَ المَكارِه التي يتَخَيَّلُها في مُستَقبَلِ حَياتِه، فيَعلمُ أنَّ الأُمورَ المُستَقبَلةَ مَجهولٌ ما يقَعُ فيها مِن خَيرٍ وشَرٍّ وآمالٍ وآلامٍ، وأنَّها بيَدِ العَزيزِ الحَكيمِ، ليسَ بيَدِ العِبادِ منها شَيءٌ إلَّا السَّعيُ في تَحصيلِ خَيراتِها، ودَفعِ مَضَرَّاتِها، ويَعلمُ العَبدُ أنَّه إذا صَرَف فِكرَه عن قَلقِه مِن أجلِ مُستَقبَلِ أمرِه، واتَّكل على رَبِّه في إصلاحِه، واطمَأنَّ إليه في ذلك، إذا فعَل ذلك اطمَأنَّ قَلبُه وصَلَحَت أحوالُه، وزال عنه هَمُّه وقَلَقُه) .


10- تَلمُّحُ سِيَرِ المُصطَفَينَ مِن عِبادِ اللهِ لمَعرِفةِ أنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا، وأنَّ مِنَ المِحَنِ تَأتي المِنَحُ:
فقد لاقى الأنبياءُ والمُرسَلونَ وأتباعُهم مِن ضُروبِ البَلاءِ وألوانِ المِحَنِ ما يُضرَبُ المَثَلُ للنَّاسِ؛ فهؤلاء هم رُسُلُ اللهِ يُؤَدُّونَ رِسالتَه ويُبَلِّغونَ كلمَتَه، وما أيسَرَ أن يُسَهِّلَ اللهُ عليهم طَريقَ الرِّسالةِ، فيجذِبَ إليهمُ الأشياعَ دونَ عِنادٍ، ولكِنَّه جَلَّ ذِكرُه قد واجَهَهم بالصُّعوباتِ ليكونوا قُدوةً للنَّاسِ في الجِهادِ والجِلادِ، وقد تَحمَّل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن ضُروبِ الشَّدائِدِ ما تَحَمَّل، ولاقى أصحابُه مَعَه بَعضَ ما لاقى مِنَ العُسرِ، ومنهم مَن آثَرَ الصَّبرَ ومال إلى التَّفاؤُلِ ارتِقابًا لتَحقيقِ وعدِ اللهِ، ومنهم مَن حَزَبه الضِّيقُ، فشَكا إلى رَسولِ اللهِ بَعضَ ما يلقاه، فنَزَل القُرآنُ داعيًا للثَّباتِ، ومُناديًا بالصَّبرِ، وضارِبًا المَثَلَ الواقِعيَّ بما عانى أولو العَزمِ مِنَ المُرسَلينَ؛ يقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ:أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: 214] .
وقد يشتَدُّ العُسرُ بالرَّسولِ وأصحابه فيُنزِلُ اللهُ كِتابَه مُبَشِّرًا باليُسرِ، ومُعَدِّدًا نِعَمَه السَّابقةَ على رَسولِ اللهِ حينَ شَرَحَ صَدرَه بالنُّبوَّةِ، ورَفعَ ذِكرَه في العالَمينَ: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ * فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ
[الشرح: 1- 8] .
وإذا كان القُرآنُ الكريمُ في تَرتيبِه المُتَناسِقِ يُكمِلُ حَلَقاتِ المَعاني المُتَواشِجةِ إكمالًا يُدرِكُه البُصَراءُ بأساليبِ البَيانِ، فإنَّ التَّجاوُرَ بَينَ سورةِ الضُّحى وسورةِ الشَّرحِ يُؤَكِّدُ حَقيقةَ التَّفاؤُلِ، ويُعلنُ تَعاقُبَ اليُسرِ والعُسرِ؛ فقد دَلَّتِ الآياتُ الكريمةُ في سورةِ الضُّحى على هذه الحَقيقةِ الماثِلةِ؛ إذِ انقَطَعَ الوحيُ عن رَسولِ اللهِ حينًا مِنَ الدَّهرِ، فلقِيَ مِن ذلك الانقِطاعِ عناءً نَفسيًّا مُبَرِّحًا، وقد شَمَتَ به مِن أعدائِه مَن يتَشَفَّونَ بما يلقى مِن صُعوباتٍ في طَريقِ دَعوتِه الكريمةِ، فكانت شَماتةُ الأعداءِ شِدَّةً أُخرى تُضافُ إلى الشِّدَّةِ الحادِثةِ مِن انقِطاعِ الوَحيِ؛ فنَزَل قَولُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ:وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى
[الضحى: 1 - 5] . نَزَل هذا القَولُ الكريمُ ليُبَشِّرَ باليُسرِ بَعدَ العُسرِ، وبالفرَجِ بَعدَ الشِّدَّةِ، وبالرَّجاءِ بَعدَ اليأسِ، وقد ضَرَبَ الأمثِلةَ بما تقدَّمَ مِن حَياةِ الرَّسولِ؛ حَيثُ قال:أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى: 6 - 8] ، وفي خِتامِ السُّورةِ يقولُ اللهُ عَزَّ وجَل: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: 11] ؛ ليكونَ الحَديثُ عن نِعمةِ اللهِ طارِدًا لليأسِ، مُؤَكِّدًا للأمَلِ؛ فإنَّ الذي يتَذَكَّرُ ما أسلَف اللهُ له في أمسِه مِن خالِصِ النِّعَمِ لا ييأسُ مِن غَدِه، بل يقيسُ الآتيَ على الغابرِ، فيرتاحُ .

11- الزُّهدُ في الدُّنيا:
فمِن أسبابِ اليأسِ والقُنوطِ الأساسيَّةِ تعَلُّقُ القَلبِ بالدُّنيا والفرَحُ بأخذِها، والحُزنُ والتَّأسُّفُ على فواتِها بكُلِّ ما فيها، مِن جاهٍ وسُلطانٍ وزَوجةٍ وأولادٍ، ومالٍ وعافيةٍ...إلخ، فاعلَمْ أنَّ اللهَ سُبحانَه يُعطي الدُّنيا لمَن لا يُحِبُّ ومَن يُحِبُّ، ولا يُعطي الآخِرةَ إلَّا لمَن أحَبَّ، وقد مَنَعَ أحَبَّ الخَلقِ إليه وأكرَمَهم عليه نَبيَّنا مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الدُّنيا وما فيها، فخَرَجَ وما مَلأ بَطنَه مِن خُبز البُرِّ ثَلاثَ أيَّامٍ مُتَوالياتٍ! وعلى المَرءِ أن يعلمَ أنَّه لن يأخُذَ أكثَرَ مِمَّا قُدِّرَ له، فلا ييأسْ ولا يقنَطْ لفواتِ شَيءٍ.

12- بَثُّ الهَمِّ قَبلَ استِحكامِه والوُصولِ إلى مَرحَلةِ الإحباطِ:
وقد قيل:

ولابُدَّ مِن سِرٍّ إليك أبُثُّه
ففي نَفثةِ المَصدورِ بَعضُ شِفائِه
ويُستَحَبُّ تَسليةُ المُصابِ والمَهمومِ، وقد قال تعالى: وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
[الشورى: 8] ، وإنَّما قيل هذا لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَسليةً له عَمَّا كان ينالُه مِنَ الهَمِّ بتَوليةِ قَومِه عنه، وأمرًا له بتَركِ إدخالِ المَكروهِ على نَفسِه مِن أجلِ إدبارِ مَن أدبَرَ عنه منهم . وقال تعالى: وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [يوسف: 19] ، وهذا وإن كان خَبَرًا مِنَ اللهِ عن يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فإنَّه تَذكيرٌ مِنَ اللهِ لنَبيِّه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَسليةٌ منه له عَمَّا كان يلقى مِن أقرِبائِه وأنسابِه المُشرِكينَ مِنَ الأذى، يقولُ تعالى ذِكرُه له: فاصبِرْ يا مُحَمَّدُ على ما نالك في اللهِ؛ فإنِّي قادِرٌ على تَغييرِ ما ينالك به هؤلاء المُشرِكونَ، كما كُنتُ قادِرًا على تَغييرِ ما لقي يوسُفُ مِن إخوتِه، فمَصيرُ أمرِك وأمرِهم إلى عُلوِّك عليهم وإذعانِهم لك .
ويُستَحَبُّ مُحادَثةُ المَهمومِ بما يُخَفِّفُ عنه ويُؤنِسُ وحشَتَه، وقد دَخَل عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنه على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فوجَدَه واجِمًا ساكِتًا، فقال: (لأقولَنَّ شَيئًا أُضحِكُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم...) ، قال
النَّوويُّ: (فيه استِحبابُ مِثلِ هذا، وأنَّ الإنسانَ إذا رَأى صاحِبَه مَهمومًا حَزينًا يُستَحَبُّ له أن يُحَدِّثَه بما يُضحِكُه أو يشغَلُه ويُطَيِّبُ نَفسَه) .

