اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المذموم من الأخلاق والسلوك

المشاركات التي تم ترشيحها

الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الظُّلمِ

1- الخَوفُ من اللهِ ومُراقَبَتُه في السِّرِّ والعَلَنِ.

2- تَذكُّرُ يومِ القيامةِ وما فيه من حِسابٍ وجَزاءٍ.

عن نَوفَلِ بنِ عُمارةَ، قال: قال عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ: (إنَّ أوَّلَ مَن أيقَظَني لهذا الشَّأنِ مُزاحِمٌ، حَبَستُ رَجُلًا فجاوزتُ في حَبسِه القَدْرَ الذي يجِبُ عليه، فكَلَّمني في إطلاقِه، فقُلتُ: ما أنا بمُخرِجِه حتَّى أبلُغَ في الحَيطةِ عليه ما هو أكثَرُ مِمَّا مَرَّ عليه. قال: فقال مُزاحِمٌ: يا عُمَرُ بنَ عَبدِ العَزيزِ، إنِّي أُحَذِّرُك ليلةً تَمَخَّضُ بالقيامةِ في صَبيحَتِها تَقومُ السَّاعةُ! يا عُمَرُ، ولقد كِدتُ أن أنسى اسمَك مِمَّا أسمَعُ: قال الأميرُ، وقال الأميرُ! فواللهِ ما هو إلَّا أن قال ذلك، فكأنَّما كشَفتُ عن وجهي غِطاءً؛ فذَكِّروا أنفُسَكم رَحِمَكم اللهُ؛ فإنَّ الذِّكرى تَنفعُ المُؤمنينَ!) .
وكان يُقالُ: (إذا دَعَتك الضَّرورةُ إلى ظُلمِ مَن هو دونَك فاذكُرْ قُدرةَ اللهِ تعالى على عُقوبَتِك؛ فأنقَصُ النَّاسِ عَقلًا مَن ظَلمَ مَن هو دونَه) .

3- التَّحَلِّي بمَكارِمِ الأخلاقِ، كالقَناعةِ والعَدلِ والشَّجاعةِ والصَّبرِ.

4- الحَذَرُ من إعانةِ الظَّالمينَ على ظُلمِهم.

5- البُعدُ عن صُحبةِ الظَّالمينَ، وتَركُ الدُّخولِ عليهم أو العَمَلِ لدَيهم.

6- الدُّعاءُ والاستِعاذةُ باللهِ من الظُّلمِ.

7- كفُّ الظَّالمِ عن ظُلمِه: ن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: انصُرْ أخاك ظالِمًا أو مظلومًا، فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، أنصُرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصُرُه؟ قال: تحجُزُه أو تمنَعُه من الظُّلمِ؛ فإنَّ ذلك نَصرُه .
عن جابرٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ولْينصُرِ الرَّجُلُ أخاه ظالمًا أو مظلومًا؛ إن كان ظالِمًا فلْيَنْهَه فإنَّه له نَصرٌ، وإن كان مظلومًا فلْيَنصُرْه)) .

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قِصَصٌ في الظُّلمِ... عِبَرٌ وعِظاتٌ
 
أ- عن جابِرِ بنِ سَمُرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (شكا أهلُ الكوفةِ سَعدًا إلى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه، فعَزَله، واستعمَلَ عليهم عمَّارًا، فشَكَوا حتى ذكَروا أنَّه لا يحسِنُ يُصَلِّي! فأرسل إليه، فقال: يا أبا إسحاقَ، إنَّ هؤلاء يزعُمون أنَّك لا تحسِنُ تُصَلِّي، قال أبو إسحاقَ: أمَّا أنا واللهِ فإني كنتُ أُصَلِّي بهم صلاةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما أخرِمُ عنها، أصلِّي صلاةَ العِشاءِ، فأركُدُ في الأوليَينِ وأخِفُّ في الأخرَيَينِ، قال: ذاك الظَّنُّ بك يا أبا إسحاقَ! فأرسل معه رجُلًا أو رجالًا إلى الكوفةِ، فسأل عنه أهلَ الكوفةِ ولم يَدَعْ مسجِدًا إلَّا سأل عنه، ويُثنون معروفًا، حتى دخل مسجِدًا لبني عَبسٍ، فقام رجلٌ منهم يقالُ له أسامةُ بنُ قتادةَ يُكنى أبا سعدةَ، قال: أمَا إذ نشَدْتَنا فإنَّ سعدًا كان لا يَسيرُ بالسَّرِيَّةِ، ولا يَقسِمُ بالسَّوِيَّةِ، ولا يَعدِلُ في القَضِيَّةِ! قال سعدٌ: أمَا واللهِ لأدعُوَنَّ بثلاثٍ: اللَّهُمَّ إن كان عبدُك هذا كاذِبًا، قام رياءً وسُمعةً، فأطِلْ عُمُرَه، وأطِلْ فَقْرَه، وعَرِّضْه بالفِتَنِ! وكان بَعدُ إذا سُئِل يقولُ: شيخٌ كبيرٌ مفتونٌ، أصابتني دعوةُ سعدٍ! قال عبدُ المَلِكِ -راوي الأثَرِ عن سَمُرةَ-: فأنا رأيتُه بَعْدُ قد سقَط حاجباه على عينَيه من الكِبَرِ، وإنَّه ليتعَرَّضُ للجواري في الطُّرُقِ يَغمِزُهنَّ! .
 
ب- ومنها أيضًا: قِصَّةُ سَعيدِ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فقد رَوى مُسلمٌ في صَحيحِه: ((أنَّ أروى بنتَ أُوَيسٍ ادَّعَت على سَعيدِ بنِ زَيدٍ أنَّه أخَذَ شَيئًا من أرضِها، فخاصَمَته إلى مَروانَ بنِ الحَكمِ. فقال سَعيدٌ: أنا كُنتُ آخُذُ من أرضِها شَيئًا بَعدَ الذي سَمِعتُ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم! قال: وما سَمِعتَ من رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: من أخَذَ شِبرًا من الأرضِ ظُلمًا طُوِّقَه إلى سَبعِ أرَضينَ. فقال له مَروانُ: لا أسألُك بَيِّنةً بَعدَ هذا! فقال: اللَّهمَّ إن كانت كاذِبةً فعَمِّ بَصَرَها، واقتُلْها في أرضِها. قال: فما ماتَت حتَّى ذَهبَ بَصَرُها، ثُمَّ بَينا هي تمشي في أرضِها إذ وقَعَت في حُفرةٍ فماتَت!)) .
 
