اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المذموم من الأخلاق والسلوك

المشاركات التي تم ترشيحها

آثارُ الحَسَدِ

الحَسَدُ مذمومٌ مرذولٌ، أجمَلَ الماوَرْديُّ مذَمَّتَه في قولِه: (ولو لم يكُنْ من ذَمِّ الحَسَدِ إلَّا أنَّه خُلُقٌ دنيءٌ، يتوجَّهُ نحوَ الأكْفاءِ والأقارِبِ، ويختَصُّ بالمُخالِطِ والمُصاحِبِ، لكانت النَّزاهةُ عنه كَرَمًا، والسَّلامةُ منه مَغنَمًا، فكيف وهو بالنَّفسِ مُضِرٌّ، وعلى الهَمِّ مُصِرٌّ، حتَّى رَّبما أفضى بصاحبِه إلى التَّلَفِ، من غيرِ نِكايةٍ في عَدُوٍّ، ولا إضرارٍ بمحسودٍ)

ثمَّ ذَكَر للحَسَدِ أربَعَ مَساوئَ فقال:
1- حَسَراتُ الحَسَدِ وسَقامُ الجَسَدِ، ثمَّ لا يجِدُ لحَسرتِه انتهاءً، ولا يؤمِّلُ لسَقامِه شفاءً، قال ابنُ المعتَزِّ: الحَسَدُ داءُ الجَسَدِ.
2- انخفاضُ المنزلةِ وانحِطاطُ المرتبةِ؛ لانحرافِ النَّاسِ عنه، ونفورِهم منه، وقد قيل في منثورِ الحِكَمِ: الحَسودُ لا يَسودُ.
3- مَقتُ النَّاسِ له حتَّى لا يجِدَ فيهم محبًّا، وعداوتُهم له حتَّى لا يرى فيهم وليًّا، فيصيرُ بالعداوةِ مأثورًا، وبالمَقتِ مزجورًا.
4- إسخاطُ اللَّهِ تعالى في معارضتِه، واجتناءُ الأوزارِ في مخالفتِه؛ إذ ليس يرى قضاءَ اللَّهِ عَدلًا، ولا لنِعَمِه من النَّاسِ أهلًا .

وقال الجاحِظُ: (الحَسَدُ -أبقاك اللَّهُ- داء يَنهَكُ الجَسَدَ، ويُفسِدُ الوُدَّ، علاجُه عَسِرٌ، وصاحِبُه ضَجِرٌ، وهو بابٌ غامضٌ، وأمرٌ متعَذِّرٌ، فما ظهر منه فلا يُداوى، وما بَطَن منه فمُداويه في عَناءٍ) ، ثمَّ قال: (ولو لم يَدخُلْ- رحمك اللَّهُ- على الحاسِدِ بَعدَ تراكُمِ الهمومِ على قَلبِه، واستمكانِ الحُزنِ في جَوفِه، وكثرةِ مَضَضِه ، ووَسواسِ ضَميرهِ، وتنغيصِ عُمُرِه، وكَدَرِ نفسِه، ونَكَدِ لَذاذةِ معاشِه، إلَّا استصغارُه لنعمةِ اللَّهِ عندَه، وسَخَطُه على سَيِّدِه بما أفاد اللَّهُ عبدَه، وتمنِّيه عليه أن يرجِعَ في هبتِه إيَّاه، وألَّا يرزُقَ أحدًا سِواه؛ لكان عِندَ ذوي العُقولِ مرحومًا، وكان عندَهم في القياسِ مظلومًا) .
5- يؤدِّي إلى المقاطعةِ والهَجرِ، والبَغضاءِ والشَّحناءِ.
6- يؤدِّي إلى الغِيبةِ والنَّميمةِ.
7- يؤدِّي إلى الظُّلمِ والعُدوانِ.
8- يؤدِّي إلى السَّرِقةِ والقَتلِ .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64
 
أقسامُ الحَسَدِ
 
قسَّم العُلَماءُ الحَسَدَ إلى عددٍ من الأنواعِ، ومنهم ابنُ القَيِّمِ الذي قسَّمه إلى ثلاثةِ أنواعٍ:

1- حَسَدٌ يُخفيه ولا يرتِّبُ عليه أذًى بوَجهٍ ما، لا بقَلبِه ولا بلِسانِه ولا بيَدِه، بل يجِدُ في قلبِه شيئًا من ذلك، ولا يعامِلُ أخاه إلَّا بما يحِبُّ اللَّهُ.
2- تمنِّي استصحابِ عَدَمِ النِّعمةِ، فهو يَكرَهُ أن يُحدِثَ اللَّهُ لعبدِه نِعمةً، بل يحِبُّ أن يبقى على حالِه؛ من جَهلِه، أو فَقرِه، أو ضَعفِه، أو شَتاتِ قَلبِه عن اللَّهِ، أو قِلَّةِ دِينِه.
3- حَسَدُ الغِبطةِ، وهو تمنِّي أن يكونَ له مثلُ حالِ المحسودِ، من غيرِ أن تزولَ النِّعمةُ عنه، فهذا لا بأسَ به ولا يعابُ صاحبُه، بل هذا قريبٌ من المنافسةِ .


وقسَّمه الغزاليُّ إلى أربعةِ أنواعٍ:
1- أن يحِبَّ زوالَ النِّعمةِ عنه، وإن كان ذلك لا ينتَقِلُ إليه، وهذا غايةُ الخُبثِ.
2- أن يحِبَّ زوالَ النِّعمةِ إليه لرغبتِه في تلك النِّعمةِ، مثلُ رغبتِه في دارٍ حَسَنةٍ، أو امرأةٍ جميلةٍ، أو ولايةٍ نافذةٍ، أو سَعةٍ نالها غيرُه، وهو يحِبُّ أن تكونَ له، ومطلوبُه تلك النِّعمةُ لا زوالُها عنه.
3- ألَّا يشتهيَ عينَها لنفسِه، بل يشتهي مِثلَها، فإن عَجَز عن مِثلِها أحَبَّ زوالَها؛ كي لا يظهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَهما.
4- أن يشتهيَ لنفسِه مِثلَها، فإن لم تحصُلْ فلا يحِبُّ زوالَها عنه، وهذا هو المعفوُّ عنه إن كان في الدُّنيا، والمندوبُ إليه إن كان في الدِّينِ .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
صُوَرُ الحَسَدِ

قد يقَعُ التَّحاسُدُ على تفضيلٍ دُنيويٍّ، كإيثارِ الأبِ أحَدَ ابنَيه، والزَّوجِ لإحدى زوجَتَيه.
وقد يقَعُ التَّحاسُدُ بَيْنَ أربابِ الصَّنائِعِ.
وقد يقَعُ بَيْنَ المتعَلِّقين بالأمراءِ والملوكِ.
وقد يقَعُ التَّحاسُدُ بسَبَبِ الإعجابِ بالفضائِلِ في الأنسابِ.
وكذلك يقَعُ بسَبَبِ التَّماثُلِ في الأنسابِ، كالإخوةِ وبني الأعمامِ بحسَدِ بعِضهم بعضًا.
وكذلك يحسُدُ العُبَّادُ العُبَّادَ، والعُلَماءُ العُلَماءَ .


975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

أسبابُ الوُقوعِ في الحَسَدِ

للحَسَدِ أسبابٌ كثيرةٌ تجعَلُ النَّفسَ المريضةَ تقَعُ في حبائِلِ تلك الخَصلةِ الذَّميمةِ، وقد أحسَن الجُرجانيُّ إجمالَها، فقال: (التَّفاضُلُ -أطال اللَّه بقاءَك- داعيةُ التَّنافُسِ، والتَّنافُسُ سَبَبُ التَّحاسُدِ، وأهلُ النَّقصِ رَجُلانِ: رجُلٌ أتاه التَّقصيرُ مِن قِبَلِه، وقَعَد به عن الكمالِ اختيارُه، فهو يساهِمُ الفُضَلاءَ بطَبعِه، ويحنو على الفَضلِ بقَدرِ سَهمِه. وآخَرُ رأى النَّقصَ ممتَزِجًا بخِلقتِه، ومُؤَثَّلًا في تركيبِ فِطرتِه، فاستشعَر اليأسَ من زوالِه، وقصُرَت به الهِمَّةُ عن انتقالِه؛ فلجأَ إلى حسَدِ الأفاضلِ، واستغاث بانتقاصِ الأماثِلِ، يرى أنَّ أبلغَ الأمورِ في جَبرِ نقيصتِه، وسَترِ ما كشَفَه العَجزُ عن عورتِه- اجتذابُهم إلى مشاركتِه، ووَسمُهم بمِثلِ سَمْتِه .

وفَصَّل الغزاليُّ أسبابَ التَّحاسُدِ في سبعةِ أمورٍ، هي:

1– (العداوةُ والبغضاءُ: وهذا أشدُّ أسبابِ الحَسَدِ؛ فإنَّ مَن آذاه شخصٌ بسببٍ مِن الأسبابِ، وخالَفه في غَرَضٍ بوجهٍ من الوجوهِ، أبغَضَه قَلبُه، وغَضِب عليه، ورَسَخ في نفسِه الحِقدُ. والحِقدُ يقتضي التَّشَفِّيَ والانتقامَ، فإنْ عَجَز المُبغِضُ عن أن يتشَفَّى بنفسِه أحَبَّ أن يتشَفَّى منه الزَّمانُ، ورُبَّما يحيلُ ذلك على كرامةِ نفسِه عِندَ اللَّهِ تعالى، فمهما أصابت عدُوَّه بليَّةٌ فَرِح بها، وظنَّها مكافأةً له من جهةِ اللهِ على بغضِه، وأنَّها لأجلِه، ومهما أصابته نعمةٌ ساءه ذلك؛ لأنَّه ضِدُّ مُرادِه، وربَّما يخطُرُ له أنَّه لا منزلةَ له عِندَ اللَّهِ؛ حيث لم ينتَقِمْ له من عدُوِّه الذي آذاه، بل أنعَمَ عليه!

2- التَّعزُّزُ: وهو أن يَثقُلَ عليه أن يترفَّعَ عليه غيرُه، فإذا أصاب بعضُ أمثالِه ولايةً أو عِلمًا أو مالًا، خاف أن يتكَبَّرَ عليه، وهو لا يُطيقُ تكَبُّرَه، ولا تسمَحُ نفسُه باحتمالِ صَلَفِه وتفاخُرِه عليه، وليس من غَرَضِه أن يتكَبَّرَ، بل غَرَضُه أن يدفَعَ كِبرَه؛ فإنَّه قد رَضِيَ بمساواتِه مَثَلًا، ولكنْ لا يرضى بالتَّرفُّعِ عليه.

3- الكِبرُ: وهو أن يكونَ في طَبعِه أن يتكبَّرَ عليه ويستصغِرَه ويستخدِمَه، ويتوقَّعَ منه الانقيادَ له والمتابعةَ في أغراضِه، فإذا نال نعمةً خاف ألَّا يحتَمِلَ تكَبُّرَه، ويترفَّعَ عن متابعتِه، أو ربَّما يتشَوَّفُ إلى مساواتِه، أو إلى أن يرتفِعَ عليه، فيعودُ متكَبِّرًا بعدَ أن كان متكَبِّرًا عليه.

4- التَّعجُّبُ: فيَجزَعُ الحاسِدُ من أن يتفضَّلَ عليه مَن هو مثلُه في الخِلقةِ، لا عن قَصدِ تكبُّرٍ، وطلَبِ رياسةٍ، وتقدُّمِ عداوةٍ، أو سَبَبٍ آخَرَ من سائرِ الأسبابِ.

5- الخوفُ من فوتِ المقاصِدِ: وذلك يختصُّ بمتزاحمَينِ على مقصودٍ واحدٍ، فإنَّ كلَّ واحِدٍ يحسُدُ صاحِبَه في كُلِّ نعمةٍ تكونُ عونًا له في الانفرادِ بمقصودِه، ومن هذا الجِنسِ تحاسُدُ الضَّرَّاتِ في التَّزاحُمِ على مقاصِدِ الزَّوجيَّةِ، وتحاسُدُ الإخوةِ في التَّزاحُمِ على نَيلِ المنزلةِ في قلبِ الأبوينِ؛ للتَّوصُّلِ به إلى مقاصِدِ الكرامةِ والمالِ.

6- حُبُّ الرِّياسةِ وطَلَبُ الجاهِ: وذلك كالرَّجُلِ الذي يريدُ أن يكونَ عديمَ النَّظيرِ في فَنٍّ مِن الفنونِ، إذا غَلَب عليه حُبُّ الثَّناءِ، واستفزَّه الفَرَحُ بما يُمدَحُ به من أنَّه واحِدُ الدَّهرِ، وفريدُ العصرِ في فنِّه، وأنَّه لا نظيرَ له؛ فإنَّه لو سَمِع بنظيرٍ له في أقصى العالَمِ لساءه ذلك، وأحبَّ موتَه أو زوالَ النِّعمةِ عنه التي بها يشارِكُه المنزلةَ؛ مِن شجاعةٍ، أو عِلمٍ، أو عبادةٍ، أو صناعةٍ، أو جمالٍ، أو ثروةٍ، أو غيرِ ذلك ممَّا يتفَرَّدُ هو به، ويفرَحُ بسَبَبِ تفَرُّدِه.

7- خُبثُ النَّفسِ وشُحُّها بالخيرِ لعبادِ اللَّهِ تعالى: فإنَّك تجِدُ مَن لا يشتغِلُ برياسةٍ وتكبُّرٍ ولا طَلَبِ مالٍ، إذا وُصِف عندَه حُسنُ حالِ عبدٍ من عبادِ اللَّهِ تعالى فيما أنعَم اللَّهُ به عليه، يشُقُّ ذلك عليه، وإذا وُصِف له اضطِرابُ أمورِ النَّاسِ، وإدبارُهم، وفَواتُ مقاصِدِهم، وتنغُّصُ عَيشِهم، فَرِح به؛ فهو أبدًا يحِبُّ الإدبارَ لغيرِه، ويبخَلُ بنعمةِ اللَّهِ على عبادِه، كأنَّهم يأُخذون ذلك من مُلكِه وخِزانتِه! وهذا السَّببُ معالجتُه شديدةٌ؛ لأنَّ الحَسَدَ الثَّابتَ بسائرِ الأسبابِ أسبابُه عارِضةٌ، يُتصَوَّرُ زوالُها، فيُطمَعُ في إزالتِها، وهذا خُبثٌ في الجِبِلَّةِ لا عن سَبَبٍ عارضٍ، فتَعسُرُ إزالتُه) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الحَسَدِ

ذَكَر العُلَماءُ وسائِلَ للحاسِدِ الذي يريدُ النَّجاةَ من مغبَّةِ هذا الخُلُقِ الذَّميمِ، ويوَدُّ الخلاصَ من آفتِه التي أقضَّت مَضجَعَه، ومن تلك الوسائِلِ :

1- قَطعُ النَّظَرِ عن النَّاسِ، وتعليقُ قلبِه باللَّهِ سُبحانَه وتعالى، وسؤالُه من فَضلِه.

