اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المذموم من الأخلاق والسلوك

المشاركات التي تم ترشيحها

الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الظُّلمِ

1- الخَوفُ من اللهِ ومُراقَبَتُه في السِّرِّ والعَلَنِ.

2- تَذكُّرُ يومِ القيامةِ وما فيه من حِسابٍ وجَزاءٍ.

عن نَوفَلِ بنِ عُمارةَ، قال: قال عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ: (إنَّ أوَّلَ مَن أيقَظَني لهذا الشَّأنِ مُزاحِمٌ، حَبَستُ رَجُلًا فجاوزتُ في حَبسِه القَدْرَ الذي يجِبُ عليه، فكَلَّمني في إطلاقِه، فقُلتُ: ما أنا بمُخرِجِه حتَّى أبلُغَ في الحَيطةِ عليه ما هو أكثَرُ مِمَّا مَرَّ عليه. قال: فقال مُزاحِمٌ: يا عُمَرُ بنَ عَبدِ العَزيزِ، إنِّي أُحَذِّرُك ليلةً تَمَخَّضُ بالقيامةِ في صَبيحَتِها تَقومُ السَّاعةُ! يا عُمَرُ، ولقد كِدتُ أن أنسى اسمَك مِمَّا أسمَعُ: قال الأميرُ، وقال الأميرُ! فواللهِ ما هو إلَّا أن قال ذلك، فكأنَّما كشَفتُ عن وجهي غِطاءً؛ فذَكِّروا أنفُسَكم رَحِمَكم اللهُ؛ فإنَّ الذِّكرى تَنفعُ المُؤمنينَ!) .
وكان يُقالُ: (إذا دَعَتك الضَّرورةُ إلى ظُلمِ مَن هو دونَك فاذكُرْ قُدرةَ اللهِ تعالى على عُقوبَتِك؛ فأنقَصُ النَّاسِ عَقلًا مَن ظَلمَ مَن هو دونَه) .

3- التَّحَلِّي بمَكارِمِ الأخلاقِ، كالقَناعةِ والعَدلِ والشَّجاعةِ والصَّبرِ.

4- الحَذَرُ من إعانةِ الظَّالمينَ على ظُلمِهم.

5- البُعدُ عن صُحبةِ الظَّالمينَ، وتَركُ الدُّخولِ عليهم أو العَمَلِ لدَيهم.

6- الدُّعاءُ والاستِعاذةُ باللهِ من الظُّلمِ.

7- كفُّ الظَّالمِ عن ظُلمِه: ن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مظلومًا، فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصُرُه؟ قال: تحجُزُه أو تمنَعُه من الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نَصرُه .
عن جابرٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ولْينصُرِ الرَّجُلُ أخاه ظالمًا أو مظلومًا؛ إن كان ظالِمًا فلْيَنْهَه فإنَّه له نَصرٌ، وإن كان مظلومًا فلْيَنصُرْه)) .

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قِصَصٌ في الظُّلمِ... عِبَرٌ وعِظاتٌ
 
أ- عن جابِرِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (شكا أهلُ الكوفةِ سَعدًا إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، فعَزَله، واستعمَلَ عليهم عمَّارًا، فشَكَوا حتى ذكَروا أنَّه لا يحسِنُ يُصَلِّي! فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاقَ، إنَّ هؤلاء يزعُمون أنَّك لا تحسِنُ تُصَلِّي، قال أبو إسحاقَ: أمَّا أنا واللهِ فإني كنتُ أُصَلِّي بهم صلاةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أخرِمُ عنها، أصلِّي صلاةَ العِشاءِ، فأركُدُ في الأوليَينِ وأخِفُّ في الأخرَيَينِ، قال: ذاك الظَّنُّ بك يا أبا إسحاقَ! فأرسل معه رجُلًا أو رجالًا إلى الكوفةِ، فسأل عنه أهلَ الكوفةِ ولم يَدَعْ مسجِدًا إلَّا سأل عنه، ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجِدًا لبني عَبسٍ، فقام رجلٌ منهم يقالُ له أسامةُ بنُ قتادةَ يُكنى أبا سعدةَ، قال: أمَا إذ نشَدْتَنا فإنَّ سعدًا كان لا يَسيرُ بالسَّرِيَّةِ، ولا يَقسِمُ بالسَّوِيَّةِ، ولا يَعدِلُ في القَضِيَّةِ! قال سعدٌ: أمَا واللهِ لأدعُوَنَّ بثلاثٍ: اللَّهُمَّ إن كان عبدُك هذا كاذِبًا، قام رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمُرَه، وأطِلْ فَقْرَه، وعَرِّضْه بالفِتَنِ! وكان بَعدُ إذا سُئِل يقولُ: شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ، أصابتني دعوةُ سعدٍ! قال عبدُ المَلِكِ -راوي الأثَرِ عن سَمُرةَ-: فأنا رأيتُه بَعْدُ قد سقَط حاجباه على عينَيه من الكِبَرِ، وإنَّه ليتعَرَّضُ للجواري في الطُّرُقِ يَغمِزُهنَّ! .
 
ب- ومنها أيضًا: قِصَّةُ سَعيدِ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد رَوى مُسلمٌ في صَحيحِه: ((أنَّ أروى بنتَ أُوَيسٍ ادَّعَت على سَعيدِ بنِ زَيدٍ أنَّه أخَذَ شَيئًا من أرضِها، فخاصَمَته إلى مَروانَ بنِ الحَكمِ. فقال سَعيدٌ: أنا كُنتُ آخُذُ من أرضِها شَيئًا بَعدَ الذي سَمِعتُ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قال: وما سَمِعتَ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: من أخَذَ شِبرًا من الأرضِ ظُلمًا طُوِّقَه إلى سَبعِ أرَضينَ. فقال له مَروانُ: لا أسألُك بَيِّنةً بَعدَ هذا! فقال: اللَّهمَّ إن كانت كاذِبةً فعَمِّ بَصَرَها، واقتُلْها في أرضِها. قال: فما ماتَت حتَّى ذَهبَ بَصَرُها، ثُمَّ بَينا هي تمشي في أرضِها إذ وقَعَت في حُفرةٍ فماتَت!)) .
 
ج- قِصَّةٌ أورَدها الهيتمي في كِتابه (الزَّواجِرُ عن اقتِراف الكبائِر) قال:
(وقال بَعضُهم: رَأيتُ رَجُلًا مَقطوعَ اليدِ من الكَتِفِ، وهو يُنادي: مَن رَآني فلا يظلِمَنَّ أحَدًا! فتَقدَّمتُ إليه وقُلتُ له: يا أخي، ما قِصَّتُك؟! فقال: يا أخي، قِصَّتي عَجيبةٌ، وذلك أنِّي كُنتُ من أعوانِ الظَّلَمةِ، فرَأيتُ يومًا صَيَّادًا قد اصطادَ سَمكةً كبيرةً، فأعجَبَتني، فجِئتُ إليه فقُلتُ: أعطِني هذه السَّمَكةَ. فقال: لا أُعطيكها، أنا آخُذُ بثَمَنِها قوتًا لعيالي! فضَرَبتُه وأخذتُها منه قَهرًا، ومَضَيتُ بها! قال: فبَينَما أنا ماشٍ بها حامِلَها إذ عَضَّت على إبهامي عَضَّةً قَويَّةً، فلمَّا جِئتُ بها إلى بيتي، وألقيتُها من يدي ضَرَبتْ عَلَيَّ إبهامي، وآلمَتْني ألمًا شَديدًا، حتَّى لم أنَمْ من شِدَّةِ الوجَعِ، ووَرِمَتْ يدي، فلمَّا أصبَحتُ أتَيتُ الطَّبيبَ، وشَكوتُ إليه الألمَ، فقال: هذه بُدُوُّ أَكِلةٍ ! اقطَعْها وإلَّا تَلِفَت يدُك كُلُّها! فقَطَعتُ إبهامي، ثُمَّ ضَرَبت يدي، فلم أُطِقِ النَّومَ ولا القَرارَ من شِدَّةِ الألمِ، فقيل لي: اقطَعْ كفَّك! فقَطَعتُها، وانتَشَرَ الألمُ إلى السَّاعِدِ، وآلمني ألمًا شَديدًا، ولم أُطِقِ النَّومَ ولا القَرارَ، وجَعلتُ أستَغيثُ من شِدَّةِ الألمِ، فقيل لي: اقطَعْها من المِرفَقِ! فانتَشَرَ الألمُ إلى العَضُدِ، وضَرَبَت عليَّ عَضُدي أشَدَّ من الألمِ، فقيل لي: اقطَعْ يدَك من كَتِفِك، وإلَّا سَرى إلى جَسَدِك كُلِّه! فقَطَعتُها، فقال لي بَعضُ النَّاسِ: ما سَبَبُ ألمِك؟ فذَكرتُ له قِصَّةَ السَّمَكةِ، فقال لي: لو كُنتَ رَجَعتَ من أوَّلِ ما أصابك الألمُ إلى صاحِبِ السَّمَكةِ، فاستَحلَلْتَ منه، واستَرضيتَه ولا قَطَعتَ يدَك! فاذهَبِ الآنَ إليه واطلُبْ رِضاه قَبل أن يصِلَ الألمُ إلى بَدَنِك! قال: فلم أزَلْ أطلُبُه في البَلدِ حتَّى وجَدتُه، فوقَعتُ على رِجلَيه أقبِّلْهما وأبكي! وقُلتُ: يا سَيِّدي، سَألتُك باللهِ إلَّا ما عَفوتَ عنِّي. فقال لي: ومَن أنت؟ فقُلتُ: أنا الذي أخَذتُ منك السَّمَكةَ غَصبًا! وذَكرتُ له ما جَرى وأريتُه يدي، فبكى حينَ رَآها! ثُمَّ قال: يا أخي، قد حالَلتُك منها؛ لِما قد رَأيتُ بك من هذا البَلاءِ. فقُلتُ له: باللهِ يا سَيِّدي، هَل كُنتَ دَعَوتَ عليَّ لَمَّا أخَذتُها منك؟ قال: نَعَم. قُلتُ: اللَّهمَّ، هذا تَقوَّى عليَّ بقوَّتِه على ضَعفي، وأخَذَ منِّي ما رَزَقتَني ظُلمًا، فأرِني فيه قُدرَتَك! فقُلتُ له: يا سَيِّدي، قد أراك اللهُ قُدرَتَه فيَّ، وأنا تائِبٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَل عَمَّا كُنتُ عليه!) .
 
د- كان أحمَدُ بنُ أبي دُؤادَ، ومُحَمَّدُ بنُ عُبدِ المَلِكِ بنِ الزَّيَّاتِ، وهَرثَمةُ، مِمَّن ظَلموا الإمامَ أحمَدَ في مِحنةِ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فكانت نِهايتُهم عِبرةً لكُلِّ ظالمٍ؛ قال ابنُ كثيرٍ: (دَخَل عَبدُ العَزيزِ بنُ يحيى الكتَّانيُّ - صاحِبُ كِتابِ الحَيدةِ- على المُتَوكِّل، وكان من خيارِ الخُلفاءِ -لأنَّه أحسَنَ الصَّنيعَ لأهلِ السُّنَّةِ، بخِلافِ أخيه الواثِقِ وأبيه المُعتَصِمِ وعَمِّه المَأمونِ؛ فإنَّهم أساؤوا إلى أهلِ السُّنَّةِ، وقَرَّبوا أهلَ البدَعِ والضَّلالِ من المُعتَزِلةِ وغَيرِهم- فأمَرَه أن يُنزِل جُثَّةَ أحمَدَ بنِ نَصرٍ ويَدفنَه، ففعل، وقد كان المُتَوكِّلُ يُكرِمُ الإمامَ أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ إكرامًا زائِدًا جِدًّا. والمَقصودُ أنَّ عَبدَ العَزيزِ صاحِبَ كِتاب الحَيدةِ قال للمُتَوكِّل: يا أميرَ المُؤمِنين، ما رُئِيَ أعجَبُ مِن أمرِ الواثِقِ؛ قَتَل أحمدَ بنَ نَصرٍ، وكان لِسانُه يقرأُ القُرآنَ إلى أن دُفِنَ! قال: فوجد المتوكِّلُ من ذلك، وساءه ما سمِعَه في أخيه؛ إذ دخل عليه محمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الزَّيَّاتُ، فقال له: يا ابنَ عَبدِ المَلِكِ، في قلبي مِن قَتلِ أحمدَ بنِ نَصرٍ! فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، أحرَقَني اللَّهُ بالنَّارِ إنْ قَتَله أميرُ المُؤمِنين الواثِقُ إلَّا كافِرًا! قال: ودخَل عليه هَرثَمةُ، فقال: يا هَرثَمةُ: في قلبي مِن قَتلِ أحمدَ بنِ نَصرٍ! فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، قَطَّعَني اللَّهُ إرْبًا إرْبًا إن قَتَله أميرُ المُؤمِنين الواثِقُ إلَّا كافرًا! قال: ودخل عليه أحمدُ بنُ أبي دُؤادَ، فقال: يا أحمدُ، في قلبي مِن قَتلِ أحمدَ بنِ نَصرٍ! فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، ضَرَبني اللَّهُ بالفالجِ إن قتَلَه أميرُ المُؤمِنين الواثقُ إلَّا كافِرًا! قال المتوكِّلُ: فأمَّا ابنُ الزَّيَّاتِ فأنا أحرَقْتُه بالنَّارِ، وأمَّا هَرثَمةُ فإنَّه هَرَب، وتبَدَّى، واجتاز بقبيلةِ خُزاعةَ، فعَرَفه رجُلٌ في الحَيِّ، فقال: يا مَعشَرَ خُزاعةَ، هذا الذي قَتَل ابنَ عَمِّكم أحمدَ بنَ نَصرٍ، فقَطَّعوه إرْبًا إرْبًا، وأمَّا ابنُ أبي دؤادَ فقد سجَنه اللَّهُ في جِلْدِه -يعني بالفالجِ- ضَرَبَه اللهُ قَبل مَوتِه بأربَعِ سِنينَ، وصودِرَ من صُلبِ مالِه بمالٍ جَزيلٍ جِدًّا!) .
 
د- ذَكرَ الذَّهَبيُّ أنَّ باديسَ بنَ حبوسٍ تَملَّك غرناطةَ، وكان سَفَّاكًا للدِّماءِ، وفيه عَدلٌ بجَهلٍ، يقولُ الذَّهَبيُّ: (استَعمَل أي: باديسُ بَعضَ أقارِبه على بَلدٍ، فخَرَجَ يتَصَيَّدُ، فمَرَّ بشَيخِ قَريةٍ، فرَغِبَ في تَشريفِه بالضِّيافةِ، فأنزَله في أرضٍ فيها دولابٌ وفواكِهُ، فبادَرَ له بثَريدٍ في لبَنٍ وسُكَّرٍ، وقال: نَأتي بَعدُ بما تُحِبُّ. فرَماه برِجلِه وضَرب الشَّيخَ، ففرَّ الشَّيخُ، وأتى إلبيرةَ، فعَرَف المَلكُ بما جَرى عليه، فقال: ارجِعْ واصبِرْ، وواعِدْه، ثُمَّ جاءَه بَعدَ أيَّامٍ في كبكَبةٍ منهم خَصمُه، فقدَّمَ الشَّيخُ للمَلِكِ مِثلَ ذلك الثَّريدِ، فتَناوله وأكلَه واستَطابَه، ثُمَّ قال: خُذ بثَأرِك مِن هذا، فاضرِبْه! فاستَعظَمَ الشَّيخُ ذلك! فقال المَلكُ: لا بُدَّ، فضَرَبه حتَّى اقتَصَّ منه! فقال المَلِكُ: هذا حَقُّ هذا، بَقيَ حَقُّ اللهِ في إهانةِ نِعمَتِه، وحَقِّي في اجتِراءِ العُمَّالِ؛ فضُرِبَ عنُقُه، وطِيفَ برَأسِه!) .
 
ه- امتُحِنَ وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وحُبِسَ، وضُرِبَ؛ ضَرَبَه يوسُفُ بنُ عُمَرَ أميرُ اليمَنِ حتَّى قَتَله، وكان يوسُفُ جَبَّارًا عنيدًا، ثُمَّ إنَّه عُزِل عن العِراقِ وضُرِبَت عُنُقُه .

الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
حُكمُ الظُّلمِ

ظُلمُ المُسلِمِ للمُسلِمِ حَرامٌ ، وكُلُّ الظُّلمِ بأنواعِه مُحرَّمٌ .
وقد ذَكرَ الذَّهَبيُّ في الكبائِرِ: الظُّلمَ بأخذِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ، وأكلَ مالِ اليتيمِ ظُلمًا . وذَكرَ الهيتمي في الكبائِرِ: ظُلمَ السَّلاطينِ والأُمَراءِ والقُضاةِ وغَيرِهم، ومَحَبَّةَ الظَّلمةِ أو الفسَقةِ بأيِّ نَوعٍ كان فِسقُهم، وبُغضَ الصَّالحينَ، وتَرجيحَ إحدى الزَّوجاتِ على الأُخرى ظُلمًا وعُدوانًا .

 
blumen104.gif&key=e8cd35981b1b3551a38d81
 
أخطاءٌ شائِعةٌ

قال ابنُ خَلدونَ: (لا تَحسَبَنَّ الظُّلمَ إنَّما هو أخذُ المالِ أو المِلكِ من يدِ مالكِه من غَيرِ عِوَضٍ ولا سَبَبٍ، كما هو المَشهورُ، بَل الظُّلمُ أعَمُّ من ذلك، وكُلُّ من أخَذَ مِلكَ أحَدٍ أو غَصبَه في عَمَلِه أو طالبَه بغَيرِ حَقٍّ أو فرَضَ عليه حَقًّا لم يفرِضْه الشَّرعُ فقد ظَلمَه؛ فجُباةُ الأموالِ بغَيرِ حَقِّها ظَلَمةٌ، والمُعتَدونَ عليها ظَلمةٌ، والمُنتَهِبونَ لها ظَلمةٌ، والمانِعونَ لحُقوقِ النَّاسِ ظَلمةٌ، وغُصَّابُ الأملاكِ على العُمومِ ظَلمةٌ. ووَبالُ ذلك كُلِّه عائِدٌ على الدَّولةِ بخَرابِ العُمرانِ الذي هو مادَّتُها لإذهابِه الآمالَ مِن أهلِه)
 
blumen104.gif&key=e8cd35981b1b3551a38d81
 
مَسائِلُ مُتَفرِّقةٌ

1- التَّحذيرُ من دَعوةِ المَظلومِ:
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((واتَّقِ دَعوةَ المَظلومِ؛ فإنَّه ليس بَينَها وبَينَ اللهِ حِجابٌ)) .
(أي: مانِعٌ، بل هي مَعروضةٌ عليه تعالى. قال السُّيوطيُّ: أي: ليس لها ما يصرِفُها، ولو كان المَظلومُ فيه ما يقتَضي أنَّه لا يُستَجابُ لمِثلِه من كونِ مَطعَمِه حَرامًا أو نَحوِ ذلك، حتَّى ورَدَ في بَعضِ طُرُقِه «وإن كان كافِرًا» رواه أحمَدُ من حَديثِ أنَسٍ. قال ابنُ العَرَبيُّ: ليس بَينَ اللهِ وبَينَ شَيءٍ حِجابٌ عن قُدرتِه وعِلمِه، وإرادتِه، وسَمعِه وبَصَرِه، ولا يخفى عليه شَيءٌ، وإذا أخبَرَ عن شَيءٍ أنَّ بَينَه وبَينَه حِجابًا، فإنَّما يُريدُ مَنْعَه) .
ولرُبَّما تَأخَّرَت إجابةُ الدَّعوةِ، ولكِنَّ اللهَ ليس بغافِلٍ عَمَّا يعمَلُ الظَّالمونَ؛ قال سبحانَه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:42-43] .
وقال ميمونُ بنُ مِهرانَ: في قَولِه تبارك وتعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. قال: (تَعزيةٌ للمَظلومِ، ووعيدٌ للظَّالمِ) .
وقال بَعضُ ولَدِ خالدِ بنِ يحيى البَرمَكيِّ له وهم في السِّجنِ والقُيودِ: يا أبَتِ، بَعدَ الأمرِ والنَّهيِ والنِّعمةِ صِرنا إلى هذا الحالِ! فقال: يا بُنَيَّ، دَعوةُ مَظلومٍ سَرَت بليلٍ، ونحن عنها غافِلونَ، ولم يَغفُلِ اللهُ عنها! ثُمَّ أنشَأ يقولُ:
 رُبَّ قَومٍ قد غَدَوا في نِعمةٍ زَمَنًا  والدَّهرُ رَيَّانُ غَدَقْ
 سَكتَ الدَّهرُ زَمانًا عنهم  ثُمَّ أبكاهم دَمًا حينَ نَطَقْ
وقال سُحنونُ بنُ سَعيدٍ: كان يزيدُ بنُ حاتِمٍ يقولُ: (واللهِ ما هِبتُ شَيئًا قَطُّ هَيبَتي رَجُلًا ظَلمتُه، وأنا أعلَمُ أنَّه لا ناصِرَ له إلَّا اللهُ، يقولُ لي: حَسيبُك اللهُ! بَيني وبَينَك اللهُ!) .
وقيل لإبراهيمَ بنِ نَصرٍ الكَرمانيِّ: (إنَّ القَرمَطيَّ دَخَل مَكَّةَ وقَتَل فيها وفَعَل وصَنَعَ، فقُلتُ: قد كان ذاك، وقد كثُرَ الدُّعاءُ عليه، فلمَ مُنعَ الإجابة! فقال: لأنَّ فيهم عَشرَ خِصالٍ، فكيف يُستَجابُ لهم؟! فقُلتُ وما هنَّ؟! قال: أوَّلُه: أقَرُّوا باللهِ وتَرَكوا أمرَه. والثَّاني: قالوا: نُحِبُّ الرَّسولَ، ولم يتَّبعوا سُنَّتَه. والثَّالثُ: قَرَؤوا القُرآنَ ولم يعمَلوا به. والرَّابعُ: قالوا: نُحِبُّ الجَنَّةَ، وتَرَكوا طَريقَها. والخامِسُ: قالوا: نَكرَهُ النَّارَ، وزاحَموا طَريقَها. والسَّادِسُ: قالوا: إنَّ إبليسَ عَدُوُّنا فوافَقوه. والسَّابعُ: دَفَنوا أمواتَهم فلم يعتَبروا. والثَّامنُ: اشتَغَلوا بعُيوبِ إخوانِهم ونَسُوا عُيوبَهم. والتَّاسِعُ: جَمَعوا المالَ ونَسُوا الحِسابَ. والعاشِرُ: نَقَضوا القُبورَ وبَنَوا القُصورَ) .
قال ابنُ القَيِّمِ: (سُبحانَ اللهِ! كم بَكت في تَنعُّمِ الظَّالمِ عَينُ أرمَلةٍ! واحتَرَقَت كَبِدُ يتيمٍ، وجَرَت دَمعةُ مِسكينٍ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات: 46] ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: 88] ، ما ابيضَّ لونُ رَغيفِهم حتَّى اسودَّ لونُ ضَعيفِهم، وما سَمِنَت أجسامُهم حتَّى انتَحَلت أجسامُ ما استَأثَروا عليه، لا تَحتَقِرْ دُعاءَ المَظلومِ، فشَرَرُ قَلبِه مَحمولٌ بعَجيجِ صَوتِه إلى سَقفِ بَيتِك! ويحَك! نِبالُ أدعيتِه مُصيبةٌ وإن تَأخَّرَ الوقتُ! قَوسُه قَلبُه المَقروحُ، ووَتَرُه سَوادُ اللَّيلِ، وأُستاذُه صاحِبُ "لأنصُرَنَّكِ ولو بَعدَ حينٍ"! وقد رَأيتَ ولكِنْ لستَ تعتَبِرُ، احذَرْ عَداوةَ من ينامُ وطَرْفُه باكٍ، يُقَلِّبُ وجهَه في السَّماءِ، يرمي سِهامًا ما لها غَرَضٌ سِوى الأحشاءِ منك! فرُبَّما ولعَلَّها إذا كانت راحةُ اللَّذَّةِ تُثمِرُ ثَمَرةَ العُقوبةِ لم يحسُنْ تَناوُلُها، ما تُساوي لذَّةُ سَنةٍ غَمَّ ساعةٍ! فكيف والأمرُ بالعَكسِ؟! كم في يَمِّ الغُرورِ من تِمساحٍ؛ فاحذَرْ يا غائِصُ! سَتَعلمُ أيُّها الغَريمُ قِصَّتَك عِندَ تعلُّقِ الغُرَماءِ بك!
إذا التَقى كُلُّ ذي دَينٍ وماطَلَه  سَتَعلمُ ليلى أيَّ دينٍ تَداينَتْ.
من لم يتَتَبَّعْ بمِنقاشِ العَدلِ شَوكَ الظُّلمِ من أيدي التَّصَرُّفِ أثَّرَ ما لا يُؤمَنُ تَعَدِّيه إلى القَلبِ!)