ج- قِصَّةٌ أورَدها الهيتمي في كِتابه (الزَّواجِرُ عن اقتِراف الكبائِر) قال:
(وقال بَعضُهم: رَأيتُ رَجُلًا مَقطوعَ اليدِ من الكَتِفِ، وهو يُنادي: مَن رَآني فلا يظلِمَنَّ أحَدًا! فتَقدَّمتُ إليه وقُلتُ له: يا أخي، ما قِصَّتُك؟! فقال: يا أخي، قِصَّتي عَجيبةٌ، وذلك أنِّي كُنتُ من أعوانِ الظَّلَمةِ، فرَأيتُ يومًا صَيَّادًا قد اصطادَ سَمكةً كبيرةً، فأعجَبَتني، فجِئتُ إليه فقُلتُ: أعطِني هذه السَّمَكةَ. فقال: لا أُعطيكها، أنا آخُذُ بثَمَنِها قوتًا لعيالي! فضَرَبتُه وأخذتُها منه قَهرًا، ومَضَيتُ بها! قال: فبَينَما أنا ماشٍ بها حامِلَها إذ عَضَّت على إبهامي عَضَّةً قَويَّةً، فلمَّا جِئتُ بها إلى بيتي، وألقيتُها من يدي ضَرَبتْ عَلَيَّ إبهامي، وآلمَتْني ألمًا شَديدًا، حتَّى لم أنَمْ من شِدَّةِ الوجَعِ، ووَرِمَتْ يدي، فلمَّا أصبَحتُ أتَيتُ الطَّبيبَ، وشَكوتُ إليه الألمَ، فقال: هذه بُدُوُّ أَكِلةٍ ! اقطَعْها وإلَّا تَلِفَت يدُك كُلُّها! فقَطَعتُ إبهامي، ثُمَّ ضَرَبت يدي، فلم أُطِقِ النَّومَ ولا القَرارَ من شِدَّةِ الألمِ، فقيل لي: اقطَعْ كفَّك! فقَطَعتُها، وانتَشَرَ الألمُ إلى السَّاعِدِ، وآلمني ألمًا شَديدًا، ولم أُطِقِ النَّومَ ولا القَرارَ، وجَعلتُ أستَغيثُ من شِدَّةِ الألمِ، فقيل لي: اقطَعْها من المِرفَقِ! فانتَشَرَ الألمُ إلى العَضُدِ، وضَرَبَت عليَّ عَضُدي أشَدَّ من الألمِ، فقيل لي: اقطَعْ يدَك من كَتِفِك، وإلَّا سَرى إلى جَسَدِك كُلِّه! فقَطَعتُها، فقال لي بَعضُ النَّاسِ: ما سَبَبُ ألمِك؟ فذَكرتُ له قِصَّةَ السَّمَكةِ، فقال لي: لو كُنتَ رَجَعتَ من أوَّلِ ما أصابك الألمُ إلى صاحِبِ السَّمَكةِ، فاستَحلَلْتَ منه، واستَرضيتَه ولا قَطَعتَ يدَك! فاذهَبِ الآنَ إليه واطلُبْ رِضاه قَبل أن يصِلَ الألمُ إلى بَدَنِك! قال: فلم أزَلْ أطلُبُه في البَلدِ حتَّى وجَدتُه، فوقَعتُ على رِجلَيه أقبِّلْهما وأبكي! وقُلتُ: يا سَيِّدي، سَألتُك باللهِ إلَّا ما عَفوتَ عنِّي. فقال لي: ومَن أنت؟ فقُلتُ: أنا الذي أخَذتُ منك السَّمَكةَ غَصبًا! وذَكرتُ له ما جَرى وأريتُه يدي، فبكى حينَ رَآها! ثُمَّ قال: يا أخي، قد حالَلتُك منها؛ لِما قد رَأيتُ بك من هذا البَلاءِ. فقُلتُ له: باللهِ يا سَيِّدي، هَل كُنتَ دَعَوتَ عليَّ لَمَّا أخَذتُها منك؟ قال: نَعَم. قُلتُ: اللَّهمَّ، هذا تَقوَّى عليَّ بقوَّتِه على ضَعفي، وأخَذَ منِّي ما رَزَقتَني ظُلمًا، فأرِني فيه قُدرَتَك! فقُلتُ له: يا سَيِّدي، قد أراك اللهُ قُدرَتَه فيَّ، وأنا تائِبٌ إلى اللهِ عَزَّ وجَل عَمَّا كُنتُ عليه!) .
 
د- كان أحمَدُ بنُ أبي دُؤادَ، ومُحَمَّدُ بنُ عُبدِ المَلِكِ بنِ الزَّيَّاتِ، وهَرثَمةُ، مِمَّن ظَلموا الإمامَ أحمَدَ في مِحنةِ القَولِ بخَلقِ القُرآنِ، فكانت نِهايتُهم عِبرةً لكُلِّ ظالمٍ؛ قال ابنُ كثيرٍ: (دَخَل عَبدُ العَزيزِ بنُ يحيى الكتَّانيُّ - صاحِبُ كِتابِ الحَيدةِ- على المُتَوكِّل، وكان من خيارِ الخُلفاءِ -لأنَّه أحسَنَ الصَّنيعَ لأهلِ السُّنَّةِ، بخِلافِ أخيه الواثِقِ وأبيه المُعتَصِمِ وعَمِّه المَأمونِ؛ فإنَّهم أساؤوا إلى أهلِ السُّنَّةِ، وقَرَّبوا أهلَ البدَعِ والضَّلالِ من المُعتَزِلةِ وغَيرِهم- فأمَرَه أن يُنزِل جُثَّةَ أحمَدَ بنِ نَصرٍ ويَدفنَه، ففعل، وقد كان المُتَوكِّلُ يُكرِمُ الإمامَ أحمَدَ بنَ حَنبَلٍ إكرامًا زائِدًا جِدًّا. والمَقصودُ أنَّ عَبدَ العَزيزِ صاحِبَ كِتاب الحَيدةِ قال للمُتَوكِّل: يا أميرَ المُؤمِنين، ما رُئِيَ أعجَبُ مِن أمرِ الواثِقِ؛ قَتَل أحمدَ بنَ نَصرٍ، وكان لِسانُه يقرأُ القُرآنَ إلى أن دُفِنَ! قال: فوجد المتوكِّلُ من ذلك، وساءه ما سمِعَه في أخيه؛ إذ دخل عليه محمَّدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الزَّيَّاتُ، فقال له: يا ابنَ عَبدِ المَلِكِ، في قلبي مِن قَتلِ أحمدَ بنِ نَصرٍ! فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، أحرَقَني اللَّهُ بالنَّارِ إنْ قَتَله أميرُ المُؤمِنين الواثِقُ إلَّا كافِرًا! قال: ودخَل عليه هَرثَمةُ، فقال: يا هَرثَمةُ: في قلبي مِن قَتلِ أحمدَ بنِ نَصرٍ! فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، قَطَّعَني اللَّهُ إرْبًا إرْبًا إن قَتَله أميرُ المُؤمِنين الواثِقُ إلَّا كافرًا! قال: ودخل عليه أحمدُ بنُ أبي دُؤادَ، فقال: يا أحمدُ، في قلبي مِن قَتلِ أحمدَ بنِ نَصرٍ! فقال: يا أميرَ المُؤمِنين، ضَرَبني اللَّهُ بالفالجِ إن قتَلَه أميرُ المُؤمِنين الواثقُ إلَّا كافِرًا! قال المتوكِّلُ: فأمَّا ابنُ الزَّيَّاتِ فأنا أحرَقْتُه بالنَّارِ، وأمَّا هَرثَمةُ فإنَّه هَرَب، وتبَدَّى، واجتاز بقبيلةِ خُزاعةَ، فعَرَفه رجُلٌ في الحَيِّ، فقال: يا مَعشَرَ خُزاعةَ، هذا الذي قَتَل ابنَ عَمِّكم أحمدَ بنَ نَصرٍ، فقَطَّعوه إرْبًا إرْبًا، وأمَّا ابنُ أبي دؤادَ فقد سجَنه اللَّهُ في جِلْدِه -يعني بالفالجِ- ضَرَبَه اللهُ قَبل مَوتِه بأربَعِ سِنينَ، وصودِرَ من صُلبِ مالِه بمالٍ جَزيلٍ جِدًّا!) .
 