2- المنافَسةُ في الأعمالِ الصَّالحةِ لا في أمورِ الدُّنيا.

3- التَّربيةُ منذُ الطُّفولةِ على حُبِّ الخيرِ للنَّاسِ.

4- أن يُدَرِّبَ نفسَه على قولِ: ما شاء اللَّهُ لا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ، والدُّعاءُ بالبَرَكةِ إذا أعجَبَه شيءٌ.

5- الدُّعاءُ للمحسودِ بالزِّيادةِ مِن فَضلِ اللَّهِ تعالى إذا وَجَد في نفسِه شيئًا من الحَسَدِ المذمومِ.

6- الرِّضا بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، والتَّسليمُ لحُكمِه؛ فهو الذي يُعطي النِّعَمَ ويَسلُبُها، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32] .

7- التَّفكُّرُ في نتائِجِ الحَسَدِ، والنَّظَرُ في عواقِبِه الوخيمةِ عليه وعلى مَن حولَه؛ فهو يتألَّمُ بحسَدِه ويتنغَّصُ في نفسِه، فيبقى مغمومًا محرومًا مُتشَعِّبَ القلبِ، ضَيِّقَ الصَّدرِ، قد نزل به ما يَشتَهيه الأعداءُ له، ويشتهيه لأعدائِه؛ قال تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] .

8- أن يحذَرَ نُفورَ النَّاسِ منه، وبُعدَهم عنه، وبُغضَهم له؛ لأنَّ الحَسَدَ يَظهَرُ في أعمالِ الجوارِحِ؛ قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118] ، فيخافُ عداوتَهم له وملامتَهم إيَّاه، فيتألَّفُهم بمعالجةِ نفسِه، وسلامةِ صَدرِه.

9- أن يَعمَلَ بنقيضِ ما يأمُرُه به الحَسَدُ؛ فإنْ حمَلَه الحَسَدُ على القَدحِ في محسودِه كَلَّف لسانَه المدْحَ له والثَّناءَ عليه، وإنْ حَمَله على التَّكبُّرِ عليه ألزَمَ نفسَه التَّواضُعَ له والاعتذارَ إليه، وإنْ بَعَثه على كَفِّ الإنعامِ عليه ألزَم نفسَه الزِّيادةَ في الإنعامِ عليه.

10- أن يَصرِفَ شهوةَ قلبِه في مرضاةِ اللَّهِ تعالى: فقد جَعَل اللَّهُ في الطَّاعةِ والحلالِ ما يملأُ القلبَ بالخيرِ، وما من صفةٍ من الصِّفاتِ إلَّا وجَعَل لها مصرِفًا ومحلًّا ينفُذُها فيه، فجعل لصفةِ الحَسَدِ مَصرِفًا وهو المنافَسةُ في فعلِ الخيرِ، والغِبطةُ عليه، والمسابقةُ إليه، وجَعَل لصِفةِ الكِبرِ التي تؤدِّي للحَسَدِ مَصرِفًا، هو التَّكبُّرُ على أعداءِ اللَّهِ تعالى وإهانتُهم، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمن رآه يختالُ بَيْنَ الصَّفَّينِ في الحربِ: ((إنَّها لمِشيةُ يُبغِضُها اللَّهُ إلَّا في هذا الموطِنِ)) ، وجعَل لقُوَّةِ الحِرصِ مَصرِفًا، وهو الحِرصُ على ما ينفَعُ، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((احرِصْ على ما ينفَعُك)) .

11- أنَّه إذا خَطَرت له خَطرةُ الحَسَدِ، ودعاه الشَّيطانُ إليه، فينبغي أن يَكرَهَ ذلك أشَدَّ الكراهةِ لِما يؤدِّي إليه مِن السَّعيِ في مضارَّةِ المحسودِ .
12- أن يَعلَمَ أنَّ الحاسِدَ لم يحِبَّ لأخيه المُسلِمِ ما أحَبَّ لنفسِه، وأنَّه شارَك الشَّيطانَ في عداوةِ أخيك المُسلِمِ، وسَخِطَ ما أعطاه اللَّهُ عبادَه .

13- أن يجاهِدَ نفسَه على تخليصِ قلبِه من كُلِّ مَرَضٍ، ومن ذلك داءُ الحَسَدِ؛ حتَّى يكونَ قلبًا سليمًا؛ قال تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشَّعراء: 88 - 89] .
والقلبُ السَّليمُ هو الذي سَلِم من الشِّركِ الجَليِّ والخَفيِّ، ومن الأهواءِ والبِدَعِ، ومن الفُسوقِ والمعاصي؛ كبائِرِها وصغائِرِها، الظَّاهِرةِ والباطنةِ، كالرِّياءِ، والعُجبِ، والغِلِّ، والغِشِّ، والحِقدِ، والحَسَدِ، وغيرِ ذلك .


975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64


الوسائِلُ المُعينةُ على دفعِ شَرِّ الحاسِدِ عن المحسودِ

ذكَرَ ابنُ القَيِّمِ عَشَرةَ أسبابٍ تدفَعُ شَرَّ الحاسِدِ عن المحسودِ :
1- التَّعوُّذُ باللَّهِ تعالى مِن شَرِّه، واللُّجوءُ والتَّحصُّنُ به، واللَّهُ تعالى سميعٌ لاستعاذتِه، عليمٌ بما يستعيذُ منه قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق 1- 5].
2- تقوى اللَّهِ وحِفظُه عِندَ أمرِه ونَهيِه؛ فمن اتَّقى اللَّهَ تولَّى اللَّهُ حِفظَه، ولم يَكِلْه إلى غيرِه، قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120]، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: ((احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تَجِدْه تُجاهَك)) . فمَن حَفِظ اللَّهَ حَفِظه اللَّهُ ووجَدَه أمامَه أينما توجَّهَ، ومَن كان اللَّهُ حافِظَه وأمامَه، فمِمَّن يخافُ؟!
3- الصَّبرُ على عَدُوِّه، وألَّا يقاتِلَه ولا يشكوَه، ولا يحدِّثَ نفسَه بأذاه أصلًا، فما نُصِر على حاسدِه وعَدُوِّه بمِثلِ الصَّبرِ عليه والتَّوكُّلِ على اللَّهِ، ولا يستَطِلْ تأخيرَه وبَغْيَه؛ فإنَّه كلَّما بغى عليه كان بغيُه جُندًا وقوَّةً للمَبغيِّ عليه المحسودِ، يقاتلُ به الباغي نفسَه وهو لا يَشعُرُ، فبَغيُه سهامٌ يرميها من نفسِه، وقد قال تعالى: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: 60] ، فإذا كان اللَّهُ قد ضَمِن له النَّصرَ مع أنَّه قد استوفى حقَّه أوَّلًا، فكيف بمَن لم يَستوفِ شيئًا مِن حَقِّه؟!
4- التَّوكُّلُ على اللَّهِ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] ، والتَّوكُّلُ من أقوى الأسبابِ التي يدفَعُ بها العبدُ ما لا يطيقُ من أذى الخَلقِ وظلمِهم وعدوانِهم؛ فإنَّ اللَّهَ حَسبُه، أي: كافيه، ومَن كان اللَّهُ كافيَه وواقيَه فلا مَطمَعَ فيه لعدوِّه، ولا يضرُّه إلَّا أذًى لا بُدَّ منه، كالحَرِّ والبردِ والجوعِ والعَطَشِ، وأمَّا أن يضُرَّه بما يبلُغُ منه مرادَه فلا يكونُ أبدًا، وفرقٌ بَيْنَ الأذى الذي هو في الظَّاهِرِ إيذاءٌ له، وهو في الحقيقةِ إحسانٌ إليه وإضرارٌ بنفسِه، وبَينَ الضَّرَرِ الذي يتشَفَّى به منه.
5- فراغُ القلبِ من الاشتغالِ به والفِكرِ فيه، وأن يقصِدَ أن يمحوَه من بالِه كلَّما خطَر له، فلا يلتَفِتُ إليه، ولا يخافُه، ولا يملأْ قلبَه بالفِكرِ فيه، ولا يجعَلْ قَلبَه معمورًا بالفِكرِ في حاسِدِه، والباغي عليه، فهذا التَّفكيرُ ممَّا لا يتَّسِعُ له إلَّا قلبٌ خرابٌ، لم تسكُنْ فيه محبَّةُ اللَّهِ، وإجلالُه وطَلَبُ مرضاتِه، وهذا العلاجُ من أنفَعِ الأدويةِ، وأقوى الأسبابِ المُعينةِ على اندِفاعِ شَرِّه.
6- الإقبالُ على اللَّهِ والإخلاصُ له، وجَعلُ محبَّتِه وترضِّيه والإنابةِ إليه في محَلِّ خواطِرِ نفسِه وأمانيِّها، تَدِبُّ فيها دبيبَ الخواطِرِ شيئًا فشيئًا، حتَّى يقَهَرها ويَغمُرَها، ويُذهِبَها بالكُلِّيَّةِ، فتبقى خواطِرُه وهواجِسُه وأمانيُّه كُلُّها في محابِّ الرَّبِّ، والتَّقرُّبِ إليه، وتملُّقِه، وترَضِّيه، واستِعطافِه، وذِكرِه.
7- تجريدُ التَّوبةِ إلى اللَّهِ من الذُّنوبِ التي سلَّطَت عليه أعداءَه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فِبَمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] ، وقال لصحابةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165] ، فما سُلِّط على العبدِ مَن يؤذيه إلَّا بذَنبٍ يَعلَمُه أو لا يعلَمُه، وما لا يَعلَمُه العبدُ مِن ذنوبِه أضعافُ ما يعلَمُه منها، وما ينساه ممَّا عَلِمَه وعَمِلَه أضعافُ ما يَذكُرُه.
8- الصَّدَقةُ والإحسانُ ما أمكنه؛ فإنَّ لذلك تأثيرًا عجيبًا في دَفعِ البلاءِ، ودَفعِ العَينِ وشَرِّ الحاسِدِ، فما يكادُ العينُ والحَسَدُ والأذى يتسَلَّطُ على محسِنٍ متصَدِّقٍ، وإن أصابه شيءٌ من ذلك كان معامَلًا فيه باللُّطفِ والمعونةِ والتَّأييدِ، وكانت له فيه العاقبةُ الحميدةُ.
9- إطفاءُ نارِ الحاسدِ والباغي والمؤذي بالإحسانِ إليه؛ فكلَّما ازداد أذًى وشَرًّا وبغيًا وحسدًا، ازدَدْتَ إليه إحسانًا، وله نصيحةً، وعليه شفَقةً، وهذا من أصعَبِ الأسبابِ على النَّفسِ وأشقِّها عليها، ولا يوفَّقُ له إلَّا مَن عَظُم حَظُّه من اللَّهِ؛ قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 34 - 36] ، واعلَمْ أنَّ لك ذنوبًا بينك وبينَ اللَّهِ، تخافُ عواقِبَها، وترجوه أن يعفوَ عنها، ويغفِرَها لك، ويهَبَها لك. ومع هذا يُنعِمُ اللَّهُ عليك ويُكرِمُك، ويجلِبُ إليك من المنافِعِ والإحسانِ فوقَ ما تؤمِّلُه، فإذا كنتَ ترجو هذا من رَبِّك أن يقابِلَ به إساءتَك، فما أولاك وأجدَرَك أن تعامِلَ به خَلْقَه، وتقابِلَ به إساءتَهم؛ ليعامِلَك اللَّهُ هذه المعاملةَ؛ فإنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ.
10- تجريدُ التَّوحيدِ والانتقالُ بالفِكرِ إلى المُسَبِّبِ العزيزِ الحكيمِ، والعِلمُ بأنَّ الحَسَدَ لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ إلَّا بإذنِه، فهو الذي يصرِفُه عنه وَحدَه لا أحَدَ سِواه؛ قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: 107] ، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: ((واعلَمْ أنَّ الأُمَّة لو اجتمَعَت على أن يضُرُّوك بشَيءٍ لم يضرُّوك إلَّا بشَيءٍ قد كتبه اللهُ عليك)) .
وقال الجاحِظُ: (فإذا أحسَسْتَ -رَحِمك اللَّهُ- من صديقِك بالحَسَدِ، فأقلِلْ ما استطَعْتَ من مخالطتِه؛ فإنَّه أعونُ الأشياءِ لك على مسالمتِه، وحَصِّنْ سِرَّك منه تسلَمْ مِن شَرِّه وعوائِقِ ضُرِّه، وإيَّاك والرَّغبةَ في مشاورتِه، ولا يَغُرَّنَّك خُدعُ مَلَقِه ، وبيانُ ذَلَقِه ؛ فإنَّ ذلك من حبائِلِ نفاقِه... وربَّما كان الحسودُ للمُصطَنِعِ إليه المعروفَ أكفَرَ له وأشَدَّ احتقادًا، وأكثَرَ تصغيرًا له من أعدائِه) .
وقال ابنُ الجوزيِّ: (إن أردتَ العيشَ فابعُدْ عن الحسودِ؛ لأنَّه يرى نعمتَك، فربَّما أصابها بالعينِ! فإنِ اضطُرِرْتَ إلى مخالطتِه فلا تُفشِ له سِرَّك، ولا تشاوِرْه، ولا يَغُرَّنَّك تملُّقُه لك، ولا ما يُظهِرُه من الدِّينِ والتَّعبُّدِ؛ فإنَّ الحَسَدَ يَغلِبُ الدِّينَ، وقد عرَفْتَ أنَّ قابيلَ أخرَجه الحَسَدُ إلى القَتلِ! وأنَّ إخوةَ يوسُفَ باعوه بثَمَنٍ بَخسٍ! وكان أبو عامِرٍ الرَّاهِبُ من المتعَبِّدين العُقَلاءِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ من الرُّؤساءِ، أخرَجَهما حَسَدُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى النِّفاقِ، وتَركِ الصَّوابِ.
ولا ينبغي أن تَطلُبَ لحاسِدِك عُقوبةً أكثَرَ ممَّا فيه؛ فإنَّه في أمرٍ عظيمٍ متَّصِلٍ، لا يُرضيه إلَّا زوالُ نعمتِك، وكلَّما امتَدَّت امتَدَّ عذابُه، فلا عَيشَ له! وما طاب عَيشُ أهلِ الجنَّةِ إلَّا حينَ نُزِع الحَسَدُ والغِلُّ مِن صُدورِهم، ولولا أنَّه نُزِع، تحاسَدوا وتنغَّص عيشُهم) .