13- أن يُفسِحَ في الأمَلِ، كما قال الطُّغرائيُّ:
أُعَلِّلُ النَّفسَ بالآمالِ أرقُبُها
ما أضيقَ العَيشَ لولا فُسحةُ الأمَلِ
والمَعنى: أُمَنِّي النَّفسَ وأُعَلِّلُها برِقبةِ الآمالِ، وانتِظارِ بُلوغِها وإدراكِها؛ فيتَّسِعُ لها ما ضاقَ عليها مِنَ الدَّهرِ والعَيشِ، ثُمَّ قال: ما أضيقَ الدَّهرَ لولا أنَّ فُسحةَ الأمَلِ تَوسِعُه! وفي الآمالِ راحةٌ للنُّفوسِ... وقال بَعضُهم: نِعمَ الرَّفيقُ الأمَلُ، وإن لم يَبلُغْك فقد آنَسَك، واستَمتَعتَ به...
وقد أخَذَ قَولَ الطُّغرائيِّ العِمادُ الكاتِبُ، وقال:
وما هذه الأيَّامُ إلَّا صَحائِفٌ
يُؤَرَّخُ فيها ثُمَّ يُمحى ويُمحَقُ
ولم أرَ شَيئًا مِثلَ دائِرةِ المُنى
تُوسِعُها الآمالُ والعُمرُ ضَيِّقُ


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قِصَصٌ ونَماذِجُ في عَدَمِ اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ

أ- نَماذِجُ مِنَ الأنبياءِ

1- قِصَّةُ نَبيِّ اللهِ يعقوبَ عليه السَّلامُ:
فقِصَّةُ نَبيِّ اللهِ يعقوبَ عِندَ فقدِ ابنِه يوسُفَ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ دَرسٌ عَظيمٌ في تَركِ اليأسِ، وحُسنِ الظَّنِّ باللهِ، والصَّبرِ على البَلاءِ، ورَجاءِ الفرَجِ مِنَ اللهِ، في عِدَّةِ مَواضِعَ؛منها:
عِندَما جاءَه نَعيُ أحَبِّ أولادِه إليه يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ -وهذا أعظَمُ المَصائِبِ على قَلبِ الأبِ- لم يفقِدْ صَوابَه، بل قابَل قدَرَ اللهِ النَّازِلَ بالصَّبرِ والحِلمِ، والاستِعانةِ باللهِ سُبحانَه على رَفعِه: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
[يوسف: 18] .
ولمَّا عَظُمَتِ المُصيبةُ بفقدِ ابنِه الثَّاني ازدادَ صَبرُه، وعَظُمَ رَجاؤُه في الفرَجِ مِنَ اللهِ سُبحانَه، فقال لأبنائِه: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
[يوسف: 83] .
حينَ عوتِبَ في تَذَكُّرِ يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعدَ طولِ الزَّمانِ، وانقِطاعِ الأمَلِ، وحُصولِ اليأسِ في رُجوعِه، قال بلسانِ المُؤمِنِ الواثِقِ في وعدِ اللهِ برَفعِ البَلاءِ عنِ الصَّابرينَ، وإجابةِ دَعوةِ المُضطَرِّينَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
[يوسف: 86] .
وأخَذَ بالأسبابِ في السَّعيِ والبَحثِ عن يوسُفَ وأخيه، فقال لأبنائِه: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
[يوسف: 87] .
فكانتِ العاقِبةُ لمَن صَبرَ وأَملَ ورَضِيَ ولم يتَسَخَّطْ، فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُمِن عِندِ الحَبيبِ مُبَشِّرًا باللِّقاءِ القَريبِأَلْقَاهُ قَميصَ يوسُفَعَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا فرَجَعَ البَصَرُ، وبَلغَ الأمَلُ، وزال الكَربُ، وحَصَل الثَّوابُ لمَن صَبَرَ ورَضِيَ وأنابَ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
[يوسف: 96] .

2- نَبيُّ اللهِ أيُّوبُ عليه السَّلامُ:
ووقَعَ على أيُّوبَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ الضُّرُّ والمَرَضُ في بَدَنِه، وابتُليَ بذَهابِ الأهلِ والمالِ والولدِ، فلم ينقَطِعْ طَمَعُه في رَحمةِ اللهِ وفَرَجِه، بل نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
[الأنبياء: 83] ، قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 84] في كُلِّ بَلاءٍ نَزَل بهم؛ ليتَأسَّوا به في الصَّبرِ ورَجاءِ الفَرَجِ والأجرِ ، ولم يكُنْ ما ابتُليَ به أيُّوبُ مِن هَوانِه على اللهِ تعالى، ولكِنَّ اللهَ أرادَ كرامَتَه بذلك، وجَعَل ذلك عَزاءً للعابدينَ بَعدَه فيما يُبتَلونَ به .

3- نَبيُّ اللهِ يونُسُ عليه السَّلامُ:
لم يستَولِ اليأسُ على يونُسَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا ارتَفعَ عنه الرَّخاءُ ووقَعَت عليه الشِّدَّةُ، ورَغم أنَّه حُبِسَ في بَطنِ حوتٍ يُعاني ثَلاثَ ظُلُماتٍ: ظُلمةَ البَحرِ، وظُلمةَ اللَّيلِ، وظُلمةَ بَطنِ الحوتِ، إلَّا أنَّه لم يشعُرْ بالإحباطِ ولم يستَسلِمْ للهَمِّ والغَمِّ، بل نادى رَبَّه: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[الأنبياء: 87] ، يُريدُ فيما خالف فيه مِن تَركِ مُداومةِ قَومِه والصَّبرِ عليهم ، قال تعالى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 88] ، وكما أنجَينا يونُسَ مِن كَربِ الحَبسِ في بَطنِ الحوتِ في البَحرِ إذ دَعانا، كذلك نُنجي المُؤمِنينَ مِن كَربِهم إذا استَغاثوا بنا ودَعَونا) .

4- نَبيُّ اللهِ موسى عليه السَّلامُ:
خَرَجَ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ببَني إسرائيلَ حتَّى إذا قابَله البَحرُ ولم يكُنْ له عنه مُنصَرَفٌ، طَلعَ فِرعَونُ في جُندِه مِن خَلفِهم، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
[الشُّعَراء: 61] ، قالت بَنو إسرائيلَ: هذا فِرعَونُ وقَومُه لحِقونا مِن ورائِنا، وهذا البَحرُ أمامَنا قد غَشِيَنا ولا مُنقِذَ لنا منه !قال موسى لقَومِه:كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: 62] ، ليس الأمرُ كما ذَكرتُم، كَلَّا لن تُدرَكوا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ، يقولُ: سَيهدينِ لطَريقٍ أنجو فيه مِن فِرعَونِ وقَومِه) .
 

ب- نَماذِجُ مِنَ السَّلَفِ والعُلَماءِ

- حَجَّ أبو المُظَفَّرِ السَّمعانيُّ على البَرِّيَّةِ أيَّامَ انقَطَعَ الرَّكبُ، فأخذه الأعرابُ هو وجَماعةً، يقولُ: (أسَرونا، فكُنت أرعى جِمالَهم، فاتَّفقَ أنَّ أميرَهم أرادَ أن يُزَوِّجَ بنتَه، فقالوا: نَحتاجُ أن نَرحَلَ إلى الحَضَرِ لأجْلِ مَن يعقِدُ لنا، فقال رَجُلٌ مِنَّا: هذا الذي يرعى جِمالَكم فقيهُ خُراسانَ! فسَألوني عن أشياءَ، فأجَبتُهم وكَلَّمتُهم بالعَرَبيَّةِ، فخَجِلوا واعتَذَروا، فعَقدتُ لهمُ العَقدَ، وقُلت الخُطبةَ، ففرِحوا، وسَألوني أن أقبَل منهم شَيئًا فامتَنَعتُ، فحَمَلوني إلى مَكَّةَ وسَطَ العامِ) .

- وعن أبي عَبدِ اللهِ الباقطائيِّ، قال: سَمِعتُ عُبَيدَ اللهِ بنَ سُلَيمانَ يقولُ في وِزارَتِه، قال لي أبي: (كُنتُ يومًا في حَبسِ مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ المَلِكِ الزَّيَّاتِ في خِلافةِ الواثِقِ، آيَسَ ما كُنتُ مِنَ الفرَجِ، وأشَدَّ مِحنةً وغَمًّا، حتَّى ورَدَت عليَّ رُقعةُ أخي الحَسَنِ بنِ وهبٍ، وفيها شِعرٌ له:
مِحَنٌ أبا أيُّوبَ أنت مَحِلُّها
فإذا جَزِعتَ مِنَ الخُطوبِ فمَن لها
إنَّ الذي عَقدَ الذي انعَقدَت به
عُقَدُ المَكارِه فيك يُحسِنُ حَلَّها
فاصبِرْ فإنَّ اللهَ يُعقِبُ فُرجةً
ولعَلَّها أن تَنجَلي ولعَلَّها
وعسى تَكونُ قَريبةً مِن حَيثُ لا
تَرجو وتَمحو عن جديدِك ذُلَّها
قال: فتَفاءَلتُ بذلك، وقَوِيَت نَفسي، فكتَبتُ إليه:
صَبَّرتَني ووعَظتَني وأنا لها
وستَنجَلي بل لا أقولُ لعَلَّها
ويحُلُّها مَن كان صاحِبَ عَقدِها
ثِقةً به إذ كان يملِكُ حَلَّها
قال: فلم أُصَلِّ العَتَمةَ ذلك اليومَ حتَّى أُطلِقتُ! فصَلَّيتُها في داري، ولم يمضِ يومي ذاك حتَّى فرَّجَ اللهُ عنِّي، وأُطلِقتُ مِن حَبسي، ورُويَ أنَّ هاتَينِ الرُّقعَتَينِ وقَعَتا بيَدِ الواثِقِ، الرِّسالةُ والجَوابُ، فأمَرَ بإطلاقِ سُليمانَ، وقال: واللهِ، لا تَرَكتُ في حَبسي مَن يرجو الفرَجَ، ولا سيَّما مَن خَدَمَني، فأطلقَه على كُرهٍ مِنِ ابنِ الجَرَّاحِ الزَّيَّاتِ لذلك) .