د- ذَكرَ الذَّهَبيُّ أنَّ باديسَ بنَ حبوسٍ تَملَّك غرناطةَ، وكان سَفَّاكًا للدِّماءِ، وفيه عَدلٌ بجَهلٍ، يقولُ الذَّهَبيُّ: (استَعمَل أي: باديسُ بَعضَ أقارِبه على بَلدٍ، فخَرَجَ يتَصَيَّدُ، فمَرَّ بشَيخِ قَريةٍ، فرَغِبَ في تَشريفِه بالضِّيافةِ، فأنزَله في أرضٍ فيها دولابٌ وفواكِهُ، فبادَرَ له بثَريدٍ في لبَنٍ وسُكَّرٍ، وقال: نَأتي بَعدُ بما تُحِبُّ. فرَماه برِجلِه وضَرب الشَّيخَ، ففرَّ الشَّيخُ، وأتى إلبيرةَ، فعَرَف المَلكُ بما جَرى عليه، فقال: ارجِعْ واصبِرْ، وواعِدْه، ثُمَّ جاءَه بَعدَ أيَّامٍ في كبكَبةٍ منهم خَصمُه، فقدَّمَ الشَّيخُ للمَلِكِ مِثلَ ذلك الثَّريدِ، فتَناوله وأكلَه واستَطابَه، ثُمَّ قال: خُذ بثَأرِك مِن هذا، فاضرِبْه! فاستَعظَمَ الشَّيخُ ذلك! فقال المَلكُ: لا بُدَّ، فضَرَبه حتَّى اقتَصَّ منه! فقال المَلِكُ: هذا حَقُّ هذا، بَقيَ حَقُّ اللهِ في إهانةِ نِعمَتِه، وحَقِّي في اجتِراءِ العُمَّالِ؛ فضُرِبَ عنُقُه، وطِيفَ برَأسِه!) .
 
ه- امتُحِنَ وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وحُبِسَ، وضُرِبَ؛ ضَرَبَه يوسُفُ بنُ عُمَرَ أميرُ اليمَنِ حتَّى قَتَله، وكان يوسُفُ جَبَّارًا عنيدًا، ثُمَّ إنَّه عُزِل عن العِراقِ وضُرِبَت عُنُقُه .

الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
حُكمُ الظُّلمِ

ظُلمُ المُسلِمِ للمُسلِمِ حَرامٌ ، وكُلُّ الظُّلمِ بأنواعِه مُحرَّمٌ .
وقد ذَكرَ الذَّهَبيُّ في الكبائِرِ: الظُّلمَ بأخذِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ، وأكلَ مالِ اليتيمِ ظُلمًا . وذَكرَ الهيتمي في الكبائِرِ: ظُلمَ السَّلاطينِ والأُمَراءِ والقُضاةِ وغَيرِهم، ومَحَبَّةَ الظَّلمةِ أو الفسَقةِ بأيِّ نَوعٍ كان فِسقُهم، وبُغضَ الصَّالحينَ، وتَرجيحَ إحدى الزَّوجاتِ على الأُخرى ظُلمًا وعُدوانًا .

 
blumen104.gif&key=e8cd35981b1b3551a38d81
 
أخطاءٌ شائِعةٌ

قال ابنُ خَلدونَ: (لا تَحسَبَنَّ الظُّلمَ إنَّما هو أخذُ المالِ أو المِلكِ من يدِ مالكِه من غَيرِ عِوَضٍ ولا سَبَبٍ، كما هو المَشهورُ، بَل الظُّلمُ أعَمُّ من ذلك، وكُلُّ من أخَذَ مِلكَ أحَدٍ أو غَصبَه في عَمَلِه أو طالبَه بغَيرِ حَقٍّ أو فرَضَ عليه حَقًّا لم يفرِضْه الشَّرعُ فقد ظَلمَه؛ فجُباةُ الأموالِ بغَيرِ حَقِّها ظَلَمةٌ، والمُعتَدونَ عليها ظَلمةٌ، والمُنتَهِبونَ لها ظَلمةٌ، والمانِعونَ لحُقوقِ النَّاسِ ظَلمةٌ، وغُصَّابُ الأملاكِ على العُمومِ ظَلمةٌ. ووَبالُ ذلك كُلِّه عائِدٌ على الدَّولةِ بخَرابِ العُمرانِ الذي هو مادَّتُها لإذهابِه الآمالَ مِن أهلِه)
 
blumen104.gif&key=e8cd35981b1b3551a38d81
 
مَسائِلُ مُتَفرِّقةٌ

1- التَّحذيرُ من دَعوةِ المَظلومِ:
قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((واتَّقِ دَعوةَ المَظلومِ؛ فإنَّه ليس بَينَها وبَينَ اللهِ حِجابٌ)) .
(أي: مانِعٌ، بل هي مَعروضةٌ عليه تعالى. قال السُّيوطيُّ: أي: ليس لها ما يصرِفُها، ولو كان المَظلومُ فيه ما يقتَضي أنَّه لا يُستَجابُ لمِثلِه من كونِ مَطعَمِه حَرامًا أو نَحوِ ذلك، حتَّى ورَدَ في بَعضِ طُرُقِه «وإن كان كافِرًا» رواه أحمَدُ من حَديثِ أنَسٍ. قال ابنُ العَرَبيُّ: ليس بَينَ اللهِ وبَينَ شَيءٍ حِجابٌ عن قُدرتِه وعِلمِه، وإرادتِه، وسَمعِه وبَصَرِه، ولا يخفى عليه شَيءٌ، وإذا أخبَرَ عن شَيءٍ أنَّ بَينَه وبَينَه حِجابًا، فإنَّما يُريدُ مَنْعَه) .