يتبع

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

2- إعانةُ الظَّالمِ على ظُلمِه:
من يُعينُ الظَّالمَ فهو ظالمٌ مِثلُه، ومُشارِكٌ له في الإثمِ.
والظُّلمُ من الإثمِ والعُدوانِ، واللهُ سُبحانَه وتعالى أمرَ بالتَّعاوُنِ على البرِّ والتَّقوى، ونَهى عن التَّعاوُنِ على الإثمِ والعُدوانِ، فقال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2] . وعن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((لعنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آكِلَ الرِّبا وموكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيه، وقال: هم سَواءٌ)) .
قال النَّوويُّ: (هذا تَصريحٌ بتَحريمِ كِتابةِ المُبايعةِ بَينَ المُتَرابينَ والشَّهادةِ عليهما، وفيه: تَحريمُ الإعانةِ على الباطِلِ) .
وقال مَيمونُ بنُ مِهرانَ: (الظَّالمُ، والمُعينُ على الظُّلمِ، والمُحِبُّ له: سَواءٌ) .

التَّحذيرُ من الظلم


3- هل للظَّالمِ توبةٌ؟
بابُ التَّوبةِ مَفتوحٌ لكُلِّ من عَصى الله إذا تَوفَّرَت شُروطُها، قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110] ، وقال تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 39] .
شُروطُ التَّوبةِ كما ذَكرَها العُلماءُ:
- أن يُقلعَ عن الذَّنبِ.
- وأن يندَمَ على ما قد مَضى.
- وأن يعزِمَ في المُستَقبَلِ على ألَّا يعودَ إليه.
- وإذا كان الأمرُ يتَعلَّقُ بحُقوقِ الآدَميِّينَ -سَواءٌ بأموالِهم أو أعراضِهم أو أبدانِهم- فعليه أن يطلُبَ المُسامَحةَ مِمَّن له عليه حَقٌّ، أو يُؤَدِّيَ الحُقوقَ إلى أهلِها.
قال ابنُ القَيِّمِ: (والظُّلمُ عِندَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ له دَواوينُ ثَلاثةٌ: ديوانٌ لا يغفِرُ اللهُ منه شَيئًا، وهو الشِّركُ به؛ فإنَّ اللهَ لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به. وديوانٌ لا يترُكُ اللهُ تعالى منه شَيئًا، وهو ظُلمُ العِبادِ بَعضِهم بَعضًا؛ فإنَّ اللهَ تعالى يستَوفيه كُلَّه. وديوانٌ لا يعبَأُ اللهُ به شَيئًا، وهو ظُلمُ العَبدِ نَفسَه بَينَه وبَينَ رَبِّه عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّ هذا الدِّيوانَ أخَفُّ الدَّواوينِ وأسرَعُها مَحوًا؛ فإنَّه يُمحى بالتَّوبةِ والاستِغفارِ، والحَسَناتِ الماحيةِ، والمَصائِبِ المُكفِّرةِ، ونَحوِ ذلك. بخِلافِ ديوانِ الشِّركِ؛ فإنَّه لا يُمحى إلَّا بالتَّوحيدِ، وديوانُ المَظالمِ لا يُمحى إلَّا بالخُروجِ منها إلى أربابِها واستِحلالِهم منها) .
وقال السَّمَرقَنديُّ: (ليس شَيءٌ من الذُّنوبِ أعظَمَ من الظُّلمِ؛ لأنَّ الذَّنبَ إذا كان بَينَك وبَينَ اللهِ تعالى فإنَّ اللهَ تعالى كريمٌ يتَجاوزُ عنك، فإذا كان الذَّنبُ بَينَك وبَينَ العِبادِ فلا حيلةَ لك سِوى رِضا الخَصمِ، فينبَغي للظَّالمِ أن يتوبَ عن الظُّلمِ، ويتَحَلَّلَ من المَظلومِ في الدُّنيا، فإذا لم يقدِرْ عليه فينبَغي أن يستَغفِرَ، ويدعوَ له، فإنَّه يُرجى أنَّه يُحَلِّلُه بذلك) .
فمَن ابتُليَ بشَيءٍ من الظُّلمِ فليتَحَلَّلْ منه، فليس في الآخِرةِ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، وإنَّما هي الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، يُؤخَذُ من حَسَناتِه بقدرِ مَظلمَتِه ويُعطى للمَظلومِ، فإن نَفِدَت حَسَناتُه أُخِذَ من سَيِّئاتِ المَظلومِ وحمَلَه الظَّالمُ؛ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن كانت له مَظلَمةٌ لأحَدٍ من عِرضِه أو شَيءٍ فليتَحَلَّلْه منه اليومَ قَبل أن لا يكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلُ صالحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلمَتِه، وإن لم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ من سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِل عليه)) .
وعن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ من الشَّاةِ القَرناءِ ) .
وعن عَبدِ الله بنِ أُنَيسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((يُحشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ -أو قال: العِبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا ، قال: قُلنا: وما بُهْمًا؟ قال: "ليس مَعَهم شَيءٌ، ثُمَّ يُناديهم بصَوتٍ يسمَعُه مَن بَعُدَ كما يسمَعُه مَن قَرُبَ: أنا المَلِكُ، أنا الدَّيَّانُ، ولا ينبَغي لأحَدٍ من أهلِ النَّارِ أن يدخُلَ النَّارَ وله عِندَ أحَدٍ من أهلِ الجَنَّةِ حَقٌّ، حتَّى أُقِصَّه منه، ولا ينبَغي لأحَدٍ من أهلِ الجَنَّةِ أن يدخُلَ الجَنَّةَ، ولأحَدٍ من أهلِ النَّارِ عِندَه حَقٌّ، حتَّى أُقِصَّه منه، حتَّى اللَّطمةَ. قال: قُلْنا: كيف وإنَّا إنَّما نَأتي اللهَ عَزَّ وجَل عُراةً غُرْلًا بُهمًا؟ قال: بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ)) .
وقال أبو الزِّنادِ: (كان عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ يرُدُّ المَظالمَ إلى أهلِها بغَيرِ البَيِّنةِ القاطِعةِ، كان يكتَفي باليسيرِ، إذا عَرَف وَجهَ مَظلَمةِ الرَّجُلِ رَدَّها عليه، ولم يُكلِّفْه تَحقيقَ البَيِّنةِ؛ لِما يَعرِفُ من غَشمِ الوُلاةِ قَبلَه على النَّاسِ، ولقد أنفدَ بَيتَ مالِ العِراقِ في رَدِّ المَظالمِ، حتَّى حَمَل إليها من الشَّامِ) .
وذَكرَ صاحِبُ (العقدِ الفريد) قِصَّةً للمَأمونِ: (وأنَّه جَلسَ يومًا لرَدِّ المَظالمِ، فكان آخِرَ من تَقدَّم إليه - وقد همَّ بالقيامِ- امرأةٌ عليها هَيئةُ السَّفرِ، وعليها ثيابٌ رَثَّةٌ، فوقَفَت بَينَ يدَيه فقالت: السَّلامُ عليك يا أميرَ المُؤمنينَ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه. فنَظَرُ المَأمونُ إلى يحيى بنِ أكثَمَ. فقال لها يحيى: وعليكِ السَّلامُ يا أَمَةَ اللهِ، تَكلَّمي بحاجَتِك. فقالت:
يا خيرَ مُنتَصِفٍ يُهدى له الرَّشَدُ
ويا إمامًا به قد أشرَقَ البَلَدُ
تشكو إليك -عميدَ القومِ- أرملةٌ
عُدي عليها فلم يُترَكْ لها سَبَدُ
وابتُزَّ مني ضياعي بعد مَنعَتِها
ظُلمًا وفُرِّقَ مني الأهلُ والوَلَدُ
فأطرَق المأمونُ حينًا، ثمَّ رفع رأسَه إليها، وهو يقولُ:
في دونِ ما قُلتِ زال الصَّبرُ والجَلَدُ
عني وأُقرِحَ مني القَلبُ والكَبِدُ
هذا أذانُ صلاةِ العَصرِ فانصَرِفي
وأحضري الخَصمَ في اليومِ الذي أعِدُ
فالمجلِسُ السَّبتُ إن يُقضَ الجُلوسُ لنا
نُنصِفْك منه وإلَّا المجلِسُ الأحَدُ
قال: فلمَّا كان يومُ الأحَدِ جَلسَ، فكان أوَّلَ من تَقدَّمَ إليه تلك المَرأةُ، فقالت: السَّلامُ عليك يا أميرَ المُؤمنينَ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه. فقال: وعليكِ السَّلامُ، ثُمَّ قال: أينَ الخَصمُ؟ فقالت: الواقِفُ على رَأسِكِ يا أميرَ المُؤمنينَ -وأومَأتْ إلى العَبَّاسِ ابنِه!- فقال: يا أحمَدُ بنَ أبي خالدٍ، خُذْ بيدِه فأجلِسْه مَعَها مَجلِسَ الخُصومِ. فجَعل كلامُها يعلو كلامَ العَبَّاسِ. فقال لها أحمَدُ بنُ أبي خالدٍ: يا أمةَ اللهِ، إنَّكِ بَينَ يدَي أميرِ المُؤمنينَ، وإنَّكِ تُكَلِّمينَ الأميرَ، فاخفِضي من صَوتِك. فقال المَأمونُ: دَعْها يا أحمَدُ؛ فإنَّ الحَقَّ أنطَقَها والباطِلَ أخرَسَه. ثُمَّ قَضى لها برَدِّ ضَيعَتِها إليها، وظلَّمَ العَبَّاسَ بظُلمِه لها، وأمَرَ بالكِتابِ لها إلى العامِلِ الذي ببَلدِها أن يوغِرَ لها ضَيعَتَها، ويُحسِنَ مُعاونَتَها، وأمَرَ لها بنَفقةٍ) .



التَّحذيرُ من الظلم


4- الرُّكونُ إلى الظَّالِمينَ:
قال اللهُ تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود: 113] ، قال القُرطُبيُّ: (قَولُه تعالى: إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قيل: أهلُ الشِّركِ. وقيل: عامَّةٌ فيهم وفي العُصاةِ، على نَحوِ قَولِه تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا... الآية، وهذا هو الصَّحيحُ في مَعنى الآيةِ) .
ومِن صُوَرِ الرُّكونِ إلى الظَّالمينَ: مَحَبَّتُهم، والرِّضا بأعمالِهم، ومُتابَعَتُهم ومُداهَنَتُهم، وإعانَتُهم على الظُّلمِ، والاعتِمادُ عليهم، والاستِعانةُ بهم في ظُلمِ الآخَرينَ .


الدرر السنية

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
  ذَمُّ الظُّلمِ في واحةِ الأدَبِ
 
أ - مِنَ الشِّعرِ

1- قال أبو العتاهيةِ:
أمَا واللَّهِ إنَّ الظُّلمَ لُومٌ
وما زال المُسيءُ هو الظَّلومُ
إلى دَيَّانِ يومِ الدِّينِ نَمضي
وعندَ اللَّهِ تجتَمِعُ الخُصومُ
2- وقال آخَرُ:
وما مِن يدٍ إلَّا يَدُ اللهِ فَوقَها
وما ظالِمٌ إلَّا سيُبلى بأظلَمِ
3- وقال محمودٌ الورَّاقُ:
اصبِرْ على الظُّلمِ ولا تنتَصِرْ
فالظُّلمُ مردودٌ على الظَّالِمِ
وكِلْ إلى اللهِ ظَلومًا فما
رَبِّي عن الظَّالمِ بالنَّائِمِ
4- وقيل:
الظُّلمُ نارٌ فلا تحقِرْ صغيرتَه
لعَلَّ جَذوةَ نارٍ أحرَقَت بَلَدَا
5- وقيل:
توقَّ دعا المظلومِ إنَّ دعاءَه
ليُرفَعُ فوقَ السُّحبِ ثمَّ يجابُ
توقَّ دُعا مَن ليس بينَ دعائِه
وبينَ إلهِ العالَمين حِجابُ
6- وقال ابنُ القَيِّمِ:
كذا دعا المُضطَرِّ أيضًا صاعِدٌ
أبدًا إليه عندَ كُلِّ أوانِ
وكذا دعا المظلومِ أيضًا صاعِدٌ
حقًّا إليه قاطِعِ الأكوانِ
7- وقال ابنُ الوَرديِّ:
إيَّاك مِن عَسفِ الأنامِ وظُلمِهم
واحذَرْ من الدَّعَواتِ في الأسحارِ
8- وقال عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه:
أدِّ الأمانةَ، والخيانةَ فاجتَنِبْ
واعدِلْ ولا تظلِمْ يطيبُ المكسَبُ
واحذَرْ من المظلومِ سَهمًا صائبًا
واعلَمْ بأنَّ دعاءَه لا يُحجَبُ
9- وقال آخَرُ:
يا أيُّها الظَّالمُ في فِعلِه
فالظُّلمُ مردودٌ على مَن ظَلَمْ
إلى متى أنت وحتَّى متى
تسلو المصيباتِ وتنسى النِّقَمْ
10- وقال آخَرُ:
لا تَظلِمَنَّ إذا ما كنتَ مُقتَدِرًا
فالظُّلمُ آخِرُه يأتيك بالنَّدَمِ
نامَت عيونُك والمظلومُ مُنتَبِهٌ
يدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِ
11- وأنشَد أحمدُ بنُ الطَّيِّبِ:
ولا تعجَلْ على أحَدٍ بظُلمٍ
فإنَّ الظُّلمَ مرتَعُه وخيمُ
12- وقال آخَرُ:
إذا الظَّالمُ استحسن الظُّلمَ مَذهَبًا
ولجَّ عُتُوًّا في قبيحِ اكتِسابِه
فكِلْه إلى رَيبِ الزَّمانِ فإنَّه
سيُبدي له ما لم يكُنْ في حِسابِه
فكم قد رأينا ظالِمًا متجبِّرًا
يرى النَّجمَ تِيهًا تحتَ ظِلِّ ركابِهِ
فلمَّا تمادى واستطال بظُلمِهِ
أناخت صروفُ الحادثاتِ ببابِهِ
وعوقِبَ بالظُّلمِ الذي كان يقتفي
وصَبَّ عليه اللهُ سَوطَ عذابِهِ
 
blumen104.gif&key=e8cd35981b1b3551a38d81
 
ب- من الأمثالِ والحِكَمِ

1- الظُّلمُ مَرتَعُه وخيمٌ.
 والمعنى: عاقِبَتُه مَذمومةٌ، وجَعَل للظُّلمِ مَرتَعًا لتَصَرُّفِ الظَّالمِ فيه، ثُمَّ جَعل المَرتَعَ وخيمًا لسوءٍ عاقِبَتِه، إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في العُقبى .
2- لو تُرِك القَطا لنامَ.
يُضرَبُ مَثَلًا للرَّجُلِ يُستَثارُ للظُّلمِ فيَظلِمُ .
3- إن يَبغِ عليك قَومُك لا يَبغِ عليك القَمَرُ
 يُضرَبُ للأمرِ المَشهورِ، والبَغيُ: الظُّلمُ، والمَعنى: إن ظَلمَك قَومُك لا يظلِمْك القَمَرُ، فانظُرْ يتَبَيَّنْ لك الأمرُ والحَقُّ .
4- إذا ظَلمْتَ مَن دونَك فلا تَأمَنْ عَذابَ مَن فوقَك .
5- أظلَمُ من حَيَّةٍ
وذلك أن تَجيءَ إلى جُحرِ غَيرِها فتَدخُلَه وتَغلِبَ عليه .
- يَلدَغُ ويَصيءُ.
يُضرَبُ مَثَلًا للرَّجُلِ يَظلِمُ ويشكو! يُقال: صاءَ الفَرخُ يَصيءُ صيأً، وكذلك يُقالُ للعَقرَبِ: صَأتْ تَصأى .
- البَغيُ آخِرُ مُدَّةِ القَومِ.
يعني: أنَّ الظُّلمَ إذا امتَدَّ مَداه آذَنَ بانقِراضِ مُدَّتِهم .
- من بَدَأ بالظُّلمِ كان أظلمَ، ومن انتَصَرَ فقد أنصَفَ .
- من استَرعى الذِّئبَ ظَلمَ.
 أي: من استَرعى الذِّئبَ فقد وضَعَ الأمانةَ في غَيرِ مَوضِعِها، والظُّلمُ وضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه .
- وكان يُقالُ: (ليس شَيءٌ لتَغَيُّرِ نِعمةٍ وتَعجيلِ نِقمةٍ أشَدَّ من الإقامةِ على الظُّلمِ) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك


النَّميمةِ


أوَّلًا: معنى النَّميمةِ لُغةً واصطِلاحًا

معنى النَّميمةِ لُغةً:


النَّمُّ: رَفعُ الحديثِ على وَجهِ الإشاعةِ والإفسادِ. وقيل: تزيينُ الكلامِ بالكَذِبِ. مِن نَمَّ يَنُمُّ ويَنِمُّ، فهو نَمومٌ ونَمَّامٌ ومِنَمٌّ، ونَمٌّ، من قومٍ نَمِّينَ وأنِمَّاءَ ونُمٍّ، وهي نَمَّةٌ، ويقالُ للنَّمَّامِ القَتَّاتُ، ونمَّامٌ مبالغةٌ، والاسمُ النَّميمةُ، وأصلُ هذه المادَّةِ يدُلُّ على إظهارِ شَيءٍ وإبرازِه .
معنى النَّميمةِ اصطِلاحًا:

النَّميمةُ: (نَقلُ الحديثِ مِن قومٍ إلى قومٍ على جِهةِ الإفسادِ والشَّرِّ) .
وعرَّفها الغَزاليُّ بقَولِه: (إفشاءُ السِّرِّ، وهَتكُ السِّترِ عمَّا يُكرَهُ كَشفُه) .
وقيل هي: (التَّحريشُ بَيْنَ النَّاسِ والسَّعيُ بَيْنَهم بالإفسادِ) .



2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410



ثانيًا: الفَرْقُ بَيْنَ النَّميمةِ وبَعضِ الصِّفاتِ

الفَرْقُ بَيْنَ الغِيبةِ والنَّميمةِ:


قال ابنُ حَجَرٍ: (اختُلِفَ في الغِيبةِ والنَّميمةِ: هل هما متغايرتانِ أو متَّحِدتانِ، والرَّاجِحُ التَّغايُرُ، وأنَّ بَيْنَهما عُمومًا وخُصوصًا وَجهيًّا؛ وذلك لأنَّ النَّميمةَ نَقلُ حالِ شَخصٍ لغيرِه على جِهةِ الإفسادِ بغيِر رِضاه، سواءٌ كان بعِلمِه أم بغيرِ عِلمِه.
والغِيبةُ ذِكرُه في غَيبتِه بما لا يُرضيه، فامتازت النَّميمةُ بقصدِ الإفسادِ، ولا يُشتَرَطُ ذلك في الغِيبةِ.
وامتازت الغِيبةُ بكَونِها في غَيبةِ المقولِ فيه، واشتركا فيما عدا ذلك.
ومن العُلَماءِ مَن يَشترِطُ في الغِيبةِ أن يكونَ المقولُ فيه غائبًا، واللَّهُ أعلمُ) .
وقال ابن حجر الهيتمي: (كُلُّ نميمةٍ غِيبةٌ، وليس كُلُّ غِيبةٍ نميمةً؛ فإنَّ الإنسانَ قد يذكُرُ عن غيرِه ما يَكرَهُه، ولا إفسادَ فيه بينَه وبينَ أحَدٍ، وهذا غِيبةٌ، وقد يَذكُرُ عن غيرِه ما يَكرَهُه، وفيه إفسادٌ، وهذا غِيبةٌ ونميمةٌ معًا) .


الفَرْقُ بَيْنَ القَتَّاتِ والنَّمَّامِ:

(القَتَّاتُ والنَّمَّامُ بمعنًى واحِدٍ.
وقيل: النَّمَّامُ الذي يكونُ مع جماعةٍ يتحَدَّثون حديثًا فيَنُمُّ عليهم.
والقَتَّاتُ: الذي يتسَمَّعُ عليهم وهم لا يَعلَمون، ثمَّ يَنُمُّ) .


يتبع

 
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

ثالثًا: ذمُّ النَّميمةِ والنَّهيُ عنها

أ- من القُرآنِ الكريمِ

- قال تعالى: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: 10-11] .
قال ابنُ كثيرٍ في قولِه تعالى: (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: الذي يمشي بَيْنَ النَّاسِ، ويُحَرِّشُ بَيْنَهم وينقُلُ الحديثَ لفسادِ ذاتِ البَينِ، وهي الحالِقةُ)


- وقال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1] .
(قيل: اللُّمَزةُ: النَّمَّامُ. عن أبي الجَوزاءِ قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: من هؤلاء الَّذين بدأهم اللَّهُ بالوَيلِ؟ قال: هم المَشَّاؤون بالنَّميمةِ، المُفَرِّقون بَيْنَ الأحبَّةِ، الباغون أكبَرَ العَيبِ) .
وقال مقاتِلٌ: (فأمَّا الهُمَزةُ فالذي يَنُمُّ الكلامَ إلى النَّاسِ، وهو النَّمَّامُ) .


- وقال تعالى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 4] .
(قيل: كانت نمَّامةً حَمَّالةً للحديثِ إفسادًا بَيْنَ النَّاسِ، وسُمِّيَت النَّميمةُ حَطَبًا؛ لأنَّها تَنشُرُ العداوةَ بَيْنَ النَّاسِ، كما أنَّ الحطَبَ ينشُرُ النَّارَ.
قال مجاهِدٌ: يعني حمَّالةَ النَّميمةِ، تمشي بالنَّميمةِ) .

2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410


ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

- عن حُذيفةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يدخُلُ الجنَّةَ نمَّامٌ)) ، وفي روايةٍ ((قَتَّاتٌ)) .
ونفيُ دُخولِ الجنَّةِ في الحديثِ نَفيٌ مُطلَقٌ، والنَّفيُ المُطلَقُ يُحمَلُ على المقَيَّدِ، فيُقالُ: لا يدخُلون الجنَّةَ دُخولًا مُطلَقًا، يعني: لا يَسبِقُه عذابٌ، ولكِنَّهم يدخُلون الجنَّةَ دُخولًا يسبِقُه عذابٌ بقَدْرِ ذُنوبِهم، ثمَّ مَرجِعُهم إلى الجنَّةِ .
قال ابنُ بطَّالٍ: (والقَتَّاتُ: النَّمَّامُ عِندَ أهلِ اللُّغةِ) .


- وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: ((إنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ألا أنَبِّئُكم ما العِضَةُ؟ هي النَّميمةُ القالةُ بَيْنَ النَّاسِ . وإنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ الرَّجُلَ يَصدُقُ حتَّى يُكتَبَ صِدِّيقًا، ويَكذِبُ حتَّى يُكتَبَ كَذَّابًا)) .
قال المُناويُّ: (... "القالةُ بَيْنَ النَّاسِ "، أي: كثرةُ القولِ، وإيقاعُ الخُصومةِ بَيْنَهما، فيما يُحكى للبعضِ عن البعضِ، وقيل: القالةُ بمعنى المقولةِ، وزعَم بعضُهم أنَّ القالةَ هنا جمعٌ، وهم الذين يَنقُلون الكلامَ، ويوقِعون الخُصومةَ بَيْنَ النَّاسِ) .
وقال ابنُ عُثَيمين: (هي النَّميمةُ: أن ينقُلَ الإنسانُ كلامَ النَّاسِ بعضِهم في بعضٍ؛ من أجلِ الإفسادِ بَيْنَهم، وهي من كبائِرِ الذُّنوبِ) .


- وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قال: ((مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على قبرَينِ، فقال: إنَّهما ليُعَذَّبانِ، وما يُعَذَّبانِ في كبيرٍ! ثمَّ قال: بلى، أمَّا أحَدُهما فكان يسعى بالنَّميمةِ، وأمَّا الآخَرُ فكان لا يستَتِرُ مِن بَولِه، قال: ثمَّ أخذ عودًا رَطْبًا، فكَسَره باثنتَينِ، ثمَّ غَرَز كُلَّ واحدٍ منهما على قَبرٍ، ثمَّ قال: لعَلَّه يُخَفَّفُ عنهما ما لم يَيْبَسا)) .
قال ابنُ بطَّالٍ: (ومعنى الحديثِ: الحَضُّ على تَركِ النَّميمةِ) .
وقال ابنُ دقيقِ العيدِ: (في الحديثِ دليلٌ على عِظَمِ أمرِ النَّميمةِ، وأنَّها سَبَبُ العذابِ، وهو محمولٌ على النَّميمةِ المُحَرَّمةِ) .