- وكان يحيى النَّحويُّ في أوَّلِ أمرِه مَلَّاحًا يَعبُرُ النَّاسُ في سَفينَتِه، وكان يُحِبُّ العِلمَ كثيرًا، فإذا عَبرَ مَعَه قَومٌ مِن إحدى دورِ العِلمِ التي كانت تَدرُسُ العِلمَ بجَزيرةِ الإسكندَريَّةِ فكانوا يتَحاورونَ في مَسائِلَ مِنَ العِلمِ فيسمَعُه وتَهَشُّ نَفسُه للعِلمِ، فلمَّا قَوِيَت رَويَّتُه في العِلمِ فكَّرَ في أمرِه وقال: قد بَلغتُ نَيِّفًا وأربَعينَ سَنةً مِنَ العُمرِ وما ارتَضْتُ بشَيءٍ وما عَرَفتُ غَيرَ صِناعةِ المَلاحةِ، فكيف يُمكِنُني أن أتَعَرَّضَ إلى شَيءٍ مِنَ العُلومِ، فبَينَما هو مُفكِّرٌ إذ رأى نَملةً قد حَمَلت نَواةَ تَمرةٍ، وهي تُريدُ أن تَصعَدَ بها إلى عُلوٍ، وكُلَّما صَعِدَت بها سَقَطَت، فلم تَزَل تُجاهدُ نَفسَها في طُلوعِها وهي في كُلِّ مَرَّةٍ يزيدُ ارتِفاعُها عنِ الأولى، فلم تَزَلْ نَهارَها وهو ينظُرُ إليها إلى أن بَلغَت غَرَضَها وأطلعَتْها إلى غايتِها، فلمَّا رَآها يحيى النَّحويُّ قال لنَفسِه: إذا كان هذا الحَيوانُ الضَّعيفُ قد بَلغَ غَرَضَه بالمُجاهَدةِ فأنا أولى أن أبلغَ غَرَضي بالمُجاهدةِ! فخَرَجَ من وقتِه وباع سَفينتَه ولازَم دارَ العِلمِ، وبَدَأ بعِلمِ النَّحوِ واللُّغةِ والمَنطِقِ، فبَرَعَ في هذه الأُمورِ وبَرزَ، ولأنَّه أوَّلَ ما ابتَدَأ بالنَّحوِ فنُسِبَ إليه واشتَهرَ به، ووَضعَ كُتُبًا كثيرةً منها تَفاسيرُ وغَيرُها .
(فينبَغي أن نُثابرَ ولا نَيأسَ؛ فإنَّ اليأسَ مَعناه سَدُّ بابِ الخَيرِ، وينبَغي لنا ألَّا نَتَشاءَمَ، بل نَتَفاءَلُ، وأن نَعِدَ أنفُسَنا خَيرًا) .

- وعن إبراهيمَ بنِ مَسعودٍ قال: (كان رَجُلٌ مِن تُجَّارِ المَدينةِ يختَلفُ إلى جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ فيُخالِطُه، ويُعَرِّفُه بحُسنِ الحالِ، فتَغَيَّرَت حالُه، فجَعَل يشكو ذلك إلى جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ، فقال جَعفَرٌ:
فلا تَجزَعْ وإن أعسَرتَ يومًا
فقد أيسَرتَ في الزَّمَنِ الطَّويلِ
ولا تَيأسْ فإنَّ اليأسَ كُفرٌ
لعَلَّ اللهَ يُغني عن قَليلِ
ولا تَظنُنَّ برَبِّك ظَنَّ سَوءٍ
فإنَّ اللهَ أولى بالجَميلِ
قال: فخَرَجتُ مِن عِندِه وأنا أغنى النَّاسِ) .

- وعن مُحَمَّد بن أبي رَجاء مَولى بَني هاشِم، قال: (أصابَني غَمٌّ شَديدٌ لأمُرّ كُنت فيه، فرَفعَت مَقعَدًا كُنت جالسًا عليه، فإذا رُقعة مَكتوبة، فنَظَرَت فيها فإذا فيها مَكتوب:
يا صاحِب الهَمِّ إنَّ الهَمَّ مُنقَطِع
لا تَيأسنَ كأنَّ قد فرَّجَ الله
قال: فذَهَبَ عنِّي ما كُنت أجِدُ مِنَ الغَمِّ، ولم ألبَث أن فرَّجَ الله) .

- قال أبو العَبَّاسِ ثَعلبٌ: حَدَّثَني الفضلُ بنُ سَعيدِ بنِ سَلمٍ، قال: (كان رَجُلٌ يطلُبُ العِلمَ فلا يقدِرُ عليه، فعَزَمَ على تَركِه، فمَرَّ بماءٍ ينحَدِرُ مِن رَأسِ جَبَلٍ على صَخرةٍ قد أثَّرَ الماءُ فيها، فقال: الماءُ على لطافتِه قد أثَّرَ في صَخرةٍ على كثافتِها! واللهِ لأطلُبَنَّ العِلمَ. فطَلبَ فأدرَك) .

- وقال ابنُ أبي الفوارِسِ: سَمِعتُ القاضيَ أبا بَكرِ بنَ عَبدِ الباقي يقولُ: (كُنت مُجاوِرًا بمَكَّةَ -حَرَسَها اللهُ تعالى- فأصابَني يومًا جوعٌ شَديدٌ لم أجِدْ شَيئًا أدفعُ به عنِّي الجوعَ، فوجَدتُ كيسًا مِن إبريسَمَ مَشدودًا بشرابةِ إبريسَمَ أيضًا، فأخَذتُه وجِئتُ إلى بَيتي، فحَلَلتُه فوَجَدتُ فيه عِقدًا مِن لُؤلُؤٍ لم أرَ مِثلَه، فخَرَجتُ فإذا شَيخٌ يُنادي عليه ومَعَه خِرقةٌ فيها خَمسُمِائةِ دينارٍ، وهو يقولُ: هذا لمَن يرُدُّ علينا الكيسَ الذي فيه اللُّؤلُؤُ، فقُلتُ: أنا مُحتاجٌ، وأنا جائِعٌ، فآخُذُ هذا الذَّهَبَ فأنتَفِعُ به، وأرُدُّ عليه الكيسَ، فقُلتُ له: تَعالَ إليَّ، وجِئتُ به إلى بيتي، فأعطاني عَلامةَ الكيسِ، وعَلامةَ الشَّرابةِ، وعَلامةَ اللُّؤلُؤِ، وعَدَدَه، والخَيطَ الذي هو مَشدودٌ به، فأخرَجتُه ودَفعتُه إليه. فسَلَّمَ إليَّ خَمسَمِائةِ دينارٍ، فما أخَذتُها، وقُلُت: يجِبُ أن أُعيدَه إليك ولا آخُذَ له جَزاءً! فقال لي: لا بُدَّ أن تَأخُذَ، وألحَّ عليَّ كثيرًا، فلم أقبَلْ، فتَرَكني ومَضى، وخَرَجتُ مِن مَكَّةَ ورَكِبتُ البَحرَ، فانكسَرَ المركَبُ وغَرِقَ النَّاسُ وهَلكَت أموالُهم، وسَلِمتُ أنا على قِطعةٍ مِنَ المَركَبِ، فبَقِيتُ مُدَّةً في البَحرِ لا أدري أينَ أذهَبُ، فوصَلتُ إلى جَزيرةٍ فيها قَومٌ، فقَعَدتُ في بَعضِ المَساجِدِ، فسَمِعوني أقرَأُ، فلم يَبقَ أحَدٌ إلَّا جاءَني وقال: عَلِّمْني القُرآنَ، فحَصَل لي منهم شَيءٌ كثيرٌ مِنَ المالِ. ثُمَّ رَأيتُ في ذلك المَسجِدِ أوراقًا مِن مُصحَفٍ، فأخَذتُها، فقالوا: تُحسنُ تَكتُبُ؟ فقُلتُ: نَعَم، فقالوا: عَلِّمْنا الخَطَّ، وجاؤوا بأولادِهم مِنَ الصِّبيانِ والشَّبابِ، وكُنتُ أُعَلِّمُهم، فحَصَل لي أيضًا مِن ذلك شَيءٌ كثيرٌ، فقالوا لي بَعدَ ذلك: عِندَنا صَبيَّةٌ يتيمةٌ ولها شَيءٌ مِنَ الدُّنيا نُريدُ أن تَتَزَوَّجَ بها، فامتَنَعتُ، فقالوا: لا بُدَّ، وألزَموني، فأجَبتُهم، فلمَّا زَفُّوها مَدَدتُ عَيني أنظُرُ إليها فوجَدتُ ذلك العِقدَ بعَينِه مُعَلَّقًا في عُنُقِها! فما كان لي حينَئِذٍ شُغلٌ إلَّا النَّظَرُ إليه، فقالوا: يا شَيخُ كسَرتَ قَلبَ هذه اليتيمةِ مِن نَظَرِك إلى هذا العِقدِ، ولم تَنظُرْ إليها، فقَصَصتُ عليهم قِصَّةَ العِقدِ، فصاحوا بالتَّهليلِ والتَّكبيرِ، حتَّى بَلغَ إلى جَميعِ أهلِ الجَزيرةِ، فقُلتُ:
ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشَّيخُ الذي أخَذَ منك العِقدَ أبو هذه الصَّبيَّةِ، وكان يقولُ: ما وَجَدتُ في الدُّنيا مُسلِمًا كهذا الذي رَدَّ عليَّ هذا العِقدَ، وكان يدعو ويقولُ: اللَّهمَّ اجمَعْ بَيني وبَينَه حتَّى أُزَوِّجَه بابنَتي، والآنَ قد حَصَلت، فبَقِيتُ مَعَها مُدَّةً ورُزِقتُ منها ولدَينِ.
ثُمَّ إنَّها ماتَت فورِثتُ العِقدَ أنا وولدايَ، ثُمَّ ماتَ الوَلَدانِ، فحَصَل العِقدُ لي فبِعتُه بمِائةِ ألفِ دينارٍ، وهذا المالُ الذي تَرَونَ مَعي مِن بَقايا ذلك المالِ!) .
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أسبابُ الوُقوعِ في اليأسِ والقُنوطِ والإحباطِ