ولرُبَّما تَأخَّرَت إجابةُ الدَّعوةِ، ولكِنَّ اللهَ ليس بغافِلٍ عَمَّا يعمَلُ الظَّالمونَ؛ قال سبحانَه: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [إبراهيم:42-43] .
وقال ميمونُ بنُ مِهرانَ: في قَولِه تبارك وتعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. قال: (تَعزيةٌ للمَظلومِ، ووعيدٌ للظَّالمِ) .
وقال بَعضُ ولَدِ خالدِ بنِ يحيى البَرمَكيِّ له وهم في السِّجنِ والقُيودِ: يا أبَتِ، بَعدَ الأمرِ والنَّهيِ والنِّعمةِ صِرنا إلى هذا الحالِ! فقال: يا بُنَيَّ، دَعوةُ مَظلومٍ سَرَت بليلٍ، ونحن عنها غافِلونَ، ولم يَغفُلِ اللهُ عنها! ثُمَّ أنشَأ يقولُ:
 رُبَّ قَومٍ قد غَدَوا في نِعمةٍ زَمَنًا  والدَّهرُ رَيَّانُ غَدَقْ
 سَكتَ الدَّهرُ زَمانًا عنهم  ثُمَّ أبكاهم دَمًا حينَ نَطَقْ
وقال سُحنونُ بنُ سَعيدٍ: كان يزيدُ بنُ حاتِمٍ يقولُ: (واللهِ ما هِبتُ شَيئًا قَطُّ هَيبَتي رَجُلًا ظَلمتُه، وأنا أعلَمُ أنَّه لا ناصِرَ له إلَّا اللهُ، يقولُ لي: حَسيبُك اللهُ! بَيني وبَينَك اللهُ!) .
وقيل لإبراهيمَ بنِ نَصرٍ الكَرمانيِّ: (إنَّ القَرمَطيَّ دَخَل مَكَّةَ وقَتَل فيها وفَعَل وصَنَعَ، فقُلتُ: قد كان ذاك، وقد كثُرَ الدُّعاءُ عليه، فلمَ مُنعَ الإجابة! فقال: لأنَّ فيهم عَشرَ خِصالٍ، فكيف يُستَجابُ لهم؟! فقُلتُ وما هنَّ؟! قال: أوَّلُه: أقَرُّوا باللهِ وتَرَكوا أمرَه. والثَّاني: قالوا: نُحِبُّ الرَّسولَ، ولم يتَّبعوا سُنَّتَه. والثَّالثُ: قَرَؤوا القُرآنَ ولم يعمَلوا به. والرَّابعُ: قالوا: نُحِبُّ الجَنَّةَ، وتَرَكوا طَريقَها. والخامِسُ: قالوا: نَكرَهُ النَّارَ، وزاحَموا طَريقَها. والسَّادِسُ: قالوا: إنَّ إبليسَ عَدُوُّنا فوافَقوه. والسَّابعُ: دَفَنوا أمواتَهم فلم يعتَبروا. والثَّامنُ: اشتَغَلوا بعُيوبِ إخوانِهم ونَسُوا عُيوبَهم. والتَّاسِعُ: جَمَعوا المالَ ونَسُوا الحِسابَ. والعاشِرُ: نَقَضوا القُبورَ وبَنَوا القُصورَ) .
قال ابنُ القَيِّمِ: (سُبحانَ اللهِ! كم بَكت في تَنعُّمِ الظَّالمِ عَينُ أرمَلةٍ! واحتَرَقَت كَبِدُ يتيمٍ، وجَرَت دَمعةُ مِسكينٍ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [المرسلات: 46] ، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ص: 88] ، ما ابيضَّ لونُ رَغيفِهم حتَّى اسودَّ لونُ ضَعيفِهم، وما سَمِنَت أجسامُهم حتَّى انتَحَلت أجسامُ ما استَأثَروا عليه، لا تَحتَقِرْ دُعاءَ المَظلومِ، فشَرَرُ قَلبِه مَحمولٌ بعَجيجِ صَوتِه إلى سَقفِ بَيتِك! ويحَك! نِبالُ أدعيتِه مُصيبةٌ وإن تَأخَّرَ الوقتُ! قَوسُه قَلبُه المَقروحُ، ووَتَرُه سَوادُ اللَّيلِ، وأُستاذُه صاحِبُ "لأنصُرَنَّكِ ولو بَعدَ حينٍ"! وقد رَأيتَ ولكِنْ لستَ تعتَبِرُ، احذَرْ عَداوةَ من ينامُ وطَرْفُه باكٍ، يُقَلِّبُ وجهَه في السَّماءِ، يرمي سِهامًا ما لها غَرَضٌ سِوى الأحشاءِ منك! فرُبَّما ولعَلَّها إذا كانت راحةُ اللَّذَّةِ تُثمِرُ ثَمَرةَ العُقوبةِ لم يحسُنْ تَناوُلُها، ما تُساوي لذَّةُ سَنةٍ غَمَّ ساعةٍ! فكيف والأمرُ بالعَكسِ؟! كم في يَمِّ الغُرورِ من تِمساحٍ؛ فاحذَرْ يا غائِصُ! سَتَعلمُ أيُّها الغَريمُ قِصَّتَك عِندَ تعلُّقِ الغُرَماءِ بك!
إذا التَقى كُلُّ ذي دَينٍ وماطَلَه  سَتَعلمُ ليلى أيَّ دينٍ تَداينَتْ.
من لم يتَتَبَّعْ بمِنقاشِ العَدلِ شَوكَ الظُّلمِ من أيدي التَّصَرُّفِ أثَّرَ ما لا يُؤمَنُ تَعَدِّيه إلى القَلبِ!)