وقال الشَّوكانيُّ: (الحديثُ يدُلُّ على نجاسةِ البَولِ من الإنسانِ، ووجوبِ اجتنابِه، وهو إجماعٌ، ويدُلُّ أيضًا على عِظَمِ أمرِه وأمرِ النَّميمةِ، وأنَّهما من أعظمِ أسبابِ عذابِ القبرِ) .
وقال السُّيوطيُّ: (قد ذَكَر بعضُهم السِّرَّ في تخصيصِ البَولِ والنَّميمةِ والغِيبةِ بعذابِ القَبرِ، وهو أنَّ القبرَ أوَّلُ منازِلِ الآخرةِ، وفيه أنموذَجُ ما يقَعُ في يومِ القيامةِ من العقابِ والثَّوابِ. والمعاصي التي يعاقَبُ عليها يومَ القيامةِ نوعانِ: حَقٌّ للهِ، وحَقٌّ لعبادِه، وأوَّلُ ما يُقضى فيه يومَ القيامةِ من حقوقِ اللَّهِ: الصَّلاةُ، ومن حُقوقِ العِبادِ: الدِّماءُ، وأمَّا البرزَخُ فيُقضى فيه في مُقَدِّماتِ هذينِ الحَقَّينِ ووَسائلِهما، فمُقَدِّمةُ الصَّلاةِ الطَّهارةُ من الحدَثِ والخَبَثِ، ومُقَدِّمةُ الدِّماءِ النَّميمةُ والوقيعةُ في الأعراضِ، وهما أيسَرُ أنواعِ الأذى، فيبدَأُ في البرزخِ بالمحاسبةِ والعقابِ عليهما) .

 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ

- رُوِيَ أنَّ سُلَيمانَ بنَ عَبدِ المَلِكِ كان جالِسًا وعنده الزُّهريُّ، فجاءه رجُلٌ فقال له سُليمانُ: بلغني أنَّك وقَعْتَ فيَّ، وقُلتَ كذا وكذا. فقال الرَّجُلُ: ما فعَلْتُ ولا قُلتُ. فقال سُلَيمانُ: إنَّ الذي أخبرني صادِقٌ، فقال له الزُّهريُّ: لا يكونُ النَّمَّامُ صادِقًا. فقال سُلَيمانُ: صدَقْتَ، ثمَّ قال للرَّجُلِ: اذهَبْ بسَلامٍ


- وقال الحسَنُ: (كأنَّكم تظنُّون أنَّ الخيانةَ ليست إلَّا في الدِّينارِ والدِّرهَمِ! إنَّ الخيانةَ أشَدَّ الخيانةِ أن يجالِسَنا الرَّجُلُ فنطمَئِنَّ إلى جانِبِه، ثمَّ ينطَلِقَ فيسعى بنا إلى شرارةٍ من نارٍ!) .

- وقال الحَسَنُ: (مَن نَمَّ إليك نَمَّ عليك) .

- وعن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ، قال: قَدِمتُ مِن مَكَّةَ فلَقِيني الشَّعبيُّ، فقال: يا أبا زيدٍ، أطرِفْنا ممَّا سَمِعتَ بمكَّةَ، فقُلتُ: سَمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ سابِطٍ يقولُ: لا يَسكُنُ مكَّةَ سافِكُ دَمٍ، ولا آكِلُ رِبًا، ولا مَشَّاءٌ بنميمةٍ، فعَجِبتُ منه حينَ عَدَل النَّميمةَ بسَفكِ الدَّمِ وأكلِ الرِّبا، فقال الشَّعبيُّ: وما يُعجِبُك من هذا؟! وهل يُسفَكُ الدَّمُ وتُركَبُ العظائِمُ إلَّا بالنَّميمةِ ؟!

- وقال قتادةُ: (ذُكِر لنا أنَّ عذابَ القبرِ ثلاثةُ أثلاثٍ: ثُلُثٌ من الغِيبةِ، وثُلُثٌ من البولِ، وثُلُثٌ من النَّميمةِ) .

- وقال ابنُ حَزمٍ: (وما في جميعِ النَّاسِ شَرٌّ من الوُشاةِ، وهم النَّمامونَ، وإنَّ النَّميمةَ لطَبعٌ يدُلُّ على نَتنِ الأصلِ، ورداءةِ الفَرعِ، وفسادِ الطَّبعِ، وخُبثِ النَّشأةِ، ولا بُدَّ لصاحبِه من الكَذِبِ. والنَّميمةُ فرعٌ من فروعِ الكَذِبِ، ونوعٌ من أنواعِه، وكُلُّ نمَّامٍ كَذَّابٌ) .


- وقال أبو موسى عِمرانُ بنُ موسى المؤدِّبُ: (وَفَد على أَنوشِرْوانَ حكيمُ الهندِ، وفيلسوفُ الرُّومِ، فقال للهِنديِّ: تكَلَّمْ. فقال: يا خَيرَ النَّاسِ، مَن ألقى سخيًّا، وعند الغَضَبِ وقورًا، وفي القولِ مُتأنِّيًا، وفي الرِّفعةِ متواضِعًا، وعلى كُلِّ ذي رَحِمٍ مُشفِقًا. وقام الرُّوميُّ، فقال: مَن كان بخيلًا وَرِث عَدُوُّه مالَه، ومَن قَلَّ شُكرُه لم يَنَلِ النَّجاحَ، وأهلُ الكَذِبِ مذمومون، وأهلُ النَّميمةِ يموتون فُقَراءَ، فمَن لم يرحَمْ سُلِّط عليه مَن لا يرحَمُه) .

- عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، قال: قال سُلَيمانُ بنُ داودَ لابنِه: (يا بُنَيَّ، إيَّاك والنَّميمةَ؛ فإنَّها أحَدُّ من السَّيفِ) .

- قال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ لبنيه: (إيَّاكم والنَّميمةَ؛ فإنَّها نارٌ مُحرِقةٌ، وإنَّ النَّمَّامَ ليَعمَلُ في ساعةٍ ما لا يَعمَلُ السَّاحِرُ في شهرٍ) .

- كان ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما يقولُ: (الكَذِبُ فُجورٌ، والنَّميمةُ سِحرٌ؛ فمَن كَذَب فقد فَجَر، ومَن نَمَّ فقد سَحَر) .

- عن كَعبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: (اتَّقوا النَّميمةَ؛ فإنَّ صاحِبَها لا يستريحُ من عذابِ القبرِ) .

- عن كَعبِ الأحبارِ، قال: (إنَّ أعظَمَ النَّاسِ عِندَ اللَّه خطيئةً يومَ القيامةِ المُثلِّثُ، قالوا له: وما المُثَلِّثُ؟ قال: الذي يسعى بأخيه إلى إمامِه فيُهلِكُ نَفسَه، ويُهلِكُ أخاه، ويُهلِكُ إمامَه) .

- عن بعضِ أصحابِ جَعفَرِ بنِ محمدٍ الصَّادِقِ، قال: (دخَلتُ على جَعفَرٍ وموسى بَيْنَ يَدَيه، وهو يوصيه بهذه الوَصيَّةِ، فكان ممَّا حَفِظتُ منها أنْ قال: يا بُنَيَّ، اقبَلْ وَصِيَّتي، واحفَظْ مقالتي... وإيَّاك والنَّميمةَ؛ فإنَّها تزرَعُ الشَّحناءَ في قُلوبِ الرِّجالِ، وإيَّاك والتَّعرُّضَ لعُيوبِ النَّاسِ؛ فمَنزِلةُ التَّعرُّضِ لعيوبِ النَّاسِ بمنزلةِ الهَدَفِ) .

- أوصى عبدُ المَلِكِ بنُ صالِحٍ ابنًا له، فقال: (أي بُنَيَّ، احلُمْ؛ فإنَّ مَن حَلُم ساد، ومَن تفَهَّمَ ازداد... مَن سعى بالنَّميمةِ حَذِرَه البعيدُ، ومَقَتَه القريبُ) .

- قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: (إنَّ صاحِبَ النَّميمةِ ليُفسِدُ ما بَيْنَ النَّاسِ في يومٍ ما لا يُفسِدُه السَّاحِرُ في شَهرٍ) .

- وكتب طاهِرُ بنُ الحُسَينِ لابنِه عبدِ اللَّهِ كتابًا لَمَّا ولَّاه المأمونُ عبدُ اللَّهِ بنُ هارونَ الرَّشيدِ الرَّقَّةَ ومِصرَ وما بَيْنَهما، وفيه: (أغمِضْ عن عيبِ كُلِّ ذي عَيبٍ من رعيَّتِك، واشدُدْ لِسانَك عن قَولِ الكَذِبِ والزُّورِ، وأبغِضْ أهلَه، وأقْصِ أهلَ النَّميمةِ؛ فإنَّ أوَّلَ فَسادِ أمرِك في عاجِلِ الأمورِ وآجِلِها تقريبُ الكذوبِ والجرأةُ على الكَذِبِ؛ لأنَّ الكَذِبَ رأسُ المآثِمِ، والزُّورَ والنَّميمةَ خاتِمتُها؛ لأنَّ النَّميمةَ لا يَسلَمُ صاحِبُها، وقائِلُها لا يَسلَمُ له صاحِبٌ، ولا يستقيمُ لمطيعِها أمرٌ) .

- قال ابنُ حِبَّانَ عن النَّميمةِ: (تَهتِكُ الأستارَ، وتُفشي الأسرارَ، وتُورِثُ الضَّغائِنَ، وترفَعُ المودَّةَ، وتجَدِّدُ العداوةَ، وتُبَدِّدُ الجماعةَ، وتُهَيِّجُ الحِقدَ، وتَزيدُ الصَّدَّ) .
قال ابنُ مِسكَوَيهِ: (احذَرِ النَّميمةَ وسَماعَها؛ وذلك أنَّ الأشرارَ يَدخُلون بَيْنَ الأخيارِ في صورةِ النُّصَحاءِ فيُوهمونَهم النَّصيحةَ، ويَنقُلون إليهم في عَرضِ الأحاديثِ اللَّذيذةِ أخبارَ أصدقائِهم محَرَّفةً مُمَوَّهةً، حتَّى إذا تجاسَروا عليهم بالحديثِ المُختَلَقِ يُصَرِّحون لهم بما يُفسِدُ مودَّاتِهم، ويُشَوِّهُ وجوهَ أصدقائِهم، إلى أن يُبغِضَ بعضُهم بعضًا)

 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
رابعًا: آثارُ النَّميمةِ

1- طريقٌ مُوصِلٌ إلى النَّارِ.
2- توقِدُ نارَ العداوةِ والشَّحناءِ. عن العَتبيِّ، قال: سمِعتُ أعرابيَّةً تُوصي ابنًا لها، فقالت: (عليك بحِفظِ السِّرِّ، وإيَّاك والنَّميمةَ؛ فإنَّها لا تَترُكُ مودَّةً إلَّا أفسدَتْها، ولا ضغينةً إلَّا أوقَدَتْها) .
وقال أبانُ بنُ تَغلِبَ: (شَهِدتُ أعرابيَّةً وهي توصي ولَدًا لها يريدُ سَفَرًا، وهي تقولُ له: ... أي بُنَيَّ، إيَّاك والنَّميمةَ؛ فإنَّها تزرَعُ الضَّغينةَ، وتُفَرِّقُ بَيْنَ المحِبِّين) .
3- تؤذي وتَضُرُّ، وتُؤلِمُ، وتَجلِبُ الخِصامَ والنُّفورَ.
4- عُنوانُ الدَّناءةِ والجُبنِ، والضَّعفِ والدَّسِّ، والكَيدِ، والمَلَقِ، والنِّفاقِ.
5- مُزيلةٌ كُلَّ محبَّةٍ، ومُبعِدةٌ كُلَّ مودَّةٍ وتآلُفٍ وتآخٍ .
6- عارٌ على قائِلِها وسامِعِها.
7- تحمِلُ على التَّجَسُّسِ، وتتبُّعِ أخبارِ الآخَرينَ.
8- تؤدِّي إلى التَّفرُّقِ والقطيعةِ.
9- النَّميمةُ تحلِقُ الدِّينَ:
عن أبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: ((قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألا أخبِرُكم بأفضَلِ مِن دَرَجةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقةِ؟ قالوا: بلى، قال: صلاحُ ذاتِ البَينِ؛ فإنَّ فسادَ ذاتِ البَينِ هي الحالِقةُ)) .
10- النَّميمةُ تجعَلُ صاحِبَها ذليلًا محتَقَرًا:
اتَّبَع رَجُلٌ حكيمًا سَبعَمائةِ فَرسَخٍ في سَبعِ كَلِماتٍ، فلمَّا قَدِم عليه قال: إنِّي جئتُك للذي آتاك اللَّهُ تعالى من العِلمِ، أخبِرْني عن السَّماءِ وما أثقَلُ منها؟ وعن الأرضِ وما أوسَعُ منها؟ وعن الصَّخرِ وما أقسى منه؟ وعن النَّارِ وما أحَرُّ منها؟ وعن الزَّمهريرِ وما أبرَدُ منه؟ وعن البحرِ وما أغنى منه؟ وعن اليتيمِ وما أذَلُّ منه؟ فقال له الحكيمُ: البهتانُ على البريءِ أثقَلُ من السَّمواتِ، والحَقُّ أوسَعُ من الأرضِ، والقَلبُ القانِعُ أغنى من البحرِ، والحِرصُ والحَسَدُ أحَرُّ من النَّارِ، والحاجةُ إلى القريبِ إذا لم تنجَحْ أبرَدُ من الزَّمهريرِ، وقَلبُ الكافرِ أقسى من الحَجَرِ، والنَّمَّامُ إذا بان أمرُه أذَلُّ من اليتيمِ .
11- النَّميمةُ تُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا:
قال أبو الفَرَجِ ابنُ الجَوزيِّ: (النَّميمةُ تُفسِدُ الدِّينَ والدُّنيا، وتُغَيِّرُ القُلوبَ، وتُولِّدُ البَغضاءَ، وسَفكَ الدِّماءِ، والشَّتاتَ) .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
خامسًا: أقسامُ النَّميمةِ

للنَّميمةِ ثلاثةُ أقسامٍ، وهي كما يلي:


1- النَّميمةُ المحرَّمةُ:
هي نَقلُ الكلامِ بَيْنَ النَّاسِ على جهةِ الإفسادِ والإيقاعِ بَيْنَهم، دونَ وُجودِ مَصلَحةٍ شَرعيَّةٍ في نَقلِ الكلامِ.


2- النَّميمةُ الواجِبةُ أو المُستحَبَّةُ:
وهي التي تكونُ للتَّحذيرِ من شَرٍّ واقعٍ على إنسانٍ ما، فيُخبِرُ بذلك الشَّرِّ ليَحذَرَه.
وقال ابنُ الملَقِّنِ وهو يتحَدَّثُ عن النَّميمةِ: (أمَّا إذا كان فِعلُها نصيحةً في تركِ مَفسَدةٍ أو دَفعِ ضَرَرٍ، وإيصالِ خَيرٍ يتعَلَّقُ بالغيرِ، لم تكُنْ محرَّمةً ولا مكروهةً، بل قد تكونُ واجبةً أو مستحبَّةً) .
وقال النَّوويُّ عن النَّميمةِ: (فإن دَعَت حاجةٌ إليها فلا مَنْعَ منها، وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانًا يريدُ الفَتكَ به أو بأهلِه أو بمالِه، أو أخبر الإمامَ أو مَن له ولايةٌ بأنَّ إنسانًا يفعَلُ كذا ويسعى بما فيه مَفسَدةٌ، ويجِبُ على صاحِبِ الولايةِ الكَشفُ عن ذلك وإزالتُه، فكُلُّ هذا وما أشبَهَه ليس بحرامٍ، وقد يكونُ بعضُه واجبًا وبعضُه مُستحَبًّا على حَسَبِ المَواطِنِ، واللَّهُ أعلمُ) .


2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410

سادسًا: صُوَرُ النَّميمةِ

النَّميمةُ هي كَشفُ ما يُكرَهُ كَشفُه، سواءٌ كَرِهه المنقولُ عنه، أو المنقولُ إليه، أو ثالِثٌ، وسواءٌ كان الكَشفُ بالقولِ أو الكتابةِ أو الرَّمزِ أو الإيماءِ أو نحوِها، وسواءٌ كان المنقولُ من الأقوالِ أو الأعمالِ، وسواءٌ كان عيبًا أو غيرَه . وكُلُّ ما ذُكِر من صُوَرِ النَّميمةِ.

2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410

سابعًا: أسبابُ الوقوعِ في النَّميمةِ

1- أن ينشَأَ الفَردُ في بيئةٍ دأبُها النَّميمةُ والوقيعةُ بَيْنَ النَّاسِ، فيُحاكيها ويتأثَّرُ بها.
2- الإساءةُ للآخَرينَ، والرَّغبةُ في إيذائِهم.
3- إطلاقُ اللِّسانِ بالخَوضِ في الباطِلِ وفُضولِ الحديثِ.
4- عدَمُ رَدعِ النَّمَّامِ وزَجرِه، بل استحسانُ عَمَلِه ومسايرتُه.
5- الفَراغُ وعَدَمُ شَغلِ الوقتِ بالأشياءِ النَّافعةِ.
6- الغَضَبُ والرَّغبةُ في الانتقامِ.
7- تتبُّعُ عَوراتِ النَّاسِ.
8- العَمَلُ لصالحِ أفرادٍ أو جِهاتٍ مَشبوهةٍ.
9- ضَعفُ الإيمانِ وسوءُ الخُلُقِ.
10- جَهلُ النَّمَّامِ بالعواقِبِ السَّيِّئةِ للنَّميمةِ وآثارِها على الفَردِ والمجتمَعِ.
11- الحَسَدُ للآخَرينَ، وعَدَمُ حُبِّ الخيرِ لهم.
12- البَغيُ، قال أحمدُ بنُ عاصِمٍ الأنطاكيُّ: (أشَرُّ مَكِنةِ الرَّجُلِ البَذاءُ -وهو الوقيعةُ منه، وهي الغِيبةُ- وذلك أنَّه لا ينالُ بذلك منفعةً في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، بل يُبغِضُه عليه المتَّقون ويَهجُرُه الغافِلون، وتجتَنِبُه الملائكةُ، وتَفرَحُ به الشَّياطينُ... والغِيبةُ والنَّميمةُ قرينتانِ، ومخرَجُهما من طريقِ البَغيِ، والنَّمَّامُ قاتِلٌ، والمغتابُ آكِلُ الميتةِ، والباغي مُستكبِرٌ) .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ثامنًا: الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ النَّميمةِ

1- التَّعريفُ بخُطورةِ النَّميمةِ.
2- استِشعارُ عَظَمةِ هذه المعصيةِ وأنَّها من الكبائِرِ.
3- حِفظُ اللِّسانِ.
4- معرفةُ ما يترَتَّبُ على النَّميمةِ من إفسادٍ للقُلوبِ وتفريقٍ بَيْنَ النَّاسِ.
5- التَّقرُّبُ إلى اللَّهِ سُبحانَه وتعالى بكثرةِ الأعمالِ الصَّالحةِ، وتقديمِ رِضاه على رِضا المخلوقين.
6- استشعارُ الفَردِ أنَّ حِفظَ اللِّسانِ عن النَّميمةِ وغَيرِها من الآفاتِ من أسبابِ دُخولِه الجنَّةَ.
7- تقويةُ الإيمانِ بالعِلمِ النَّافِعِ، والعَمَلِ الصَّالِحِ.
8- تَركُ الاستماعِ للنَّمَّامين ومَنْعُهم من النَّميمةِ.
9- تربيةُ الفردِ على الالتِزامِ بالآدابِ والتَّعاليمِ الإسلاميَّةِ.
10- استغلالُ وَقتِ الفَراغِ بما ينفَعُ الفَردَ.
11- كَظْمُ الغيظِ والصَّبرُ على الغَضَبِ.
12- التَّأمُّلُ في سيرةِ السَّلَفِ والاقتداءُ والتَّأسِّي بهم.
13- أن يَعلَمَ الفَردُ أنَّ الذين يَنُمُّ عليهم اليومَ هم خُصَماؤه عِندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ.


2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410

تاسعًا: ماذا يفعَلُ مَن حُمِلَت إليه النَّميمةُ؟

قال الغَزاليُّ: (كُلُّ مَن حُمِلت إليه النَّميمةُ وقيل له: إنَّ فلانًا قال فيك كذا وكذا، أو فَعَل في حقِّك كذا، أو هو يُدَبِّرُ في إفسادِ أمرِك، أو في ممالأةِ عَدُوِّك أو تقبيحِ حالِك، أو ما يجري مجراه؛ فعليه سِتَّةُ أمورٍ:
الأوَّلُ: ألَّا يُصَدِّقَه؛ لأنَّ النَّمَّامَ فاسِقٌ، وهو مردودُ الشَّهادةِ؛ قال اللَّهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: 6] .
الثَّاني: أن ينهاه عن ذلك وينصَحَ له، ويُقَبِّحَ عليه فِعلَه؛ قال اللَّهُ تعالى حكايةً عنْ لُقمانَ: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ [لقمان: 17] .
الثَّالِثُ: أن يُبغِضَه في اللَّهِ تعالى؛ فإنَّه بغيضٌ عِندَ اللَّهِ تعالى، ويجِبُ بُغضُ من يُبغِضُه اللَّهُ تعالى.
الرَّابعُ: ألَّا تظُنَّ بأخيك الغائِبِ السُّوءَ؛ لقَولِ اللَّهِ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12] .
الخامِسُ: ألَّا يحمِلَك ما حُكِيَ لك على التَّجسُّسِ والبَحثِ لتُحَقِّقَ؛ اتباعًا لقَولِ اللَّهِ تعالى: وَلَا تَجَسَّسُوا [الحجرات: 12] .
السَّادِسُ: ألَّا ترضى لنفسِك ما نهَيتَ النَّمَّامَ عنه، ولا تحكيَ نميمَتَه؛ فتقولَ: فلانٌ قد حكى لي كذا وكذا، فتكونَ به نمَّامًا ومُغتابًا، وقد تكونُ قد أتيتَ ما عنه نَهَيتَ) .
(جاء رجُلٌ إلى عَليِّ بنِ الحُسَينِ رَضِيَ اللَّهُ عنهما فنَمَّ له عن شَخصٍ، فقال: اذهَبْ بنا إليه، فذهَب معه، وهو يرى أنَّه ينتَصِرُ لنَفسِه، فلمَّا وصَل إليه قال: يا أخي، إن كان ما قُلتَ فيَّ حقًّا يغفِرُ اللَّهُ لي، وإن كان ما قُلتَ فيَّ باطِلًا يَغفِرُ اللَّهُ لك) .
ورُوِيَ عن عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه دَخَل عليه رجُلٌ، فذَكَر عِندَه رجُلًا، فقال له عُمَرُ: (إن شِئتَ نظَرْنا في أمرِك، فإن كُنتَ كاذِبًا فأنت من أهلِ هذه الآيةِ: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: 6] ، وإن كُنتَ صادِقًا فأنت من أهلِ هذه الآيةِ: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: 11] ، وإن شِئتَ عَفَونا عنك. فقال: العَفوُ يا أميرَ المُؤمِنينَ، لا أعودُ إليه أبَدًا) .
وذُكِر أنَّ حكيمًا من الحُكَماءِ زاره بعضُ أصدقائِه وذَكَر عندَه بعضَ إخوانِه، فقال له الحكيمُ: (قد أبطَأْتَ في الزِّيارةِ وأتيتَني بثلاثِ جِناياتٍ: بغَّضْتَ إليَّ أخي، وشَغَلْتَ قلبي الفارِغَ، واتَّهَمْتَ نَفسَك بالمَينِ!) .
وعاتَبَ مُصعَبُ بنُ الزُّبَيرِ الأحنَفَ بنَ قَيسٍ على شيءٍ بَلَغه عنه، فاعتذَر إليه الأحنَفُ من ذلك ودَفَعه، فقال مُصعَبٌ: أخبَرَني بذلك الثِّقةُ، فقال الأحنَفُ: كَلَّا أيُّها الأميرُ؛ إنَّ الثِّقةَ لا يُبَلِّغُ .
(ورُوِيَ أنَّ سُلَيمانَ بنَ عَبدِ المَلِكِ كان جالِسًا وعنده الزُّهريُّ، فجاءه رجُلٌ فقال له سُليمانُ: بلغني أنَّك وقَعْتَ فيَّ، وقُلتَ كذا وكذا. فقال الرَّجُلُ: ما فعَلْتُ ولا قُلتُ. فقال سُلَيمانُ: إنَّ الذي أخبرني صادِقٌ، فقال له الزُّهريُّ: لا يكونُ النَّمَّامُ صادِقًا. فقال سُلَيمانُ: صدَقْتَ، ثمَّ قال للرَّجُلِ: اذهَبْ بسَلامٍ) .
و(سعى رجُلٌ بزيادٍ الأعجَمِ إلى سُلَيمانَ بنِ عَبدِ المَلِكِ، فجَمَع بَيْنَهما للمُوافقةِ، فأقبل زيادٌ على الرَّجُلِ وقال:
فأنت امرُؤٌ إمَّا ائتمَنْتُك خاليًا
فخُنتَ وإمَّا قُلتَ قَولًا بلا عِلمِ
فأنتَ من الأمرِ الذي كان بينَنا
بمنزلةٍ بَيْنَ الخيانةِ والإثمِ
وقال رجُلٌ لعَمرِو بنِ عُبَيدٍ: إنَّ الأسواريَّ ما يزالُ يَذكُرُك في قَصَصِه بشَرٍّ. فقال له عَمرٌو: يا هذا، ما رعَيتَ حَقَّ مجالسةِ الرَّجُلِ حيثُ نقَلْتَ إلينا حديثَه، ولا أدَّيتَ حَقِّي حينَ أعلَمْتَني عن أخي ما أكرَهُ، ولكِنْ أعلِمْه أنَّ الموتَ يَعُمُّنا، والقَبرَ يَضُمُّنا، والقيامةَ تَجمَعُنا، واللَّهُ تعالى يحكُمُ بيننا، وهو خيرُ الحاكِمين) .
ورَفَع إنسانٌ رَفيعةً إلى الصَّاحِبِ بنِ عَبَّادٍ يحُثُّه فيها على أخذِ مالِ يَتيمٍ، وكان مالًا كثيرًا، فكَتَب على ظَهْرِها: النَّميمةُ قبيحةٌ وإن كانت صحيحةً، والمَيِّتُ رحمه اللَّهُ، واليتيمُ جَبَره اللَّهُ، والمالُ ثَمَرهُ اللَّهِ، والسَّاعي لَعَنه اللَّهُ !
وقال ذو الرِّياستَينِ: (قَبولُ النَّميمةِ شَرٌّ من النَّميمةِ؛ لأنَّ النَّميمةَ دَلالةٌ، والقَبولَ إجازةٌ، وليس مَن دَلَّ على شيءٍ كمَن قَبِله وأجازَه) .
وقيل لمحمَّدِ بنِ كَعبٍ القُرَظيِّ: أيُّ خِصالِ المُؤمِنِ أوضَعُ له؟ فقال: كثرةُ الكلامِ، وإفشاءُ السِّرِّ، وقَبولُ قَولِ كُلِّ أحَدٍ .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
عاشِرًا: حُكمُ النَّميمةِ وما يباحُ منها

النَّميمةُ مُحَرَّمةٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجماعِ، وهي من كبائِرِ الذُّنوبِ.
وممَّن نقل الإجماعَ على حُرمةِ النَّميمةِ ابنُ حَزمٍ والنَّوويُّ:
قال ابنُ حَزمٍ: (واتَّفَقوا على تحريمِ الغِيبةِ والنَّميمةِ في غيرِ النَّصيحةِ الواجِبةِ) .
وقال النَّوويُّ: (وأمَّا حُكمُهما أي: الغِيبةِ والنَّميمةِ، فهما محرَّمتانِ بإجماعِ المُسلِمين، وقد تظاهَرَ على تحريمِهما الدَّلائلُ الصَّريحةُ من الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأمَّةِ) .
وقال ابنُ بازٍ: (هي من الكبائِرِ ومِن أسبابِ البَغْضاءِ والشَّحناءِ بَيْنَ المُسلِمين؛ فالواجِبُ الحَذَرُ منها) .
 