1- الجَهلُ باللهِ سُبحانَه وتعالى:
قال
الرَّازيُّ: (القُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ تعالى لا يحصُلُ إلَّا عِندَ الجَهلِ بأُمورٍ:
أحَدُها: أن يجهَلَ كونَه تعالى قادِرًا عليه.
وثانيها: أن يجهَلَ كونَه تعالى عالِمًا باحتياجِ ذلك العَبدِ إليه.
وثالثُها: أن يجهَلَ كونَه تعالى مُنَزَّهًا عنِ البُخلِ والحاجةِ.
والجَهلُ بكُلِّ هذه الأُمورِ سَبَبٌ للضَّلالِ؛ فلهذا المَعنى قال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
[الحجر: 56] ) .
وقال
ابنُ القَيِّمِ: (الكبائِرُ:... القُنوطُ مِن رَحمةِ اللهِ، واليأسُ مِن رَوحِ اللهِ ... وتَوابعُ هذه الأُمورِ إنَّما تَنشَأُ مِنَ الجَهلِ بعُبوديَّةِ القَلبِ، وتَركِ القيامِ بها) .

2- الغُلوُّ في الخَوفِ مِنَ اللهِ سُبحانَه وتعالى:
قال
ابنُ القَيِّمِ: (لا يَدَعُ الخَوفَ يُفضي به إلى حَدٍّ يوقِعُه في القُنوطِ واليأسِ مِن رَحمةِ اللهِ؛ فإنَّ هذا الخَوفَ مَذمومٌ، وسَمِعتُ شَيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّةَ رَحِمَه اللهُ يقولُ: حَدُّ الخَوفِ ما حَجَزك عن مَعاصي اللهِ، فما زادَ على ذلك فهو غَيرُ مُحتاجٍ إليه، وهذا الخَوفُ الموقِعُ في الإياسِ إساءةُ أدَبٍ على رَحمةِ اللهِ تعالى التي سَبقَت غَضَبَه، وجَهلٌبها) .
ولغَلَبةِ هذا الخَوفِ على قَلبِ اليائِسِ أسبابٌ؛ منها: (إدراكُ قَلبِه مِن مَعاني الأسماءِ والصِّفاتِ ما يدُلُّ على عَظَمةِ اللهِ وجَبَروتِه، وسُرعةِ عِقابِه، وشِدَّةِ انتِقامِه، وحَجبِ قَلبِه عنِ الأسماءِ الدَّالَّةِ على الرَّحمةِ، واللُّطفِ، والتَّوبةِ، والمَغفِرةِ... إلخ، فيُسَيطِرُ على القَلبِ الخَوفُ، فيُسلِمُه ذلك إلى اليأسِ مِن رَوحِ اللهِ، والقُنوطِ مَن رَحِمَته) .

3- أن يظُنَّ برَبِّه تعالى غَيرَ الحَقِّ، ويتَّهِمَ قَدَرَه، ويَذهَلَ عن كونِ اللهِ تعالى أنظَرَ له مِن نَفسِه، فيجزَعُ إذا تَعَذَّرَت عليه أُمورُ دُنياه، مَعَ ما قد يكونُ له في الشِّدَّةِ مِن مَنافِعَ؛منها: أن تَكونَ سَبَبًا في امتِناعِه مِن سَيِّئاتٍ كان يعمَلُها لو كان في نِعمةٍ أو بَلاءٍ يندَفِعُ عنه في نَفسِه ومالِه .

4- الذُّهولُ عن كونِ رَحمةِ اللهِ تعالى سَبَقَت غَضَبَه وأنَّها وسِعَت كُلَّ شَيءٍ؛ فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللهَ خَلقَ الرَّحمةَ يومَ خَلقَها مِائةَ رَحمةٍ، فأمسَك عِندَه تِسعًا وتِسعينَ رَحمةً، وأرسَل في خَلقِه كُلِّهم رَحمةً واحِدةً، فلو يَعلَمُ الكافِرُ بكُلِّ الذي عِندَ اللهِ مِنَ الرَّحمةِ لم يَيأسْ مِنَ الجَنَّةِ)) .
5- سوءُ التَّربيةِ وعَدَمُ تَعويدِ النَّشءِ على عُبوديَّةِ القَلبِ، كالإخلاصِ والتَّوكُّلِ والرِّضا والرَّجاءِ وغَيرِها، فإذا ذَهَبتِ النِّعمةُ وكانتِ الشِّدَّةُ وقع التَّبَرُّمُ والإحباطُ.
6- مُصاحَبةُ اليائِسينَ والقانِطينَ والمُقنِّطينَ والمُثَبِّطينَ المُخَذِّلينَ أهلَ الإرجافِ:
فإنَّ مُصاحبةَ هؤلاء تُورِثُ اليأسَ والقُنوطَ مِن رَحمةِ اللهِ، إمَّا مُشابَهةً أوعُقوبةً للاختِلاطِ بهم.

7- التَّعَلُّقُ بالأسبابِ:
قال
فخرُ الدِّينِ الرَّازيُّ: (الكافِرُ يعتَقِدُ أنَّ السَّبَبَ في حُصولِ تلك النِّعمةِ سَبَبٌ اتِّفاقيٌّ، ثُمَّ إنَّه يستَبعِدُ حُدوثَ ذلك الاتِّفاقِ مَرَّةً أُخرى، فلا جَرَمَ يستَبعِدُ عودَ تلك النِّعمةِ، فيقَعُ في اليأسِ. وأمَّا المُسلمُ الذي يعتَقِدُ أنَّ تلك النِّعمةَ إنَّما حَصَلت مِنَ اللهِ تعالى وفضلِه وإحسانِه وطَولِه؛ فإنَّه لا يحصُلُ له اليأسُ، بل يقولُ: لعَلَّه تعالى يرُدُّها إليَّ بَعدَ ذلك أكمَلَ وأحسَنَ وأفضَلَ ممَّا كانت، وأمَّا حالَ كونِ تلك النِّعمةِ حاصِلةً فإنَّه يكونُ كَفورًا؛ لأنَّه لمَّا اعتَقدَ أنَّ حُصولَها إنَّما كان على سَبيلِالاتِّفاقِ أو بسَبَبِ أنَّ الإنسانَ حَصَّلها بسَبَبِ جِدِّه وجُهدِه، فحينَئِذٍ لا يشتَغِلُ بشُكرِ اللهِ تعالى على تلك النِّعمةِ) .