يتبع

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

2- إعانةُ الظَّالمِ على ظُلمِه:
من يُعينُ الظَّالمَ فهو ظالمٌ مِثلُه، ومُشارِكٌ له في الإثمِ.
والظُّلمُ من الإثمِ والعُدوانِ، واللهُ سُبحانَه وتعالى أمرَ بالتَّعاوُنِ على البرِّ والتَّقوى، ونَهى عن التَّعاوُنِ على الإثمِ والعُدوانِ، فقال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة: 2] . وعن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((لعنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آكِلَ الرِّبا وموكِلَه وكاتِبَه وشاهِدَيه، وقال: هم سَواءٌ)) .
قال النَّوويُّ: (هذا تَصريحٌ بتَحريمِ كِتابةِ المُبايعةِ بَينَ المُتَرابينَ والشَّهادةِ عليهما، وفيه: تَحريمُ الإعانةِ على الباطِلِ) .
وقال مَيمونُ بنُ مِهرانَ: (الظَّالمُ، والمُعينُ على الظُّلمِ، والمُحِبُّ له: سَواءٌ) .

التَّحذيرُ من الظلم


3- هل للظَّالمِ توبةٌ؟
بابُ التَّوبةِ مَفتوحٌ لكُلِّ من عَصى الله إذا تَوفَّرَت شُروطُها، قال تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110] ، وقال تعالى: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: 39] .
شُروطُ التَّوبةِ كما ذَكرَها العُلماءُ:
- أن يُقلعَ عن الذَّنبِ.
- وأن يندَمَ على ما قد مَضى.
- وأن يعزِمَ في المُستَقبَلِ على ألَّا يعودَ إليه.
- وإذا كان الأمرُ يتَعلَّقُ بحُقوقِ الآدَميِّينَ -سَواءٌ بأموالِهم أو أعراضِهم أو أبدانِهم- فعليه أن يطلُبَ المُسامَحةَ مِمَّن له عليه حَقٌّ، أو يُؤَدِّيَ الحُقوقَ إلى أهلِها.
قال ابنُ القَيِّمِ: (والظُّلمُ عِندَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ يومَ القيامةِ له دَواوينُ ثَلاثةٌ: ديوانٌ لا يغفِرُ اللهُ منه شَيئًا، وهو الشِّركُ به؛ فإنَّ اللهَ لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به. وديوانٌ لا يترُكُ اللهُ تعالى منه شَيئًا، وهو ظُلمُ العِبادِ بَعضِهم بَعضًا؛ فإنَّ اللهَ تعالى يستَوفيه كُلَّه. وديوانٌ لا يعبَأُ اللهُ به شَيئًا، وهو ظُلمُ العَبدِ نَفسَه بَينَه وبَينَ رَبِّه عَزَّ وجَلَّ؛ فإنَّ هذا الدِّيوانَ أخَفُّ الدَّواوينِ وأسرَعُها مَحوًا؛ فإنَّه يُمحى بالتَّوبةِ والاستِغفارِ، والحَسَناتِ الماحيةِ، والمَصائِبِ المُكفِّرةِ، ونَحوِ ذلك. بخِلافِ ديوانِ الشِّركِ؛ فإنَّه لا يُمحى إلَّا بالتَّوحيدِ، وديوانُ المَظالمِ لا يُمحى إلَّا بالخُروجِ منها إلى أربابِها واستِحلالِهم منها) .
وقال السَّمَرقَنديُّ: (ليس شَيءٌ من الذُّنوبِ أعظَمَ من الظُّلمِ؛ لأنَّ الذَّنبَ إذا كان بَينَك وبَينَ اللهِ تعالى فإنَّ اللهَ تعالى كريمٌ يتَجاوزُ عنك، فإذا كان الذَّنبُ بَينَك وبَينَ العِبادِ فلا حيلةَ لك سِوى رِضا الخَصمِ، فينبَغي للظَّالمِ أن يتوبَ عن الظُّلمِ، ويتَحَلَّلَ من المَظلومِ في الدُّنيا، فإذا لم يقدِرْ عليه فينبَغي أن يستَغفِرَ، ويدعوَ له، فإنَّه يُرجى أنَّه يُحَلِّلُه بذلك) .
فمَن ابتُليَ بشَيءٍ من الظُّلمِ فليتَحَلَّلْ منه، فليس في الآخِرةِ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، وإنَّما هي الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، يُؤخَذُ من حَسَناتِه بقدرِ مَظلمَتِه ويُعطى للمَظلومِ، فإن نَفِدَت حَسَناتُه أُخِذَ من سَيِّئاتِ المَظلومِ وحمَلَه الظَّالمُ؛ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن كانت له مَظلَمةٌ لأحَدٍ من عِرضِه أو شَيءٍ فليتَحَلَّلْه منه اليومَ قَبل أن لا يكونَ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، إن كان له عَمَلُ صالحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مَظلمَتِه، وإن لم تَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ من سَيِّئاتِ صاحِبِه فحُمِل عليه)) .
وعن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أهلِها يومَ القيامةِ، حتَّى يُقادَ للشَّاةِ الجَلحاءِ من الشَّاةِ القَرناءِ ) .
وعن عَبدِ الله بنِ أُنَيسٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((يُحشَرُ النَّاسُ يومَ القيامةِ -أو قال: العِبادُ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا ، قال: قُلنا: وما بُهْمًا؟ قال: "ليس مَعَهم شَيءٌ، ثُمَّ يُناديهم بصَوتٍ يسمَعُه مَن بَعُدَ كما يسمَعُه مَن قَرُبَ: أنا المَلِكُ، أنا الدَّيَّانُ، ولا ينبَغي لأحَدٍ من أهلِ النَّارِ أن يدخُلَ النَّارَ وله عِندَ أحَدٍ من أهلِ الجَنَّةِ حَقٌّ، حتَّى أُقِصَّه منه، ولا ينبَغي لأحَدٍ من أهلِ الجَنَّةِ أن يدخُلَ الجَنَّةَ، ولأحَدٍ من أهلِ النَّارِ عِندَه حَقٌّ، حتَّى أُقِصَّه منه، حتَّى اللَّطمةَ. قال: قُلْنا: كيف وإنَّا إنَّما نَأتي اللهَ عَزَّ وجَل عُراةً غُرْلًا بُهمًا؟ قال: بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ)) .
وقال أبو الزِّنادِ: (كان عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ يرُدُّ المَظالمَ إلى أهلِها بغَيرِ البَيِّنةِ القاطِعةِ، كان يكتَفي باليسيرِ، إذا عَرَف وَجهَ مَظلَمةِ الرَّجُلِ رَدَّها عليه، ولم يُكلِّفْه تَحقيقَ البَيِّنةِ؛ لِما يَعرِفُ من غَشمِ الوُلاةِ قَبلَه على النَّاسِ، ولقد أنفدَ بَيتَ مالِ العِراقِ في رَدِّ المَظالمِ، حتَّى حَمَل إليها من الشَّامِ) .
وذَكرَ صاحِبُ (العقدِ الفريد) قِصَّةً للمَأمونِ: (وأنَّه جَلسَ يومًا لرَدِّ المَظالمِ، فكان آخِرَ من تَقدَّم إليه - وقد همَّ بالقيامِ- امرأةٌ عليها هَيئةُ السَّفرِ، وعليها ثيابٌ رَثَّةٌ، فوقَفَت بَينَ يدَيه فقالت: السَّلامُ عليك يا أميرَ المُؤمنينَ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه. فنَظَرُ المَأمونُ إلى يحيى بنِ أكثَمَ. فقال لها يحيى: وعليكِ السَّلامُ يا أَمَةَ اللهِ، تَكلَّمي بحاجَتِك. فقالت:
يا خيرَ مُنتَصِفٍ يُهدى له الرَّشَدُ
ويا إمامًا به قد أشرَقَ البَلَدُ
تشكو إليك -عميدَ القومِ- أرملةٌ
عُدي عليها فلم يُترَكْ لها سَبَدُ
وابتُزَّ مني ضياعي بعد مَنعَتِها
ظُلمًا وفُرِّقَ مني الأهلُ والوَلَدُ
فأطرَق المأمونُ حينًا، ثمَّ رفع رأسَه إليها، وهو يقولُ:
في دونِ ما قُلتِ زال الصَّبرُ والجَلَدُ
عني وأُقرِحَ مني القَلبُ والكَبِدُ
هذا أذانُ صلاةِ العَصرِ فانصَرِفي
وأحضري الخَصمَ في اليومِ الذي أعِدُ
فالمجلِسُ السَّبتُ إن يُقضَ الجُلوسُ لنا
نُنصِفْك منه وإلَّا المجلِسُ الأحَدُ
قال: فلمَّا كان يومُ الأحَدِ جَلسَ، فكان أوَّلَ من تَقدَّمَ إليه تلك المَرأةُ، فقالت: السَّلامُ عليك يا أميرَ المُؤمنينَ ورَحمةُ اللهِ وبَرَكاتُه. فقال: وعليكِ السَّلامُ، ثُمَّ قال: أينَ الخَصمُ؟ فقالت: الواقِفُ على رَأسِكِ يا أميرَ المُؤمنينَ -وأومَأتْ إلى العَبَّاسِ ابنِه!- فقال: يا أحمَدُ بنَ أبي خالدٍ، خُذْ بيدِه فأجلِسْه مَعَها مَجلِسَ الخُصومِ. فجَعل كلامُها يعلو كلامَ العَبَّاسِ. فقال لها أحمَدُ بنُ أبي خالدٍ: يا أمةَ اللهِ، إنَّكِ بَينَ يدَي أميرِ المُؤمنينَ، وإنَّكِ تُكَلِّمينَ الأميرَ، فاخفِضي من صَوتِك. فقال المَأمونُ: دَعْها يا أحمَدُ؛ فإنَّ الحَقَّ أنطَقَها والباطِلَ أخرَسَه. ثُمَّ قَضى لها برَدِّ ضَيعَتِها إليها، وظلَّمَ العَبَّاسَ بظُلمِه لها، وأمَرَ بالكِتابِ لها إلى العامِلِ الذي ببَلدِها أن يوغِرَ لها ضَيعَتَها، ويُحسِنَ مُعاونَتَها، وأمَرَ لها بنَفقةٍ) .



التَّحذيرُ من الظلم


4- الرُّكونُ إلى الظَّالِمينَ:
قال اللهُ تعالى: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود: 113] ، قال القُرطُبيُّ: (قَولُه تعالى: إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قيل: أهلُ الشِّركِ. وقيل: عامَّةٌ فيهم وفي العُصاةِ، على نَحوِ قَولِه تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا... الآية، وهذا هو الصَّحيحُ في مَعنى الآيةِ) .
ومِن صُوَرِ الرُّكونِ إلى الظَّالمينَ: مَحَبَّتُهم، والرِّضا بأعمالِهم، ومُتابَعَتُهم ومُداهَنَتُهم، وإعانَتُهم على الظُّلمِ، والاعتِمادُ عليهم، والاستِعانةُ بهم في ظُلمِ الآخَرينَ .


الدرر السنية

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
  ذَمُّ الظُّلمِ في واحةِ الأدَبِ
 