 

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
نماذِجُ من الحُسَّادِ

حسَدُ إبليسَ

خَلَق اللَّهُ جَلَّ وعلا آدَمَ عليه السَّلامُ وشَرَّفه وكَرَّمه، وأمَر الملائكةَ بالسُّجودِ له، ولكِنَّ إبليسَ تكبَّرَ وبغى، وحَسَده على هذه المنزلةِ؛ قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 11-12] .
قال قتادةُ: (حَسَد عَدُوُّ اللَّهِ إبليسُ آدَمَ عليه السَّلامُ ما أعطاه من الكرامةِ، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ) . وقال ابنُ عطيَّةَ: (أوَّلُ ما عُصِيَ اللَّهُ بالحَسَدِ، وظهَر ذلك من إبليسَ) .
ومن شِدَّةِ حَسَدِ إبليسَ أنَّه لمَّا تبَيَّن مَقتَ اللَّهِ له وغَضَبه عليه، أراد أن يُغويَ بني آدمَ ليشارِكوه المَقْتَ والغضَبَ، وقد ذَكَر اللَّهُ حالَ إبليسَ هذا؛ قال تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17] . قال ابنُ القيِّمِ: (الحاسِدُ شبيهٌ بإبليسَ، وهو في الحقيقةِ من أتباعِه؛ لأنَّه يطلُبُ ما يحِبُّه الشَّيطانُ مِن فسادِ النَّاسِ، وزوالِ نِعَمِ اللَّهِ عنهم، كما أنَّ إبليسَ حَسَد آدمَ لشَرَفِه وفَضلِه، وأبى أن يسجُدَ له حَسَدًا، فالحاسِدُ من جُندِ إبليسَ) .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ قابيلَ لأخيه هابيلَ

قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: 27- 30] . (فإنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ لمَّا بُعِث إلى أولادِه كانوا مُسلِمين مُطيعين، ولم يحدُثْ بَيْنَهم اختلافٌ في الدِّينِ، إلى أن قَتَل قابيلُ هابيلَ؛ بسَبَبِ الحَسَدِ والبَغيِ)

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ إخوةِ يُوسُفَ

قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف: 7- 9] .
قال الماوَرْديُّ: (كان يعقوبُ قد كَلِفَ بهما لموتِ أمِّهما، وزاد في المراعاةِ لهما، فذلك سَبَبُ حَسَدِهم لهما، وكان شديدَ الحُبِّ ليوسُفَ، فكان الحَسَدُ له أكثَرَ، ثمَّ رأى الرُّؤيا فصار الحَسَدُ له أشَدَّ) .
قيل للحَسَنِ: يا أبا سعيدٍ، أيحسُدُ المُؤمِنُ؟ قال: لا أمَّ لك! أنسِيتَ إخوةَ يوسُفَ .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ اليهودِ والنَّصارى

بَيَّنَ اللَّهُ تعالى أنَّ أهلَ الكتابِ الذين كفَروا بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَسَدوه على ما آتاه اللَّهُ من فضلِه، حتَّى إنَّهم زعموا أنَّ كُفَّارَ مكَّةَ أهدى من المُؤمِنين برسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء 51- 54]، ومع كُفرِهم فإنَّهم يودُّون لو يرتَدُّ المُسلِمون عن دينِهم حَسَدًا وحِقدًا؛ قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109]، قال ابنُ كثيرٍ: (يحذِّرُ تعالى عبادَه المُؤمِنين عن سُلوكِ طرائِقِ الكُفَّارِ من أهلِ الكتابِ، ويُعلِمُهم بعداوتِهم لهم في الباطِنِ والظَّاهِرِ، وما هم مشتَمِلون عليه من الحَسَدِ للمُؤمِنين، مع عِلمِهم بفضلِهم، وفَضلِ نبيِّهم) .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ كُفَّارِ قُرَيشٍ

أكرَم اللَّهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ، ولكِنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ حَسَدوه على هذا الفَضلِ، وظنُّوا أنَّ النُّبُوَّةَ مبنيَّةٌ على مقاييسِهم الدُّنيويَّةِ المختَلَّةِ، وقد ذكر اللَّهُ تعالى ذلك عنهم ووبَّخَهم على سوءِ فَهمِهم؛ قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 31- 32] .
وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [القصص: 69] .
(مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ من عداوةِ رَسولِ اللَّهِ وحَسَدِه وَمَا يُعْلِنُونَ من مَطاعنِهم فيه، وقولِهم: هلَّا اختيرَ عليه غيرُه في النُّبُوَّةِ!)

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ المُنافِقينَ

المُنافِقون يُظهِرون الإسلامَ، ويُبطِنون الكُفرَ والعداوةَ، وتكادُ قُلوبُهم تَشَقَّقُ حَسَدًا وغيظًا وحِقدًا؛ قال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: 120] ، قال ابنُ كثيرٍ: (وهذه الحالُ دالَّةٌ على شِدَّةِ العداوةِ منهم للمُؤمِنين، وهو أنَّه إذا أصاب المُؤمِنين خِصبٌ ونصرٌ وتأييدٌ، وكَثُروا وعَزَّ أنصارُهم؛ ساء ذلك المُنافِقين، وإن أصاب المُسلِمين سَنَةٌ -أي: جَدبٌ- أو أُديلَ عليهم الأعداءُ لِما للهِ تعالى في ذلك من الحكمةِ، كما جرى يومَ أحُدٍ؛ فَرِح المُنافِقون بذلك) . وقال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد: 29] ، قال ابنُ كثيرٍ: (أيعتَقِدُ المُنافِقون أنَّ اللَّهَ لا يكشِفُ أمرَهم لعبادِه المُؤمِنين، بل سيوضِّحُ أمرَهم ويُجَلِّيه حتى يَفهَمَهم ذَوو البصائِرِ، وقد أنزل اللَّهُ تعالى في ذلك سورةَ براءةَ، فبَيَّن فيها فضائِحَهم، وما يعتَمِدونه من الأفعالِ الدَّالَّةِ على نفاقِهم؛ ولهذا كانت تُسَمَّى الفاضِحةَ. والأضغانُ: جمعُ ضِغنٍ، وهو ما في النُّفوسِ من الحَسَدِ والحِقدِ للإسلامِ وأهلِه، والقائِمين بنَصرِه) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
حُكمُ الحَسَدِ

الحَسَدُ الذي هو تمنِّي زوالِ النِّعمةِ عن المحسودِ سواءٌ زالت عن المحسودِ ووصَلت إليه، أو لم تَصِلْ، فهذا الحَسَدُ قد أجمع العُلَماءُ على تحريمِه مع ورودِ النُّصوصِ من الكتابِ والسُّنَّةِ . وذكَره بعضُ العُلَماءِ في الكبائِرِ .

وقال ابنُ حَجَرٍ: (مَن تمنَّى زوالَ النِّعمةِ عن مستحِقٍّ لها، وسعى في ذلك، كان باغيًا، وإن لم يسْعَ في ذلك ولا أظهَره ولا تسَبَّب في تأكيدِ أسبابِ الكراهةِ التي نُهي المُسلِمُ عنها في حَقِّ المُسلِمِ، نُظِرَ؛ فإن كان المانِعُ له من ذلك العَجزَ بحيثُ لو تمكَّن لفَعَل، فهذا مأزورٌ، وإن كان المانعُ له من ذلك التَّقوى، فقد يُعذَرُ؛ لأنَّه لا يستطيعُ دَفعَ الخواطِرِ النَّفسانيَّةِ، فيكفيه في مجاهدتِها ألَّا يعمَلَ بها، ولا يَعزِمَ على العَمَلِ بها؛ فعن الحَسَنِ البَصريِّ قال: ما من آدَميٍّ إلَّا وفيه الحَسَدُ؛ فمن لم يجاوِزْ ذلك إلى البَغيِ والظُّلمِ لم يَتبَعْه منه شيءٌ) .

وأمَّا الحَسَدُ بمعنى الغِبطةِ، وهو أن يتمنَّى مِثلَ النِّعمةِ التي على غيرِه من غيرِ زوالِها عن صاحِبِها، فإن كانت من أمورِ الدُّنيا كانت مباحةً، وإن كانت طاعةً فهي مستحبَّةٌ . عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا حَسَدَ إلَّا في اثنتَينِ : رجُلٌ آتاه اللَّهُ مالًا فسُلِّط على هلَكَتِه في الحَقِّ، ورجُلٌ آتاه اللَّهُ الحِكمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها)) . قال ابنُ القَيِّمِ: (فهذا حَسَدُ مُنافَسةٍ وغِبطةٍ، يَدُلُّ على عُلُوِّ هِمَّةِ صاحِبِه، وكِبَرِ نفسِه، وطَلَبِها للتَّشبُّهِ بأهلِ الفَضلِ) .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ

الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به:
يقالُ: الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به في السَّماءِ، وأوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ به في الأرضِ؛ فأمَّا في السَّماءِ فحَسَدُ إبليسَ لآدَمَ، وأمَّا في الأرضِ فحَسَدُ قابيلَ لهابيلَ .

علاماتُ الحاسِدِ:
قال الجاحِظُ: (وما لَقِيتَ حاسِدًا قَطُّ إلَّا تبيَّن لك مكنونُه بتغَيُّرِ لونِه، وتخوُّصِ عينِه، وإخفاءِ سلامِه، والإقبالِ على غيرِك، والإعراضِ عنك، والاستِثقالِ لحديثِك، والخلافِ لرأيِك) .
وكان يقالُ: من علاماتِ الحَسودِ: أن يتمَلَّقَ الرَّجُلَ إذا حضَر، ويغتابَه إذا غاب، ويَشمَتَ بالمصيبةِ إذا نَزَلت .


مَن يَقَعُ بَيْنَهم الحَسَدُ:
الغالِبُ أنَّ الحَسَدَ لا يقَعُ إلَّا بَيْنَ المُشتَرِكينِ في فضيلةٍ من الفضائِلِ أو في شيءٍ من الأسبابِ الدُّنيويَّةِ، فلا يحسُدُ الفقيهُ النَّحويَّ، ولا التَّاجِرُ الجَمَّالَ، ولا الصَّانِعُ البَقَّالَ، ولا يُتصَوَّرُ الحَسَدُ لمحبوبٍ؛ لأنَّ المحِبَّ يتمَنَّى زيادةَ النِّعَمِ للمحبوبِ، ولا يتمنَّى زوالَ النِّعَمِ عنه .

من أخبارِ التَّحاسُدِ:
- كان الخليفةُ النَّاصِرُ الأندَلُسيُّ قد وشَّح ابنَه الحَكَمَ، وجعَلَه وليَّ عهدِه، وآثَره على جميعِ وَلَدِه، ودفع إليه كثيرًا من التَّصرُّفِ في دولتِه، فحَسَده أخوه عبدُ اللَّهِ، فأضمَر في نفسِه الخروجَ على أبيه، وتحدَّث مع مَن داخَله شيءٌ من أمرِ الحَكَمِ من رجالاتِ أبيه، فأجابه بعضُهم، ثمَّ إنَّ الخَبَرَ بلَغ الخليفةَ النَّاصِرَ، فاستكشَفَ أمْرَهم، وقَبَض على ابنِه عبدِ اللَّهِ وعلى جميعِ مَن معه، وقتَلَهم أجمعينَ سَنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثِمائةٍ .
- كان جَنْكيز خان سَنَّ لقومِه الياسقَ يتحاكَمون إليه، وقرَّر فيه قَتلَ مَن رَعَفَ وسال منه الدَّمُ وهو يأكُلُ، وقَرَّر لهم أنَّ مَن لم يُمضِ حُكمَ الياسقَ قُتِل، وأراد أن يَقتُلَ بعضَ مَن حولَه مِن كبارِ قَومِه للتَّحاسدِ الذي يظهَرُ منهم، فتركهم يومًا وهم على سِماطِه ورَعَف نفسَه، فلم يجسُرْ أحَدٌ أن يُمضيَ فيه حُكمَ الياسقَ لمهابتِه وجبَروتِه، فتركوه ولم يطالِبوه بما قرَّره، وهابوه في ذلك، فتركهم أيَّامًا، ثمَّ جمع مُقَدَّميهم وأُمَراءَهم، وقال: لأيِّ شيءٍ ما أمضيتُم فيَّ حُكمَ الياسقِ، وقد رَعَفْتُ وأنا آكُلُ بينكم؟! قالوا: لم نجسُرْ على ذلك! فقال: لم تعمَلوا بالياسقِ ولا أمضَيتُم أمرَه، وقد وجَبَ قَتْلُكم، فقتَلَهم أجمعين !


من نوادِرِ التَّحاسُدِ:
قال الشَّعبيُّ: (وجَّهَني عبدُ المَلِكِ إلى مَلِكِ الرُّومِ، فلمَّا انصَرَفتُ دفَع إليَّ كتابًا مختومًا، فلمَّا قرأه عبدُ المَلِكِ رأيتُه تغَيَّرَ، وقال: يا شَعبيُّ، أعلِمْتَ ما كَتَب هذا الكَلبُ؟! قلتُ: لا، قال: إنَّه كَتَب: لم يكُنْ للعَرَبِ أن تُمَلِّكَ إلَّا مَن أرسَلْتَ به إليَّ؟ فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنين، إنَّه لم يَرَك، ولو رآك لكان يَعرِفُ فَضْلَك، وإنَّه حَسَدك على استخدامِك مِثلي! فسُرِّيَ عنه) .
وقال الأصمَعيُّ: (كان رجُلٌ من أهلِ البَصرةِ بذيئًا شِرِّيرًا، يؤذي جيرانَه ويَشتِمُ أعراضَهم، فأتاه رجُلٌ فوعَظَه، فقال له: ما بالُ جيرانِك يشكونك؟ قال: إنَّهم يحسُدونني! قال له: على أيِّ شيءٍ يحسُدونَك؟ قال: على الصَّلبِ! قال: وكيف ذاك؟! قال: أقبِلْ معي. فأقبَلَ معه إلى جيرانِه، فقَعَد مُتحازِنًا، فقالوا له: ما لك؟ قال: طَرَق اللَّيلةَ كتابُ معاويةَ: أنِّي أُصلَبُ أنا ومالِكُ بنُ المُنذِرِ وفُلانٌ وفلانٌ، فذكَر رجالًا من أشرافِ أهلِ البصرةِ، فوثبوا عليه، وقالوا: يا عدُوَّ اللَّهِ، أنت تُصلَبُ مع هؤلاء، ولا كرامةَ لك؟! فالتَفتَ إلى الرَّجُلِ فقال: أمَا تراهم قد حَسَدوني على الصَّلبِ! فكيف لو كان خيرًا؟!) .