8- التَّشَدُّدُ في الدِّينِ وتَركُ الأخذِ بالرُّخَصِ المَشروعةِ:
قال
الغَزاليُّ: (أخبَرَ أي: النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ أن تُؤتى رُخَصُه كما يُحِبُّ أن تُؤتى عَزائِمُه؛تَطييبًا لقُلوبِ الضُّعَفاءِ حتَّى لا ينتَهيَ بهمُ الضَّعفُ إلى اليأسِ والقُنوطِ، فيترُكونَ المَيسورَ مِنَ الخَيرِ عليهم بعَجزِهم عن مُنتَهى الدَّرَجاتِ، فما أُرسِل رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلَّا رَحمةً للعالَمينَ كُلِّهم على اختِلافِ أصنافِهم ودَرَجاتِهم) .
9- قِلَّةُ الصَّبر واستِعجالُ النَّتائِجِ:
 إنَّ ضَعفَ النُّفوسِ عن تَحَمُّلِ البَلاءِ والصَّبرِ عليه، واستِعجالَ حُصولِ الخَيرِ يُؤَدِّي إلى الإصابةِ باليأسِ والقُنوطِ، لاسيَّما مَعَ طولِ الزَّمَنِ واشتِدادِ البَلاءِ على الإنسانِ؛ فعن أبي هُرَيرةَ، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال:
((لا يزالُ يُستَجابُ للعَبدِ ما لم يدعُ بإثمٍ أو قَطيعةِ رَحِمٍ، ما لم يستَعجِلْ، قيل: يا رَسولَ اللهِ، ما الاستِعجالُ؟ قال: يقولُ: قد دَعَوتُ وقد دَعَوتُ، فلم أرَ يَستَجيبُ لي؛ فيستَحسِرُ عِندَ ذلك ويدَعُ الدُّعاءَ)) .
قال أبو العَبَّاس القُرطُبيُّ: (والقائِلُ: قد دَعَوتُ فلم أرَ يُستَجابُ لي، ويترُكُ قانِطًا مِن رَحمةِ اللهِ، وفي صورةِ المُمتَنِّ على رَبِّه، ثُمَّ إنَّه جاهلٌ بالإجابةِ؛ فإنَّه يظُنُّها إسعافَه في عَينِ ما طَلبَ، فقد يعلمُ اللهُ تعالى أنَّ في عَينِ ما طَلبَ مَفسَدةً) .
عن خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ، قال:
((شَكَونا إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهُو مُتوسِّدٌ بُردَةً له في ظِلِّ الكَعْبةِ، قُلنا له: ألَا تَسْتَنْصِرُ لنا؟ ألَا تَدْعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرَّجلُ فيمَنْ قبلَكم يُحفَرُ له في الأرْضِ، فيُجعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ على رأسِهِ فيُشَقُّ باثْنتَينِ، وما يصُدُّه ذلك عن دِينِه، ويُمشَطُ بأمْشاطِ الحَديدِ ما دُونَ لَحمِه مِن عظْمٍ أو عَصَبٍ، وما يصُدُّهُ ذلك عن دِينِه، واللهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمرَ، حتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ، لا يَخافُ إلَّا اللهَ أو الذِّئْبَ على غَنَمِه، ولكنَّكم تَستعجِلونَ)) .
وقال
ابنُ القَيِّمِ: (مَنِ استَطال الطَّريقَ ضَعُف مَشيُه.
وما أنت بالمُشتاقِ إن قُلتَ بَينَنا
طُوالُ اللَّيالي أو بَعيدُ المَفاوِزِ) .
وقال أبو الفرَجِ بنُهندوا:
لا يُؤيسَنْك مِن مَجدٍ تَباعُدُه
فإنَّ للمَجدِ تَدريجًا وتَرتيبَا
إنَّ القَناةَ التي شاهَدتَ رِفعَتَها
تَسمو فتُنبِتُ أُنبوبًا فأُنبوبَا

7- تَعَلُّقُ القَلبِ بالدُّنيا:
فمِن أسبابِ اليأسِ والقُنوطِ الأساسيَّةِ تَعَلُّقُ القَلبِ بالدُّنيا، والفرَحُ بأخذِها، والحُزنُ والتَّأسُّفُ على فواتِها بكُلِّ ما فيها مِن جاهٍ وسُلطانٍ، وزَوجةٍ وأولادٍ، ومالٍ وعافيةٍ، قال تعالى: وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ [الروم: 36].
8- دُنوُّ الهمَّةِ والاستِسلامُ للواقِعِ وضَعفُ الرَّغبةِ في التَّغييرِ:
 فإنَّ (اليأسَ مِنَ الإصلاحِ يقَعُ فيه كثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فإذا عاينَ الشُّرورَ المُتَراكِمةَ والمَصائِبَ، والمِحَنِ والفِتَنَ، ومِنَ الفُرقةِ والتَّناحُرِ والاختِلافِ الذي يسري في صُفوفِ المُسلمينَ، يَئِسَ مِنَ الإصلاحِ،... ومِثلُ ذلك في شَأنِ كثيرٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّن يُسرِفُ على نَفسِه بالمَعاصي، ويَتيهُ في أوديةِ الرَّذيلةِ، فتَجِدُه يَيأسُ مِن إصلاحِ حالِه، والرُّقيِّ بها إلى الأمثَلِ، بل رُبَّما ظَنَّ أنَّ التَّغييرَ مُستَحيلٌ... وهذا كُلُّه مَظهَرٌ مِن مَظاهرِ دُنوِّ الهمَّةِ، وصِغَرِ النَّفسِ، والعَجزِ عن مواجَهةِ المَتاعِبِ والمَصاعِبِ) .
9- تَمَنِّي المَوتِ:
قال
السَّعديُّ: (ورَد النَّهيُ عن تَمَنِّي المَوتِ للضُّرِّ الذي يَنزِلُ بالعَبدِ مِن مَرَضٍ أو فقرٍ أو خَوفٍ، أو وُقوعٍ في شِدَّةٍ ومَهلَكةٍ، أو نَحوِها مِنَ الأشياءِ؛ فإنَّ في تَمَنِّي المَوتِ لذلك مَفاسِدَ...منها: أنَّه يُضعِفُ النَّفسَ، ويُحدِثُ الخَورَ والكسَلَ، ويوقِعُ في اليأسِ، والمَطلوبُ مِنَ العَبدِ مُقاومةُ هذه الأُمورِ، والسَّعيُ في إضعافِها وتَخفيفِها بحسَبِ اقتِدارِه، وأن يكونَ مَعَه مِن قوَّةِ القَلبِ وقوَّةِ الطَّمَعِ في زَوالِ ما نَزَل به. وذلك موجِبٌ لأمرَينِ: اللُّطفُ الإلهيُّ لمَن أتى بالأسبابِ المَأمورِ بها، والسَّعيُ النَّافِعُ الذي يوجِبُه قوَّةُ القَلبِ ورَجاؤُه... فيَجعَلُ العَبدُ الأمرَ مُفوَّضًا إلى رَبِّه الذي يعلمُ ما فيه الخَيرُ والصَّلاحُ له، الذي يَعلمُ مِن مَصالحِ عَبدِه ما لا يعلمُ العَبدُ، ويُريدُ له مِنَ الخَيرِ ما لا يُريدُه، ويَلطُفُ به في بَلائِه كما يَلطُفُ به في نَعمائِه)

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
689764172.gif

الغِيبةِ

الفَرْقُ بَيْنَ الغِيبةِ والإفكِ والبُهتانِ:

قال الحَسَنُ:
(الغِيبةُ ثلاثةُ أوجُهٍ كُلُّها في كتابِ اللهِ تعالى: الغِيبةُ، والإفْكُ، والبُهتانُ؛ فأمَّا الغِيبةُ فهو أن تقولَ في أخيك ما هو فيه.
وأمَّا الإفكُ فأن تقولَ فيه ما بلَغَك عنه.
وأمَّا البُهتانُ فأن تقولَ فيه ما ليس فيه) .


وقال الجُرْجانيُّ:
(الغِيبةُ ذِكرُ مَساوئِ الإنسانِ التي فيه في غَيبةٍ.
والبُهتانُ ذِكرُ مَساوئِ الإنسانِ، وهي ليست فيه) .

وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بيانِ الفَرْقِ بَيْنَ الغِيبةِ والبُهتانِ:
((إن كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبْتَه، وإنْ لم يكُنْ فيه فقد بهَتَّه)) .

الفَرْقُ بَيْنَ الغِيبةِ والنَّميمةِ والهَمْزِ واللَّمْزِ:

الغِيبةُ: ذِكْرُك أخاك بما يَكرَهُ إن سمِعَه، وإنَّما حُرِّمَت لِما فيها من مفسَدةِ إفسادِ العِرْضِ. والنَّميمةُ: نَقلُ كَلامِ النَّاسِ بعضِهم إلى بعضٍ على وَجهِ الإفسادِ بَيْنَهم؛ فحُرِّمَت لِما فيها من مفسَدةِ إلقاءِ البِغضةِ بَيْنَ النَّاسِ، فحقيقةُ النَّميمةِ إفشاءُ السِّرِّ، وهَتْكُ السِّترِ عمَّا يُكرَهُ كَشْفُه، فإن كان ما يَنُمُّ به نقصًا أو عيبًا في المحكيِّ عنه فهو غِيبةٌ ونميمةٌ .

قال
ابنُ حَجَرٍ: (اختُلِفَ في الغِيبةِ والنَّميمةِ: هل هما متغايرتانِ أو متَّحِدتانِ، والرَّاجِحُ التَّغايُرُ، وأنَّ بَيْنَهما عُمومًا وخُصوصًا وَجهيًّا؛ وذلك لأنَّ النَّميمةَ نَقلُ حالِ شَخصٍ لغيرِه على جِهةِ الإفسادِ بغيِر رِضاه، سواءٌ كان بعِلمِه أم بغيرِ عِلمِه.
والغِيبةُ ذِكرُه في غَيبتِه بما لا يُرضيه، فامتازت النَّميمةُ بقصدِ الإفسادِ، ولا يُشتَرَطُ ذلك في الغِيبةِ.
وامتازت الغِيبةُ بكَونِها في غَيبةِ المقولِ فيه، واشتركا فيما عدا ذلك.
ومن العُلَماءِ مَن يَشترِطُ في الغِيبةِ أن يكونَ المقولُ فيه غائبًا، واللَّهُ أعلمُ) .