وقال ابنُ عُثَيمين: (النَّميمةُ من كبائِرِ الذُّنوبِ، وهي سبَبٌ لعذابِ القَبرِ، ومن أسبابِ حِرمانِ دُخولِ الجنَّةِ) .
لكن إن دَعَت إليها حاجةٌ فلا تحرُمُ، وذلك كتحذيرِ إنسانٍ ممَّن يريدُ قَتْلَه أو الإضرارَ به أو بأهلِه أو بمالِه، أو دلالةِ أصحابٍ على من يسعى بما فيه مفسَدةٌ، وقد يكونُ بعضُ ذلك واجبًا وبعضُه مُستحَبًّا .
 
قال ابنُ كثيرٍ: (النَّميمةُ على قِسمَينِ، تارةً تكونُ على وَجهِ التَّحريشِ بَيْنَ النَّاسِ وتفريقِ قُلوبِ المُؤمِنين، فهذا حرامٌ متَّفَقٌ عليه. فأمَّا إذا كانت على وَجهِ الإصلاحِ بَيْنَ النَّاسِ وائتلافِ كَلِمةِ المُسلِمين... أو يكونُ على وَجهِ التَّخذيلِ والتَّفريقِ بَيْنَ جموعِ الكَفَرةِ، فهذا أمرٌ مطلوبٌ، كما جاء في الحديثِ: ((الحَربُ خَدْعةٌ )) . وكما فَعَل نعيمُ بنُ مَسعودٍ في تفريقِه بَيْنَ كَلِمةِ الأحزابِ وبَينَ قُرَيظةَ، وجاء إلى هؤلاء فنَمى إليهم عن هؤلاء كَلامًا، ونَقَل من هؤلاءِ إلى أولئك شَيئًا آخَرَ، ثمَّ لأَمَ بَيْنَ ذلك، فتناكَرَت النُّفوسُ وافتَرَقَت. وإنَّما يحذو على مِثلِ هذا الذَّكاءِ والبصيرةِ النَّافذةِ. واللَّهُ المستعانُ) .
 
2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410
 
حادِيَ عَشَرَ: مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ
 
قِصَّةٌ فيما تفعَلُه النَّميمةُ:
 
عن حمَّادِ بنِ سَلَمةَ قال: باع رجُلٌ من رجُلٍ غلامًا له، وقال: أبرَأُ إليك من النَّميمةِ، فاشتراه على ذلك، فجاء إلى مولاتِه، فقال: إنَّ زَوجَكِ ليس يحِبُّك وهو يتسَرَّى عليك ويتزوَّجُ، أفتريدين أن يَعطِفَ عليك؟ قالت: نعم، قال: خذي موسى فاحلقي به شَعَراتٍ من باطِنِ لحيتِه وبَخِّريه بها، وجاء إلى الرَّجُلِ فقال: إنَّ امرأتَك تبغي وتصادِقُ وهي قاتِلَتُك، أفتريدُ أن يَبينَ لك ذلك؟ قال: نعم، قال: تناوَمْ لها، قال: فتناوَمَ لها فجاءت بموسى تحلِقُ الشَّعرَ، فأخَذَها فقَتَلها فأخَذَه أولياؤُها فقَتَلوه !
 
قال رجُلٌ لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عنه: (يا أميرَ المُؤمِنين، احذَرْ قاتِلَ الثَّلاثةِ، قال: وَيْلَك! مَن قاتِلُ الثَّلاثةِ؟ قال: الرَّجُلُ يأتي الإمامَ بالحديثِ الكَذِبِ، فيَقتُلُ الإمامُ ذلك الرَّجُلَ بحديثِ هذا الكَذَّابِ؛ ليكونَ قد قَتَل نَفْسَه، وصاحِبَه، وإمامَه) .
 
النَّميمةُ تَقتُلُ صاحِبَها:
 (كان رجُلٌ يغشي بعضَ المُلوكِ، فيقومُ بحِذاءِ المَلِكِ، ويقولُ: أحسِنْ إلى المحسِنِ بإحسانِه، والمسيءُ ستكفيه مساوِئُه، فحسَده رجُلٌ على ذلك المقامِ والكلامِ، فسعى به إلى المَلِكِ، فقال: إنَّ هذا الذي يقومُ بحذائِك، ويقولُ ما يقولُ، يزعُمُ أنَّ المَلِكَ أَبخَرُ . فقال له المَلِكُ: وكيف يَصِحُّ ذلك عندي؟ قال: تدعو به إليك، فإذا دنا منك وَضَع يَدَه على أنفِه؛ لئلَّا يَشَمَّ ريحَ البَخَرِ. فقال له المَلِكُ: انصَرِفْ حتَّى أنظُرَ، فخَرَج من عِندِ المَلِكِ، فدعا الرَّجُلَ إلى منزِلِه، فأطعَمَه طعامًا فيه ثُومٌ، فخرج الرَّجُلُ مِن عِندِه، وقام بحِذاءِ المَلِكِ، فقال: أحسِنْ إلى المحسِنِ بإحسانِه، والمسيءُ ستكفيه مساوئُه! فقال له المَلِكُ: ادْنُ منِّي، فدنا منه، فوَضَع يَدَه على فيه؛ مخافةَ أن يَشتَمَّ المَلِكُ منه رِيحَ الثُّومِ. فقال المَلِكُ في نفسِه: ما أرى فلانًا إلَّا وقد صَدَق، وكان المَلِكُ لا يكتُبُ بخَطِّه إلَّا جائِزةً أو صِلةً، فكَتَب له كتابًا بخَطِّه إلى عامِلٍ مِن عُمَّالِه: إذا أتاك حامِلُ كتابي هذا، فاذبَحْه، واسلُخْه، واحشُ جِلْدَه تِبنًا، وابعَثْ به إليَّ. فأخَذ الرَّجُلُ الكِتابَ وخرَج، فلَقِيه الرَّجُلُ الذي سعى به، فقال: ما هذا الكتابُ؟ قال: خَطَّ المَلِكُ لي بصِلةٍ، فقال: هَبْه لي. فقال: هو لك، فأخَذه، ومضى إلى العامِلِ، فقال العامِلُ: في كتابِك أن أذبَحَك وأسلُخَك! قال: إنَّ الكتابَ ليس هو لي، اللَّهَ اللَّهَ في أمري حتَّى أرجِعَ إلى المَلِكِ! فقال: ليس لكِتابِ المَلِكِ مُراجعةٌ. فذبحَه وسلَخَه وحشا جِلدَه تِبنًا، وبَعَث به، ثمَّ عاد الرَّجُلُ إلى المَلِكِ كعادتِه، وقال مِثلَ قَولِه، فعَجِبَ المَلِكُ وقال: ما فَعَل الكِتابُ؟ قال: لَقِيَني فلانٌ، فاستوهَبَني إيَّاه، فوهَبْتُه له، فقال المَلِكُ: إنَّه ذَكَر لي أنَّك تزعُمُ أنِّي أَبخَرُ! قال: ما فعَلْتُ، قال: فلِمَ وَضَعْتَ يَدَك على فيك؟ قال: كان أطعَمَني طعامًا فيه ثُومٌ، فكَرِهتُ أن تَشَمَّه. قال: صدَقْتَ، ارجِعْ إلى مكانِك، فقد كفاك المسيءُ مَساوِئَه!) .
 
ضَرَرُ عَمَلِ النَّمَّامِ:
يقالُ: (عَمَلُ النَّمَّامِ أضَرُّ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ؛ لأنَّ عَمَلَ الشَّيطانِ بالخَيالِ والوَسْوسةِ، وعَمَلَ النَّمَّامِ بالمواجَهةِ والمُعاينةِ) .
 
وَصِيَّةٌ:
(قال لُقمانُ لابنِه: يا بُنَيَّ، أوصيك بخِلالٍ، إن تمسَّكْتَ بهِنَّ لم تَزَلْ سَيِّدًا: ابسُطْ خُلُقَك للقريبِ والبعيدِ، وأمسِكْ جَهْلَك عن الكريمِ واللَّئيمِ، واحفَظْ إخوانَك، وصِلْ أقارِبَك، وآمِنْهم من قَبولِ قَولِ ساعٍ، أو سماعِ باغٍ يريدُ فَسادَك، ويَرومُ خِداعَك، وليَكُنْ إخوانُك مَن إذا فارَقْتَهم وفارقوك لم تَعِبْهم ولم يَعيبوك) .
 
الصِّدقُ المذمومُ:
قال بعضُ العُلَماءِ: (يُفسِدُ النَّمَّامُ في ساعةٍ ما لا يُفسِدُ السَّاحِرُ في شَهرٍ، ولترغيبِ الشَّارعِ في الإصلاحِ بَيْنَ النَّاسِ أباح الكَذِبَ فيه، ولزَجْرِه عن الإفسادِ حَرَّم الصِّدقَ فيه) .
وقال المأمونُ: (حَسْبُك من السِّعايةِ أنْ ليس في الدُّنيا صِدقٌ مذمومٌ غيرُها) .
وقد ذُكِر السُّعاةُ عِندَ المأمونِ، فقال: (لو لم يكُنْ في عَيبِهم إلَّا أنَّهم أصدَقَ ما يكونون أبغَضُ ما يكونون إلى اللَّهِ تعالى، لكفاهم!) .
وقال بَعضُ الحُكَماءِ: (الصِّدقُ يَزينُ كُلَّ أحَدٍ إلَّا السُّعاةَ؛ فإنَّ السَّاعيَ أذَمُّ وآثَمُ ما يكونُ إذا صَدَق) .


 
2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410
 
ثاني عَشَرَ: ذَمُّ النَّميمةِ في واحةِ الأدَبِ
 
أ- مِنَ الشِّعْرِ

1- قال أحَدُ الشُّعَراءِ:
تَنَحَّ عن النَّميمةِ واجتَنِبْها
فإنَّ النَّمَّ يُحبِطُ كُلَّ أجْرْ
يثيرُ أخو النَّميمةِ كُلَّ شَرْ
ويَكشِفُ للخلائِقِ كُلَّ سِرْ
ويَقتُلُ نفسَه وسِواه ظُلمًا
وليس النَّمُّ من أفعالِ حُرْ
2- ولقد أحسَنَ مَن قال:
عَجِبتُ لواشٍ ظَلَّ يكشِفُ أمْرَنا
وما بسوى أخبارِنا يتنفَّسُ
وماذا عليه من عَنائي ولوعتي
أنا آكُلُ الرُّمَّانَ والوُلْدُ تَضْرَسُ
3- ورَحِم اللَّهُ مَن قال:
وفي النَّاسِ مَن يُغري الوَرَى بلِسانِهِ
وبَينَ البرايا للنَّميمةِ يحمِلُ
يرى أنَّ في حَملِ النَّميمةِ مَكسَبًا
تراه بها بَيْنَ الورى يتأكَّلُ
4- وقال آخَرُ:
ويَحرُمُ بَهْتٌ واغتيابٌ نميمةٌ
وإفشاءُ سِرٍّ ثمَّ لَعْنُ مُقَيَّدِ
5- وقال آخَرُ:
لا تَقبَلَنَّ نميمةً بُلِّغْتَها
وتحفَظَنَّ من الذي أنبأَكَها
إنَّ الذي أهدى إليك نميمةً
سينُمُّ عنك بمِثْلِها قد حاكَها
6- ورَحِمَ اللَّهُ مَن قال:
مَن نَمَّ في النَّاسِ لم تُؤمَنْ عَقارِبُه
على الصَّديقِ ولم تؤمَنْ أفاعيهِ
كالسَّيلِ باللَّيلِ لا يدري به أحَدٌ
مِن أين جاء ولا مِن أين يأتيهِ
الوَيلُ للعَهدِ منه كيف يَنقُضُه
والوَيلُ للوُدِّ منه كيف يُفْنيهِ
7- وقال آخَرُ:
إذا الواشي نعى يومًا صديقًا
فلا تَدَعِ الصَّديقَ لقَولِ واشِي
8- وقال آخَرُ:
يسعى عليك كما يسعى إليك فلا
تأمَنْ غوائِلَ ذي وَجهَيِن كيَّادِ
9- وقال صالِحُ بنُ عَبدِ القُدُّوسِ:
من يُخبِرْك بشَتمٍ عن أخٍ
فهو الشَّاتِمُ لا مَن شَتَمَك
ذاك شيءٌ لم يواجِهْك به
إنَّما اللَّومُ على من أعلَمَك
كيف لم ينصُرْك إن كان أخًا
ذا وفاءٍ عِندَ مَن قد ظلَمَك
إنَّما رام بإبلاغِ الذي
نمَّ فيه فاعلَمَنْ أن يُرغِمَك
فأهِنْه إنَّه مِن لُؤمِه
إنْ تُهِنْه بهَوانٍ أكرَمَك
لكِنَّ الحُرَّ إذا أكرَمْتَه
لم يُصَغِّرْك ولكِنْ فَخَّمَك
10- وقال آخَرُ:
إن يعلموا الخيرَ أخفَوه وإن عَلِموا
شرًّا أذاعوا وإنْ لم يَعلَموا كَذَبوا
11- وقال آخَرُ:
إن يَسمَعوا رِيبةً طاروا بها فَرَحًا
منِّي وما سَمِعوا من صالحٍ دَفَنوا
صُمٌّ إذا سَمِعوا خيرًا ذُكِرْتُ به
وإن ذُكِرْتُ بسُوءٍ عِندَهم أَذِنوا
12- وقال بعضُهم:
إنَّ النَّميمةَ نارٌ وَيْكَ مُحرِقةٌ
ففِرَّ عنها وجانِبْ مَن تعاطاها
13- وقال عَبدةُ بنُ الطَّبيبِ:
ودَعوا الضَّغينةَ لا تكُنْ مِن شأنِكم
إنَّ الضَّغائِنَ للقرابةِ تُوضَعُ
واعصُوا الذي يُزجي النَّمائِمَ بينَكم
متنَصِّحًا ذاك السِّمامُ المُنقَعُ
يُزجي عقارِبَه ليَبعَثَ بينكم
حربًا كما بَعَث العُروقَ الأخدَعُ
 حرَّانَ لا يَشفي غليلَ فُؤادِه
عَسَلٌ بماءٍ في الإناءِ مُشعشَعُ
لا تأمنوا قومًا يَشِبُّ صَبِيُّهم
بين القوابِلِ بالعداوةِ يُنشَعُ
فَضِلَت عداوتُهم على أحلامِهم
وأبَتْ ضِبابُ صُدورِهم لا تُنزَعُ
قومٌ إذا دَمَس الظَّلامُ عليهم
حَدَجوا قنافِذَ بالنَّميمةِ تَمزَعُ
إنَّ الذين ترونَهم إخوانَكم
يَشفي غليلَ صُدورِهم أن تُصرَعوا
14- وقال الباروديُّ:
واحذَرِ النَّمَّامَ تأمَنْ كَيدَه
فهو كالبُرغوثِ إن دَبَّ قَرَصْ
يرقُبُ الشَّرَّ فإن لاحَتْ له
فُرصةٌ تَصلُحُ للخَتْلَ فَرَصْ
ساكِنُ الأطرافِ إلَّا أنَّه
إن رأى مِنشَبَ أُظفورٍ رَقَصْ
15- يقولُ أخو ربيعةَ:
تمشَّيتَ فينا بالنَّميمِ وإنَّما
تُفَرِّقُ بَيْنَ الأصفياءِ النَّمائِمُ
وما زِلتَ منسوبًا إلى كُلِّ آفةٍ
وما زال منسوبًا إليك الملائِمُ
لأنَّك لم تندَمْ لشَرٍّ فعَلْتَه
وما تأتِ من خيرٍ فإنَّك نادِمُ
16- قال بعضُهم:
مَن جَعَل النَّمَّامَ عينًا هَلَكا
مَن بَلَّغ السُّوءَ كباغيه لكا
17- وقال الحارِثُ المَخزوميُّ:
إنَّ الوُشاةَ قليلٌ إنْ أطعْتَهم
لا يَرقُبون بنا إلًّا ولا ذِمَمَا
 
ب- من الأمثالِ والحِكَمِ

- النَّميمةُ أُرْثةُ العداوةِ .
الأُرْثةُ والإراثُ: اسمٌ لِما تُؤَرَّثُ به النَّارُ، أي: النَّميمةُ وَقودُ نارِ العداوةِ .
- جاؤوا بالحَظِرِ الرَّطْبِ.
أصلُ الحَظِرِ: الحَطَبُ الرَّطْبُ يُجعَلُ منه الحظيرةُ للابِلِ، ويُحتاجُ فيها إلى كثرةٍ، فصار عبارةً عن الشَّيءِ الكثيرِ، ويُعَبَّرُ به أيضًا عن النَّميمةِ، ومنه قولُه: ولم يمشِ بَيْنَ القومِ بالحَظِرِ الرَّطْبِ... أي: بالنَّميمةِ. كما قيل في قَولِه تعالى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 4] في بعضِ الأقوالِ .
- ولكُلِّ ساقِطةٍ لاقِطةٌ.
يُضرَبُ في حِفظِ اللِّسانِ من خَطَأِ القَولِ وهَذرِه، ومنه النَّميمةُ، وهذا تحذيرٌ مِن سَقَطِ الكلامِ، يقولُ: إنَّ في النَّاسِ من يلتَقِطُه فيُنْميه ويُشيعُه حتَّى يُوَرِّطَ قائِلَه؛ فاحذَرْه .
- مَن لاحاك فقد عاداك .
- فلانٌ يقولُ للسَّارِقِ: اسرِقْ، ولصاحِبِ المَنزِلِ: احفَظْ مَتاعَك.
يُضرَبُ لِمن يسيرُ بالسِّعايةِ بَيْنَ النَّاسِ بالكَذِبِ والنَّميمةِ والتَّلوُّنِ؛ فإنَّه يلقى كُلًّا بما يُعجِبُه .
- أخسَرُ مِن حَمَّالةِ الحَطَبِ.
أي: أظهَرُ خُسرانًا؛ وذلك أنَّ حمَّالةَ الحَطَبِ كانت تمشي بالنَّميمةِ بَيْنَ النَّاسِ، فتُلقي بَيْنَهم العَداوةَ وتُهيِّجُ نارَها، كما تُوقَدُ النَّارُ بالحَطَبِ، وتُسَمَّى النَّميمةُ حَطَبًا، ويقالُ: فُلانٌ يحطِبُ على فلانٍ: إذا كان يُغري به .
 - (وقال بعضُ الأُدَباءِ: لم يَمْشِ ماشٍ شَرٌّ مِن واشٍ.
- وقال بعضُ الحُكَماءِ: السَّاعي بَيْنَ منزلتَينِ قَبيحتَينِ؛ إمَّا أن يكونَ صَدَق، فقد خان الأمانةَ، وإمَّا أن يكونَ قد كَذَب، فخالف المروءةَ) .
- وقيل في منثورِ الحِكَمِ: (النَّميمةُ سَيفٌ قاتِلٌ) .
- وقيل: (النَّمَّامُ جِسرُ الشَّرِّ) .
وقال بعضُ الحُكَماءِ: (مَن أخبَرَك بشَتمٍ عن أخٍ فهو الشَّاتِمُ لا مَن شَتَمَك) . وهو كقولِهم: مَن شَتَمَك؟ فقال: الذي بَلَّغَك .


 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
يقول ابن القيم:
"من عاب أخاه بذنب لم يمت حتى يفعله،فإياك والشماتة بإخيك فيعافيه الله ويبتليك"
 
 
بسملة للمواضيع متحركة
 
 
الشَّماتةُ
 
معنى الشَّماتةِ لُغةً
 
أصلُ هذه الكَلِمةِ يَدُلُّ على فَرَحِ عَدُوٍّ ببَليَّةٍ تصيبُ مَن يعاديه، يقالُ: شَمِتَ العَدُوُّ كفَرِحَ وَزنًا ومعنًى، يَشمَتُ شَماتةً وشَماتًا، وشَمِتَ الرَّجُلُ: إذا فَرِح ببليَّةِ العَدُوِّ، وبات فلانٌ بليلةِ الشَّوامِتِ، أي: بليلةٍ تُشمِتُ الشَّوامِتَ .
معنى الشَّماتةِ اصطِلاحًا
الشَّماتةُ: هي الفَرَحُ ببليَّةِ مَن تعاديه ويعاديك .
وقال أبو حامِدٍ الغَزاليُّ: (الشَّماتةُ: الفَرَحُ بالشَّرِّ الواصِلِ إلى غيرِ المُستَحِقِّ، ممَّن يَعرِفُه الشَّامِتُ) .
وقال القُرطبيُّ: (الشَّماتةُ: السُّرورُ بما يصيبُ أخاك من المصائِبِ في الدِّينِ والدُّنيا) .
وقال ابنُ حَجَرٍ: (الشَّماتةُ... فَرَحُ الشَّخصِ بما يسوءُ عَدُوَّه) .
وقال المُناويُّ: (الشَّماتةُ: الفَرَحُ بمُصيبةِ العَدُوِّ) .
وقال الشَّوكانيُّ: (الشَّماتةُ: السُّرورُ من الأعداءِ بما يصيبُ مَن يعادونه من المصائِبِ) .
وقال الكَفَويُّ: (الشَّماتةُ: السُّرورُ بمكارِهِ الأعداءِ) .
وقال ابنُ عاشورٍ: (الشَّماتةُ: سُرورُ النَّفسِ بما يصيبُ غيرَها من الأضرارِ) .
وقال ابنُ أبي الإصبَعِ: (هو إظهارُ المسَرَّةِ بمَن نالته محنةٌ، أو أصابَته نَكبةٌ) .
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ثانيًا: ذمُّ الشَّماتةِ
 
أ- من القُرآنِ الكريمِ

- قال تعالى: قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 150] .
أي: فلا تفعَلْ بي ما هو أمنيَّتُهم من الاستهانةِ بي والإساءةِ إليَّ . والمعنى: لا تفعَلْ بي ما يكونُ سَبَبًا للشَّماتةِ منهم .
- وقال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:120] .
وهذا الفَرَحُ شماتةٌ، والحَسَدُ والشَّماتةُ مُتلازمانِ .


ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يتعوَّذُ من سوءِ القَضاءِ، ومِن دَرَكِ الشَّقاءِ، ومِن شماتةِ الأعداءِ، ومِن جَهدِ البلاءِ)) .
وفي روايةٍ: ((تعَوَّذوا باللَّهِ من جَهدِ البلاءِ، ودَرَكِ الشَّقاءِ، وسُوءِ القضاءِ، وشماتةِ الأعداءِ)) .
قال النَّوويُّ: (شماتةُ الأعداءِ: هي فَرَحُ العَدُوِّ ببَليَّةٍ تَنزِلُ بعَدُوِّه) .
وقال الشَّوكانيُّ: (استعاذ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من شماتةِ الأعداءِ، وأمَر بالاستعاذةِ منها؛ لعِظَمِ مَوقِعِها، وشِدَّةِ تأثيرِها في الأنفُسِ البَشَريَّةِ، ونفورِ طِباعِ العِبادِ عنها، وقد يتسَبَّبُ عن ذلك تعاظُمُ العداوةِ المُفضيةِ إلى استحلالِ ما حرَّمه اللَّهُ سُبحانَه وتعالى) .
وقال ابنُ بطَّالٍ: (شماتةُ الأعداءِ ممَّا ينكَأُ القَلبَ، ويبلُغُ من النَّفسِ أشَدَّ مَبلَغٍ) .
وقال المُناويُّ: (إنَّما حَسُنَ الدُّعاءُ بدَفعِ شماتةِ الأعداءِ؛ لأنَّ مَن له صيتٌ عِندَ النَّاسِ وتأمُّلٌ، وجَد نفسَه بَيْنَهم كبَهلوانٍ يمشي على حَبلٍ عالٍ بقُبقابٍ، وجميعُ الأقرانِ والحُسَّادِ واقفون ينتظرون متى يَزلَقُ فيشمَتون به، ومِن أشَقِّ ما على الزَّالِقِ أن يغلِبَ عليه رعايةُ مَقامِه عِندَ الخَلقِ؛ فإنَّه يذوبُ قَهرًا، بخلافِ من يراعي الحَقَّ؛ فإنَّ الأذى يخِفُّ عليه، ولو أظهَروا كُلُّهم الشَّماتةَ) .


ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ وغَيرِهم

- قال واثِلةُ بنُ الأسقَعِ: (لا تُظهِرِ الشَّماتةَ بأخيك المُسلِمِ، فيَرحمَه اللَّهُ ويبتليَك) .
- قال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ: (الحَسَدُ داءٌ ليس له شفاءٌ، والشَّماتةُ تُعقِبُ النَّدامةَ) .
وقال أيضًا: (ليس من الكَرَمِ أن يَشمَتَ الرَّجلُ بصاحِبِه إذا زلَّت به النَّعلُ، أو نَزَل به أمرٌ) .
- وقال الأحنَفُ: (الشَّماتةُ تُعقِبُ النَّدامةَ) .
- وأورد أبو حيَّانَ التَّوحيديُّ ما يُروى عن لُقمانَ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنَّه قال: (نقَلتُ الصَّخرَ وحمَلتُ الحديدَ فلم أرَ شيئًا أثقَلَ من الدَّينِ، وأكَلتُ الطَّيِّباتِ وعانَقْتُ الحِسانَ فلم أرَ ألَذَّ من العافيةِ)، ثمَّ قال: (وأنا أقولُ: لو مَسَح القِفارَ، ونَزَح البحارَ، وأحصى القِطارَ ، لوجَدَها أهونَ من شماتةِ الأعداءِ، خاصَّةً إذا كانوا مساهِمين في النَّسَبِ، أو مجاوِرين في بَلَدٍ!) .
وقد سأل بعضُ الملوكِ جماعةً من الحُكَماِء عن أشَدِّ ما يمُرُّ على الإنسانِ، فقال بعضُهم: الفَقرُ، وقال آخرون: الفَقرُ في الغُربةِ، وقال غيرُهم: الغُربةُ مع المَرَضِ. ثمَّ أجمعوا على أنَّ أشَدَّ من ذلك كُلِّه شماتةُ العَدُوِّ، ثمَّ أجمعوا على أنَّ أشَدَّ من ذلك كُلِّه رحمةُ العَدُوِّ للمرءِ من نَكبةٍ تنالُه .
- وقال القاضي عِياضٌ : (الضَّحِكُ في مِثلِ هذا أي: مَن سَقَط وزلَّت به قَدَمُه غيرُ مُستحسَنٍ ولا مباحٍ، إلَّا أن يكونَ مِن غلَبةِ ما طُبِع عليه البَشَرُ. وأمَّا قصدًا ففيه شماتةٌ بالمُسلِمِ وسُخريةٌ بمُصابِه، والمُؤمِنون إنَّما وصفهم اللَّهُ بالرَّحمةِ والتَّراحُمِ بَيْنَهم، ومِن خُلُقِهم الشَّفقةُ بعضِهم لبعضٍ) .
- وقال ابنُ القَيِّمِ: (الكبائِرُ: كالرِّياءِ، والعُجبِ، والكِبرِ، والفَخرِ، والخُيَلاءِ، والقُنوطِ من رحمةِ اللَّهِ، واليأسِ مِن رَوحِ اللَّهِ، والأمنِ مِن مَكرِ اللَّهِ، والفَرَحِ والسُّرورِ بأذى المُسلِمين، والشَّماتةِ بمصيبتِهم، ومحبَّةِ أن تشيعَ الفاحشةُ فيهم، وحَسَدِهم على ما آتاهم اللَّهُ من فضلِه، وتمنِّي زوالِ ذلك عنهم، وتوابِعِ هذه الأمورِ التي هي أشَدُّ تحريمًا من الزِّنا، وشُربِ الخَمرِ وغيرِهما من الكبائِرِ الظَّاهِرةِ، ولا صلاحَ للقَلبِ ولا للجَسَدِ إلَّا باجتنابِها، والتَّوبةِ منها، وإلَّا فهو قلبٌ فاسدٌ، وإذا فسَد القلبُ فَسَد البَدَنُ) .
- وقال ابنُ عُثَيمين: (إيَّاك وتعييرَ المُسلِمين والشَّماتةَ فيهم؛ فربما يرتفِعُ عنهم ما شمَّتَهم به، ويحِلُّ فيك) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ثالثا: آثارُ الشَّماتةِ

1- الشَّماتةُ بالتَّعييرِ بالذَّنبِ أعظَمُ من مُرتَكِبِ الذَّنبِ:
يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ تعييرَك لأخيك بذنبِه أعظَمُ إثمًا من ذنبِه، وأشَدُّ من معصيتِه؛ لِما فيه من صولةِ الطَّاعةِ، وتزكيةِ النَّفسِ وشُكرِها، والمناداةِ عليها بالبراءةِ من الذَّنبِ، وأنَّ أخاك باء به، ولعَلَّ كسْرَتَه بذنبِه، وما أحدَثَ له من الذِّلَّةِ والخُضوعِ والإزراءِ على نفسِه، والتَّخلُّصِ من مَرَضِ الدَّعوى والكِبرِ والعُجبِ، ووقوفِه بَيْنَ يدَيِ اللَّهِ ناكِسَ الرَّأسِ، خاشِعَ الطَّرْفِ، مُنكَسِرَ القَلبِ: أنفَعُ له وخيرٌ من صولةِ طاعتِك، وتكَثُّرِك بها، والاعتدادِ بها، والمنَّةِ على اللَّهِ وخَلقِه بها، فما أقرَبَ هذا العاصيَ من رحمةِ اللَّهِ! وما أقرَبَ هذا المُدِلَّ من مَقتِ اللَّهِ! فذَنبٌ تَذِلُّ به لديه أحَبُّ إليه من طاعةٍ تَدِلُّ بها عليه، وإنَّك أن تبيتَ نائمًا وتصبِحَ نادِمًا خيرٌ من أن تبيتَ قائمًا وتُصبِحَ مُعجَبًا؛ فإنَّ المُعجَبَ لا يصعَدُ له عَمَلٌ، وإنَّك إن تَضحَكْ وأنت معتَرِفٌ خيرٌ من أن تبكيَ وأنت مُدِلٌّ، وأنينُ المذنبين أحبُّ إلى اللَّهِ من زَجَلِ المُسَبِّحين المُدِلِّين، ولعَلَّ اللَّهَ أسقاه بهذا الذَّنبِ دواءً استخرج به داءً قاتِلًا هو فيك ولا تشعُرُ! فلِلَّه في أهلِ طاعتِه ومعصيتِه أسرارٌ لا يعلَمُها إلَّا هو، ولا يطالِعُها إلَّا أهلُ البصائِرِ، فيَعرِفون منها بقَدرِ ما تنالُه معارفُ البَشَرِ) .

2- الشَّامتُ قد تنعَكِسُ المصيبةُ عليه:
وكان يقالُ: (لا تُظهِرِ الشَّماتةَ بأخيك فيُعافيَه اللَّهُ ويبتليَك. لا تُشمِتْ بمن حَلَّ به بلاءٌ؛ فإنَّه إن عوفيَ كان مِثلَك، وأنت إن ابتُليتَ كنتَ مِثلَه) .
وقال آخَرُ: (عِبتُ شَخصًا قد ذهَب بعضُ أسنانِه، فذهَبَت أسناني، ونظَرتُ إلى امرأةٍ لا تحِلُّ لي، فنَظَر زوجتي مَن لا أريدُ) . وقال ابنُ سِيرينَ: (عَيَّرتُ رَجُلًا بالإفلاسِ، فأفلَسْتُ) .
وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: (إنِّي لأرى الشَّيءَ أكرَهُه، فما يمنعني أن أتكَلَّمَ فيه إلَّا مخافةُ أن أُبتلى بمِثلِه) .
وقال ابنُ الجَوزيِّ: (ما نزَلَت بي آفةٌ أو غَمٌّ أو ضِيقُ صَدرٍ إلَّا بزَلَلٍ أعرِفُه، حتَّى يمكِنَني أن أقولَ: هذا بالشَّيءِ الفُلانيِّ! وربَّما تأوَّلتُ فيه بَعدُ، فأرى العقوبةَ؛ فينبغي للإنسانِ أن يترقَّبَ جزاءَ الذُّنوبِ، فقَلَّ أن يَسلَمَ منه، وليَجتَهِدْ في التَّوبةِ) .
فالشَّماتةُ على المصيبةِ مذمومةٌ؛ لكونِها سَبَبًا لانعكاسِ المصيبةِ على الشَّامِتِ بابتلائِه بها، وعافيةِ مَن شَمِتَ عليه، أو لأنَّه ارتكابُ المنهيِّ عنه، خُصوصًا إذا حَمَل تلك المصيبةَ على كرامةِ نفسِه، يعني: يقولُ: إنَّ مصيبةَ عَدُوِّي إنَّما هي من كرامتي، أو إذا حمَلَها على إجابةِ دعائِه، كأن يقولَ: ما ابتُلِيَ به عدوِّي من هذه المصيبةِ إنَّما هو بإجابةِ دَعوتي عليه؛ لأنَّه حينئذٍ عُجبٌ وتزكيةُ نفسٍ وغرورٌ .

3- الشَّماتةُ لها تأثيرٌ سَلبيٌّ على الفَردِ والمجتَمَعِ؛ تُرَبِّي الحقدَ والحسَدَ والعداوةَ. وهذا أمرٌ معلومٌ مشهودٌ.
4- الشَّماتةُ تؤَدِّي إلى قساوةِ القَلبِ.
5- من أسبابِ تفَكُّكِ المجتَمَعاتِ.
6- تؤدِّي إلى سَخَطِ اللَّهِ تعالى على العَبدِ.


0_6e0e0_801d541c_L

رابعًا: أسبابُ الوُقوعِ في الشَّماتةِ

1- الابتعادُ عن منهَجِ الرَّسولِ الكريمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
2- ضَعفُ الإيمانِ.
3- حبُّ التَّشفِّي من النَّاسِ.
4- حبُّ الدُّنيا والتَّعلُّقُ بها، ونسيانُ الآخرةِ.
5- تعاظُمُ العداوةِ المفضيةِ إلى استحلالِ ما حرَّمه اللَّه سُبحانَه .
6- الحِقدُ والكراهيةُ والحَسَدُ:
فإنَّ خُلُقَ الشَّماتةِ يقومُ في النَّفسِ حينَ تخلو من المودَّةِ والحُبِّ والعطفِ، وتمتلئُ بالكراهيةِ والحِقدِ والبُغضِ؛ فإنَّ الإنسانَ يتألَّمُ لألمِ الغيرِ إلَّا إذا كان يحِبُّ هذا الغيرَ، ويودُّ الخيرَ له، أمَّا إذا مقَتَه وأبغَضَه فإنَّه يفرَحُ لحُزنِه، ويشمَتُ في مصيبتِه .
وقد قيل: (إذا رأى الحاسِدُ نعمةً بُهِت ، وإذا رأى عَثرةً شَمِت)

0_6e0e0_801d541c_L

خامسًا: الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الشَّماتةِ

1- مجاهدةُ النَّفسِ وتخليصُها من أمراضِها، كالحِقدِ والحَسَدِ والبغضاءِ.
2- مدُّ يدِ المساعدةِ، وبَذلُ المعونةِ والإحسانِ.
3- التَّعرُّفُ على آثارِ الشَّماتةِ وأضرارِها.
4- أن يحِبَّ المرءُ لأخيه ما يحبُّه لنفسِه، وأن يكرَهَ له ما يكرَهُه لنفسِه، فهو لا يحبُّ أن يشمَتَ أحدٌ به، فكذلك ينبغي ألَّا يشمَتَ بأحَدٍ.
5- تقويةُ رابطةِ الأخوَّةِ بَيْنَ المُؤمِنينَ؛ فمِن شأنِ المُؤمِنِ التَّألُّمُ بما يتألَّمُ منه أخوه، والفَرَحُ بما يفرَحُ به.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
سادسًا: حُكمُ الشَّماتةِ وما يُباحُ منها

لا تجوزُ الشَّماتةُ بالمُسلِمِ ولا تعييرُه بالذَّنبِ أو بالعَمَلِ أو بحادثةٍ تقَعُ عليه، أو ما أشبَهَ ذلك، فيُشيعُها ويُبَيِّنُها ويُظهِرُها، فهذا محرَّمٌ؛ لأنَّه ينافي قولَ اللَّهِ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات: 10] ؛ فإنَّ الأخَ لا يحِبُّ أن تظهَرَ الشَّماتةُ في أخيه، وكذلك ينافي قولَه تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب: 58] .

لكِنَّها في حَقِّ الكُفَّارِ المحارِبين والمُنافِقين تجوزُ؛ قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 14-15] .

قال السَّعديُّ: (فإنَّ في قلوبِهم من الحَنَقِ والغَيظِ عليهم ما يكونُ قِتالُهم وقتلُهم شفاءً لِما في قلوبِ المُؤمِنين من الغَمِّ والهَمِّ -إذ يَرَون هؤلاء الأعداءَ محارِبين للهِ ولرسولِه، ساعين في إطفاءِ نورِ اللَّهِ- وزوالًا للغيظِ الذي في قلوبِهم، وهذا يدُلُّ على محبَّةِ اللَّهِ لعبادِه المُؤمِنين، واعتنائِه بأحوالِهم، حتَّى إنَّه جَعَل مِن جملةِ المقاصِدِ الشَّرعيَّةِ شفاءَ ما في صدورِهم وذَهابَ غيظِهم) .


0_6e0e0_801d541c_L

سابعًا: مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ

الأسبابُ الجالبةُ لشماتةِ الأعداءِ:
من الأسبابِ الجالِبةِ لشَماتةِ الأعداءِ: العَجَلةُ؛ قال وَهبُ بنُ مُنَبِّهٍ: (يتشَعَّبُ من العَجَلةِ: الخُسرانُ، والنَّدامةُ، وقِلَّةُ الفَهمِ، وسُوءُ المنظَرِ، وفراقُ الصَّاحِبِ، وطلاقُ المرأةِ، وتضييعُ المالِ، وشماتةُ العَدُوِّ، واكتسابُ الشَّرِّ، واكتسابُ الملامةِ والنَّدامةِ والمذمَّةِ) .
ومنها: الجَزَعُ. قال حَكيمٌ لبنيه: (يا بَنيَّ، إيَّاكم والجَزَعَ عِندَ المصائِبِ؛ فإنَّه مَجلبةٌ للهَمِّ، وسوءُ ظنٍّ بالرَّبِّ، وشماتةٌ للعَدُوِّ) .
ومنها كثرةُ الشَّكوى؛ فكَثرةُ الشَّكوى تدُلُّ على ضَعفِ اليقينِ، وتُشعِرُ بالتَّسخُّطِ للقضاءِ، وتُورِثُ شماتةَ الأعداءِ .

وقد أحسَنَ المُتنَبِّي في قولِه:
ولا تَشْكُ إلى خَلقٍ فتُشمِتَه
شكوى الجريحِ إلى الغِربانِ والرَّخَمِ


الشَّماتةُ بما لا ينجو منه أحَدٌ:
- قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: 34] كأنَّه قيل: أفإن مِتَّ فهم الخالِدون حتَّى يَشمَتوا بموتِك، وفي معنى ذلك قولُ الإمامِ الشَّافعيِّ :
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإن أمُتْ
 فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوحَدِ
فقُلْ للذي يبغي خِلافَ الذي مضى
 تزوَّدْ لأُخرى مِثلِها فكأنْ قَدِ
وقولُ ذي الإصبَعِ العَدْوانيِّ:
إذا ما الدَّهرُ جَرَّ على أناسٍ
 كَلاكِلَه أناخَ بآخَرينا
فقُلْ للشَّامتين بنا أفيقوا
سيلقى الشَّامِتون كما لَقِينا
وعن سُفيانَ الثَّوريِّ، قال: كان رجلٌ يأتي بابَ أبي هُرَيرةَ فيؤذيهم ويُثقِلُ عليهم، فقيل: إنَّه قد مات، فقال: (ليس في الموتِ شماتةٌ) . وقال بعضُهم في عَدَمِ الشَّماتةِ بالموتِ:
تشَفَّى بشيءٍ لا يصيبُك مِثلُه
وإلَّا فشَيءٌ أنت وارِدُه فلا
لكِنْ قد أفتى ابنُ عبدِ السَّلامِ بأنَّه لا ملامَ بالفَرَحِ بموتِ العَدُوِّ من حيثُ انقطاعُ شَرِّه عنه وكفايةُ ضَرَرِه .


قِصَصٌ في الشَّماتةِ:

- عن بعضِهم أنَّه شاهَد رجُلًا على قبرٍ وهو يُكثِرُ البكاءَ، فقُلتُ: أعلى قريبٍ أو على صديقٍ؟ فقال: أخَصُّ منهما، قد كان لي عَدُوٌّ، فخرج إلى الصَّيدِ فرأى ظَبيًا فتَبِعَه فعَثَر بالسَّهمِ فخَرَّ هو والظَّبيُ ميِّتينِ، فدُفِنَ، فانتَهَيتُ إلى قبرِه شامِتًا به، فإذا عليه مكتوبٌ:
وما نحنُ إلَّا مِثلُهم غيرَ أنَّنا
أقَمْنا قليلًا بَعدَهم وترَحَّلوا
فها أنا واقِفٌ أبكي على نفسي .

- ورُوِيَ أنَّه لمَّا أتى عبدَ اللَّهِ بنَ الزُّبَيرِ خبَرُ قَتلِ مُصعَبٍ أخيه احتَجَب أيَّامًا، فخَبَر بمجيءِ قومٍ للتَّعزيةِ، فقال: أكرَهُ وُجوهًا تُعَزِّي ألسِنَتُها، وتَشمَتُ قُلوبُها !

- ولمَّا عُزِل أبو الحسَنِ عليُّ بنُ عيسى بنِ داودَ بنِ الجَرَّاحِ البغداديُّ في وزارتِه الثَّانيةِ ووَلِيَ ابنُ الفُراتِ، لم يقنَعِ ابنُ الفُراتِ إلَّا بإخراجِه عن بغدادَ، فخَرج إلى مكَّةَ فأقام بها مُهاجِرًا، وقال في نَكبتِه:
ومَن يكُ عنِّي سائلًا لشماتةٍ
لِما نابني أو شامتًا غيرَ سائِلِ
فقد أبرَزَتْ منِّي الخُطوبُ ابنَ حُرَّةٍ
صبورًا على أحوالِ تلك الزَّلازِلِ
إذا سُرَّ لم يَبطَرْ وليس لنَكبةٍ
إذا نَزَلتْ بالخاشعِ المتضائِلِ

- ولمَّا توفِّىَ أيُّوبُ بنُ سُلَيمانَ بنِ عبدِ الملِكِ في حياةِ سُلَيمانَ، وكان وليَّ عَهدِه وأكبَرَ ولَدِه؛ رثاه ابنُ عبدِ الأعلى، وكان من خاصَّتِه، فقال فيه:
ولقد أقولُ لذي الشَّماتةِ إذ رأى
جَزَعي ومَن يَذُقِ الحوادِثَ يَجزَعِ
أبشِرْ فقد قَرَع الحوادِثُ مَرْوَتي
وافرَحْ بمَرْوتِك التي لم تُقرَعِ
إن عِشتَ تُفجَعْ بالأحبَّةِ كُلِّهِم
أو يُفجَعوا بك إن بهم لم تُفجَعِ
أيُّوبُ! مَن يَشمَتْ بموتِك لم يُطِقْ
عن نفسهِ دَفعًا، وهل من مَدفَعِ

- وبلغ عَمرَو بنَ عُتبةَ شماتةُ قَومٍ به في مصائِبَ، فقال: (واللَّهِ لئِنْ عَظُم مُصابُنا بموتِ رجالِنا، لقد عَظُمَت النِّعمةُ علينا بما أبقى اللَّهُ لنا: شُبَّانًا يَشُبُّون الحروبَ، وسادةً يُسْدُون المعروفَ، وما خُلِقْنا ومَن شَمِتَ بنا إلَّا للموتِ) .


معنى تشميتِ العاطِسِ وعلاقتُه بالشَّماتةِ:
قال ابنُ القَيِّمِ: (ولمَّا كان العاطِسُ قد حصَلت له بالعُطاسِ نِعمةٌ ومنفَعةٌ بخُروجِ الأبخرةِ المحتَقَنةِ في دماغِه، التي لو بَقِيت فيه أحدَثَت له أدواءً عَسِرةً؛ شُرِع له حمدُ اللَّهِ على هذه النِّعمةِ، مع بقاءِ أعضائِه على التِئامِها وهيئتِها بعدَ هذه الزَّلزلةِ التي هي للبَدَنِ كزَلزلةِ الأرضِ لها؛ ولهذا يُقالُ: سَمَّتَه وشَمَّتَه، بالسِّينِ والشِّينِ، فقيل: هما بمعنًى واحدٍ، قاله أبو عُبَيدةَ وغيرُه. قال: وكُلُّ داعٍ بخيرٍ فهو مُشَمِّتٌ ومُسَمِّتٌ. وقيل: بالمُهمَلةِ، دعاءٌ له بحُسنِ السَّمتِ، وبعَودِه إلى حالتِه من السُّكونِ والدَّعةِ؛ فإنَّ العُطاسَ يحدِثُ في الأعضاءِ حَركةً وانزعاجًا. وبالمُعجَمةِ: دعاءٌ له بأن يَصرِفَ اللَّهُ عنه ما يُشمِتُ به أعداءَه، فشَمَّته: إذا أزال عنه الشَّماتةَ، كقَرَّد البعيرَ: إذا أزال قُرادَه عنه، وقيل: هو دعاءٌ له بثباتِه على قوائِمِه في طاعةِ اللَّهِ، مأخوذٌ من الشَّوامِتِ، وهي القوائِمُ. وقيل: هو تشميتٌ له بالشَّيطانِ لإغاظتِه بحَمدِ اللَّهِ على نعمةِ العُطاسِ، وما حصَل له به من محابِّ اللَّهِ؛ فإنَّ اللَّهَ يحِبُّه، فإذا ذَكَر العبدُ اللَّهَ وحَمِدَه، ساء ذلك الشَّيطانَ من وجوهٍ؛ منها: نفسُ العُطاسِ الذي يحبُّه اللَّهُ، وحَمدُ اللَّهِ عليه، ودعاءُ المُسلِمين له بالرَّحمةِ، ودعاؤه لهم بالهدايةِ وإصلاحِ البالِ، وذلك كلُّه غائظٌ للشَّيطانِ، محزِنٌ له؛ فتشميتُ المُؤمِنِ بغيظِ عَدُوِّه وحُزنِه وكآبتِه، فسُمِّيَ الدُّعاءُ له بالرَّحمةِ تشميتًا له؛ لِما في ضمنِه من شماتتِه بعَدوِّه، وهذا معنًى لطيفٌ إذا تنَبَّهَ له العاطِسُ والمُشَمِّتُ انتفعا به، وعَظُمَت عندَهما منفعةُ نعمةِ العُطاسِ في البدَنِ والقَلبِ، وتبيَّن السِّرَّ في محبَّةِ اللَّهِ له؛ فلله الحمدُ الذي هو أهلُه، كما ينبغي لكريمِ وَجهِه، وعِزِّ جلالِه) .