تحاسُدُ بعضِ طلَبةِ العِلمِ والأقرانِ:
قد يجُرُّ التَّنافُسُ بَيْنَ بعضِ طَلَبةِ العِلمِ إلى الوقوعِ في بعضِ التَّحاسُدِ؛ قال الذَّهبيُّ: (كلامُ الأقرانِ بعضِهم في بعضٍ لا يُعبَأُ به، لا سيَّما إذا لاح لك أنَّه لعَداوةٍ أو لمذهَبٍ أو لحسَدٍ، وما ينجو منه إلَّا مَن عَصَم اللَّهُ، وما عَلِمتُ أنَّ عصرًا من الأعصارِ سَلِم أهلُه من ذلك سوى الأنبياءِ والصِّدِّيقين، ولو شِئتُ لسَرَدتُ من ذلك كراريسَ، اللَّهُمَّ فلا تجعَلْ في قُلوبِنا غِلًّا للذين آمنوا، ربَّنا إنَّك رؤوفٌ رحيمٌ) .
وذكَر الغزاليُّ حالَ بعضِ أولئك الحَسَدةِ، فقال: (واحذَرْ مخالطةَ مُتفَقِّهةِ الزَّمانِ، لا سِيَّما المشتَغِلين بالخِلافِ والجِدالِ، واحذَرْ منهم؛ فإنَّهم يتربَّصون بك- لحسَدِهم- رَيبَ المنونِ، ويقطَعون عليك بالظُّنونِ، ويتغامَزون وراءك بالعُيونِ، ويُحصون عليك عَثَراتِك في عِشرتِهم، حتَّى يجابِهوك بها في حالِ غَيظِهم ومناظرتِهم، لا يُقيلون لك عَثرةً، ولا يَغفِرون لك زَلَّةً، ولا يَستُرون لك عَورةً، يحاسِبونك على النَّقيرِ ، والقِطْميرِ ، ويحسُدونك على القليلِ والكثيرِ، ويُحرِّضون عليك الإخوانَ بالنَّميمةِ والبلاغاتِ والبُهتانِ، إن رَضُوا فظاهِرُهم المَلَقُ ، وإن سَخِطوا فباطِنُهم الحَنَقُ ، ظاهِرُهم ثيابٌ، وباطِنُهم ذئابٌ. هذا ما قطَعَت به المشاهدةُ على أكثَرِهم، إلَّا مَن عصَمه اللَّهُ تعالى؛ فصُحبتُهم خُسرانٌ، ومعاشرتُهم خِذلانٌ. هذا حُكمُ من يُظهِرُ لك الصَّداقةَ، فكيف مَن يجاهِرُك بالعَداوةِ؟!) .
وقد نهى العُلَماءُ عن الخَوضِ في أهلِ العِلمِ بلا برهانٍ واضِحٍ وبَيِّنةٍ ساطعةٍ؛ قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (لا يُقبَلُ فيمن صَحَّت عدالتُه، وعُلِمَت بالعِلمِ عنايتُه، وسَلِم من الكبائِرِ، ولَزِم المروءةَ والتَّصاوُنَ ، وكان خيرُه غالبًا، وشَرُّه أقَلَّ عَمَلِه، فهذا لا يُقبَلُ فيه قولُ قائِلٍ لا برهانَ له به، وهذا هو الحَقُّ الذي لا يَصِحُّ غيرُه إن شاء اللَّهُ، قال أبو العتاهيةِ:
بكى شَجْوَه الإسلامُ من عُلَمائِهِ
فما اكتَرَثوا لِما رأوا من بُكائِهِ
فأكثَرُهم مُستقبِحٌ لصوابِ مَن
يخالِفُه مُستحسِنٌ لخَطائِهِ
فأيُّهُمُ المَرجوُّ فينا لدينِهِ
وأيُّهم الموثوقُ فينا برأيِهِ) .


شَرُّ الحَسَدِ:
شَرُّ الحَسَدِ: الحَسَدُ على معاصي اللَّهِ عزَّ وجَلَّ، وهو أن يتمنَّى أن يتمكَّنَ من المعاصي التي يفعَلُها غيرُه .
ليس من الحَسَدِ:
ليس من الحَسَدِ ألَّا ينالَ غيرُه خيرًا من خُيورِ الدُّنيا والآخرةِ؛ لأنَّ الحَسَدَ مخصوصٌ بما حَصَل من النِّعَمِ .


وجودُ النِّعمةِ مَظِنَّةُ الحَسَدِ:
قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: (ما كانت على أحَدٍ نِعمةٌ إلَّا كان لها حاسِدٌ)

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ذَمُّ الحَسَدِ في واحةِ الأدَبِ

أ- مِنَ الشِّعرِ

1- قال ابنُ المعتَزِّ:
ما عابني إلَّا الحَسو
دُ وتلك من خيرِ المعايبْ
وإذا فقَدْتُ الحاسدي
ن فقَدْتُ في الدُّنيا المطايِبْ
2- وقال محمود الورَّاقُ:
أعطيتُ كُلَّ النَّاسِ مِن نفسي الرِّضا
إلَّا الحسودَ فإنَّه أعياني
لا أنَّ لي ذنبًا لديه علِمتُهُ
إلَّا تظاهُرَ نِعمةِ الرَّحمنِ
يطوي على حَنَقٍ حَشاه لأنْ رأى
عندي كمالَ غِنًى وفَضلَ بيانِ
ما إن أرى يُرضيه إلَّا ذِلَّتي
وذَهابُ أموالي وقَطعُ لِساني
3- وقال الطُّغرائيُّ:
جامِلْ عَدُوَّك ما استطَعْتَ فإنَّه
بالرِّفقِ يُطمَعُ في صلاحِ الفاسِدِ
واحذَرْ حَسودَك ما استطَعْتَ فإنَّه
إن نِمْتَ عنه فليس عنك براقِدِ
إنَّ الحَسودَ وإن أراك توَدُّدًا
منه أضَرُّ من العَدُوِّ الحاقِدِ
ولرُبَّما رَضِيَ العَدوُّ إذا رأى
منك الجميلَ فصار غيرَ معانِدِ
ورِضا الحسودِ زوالُ نعمتِك التي
أوتيتَها من طارِفٍ أو تالِدِ
فاصبِرْ على غَيظِ الحَسودِ فنارُهُ
ترمي حَشاه بالعَذابِ الخالِدِ
تضفو على المحسودِ نِعمةَ رَبِّه
ويذوبُ مِن كَمَدٍ فؤادُ الحاسِدِ
4- وقال المُعافى بنُ زكريَّا النَّهروانيُّ:
ألَا قُلْ لمَن كان لي حاسِدًا
أتدري على من أسأتَ الأدَبْ
أسأتَ على اللَّهِ في فِعْلِهِ
لأنَّك لم تَرْضَ لي ما وَهَبْ
فأخزاك عنه بأن زادني
وسدَّ عليك وجوهَ الطَّلَبْ
5- وقال الطَّائيُّ:
وإذا أراد اللَّهُ نَشْرَ فضيلةٍ
طُوِيَت أتاح لها لسانَ حَسودِ
لولا اشتِعالُ النَّارِ فيما جاوَرَت
ما كان يُعرَفُ طِيبُ عَرفِ العُودِ
لولا التَّخوُّفُ للعواقبِ لم تَزَلْ
للحاسِدِ النُّعمى على المحسودِ
6- وقال أبو الأسود:
حسَدوا الفتى إذ لم ينالوا سَعْيَه
فالقومُ أعداءٌ له وخُصومُ
كضرائِرِ الحسناءِ قُلْنَ لوَجهِها
حسَدًا وبَغيًا إنَّه لدميمُ
والوَجهُ يُشرِقُ في الظَّلامِ كأنَّه
بدرٌ منيرٌ والنِّساءُ نجومُ
وترى اللَّبيبَ محَسَّدًا لم يجتَرِمْ
شَتمَ الرِّجالِ وعِرضُه مشتومُ
وكذاك من عَظُمت عليه نِعمةٌ
حُسَّادُه سَيفٌ عليه صَرومُ
فاترُكْ محاورةَ السَّفيهِ فإنَّها
نَدَمٌ وغِبٌّ بعدَ ذاك وَخيمُ
7- وقال آخَرُ:
إن يحسُدوني فإنِّي غيرُ لائِمِهم
قَبلي من النَّاسِ أهلُ الفَضلِ قد حُسِدوا
فدام لي ولهم ما بي وما بهم
ومات أكثَرُنا غيظًا بما يجِدُ
أنا الذي يجِدوني في صُدورِهِم
لا أرتقي صدرًا منها ولا أَرِدُ
8- وقال أبو الحَسَنِ التِّهاميُّ:
إنِّي لأرحَمُ حاسِدِي لحَرِّ ما
ضَمَّت صُدورُهم من الأوغارِ
نظَروا صنيعَ اللَّهِ بي فعُيونُهم
في جنَّةٍ وقُلوبُهم في نارِ
9- وقال آخَرُ:
كُلُّ العداواتِ قد تُرجى مودَّتُها
إلَّا عداوةَ مَن عاداك مِن حَسَدِ
10- وقال آخَرُ:
ما يُحسَدُ المرءُ إلَّا من فضائِلِهِ
بالعِلمِ والظَّرفِ أو بالبأسِ والجُودِ
11- وقال آخَرُ:
اصبِرْ على حَسَدِ الحَسو
دِ فإنَّ صَبْرَك قاتِلُه
النَّارُ تأكُلُ بَعضَها
إنْ لم تجِدْ ما تأكُلُه
12- وأنشَد أبو العبَّاسِ محمَّدُ بنُ يزيدَ المُبَرِّدُ:
عينُ الحَسودِ عليك الدَّهرَ حارِسةٌ
تُبدي المساوي والإحسانَ تُخفيه
يلقاك بالبِشرِ يُبديه مكاشَرةً
والقَلبُ مُضطَغَنٌ فيه الذي فيه
إنَّ الحَسودَ بلا جُرمٍ عداوتُه
فليس يَقبَلُ عُذرًا في تجَنِّيه
13- وقال عبدُ اللَّهِ بنُ المُعتَزِّ:
ما عابني إلَّا الحسو
دُ وتلك من خيرِ المناقِبْ
وإذا ملَكْتَ المجدَ لم
تملِكْ مودَّاتِ الأقارِبْ
والمجدُ والحُسَّادُ مقرو
نانِ إن ذهَبوا فذاهِبْ
وإذا فقَدْتَ الحاسِد
ين فقَدْتَ في الدُّنيا الأطايبْ
14- وقال بعضُهم:
إيَّاك والحَسَدَ الذي هو آفةٌ
فتوَقَّهُ وتَوَقَّ غِرَّةَ مَن حَسَدْ
إنَّ الحسودَ إذا أراك مودَّةً
بالقَولِ فهو لك العَدُوُّ المجتَهِدْ
15- قال أبو الفَتحِ البُستيُّ:
كم مذنِبٍ قد ضافَني
فقَريتُه صَفحًا وغَفرَا
كم حاسِدٍ صابَرْتُه
فقتَلْتُه بالصَّبرِ صَبْرَا


ب- من الأمثالِ والحِكَمِ

- أينما أُوَجَّهْ ألْقَ سَعدًا.
يُضرَبُ في التَّحاسُدِ وقطيعةِ الأرحامِ .
- فَرِّقْ بَيْنَ مَعَدٍّ تَحابَّ.
يقولُ: إنَّ ذوي القرابةِ إذا تراخَت ديارُهم بعضُها من بعضٍ، كان أحرى أن يتحابُّوا، وإذا تدانَوا تحاسَدوا وتباغَضوا .
- بئسَ الشِّعارُ الحَسَدُ .
- الحَسَدُ ثِقلٌ لا يَضَعُه حامِلُه .
- الحَسَدُ في القرابةِ جَوهَرٌ، وفي غيرِهم عَرَضٌ .
- ليس للحاسِدِ إلَّا ما حَسَد.
أي: لا يحصُلُ على شيءٍ إلَّا على الحَسَدِ فقط .
- قال بعضُ الحُكَماءِ: (ما أمحَقَ للإيمانِ ولا أهتَكَ للسِّترِ من الحَسَدِ؛ وذلك أنَّ الحاسِدَ معانِدٌ لحُكمِ اللَّهِ، باغٍ على عبادِه، عاتٍ على ربِّه، يعتَدُّ نِعَمَ اللَّهِ نِقَمًا، ومزيدَه غِيَرًا، وعَدْلَ قضائِه حَيفًا ، للنَّاسِ حالٌ وله حالٌ، ليس يهدَأُ ولا ينامُ جَشَعُه، ولا ينفَعُه عَيشُه، محتَقِرٌ لنِعَمِ اللَّهِ عليه، متسَخِّطٌ ما جرت به أقدارُه، لا يَبرُدُ غليلُه ، ولا تؤمَنُ غوائِلُه ؛ إن سالَمْتَه وَتَرَك ، وإن واصَلْتَه قطَعَك، وإن صَرَمْتَه سبَقَكَ) .
- (كان يُقالُ: أقبَحُ الأشياءِ بالسُّلطانِ اللَّجاجُ، وبالحُكَماءِ الضَّجَرُ، وبالفُقَهاءِ سَخافةُ الدِّينِ، وبالعُلَماءِ إفراطُ الحِرصِ، وبالمقاتِلةِ الجُبنُ، وبالأغنياءِ البُخلُ، وبالفُقَراءِ الكِبرُ، وبالشَّبابِ الكَسَلُ، وبالشُّيوخِ المُزاحُ، وبجماعةِ النَّاسِ التَّباغُضُ والحَسَدُ) .
- وسُئِل بعضُ الحُكماءِ: (أيُّ أعدائِك لا تحِبُّ أن يعودَ لك صديقًا؟ قال: الحاسِدُ الذي لا يرُدُّه إلى مودَّتي إلَّا زوالُ نِعمتي) .
- وقيل: (مِن صِغَرِ الهِمَّةِ الحَسَدُ للصَّديقِ على النِّعمةِ) .
- وقيل: (ليس من الحَسَدِ سُرورٌ) .
- وقيل: (مِن علاماتِ الحاسِدِ أن يتمَلَّقَ إذا شَهِد، ويغتابَ إذا غاب، ويَشمَتَ بالمصيبةِ إذا نَزَلت) .
- وقيل: (الحاسِدُ إذا رأى نعمةً بُهِت، وإذا رأى عَثرةً شَمَت) .
- وقيل: (الحاسِدُ يَعْمى عن محاسِنِ الصُّبحِ، بعينٍ تدرِكُ دقائِقَ القُبحِ. الحسودُ لا يسودُ. الحَسَدُ آفةُ الجَسَدِ) .
- وقيل: (النَّاسُ حاسِدٌ ومحسودٌ، ولكُلِّ نِعمةٍ حَسودٌ) .
- وكان يقالُ: (سِتَّةٌ لا تُخطِئُهم الكآبةُ: فقيرٌ حديثُ عَهدٍ بغِنًى، ومُكثِرٌ يخافُ على مالِه التَّلَفَ، والحسودُ، والحَقودُ، وطالِبُ مرتبةٍ فوقَ قَدْرِه، وخليطُ أهلِ أدَبٍ غيرُ أديبٍ) .
- (وقال أرْدَشيرُ بنُ بابكَ: كُلُّ خَصلةٍ رديئةٍ فهي دونَ الحَسَدِ؛ لأنَّ الحَسودَ يسعى على من أحسَنَ إليه، ويبغي الغوائِلَ لمَن أنعَم عليه!
- وقال الأصمعيُّ: سمِعتُ أعرابيًّا ذَكَر بعضَ الحُسَّادِ، فقال: ما رأيتُ ظالِمًا أشبَهَ بمظلومٍ من الحاسِدِ؛ حُزنٌ لازِمٌ، ونَفَسٌ دائمٌ، وعَقلٌ هائِمٌ .
- وقيل: (الحَسَدُ داعيةُ النَّكَدِ) .
-وقيل لبعضِهم: ما بالُ الحسودِ أشَدَّ النَّاسِ غَمًّا؟ قال: لأنَّه أخَذ بنصيبِه من غُمومِ الدُّنيا، ويضافُ إلى ذلك غَمُّه لسُرورِ النَّاسِ .
- وقال الجاحِظُ: (اعلَمْ أنَّ الحُكَماءَ لم تَذُمَّ شيئًا ذَمَّها أربَعَ خِلالٍ: الكَذِبُ... والغَضَبُ... والجَزَعُ عِندَ المصيبةِ التي لا ارتجاعَ لها... وذمُّوا الحَسَدَ كذَمِّهم الجَزَعَ؛ لِما يتعجَّلُ صاحِبُه من ثِقَلِ الاغتمامِ، وكُلفةِ مقاساةِ الاهتمامِ، من غيرِ أن يجديَ عليه شيئًا. فالحَسَدُ اغتمامٌ، والغَدرُ لُؤمٌ) .
- وقال بعضُ الحُكَماءِ لبنيه: إيَّاكم والحَسَدَ؛ فإنَّه يُبَيِّنُ فيكم ما لا يُبَيِّنُ على عَدُوِّكم .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 