وقال
ابن حجر الهيتمي:
(كُلُّ نميمةٍ غِيبةٌ، وليس كُلُّ غِيبةٍ نميمةً؛ فإنَّ الإنسانَ قد يذكُرُ عن غيرِه ما يَكرَهُه، ولا إفسادَ فيه بينَه وبينَ أحَدٍ، وهذا غِيبةٌ، وقد يَذكُرُ عن غيرِه ما يَكرَهُه، وفيه إفسادٌ، وهذا غِيبةٌ ونميمةٌ معًا) .
والهَمزُ: تعييبُ الإنسانِ بحُضورِه، واللَّمزُ: تعييبُه بغَيبتِه، فتكونُ هي الغِيبةَ، وقيل: بالعَكسِ، أي: أنَّ اللَّمزَ تعييبُه بحُضورِه، والهَمزَ تعييبُه بغَيبتِه، فتكونُ هي الغِيبةَ


3dlat.com_09_19_7166_7de158f2a8c316.gif

 

أسبابُ الوقوعِ في الغِيبةِ

توجَدُ بعضُ الأسبابِ التي تجعَلُ الإنسانَ يَقَعُ في براثِنِ الغِيبةِ ومساوِئِها، ومن تلك الأسبابِ:

1- (كراهيتُه الباطِنةُ لِمن يغتابُ، مع عَدَمِ رَغبتِه بإظهارِ كراهيتِه؛ لئلَّا تتحَوَّلَ إلى عداوةٍ ظاهرةٍ.

2- المنافَسةُ التي ولَّدَت حَسَدًا، والحَسودُ لا يُحِبُّ أن يُعرَفَ عنه الحَسَدُ.

3- الرَّغبةُ بأن يُبَرِّرَ المغتابُ في نظَرِ النَّاسِ ما عرَفوه عنه من معايبَ وقبائِحَ، فإذا ذَكَر أمامَهم من يحترمونه بأنَّ له من العُيوبِ والقبائِحِ مِثلَ عُيوبِه وقبائِحِه، خَفَّ إنكارُهم عليه) .

4- تَشَفِّي الغيظِ، بأن يجريَ من إنسانٍ في حَقِّ آخَرَ سَبَبٌ يُهَيِّجُ غَيظَه، فكلَّما هاج غَضَبُه تشفَّى بغِيبةِ صاحِبِه.

5- مُوافَقةُ الأقرانِ ومجامَلةُ الرُّفَقاءِ، ومُساعدتُهم على الغِيبةِ؛ فإنَّه يُخشى إن أنكَرَ عليهم أن يستَثقِلوه.

6- إرادةُ رَفعِ نَفسِه بتنقيصِ غَيرِه، فيقولُ: فلانٌ جاهِلٌ وفَهمُه رَكيكٌ.

7- اللَّعِبُ والهَزْلُ، فيَذكُرُ غيرَه بما يُضحَكُ له على سبيلِ المحاكاةِ.

8- كثرةُ الفراغِ، والشُّعورُ بالمَلَلِ والسَّأمِ، فيَشتَغِلُ بالنَّاسِ وأعراضِهم وعيوبِهم.

9- التَّقرُّبُ لدى أصحابِ الأعمالِ والمسؤولينَ عن طريقِ ذَمِّ العامِلينَ معه؛ ليرتقيَ لمنصِبٍ أفضَلَ، أو ليُقالَ عنه: مواظِبٌ .

10- الظُّهورُ بمَظهَرِ الغَضَبِ للهِ على من يرتَكِبُ المُنكَرَ، فيُظهِرُ غَضَبَه ويذكُرُ اسمَه، مِثلُ أن يقولَ: فلانٌ لا يستحيي من اللهِ؛ يفعَلُ كذا وكذا. ويقَعُ في عِرضِه بالغِيبةِ.

11- إظهارُ الرَّحمةِ، والتَّصنُّعُ بمواساةِ الآخَرين، كأن يقولَ لغَيرِه من النَّاسِ: مِسكينٌ فُلانٌ، قد غمَّني أمرُه وما هو فيه من المعاصي .

12- ضَعفُ التَّربيةِ الإيمانيَّةِ، وعَدَمُ التَّنبُّهِ لعَظَمةِ مَن تعصي.

13- جَهلُ المغتابِ بحُكمِ الغِيبةِ، وعواقِبِها الوخيمةِ والسَّيِّئةِ، التي تورِثُ غَضَبَ اللهِ وسَخَطَه.

14- تَنشئةُ الفَردِ تَنشِئةً سَيِّئةً بعيدةً عن الأخلاقِ والتَّعاليمِ الإسلاميَّةِ.

15- صُحبةُ الأشرارِ الذين هم بعيدون عن الآدابِ الإسلاميَّةِ السَّليمةِ؛ ف
((المرءُ على دينِ خليلِه)) .

16- حُضورُ المجالِسِ والتَّجمُّعاتِ التي تخلو من ذِكرِ اللهِ، ويَكثُرُ فيها الغِيبةُ والنَّميمةُ.

17- الطَّمَعُ وحُبُّ الدُّنيا والحِرصُ عليها.


الدرر السنية
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ذَمُّ الغِيبةِ والنَّهيُ عنها

أ- من القُرآنِ الكريمِ

- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12] .
قال
الشَّوكانيُّ: (فهذا نهيٌ قُرآنيٌّ عن الغِيبةِ، مع إيرادِ مَثَلٍ لذلك يزيدُه شِدَّةً وتغليظًا، ويوقِعُ في النُّفوسِ من الكراهةِ والاستِقذارِ لِما فيه ما لا يُقادَرُ قَدْرُه؛ فإنَّ أكْلَ لَحمِ الإنسانِ من أعظَمِ ما يَستقذِرُه بنو آدَمَ جِبِلَّةً وطَبعًا، ولو كان كافِرًا أو عَدُوًّا مُكافِحًا، فكيف إذا كان أخًا في النَّسَبِ، أو في الدِّينِ؟! فإنَّ الكراهةَ تتضاعَفُ بذلك، ويزدادُ الاستقذارُ، فكيف إذا كان مَيتًا؟! فإنَّ لحمَ ما يُستطابُ ويَحِلُّ أكلُه يَصيرُ مُستقذَرًا بالموتِ، لا يَشتهيه الطَّبعُ، ولا تَقبَلُه النَّفسُ، وبهذا يُعرَفُ ما في هذه الآيةِ من المبالغةِ في تحريمِ الغِيبةِ، بعدَ النَّهيِ الصَّريحِ عن ذلك) .

- وقال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ
[الهمزة: 1] .
قال الزَّجَّاجُ: (والهُمَزةُ اللُّمَزةُ: الذي يَغتابُ النَّاسَ ويَغُضُّهم) .
وقال
الزَّمخشَريُّ: (والمرادُ: الكَسرُ من أعراضِ النَّاسِ والغَضُّ منهم، واغتيابُهم، والطَّعنُ فيهم) .

- وقال تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا
[الإسراء: 36] .
قال
الرَّازيُّ: (القَفْوُ: هو البَهْتُ، وأصلُه من القَفا، كأنَّه قولٌ يُقالُ خَلْفَه، وهو في معنى الغِيبةِ، وهو ذِكرُ الرَّجُلِ في غَيبتِه بما يَسوءُه) . وذلك على أحَدِ الأقوالِ في التَّفسيرِ.


3dlat.com_09_19_7166_7de158f2a8c316.gif

ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((أتدرون ما الغِيبةُ؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ، قال: ذِكْرُك أخاك بما يَكرَهُ، قيل: أفرأَيتَ إن كان في أخي ما أقولُ؟ قال: إن كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبْتَه، وإنْ لم يكُنْ فيه فقد بهَتَّه)) .
قال
الغَزاليُّ: (اعلَمْ أنَّ الذِّكرَ باللِّسانِ إنَّما حُرِّم لأنَّ فيه تفهيمَ الغَيرِ نُقصانَ أخيك، وتعريفَه بما يَكرَهُه؛ فالتَّعريضُ به كالتَّصريحِ، والفِعلُ فيه كالقَولِ، والإشارةُ والإيماءُ والغَمزُ والهَمزُ والكتابةُ والحَرَكةُ وكُلُّ ما يُفهِمُ المقصودَ: فهو داخِلٌ في الغِيبةِ، وهو حرامٌ) .

- وعن
ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه قال: ((مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على قبرَينِ، فقال: إنَّهما ليُعَذَّبانِ، وما يُعَذَّبانِ في كبيرٍ! ثمَّ قال: بلى، أمَّا أحَدُهما فكان يسعى بالنَّميمةِ، وأمَّا الآخَرُ فكان لا يستَتِرُ مِن بَولِه، قال: ثمَّ أخذ عودًا رَطْبًا، فكَسَره باثنتَينِ، ثمَّ غَرَز كُلَّ واحدٍ منهما على قَبرٍ، ثمَّ قال: لعَلَّه يُخَفَّفُ عنهما ما لم يَيْبَسا)) .
وهذا الحديثُ وإن كان في النَّميمةِ لكِنَّ الغِيبةَ مِن لوازمِها؛ لأنَّ الذي ينُمُّ ينقُلُ كلامَ الرَّجُلِ الذي اغتابه، ويُقالُ: الغِيبةُ والنَّميمةُ أختانِ، ومَن نَمَّ عن أحَدٍ فقد اغتابه، وقد وقَع في بعضِ طرُقِ هذا الحديثِ بلَفظِ الغِيبةِ .