أ - مِنَ الشِّعرِ

1- قال أبو العتاهيةِ:
أمَا واللَّهِ إنَّ الظُّلمَ لُومٌ
وما زال المُسيءُ هو الظَّلومُ
إلى دَيَّانِ يومِ الدِّينِ نَمضي
وعندَ اللَّهِ تجتَمِعُ الخُصومُ
2- وقال آخَرُ:
وما مِن يدٍ إلَّا يَدُ اللهِ فَوقَها
وما ظالِمٌ إلَّا سيُبلى بأظلَمِ
3- وقال محمودٌ الورَّاقُ:
اصبِرْ على الظُّلمِ ولا تنتَصِرْ
فالظُّلمُ مردودٌ على الظَّالِمِ
وكِلْ إلى اللهِ ظَلومًا فما
رَبِّي عن الظَّالمِ بالنَّائِمِ
4- وقيل:
الظُّلمُ نارٌ فلا تحقِرْ صغيرتَه
لعَلَّ جَذوةَ نارٍ أحرَقَت بَلَدَا
5- وقيل:
توقَّ دعا المظلومِ إنَّ دعاءَه
ليُرفَعُ فوقَ السُّحبِ ثمَّ يجابُ
توقَّ دُعا مَن ليس بينَ دعائِه
وبينَ إلهِ العالَمين حِجابُ
6- وقال ابنُ القَيِّمِ:
كذا دعا المُضطَرِّ أيضًا صاعِدٌ
أبدًا إليه عندَ كُلِّ أوانِ
وكذا دعا المظلومِ أيضًا صاعِدٌ
حقًّا إليه قاطِعِ الأكوانِ
7- وقال ابنُ الوَرديِّ:
إيَّاك مِن عَسفِ الأنامِ وظُلمِهم
واحذَرْ من الدَّعَواتِ في الأسحارِ
8- وقال عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه:
أدِّ الأمانةَ، والخيانةَ فاجتَنِبْ
واعدِلْ ولا تظلِمْ يطيبُ المكسَبُ
واحذَرْ من المظلومِ سَهمًا صائبًا
واعلَمْ بأنَّ دعاءَه لا يُحجَبُ
9- وقال آخَرُ:
يا أيُّها الظَّالمُ في فِعلِه
فالظُّلمُ مردودٌ على مَن ظَلَمْ
إلى متى أنت وحتَّى متى
تسلو المصيباتِ وتنسى النِّقَمْ
10- وقال آخَرُ:
لا تَظلِمَنَّ إذا ما كنتَ مُقتَدِرًا
فالظُّلمُ آخِرُه يأتيك بالنَّدَمِ
نامَت عيونُك والمظلومُ مُنتَبِهٌ
يدعو عليك وعينُ اللهِ لم تَنَمِ
11- وأنشَد أحمدُ بنُ الطَّيِّبِ:
ولا تعجَلْ على أحَدٍ بظُلمٍ
فإنَّ الظُّلمَ مرتَعُه وخيمُ
12- وقال آخَرُ:
إذا الظَّالمُ استحسن الظُّلمَ مَذهَبًا
ولجَّ عُتُوًّا في قبيحِ اكتِسابِه
فكِلْه إلى رَيبِ الزَّمانِ فإنَّه
سيُبدي له ما لم يكُنْ في حِسابِه
فكم قد رأينا ظالِمًا متجبِّرًا
يرى النَّجمَ تِيهًا تحتَ ظِلِّ ركابِهِ
فلمَّا تمادى واستطال بظُلمِهِ
أناخت صروفُ الحادثاتِ ببابِهِ
وعوقِبَ بالظُّلمِ الذي كان يقتفي
وصَبَّ عليه اللهُ سَوطَ عذابِهِ
 
blumen104.gif&key=e8cd35981b1b3551a38d81
 
ب- من الأمثالِ والحِكَمِ

1- الظُّلمُ مَرتَعُه وخيمٌ.
 والمعنى: عاقِبَتُه مَذمومةٌ، وجَعَل للظُّلمِ مَرتَعًا لتَصَرُّفِ الظَّالمِ فيه، ثُمَّ جَعل المَرتَعَ وخيمًا لسوءٍ عاقِبَتِه، إمَّا في الدُّنيا وإمَّا في العُقبى .
2- لو تُرِك القَطا لنامَ.
يُضرَبُ مَثَلًا للرَّجُلِ يُستَثارُ للظُّلمِ فيَظلِمُ .
3- إن يَبغِ عليك قَومُك لا يَبغِ عليك القَمَرُ
 يُضرَبُ للأمرِ المَشهورِ، والبَغيُ: الظُّلمُ، والمَعنى: إن ظَلمَك قَومُك لا يظلِمْك القَمَرُ، فانظُرْ يتَبَيَّنْ لك الأمرُ والحَقُّ .
4- إذا ظَلمْتَ مَن دونَك فلا تَأمَنْ عَذابَ مَن فوقَك .
5- أظلَمُ من حَيَّةٍ
وذلك أن تَجيءَ إلى جُحرِ غَيرِها فتَدخُلَه وتَغلِبَ عليه .
- يَلدَغُ ويَصيءُ.
يُضرَبُ مَثَلًا للرَّجُلِ يَظلِمُ ويشكو! يُقال: صاءَ الفَرخُ يَصيءُ صيأً، وكذلك يُقالُ للعَقرَبِ: صَأتْ تَصأى .
- البَغيُ آخِرُ مُدَّةِ القَومِ.
يعني: أنَّ الظُّلمَ إذا امتَدَّ مَداه آذَنَ بانقِراضِ مُدَّتِهم .
- من بَدَأ بالظُّلمِ كان أظلمَ، ومن انتَصَرَ فقد أنصَفَ .
- من استَرعى الذِّئبَ ظَلمَ.
 أي: من استَرعى الذِّئبَ فقد وضَعَ الأمانةَ في غَيرِ مَوضِعِها، والظُّلمُ وضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه .
- وكان يُقالُ: (ليس شَيءٌ لتَغَيُّرِ نِعمةٍ وتَعجيلِ نِقمةٍ أشَدَّ من الإقامةِ على الظُّلمِ) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك


النَّميمةِ


أوَّلًا: معنى النَّميمةِ لُغةً واصطِلاحًا

معنى النَّميمةِ لُغةً:


النَّمُّ: رَفعُ الحديثِ على وَجهِ الإشاعةِ والإفسادِ. وقيل: تزيينُ الكلامِ بالكَذِبِ. مِن نَمَّ يَنُمُّ ويَنِمُّ، فهو نَمومٌ ونَمَّامٌ ومِنَمٌّ، ونَمٌّ، من قومٍ نَمِّينَ وأنِمَّاءَ ونُمٍّ، وهي نَمَّةٌ، ويقالُ للنَّمَّامِ القَتَّاتُ، ونمَّامٌ مبالغةٌ، والاسمُ النَّميمةُ، وأصلُ هذه المادَّةِ يدُلُّ على إظهارِ شَيءٍ وإبرازِه .
معنى النَّميمةِ اصطِلاحًا:

النَّميمةُ: (نَقلُ الحديثِ مِن قومٍ إلى قومٍ على جِهةِ الإفسادِ والشَّرِّ) .
وعرَّفها الغَزاليُّ بقَولِه: (إفشاءُ السِّرِّ، وهَتكُ السِّترِ عمَّا يُكرَهُ كَشفُه) .
وقيل هي: (التَّحريشُ بَيْنَ النَّاسِ والسَّعيُ بَيْنَهم بالإفسادِ) .



2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410



ثانيًا: الفَرْقُ بَيْنَ النَّميمةِ وبَعضِ الصِّفاتِ

الفَرْقُ بَيْنَ الغِيبةِ والنَّميمةِ:


قال ابنُ حَجَرٍ: (اختُلِفَ في الغِيبةِ والنَّميمةِ: هل هما متغايرتانِ أو متَّحِدتانِ، والرَّاجِحُ التَّغايُرُ، وأنَّ بَيْنَهما عُمومًا وخُصوصًا وَجهيًّا؛ وذلك لأنَّ النَّميمةَ نَقلُ حالِ شَخصٍ لغيرِه على جِهةِ الإفسادِ بغيِر رِضاه، سواءٌ كان بعِلمِه أم بغيرِ عِلمِه.
والغِيبةُ ذِكرُه في غَيبتِه بما لا يُرضيه، فامتازت النَّميمةُ بقصدِ الإفسادِ، ولا يُشتَرَطُ ذلك في الغِيبةِ.
وامتازت الغِيبةُ بكَونِها في غَيبةِ المقولِ فيه، واشتركا فيما عدا ذلك.
ومن العُلَماءِ مَن يَشترِطُ في الغِيبةِ أن يكونَ المقولُ فيه غائبًا، واللَّهُ أعلمُ) .
وقال ابن حجر الهيتمي: (كُلُّ نميمةٍ غِيبةٌ، وليس كُلُّ غِيبةٍ نميمةً؛ فإنَّ الإنسانَ قد يذكُرُ عن غيرِه ما يَكرَهُه، ولا إفسادَ فيه بينَه وبينَ أحَدٍ، وهذا غِيبةٌ، وقد يَذكُرُ عن غيرِه ما يَكرَهُه، وفيه إفسادٌ، وهذا غِيبةٌ ونميمةٌ معًا) .