الاختِلافُ والتَّنازُعُ

مَعنى التَّنازُعِ لُغةً واصطِلاحًا

مَعنى التَّنازُعِ لُغةً:
يُقال: نَزَعَ الشَّيءَ مِن مَكانِه قَلعَه، ونازَعَه مُنازَعةً: جاذَبَه في الخُصومةِ، وبَينَهم نِزاعةٌ، أي: خُصومةٌ في حَقٍّ، والتَّنازُعُ: التَّخاصُمُ. ونازَعَتني نَفسي إلى هَواها نِزاعًا: غالبَتني، ونَزَعتُها أنا: غالبتُها.
والتَّنازُعُ في الأصلِ: التَّجاذُبُ، كالمُنازَعةِ، ويُعَبَّرُ بهما عنِ التَّخاصُمِ والمُجادَلةِ .
قال القُرطُبيُّ: (قَولُه تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ [النساء: 59] أي: تَجادَلتُم واختَلفتُم، فكأنَّ كُلَّ واحِدٍ ينتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويُذهِبُها. والنَّزعُ: الجَذبُ. والمُنازَعةُ: مُجاذَبةُ الحُجَجِ) .


مَعنى التَّنازُعِ اصطِلاحًا:
قال ابنُ حَجَرٍ: (أمَّا التَّنازُعُ فمِنَ المُنازَعةِ، وهي في الأصلِ المُجاذَبةُ، ويُعَبَّرُ بها عنِ المُجادَلةِ، والمُرادُ بها المُجادَلةُ عِندَ الاختِلافِ في الحُكمِ إذا لم يتَّضِحِ الدَّليلُ، والمَذمومُ مِنه اللَّجاجُ بَعدَ قيامِ الدَّليلِ) .
ويُمكِنُ تَعريفُ التَّنازُعِ بأنَّه التَّخاصُمُ والتَّخالُفُ القائِمُ على التَّجاذُبِ لنَفيِ ما عِندَ الآخَرِ ومَحوِه، سَواءٌ أكان حَقًّا أم باطِلًا، والموصِلُ في الغالِبِ إلى الفشَلِ والانتِكاسِ .


مَعنى الاختِلافِ لُغةً:
الاختِلافُ مَصدَرٌ مِنَ الفِعلِ اختَلف، وهذا الفِعلُ يدُلُّ على التَّفاعُلِ والمُشارَكةِ، أي: لا يكونُ إلَّا بَينَ اثنَينِ فأكثَرَ.
واختَلف: ضِدُّ اتَّفقَ. وتَخالف الأمرانِ واختَلفا: لم يتَّفِقا.
والخِلفةُ، بالكَسرِ: الاسمُ مِنَ الاختِلافِ، أي: خِلافُ الاتِّفاقِ، أو مَصدَرُ الاختِلافِ، أي: التَّرَدُّدِ.
واختَلف الصَّديقانِ في الرَّأيِ: ذَهَبَ كُلٌّ مِنهما إلى خِلافِ ما ذَهَبَ إليه الآخَرُ، ولم يتَّفِقا .


مَعنى الاختِلافِ اصطِلاحًا:
قال الرَّاغِبُ الأصفهانيُّ: (الاختِلافُ والمُخالفةُ: أن يأخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَريقًا غَيرَ طَريقِ الآخَرِ في حالِه أو قَولِه) .
وقال المُناويُّ: (الاختِلافُ: افتِعالٌ مِنَ الخِلافِ، وهو تُقابلٌ بَينَ رَأيينِ فيما ينبَغي انفِرادُ الرَّأيِ فيه) .

 

الفرقُ بَينَ التَّنازُعِ والاختِلافِ وبَعضِ الصِّفاتِ

الفرقُ بَينَ التَّنازُعِ والاختِلافِ
قال الرَّاغِبُ: (الاختِلافُ والمُخالفةُ: أن يأخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَريقًا غَيرَ طَريقِ الآخَرِ في حالِه أو قَولِه، والخِلافُ أعَمُّ مِنَ الضِّدِّ؛ لأنَّ كُلَّ ضِدَّينِ مُختَلفانِ، وليسَ كُلُّ مُختَلفينِ ضِدَّينِ، ولمَّا كان الاختِلافُ بَينَ النَّاسِ في القَولِ قد يقتَضي التَّنازُعَ استُعيرَ ذلك للمُنازَعةِ والمُجادَلةِ، قال: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ [مريم: 37] ، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [هود: 118] ، وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ [الروم: 22] ، عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ [النبأ: 1 - 3] ، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات: 8]) .
وأيضًا فالاختِلافُ لا يحمِلُ مَعنى المُنازَعةِ؛ فقد يحصُلُ الاختِلافُ ولا تَحصُلُ المُنازَعةُ، أمَّا المُنازَعةُ فهي اختِلافٌ مَعَ مُعاداةٍ ومُخاصَمةٍ .


الفرقُ بَينَ المُنازَعةِ والمُطالبةِ:
قال أبو هلالٍ العَسكريُّ: (المُطالبةُ تَكونُ بما يُعرَفُ به المَطلوبُ، كالمُطالبةِ بالدَّينِ، ولا تَقَعُ إلَّا مَعَ الإقرارِ به، وكذلك المُطالبةُ بالحُجَّةِ على الدَّعوى، والدَّعوى قَولٌ يعتَرِفُ به المُدَّعي، والمُنازِعةُ لا تَكونُ إلَّا فيما يُنكِرُ المَطلوبَ، ولا يقَعُ فيما يعتَرِفُ به الخَصمانِ مُنازَعةٌ) .

 

الفرقُ بَينَ الاختِلافِ والخِلافِ:
مِن أهلِ العِلمِ مَن فرَّقَ بَينَ الاختِلافِ والخِلافِ، فجعَل الاختِلافَ: ما يستَنِدُ إلى دَليلٍ، والخِلافَ ما لا يستَنِدُ إلى دَليلٍ، والاختِلافُ مِن آثارِ الرَّحمةِ، والخِلافُ مِن آثارِ البدعةِ، إلى غَيرِ ذلك .
ومِن أهلِ العِلمِ من ذَهَب إلى أنَّ الخِلافَ كالاختِلافِ، وأنَّهما مُتَرادِفانِ


دَرَجاتُ التَّنازُعِ والاختِلافِ

جَعَل الرَّاغِبُ الأصفهانيُّ الاختِلافَ على أربَعِ دَرَجاتٍ فقال: (جَميعُ الاختِلافاتِ بَينَ أهلِ الأديانِ والمَذاهِبِ على أربَعِ مَراتِبَ:

الأولى: الاختِلافُ بَينَ أهلِ الأديانِ النَّبَويَّةِ وبَينَ الخارِجينَ عنها مِنَ الثَّنويَّةِ والدَّهريَّةِ، وذلك في حُدوثِ العالمِ، وفي الصَّانِعِ، وفي التَّوحيدِ.

والثَّانيةُ: الاختِلافُ بَينَ أهلِ الأديانِ النَّبَويَّةِ بَعضِهم مَعَ بَعضٍ، وذلك في الأنبياءِ، كاختِلاف المُسلمينَ والنَّصارى واليهودِ.

والثَّالثةُ: الخِلافُ المُختَصُّ في أهلِ الدِّينِ الواحِدِ بَعضِهم مَعَ بَعضٍ في الأُصولِ التي يقَعُ فيها التَّبديعُ والتَّفجيرُ، كالاختِلافِ في كثيرٍ مِن صِفاتِ اللهِ تعالى، وفي القَدَرِ، وكاختِلاف المُجَسِّمةِ.

الرَّابعةُ: الاختِلافُ المُختَصُّ بأهلِ المَقالاتِ في فُروعِ المَسائِلِ، كاختِلافِ الشَّافِعيَّةِ والحَنَفيَّةِ.


فالاختِلافُ الأوَّلُ: يجري مَجرى مُتَنافيينِ في مَسلكيهما، والثَّاني: يجري مَجرى آخِذٍ نَحوَ المَشرِقِ، وآخِذٍ يمينَه أو شِمالَه، فهو وإن كان أقربَ مِنَ الأوَّل فليسَ يخرُجُ أحَدُهما عن أن يكونَ ضالًّا ضَلالًا بَعيدًا، والثَّالثُ: جارٍ مَجرى آخِذينِ وجِهةً واحِدةً، ولكِنَّ أحَدَهما سالكٌ للمَنهَجِ، والآخَرَ تارِكٌ للمَنهَجِ، وهذا التَّارِكُ للمَنهَجِ رُبَّما يبلُغُ وإن كان يطولُ عليه الطَّريقُ، والرَّابعُ: جارٍ مَجرى جَماعةٍ سَلكوا مَنهَجًا واحِدًا، لكِن أخذَ كُلُّ واحِدٍ شُعبةً غَيرَ شُعبةِ الآخَرِ، وهذا هو الاختِلافُ المَحمودُ) .

يتبع

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ذَمُّ التَّنازُعِ والاختِلافِ والنَّهيُ عنهما


أ- مِنَ القُرآنِ الكريمِ



قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 45-46] .
(هذه وصايا سَماويَّةٌ، وتَعاليمُ مِن رَبِّ العالمينَ عَظيمةٌ، مَن أخَذَ بها ظَفِرَ، ومَن تَرَكها فَشِل وذَهَبَت ريحُه لا شَكَّ) .




قال ابنُ كثيرٍ: (أمَرَ تعالى بالثَّباتِ عِند قِتالِ الأعداءِ والصَّبرِ على مُبارَزَتِهم، فلا يفِرُّوا ولا يَنكُلوا ولا يجبُنوا، وأن يذكُروا اللهَ في تلك الحالِ ولا يَنسوه بَل يستَعينوا به ويتَّكِلوا عليه، ويسألوه النَّصرَ على أعدائِهم، وأن يُطيعوا اللهَ ورَسولَه في حالِهم ذلك، فما أمَرَهم اللهُ تعالى به ائتَمَروا، وما نَهاهم عنه انزَجَروا، ولا يتَنازَعوا فيما بَينَهم أيضًا فيختَلفوا، فيكونَ سَبَبًا لتَخاذُلِهم وفشَلِهم، وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ أي: قوَّتُكم ووَحدتُكم وما كُنتُم فيه مِنَ الإقبالِ) .



- وقال تعالى في شَأنِ غَزوةِ أُحُدٍ: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُم ْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [آل عِمرانَ: 152] .
أي: إنَّ اللهَ عَزَّ وجَل قد أنجَزَ لكم ما وعَدَكم به يومَ أُحُدٍ أيُّها المُؤمِنونَ، وهو نَصرُكم على عَدوِّكم، وكان ذلك في بدايةِ المَعرَكةِ حينَ طَفِقتُم تَستَأصِلونَهم بقَتلهم قَتلًا ذَريعًا، وذلك قد وقَعَ عن أمرِ اللهِ تعالى شَرعًا وقدَرًا، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ أي: لما استَولى عليكم الضَّعفُ والخَورُ، وجَبُنتُم عنِ القِتالِ، ووقَعَ الخِلافُ بَينَ رُماتِكم: هَل يَلزَمونَ ثُغورَهم -كما عَهِدَ إليهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أم يتَحَرَّكونَ لجَمعِ الغَنائِمِ، وعَصى بَعضُكم في النِّهايةِ أمرَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مِن بَعدِ أن أظهرَ اللهُ تعالى لكم ما تُحِبُّونَه مِن انهزامِ الكُفَّارِ، وتَوليتِهم الأدبارَ، فلمَّا وقَعَ ذلك كُلُّه، حَلَّت بكم الهَزيمةُ .
وفي هذا أنَّ وعدَ اللهِ تعالى المُؤمِنينَ النَّصرَ على عَدوِّهم مَشروطٌ تحَقُّقُه بما إذا لم يعصوا بتَنازُعِهم وفشَلِهم، يُبَيِّنُ ذلك قَولُه تعالى: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ [آل عمران: 152] .
وفيه الحَثُّ على اجتِماعِ الكلمةِ، وجهُه: أنَّ النِّزاعَ سَبَبٌ للخِذلانِ، فيكونُ الاتِّفاقُ سَبَبًا للنَّصرِ، وهو كذلك؛ فاجتِماعُ النَّاسِ على كلمةٍ واحِدةٍ لا شَكَّ أنَّه سَبَبٌ للنَّصرِ؛ ولهذا ينبَغي لطَلبةِ العِلمِ وللعُلماءِ ألَّا يُظهِروا خِلافَهم ونِزاعَهم أمامَ العامَّةِ .