إخفاءُ ما يؤدِّي إلى شماتةِ غَيرِه به:
 قال ابنُ الجَوزيِّ: (قد رُكِّب في الطِّباعِ حُبُّ التَّفضيلِ على الجِنسِ، فما أحَدٌ إلَّا وهو يحِبُّ أن يكونَ أعلى درَجةً من غيرِه، فإذا وقَعَت نَكبةٌ أوجَبَت نزولَه عن مرتبةِ سِواه، فينبغي له أن يتجَلَّدَ بسَترِ تلك النَّكبةِ؛ لئلَّا يُرى بعينِ نَقصٍ، ولْيتجمَّلِ المتعَفِّفُ حتَّى لا يُرى بعينِ الرَّحمةِ، ولْيتحامَلِ المريضُ لئلَّا يشمَتَ به ذو العافيةِ. وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأصحابِه حينَ قدومِه مكَّةَ، وقد أخذَتْهم الحُمَّى، فخاف أن يَشمَتَ بهم الأعداءُ حينَ ضَعفِهم عن السَّعيِ... ، فرَمَلوا -والرَّمَلُ: شِدَّةُ السَّعيِ-، وزال ذلك السَّبَبُ، وبَقِيَ الحُكمُ؛ ليُتذكَّرَ السَّببُ، فيُفهَمَ معناه.
واستأذنوا على معاويةَ وهو في الموتِ، فقال لأهلِه: أجلِسوني! فقَعَد مُتمَكِّنًا يظهِرُ العافيةَ، فلمَّا خرج العُوَّادُ، أنشد:
وتجَلُّدي للشَّامِتين أُريِهمُ
أنِّي لرَيبِ الدَّهرِ لا أتضَعْضَعُ
وإذا المنيَّةُ أنشَبَت أظفارَها
أَلفَيتَ كُلَّ تميمةٍ لا تنفَعُ

وما زال العُقَلاءُ يُظهِرون التَّجلُّدَ عِندَ المصائِبِ والفَقرِ والبلاءِ؛ لئلَّا يتحَمَّلوا مع النَّوائبِ شماتةَ الأعداءِ، وإنَّها الأشدُّ من كُلِّ نائبةٍ، وكان فقيرُهم يُظهِرُ الغِنى، ومريضُهم يُظهِرُ العافيةَ) .


شتَّانَ بَيْنَ الغَيرةِ على الحُرُماتِ وبَينَ الشَّماتةِ والتَّشَفِّي:
قال محمَّدٌ الغَزاليُّ: (مِن فَضلِ اللَّهِ على العِبادِ: أنَّه استَحَبَّ سَترَ عُيوبِ الخَلقِ، ولو صَدَق اتِّصافُهم بها. وما يجوزُ لمُسلِمٍ أن يتشَفَّى بالتَّشنيعِ على مُسلِمٍ ولو ذَكَره بما فيه؛ فصاحِبُ الصَّدرِ السَّليمِ يأسى لآلامِ العِبادِ، ويشتهي لهم العافيةَ، أمَّا التَّلهِّي بسَردِ الفضائِحِ، وكَشفِ السُّتورِ، وإبداءِ العَوراتِ؛ فليس مَسلَكَ المُسلِمِ الحَقِّ... وكثيرًا ما يكونُ متتَبِّعو العوراتِ لفَضحِها أشَدَّ إجرامًا، وأبعَدَ عن اللَّهِ قُلوبًا من أصحابِ السَّيِّئاتِ المكتشَفةِ؛ فإنَّ التَّربُّصَ بالجريمةِ لنَشرِها أقبَحُ من وُقوعِ الجريمةِ نَفسِها.

وشتَّانَ بَيْنَ شُعورينِ: شُعورِ الغَيرةِ على حُرُماتِ اللَّهِ والرَّغبةِ في حمايتِها، وشُعورِ البغضاءِ لعبادِ اللَّهِ والرَّغبةِ في إذلالِهم!
إنَّ الشُّعورَ الأوَّلَ قد يَصِلُ في صاحِبِه إلى القِمَّةِ، ومع ذلك فهو أبعَدُ ما يكونُ عن التَّشفِّي من الخَلقِ، وانتِظارِ عَثَراتِهم، والشَّماتةِ في آلامِهم) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

p_672b672o1.png

الأثَرةُ والأنانيَّةُ

أوَّلًا: معنى الأثَرةُ لغةً واصطِلاحًاالأثَرةُ لغةً:
أصلُ (أثَر) هنا يدُلُّ على تقديمِ الشَّيءِ، يُقالُ: استأثَر بالشَّيءِ: استبدَّ به، والاسمُ الأثَرةُ مِن: آثَر يُؤثِرُ إيثارًا، وفي الآيةِ: آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا [يوسف: 91] ، أي: فضَّلك، والأثَرةُ: الاستِئثارُ، والاستِئثارُ: الانفِرادُ وتفضيلُ النَّفسِ على غَيرِها في أمورِ الدُّنيا .

الأنانيَّةُ لغةً:
*الأنانيَّةُ: مصدَرٌ صناعيٌّ مِن (أنا)، يدُلُّ على أثَرةِ وحُبِّ الذَّاتِ معَ عَدمِ التَّفكيرِ في الآخَرينَ، وهي ضدُّ الإيثارِ ، وهو لفظٌ لا أصلَ له في كلامِ العربِ .

الأثَرةُ اصطِلاحًا:
الاختِصاصُ بحَظٍّ دُنيويٍّ .
أو: الاستِئثارُ والاختِصاصُ بأمورِ الدُّنيا .
أو: استِئثارُ صاحِبِ الشَّيءِ به عليك، وحَوزُه لنَفسِه دونَك .
أو: استِئثارُه عن أخيه بما هو مُحتاجٌ إليه .
أو: الانفِرادُ بما تستأثِرُ به، وتنفرِدُ بفَضلِه عمَّن له فيه حقٌّ .
أو: أن يختصَّ الإنسانُ نَفسَه أو أتباعَه بالمنافِعِ مِن أموالٍ ومَصالِحَ دُنيويَّةٍ، ويستأثِرَ بذلك، فيحجُبَه عمَّن له فيه نصيبٌ أو هو أَولى به .

3dlat.com_09_19_7166_f9b210e9a86f7.gif

ثانيًا: الفَرقُ بَينَ الأثَرةِ والإيثارِ

أنَّ الإيثارَ هو البَذلُ، وتخصيصُك لمَن تُؤثِرُه على نَفسِك. وأمَّا الأثَرةُ فهي: استِئثارُ صاحِبِ الشَّيءِ به عليك، فحقيقةُ الإيثارِ بَذلُ صاحِبِه وإعطاؤُه، والأثَرةُ: استِبدادُه هو بالمُؤثَرِ به، فالإيثارُ أن يُؤثِرَ غَيرَه بالشَّيءِ معَ حاجتِه إليه، وعَكسُه الأثَرةُ: وهو استِئثارُه عن أخيه بما هو مُحتاجٌ إليه

ثالثًا: ذمُّ الأثَرةِ والأنانيةِ والتحذير منهما

أ- من القُرآنِ الكريمِ


1- قال تعالى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَ ا مُصْبِحِينَ [القلم: 17] ، (قَالُوا: اغْدُوا سِرًّا إِلَى جَنَّتِكُمْ فَاصْرِمُوهَا وَلَا تُؤْذِنُوا الْمَسَاكِينَ) . إلى آخِرِ القصَّةِ.
و(ظاهِرُ النَّصِّ أنَّ خطيئتَهم التي أُخِذوا بها هي التَّصميمُ على صَرمِ جنَّتِهم خُفيةً، والاستِئثارُ بكُلِّ خَيرِها، لا يُؤدُّونَ حقَّ مسكينٍ فيه) .

2- قال تعالى: وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ [القمر: 28]، (فنهاهم اللهُ عن أن يستأثِرَ أهلُ اليَومِ الذي لا تَرِدُ النَّاقةُ فيه بيَومِهم، وأمرَهم بالتَّواسي معَ الذين تَرِدُ النَّاقةُ في يَومِهم) . وهذا على قولٍ في تفسيرِ الآيةِ.

3- قال تعالى: قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ [البقرة: 247] ، تغيَّظوا لمَّا رأَوا النِّعمةَ تُساقُ لغَيرِهم، وادَّعَوا الأحقيَّةَ في المُلكِ حتَّى كأنَّه في مُلكِهم ، واللهُ تعالى عليمٌ بمَن يستحِقُّ المُلكَ ممَّن لا يستحِقُّ .

4- قَولُه تعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 188] ، والخطابُ بهذه الآيةِ يتضمَّنُ جميعَ أمَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والمعنى: لا يأكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بغَيرِ حقٍّ، فيدخُلُ في هذا: الغِشُّ، والخِداعُ، والكَذِبُ، وجَحدُ الحقوقِ، وما لا تطيبُ به نَفسُ مالِكِه، وغَيرُها مِن صُورِ الأثَرةِ .

230.jpg


ب- من السُّنَّةِ النَّبويَّةِ

1- عن ابنِ مسعودٍ رضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ستكونُ أثَرةٌ وأمورٌ تُنكِرونَها، قالوا: يا رسولَ اللهِ، فما تأمُرُنا؟ قال: تُؤدُّونَ الحقَّ الذي عليكم، وتسألونَ اللهَ الذي لكم )) .
أثَرةٌ: (أي: استِبدادٌ واختِصاصٌ بالأموالِ فيما حقُّه الاشتِراكُ) .

2- وقال رسولُ اللهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للأنصارِ: ((إنَّكم ستَرونَ بعدي أثَرةً شديدةً، فاصبِروا حتَّى تلقَوا اللهَ ورسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الحَوضِ )) .
(المُرادُ بالأثَرةِ هنا: استِئثارُ الأمراءِ بأموالِ بيتِ المالِ) .

3- وعن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رضِي اللهُ عنه قال: ((بايَعْنا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على السَّمعِ والطَّاعةِ في العُسرِ واليُسرِ، والمَنشَطِ والمَكرَهِ، وعلى أثَرةٍ علينا، وعلى ألَّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وعلى أن نقولَ بالحقِّ أينما كنَّا، لا نخافُ في اللهِ لومةَ لائِمٍ)) .
(الأثَرةُ أي: يُستأثَرُ عليكم، فيفضِّلُ غَيرُكم نَفسَه عليكم) . أي: اسمَعوا وأطيعوا، وإن اختصَّ الأمراءُ بالدُّنيا عليكم، ولم يُوصِلوكم حقَّكم ممَّا عندَهم .

4- وعن أبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه قال: ((قام رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صلاةٍ، وقُمْنا معَه، فقال أعرابيٌّ وهو في الصَّلاةِ: اللَّهمَّ ارحَمْني ومُحمَّدًا، ولا ترحَمْ معَنا أحدًا، فلمَّا سلَّم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال للأعرابيِّ: لقد حجَّرْتَ واسِعًا )) .
فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (لم يُعجِبْه دُعاؤُه لنَفسِه وحدَه، فلأنَّه بخِل برحمةِ اللهِ على خَلقِه، وقد أثنى اللهُ على مَن فعَل خلافَ ذلك بقولِه: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَ ا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] ) .

5- وقال عُمرُ رضِي اللهُ عنه يصِفُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد خصَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الفيءِ بشيءٍ لم يُعطِه أحدًا غَيرَه، ثُمَّ قرأ: مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه مِنْهُمْ إلى قولِه قَدِيرٌ فكانت هذه خالِصةً لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وواللهِ ما احتازها دونَكم، ولا استأثَر بها عليكم، لقد أعطاكموها، وبثَّها فيكم).
قولُه: (ما احتازها)، أي: ما جمَعها دونَكم، (ولا استأثَر بها)، أي: ولا استبدَّ بها وتخصَّص بها عليكم. قولُه: (وبثَّها فيكم)، أي: فرَّقها عليكم .

ج- من أقوال السَّلفِ والعُلَماءِ

1- عن الرَّبيعِ بنِ زيادٍ الحارِثيِّ قال: (كنْتُ عندَ عُمرَ رضِي اللهُ عنه، فوضَع يدَه على بَطنِه، فقلْتُ: ما لك يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ فقال: طعامٌ غليظٌ أكلْتُه أُذيتُ منه، قلْتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنَّ أَولى النَّاسِ بالمَطعَمِ اللَّيِّنِ والمَلبَسِ اللَّيِّنِ لأنت، قال: فتناوَل عُصيَّةً فقرع بها رأسي، وقال: كنْتُ أحسَبُ فيك خَيرًا يا ربيعُ بنَ زيادٍ! قلْتُ: ما لك يا أميرَ المُؤمِنينَ؟ قال: واللهِ ما أردْتَ بها إلَّا مُقارَبتي، أتدري ما مَثلي ومَثلُهم؟ قال: ما مَثلُك ومَثلُهم؟ قال: مَثلُ قومٍ أرادوا سَفرًا، فدَفعوا نفقاتِهم إلى رجُلٍ، وقالوا: أنفِقْ عليك وعلينا، أفله أن يستأثِرَ عليهم؟ قلْتُ: لا، قال: فكذاك) .

2- قال بعضُهم: (إذا استقضَيتَ أخاك حاجةً فلم يَقضِها، فذكِّرْه ثانيةً، فلعلَّه أن يكونَ قد نسِي، فإن لم يقضِها فكبِّر عليه، واقرَأْ هذه الآيةَ: وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [الأنعام: 36] ) .

3- وقضى ابنُ شُبرُمةَ حاجةً لبعضِ إخوانِه كبيرةً، فجاء بهديَّةٍ، فقال: (ما هذا؟ قال: لِما أسدَيتَه إليَّ، فقال: خذْ مالَك عافاك اللهُ، إذا سألْتَ أخاك حاجةً فلم يُجهِدْ نَفسَه في قضائِها فتوضَّأْ للصَّلاةِ، وكبِّر عليه أربعَ تكبيراتٍ، وعُدَّه في الموتى) .

4- قال أبو بكرٍ الحَربيُّ: (سمعْتُ السَّرِيَّ السَّقَطيَّ يقولُ: حمِدْتُ اللهَ مرَّةً، فأنا أستغفِرُ اللهَ مِن ذلك الحَمدِ مُنذُ ثلاثين سنةً، قيل: وكيف ذاك؟ قال: كان لي دُكَّانٌ كان فيه متاعٌ، فوقَع الحريقُ في سوقِنا، فقيل لي، فخرجْتُ أتعرَّفُ خبرَ دُكَّاني، فلقيتُ رجُلًا، فقال: أبشِرْ؛ فإنَّ دُكَّانَك قد سلِم، فقلْتُ: الحَمدُ للهِ، ثُمَّ إنِّي فكَّرْتُ فرأَيتُها خطيئةً) .

5- قال السَّرَخسيُّ: (وليس لأحدٍ أن يدفَعَ الضَّررَ عن نَفسِه بالإضرارِ بغَيرِه) .

6- قال ابنُ القيِّمِ: (فإذا رأَيتَ النَّاسَ يستأثِرونَ عليك معَ كونِك مِن أهلِ الإيثارِ، فاعلَمْ إنَّه لخَيرٌ يُرادُ بك) .

7- قال عليٌّ الطَّنطاويُّ: (نحن في حاجةٍ إلى الإيمانِ بأنَّ مصلحةَ الفردِ في مصلحةِ المجموعِ، وأنَّ رِفعتَه في رِفعةِ الأمَّةِ) .

 

رابعًا: الآثارُ السَّيِّئةُ للأثَرةِ والأنانيَّةِ

للأثَرةِ آثارٌ سيِّئةٌ؛ منها:


1- الصَّدُّ عن الحقِّ؛ فعن ابنِ عبَّاسٍ رضِي اللهُ عنهما قال: (قدِم مُسيلِمةُ الكذَّابُ على عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فجعَل يقولُ: إن جعَل لي مُحمَّدٌ الأمرَ مِن بَعدِه تبِعْتُه) .
2- تنعدِمُ الرَّحمةُ، ويأكلُ القويُّ الضَّعيفَ، ويسودُ قانونُ الغابِ.
3- سببٌ في نقصِ الإيمانِ.
4- يكرهُ الأنانيُّ لأخيه الخَيرَ، ويحِبُّ له الشَّرَّ.
5- مُجتمَعُ الأنانيَّةِ والبُخلِ مُجتمَعٌ مُتصدِّعٌ مِن الدَّاخِلِ، تأكلُه العداواتُ والأحقادُ.
6- حينما تسودُ الأنانيَّةُ ينعدِمُ التَّكافُلُ.
7- وقوعُ الظُّلمِ، وأكلُ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ، وقَطعُ الأرحامِ.
8- يجُرُّ إلى عَدمِ الاهتمامِ بأمرِ المُسلمينَ.
9- سببٌ لضَعفِ الأخوَّةِ الإيمانيَّةِ.
10- دليلٌ على دناءةِ النَّفسِ وخِسَّتِها.
11- بثُّ اليأسِ في نُفوسِ ذَوي الحُقوقِ.
12- سببٌ لحُلولِ العداءِ والكراهيَةِ محَلَّ المحبَّةِ والمودَّةِ في القُلوبِ.


3dlat.com_09_19_7166_f9b210e9a86f7.gif
خامسًا: أقسامُ الأثَرةِ

تنقَسِمُ الأثَرةُ إلى مراتِبَ:
الأولى: العُبوسُ والانقِباضُ وتركُ البِشرِ والبَسطةِ، فلا يسَعُ الأنانيُّ أحدًا لا بمالٍ ولا بخُلقٍ بسببِ ما به مِن أثَرةٍ.

الثَّانيةُ: الانتِقامُ وعَدمُ الإغضاءِ، فيحمِلُه حُبُّ ذاتِه على الانتِصارِ لها، وتَركِ التَّغافُلِ والعَفوِ.
الثَّالثةُ: الاستِئثارُ بقُوَّتِه البدنيَّةِ، فيخصُّ بها نَفسَه، ولا ينفعُ بها غَيرَه.
الرَّابعةُ: التَّفرُّدُ بنعمةِ الجاهِ، فلا يشفَعُ لأحدٍ، ولا يمشي معَ غَيرِه إلى ذي سُلطانٍ، ونَحوُ ذلك.
الخامِسةُ: الضَّنُّ بالعِلمِ، فهو يُحبُّ ألَّا يشرَكَه فيه أحدٌ، وإذا سُئِل أجاب باختِصارٍ بقَدرِ ما يدفعُ به الضَّرورةَ، كما كان بعضُهم يكتبُ في جوابِ الفُتيا: نعم أو لا، مُقتصِرًا عليها.
السَّادسةُ: أن يكونَ ضنينًا براحتِه ورفاهِيتِه وإجمامِ نَفسِه، فلا يسعى تعبًا وكدًّا إلَّا في مصلحةِ نَفسِه.
السَّابعةُ: التَّطلُّعُ إلى ما في أيدي غَيرِه، وتمنِّي زوالِ النَّعمةِ عنه، وتحوُّلِها إليه.
الثَّامنةُ: أن يبخلَ بنَفسِه عن نصرِ المُستضعَفينَ؛ قال تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ [الأحزاب: 19] ، (أي: بُخلًا بالنُّصرةِ والمُوافَقةِ في القتالِ .

 

سادسًا: درجاتُ الأثَرةِ

الأثَرةُ درجاتٌ بحسَبِ استِحكامِها مِن الشَّخصِ أو ضَعفِها فيه؛ فمنها:
1- الاستِبدادُ بالأمورِ المُشترَكةِ، وحِرمانُ غَيرِه.
2- الشُّحُّ الشَّديدُ، وإمساكُ الزَّكواتِ الواجِبةِ.
3- الاعتِداءُ على حُقوقِ النَّاسِ، وغَصبُ أموالِهم بغَيرِ حقٍّ.
4- البُخلُ بما في يدَيه، وعَدمُ الإنفاقِ تطوُّعًا، ومنه قولُ الحُطيئةِ فيمَن يجودُ بمالِه لنَفسِه، ويبخلُ به على غَيرِه:
دعِ المكارِمَ لا ترحَلْ لبُغيتِها
واجلِسْ فأنت لعَمري طاعِمٌ كاسي
قال أبو عُبَيدٍ: (يقولُ: قد رضيتَ مِن المكارِمِ بألَّا تفضُلَ على أحدٍ إلَّا ما تنفِقُ عليك في طعامِك وكِسوتِك) .
5- تقديمُ حظِّ النَّفسِ على رِضا الرَّبِّ؛ قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارِةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة: 24] .
وعلامةُ هذه الدَّرجةِ أمرانِ؛ أحدُهما: تَركُ العَملِ بأوامرِ اللهِ إذا كانت ثقيلةً على النَّفسِ، والآخَرُ: التَّلبُّسُ بما يكرَهُه اللهُ إذا كانت النَّفسُ تُحبُّه وتهواه؛ قال تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفسَ عَنِ الهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات: 37 - 41] .
6- تقديمُ حظِّ النَّفسِ على كُلِّ أحدٍ وعلى مَن يعولُ، عن خَيثَمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ قال: ((كنَّا جُلوسًا معَ عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رضِي اللهُ عنه إذ جاءه قَهرَمانٌ له، فدخَل، فقال: أعطَيتَ الرَّقيقَ قُوتَهم؟ قال: لا، قال: فانطلِقْ فأعطِهم، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كفى بالمرءِ إثمًا أن يحبِسَ عمَّن يملِكُ قُوتَه )) .

230.jpg
سابعًا: مظاهِرُ وصُوَرُ الأثَرةِ

1- شُيوعُ الرِّشوةِ وروحُ النَّفعيَّةِ، فلا يقومُ المُوظَّفُ بحُقوقِ النَّاسِ الواجِبةِ عليه بالوظيفةِ إلَّا بمُقابِلٍ.
2- تسخيرُ وسائِلِ وموارِدِ جِهةِ العَملِ في المصالحِ الخاصَّةِ، وتضييعُ وَقتِ العَملِ مِن أجلِها، وإفشاءُ أسرارِ المُؤسَّسةِ، وإيثارُ الأقارِبِ بالمُناقَصاتِ أو غَيرِهم مُقابِلَ منفعةٍ مادِّيَّةٍ.
3- عَدمُ الإنصافِ، فيشنِّعُ على المُخالِفِ ويُحذِّرُ منه ويُحرِّضُ عليه، وفي الوقتِ نَفسِه يرفُضُ أن يُوجَّهَ إليه النَّقدُ، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء: 135] .
4- سُؤالُ المرأةِ طلاقَ أختِها؛ عن أبي هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((... لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها لتستكفِئَ إناءَها)) ، وفي روايةٍ: ((لا تسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها لتَستفرِغَ صَحفتَها، ولتَنْكِحْ؛ فإنَّ لها ما قُدِّر لها)) .
قولُه: ((لتستكفِئَ إناءَها)) (تمثيلٌ لإمالةِ الضَّرَّةِ حقَّ صاحِبتِها مِن زَوجِها إلى نَفسِها إذا سألت طلاقَها، فيصيرُ لها مِن النَّفقةِ والمُعاشَرةِ ما كان للمُطلَّقةِ، فعبَّر عن ذلك بإكفائِها ما في الإناءِ) . وقَولُه: ((لتَستفرِغَ صَحفَتَها)) أي: ليصيرَ لها مِن نَفقتِه ومعروفِه ما كان للمُطلَّقةِ .
5- التَّوسُّعُ في صُورِ التَّنعمِ والرَّفاهيةِ، معَ الإمساكِ عن الإنفاقِ في أوجُهِ النَّفعِ العامَّةِ ومصالِحِ االمُسلمينَ.
6- تلويثُ الهواءِ والماءِ والتُّربةِ، وطَرحُ الأذى في الطُّرقِ، واستِغلالُ موارِدِ البيئةِ لمصلحةٍ ذاتيَّةٍ بحتةٍ، وإحداثُ ضَررٍ بهذه الموارِدِ.
7- ما كانت تقومُ به بعضُ الدُّولِ مِن إلقاءِ القَمحِ في البحرِ بدعوى الحِفاظِ على الأسعارِ العالميَّةِ.
8- افتِعالُ الأزماتِ والمُشكلاتِ بهَدفِ الرِّبحِ مِن خِلالِها.

230.jpg
ثامنًا: أسبابُ الوُقوعِ في الأثَرةِ

للأثَرةِ أسبابٌ كثيرةٌ، لعلَّ مِن أهمِّها:
1- سوءَ التَّربيةِ، وتفضيلَ بعضِ الأبناءِ على بعضٍ.
2- التَّشجيعَ على الأنانيَّةِ في وسائِلِ الإعلامِ.
3- الإسرافَ، وقَصرَ الهمِّ على إشباعِ الشَّهواتِ.
4- أن يرى الإنسانُ أنَّ له فَضلًا على غَيرِه، فيستزيدَ مِن الخَيرِ، أو يستبدَّ به دونَهم.
5- ضَعفَ الوازِعِ الدِّينيِّ.
6- غيابَ القُدوةِ الحَسَنةِ.