- وعن
عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((قلتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَسْبُك من صَفيَّةَ كذا وكذا! فقال: لقد قُلتِ كَلِمةً لو مُزِجَت بماءِ البَحرِ لمزجَتْه!)) .
قال
النَّوويُّ: (هذا الحديثُ من أعظَمِ الزَّواجِرِ عن الغِيبةِ أو أعظَمُها، وما أعلَمُ شيئًا من الأحاديثِ يَبلُغُ في الذَّمِّ لها هذا المبلَغَ!) .
(فإذا كانت هذه الكَلِمةُ بهذه المثابةِ في مَزجِ البَحرِ الذي هو من أعظَمِ المخلوقاتِ، فما بالُك بغِيبةٍ أقوى منها!) .
وقال
ابنُ عُثَيمين: (معنى مزجَتْه: خالطَتْه مخالطةً يتغَيَّرُ بها طَعمُه أو ريحُه؛ لشِدَّةِ نَتْنِها وقُبحِها، وهذا من أبلَغِ الزَّواجِرِ عن الغِيبةِ) .

- وعن
ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بمِنًى: ((أتدْرونَ أيُّ يومٍ هذا؟ قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ. قال: فإنَّ هذا يومٌ حرامٌ. أفتدْرونَ أيُّ بَلَدٍ هذا؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ. قال: بَلَدٌ حرامٌ. أتدْرونَ أيُّ شَهرٍ هذا؟ قالوا: اللهُ ورسولُه أعلَمُ. قال: شَهرٌ حرامٌ. قال: فإنَّ اللهَ حَرَّم عليكم دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم كحُرمةِ يَومِكم هذا في شَهرِكم هذا في بَلَدِكم هذا)) .

وعن أبي بَكرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((فإنَّ دِماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم بَيْنَكم حرامٌ كحُرمةِ يَومِكم هذا في شَهرِكم هذا في بَلَدِكم هذا، لِيُبلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ؛ فإنَّ الشَّاهِدَ عسى أن يُبَلِّغَ مَن هو أوعى له منه)) .
قال
النَّوَويُّ: (المرادُ بذلك كُلِّه بيانُ توكيدِ غِلَظِ تحريمِ الأموالِ والدِّماءِ والأعراضِ، والتَّحذيرُ من ذلك) .

- وعن أبي بَرْزةَ الأسلَميِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((يا مَعشَرَ مَن آمَنَ بلِسانِه، ولم يدخُلِ الإيمانُ قَلبَه، لا تغتابوا المُسلِمين، ولا تتَّبِعوا عوراتِهم؛ فإنَّه من اتَّبع عوراتِهم يَتَّبعِ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضَحْه في بيتِه)) .

- وعن
أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لمَّا عُرِج بي مرَرْتُ بقَومٍ لهم أظفارٌ مِن نُحاسٍ يَخمُشون بها وُجوهَهم وصُدورَهم، فقُلتُ: مَن هؤلاء يا جِبريلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكُلون لُحومَ النَّاسِ، ويَقَعون في أعراضِهم))

3dlat.com_09_19_7166_7de158f2a8c316.gif

ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ

- قال ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: (اذكُرْ أخاك إذا توارى عنك بمِثْلِ الذي تحِبُّ أن يَذكُرَك) .
- وعن
عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه مَرَّ على بَغلٍ مَيِّتٍ، فقال لبعضِ أصحابِه: (لأَنْ يأكُلَ الرَّجُلُ من هذا حتَّى يملأَ بَطْنَه خيرٌ له من أن يأكُلَ لَحمَ رَجُلٍ مُسلِمٍ) .
- وقال الحُمَيديُّ: سَمِعتُ
الفُضَيلَ بنَ عِياضٍ يقولُ: قال محمَّدُ بنُ كَعبٍ القُرَظيُّ: (إذا أراد اللهُ عزَّ وجَلَّ بعبدٍ خيرًا زهَّده في الدُّنيا، وفَقَّهه في الدِّينِ، وبصَّرَه عُيوبَه). قال: (ثمَّ التَفَت الفُضيلُ إلينا، فقال: ربَّما قال الرَّجُلُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فأخشى عليه النَّارَ! قيل: وكيف ذاك؟! قال: يُغتابُ بَيْنَ يَدَيه رجُلٌ، فيُعجِبُه، فيقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وليس هذا موضِعَها، إنَّما هذا موضِعُ أن يَنصَحَ له في نفسِه، ويقولَ له: اتَّقِ اللهَ!) .
- وعن
محمَّدِ بنِ سِيرينَ أنَّه قال: (إنَّ أكثَرَ النَّاسِ خَطايا أكثَرُهم ذِكْرًا لخطايا النَّاسِ) .
- وعن الشَّعبيِّ رَحِمَه اللهُ أنَّ العبَّاسَ بنَ عَبدِ المطَّلِبِ قال لابنِه عبدِ اللهِ: (يا بُنَيَّ، أرى أميرَ المُؤمِنين يُدنيك؛ فاحفَظْ منِّي خِصالًا ثلاثًا: لا تُفشِيَنَّ له سِرًّا، ولا يَسمَعَنَّ منك كَذِبًا، ولا تغتابَنَّ عنده أحَدًا) .
- وقال أحمدُ بنُ عاصمٍ الأنطاكيُّ: (أشَرُّ مَكِنةِ الرَّجُلِ البَذاءُ -وهو الوقيعةُ منه، وهي الغِيبةُ- وذلك أنَّه لا ينالُ بذلك منفعةً في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، بل يُبغِضُه عليه المتَّقون ويَهجُرُه الغافِلون، وتجتَنِبُه الملائكةُ، وتَفرَحُ به الشَّياطينُ... والغِيبةُ والنَّميمةُ قرينتانِ، ومخرَجُهما من طريقِ البَغيِ، والنَّمَّامُ قاتِلٌ، والمغتابُ آكِلُ الميتةِ، والباغي مُستكبِرٌ، ثلاثتُهم واحِدٌ، وواحِدُهم ثلاثةٌ، فإذا عوَّد نفسَه ذلك رفَعَه إلى دَرَجةِ البُهتانِ، فيَصيرُ مُغتابًا مباهِتًا كذَّابًا، فإذا ثَبَت فيه الكَذِبُ والبُهتانُ صار مجانِبًا للإيمانِ.
ولا يَكسِبُ بالغِيبةِ تعجيلَ ثَناءٍ، ولا يبلُغُ به رئاسةً، ولا يَصِلُ به إلى مزيَّةٍ في دُنيا من مَطعَمٍ أو مَلبَسٍ ولا مالٍ، وهو عِندَ العُقَلاءِ منقوصٌ، وعندَ العامَّةِ سَفيهٌ، وعندَ الأمناءِ خائِنٌ، وعندَ الجُهَّالِ مذمومٌ. ولا يحتَمِلُه في نقصٍ إلَّا مَن كان في مِثْلِ حالِه...) .
- وقال الأحنَفُ: (ما خان شَريفٌ، ولا كَذَب عاقِلٌ، ولا اغتاب مُؤمِنٌ) .
- وقال أبو عاصمٍ: (ما اغتَبْتُ أحدًا مُنذُ عَلِمتُ أنَّ الغِيبةَ تَضُرُّ بأهلِها) .
- وقال ابنُ الكَوَّاءِ للرَّبيعِ بنِ خُثَيمٍ: (ما نراك تعيبُ أحدًا ولا تَذُمُّه! فقال: وَيلَك يا بنَ الكوَّاءِ! ما أنا عن نفسي براضٍ فأتفَرَّغَ من ذنبي إلى حديثِ النَّاسِ! إنَّ النَّاسَ خافوا اللهَ على ذنوبِ النَّاسِ، وأمِنوه على نُفوسِهم) .

- وقال
ابنُ المبارَكِ: (لو كنتُ مُغتابًا أحَدًا لاغتَبْتُ والِدَيَّ؛ لأنَّهما أحَقُّ بحَسَناتي!) .

- وعن
الحَسَنِ البَصريِّ أنَّ رَجُلًا قال له: إنَّك تغتابُني، فقال: (ما بلَغَ قَدْرُك عندي أن أحَكِّمَك في حَسَناتي!) .

- وعن
ابنِ سيرينَ أنَّه ذَكَر الغِيبةَ، فقال: (ألم تَرَ إلى جيفةٍ خَضراءَ مُنتِنةٍ؟!) .

- وقال
الغَزاليُّ: (الغِيبةُ هي الصَّاعِقةُ المُهلِكةُ للطَّاعاتِ، ومَثَلُ مَن يغتابُ كمنَ ينصِبُ منجنيقًا، فهو يرمي به حَسَناتِه شَرقًا وغَربًا، ويمينًا وشِمالًا!) .

- قال عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ: (الغِيبةُ مرعى اللِّئامِ) .