الفَرْقُ بَيْنَ القَتَّاتِ والنَّمَّامِ:

(القَتَّاتُ والنَّمَّامُ بمعنًى واحِدٍ.
وقيل: النَّمَّامُ الذي يكونُ مع جماعةٍ يتحَدَّثون حديثًا فيَنُمُّ عليهم.
والقَتَّاتُ: الذي يتسَمَّعُ عليهم وهم لا يَعلَمون، ثمَّ يَنُمُّ) .


يتبع

 
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

ثالثًا: ذمُّ النَّميمةِ والنَّهيُ عنها

أ- من القُرآنِ الكريمِ

- قال تعالى: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم: 10-11] .
قال ابنُ كثيرٍ في قولِه تعالى: (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ يعني: الذي يمشي بَيْنَ النَّاسِ، ويُحَرِّشُ بَيْنَهم وينقُلُ الحديثَ لفسادِ ذاتِ البَينِ، وهي الحالِقةُ)


- وقال تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ [الهمزة: 1] .
(قيل: اللُّمَزةُ: النَّمَّامُ. عن أبي الجَوزاءِ قال: قلتُ لابنِ عبَّاسٍ: من هؤلاء الَّذين بدأهم اللَّهُ بالوَيلِ؟ قال: هم المَشَّاؤون بالنَّميمةِ، المُفَرِّقون بَيْنَ الأحبَّةِ، الباغون أكبَرَ العَيبِ) .
وقال مقاتِلٌ: (فأمَّا الهُمَزةُ فالذي يَنُمُّ الكلامَ إلى النَّاسِ، وهو النَّمَّامُ) .


- وقال تعالى: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد: 4] .
(قيل: كانت نمَّامةً حَمَّالةً للحديثِ إفسادًا بَيْنَ النَّاسِ، وسُمِّيَت النَّميمةُ حَطَبًا؛ لأنَّها تَنشُرُ العداوةَ بَيْنَ النَّاسِ، كما أنَّ الحطَبَ ينشُرُ النَّارَ.
قال مجاهِدٌ: يعني حمَّالةَ النَّميمةِ، تمشي بالنَّميمةِ) .

2545198dbktuouzxg.gif?t=1318849410


ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

- عن حُذيفةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يدخُلُ الجنَّةَ نمَّامٌ)) ، وفي روايةٍ ((قَتَّاتٌ)) .
ونفيُ دُخولِ الجنَّةِ في الحديثِ نَفيٌ مُطلَقٌ، والنَّفيُ المُطلَقُ يُحمَلُ على المقَيَّدِ، فيُقالُ: لا يدخُلون الجنَّةَ دُخولًا مُطلَقًا، يعني: لا يَسبِقُه عذابٌ، ولكِنَّهم يدخُلون الجنَّةَ دُخولًا يسبِقُه عذابٌ بقَدْرِ ذُنوبِهم، ثمَّ مَرجِعُهم إلى الجنَّةِ .
قال ابنُ بطَّالٍ: (والقَتَّاتُ: النَّمَّامُ عِندَ أهلِ اللُّغةِ) .


- وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه قال: ((إنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ألا أنَبِّئُكم ما العِضَةُ؟ هي النَّميمةُ القالةُ بَيْنَ النَّاسِ . وإنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: إنَّ الرَّجُلَ يَصدُقُ حتَّى يُكتَبَ صِدِّيقًا، ويَكذِبُ حتَّى يُكتَبَ كَذَّابًا)) .
قال المُناويُّ: (... "القالةُ بَيْنَ النَّاسِ "، أي: كثرةُ القولِ، وإيقاعُ الخُصومةِ بَيْنَهما، فيما يُحكى للبعضِ عن البعضِ، وقيل: القالةُ بمعنى المقولةِ، وزعَم بعضُهم أنَّ القالةَ هنا جمعٌ، وهم الذين يَنقُلون الكلامَ، ويوقِعون الخُصومةَ بَيْنَ النَّاسِ) .
وقال ابنُ عُثَيمين: (هي النَّميمةُ: أن ينقُلَ الإنسانُ كلامَ النَّاسِ بعضِهم في بعضٍ؛ من أجلِ الإفسادِ بَيْنَهم، وهي من كبائِرِ الذُّنوبِ) .


- وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قال: ((مرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على قبرَينِ، فقال: إنَّهما ليُعَذَّبانِ، وما يُعَذَّبانِ في كبيرٍ! ثمَّ قال: بلى، أمَّا أحَدُهما فكان يسعى بالنَّميمةِ، وأمَّا الآخَرُ فكان لا يستَتِرُ مِن بَولِه، قال: ثمَّ أخذ عودًا رَطْبًا، فكَسَره باثنتَينِ، ثمَّ غَرَز كُلَّ واحدٍ منهما على قَبرٍ، ثمَّ قال: لعَلَّه يُخَفَّفُ عنهما ما لم يَيْبَسا)) .
قال ابنُ بطَّالٍ: (ومعنى الحديثِ: الحَضُّ على تَركِ النَّميمةِ) .
وقال ابنُ دقيقِ العيدِ: (في الحديثِ دليلٌ على عِظَمِ أمرِ النَّميمةِ، وأنَّها سَبَبُ العذابِ، وهو محمولٌ على النَّميمةِ المُحَرَّمةِ) .


وقال الشَّوكانيُّ: (الحديثُ يدُلُّ على نجاسةِ البَولِ من الإنسانِ، ووجوبِ اجتنابِه، وهو إجماعٌ، ويدُلُّ أيضًا على عِظَمِ أمرِه وأمرِ النَّميمةِ، وأنَّهما من أعظمِ أسبابِ عذابِ القبرِ) .
وقال السُّيوطيُّ: (قد ذَكَر بعضُهم السِّرَّ في تخصيصِ البَولِ والنَّميمةِ والغِيبةِ بعذابِ القَبرِ، وهو أنَّ القبرَ أوَّلُ منازِلِ الآخرةِ، وفيه أنموذَجُ ما يقَعُ في يومِ القيامةِ من العقابِ والثَّوابِ. والمعاصي التي يعاقَبُ عليها يومَ القيامةِ نوعانِ: حَقٌّ للهِ، وحَقٌّ لعبادِه، وأوَّلُ ما يُقضى فيه يومَ القيامةِ من حقوقِ اللَّهِ: الصَّلاةُ، ومن حُقوقِ العِبادِ: الدِّماءُ، وأمَّا البرزَخُ فيُقضى فيه في مُقَدِّماتِ هذينِ الحَقَّينِ ووَسائلِهما، فمُقَدِّمةُ الصَّلاةِ الطَّهارةُ من الحدَثِ والخَبَثِ، ومُقَدِّمةُ الدِّماءِ النَّميمةُ والوقيعةُ في الأعراضِ، وهما أيسَرُ أنواعِ الأذى، فيبدَأُ في البرزخِ بالمحاسبةِ والعقابِ عليهما) .

 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ

- رُوِيَ أنَّ سُلَيمانَ بنَ عَبدِ المَلِكِ كان جالِسًا وعنده الزُّهريُّ، فجاءه رجُلٌ فقال له سُليمانُ: بلغني أنَّك وقَعْتَ فيَّ، وقُلتَ كذا وكذا. فقال الرَّجُلُ: ما فعَلْتُ ولا قُلتُ. فقال سُلَيمانُ: إنَّ الذي أخبرني صادِقٌ، فقال له الزُّهريُّ: لا يكونُ النَّمَّامُ صادِقًا. فقال سُلَيمانُ: صدَقْتَ، ثمَّ قال للرَّجُلِ: اذهَبْ بسَلامٍ


- وقال الحسَنُ: (كأنَّكم تظنُّون أنَّ الخيانةَ ليست إلَّا في الدِّينارِ والدِّرهَمِ! إنَّ الخيانةَ أشَدَّ الخيانةِ أن يجالِسَنا الرَّجُلُ فنطمَئِنَّ إلى جانِبِه، ثمَّ ينطَلِقَ فيسعى بنا إلى شرارةٍ من نارٍ!) .