 

تاسعًا: الوسائلُ المُعينةُ على تَركِ الأثَرةِ

يُمكِنُ التَّخلُّصُ مِن هذه الصِّفةِ المذمومةِ بَعدَ الاستعانةِ باللهِ مِن خِلالِ ما يلي:

1- البُعدُ بالنَّشءِ عن العاداتِ التي تزرعُ الأنانيَّةَ في نُفوسِهم.
2- العَدلُ بَينَ الأبناءِ في المُعامَلةِ؛ فعن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ رضِي اللهُ عنهما، قال: ((سألَت أمِّي أبي بعضَ الموهبةِ لي مِن مالِه، ثُمَّ بدا له، فوهَبها لي، فقالت: لا أرضى حتَّى تُشهِدَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخذ بيدي وأنا غلامٌ، فأتى بي النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّ أمَّه بنتَ رَواحةَ سألَتني بعضَ الموهبةِ لهذا، قال: ألك ولدٌ سِواه؟ قال: نعَم، قال: فأُراه قال: لا تُشهِدْني على جَورٍ، في رِوايةٍ: لا أشهَدُ على جَورٍ)) .
3- تعويدُ الطِّفلِ على مُشارَكةِ غَيرِه له في لُعَبِه، وألَّا يستأثِرَ بها دونَهم.
4- تعاوُنُ المُؤسَّساتِ الدَّعَويَّةِ والإعلاميَّةِ في التَّنفيرِ عن الأثَرةِ.
5- التَّربيةُ بالقُدوةِ؛ قال عَمرُو بنُ عَبسةَ رضِي اللهُ عنه: ((صلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بعيرٍ مِن المَغنَمِ، فلمَّا سلَّم أخذ وَبرةً مِن جَنبِ البعيرِ، ثُمَّ قال: ولا يحِلُّ لي مِن غنائِمِكم مِثلُ هذا إلَّا الخُمسَ، والخُمسُ مردودٌ فيكم)) .
6- الإلحاحُ في الدُّعاءِ بأن يصرِفَ اللهُ عنه الأثَرةَ، وقد كان النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يدعو: ((...واهدِني لأحسَنِ الأخلاقِ؛ لا يهدي لأحسَنِها إلَّا أنت، واصرِفْ عنِّي سيِّئَها؛ لا يصرِفُ عنِّي سيِّئَها إلَّا أنت )) .
7- التَّورُّعُ؛ فعن أنسٍ رضِي اللهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَد تمرةُ، فقال: لولا أن تكونَ صدقةً لأكلْتُها )) .
8- الخوفُ مِن اللهِ تعالى؛ فعن سعيدِ بنِ زيدِ بنِ عَمرِو بنِ نُفَيلٍ: ((أنَّه خاصَمَته أَرْوى في حقٍّ زعَمَت أنَّه انتقَصه لها إلى مروانَ، فقال سعيدٌ: أنا أنتقِصُ مِن حقِّها شيئًا، أشهَدُ لَسِمعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: مَن أخَذ شِبرًا مِن الأرضِ ظُلمًا فإنَّه يُطَوَّقُه يومَ القيامةِ مِن سَبعِ أرَضينَ)) .
9- تعويدُ النَّفسِ على الإكثارِ مِن الصَّدَقاتِ.
10- استِحضارُ عاقِبةِ الأثَرةِ، فمِن العاقِبةِ السَّيِّئةِ لمَن يستحوِذُ على أموالِ النَّاسِ ويستأثِرُ بها ما راوه أبو هُرَيرةَ رضِي اللهُ عنه: أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أتدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أمَّتي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتَم هذا، وقذَف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفَك دمَ هذا، وضرَب هذا؛ فيُعطى هذا مِن حسناتِه، وهذا من حسناتِه، فإن فنِيَت حسناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذ مِن خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِح في النَّارِ )) .
ومِن العاقِبةِ الحَسنةِ لتَركِ الأثَرةِ ما رُوِي عن وَرشٍ أنَّه قال: خرجْتُ مِن مِصرَ لأقرأَ على نافِعٍ، فلمَّا وصلْتُ إلى المدينةِ صِرْتُ إلى مسجدِ نافِعٍ، فإذا هو لا يُطاقُ القراءةُ عليه مِن كثرتِهم، وإنَّما يُقرِئُ ثلاثينَ.
فجلسْتُ خَلفَ الحَلْقةِ، وقلْتُ لإنسانٍ: مَن أكبَرُ النَّاسِ عندَ نافِعٍ؟ فقال لي: كبيرُ الجعفَريِّينَ، فقلْتُ: فكيف به؟ قال: أنا أجيءُ معَك إلى منزلِه.
وجِئنا إلى منزلِه، فخرَج شيخٌ فقلْتُ: أنا مِن مِصرَ، جِئْتُ لأقرأَ على نافِعٍ، فلم أصِلْ إليه، وأُخبِرْتُ أنَّك مِن أصدَقِ النَّاسِ له، وأنا أريدُ أن تكونَ الوسيلةَ إليه، فقال: نعَم، وكرامةً.
وأخَذ طَيلسانَه ومضى معَنا إلى نافِعٍ، وكان لنافِعٍ كُنيتانِ؛ أبو رُوَيمٍ، وأبو عبدِ اللهِ، فبأيِّهما نُودِي أجاب، فقال له الجَعفَريُّ: هذا وسيلتي إليك، جاء مِن مِصرَ ليس معَه تجارةٌ، ولا جاء لحجٍّ، إنَّما جاء للقراءةِ خاصَّةً.
فقال: ترى ما ألقى مِن أبناءِ المُهاجِرينَ والأنصارِ، فقال صديقُه: تحتالُ له، فقال لي نافِعٌ: أيُمكِنُك أن تبيتَ في المسجدِ؟ قلْتُ: نعَم، فبِتُّ في المسجدِ، فلمَّا أن كان الفجرُ جاء نافِعٌ.
فقال: ما فعَل الغريبُ؟ فقلْتُ: ها أنا رحِمك اللهُ، قال: أنت أَولى بالقراءةِ، قال: وكنْتُ معَ ذلك حَسنَ الصَّوتِ، مدَّادًا به، فاستفتحْتُ، فملأ صوتي مسجدَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فقرأْتُ ثلاثينَ آيةً، فأشار بيدِه: أن اسكُتْ، فسكتُّ، فقام إليه شابٌّ مِن الحَلْقةِ، فقال: يا مُعلِّمُ أعزَّك اللهُ، نحن معَك، وهذا رجُلٌ غريبٌ،وإنَّما رحَل للقراءةِ عليك، وقد جعلْتُ له عَشرًا، وأقتصِرُ على عشرينَ، فقال: نعَم، وكرامةً، فقرأْتُ عَشرًا، فقام فتًى آخَرُ، فقال كقولِ صاحِبِه، فقرأْتُ عَشرًا، وقعَدْتُ، واقتصَرْتُ على عشرينَ، حتَّى لم يبقَ له أحدٌ ممَّن له قراءةٌ.
فقال لي: اقرأْ، فأقرَأني خمسينَ آيةً، فما زِلْتُ أقرأُ عليه خمسينَ في خمسينَ حتَّى قرأْتُ عليه خَتماتٍ قَبلَ أن أخرُجَ مِن المدينةِ . فنفَع اللهُ تعالى بوَرشٍ، وما زالت روايتُه يُقرَأُ بها إلى اليومِ.

 

عاشرًا: أخطاءٌ شائعةٌ حولَ الأثَرةِ

قد لا يُفرِّقُ البعضُ بَينَ حُبِّ الإنسانِ لذاتِه، وحِرصِه على جَلبِ الخيرِ لها، ودَفعِ الضُّرِّ عنها، وبَينَ الأنانيَّةِ والأثَرةِ؛ فحُبُّ الإنسانِ لنَفسِه أمرٌ قد جُبِل عليه، أمَّا الأنانيَّةُ فهي أمرٌ مذمومٌ؛ لأنَّها تعني طُغيانَ حُبِّه لنَفسِه على محبَّةِ الآخَرينَ، ورغبتَه في الانفِرادِ والاختِصاصِ بالخيرِ، والاستِئثارِ به دونَهم، معَ حاجتِهم إليه.


3dlat.com_09_19_7166_f9b210e9a86f7.gif

حادي عشَرَ: مسائِلُ مُتفرِّقةٌ

عن عائِشةَ قالت: (كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يستأذِنُنا إذا كان في يومٍ للمرأةِ مِنَّا، بَعدَما نزلَت: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ [الأحزاب: 51] ، فقالت لها مُعاذةُ: فما كنْتِ تقولينَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا استأذَنكِ؟ قالت: كنْتُ أقولُ: إن كان ذاك إليَّ لم أُوثِرْ أحدًا على نَفسي) .
قال النَّوَويُّ: (قولُها: «إن كان ذلك إليَّ لم أُوثِرْ على نفسي أحدًا» هذه المُنافَسةُ فيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليست لمُجرَّدِ الاستِمتاعِ، ولمُطلَقِ العِشرةِ وشَهواتِ النُّفوسِ وحُظوظِها التي تكونُ مِن بعضِ النَّاسِ، بل هي مُنافَسةٌ في أمورِ الآخِرةِ والقُربِ مِن سيِّدِ الأوَّلينَ والآخِرينَ، والرَّغبةِ فيه وفي خِدمتِه ومُعاشَرتِه والاستفادةِ منه، وفي قضاءِ حُقوقِه وحوائِجِه، وتَوَقُّعِ نُزولِ الرَّحمةِ والوَحيِ عليه عندَها، ونَحوِ ذلك، ومِثلُ هذا حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وقَولُه في القَدَحِ: «لا أُوثِرُ بنصيبي مِنك أحدًا»، ونظائِرُ ذلك كثيرةٌ) .

 

ثانيَ عشَرَ: الأثَرةُ والأنانيَّةُ في واحةِ الأدبِ

أ- من الشعر


1- قال الشَّاعرُ:
فقلْتُ له يا ذيبُ هل لك في أخٍ
يُواسي بلا أُثْرى عليكَ ولا بُخلِ
2- وقال آخَرُ:
ما آثَروك بها إذ قدَّموك لها
لكنْ لأنفُسِهم كانت بها الإثرُ
3- وقال عَمرُو بنُ عَديٍّ اللَّخميُّ:
هذا جنايَ وخِيارُه فيه
إذ كُلُّ جانٍ يدُه إلى فيه
قال أبو عُبَيدٍ: (نزَل جُذَيمةُ الأبرَشُ منزلًا، وأمر النَّاسَ أن يجتَنوا له الكَمأةَ ، فكان بعضُهم إذا وجَد منها شيئًا يُعجِبُه فرُبَّما آثَر نَفسَه به على جُذَيمةَ، وكان عَمرُو بنُ عَديٍّ يأتيه بخَيرِ ما يجِدُه، فعندها قال عَمرٌو هذا البَيتَ) .


ب- من الأمثالِ والحكمِ

1- أعطِ القليلَ، ولا يمنَعْك قِلَّتُه .
2- مَن ضنَّ بفَلسِه جاد بنَفسِه .
3- بَذلُ الجاهِ أحدُ المالَينِ .
4- بِشِّر مالَ الشَّحيحِ بحادِثٍ أو وارِثٍ .
5- أبخَلُ مِن مادِرٍ.
وهو رجُلٌ مِن بَني هلالٍ سقى إبلَه وبقِي في أسفَلِ الحوضِ ماءٌ قليلٌ، فسلَح فيه وبال، ومدَّر به الحوضَ -أي: طيَّنه- بُخلًا بأن يُسقى منه، واستئثارًا بماءِ البئرِ كُلِّه! فسُمِّي مادِرًا لذلك، واسمُه مُخارِقٌ .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 

المذموم من الأخلاق والسلوك ( الحِقْدُ)

معنى الحِقْدِ لُغةً واصطِلاحًا

معنى الحِقْدِ لُغةً:

الحِقْدُ: الضِّغْنُ، وهو إمساكُ العَداوةِ في القَلبِ، والتَّربُّصُ لفُرصتِها، والجَمعُ أحقادٌ وحُقودٌ. وتقولُ: حَقَد عليه يحقِدُ حِقدًا، وحَقِدَ عليه -بالكَسرِ- حِقدًا: لُغةٌ. وأحقَدَه غيرُه: صيَّرَه حاقِدًا. ورَجُلٌ حَقودٌ .

معنى الحِقْدِ اصطِلاحًا:
هو إضمارُ الشَّرِّ للجاني إذا لم يتمَكَّنْ من الانتقامِ منه، فأخفى ذلك الاعتقادَ إلى وَقتِ إمكانِ الفُرصةِ .
وقيل: الحِقْدُ: هو طَلَبُ الانتقامِ، وتحقيقُه: أنَّ الغَضَبَ إذا لزِمَ كَظْمُه لعَجزٍ عن التَّشفِّي في الحالِ، رجع إلى الباطِنِ واحتَقَن فيه، فصار حِقدًا .
وقيل: الحِقْدُ: ترَدُّدُ دَمِ القَلبِ بَيْنَ انقِباضٍ وانبِساطٍ على مَن يَشُكُّ أنَّه: هل يَقدِرُ على الانتِقامِ منه أم لا ؟
وقال الجُرْجانيُّ: الحِقْدُ هو (سُوءُ الظَّنِّ في القَلبِ على الخلائِقِ لأجْلِ العداوةِ) .
وقال الغَزاليُّ: (الحِقْدُ أن يَلزَمَ قَلبُه استِثقالَه والبِغضةَ له والنِّفارَ عنه، وأن يدومَ ذلك ويبقى) .




الفَرْقُ بَيْنَ الحِقْدِ وبعضِ الصِّفاتِ

الفَرْقُ بَيْنَ المَوجِدةِ والحِقْدِ:

ذكَر ابنُ القَيِّمِ فُروقًا بَيْنَ المَوجِدةِ والحِقْدِ، فقال: (إنَّ الوَجْدَ: الإحساسُ بالمُؤلِمِ، والعِلمُ به، وتحرُّكُ النَّفسِ في رَفعِه؛ فهو كَمالٌ.
وأمَّا الحِقْدُ فهو إضمارُ الشَّرِّ وتوقُّعُه كُلَّ وقتٍ فيمن وَجَدْتَ عليه، فلا يزايِلُ القَلبَ أثَرُه.
وفرقٌ آخَرُ: وهو أنَّ المَوجِدةَ لِما ينالُك منه، والحِقْدَ لِما ينالُه منك؛ فالمَوجِدةُ: وَجْدُ ما نالك من أذاه، والحِقْدُ: توقُّعُ وُجودِ ما ينالُه من المقابلةِ؛ فالمَوجِدةُ سَريعةُ الزَّوالِ، والحِقْدُ بَطيءُ الزَّوالِ، والحِقْدُ يجيءُ مع ضِيقِ القَلبِ، واستيلاءِ ظُلمةِ النَّفسِ ودُخَانِها عليه، بخلافِ المَوجِدةِ؛ فإنَّها تكونُ مع قوَّتِه وصَلابتِه، وقُوَّةِ نُورِه وإحساسِه) .


الفَرْقُ بَيْنَ الحِقْدِ والحَسَدِ:
أنَّ الحَسَدَ -وهو تمنِّي زَوالِ النِّعمةِ عن المحسودِ- ثمَرةٌ من ثمَراتِ الحِقْدِ، ونتيجةٌ من نتائِجِه، فالذي يحمِلُ على الحَسَدِ بهذا المعنى هو الحِقْدُ .

الفَرْقُ بَيْنَ الحِقْدِ والعَداوةِ:
أنَّ الحِقْدَ عَداوةٌ مع طَلَبِ الانتقامِ وإضمارِ الشَّرِّ، ودوامِ ذلك وبقائِه.


آثارُ الحِقْدِ

إنَّ الحِقْدَ حِملٌ ثقيلٌ يُتعِبُ حامِلَه، يحمِلُه الجاهِلُ في صَدرِه فيُشقي به نفسَه، ويُفسِدُ به فِكرَه، ويُشغِلُ به بالَه، ويَقُضُّ به مضجَعَه، ويُكثِرُ به هَمَّه وغَمَّه، إنَّه كحِملٍ من أحمالِ الشَّوكِ الملتَهِبِ الحارِّ، المحشوِّ بصُخورٍ ثقيلةٍ محميَّةٍ تَنفُثُ السُّمومَ التي تلتَهِبُ منها الصُّدورُ، ويَظَلُّ الجاهِلُ الأحمقُ يحمِلُ هذا الحِملَ الخبيثَ مهما حَلَّ أو ارتحَلَ، حتَّى يَشفيَ حِقدَه بالانتقامِ ممَّن يَحقِدُ عليه . ومِن آثارِه:
1- أنَّه (يُثمِرُ الحَسَدَ، وهو أن يحمِلَك الحِقْدُ على أن تتمنَّى زوالَ النِّعمةِ عنه؛ فتغتَمَّ بنعمةٍ إن أصابَها، وتُسَرَّ بمُصيبةٍ إن نزَلَت به.
2- الشَّماتةُ بما أصابه من البلاءِ.
3- الهِجرانُ والمقاطَعةُ.
4- الإعراضُ عنه استِصغارًا له.
5- التَّكلُّمُ فيه بما لا يَحِلُّ؛ مِن كَذِبٍ وغِيبةٍ، وإفشاءِ سِرٍّ، وهَتْكِ سِترٍ، وغيرِه.
6- محاكاتُه استهزاءً به، وسُخريةً منه.
7- إيذاؤه بالضَّربِ وما يُؤلِم بَدَنَه.
8- مَنْعُه من حَقِّه من قضاءِ دَينٍ، أو صلةِ رَحِمٍ، أو ردِّ مَظلَمةٍ) .
9- الحِقْدُ من مظاهِرِ دُنُوِّ الهِمَّةِ؛ فهو لا يَصدُرُ من النُّبَلاءِ، ولا يليقُ بالعُقلاءِ .
10- الحِقْدُ يُنبِتُ سُوءَ الظَّنِّ، وتتبُّعَ العَوْراتِ، والهَمزَ واللَّمزَ، والنَّميمةَ، وتعييرَ النَّاسِ بعاهاتِهم، أو خصائِصِهم البَدَنيَّةِ والنَّفسيَّةِ .
11- من مَضارِّ الحِقْدِ أيضًا أنَّه يقتضي التَّشَفِّيَ والانتِقامَ.
12- جَحدُ الحَقِّ وعَدَمُ اتِّباعِه.
13- الحِقْدُ يُفضي إلى التَّنازُعِ والتَّقاتُلِ، واستغراقِ العُمُرِ في غَمٍّ وحُزنٍ.
14- الحِقْدُ يُغضِبُ الرَّبَّ عزَّ وجَلَّ، ويؤدِّي بصاحِبِه إلى الخُسرانِ المُبينِ في الدُّنيا والآخِرةِ.
15- الحِقْدُ يُظهِرُ عُيوبَ الإنسانِ .

يتبع


 
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دَرَجاتُ الحِقْدِ

الدَّرَجةُ الأُولى: الحِقْدُ المحَرَّمُ، وهو الذي يُثمِرُ الحَسَدَ والشَّماتةَ، وهَجْرَه ومُصارمتَه، والانقِطاعَ عنه وإن طلَبَك وأقبَلَ عليك، والإعراضَ عنه استصغارًا له، والتَّكَلُّمَ فيه بما لا يَحِلُّ، ومحاكاتَه استهزاءً به وسُخريةً منه، وإيذاءَه بما يُؤلِمْ بدَنَه، ومنْعَه حَقَّه.

الدَّرَجةُ الثَّانيةُ: وهي أقَلُّ دَرَجاتِ الحِقْدِ بالاحترازِ ممَّا سَبَق، وعَدَمُ الخروجِ بسَبَبِ الحِقْدِ إلى ما تعصي اللهَ به، ولكِنْ تَستثقِلُه في الباطِنِ، ولا تَنهى قلبَك عن بُغضِه حتَّى تمتنعَ عمَّا كنتَ تَطوعُ به من البَشاشةِ والرِّفقِ والعِنايةِ، والقيامِ بحاجاتِه، والمجالسةِ معه على ذِكرِ اللهِ تعالى، والمعاونةِ على المنفَعةِ له، أو بتَركِ الدُّعاءِ له والثَّناءِ عليه، أو التَّحريضِ على بِرِّه ومواساتِه، فهذا كلُّه ممَّا يَنقُصُ دَرجتَك في الدِّينِ، ويحولُ بَينَك وبَينَ فَضلٍ عظيمٍ وثوابٍ جَزيلٍ، وإن كان لا يُعَرِّضُك لعقابِ اللهِ




حُكمُ الحِقْدِ وما يُباحُ منه

كَر العُلَماءُ أنَّ الحِقْدَ من الكبائِرِ، وأورد ابن حجر الهيتمي في كتابِه (الزَّواجِر) أنَّ من الكبائِرِ الغَضَبَ بالباطِلِ، والحِقْدَ والحَسَدَ، وذَكَر سَبَبَ جَمعِه لهذه الكبائِرِ الثَّلاثِ بقَولِه: (لمَّا كانت هذه الثَّلاثةُ بَينَها تلازُمٌ وترتُّبٌ -إذ الحَسَدُ من نتائِجِ الحِقْدِ، والحِقْدُ من نتائجِ الغضَبِ- كانت بمنزلةِ خَصلةٍ واحِدةٍ، وذمُّ كُلٍّ يستلزِمُ ذَمَّ الآخَرِ؛ لأنَّ ذَمَّ الفَرعِ وفَرعِه يَستلزِمُ ذَمَّ الأصلِ وأصلِه، وبالعَكسِ) .

أمَّا الحِقْدُ على غيرِ المُسلِمين ممَّن قَتَلوا وعَذَّبوا وشَرَّدوا المُسلِمين، وأخرَجوهم من ديارِهم، وناصَبوهم العَداوةَ؛ فالحِقْدُ في حَقِّهم محمودٌ مطلوبٌ؛ قال تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ [التوبة: 14-15] .

ولا يزولُ حِقدُ المُسلِمِ على الكافِرِ إلَّا أن يُسلِمَ؛ فعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((واللهِ لِيَنزِلَنَّ ابنُ مَريمَ حَكَمًا عادِلًا، فلَيَكْسِرَنَّ الصَّليبَ، ولَيَقتُلَنَّ الخِنزيرَ، ولَيَضَعَنَّ الجِزيةَ، ولَتُترَكَنَّ القِلاصُ فلا يُسعى عليها، ولتَذهَبَنَّ الشَّحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ، ولَيَدْعُوَنَّ إلى المالِ فلا يَقبَلُه أحَدٌ!)) .
(قال الأشرَفُ: إنَّما تذهَبُ الشَّحناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ يومَئِذٍ؛ لأنَّ جميعَ الخَلقِ يكونون يومَئذٍ على مِلَّةٍ واحدةٍ، وهي الإسلامُ، وأعلى أسبابِ التَّباغُضِ وأكثَرُها هو اختِلافُ الأديانِ) .

كذلك إن كان الحِقْدُ على ظالمٍ لا يمكِنُ دَفعُ ظُلمِه أو استيفاءُ الحَقِّ منه، فإنَّ ذلك غيرُ مذمومٍ شَرعًا، ثمَّ إذا تمكَّن ممَّن ظلَمَه فإمَّا أن يعفوَ عنه، فذلك من الإحسانِ والعَفوِ عمَّن ظلَمَه عِندَ المَقدِرةِ.
وإمَّا أن يأخُذَ حَقَّه منه، فلا حَرَجَ فيه؛ لقَولِه تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى: 41-42]

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أسبابُ الحِقْدِ

1- المُماراةُ والمنافَسةُ:
قال الغَزاليُّ: (وأشَدُّ الأسبابِ لإثارةِ نارِ الحِقْدِ بَيْنَ الإخوانِ: المُماراةُ والمنافَسةُ؛ فإنَّها عَينُ التَّدابُرِ والتَّقاطُعِ، فإنَّ التَّقاطُعَ يَقَعُ أوَّلًا بالآراءِ، ثمَّ بالأقوالِ، ثمَّ بالأبدانِ) .

2- كثرةُ المُزاحِ:
المُزاحُ الذي يخرُجُ عن حَدِّه يَغرِسُ الحِقْدَ في القلوبِ؛ قال الأبشيهيُّ: (المُزاحُ يَخرِقُ الهَيبةَ، ويَذهَبُ بماءِ الوَجهِ، ويُعقِبُ الحِقْدَ، ويَذهَبُ بحلاوةِ الإيمانِ، والوُدِّ) . فمَن كَثُر مُزاحُه تنازَعَه الحِقْدُ والهوانُ، فلم يَسلَمْ من استخفافٍ به، أو حِقدٍ عليه .
ويُروى عن سعيدِ بنِ العاصِ أنَّه قال لابنِه: (يا بُنَيَّ، لا تمازِحِ الشَّريفَ فيَحقِدَ عليك، ولا تمازِحِ الدَّنيءَ فيَجتَرِئَ عليك) .

3- الخُصومةُ:
قال النَّوويُّ: (والخُصومةُ تُوغِرُ الصُّدورَ، وتُهيِّجُ الغضَبَ، وإذا هاج الغَضَبُ حَصَل الحِقْدُ بَيْنَهما، حتَّى يفرَحَ كُلُّ واحدٍ بمَساءةِ الآخَرِ، ويَحزَنَ بمَسَرَّتِه، ويُطلِقَ اللِّسانَ في عِرْضِه) .

4- الكَراهيةُ الشَّديدةُ.

5- الرَّغبةُ في الانتِقامِ، وإنزالِ السُّوءِ بمن يَكرَهُه الحاقِدُ .