- سَمِع
عَليُّ بنُ الحُسَينِ رَجُلًا يغتابُ رَجُلًا، فقال: (إيَّاك والغِيبةَ؛ فإنَّها إدامُ كِلابِ النَّاسِ!) .

- قال يحيى بنُ مُعاذٍ الرَّازيُّ: (لِيَكُنْ حظُّ المُؤمِنِ منك ثلاثةً: إنْ لم تنفَعْه فلا تَضُرَّه، وإنْ لم تُفرِحْه فلا تَغُمَّه، وإنْ لم تَمدَحْه فلا تَذُمَّه) .

- قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: (يصومُ الرَّجُلُ عن الحلالِ الطَّيِّبِ، ويُفطِرُ على الحرامِ الخَبيثِ؛ لحمِ أخيه!) يعني: اغتيابَه .

- قال سُلَيمانُ بنُ سالمٍ: قال لي أبو سِنانٍ: (إذا كان طالِبُ العِلمِ لا يتعَلَّمُ أو قبلَ أن يتعَلَّمَ مسألةً في الدِّينِ، يتعَلَّمُ الوقيعةَ في النَّاسِ، متى يُفلِحُ؟!)، وكان لا يتكَلَّمُ أحدٌ في مجلِسِه بغِيبةٍ في أحَدٍ، فإذا تكَلَّم بذلك نهاه وأسكَتَه .

- قال أبو عُثمانَ سعيدُ بنُ الحَدَّادِ: (مَن شُغِل بذِكرِ مَساوئِ النَّاسِ تَرَك حَظَّه من الشُّغلِ بمساوئِ نفسِه، ومَن شُغِل بالفِكرِ في مساوئِ نَفسِه أذهَله ذلك عن الشُّغلِ بمساوئِ النَّاسِ، ومساوئُ نفسِه هي التي تضُرُّه، ومساوئُ النَّاسِ لا تَضُرُّه) .

- قال أبو حاتمٍ: (أربَحُ التِّجارةِ ذِكرُ اللهِ، وأخسَرُ التِّجارةِ ذِكرُ النَّاسِ) .

- وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ مَهديٍّ: (لولا أنِّي أكرَهُ أن يُعصى اللهُ لتمَنَّيتُ ألَّا يبقى في هذا المِصرِ أحدٌ إلَّا وقَعَ فيَّ واغتابني! وأيُّ شيءٍ أهنأُ من حَسَنةٍ يجِدُها الرَّجُلُ في صحيفتِه يومَ القيامةِ لم يعمَلْها ولم يعلَمْ بها؟!) .
- وعن
ابنِ المبارَكِ قال: (قُلتُ لسُفيانَ الثَّوريِّ: يا أبا عبدِ اللهِ، ما أبعَدَ أبا حنيفةَ من الغِيبةِ، ما سمِعتُه يغتابُ عَدُوًّا له قطُّ! قال: هو -واللهِ- أعقَلُ مِن أن يُسَلِّطَ على حَسَناتِه ما يُذهِبُ بها!) .

- وقال
سُفيانُ بنُ عُيَينةَ: (لو أنَّ رَجُلًا أصاب من مالِ رَجُلٍ شيئًا فتورَّع عنه بعدَ موتِه، فجاء به إلى وَرَثتِه، لكُنَّا نرى ذلك كَفَّارةً له، ولو أنَّ رجُلًا أصاب من عِرضِ رَجُلٍ شيئًا فتوَرَّع عنه بَعدَ مَوتِه، فجاء إلى وَرَثتِه وإلى جميعِ أهلِ الأرضِ فجَعَلوه في حِلٍّ، ما كان في حِلٍّ! فعِرْضُ المُؤمِنِ أشَدُّ من مالِه، افقَهوا ما يُقالُ لكم) .

- وقال أيضًا: (الغِيبةُ أشَدُّ من الدَّينِ؛ الدَّينُ يقُضى، والغِيبةُ لا تُقضى



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
آثارُ الغِيبةِ وأضرارُها على الفَردِ والمجتَمَع

أضرارُ الغِيبةِ على الفَردِ

1- الغِيبةُ تزيدُ في رَصيدِ السَّيِّئاتِ، وتَنقُصُ من رصيدِ الحَسَناتِ:
عن
عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((قلتُ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: حَسْبُك من صَفيَّةَ كذا وكذا! فقال: لقد قُلتِ كَلِمةً لو مُزِجَت بماءِ البَحرِ لمزَجَتْه!)) .
(وهذا يدُلُّ على ما يَلحَقُ المُغتابَ من الإثمِ بسَبَبِ افتياتِه على خَلقِ اللهِ تعالى الذي حرَّم الغِيبةَ، وفي نفسِ الوَقتِ افتاتَ على حَقِّ الإنسانِ الذي اغتابَه) .
2- صاحِبُ الغِيبةِ مُفلِسٌ يومَ القيامةِ:
عن أبى هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:
((أتدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أمَّتي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتَم هذا، وقذَف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفَك دمَ هذا، وضرَب هذا؛ فيُعطى هذا مِن حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنِيَت حسناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذ مِن خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ)) .
3- الغِيبةُ تُسَبِّبُ هَجرَ صاحِبِها:
قال
ابنُ بازٍ: (الواجِبُ عليك وعلى غيرِك من المُسلِمين عَدَمُ مُجالسةِ من يغتابُ المُسلِمين، مع نصيحتِه والإنكارِ عليه؛ لقَولِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن رأى منكم مُنكَرًا فلْيُغَيِّرْه بيَدِه، فإنْ لم يستَطِعْ فبلِسانِه، فإنْ لم يستَطِعْ فبقَلبِه، وذلك أضعَفُ الإيمانِ)) . فإن لم يمتثِلْ فاتْرُك مجالستَه؛ لأنَّ ذلك من تمامِ الإنكارِ عليه) .
4- الغِيبةُ تَجرَحُ الصَّومَ:
قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((مَن لم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليس للهِ حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشَرابَه)) .
وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((الصِّيامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يومُ صَومِ أحَدِكم فلا يَرفُثْ ولا يَصخَبْ، فإن سابَّه أحَدٌ أو قاتَلَه فلْيَقُلْ: إنِّي امرؤٌ صائِمٌ)) .
5- يتتَبَّعُ اللهُ عَورةَ المغتابِ ويَفضَحُه في جَوفِ بيتِه:
فعن أبي بَرزةَ الأسلَميِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
((يا مَعشَرَ مَن آمَنَ بلِسانِه، ولم يدخُلِ الإيمانُ قَلبَه، لا تغتابوا المُسلِمين، ولا تتَّبِعوا عوراتِهم؛ فإنَّه من اتَّبع عوراتِهم يَتَّبعِ اللهُ عورتَه، ومن يتَّبعِ اللهُ عورتَه يفضَحْه في بيتِه)) .
6- الغِيبةُ تُوغِرُ صَدرَ من وقَعَت عليه الغِيبةُ، وتملأُ قَلبَه بالعداوةِ.
7- الغِيبةُ تُظهِرُ عُيوبَ الفَردِ المستورةَ في الوَقتِ الذي لا يملِكُ فيه الدِّفاعَ عن نفسِه.
8- أنَّها تُفقِدُ الثِّقةَ بصاحِبِها؛ قال وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: (مَن عُرِف بالكَذِبِ لم يَجُزْ صِدقُه، ومَن عُرِف بالصِّدقِ ائتُمِن على حديثِه، ومَن أكثَرَ الغِيبةَ والبَغضاءَ لم يُوثَقْ منه بالنَّصيحةِ، ومَن عُرِف بالفُجورِ والخديعةِ لم يُوثَقْ إليه في المحبَّةِ، ومَن انتحَل فَوقَ قَدْرِه جُحِد قَدْرُه، ولا يَحسُنُ فيه ما يَقبُحُ في غيرِه) .
9- الغِيبةُ تدُلُّ على دَناءةِ صاحِبِها، وجُبنِه، وخِسَّتِه.


3dlat.com_09_19_7166_7de158f2a8c316.gif

أضرارُ الغيبةِ على المجتَمَعِ

1- كَشفُ عَوراتِ الآخَرينَ، ونَشرُ عُيوبِهم والاستهانةُ بها.
2- الغِيبةُ تؤدِّي إلى الغِيبةِ، أي: أنَّ من اغتِيبَ قد يدفَعُه غَضَبُه إلى غِيبةِ مَن اغتابه، وبهذا تنتَشِرُ هذه الصِّفةُ الذَّميمةُ، وتُصبِحُ مَرضًا عُضالًا يَصعُبُ استِئصالُه.
3- نَشرُ الحِقدِ والحَسَدِ والكراهيةِ والبغضاءِ بَيْنَ أفرادِ المجتَمَعِ.
4- إفسادُ المودَّاتِ، وقَطعُ أواصِرِ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ، ومَلءُ القُلوبِ بالضَّغائِنِ والعَداواتِ.
قال
الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ: (إذا ظهَرَت الغِيبةُ ارتَفَعت الأخُوَّةُ في اللهِ، إنَّما مَثَلُكم في ذلك الزَّمانِ مَثَلُ شَيءٍ مَطليٍّ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ، داخِلُه خَشَبٌ، وخارِجُه حَسَنٌ) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×