- وقال تعالى في المُشرِكينَ: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [يس: 48 - 50] .
أي: ما ينتَظِرونَ إلَّا صَيحةً واحِدةً حينَ يُنفَخُ في الصُّورِ عِندَ قيامِ السَّاعةِ، فتُصيبُهم وهم يختَصِمونَ في شُؤونِ دُنياهم؛ فهم في غَفلتِهم لاهونَ عنها، لم تَخطُرْ على قُلوبهم .
وفي قَولِه تعالى: تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ بَيانُ حالِ هؤلاء الذين تَقومُ عليهم القيامةُ وتَأخُذُهم الصَّيحةُ، مِنَ الخُصومةِ والتَّنازُعِ؛ مِمَّا يدُلُّ على سوءِ أحوالِهم، وسوءِ أخلاقِهم، وأنَّه لا همَّ لهم إلَّا هذه المُخاصَمةُ والمُنازَعةُ؛ شُحًّا وطَمَعًا في الدُّنيا، وغَفلةً عنِ الآخِرةِ؛ ولهذا جاءَ في الحَديثِ الصَّحيحِ: أنَّ السَّاعةَ لا تَقومُ إلَّا على شِرارِ الخَلقِ ، وهؤلاء مِنَ المَعلومِ أنَّهم يأكُلونَ ويشرَبونَ، لكِنْ لم يذكُرِ اللهُ إلَّا هذا التَّخاصُمَ؛ لبَيانِ سوءِ حالِهم في ذلك الزَّمَنِ .




- وقال تعالى مُبَيِّنًا أنَّ السَّبَبَ في التَّنازُعِ واختِلاف العُقولِ هو قِلَّةُ العَقلِ: لَا يُقَاتِلُونَكُم ْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ [الحَشر: 14] .
قال الشِّنقيطيُّ: (بَيَّن تعالى أنَّ اختِلافَ القُلوبِ، والمُنازَعاتِ الشَّديدةَ، وتَشَتُّتَ الآراءِ والأفكارِ، وعَدَمَ الاتِّحادِ؛ أنَّ سَبَبَ هذا الذي يجتَلبُه به إنَّما هو ذَهابُ العَقلِ وعَدَمُ العَقلِ؛ لأنَّ العاقِلَ لا يتَسَبَّبُ في المُخالفةِ؛ لأنَّك إذا اختَلفتَ أنتَ وأخوك كان تَدبيرُه وكُلُّ ما عِندَه مِن قوَّةٍ يعمَلُ ضِدَّك، فإذا كُنتَ عاقِلًا -ولو عَقلًا دُنيويًّا- كان تَسبُّبُك في أن يكونَ مَعَك؛ لأنَّ كونَ قوَّتِه وما أعطاه اللهُ في صالحِك خَيرٌ لك مِن أن يكونَ في غَيرِ ذلك؛ ولذا بَيَّن تعالى أنَّ سَبَبَ اختِلافِ القُلوبِ هو ضَعفُ العُقولِ وعَدَمُها؛ قال في قَومٍ -وهمُ اليهودُ لعنَهمُ اللهُ- بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي: مُختَلفةٌ مُفتَرِقةٌ، فِرَقٌ مُتَعاديةٌ مُختَلفةٌ. ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ التي أوجَبَت تَشَتُّتَ تلك القُلوبِ، قال: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ) .




- وقال تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199] .
فدَخَل في قَوله: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ الحَضُّ على التَّخَلُّقِ بالحِلمِ، والإعراضُ عن أهلِ الظُّلمِ، والتَّنَزُّهُ عن مُنازَعةِ السُّفهاءِ، ومُساواةِ الجَهَلةِ والأغبياءِ، وغَيرُ ذلك مِنَ الأخلاقِ الحَميدةِ، والأفعالِ الرَّشيدةِ .




- وقال تعالى مُحَذِّرًا الأُمَّةَ الإسلاميَّةَ مِنَ الاختِلافِ والتَّفرُّقِ الذي وقَعَ في الأُمَمِ السَّالفةِ: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: 105] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يعني بذلك جَلَّ ثَناؤُه: ولا تَكونوا يا مَعشَرَ الذين آمَنوا كالذين تَفرَّقوا مِن أهلِ الكِتابِ، واختَلفوا في دينِ اللهِ وأمرِه ونَهيِه، مِن بَعدِ ما جاءَهمُ البَيِّناتُ مِن حُجَجِ اللهِ، فيما اختَلفوا فيه، وعَلموا الحَقَّ فيه، فتَعَمَّدوا خِلافَه، وخالفوا أمرَ اللهِ، ونَقَضوا عَهدَه وميثاقَه؛ جَراءةً على الله، وَأُولَئِكَ لَهُمْ يعني: ولهؤلاء الذين تَفرَّقوا واختَلفوا مِن أهلِ الكِتابِ مِن بَعدِ ما جاءَهم عَذَابٌ مِن عِندِ اللهِ عَظيمٌ يقولُ جَل ثَناؤُه: فلا تَفرَّقوا يا مَعشَرَ المُؤمِنينَ في دينِكم تَفرُّقَ هؤلاء في دينِهم، ولا تَفعَلوا فِعلَهم، وتَستَنُّوا في دينِكم بسُنَّتِهم؛ فيكونَ لكم مِن عَذابِ اللهِ العَظيمِ مِثلُ الذي لهم) .




- وقال تعالى مُبَيِّنًا قُبحَ الاختِلافِ وما يُفضي إليه مِن شِقاقٍ ونِزاعٍ: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: 176] .
قال الرَّازيُّ: (أمَّا قَولُه: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ فاعلَمْ أنَّا وإن قُلنا: المُرادُ مِنَ الكِتابِ هو القُرآنُ، كان اختِلافُهم فيه أنَّ بَعضَهم قال: إنَّه كِهانةٌ، وآخَرونَ قالوا: إنَّه سِحرٌ، وثالثٌ قال: رِجزٌ، ورابعٌ قال: إنَّه أساطيرُ الأوَّلينَ، وخامِسٌ قال: إنَّه كلامٌ مَنقولٌ مُختَلقٌ، وإن قُلنا: المُرادُ مِنَ الكِتابِ التَّوراةُ والإنجيلُ فالمُرادُ باختِلافِهم يحتَمِلُ وُجوهًا أحَدُها: أنَّهم مُختَلفونَ في دَلالةِ التَّوراةِ على نُبوَّةِ المَسيحِ، فاليهودُ قالوا: إنَّها دالَّةٌ على القدحِ في عيسى، والنَّصارى قالوا: إنَّها دالَّةٌ على نُبوَّتِه، وثانيها: أنَّ القَومَ اختَلفوا في تَأويلِ الآياتِ الدَّالةِ على نُبوَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فذكر كُلُّ واحِدٍ منهم له تَأويلًا آخَرَ فاسِدًا؛ لأنَّ الشَّيءَ إذا لم يكُنْ حَقًّا واجِبَ القَبولِ بَل كان مُتَكلَّفًا كان كُلُّ أحَدٍ يذكُرُ شَيئًا آخَرَ على خِلافِ قَولِ صاحِبه، فكان هذا هو الاختِلافَ) .
وقال السَّعديُّ: (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ أي: وإنَّ الذين اختَلفوا في الكتابِ، فآمَنوا ببَعضِه، وكفَروا ببَعضِه، والذين حَرَّفوه وصَرَفوه على أهوائِهم ومُراداتِهم لَفِي شِقَاقٍ أي: مُحادَّةٍ، بَعِيدٍ عنِ الحَقِّ؛ لأنَّهم قد خالفوا الكِتابَ الذي جاءَ بالحَقِّ الموجِبِ للاتِّفاقِ وعَدَمِ التَّناقُضِ، فمَرَج أمرُهم، وكثُرَ شقاقُهم، وتَرَتَّبَ على ذلك افتِراقُهم) .




- وقال تعالى في بَيانِ نِعمَتِه سُبحانَه على مَن عَصَمَهم مِنَ الاختِلافِ المُهلكِ: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود: 118-119] .
قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي: ولا يزالُ الخُلفُ بَينَ النَّاسِ في أديانِهم واعتِقاداتِ مِلَلِهم ونِحَلِهم ومَذاهِبِهم وآرائِهم. وقَولُه: إلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي: إلَّا المَرحومينَ مِن أتباعِ الرُّسُلِ، الذين تَمَسَّكوا بما أُمِروا به مِنَ الدِّينِ، أخبَرَتهم به رُسُلُ اللهِ إليهم، ولم يزَلْ ذلك دَأبَهم، حتَّى كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأُمِّيُّ خاتَمَ الرُّسُلِ والأنبياءِ، فاتَّبَعوه وصَدَّقوه، ونَصَروه ووازَروه؛ ففازوا بسَعادةِ الدُّنيا والآخِرةِ؛ لأنَّهم الفِرقةُ النَّاجيةُ) .
وقال ابنُ عاشورٍ: (لمَّا أشعر الاختِلافُ بأنَّه اختِلافٌ في الدِّينِ، وأنَّ مَعناه العُدولُ عنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يقبَلُ التَّعَدُّدَ والاختِلافَ، عَقَّبَ عُمومَ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ باستِثناءِ مَن ثَبَتوا على الدِّينِ الحَقِّ ولم يُخالِفوه، بقَولِه: إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ أي: فعَصَمَهم مِنَ الاختِلافِ) .


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ب- مِنَ السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

-عنِ ابن عَبَّاس رَضي الله عنهما قال: ((لمَّا اشتَدَّ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجَعُه قال: اتئوني بكِتابٍ أكتُبْ لكم كِتابًا لا تَضِلُّوا مِن بَعدِه. قال عُمرُ: إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم غَلبَه الوجَعُ وعِندَنا كِتابُ اللهِ حَسْبُنا. فاختَلفوا وكثُرَ اللَّغَطُ ، قال: قوموا عنِّي ولا ينبَغي عِندي التَّنازُعُ. فخَرَجَ ابنُ عَبَّاسٍ يقولُ: إنَّ الرَّزيَّةَ كُلَّ الرَّزيَّةِ ما حال بَينَ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبَينَ كِتابِه )) .

- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضي اللهُ عنه قال: ((بايعنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على السَّمعِ والطَّاعةِ في العُسرِ واليُسرِ، والمنشَطِ والمَكرَهِ، وألَّا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، وأن نَقومَ بالحَقِّ حَيثُ كُنَّا لا نَخافُ في اللهِ لَومةَ لائِمٍ)) .

- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضي اللهُ عنه: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ يُخبرُ بليلةِ القَدرِ، فتَلاحى رَجُلانِ مِنَ المُسلمينَ، فقال: إنِّي خَرَجتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْرِ، وإنَّه تَلاحى فُلانٌ وفُلانٌ فرُفعَت، وعَسى أن يكونَ خَيرًا لكم، التَمِسوها في السَّبعِ والتِّسعِ والخَمسِ )) .
في هذا الحَديثِ شُؤمُ الخِصامِ ومُلاحاةِ الرِّجالِ، أي: مُقاولتِهم ومُخاصَمَتِهم، ولاحيتُه مُلاحاةً: إذا نازَعتَه. قَولُه: (فرُفِعَت، قيل: رُفِعَت مَعرِفةُ ليلةِ القدرِ لتَلاحي النَّاسِ. وفيه دَليلٌ على أنَّ المُخاصَمةَ مَذمومةٌ وأنَّها سَبَبٌ في العُقوبةِ المَعنَويَّةِ أيِ الحِرمانِ) .
وقال ابنُ العَرَبيِّ: (فيه دَليلٌ على أنَّ العُقوبةَ تَعُمُّ سائِرَ النَّاسِ مِنَ المُسيءِ والمُحسِنِ؛ لأنَّ تَلاحيَ الرَّجُلينِ كان سَبَبًا ألَّا يَعرِفَها أحَدٌ؛ فالجِدالُ لا يأتي بخَيرٍ، فعَمَّت العُقوبةُ بجِدالهما المُسيءَ والمُحسِنَ؛ قال اللهُ تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال: 25] ) .
- عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ رَضي اللهُ عنهما: (أنَّه قَدِمَ رَكبٌ مِن بَني تَميمٍ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال أبو بَكرٍ: أمِّرِ القَعقاعَ بنَ مَعبَدِ بنِ زُرارةَ، قال عُمَرُ: بَل أمِّرِ الأقرَعَ بنَ حابسٍ، قال أبو بَكرٍ: ما أرَدتَ إلَّا خِلافي! قال عُمَرُ: ما أرَدتُ خِلافَك، فتَماريا حتَّى ارتَفعَت أصواتُهما، فنَزَل في ذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا [الحجرات: 1] حتَّى انقَضَت) .
وعنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ قال: (كادَ الخَيِّرانِ أن يَهلِكا؛ أبو بَكرٍ وعُمَرُ، لَمَّا قدِمَ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وفدُ بَني تَميمٍ أشارَ أحَدُهما بالأقرَعِ بنِ حابسٍ التَّميميِّ الحنظليِّ أخي بني مجاشعٍ، وأشارَ الآخَرُ بغَيرِه، فقال أبو بَكرٍ لعُمَرَ: إنَّما أرَدتَ خِلافي! فقال عُمَرُ: ما أرَدتُ خِلافَك، فارتَفعَت أصواتُهما عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فنَزَلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات: 2] إلى قَولِه عَظِيمٌ [الحجرات: 3] ، قال ابنُ أبي مُلَيكةَ، قال ابنُ الزُّبَيرِ: فكان عُمَرُ بَعدُ -ولم يذكُرْ ذلك عن أبيه يعني أبا بَكرٍ- إذا حَدَّثَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بحَديثٍ، حَدَّثَه كأخي السِّرارِ؛ لم يُسمِعْه حتَّى يَستَفهِمَه) .
قال ابنُ حَجَرٍ: (في قِصَّةِ بَني تَميمٍ ذَمُّ التَّنازُعِ المُؤَدِّي إلى التَّشاجُرِ ونِسبةِ أحَدِهما الآخَرَ إلى قَصدِ مُخالفتِه؛ فإنَّ فيه إشارةً إلى ذَمِّ كُلِّ حالةٍ تَؤولُ بصاحِبها إلى افتِراقِ الكَلِمةِ أوِ المُعاداةِ) .

- وعن أبي مَسعودٍ قال: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يمسَحُ مَناكِبَنا في الصَّلاةِ، ويقولُ: ((استَووا، ولا تَختَلِفوا؛ فتَختَلِفَ قُلوبُكم...)) .
قال ابنُ الجَوزيِّ: (قَولُه: «ولا تَختَلفوا؛ فتَختَلفَ قُلوبُكم» أي: أنَّكم إذا اختَلفتُم بالظَّواهرِ عوقِبتُم باختِلافِ القُلوبِ. ويُحتَمَلُ: لا تَختَلفَنَّ ظواهِرُكم؛ فإنَّ اختِلافَها دَليلٌ على اختِلافِ قُلوبِكم) .
وقال السُّيوطيُّ: («ولا تَختَلفوا؛ فتَختَلفَ قُلوبُكم»: أي: لا يتَغَيَّر عنِ التَّوادِّ والأُلفةِ إلى التَّباغُضِ والعَداوةِ) .

- عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه قال: ((سَمِعتُ رَجُلًا قَرَأ آيةً، وسَمِعتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقرَأُ خِلافَها، فجِئْتُ به النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فأخبَرْتُه، فعَرَفتُ في وجهِه الكَراهيةَ، وقال: كِلاكما مُحسِنٌ، ولا تَختَلِفوا؛ فإنَّ مَن كان قَبلَكمُ اختَلَفوا فهَلَكوا)) .
قال ابنُ الجَوزيِّ: (وَجهُ الهَلاكِ في الاختِلافِ أنَّ هذا يكفُرُ بما يقرَأُ هذا، ويزعُمُ أنَّه ليسَ مِن كلامِ اللهِ. فأمَّا الاختِلافُ في حَرَكاتِ الحُروفِ المَنقولةِ عنِ القُرَّاءِ فإنَّه لا يضُرُّه) .
وقال الكَرمانيُّ: (حَذَّرَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ اختِلافٍ يُؤَدِّي إلى الكُفرِ والبِدعةِ، مِثلُ الاختِلافِ في نَفسِ القُرآنِ، وفيما جازَ قِراءَتُه على وجهَينِ مَثَلًا، وفيما يوقِعُ في الفِتنةِ أو شِبهِه، وأمَّا الاختِلافُ في فُروعِ الدِّينِ ومُناظَراتُ العُلماءِ وإظهارُ الحَقِّ، فهو مَأمورٌ به) .

- وعن جُندَبِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَليِّ، قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اقرَؤوا القُرآنَ ما ائتَلفَت عليه قُلوبُكم، فإذا اختَلفتُم فيه فقوموا)) .
قال القاضي عِياضٌ: (ومحمَلُه عِندَ أهلِ العِلمِ على أنَّ المُرادَ به اختِلافٌ لا يجوزُ، أو يوقِعُ فيما لا يجوزُ، كاختِلافِهم في تَفسيرِ القُرآنِ، أوِ اختِلافِهم في مَعانٍ لا يسوَغُ فيها الاجتِهادُ، أوِ اختِلافٍ يوقِعُ في التَّشاجُرِ والشَّحناءِ. وأمَّا الاختِلافُ في فُروعِ الدِّينِ، وتَمسُّكُ صاحِبِ كُلِّ مَذهَبٍ بالظَّاهرِ مِنَ القُرآنِ وتَأويلُه الظَّاهِرَ على خِلافِ ما تَأوَّل صاحِبُه، فأمرٌ لا بُدَّ مِنه في الشَّرعِ، وعليه مَضى السَّلَفُ وانقَرَضَتِ الأعصارُ) .
(فيَندُبُهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ للقيامِ عنِ القُرآنِ العَظيمِ إذا اختَلفوا في بَعضِ أحرُفِ القِراءةِ أو في المَعاني المُرادةِ مِنَ الآياتِ الكريمةِ، حتَّى تَهدَأَ النُّفوسُ والقُلوبُ والخَواطِرُ، وتَنتَفيَ دَواعي الحِدَّةِ في الجِدالِ المُؤَدِّيةِ إلى المُنازَعةِ والشِّقاقِ، أمَّا إذا ائتَلفتِ القُلوبُ وسَيطَرَتِ الرَّغبةُ المُخلِصةُ في الفهمِ، فعليهم أن يواصِلوا القِراءةَ والتَّدَبُّرَ والتَّفكيرَ في آياتِ الكِتابِ)

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ج- مِن أقوالِ السَّلفِ والعُلماءِ

- قال عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضي اللهُ عنهما: (قدِمَ على عُمَرَ بنِ الخَطَّاب رَجُلٌ، فجَعَل عُمرُ يسألُ عنِ النَّاسِ، فقال: يا أميرَ المُؤمِنينَ، قد قَرَأ القُرآنَ مِنهم كذا وكذا، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: فقُلتُ: واللهِ ما أحِبُّ أن يتسارعوا يومَهم هذا في القُرآنِ هذه المُسارَعةَ! قال: فنَهَرَني عُمَرُ، وقال: مَهْ ! فانطَلقتُ إلى مَنزِلي مُكتَئِبًا حَزينًا، فبَينا أنا كذلك إذ أتاني رَجُلٌ فقال: أجِبْ أميرَ المُؤمِنينَ، فخَرَجتُ، فإذا هو بالبابِ ينتَظِرُني، فأخَذَ بيدي، فخَلا بي، وقال: ما الذي كرِهتَ مِمَّا قال الرَّجُلُ آنِفًا؟ فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، متى يتسارعوا هذه المُسارَعةَ يحتَقُّوا ، ومتى ما يحتَقُّوا يختَصِموا، ومتى ما يختَصِموا يختَلِفوا، ومتى ما يختَلفوا يقتَتِلوا. قال: للهِ أبوك! واللهِ إن كُنتُ لأكتُمُها النَّاسَ حتَّى جِئتَ بها) .

- وقال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: (اقضوا كما كُنتُم تَقضونَ؛ فإنِّي أكرَهُ الاختِلافَ، حتَّى يكونَ للنَّاسِ جَماعةٌ، أو أموتَ كما ماتَ أصحابي) .
-وقال ابنُ مسعودٍ: (الخِلافُ شَرٌّ) .

- ووعَظَ الخَطَّابُ بنُ المُعلَّى المَخزوميُّ القُرَشيُّ ابنَه، فقال: (يا بُنيَّ، عليك بتَقوى اللهِ وطاعَتِه، وتَجَنُّبِ مَحارِمِه باتِّباعِ سُنَّتِه ومَعالِمِه؛ حتَّى تَصِحَّ عُيوبُك، وتَقَرَّ عَينُك؛ فإنَّها لا تَخفى على اللهِ خافيةٌ... ولا تُكثِرِ المِراءَ، ولا تُنازِعِ السُّفهاءَ، فإن تَكلمتَ فاختَصِرْ، وإن مَزَحتَ فاقتَصِرْ) .
- وقال مُبارَكٌ أبو حَمَّادٍ: سَمِعتُ سُفيانَ الثَّوريَّ يقولُ لعليِّ بنِ الحَسَن السُّليميِّ: (لا تُنازِعْ أهلَ الدُّنيا في دُنياهم تَكُنْ مُحَبَّبًا إلى النَّاسِ، وإيَّاك والمَعصيةَ فتَستَحِقَّ سَخَطَ اللهِ) .

- وأوصى بَعضُهم رَجُلًا فقال: (ازهَدْ في الدُّنيا ولا تُنازِعْها أهلَها، وكُنْ فيها كالنَّحلةِ؛ إن أكلَتْ أكلَتْ طَيِّبًا، وإن وضَعَتْ وضَعَتْ طَيِّبًا، وإن وقَعَتْ على عودٍ لم تَكسِرْه ولم تَضُرَّه) .

- وعنِ الأصمَعيِّ قال: سَمِعتُ أعرابيًّا يقولُ: (مَن لاحى الرِّجالَ وماراهم قَلَّت مُروءتُه، وهانَت كرامَتُه، ومَن أكثَرَ مِن شَيءٍ عُرِف به) .

- وقال المُزنيُّ: (ذَمَّ اللهُ الاختِلافَ، وأمَرَ عِندَه بالرُّجوعِ إلى الكِتابِ والسَّنةِ، فلو كان الاختِلافُ مِن دينِه ما ذَمَّه، ولو كان التَّنازُعُ مِن حُكمِه ما أمَرَهم بالرُّجوعِ عِندَه إلى الكِتابِ والسَّنَّةِ) .

- وقال الرَّاغِبُ الأصفهانيُّ: (الخُصومةُ لا تُثمِرُ إلَّا العَداوةَ وإنكارَ الحَقِّ؛ فلهذا جَعَلها اللهُ تعالى شَرًّا مِنَ الجِدالِ، فقال تعالى: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف: 58] ، وقال: فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [النحل: 4] أي: شَديدُ الخُصومةِ مُبينٌ، ولم يذكُرِ الخِصامَ في مَوضِعٍ إلَّا عابَه، وأيضًا فالمُتَجادِلانِ يَجريانِ مَجرى فحلينِ تَعادَيا، وكبشَينِ تَناطَحا، ورَئيسَينِ تَحارَبا، وكُلُّ واحِدٍ منهما يجتَهدُ أن يكونَ هو الفاعِلَ) .

- وقال الشِّنقيطيُّ: (النِّزاعُ مِن أكبَرِ أسبابِ الضَّعفِ والخَورِ وعَدَم انتِظامِ الكلمةِ، وهذا النِّزاعُ والاختِلافُ هو مُشكِلةٌ عُظمى في أقطارِ الأرضِ؛ لأنَّ مَن يتَسَمَّونَ باسمِ المُسلمينَ يُنازِعُ بَعضُهم بَعضًا، ويُعادي بَعضُهم بَعضًا!) .

- وقال قتادةُ: (فأهلُ رَحمةِ اللهِ أهلُ جَماعةٍ، وإن تَفرَّقَت دُورُهم وأبدانُهم، وأهلُ مَعصيتِه أهلُ فِرقةٍ، وإنِ اجتَمَعَت دُورهم وأبدانُهم) .

-وقال أبو المُظَفَّرِ السَّمعانيُّ: (وأمَّا إذا نَظَرتَ إلى أهلِ الأهواءِ والبدَعِ رَأيتَهم مُتَفرِّقينَ مُختَلفينَ أو شِيَعًا وأحزابًا، لا تَكادُ تُجِدُ اثنَينِ مِنهم على طَريقةٍ واحِدةٍ في الاعتِقادِ، يُبدِّعُ بَعضُهم بَعضًا، بَل يرتَقونَ إلى التَّكفيرِ، يُكفِّرُ الابنُ أباه والرَّجُلُ أخاه، والجارُ جارَه! تَراهم أبَدًا في تَنازُعٍ وتَباغُضٍ واختِلافٍ، تَنقَضي أعمارُهم ولمَّا تَتَّفِقْ كَلِماتُهم) .

- وقال ابنُ تيميَّةَ: (إذا تَفرَّقَ القَومُ فسَدوا وهَلَكوا، وإذا اجتَمَعوا صَلَحوا ومَلَكوا؛ فإنَّ الجَماعةَ رَحمةٌ، والفُرقةَ عَذابٌ) .

- وقال أيضًا: (مَواضِعُ التَّفرُّقِ والاختِلافِ عامَّتُها تَصدُرُ عنِ اتِّباعِ الظَّنِّ وما تَهوى الأنفُسُ) .

- وقال السَّعديُّ: (أهلُ الفِرقةِ والاختِلافِ، هؤلاء اسودَّت وُجوهُهم بما في قُلوبِهم مِنَ الخِزيِ والهَوانِ والذِّلَّةِ والفضيحةِ) .

- وقال أيضًا: (الدِّينُ يأمُرُ بالاجتِماعِ والائتِلافِ، وينهى عنِ التَّفرُّقِ والاختِلافِ) .

-وقال ابنُ عُثَيمين: (نَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن كُلِّ ما يوجِبُ تَفرُّقَ المُسلمينَ وتَباعُدَهم؛ وذلك لِما في التَّفرُّقِ والبَغضاءِ مِنَ المَفاسِدِ العَظيمةِ؛ فالتَّفرُّقُ هو قُرَّةُ عَينِ شَياطينِ الجِنِّ والإنسِ؛ لأنَّ شَياطينَ الإنسِ والجِنِّ لا يَوَدُّونَ مِن أهل الإسلامِ أن يجتَمِعوا على شَيءٍ، فهم يُريدونَ أن يتَفرَّقوا؛ لأنَّهم يعلمونَ أنَّ التَّفرُّقَ تَفتُّتٌ للقوَّةِ التي تَحصُلُ بالالتِزامِ والاتِّجاهِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَثَّ على التَّآلُفِ والتَّحابِّ بقَولِه وفِعلِه، ونَهى عنِ التَّفرُّقِ والاختِلافِ الذي يُؤَدِّي إلى تَفريقِ الكلمةِ وذَهابِ الرِّيحِ)

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

رابعًا: أقسامُ التَّنازُعِ والاختِلافِ

ينقَسِمُ التَّنازُعُ إلى قِسمَينِ:

 

 
القسمُ الأوَّلُ: تَنازُعٌ في أُمورِ الدُّنيا
 
قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكِنِّي أخشى عليكم أن تُبسَطَ الدُّنيا عليكم كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكم كما أهلكَتْهم!)) .

قال ابنُ الجَوزيِّ: (المُنافسةُ في الشَّيءِ: المُشاحَّةُ عليه والتَّنازُعُ فيه. وفي هذا الحَديثِ تَحذيرٌ مِن فِتنةِ الدُّنيا؛ فإنَّ مَن طَلبَ مِنها فوقَ الحاجةِ لم يجِدْ لمُرادِه مَرَدًّا، ومَن قَنِعَ بالبَلاغِ بَلغَ المَنزِلَ سَليمًا مِنَ الشَّرِّ، فما الدُّنيا إلَّا كما قيل:
إنَّ السَّلامةَ مِن سَلمى وجارَتِها
ألَّا تَمُرَّ على حالٍ بواديها) .

 

 
والقِسمُ الثَّاني: التَّنازُعُ في الدِّينِ
 
وينقَسِمُ الاختِلافُ مِن حَيثُ المَدحُ والذَّمُّ إلى قِسمَينِ:
 
اختِلافٌ مَذمومٌ: وهو ما كان سَبَبُه اتِّباعَ الهَوى والتَّعَصُّبَ والبَغيَ، وأدَّى إلى التَّفرُّقِ والعَداوةِ والبَغضاءِ.
 
واختِلافٌ مَحمودٌ: وهو ما كان دافِعُه نُصرةَ الحَقِّ والإنصافَ ولم يُؤَدِّ إلى التَّفرُّقِ ولا العَداوةِ ولا فسادِ ذاتِ البَينِ.
 
قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ السَّلَفَ كانوا يختَلفونَ في المَسائِلِ الفرعيَّةِ، مَعَ بَقاءِ الأُلفةِ والعِصمةِ، وصَلاحِ ذاتِ البَينِ) .
 
وقال يونُسُ الصَّدَفيُّ: (ما رَأيتُ أعقَلَ مِنَ الشَّافِعيِّ؛ ناظرتُه يومًا في مَسألةٍ، ثُمَّ افتَرَقْنا، ولقِيَني فأخَذَ بيدي، ثُمَّ قال: يا أبا موسى، ألا يستَقيمُ أن نَكونَ إخوانًا وإن لم نَتَّفِقْ في مَسألةٍ؟!) .
 