6- إذا فات الشَّخصَ ما يتمَنَّاه لنَفسِه وحَصَل لغَيرِه:
ف (المُسلِمُ يجِبُ أن يكونَ أوسَعَ فِكرةً، وأكرَمَ عاطِفةً، فينظُرَ إلى الأمورِ من خلالِ الصَّالحِ العامِّ، لا من خِلالِ شَهَواتِه الخاصَّةِ.
وجمهورُ الحاقِدين تَغلي مَراجِلُ الحِقْدِ في أنفُسِهم؛ لأنَّهم ينظُرون إلى الدُّنيا فيَجِدون ما يتمَنَّونه لأنفُسِهم قد فاتهم، وامتلأَت به أكُفٌّ أُخرى، وهذه هي الطَّامَّةُ التي لا تَدَعُ لهم قرارًا!
وقديمًا رأى إبليسُ أنَّ الحُظْوةَ التي يتشَهَّاها قد ذهبَت إلى آدَمَ، فآل ألَّا يترُكَ أحَدًا يستَمتِعُ بها بعدَ ما حرِمَها! قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17] .
هذا الغَلَيانُ الشَّيطانيُّ هو الذي يضطَرِمُ في نُفوسِ الحاقِدين، ويُفسِدُ قُلوبَهم. وقد أهاب الإسلامُ بالنَّاسِ أن يبتَعِدوا عن هذا المُنكَرِ، وأن يَسلُكوا في الحياةِ نَهجًا أرقى وأهدَأَ)

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وسائِلُ علاجِ الحِقْدِ

1- الدُّعاءُ:
المُسلِمُ يدعو اللهَ أن يجعَلَ قَلبَه طاهِرًا نَقيًّا من الحِقْدِ والغِلِّ؛ قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر: 10] .
وكان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدعو ويقولُ: ((بِّ أَعِنِّي ولا تُعِنْ عليَّ، وانصُرْني ولا تَنصُرْ عليَّ، وامكُرْ لي ولا تَمكُرْ علَيَّ، واهْدِني ويَسِّرِ الهُدى لي، وانصُرْني على مَن بَغى علَيَّ، رَبِّ اجعَلْني لك شَكَّارًا، لك ذَكَّارًا، لك رَهَّابًا، لك مِطْواعًا، إليك راغِبًا، إليك مُخْبِتًا، لك أوَّاهًا مُنيبًا، رَبِّ تَقَبَّلْ تَوبتي، واغسِلْ حَوْبَتي ، وأجِبْ دَعْوتي، وثَبِّتْ حُجَّتي، واهْدِ قَلْبي، وسَدِّدْ لِساني، واسْلُلْ سَخيمةَ قَلْبي)) . والسَّخيمةُ هي الحِقْدُ في النَّفسِ .

2- سلامةُ الصَّدرِ:
وسلامةُ الصَّدرِ تكونُ بعَدَمِ الحِقْدِ والغِلِّ والبَغضاءِ.

3- تقويةُ رابِطِ الأخُوَّةِ الإيمانيَّةِ:
إنَّ الأُخُوَّةَ الإيمانيَّةَ والغِلَّ لا يجتَمِعانِ في قَلبٍ واحِدٍ، إنَّ عاطفةَ المُؤمِنِ نحوَ إخوانِه المُؤمِنين تتدَفَّقُ بالمحبَّةِ، فكيف يجِدُ الغِلَّ إلى هذه العاطِفةِ الكريمةِ سَبيلًا؟! إنَّهما أمرانِ لا يجتَمِعانِ .
قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر: 8-9] .
قال السَّعديُّ: (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، أي: لا يَحسُدون المُهاجِرين على ما آتاهم اللهُ مِن فَضلِه، وخَصَّهم به مِن الفَضائِلِ والمناقِبِ التي هم أهلُها، وهذا يدُلُّ على سلامةِ صُدورِهم، وانتِفاءِ الغِلِّ والحِقْدِ والحَسَدِ عنها) .

4- التَّواضُعُ:
لا شَكَّ أنَّ تواضُعَ المُسلِم لأخيه المُسلِمِ يدفَعُ الغِلَّ والحِقدَ؛ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم: ((إنَّ اللهَ أوحى إلَيَّ أن تواضَعوا، حتَّى لا يَفخَرَ أحَدٌ على أحَدٍ، ولا يبغيَ أحدٌ على أحَدٍ)) .
وقال أبو حاتمٍ: (التَّواضُعُ يَكسِبُ السَّلامةَ، ويُورِثُ الأُلفةَ، ويَرفَعُ الحِقْدَ، ويُذهِبُ الصَّدَّ) .

5- مَلءُ القَلبِ بالمحبَّةِ وإرادةِ الخَيرِ للآخَرينَ.

6- اعتذارُ المرءِ لأخيه:
قال أبو حاتمِ بنُ حِبَّانَ: (الاعتِذارُ يُذهِبُ الهُمومَ، ويُجْلي الأحزانَ، ويدفَعُ الحِقْدَ، ويُذهِبُ الصَّدَّ... فلو لم يكُنْ في اعتذارِ المرءِ إلى أخيه خَصلةٌ تحمَدُ إلَّا نفيُ العُجْبِ عن النَّفسِ في الحالِ، لكان الواجِبُ على العاقِلِ ألَّا يفارِقَه الاعتذارُ عِندَ كُلِّ زلَّةٍ) .
وقال المأمونُ لإبراهيمَ بنِ المهْديِّ بعدَ اعتذارِه: (قد مات حِقْدي بحياةِ عُذرِك، وقد عفَوتُ عنك، وأعظَمُ مِن عَفوي ويدي عِندَك أنِّي لم أُجَرِّعْك مرارةَ امتِنانِ الشَّافِعينَ) .

7- تقديمُ الهَدِيَّةِ:
(وذلك لأنَّ الهَدِيَّةَ خُلُقٌ من أخلاقِ الإسلامِ دَلَّت عليه الأنبياءُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحثَّ عليه خُلَفاؤهم الأولياءُ، تُؤَلِّفُ القُلوبَ، وتنفي سَخائِمَ الصُّدورِ) .
وقد قيل: الهَدِيَّةُ تُذهِبُ السَّخيمةَ. والسَّخيمةُ: الحِقْدُ .
وقال الجاحِظُ: (أنظَرُ النَّاسِ في العاقِبةِ مَن لَطَف حتى كَفَّ حَربَ عَدُوِّه بالصَّفحِ والتَّجاوُزِ، واستَلَّ حِقدَه بالرِّفقِ والتَّحبُّبِ) .

8- تَركُ الغَضَبِ الذي هو سَبَبٌ للأحقادِ:
الغَضَبُ يُعدُّ من الأسبابِ التي تؤدِّي إلى الحِقْدِ.
وقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للرَّجُلِ الذي سأله أن يوصيَه: ((لا تَغضَبْ، فردَّد مِرارًا، قال: لا تَغضَبْ)) .

9- الإخلاصُ والمناصَحةُ ولُزومُ الجماعةِ:
فعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهِنَّ قَلبُ مُسلِمٍ: إخلاصُ العَمَلِ للهِ، ومُناصَحةُ أئمَّةِ المُسلِمين، ولُزومُ جماعتِهم؛ فإنَّ الدَّعوةَ تحيطُ مِن ورائِهم)) .
قال ابنُ تَيميَّةَ: (ويَغِلُّ -بالفَتحِ- هو المشهورُ، يُقالُ: غَلّ صَدْرُه يَغِلُّ: إذا كان ذا غِشٍّ وضِغْنٍ وحِقدٍ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (أي: لا يحمِلُ الغِلَّ، ولا يبقى فيه مع هذه الثَّلاثةِ؛ فإنَّها تنفي الغِلَّ والغِشَّ، وهو فَسادُ القَلبِ وسَخايمُه، فالمُخلِصُ للهِ إخلاصُه يمنَعُ غِلَّ قلبِه ويخرِجُه ويزيلُه جُملةً؛ لأنَّه قد انصرَفَت دواعي قلبِه وإرادتُه إلى مرضاةِ رَبِّه، فلم يَبْقَ فيه موضِعٌ للغِلِّ والغِشِّ) .

10- الاقتِداءُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والسَّلَفِ الصَّالحِ في سلامةِ الصَّدرِ من الحِقْدِ.
فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم القُدوةُ في الأخلاقِ الحَسَنةِ، ومنها سلامةُ الصَّدرِ مِن الحِقْدِ والضَّغائِنِ، وقد ذَكَر ابنُ القَيِّمِ سَلامةَ الصَّدرِ، من منازِلِ إيَّاك نعبُدُ وإيَّاك نستعينُ، فقال: (ومَن أراد فَهْمَ هذه الدَّرَجةِ كما ينبغي، فلْيَنظُرْ إلى سِيرةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع النَّاسِ يجِدْها بعَينِها) .
وهكذا كان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قلوبُهم سليمةٌ من الأحقادِ والضَّغائِنِ، ومن تلك النَّماذجِ ما رواه أبو الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كُنتُ جالِسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ أقبَلَ أبو بَكرٍ آخِذًا بطَرَفِ ثَوبِه حَتَّى أبدى عن رُكبَتِه! فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا صاحِبُكم فقد غامَرَ ! فسلَّم وقال: إنِّي كانَ بَيني وبَينَ ابنِ الخَطَّابِ شَيءٌ فأسرَعْتُ إليه ثُمَّ نَدِمتُ، فسألْتُه أن يَغفِرَ لي فأبى عَليَّ، فأقبَلْتُ إليك. فقال: يَغفِرُ اللهُ لكَ يا أبا بَكرٍ «ثَلاثًا»، ثُمَّ إنَّ عُمرَ نَدِمَ فأتى مَنزِلَ أبي بَكْرٍ فسألَ: أثَمَّ أبو بَكْرٍ؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فسَلَّمَ عليه، فجَعلَ وَجهُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَتَمَعَّرُ حَتَّى أشفَقَ أبو بَكرٍ، فجثَا عَلى رُكبَتَيه، فقال: يا رَسولَ اللهِ، واللَّهِ أنا كُنتُ أَظلَمَ! مَرَّتينِ. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ بَعَثني إليكم فقَلتُم: كذَبْتَ، وقال أبو بَكرٍ: صَدَقَ، وواساني بنَفسِه ومالِه، فهل أنتُم تارِكو لي صاحِبي؟! مَرَّتينِ. فما أوذِيَ بَعدَها)) .
وعن عائِذِ بنِ عَمرٍو: ((أنَّ أبا سُفيانَ أتى على سَلمانَ وصُهَيبٍ وبِلالٍ في نَفَرٍ، فقالوا: واللهِ ما أخَذَت سُيوفُ اللهِ مِن عُنُقِ عَدُوِّ اللهِ مَأخَذَها! قال: فقال أبو بكرٍ: أتقولون هذا لشَيخِ قُرَيشٍ وسَيِّدِهم؟ فأتى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَره، فقال: يا أبا بكرٍ، لعلَّك أغضَبْتَهم! لئنْ كُنتَ أغضَبْتَهم لقد أغضَبْتَ رَبَّك! فأتاهم أبو بكرٍ فقال: يا إخوَتاه، أغضَبْتُكم؟ قالوا: لا، يغفِرُ اللهُ لك يا أخي)) .
وقد تأسَّى العُلَماءُ الرَّبَّانيُّونَ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتخَلَّقوا بأخلاقِه، فأصبحَت قلوبُهم سليمةً لا تحمِلُ حِقدًا على أحَدٍ، حتَّى على من آذاهم، ومن هؤلاء ابنُ تَيميَّةَ؛ يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (وما رأيتُ أحَدًا قَطُّ أجمَعَ لهذه الخِصالِ مِن شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ قدَّس اللهُ رُوحَه، وكان بعضُ أصحابِه الأكابِرِ يقولُ: وَدِدْتُ أنِّي لأصحابي مِثلُه لأعدائِه وخُصومِه! وما رأيتُه يدعو على أحَدٍ منهم قَطُّ، وكان يدعو لهم، وجئتُ يومًا مُبَشِّرًا له بموتِ أكبَرِ أعدائِه، وأشَدِّهم عَداوةً وأذًى له، فنَهَرني وتنكَّرَ لي واسترجَعَ! ثمَّ قام مِن فَورِه إلى بيتِ أهلِه فعَزَّاهم، وقال: إنِّي لكم مكانَه، ولا يكونُ لكم أمرٌ تحتاجون فيه إلى مساعدةٍ إلَّا وساعدتُكم فيه! ونحوَ هذا من الكلامِ، فسُرُّوا به، ودَعَوا له، وعَظَّموا هذه الحالَ منه) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ذَمُّ الحِقْدِ والنَّهيُ عنه

أ- من القُرآنِ الكريمِ
- قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة: 204-205] .
- وقال سُبحانَه: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ [الأعراف: 43] .
- وقال عزَّ وجَلَّ: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا [الحجر: 47-48] .
قال الطَّبَريُّ: (وأذهَبْنا من صُدورِ هؤلاء الذين وَصَف صِفتَهم، وأخبَرَ أنَّهم أصحابُ الجنَّةِ، ما فيها من حِقدٍ وغِمرٍ وعَداوةٍ، كان من بعضِهم في الدُّنيا على بعضٍ، فجَعَلهم في الجنَّةِ إذا أَدخَلهموها على سُرُرٍ مُتقابِلين، لا يَحسُدُ بعضُهم بعضًا على شيءٍ خَصَّ اللَّهُ به بعضَهم، وفَضَّله به مِن كرامتِه عليه، تجري من تحتِهم أنهارُ الجنَّةِ) .
وقال القُرطبيُّ: (ذَكَر اللهُ عزَّ وجَلَّ فيما يُنعِمُ به على أهلِ الجنَّةِ نَزْعَ الغِلِّ مِن صُدورِهم. والنَّزعُ: الاستِخراجُ، والغِلُّ: الحِقْدُ الكامِنُ في الصَّدرِ. والجَمعُ غِلالٌ) .
وقال السَّعديُّ: (وهذا مِن كَرَمِه وإحسانِه على أهلِ الجنَّةِ؛ أنَّ الغِلَّ الذي كان موجودًا في قلوبِهم، والتَّنافُسَ الذي بَيْنَهم، أنَّ اللهَ يَقلَعُه ويُزيلُه حتَّى يكونوا إخوانًا مُتحابِّين، وأخِلَّاءَ مُتَصافين... ويخلُقُ اللهُ لهم من الكرامةِ ما به يحصلُ لكُلِّ واحدٍ منهم الغِبطةُ والسُّرورُ، ويرى أنَّه لا فَوقَ ما هو فيه من النَّعيمِ نعيمٌ. فبهذا يأمَنونَ من التَّحاسُدِ والتَّباغُضِ؛ لأنَّه قد فُقِدَت أسبابُه) .
(ولمَّا كانت الجنَّةُ دارَ سعادةٍ ونعيمٍ عامٍّ وشاملٍ، كان لا بُدَّ لأصحابِها من أن يكونوا مُبَرَّئين من كُلِّ حِقدٍ وغِلٍّ، ومن كُلِّ عِلَّةٍ خُلُقيَّةٍ تُسَبِّبُ لهم آلامًا وأكدارًا، وقد وصَف اللهُ أهلَ دارِ النَّعيمِ يومَ القيامةِ بأنَّهم مُبَرَّؤون من كُلِّ غِلٍّ، وما كان من غِلٍّ في صُدورِهم في الدُّنيا فإنَّ اللهَ يَنزِعُه منها متى دخَلوا الجنَّةَ) .


3dlat.net_16_16_ffd5_cd424502cbe12.gif

ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ
- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((قيل: يا رسولَ اللهِ، أيُّ النَّاسِ أفضَلُ؟ قال: كُلُّ مخمومِ القَلبِ صَدوقِ اللِّسانِ، قيل: صَدوقُ اللِّسانِ نَعرِفُه، فما مخمومُ القَلبِ؟ قال: هو التَّقِيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه ولا بَغيَ، ولا غِلَّ ولا حَسَدَ)) .
- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إيَّاكم والظَّنَّ؛ فإنَّ الظَّنَّ أكذَبُ الحديثِ، ولا تَحَسَّسوا ولا تَجَسَّسوا، ولا تَنافَسوا ولا تَحاسَدوا، ولا تَباغَضوا ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ اللهِ إخوانًا)) .
فالحديثُ فيه نهيٌ عن الظَّنِّ؛ لأنَّه مبنيٌّ على غيرِ الواقِعِ، فهو كَذِبٌ يستهينُ به صاحِبُه، فيكونُ أكثَرَ وُقوعًا، وأكثَرَ شَرًّا، ثمَّ إنَّ الشَّيطانَ ينتَقِلُ بالظَّنِّ إلى محاولةِ التَّأكُّدِ من المظنونِ، فيدفَعُ إلى التَّجَسُّسِ والتَّحسُّسِ؛ فنهى الحديثُ عن التَّجسُّسِ والتَّحسُّسِ، ثمَّ ينتَقِلُ الشَّيطانُ بالمتحَسِّسِ والمتجَسِّسِ إلى البغضاءِ والمقْتِ والكراهيةِ؛ فنهى الحديثُ عن البغضاءِ والحِقْدِ والحسَدِ، فإن انتَقَل الشَّيطانُ بالمتباغِضينَ إلى التَّقاطُعِ والتَّدابُرِ والهَجرِ، قيل لهم: ((لا تَدابَروا، ولا يحِلُّ لمُسلِمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ)) ، هكذا يدخُلُ الشَّيطانُ ليُفسِدَ دينَ المُسلِمِ، وهكذا يجِبُ محاربتُه ليبقى المُسلِمُ مُسلِمًا كاملًا، ولتبقى الأُخُوَّةُ بينَه وبَينَ بني جنسِه؛ ليكونَ الجميعُ عِبادَ اللهِ إخوانًا .

3dlat.net_16_16_ffd5_cd424502cbe12.gif

ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ وغَيرِهم
- قال: عثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه: (ما أسَرَّ أحدٌ سريرةً إلَّا أظهَرَها اللهُ عزَّ وجَلَّ على صَفَحاتِ وَجهِه وفَلَتاتِ لِسانِه) .
- وعن زيدِ بنِ أسلَمَ أنَّه دخَل على ابنِ أبي دُجانةَ وهو مريضٌ، وكان وَجهُه يتهَلَّلُ، فقال له: ما لك يتهَلَّلُ وَجهُك؟! قال: ما مِن عَمَلِ شَيءٍ أوثَقُ عندي من اثنينِ: أمَّا أحدُهما فكنتُ لا أتكَلَّمُ بما لا يعنيني، وأمَّا الأخرى فكان قلبي للمُسلِمين سليمًا) .
- وقال ابن حجر الهيتمي: (الحَسَدُ من نتائجِ الحِقْدِ، والحِقْدُ من نتائجِ الغَضَبِ) .
- وقال أبو حاتمِ بنُ حِبَّانَ: (الحِقْدُ أصلُ الشَّرِّ، ومَن أضمَرَ الشَّرَّ في قَلبِه أنبَت له نباتًا مُرًّا مذاقُه، نماؤُه الغَيظُ، وثَمَرتُه النَّدَمُ) .
- قال ابنُ المقَفَّعِ: (لِيَكُنِ المرءُ سَؤولًا، ولْيَكُنْ فَصولًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ... ولْيَكنْ متواضِعًا ليُفرَحَ له بالخَيرِ ولا يُحسَدَ عليه... ولا يكونَنَّ حَقودًا؛ لئلَّا يَضُرَّ بنَفسِه إضرارًا باقيًا) .
- قال أبو الخَيرِ التِّيناتيُّ: (القُلوبُ ظُروفٌ؛ فقَلبٌ مملوءٌ إيمانًا، وعلامتُه الشَّفَقةُ على جميعِ المُسلِمين، والاهتمامُ بما يُهمُّهم، ومعاونتُهم على مصالِحِهم، وقلبٌ مملوءٌ نِفاقًا، وعلامتُه الحِقْدُ والغِلُّ، والغِشُّ والحَسَدُ) .
- قال فَتحُ بنُ شُخرُفٍ: حَدَّثَني عبدُ اللهِ بنُ خُبَيقٍ الأنطاكيُّ أبو محمَّدٍ، قال لي: (يا خُراسانيُّ، إنَّما هي أربعٌ لا غيرُ: عَينُك ولسانُك وقلبُك وهَواك؛ فانظُرْ عَينَك لا تنظُرْ بها إلى ما لا يَحِلُّ، وانظُرْ لِسانَك لا تقُلْ به شيئًا يَعلَمُ اللهُ خِلافَه من قلبِك، وانظُرْ قَلبَك لا يكونُ منه غِلٌّ ولا حِقدٌ على أحَدٍ من المُسلِمين، وانظُرْ هَواك لا يهوى شيئًا من الشَّرِّ، فإذا لم تكُنْ فيك هذه الأربَعُ خصِالٍ، فاجعَلِ الرَّمادَ على رأسِك؛ فقد شَقِيتَ!) .
- وقال أحمد شوقي: (ارحَمْ نَفسَك من الحِقْدِ؛ فإنَّه عَطَبٌ، نارٌ وأنت الحَطَبُ!) .
- وقال أيضًا: (كُلُّ نارٍ طاهِرةٌ مُطَهِّرةٌ إلَّا نارُ الحِقْدِ!)




 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ذمُّ الحِقْدِ في واحةِ الأدَبِ
 
أ- مِنَ الشِّعْرِ

1- قال ابنُ الرُّوميِّ:
الحِقْدُ داءٌ دَفينٌ
لا دواءَ له
يُبْرِي الصُّدورَ إذا ما جَمْرُه حُرِثَا
فاستَشْفِ منه بصَفحٍ أو مُعاتَبةٍ
فإنَّما يُبرئُ المصدورَ ما نَفَثَا
واجعَلْ طِلابَك بالأوتارِ ما عَظُمَت
ولا تكُنْ لصَغيرِ الأمرِ مُكتَرِثَا
2- وقال محمَّدُ بنُ يعيشَ الأزديُّ:
فإنَّ الذي بَيني وبَينَ عَشيرتي
وبَينَ بَني عَمِّي لمختَلِفٌ جِدَّا
إذا قَدَحوا لي نارَ حَربٍ بزَنْدِهم
قدَحْتُ لهم في كُلِّ مَكرُمةٍ زَنْدَا
وإنْ أكَلوا لحمي وفَرْتُ لُحومَهم
وإنْ هَدَموا مجدي بنَيتُ لهم مَجدَا
ولا أحِملُ الحِقْدَ القديمَ عليهمُ
وليس رئيسُ القومِ من يحمِلُ الحِقْدَا
وأعطِيهم مالي إذا كُنتُ واجِدًا
وإن قَلَّ مالي لم أكَلِّفْهم رِفْدَا
3- وقال هِلالُ بنُ العَلاءِ: (جعَلْتُ على نفسي ألَّا أكافئَ أحَدًا بشَرٍّ ولا عُقوقٍ؛ اقتداءً بهذه الأبياتِ:
لمَّا عفَوتُ ولم أحقِدْ على أحَدٍ
أرحتُ نفسي مِن غَمِّ العَداواتِ
إنِّي أُحَيِّي عَدوِّي حينَ رؤيتِهِ
لأدفَعَ الشَّرَّ عني بالتَّحيَّاتِ
وأُظهِرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغِضُه
كأنَّه قد حَشى قَلبي مسَرَّاتِ
4- وأنشَد أحمدُ بنُ عُبَيدٍ عن المَدائِنيِّ:
ومَن لم يُغمِضْ عينَه عن صديقِهِ
وعن بعضِ ما فيه يَمُتْ وهْوَ عاتِبُ
ومَن يتتَبَّعْ جاهِدًا كُلَّ عَثْرةٍ
يجِدْها ولا يَسلَمْ له الدَّهرَ صاحِبُ)
5- وقال عَنترةُ:
لا يحمِلُ الحِقْدَ مَن تعلو به الرُّتَبُ
ولا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ
6- وقال ابنُ الرُّوميِّ:
(وما الحِقْدُ إلَّا توأَمُ الشُّكرِ في الفَتى
وبعضُ السَّجايا ينتَسِبْنَ إلى بَعضِ
فحَيثُ تَرى حِقدًا على ذي إساءةٍ
فثَمَّ ترى شُكرًا على حُسنِ القَرْضِ
إذا الأرضُ أدَّتْ رَيْعَ ما أنت زارِعٌ
مِن البَذْرِ فيها فهْيَ ناهيكَ مِنْ أرْضِ)




ب- مِن الحِكَمِ والأمثالِ

- أحقَدُ مِن جَمَلٍ.
العَرَبُ تَصِفُ البَعيرَ بالحِقْدِ، وغِلظةِ الكَبِدِ
.
- ظاهِرُ العِتابِ خيرٌ من باطِنِ الحِقْدِ .
- ويُقالُ: ثلاثةٌ لا يَهنَأُ لصاحِبِها عَيشٌ: الحِقْدُ، والحَسَدُ، وسُوءُ الخُلُقِ .
- و(كان يقالُ: الحِقْدُ داءٌ دَويٌّ.
ويُقالُ: مَن كَثُر حِقدُه، دَوِيَ قَلبُه.
ويُقالُ: الحِقْدُ مِفتاحُ كُلِّ شَرٍّ.
ويُقالُ: حُلَّ عُقَدَ الحِقْدِ، ينتَظِمْ لك عِقْدُ الوُدِّ.
ويُقالُ: الحَقودُ والحَسودُ لا يَسودانِ) .
- يُقالُ: ازدَدْتَ رَغْمًا، ولم تُدرِكْ وَغْمًا
الرَّغْمُ: الغَيظُ، والوَغْمُ: الحِقْدُ والثَّأرُ. يُضرَبُ في الخَيبةِ عن الأمَلِ، فيتوَلَّدُ الحِقْدُ .



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×