- وقال الحَسَنُ: (مَن نَمَّ إليك نَمَّ عليك) .

- وعن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ، قال: قَدِمتُ مِن مَكَّةَ فلَقِيني الشَّعبيُّ، فقال: يا أبا زيدٍ، أطرِفْنا ممَّا سَمِعتَ بمكَّةَ، فقُلتُ: سَمِعتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ سابِطٍ يقولُ: لا يَسكُنُ مكَّةَ سافِكُ دَمٍ، ولا آكِلُ رِبًا، ولا مَشَّاءٌ بنميمةٍ، فعَجِبتُ منه حينَ عَدَل النَّميمةَ بسَفكِ الدَّمِ وأكلِ الرِّبا، فقال الشَّعبيُّ: وما يُعجِبُك من هذا؟! وهل يُسفَكُ الدَّمُ وتُركَبُ العظائِمُ إلَّا بالنَّميمةِ ؟!

- وقال قتادةُ: (ذُكِر لنا أنَّ عذابَ القبرِ ثلاثةُ أثلاثٍ: ثُلُثٌ من الغِيبةِ، وثُلُثٌ من البولِ، وثُلُثٌ من النَّميمةِ) .

- وقال ابنُ حَزمٍ: (وما في جميعِ النَّاسِ شَرٌّ من الوُشاةِ، وهم النَّمامونَ، وإنَّ النَّميمةَ لطَبعٌ يدُلُّ على نَتنِ الأصلِ، ورداءةِ الفَرعِ، وفسادِ الطَّبعِ، وخُبثِ النَّشأةِ، ولا بُدَّ لصاحبِه من الكَذِبِ. والنَّميمةُ فرعٌ من فروعِ الكَذِبِ، ونوعٌ من أنواعِه، وكُلُّ نمَّامٍ كَذَّابٌ) .


- وقال أبو موسى عِمرانُ بنُ موسى المؤدِّبُ: (وَفَد على أَنوشِرْوانَ حكيمُ الهندِ، وفيلسوفُ الرُّومِ، فقال للهِنديِّ: تكَلَّمْ. فقال: يا خَيرَ النَّاسِ، مَن ألقى سخيًّا، وعند الغَضَبِ وقورًا، وفي القولِ مُتأنِّيًا، وفي الرِّفعةِ متواضِعًا، وعلى كُلِّ ذي رَحِمٍ مُشفِقًا. وقام الرُّوميُّ، فقال: مَن كان بخيلًا وَرِث عَدُوُّه مالَه، ومَن قَلَّ شُكرُه لم يَنَلِ النَّجاحَ، وأهلُ الكَذِبِ مذمومون، وأهلُ النَّميمةِ يموتون فُقَراءَ، فمَن لم يرحَمْ سُلِّط عليه مَن لا يرحَمُه) .

- عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، قال: قال سُلَيمانُ بنُ داودَ لابنِه: (يا بُنَيَّ، إيَّاك والنَّميمةَ؛ فإنَّها أحَدُّ من السَّيفِ) .

- قال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ لبنيه: (إيَّاكم والنَّميمةَ؛ فإنَّها نارٌ مُحرِقةٌ، وإنَّ النَّمَّامَ ليَعمَلُ في ساعةٍ ما لا يَعمَلُ السَّاحِرُ في شهرٍ) .

- كان ابنُ عبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما يقولُ: (الكَذِبُ فُجورٌ، والنَّميمةُ سِحرٌ؛ فمَن كَذَب فقد فَجَر، ومَن نَمَّ فقد سَحَر) .

- عن كَعبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه، قال: (اتَّقوا النَّميمةَ؛ فإنَّ صاحِبَها لا يستريحُ من عذابِ القبرِ) .

- عن كَعبِ الأحبارِ، قال: (إنَّ أعظَمَ النَّاسِ عِندَ اللَّه خطيئةً يومَ القيامةِ المُثلِّثُ، قالوا له: وما المُثَلِّثُ؟ قال: الذي يسعى بأخيه إلى إمامِه فيُهلِكُ نَفسَه، ويُهلِكُ أخاه، ويُهلِكُ إمامَه) .

- عن بعضِ أصحابِ جَعفَرِ بنِ محمدٍ الصَّادِقِ، قال: (دخَلتُ على جَعفَرٍ وموسى بَيْنَ يَدَيه، وهو يوصيه بهذه الوَصيَّةِ، فكان ممَّا حَفِظتُ منها أنْ قال: يا بُنَيَّ، اقبَلْ وَصِيَّتي، واحفَظْ مقالتي... وإيَّاك والنَّميمةَ؛ فإنَّها تزرَعُ الشَّحناءَ في قُلوبِ الرِّجالِ، وإيَّاك والتَّعرُّضَ لعُيوبِ النَّاسِ؛ فمَنزِلةُ التَّعرُّضِ لعيوبِ النَّاسِ بمنزلةِ الهَدَفِ) .

- أوصى عبدُ المَلِكِ بنُ صالِحٍ ابنًا له، فقال: (أي بُنَيَّ، احلُمْ؛ فإنَّ مَن حَلُم ساد، ومَن تفَهَّمَ ازداد... مَن سعى بالنَّميمةِ حَذِرَه البعيدُ، ومَقَتَه القريبُ) .

- قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: (إنَّ صاحِبَ النَّميمةِ ليُفسِدُ ما بَيْنَ النَّاسِ في يومٍ ما لا يُفسِدُه السَّاحِرُ في شَهرٍ) .

- وكتب طاهِرُ بنُ الحُسَينِ لابنِه عبدِ اللَّهِ كتابًا لَمَّا ولَّاه المأمونُ عبدُ اللَّهِ بنُ هارونَ الرَّشيدِ الرَّقَّةَ ومِصرَ وما بَيْنَهما، وفيه: (أغمِضْ عن عيبِ كُلِّ ذي عَيبٍ من رعيَّتِك، واشدُدْ لِسانَك عن قَولِ الكَذِبِ والزُّورِ، وأبغِضْ أهلَه، وأقْصِ أهلَ النَّميمةِ؛ فإنَّ أوَّلَ فَسادِ أمرِك في عاجِلِ الأمورِ وآجِلِها تقريبُ الكذوبِ والجرأةُ على الكَذِبِ؛ لأنَّ الكَذِبَ رأسُ المآثِمِ، والزُّورَ والنَّميمةَ خاتِمتُها؛ لأنَّ النَّميمةَ لا يَسلَمُ صاحِبُها، وقائِلُها لا يَسلَمُ له صاحِبٌ، ولا يستقيمُ لمطيعِها أمرٌ) .

- قال ابنُ حِبَّانَ عن النَّميمةِ: (تَهتِكُ الأستارَ، وتُفشي الأسرارَ، وتُورِثُ الضَّغائِنَ، وترفَعُ المودَّةَ، وتجَدِّدُ العداوةَ، وتُبَدِّدُ الجماعةَ، وتُهَيِّجُ الحِقدَ، وتَزيدُ الصَّدَّ) .
قال ابنُ مِسكَوَيهِ: (احذَرِ النَّميمةَ وسَماعَها؛ وذلك أنَّ الأشرارَ يَدخُلون بَيْنَ الأخيارِ في صورةِ النُّصَحاءِ فيُوهمونَهم النَّصيحةَ، ويَنقُلون إليهم في عَرضِ الأحاديثِ اللَّذيذةِ أخبارَ أصدقائِهم محَرَّفةً مُمَوَّهةً، حتَّى إذا تجاسَروا عليهم بالحديثِ المُختَلَقِ يُصَرِّحون لهم بما يُفسِدُ مودَّاتِهم، ويُشَوِّهُ وجوهَ أصدقائِهم، إلى أن يُبغِضَ بعضُهم بعضًا)

 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×