وينقَسِمُ الاختِلافُ مِن جِهةٍ أُخرى إلى اختِلافِ تَنَوُّعٍ، واختِلافِ تَضادٍّ.
 
واختِلافُ التَّنَوُّعِ على وُجوهٍ: مِنه: ما يكونُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَولينِ أوِ الفِعلينِ حَقًّا مَشروعًا، كما في القِراءاتِ التي اختَلف فيها الصَّحابةُ، حتَّى زَجرهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقال: ((كِلاكما مُحسِنٌ)) .

ومِثلُه اختِلافُ الأنواعِ في صِفةِ الأذانِ، والإقامةِ، والاستِفتاحِ، والتَّشهُّداتِ، وصَلاةِ الخَوفِ، وتَكبيراتِ العيدِ، وتَكبيراتِ الجِنازةِ، إلى غَيرِ ذلك مِمَّا قد شُرعَ جَميعُه، وإن كان قد يُقالُ: إنَّ بَعضَ أنواعِه أفضَلُ.
ثُمَّ نَجِدُ لكثيرٍ مِنَ الأُمَّةِ في ذلك مِنَ الاختِلافِ ما أوجَبَ اقتِتالَ طَوائِفَ مِنهم على شَفعِ الإقامةِ وإيتارِها، ونَحوِ ذلك! وهذا عَينُ المُحَرَّمِ، ومَن لم يبلُغْ هذا المَبلغَ فتَجِدُ كثيرًا مِنهم في قَلبِه مِنَ الهَوى لأحَدِ هذه الأنواعِ والإعراضِ عنِ الآخَرِ أوِ النَّهيِ عنه ما دَخَل به فيما نَهى عنه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم!
ومِنه: ما يكونُ كُلٌّ مِنَ القَولينِ هو في مَعنى قَولِ الآخَرِ، لكِنِ العِبارَتانِ مُختَلفتانِ، كما قد يختَلفُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ في ألفاظِ الحُدودِ وصِيَغِ الأدِلَّةِ، والتَّعبيرِ عنِ المُسَمَّياتِ، وتَقسيمِ الأحكامِ، وغَيرِ ذلك، ثُمَّ الجَهلُ أو الظُّلمُ يحمِلُ على حَمدِ إحدى المَقالتَينِ وذَمِّ الأُخرى.
ومِنه ما يكونُ المَعنَيانِ غَيرينِ، لكِن لا يتَنافيانِ؛ فهذا قَولٌ صَحيحٌ، وهذا قَولٌ صَحيحٌ، وإن لم يكُنْ مَعنى أحَدِهما هو مَعنى الآخَرِ، وهذا كثيرٌ في المُنازَعاتِ جِدًّا.
ومِنه ما يكونُ طَريقَتانِ مَشروعَتينِ، ورَجُلٌ أو قَومٌ قد سَلكوا هذه الطَّريقَ، وآخَرونَ قد سَلكوا الأُخرى، وكلاهما حَسَنٌ في الدِّينِ. ثُمَّ الجَهلُ أوِ الظُّلمُ يحمِلُ على ذَمِّ إحداهما أو تَفضيلِها بلا قَصدٍ صالحٍ، أو بلا عِلمٍ، أو بلا نيَّةٍ وبلا عِلمٍ.

 

 
وأمَّا اختِلافُ التَّضادِّ فهو: القَولانِ المُتَنافيانِ إمَّا في الأُصولِ وإمَّا في الفُروعِ، فهذا الخَطبُ فيه أشَدُّ؛ لأنَّ القَولينِ يتَنافيانِ؛ لكِن نَجدُ كثيرًا مِن هؤلاء قد يكونُ القَولُ الباطِلُ الذي مَعَ مُنازِعِه فيه حَقٌّ ما، أو مَعَه دَليلٌ يقتَضي حَقًّا ما، فيَرُدُّ الحَقَّ في الأصلِ هذا كُلِّه، حتَّى يبقى هذا مُبطِلًا في البَعضِ، كما كان الأوَّلُ مُبطِلًا في الأصلِ.
 
وهذا القِسمُ المُسَمَّى اختِلافَ التَّنَوُّعِ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُختَلفين مُصيبٌ فيه بلا تَرَدُّدٍ، لكِنَّ الذَّمَّ واقِعٌ على مَن بَغى على الآخَرِ فيه، وقد دَلَّ القُرآنُ على حَمدِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الطَّائِفتَينِ في مِثلِ ذلك إذا لم يحصُلْ بَغيٌ، كما في قَولِه: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الحشر: 5] .

وقد كانوا اختَلفوا في قَطعِ الأشجارِ، فقَطَعَ قَومٌ وترك آخَرونَ.
وكما في قَوله: وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء: 78-79] ، فخَصَّ سُليمانَ بالفهمِ، وأثنى عليهما بالعِلمِ والحُكمِ.
وكما في إقرارِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ بَني قُرَيظةَ لمَن صَلى العَصرَ في وقتِها، ولمَن أخَّرَها إلى أن وصل إلى بَني قُرَيظةَ .
وكما في قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا حَكمَ الحاكِمُ فاجتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فله أجرانِ، وإذا حَكمَ فاجتَهَدَ ثُمَّ أخطَأَ فله أجرٌ)) . ونَظائِرُه كثيرةٌ.
وإذا جَعَلتَ هذا قِسمًا آخَرَ صارَ الاختِلافُ ثَلاثةَ أقسامٍ.

 

 
والاختِلافُ على ما ذَكرَه اللهُ في القُرآنِ قِسمانِ:
 
أحَدُهما: يذُمُّ الطَّائِفتَينِ جَميعًا، كما في قَولِه تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [البقرة: 176] ، وكذلك قَولُه: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [آل عمران: 19] ، وقَولُه: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [آل عمران: 105] ، وقَولُه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام: 159] [الأنعام: 159] .

وكذلك وصَف اختِلافَ النَّصارى بقَولِه: فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 14] . ووصَف اختِلافَ اليهودِ بقَولِه: وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ [المائدة: 64] ، وقال: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون: 53] ... وهذا الاختِلافُ المَذمومُ مِنَ الطَّرَفينِ يكونُ سَبَبُه تارةً فسادَ النِّيَّةِ؛ لِما في النُّفوسِ مِنَ البَغيِ والحَسَدِ وإرادةِ العُلوِّ في الأرضِ ونَحوِ ذلك؛ فيُحبُّ لذلك ذَمَّ قَولِ غَيرِه أو فِعلِه، أو غَلبَتَه ليتَمَيَّزَ عليه، أو يُحِبُّ قَولَ مَن يوافِقُه في نَسَبٍ أو مَذهَبٍ أو بَلدٍ أو صَداقةٍ، ونَحوِ ذلك؛ لِما في قيامِ قَولِه مِن حُصولِ الشَّرَفِ والرِّئاسةِ، وما أكثَرَ هذا مِن بَني آدَمَ! وهذا ظُلمٌ.
ويكونُ سَبَبُه -تارةً- جَهلَ المُختَلفينِ بحَقيقةِ الأمرِ الذي يتَنازَعانِ فيه، أوِ الجَهلَ بالدَّليلِ الذي يُرشِدُ به أحَدُهما الآخَرَ، أو جَهْلَ أحَدِهما بما مَعَ الآخَرِ مِنَ الحَقِّ في الحُكمِ، أو في الدَّليل، وإن كان عالِمًا بما مَعَ نَفسِه مِنَ الحَقِّ حُكمًا ودَليلًا.....

 

 
القِسمُ الثَّاني مِنَ الاختِلافِ المَذكورِ في كِتابِ اللهِ: هو ما حَمِدَ فيه إحدى الطَّائِفتَينِ، وهمُ المُؤمِنونَ، وذَمَّ فيه الأُخرى، كما في قَولِه تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253] ؛ فقَولُه: وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ حَمدٌ لإحدى الطَّائِفتَينِ -وهمُ المُؤمِنونَ- وذَمٌّ للأخرى.

وأكثَرُ الاختِلافِ الذي يَؤولُ إلى الأهواءِ بَينَ الأُمَّةِ مِنَ القِسمِ الأوَّلِ، وكذلك آلَ إلى سَفكِ الدِّماءِ، واستِباحةِ الأموالِ، والعَداوةِ والبَغضاءِ؛ لأنَّ إحدى الطَّائِفتَينِ لا تَعتَرِفُ للأُخرى بما مَعَها مِنَ الحَقِّ ولا تُنصِفُها، بَل تَزيدُ على ما مَعَ نَفسِها مِنَ الحَقِّ زياداتٍ مِنَ الباطِلِ، والأُخرى كذلك!
وكذلك جَعَل اللهُ مَصدَرَه البَغيَ في قَولِه: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ [البقرة: 213] ؛ لأنَّ البَغيَ: مُجاوزةُ الحَدِّ.
وذَكرَ هذا في غَيرِ مَوضِعٍ مِنَ القُرآنِ؛ ليكونَ عِبرةً لهذه الأُمَّةِ .


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

خامِسًا: آثارُ التَّنازُعِ والاختِلافِ


1- الاختِلافُ والتَّنازُعُ يجعَلُ المُسلمينَ فِرَقًا وأحزابًا، كُلٌّ يتبَعُ ما يهواه ويُريدُه.
2- حُدوثُ الضَّغينةِ بَينَ المُتَنازِعينَ خاصَّةً إذا ما انتَصَرَ أحَدُهم على الآخَرِ.
3- عادةً ما يُصاحِبُ تلك المُنازَعاتِ التَّطاوُلُ مِن أحَدِ الجانِبَينِ -أو كِليهما- على الآخَرِ؛ إمَّا بسَبٍّ، أو عَيبٍ، أوِ انتِقاصٍ.
4- حِرمانُ الخَيرِ كما في قِصَّةِ تَلاحي الصَّحابيَّينِ في المَسجِدِ.
5- قد يلجَأُ أحَدُ المُتَنازِعين للكذِبِ وشَهادةِ الزُّورِ لنُصرةِ قَولِه ورَأيِه.
6- الاختِلافُ والتَّنازُعُ قد يُفضي إلى المُقاتَلةِ، وهي تُؤَدِّي إلى الهَرجِ وسَفكِ الدِّماءِ وإذهابِ النُّفوسِ المُفضي إلى انقِطاعِ النَّوعِ ، ولا سيَّما في التَّنازُعِ على المُلكِ؛ ولهذا كانوا يقولونَ: (المُلكُ عَقيمٌ) يُريدونَ أنَّ المَلِكَ لو نازَعَه ولدُه المَلِكُ لقَطّعَ رَحِمَه حتَّى يُهلِكَه، فكأنَّه عَقيمٌ لم يولَدْ له! وإنَّما ذلك مِنَ الانفِرادِ بالمُلكِ، وأنْ ليسَ في المُلكِ شَريكٌ، فكأنَّه لذلك عَقيمُ) .
7- سُقوطُ الدُّولِ واستيلاءُ الأعداءِ عليها، كما حَدَثَ في الأندَلُسِ، وكان سُقوطُها بسَبَب عِدَّةِ عَوامِلَ، مِن أهَمِّها تنازُعُ مُلوكِ الطَّوائِفِ فيها وتَفرُّقُهم.
7- وُقوعُ الاختِلافِ والتَّنازُعِ والتَّشاجُرِ يرفعُ البَرَكةَ .
8- الاختِلافُ والتَّنازُع يُؤَدِّي إلى التَّدابُرِ والتَّقاطُعِ.
9- التَّنازُعُ مِن أسبابِ الفَشَلِ وذَهابِ القوَّةِ.
قال تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46] .
فقد (نَهى اللهُ جَلَّ وعَلا المُؤمِنينَ في هذه الآيةِ الكريمةِ عنِ التَّنازُعِ، مُبَيِّنًا أنَّه سَبَبُ الفشَلِ، وذَهابِ القوَّةِ) .
10- الاختِلافُ والتَّنازُعُ قد يُؤَدِّي إلى تَركِ الإنصافِ وجَحَدِ ما مَعَ المُخالفِ مِن حَقٍّ.
قال تعالى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [البقرة: 113] .
قال ابنُ عَطيَّةَ: (وفي هذا مِن فِعلِهم كُفرُ كُلِّ طائِفةٍ بكِتابِها؛ لأنَّ الإنجيلَ يتَضَمَّنُ صِدقَ موسى وتَقريرَ التَّوراةِ، والتَّوراةَ تَتَضَمَّنُ التَّبشيرَ بعيسى وصِحَّةَ نُبوَّتِه، وكِلاهما تَضَمَّن صِدقَ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فعَنَّفهمُ اللهُ تعالى على كذِبِهم، وفي كُتُبِهم خِلافُ ما قالوا) .
11- الاختِلافُ والتَّنازُعُ يُؤَدِّي إلى الجَدَلِ والمِراءِ.





سادِسًا: دَرَجاتُ التَّنازُعِ والاختِلافِ



جَعَل الرَّاغِبُ الأصفهانيُّ الاختِلافَ على أربَعِ دَرَجاتٍ فقال: (جَميعُ الاختِلافاتِ بَينَ أهلِ الأديانِ والمَذاهِبِ على أربَعِ مَراتِبَ:
الأولى: الاختِلافُ بَينَ أهلِ الأديانِ النَّبَويَّةِ وبَينَ الخارِجينَ عنها مِنَ الثَّنويَّةِ والدَّهريَّةِ، وذلك في حُدوثِ العالمِ، وفي الصَّانِعِ، وفي التَّوحيدِ.
والثَّانيةُ: الاختِلافُ بَينَ أهلِ الأديانِ النَّبَويَّةِ بَعضِهم مَعَ بَعضٍ، وذلك في الأنبياءِ، كاختِلاف المُسلمينَ والنَّصارى واليهودِ.
والثَّالثةُ: الخِلافُ المُختَصُّ في أهلِ الدِّينِ الواحِدِ بَعضِهم مَعَ بَعضٍ في الأُصولِ التي يقَعُ فيها التَّبديعُ والتَّفجيرُ، كالاختِلافِ في كثيرٍ مِن صِفاتِ اللهِ تعالى، وفي القَدَرِ، وكاختِلاف المُجَسِّمةِ.
الرَّابعةُ: الاختِلافُ المُختَصُّ بأهلِ المَقالاتِ في فُروعِ المَسائِلِ، كاختِلافِ الشَّافِعيَّةِ والحَنَفيَّةِ.
فالاختِلافُ الأوَّلُ: يجري مَجرى مُتَنافيينِ في مَسلكيهما، والثَّاني: يجري مَجرى آخِذٍ نَحوَ المَشرِقِ، وآخِذٍ يمينَه أو شِمالَه، فهو وإن كان أقربَ مِنَ الأوَّل فليسَ يخرُجُ أحَدُهما عن أن يكونَ ضالًّا ضَلالًا بَعيدًا، والثَّالثُ: جارٍ مَجرى آخِذينِ وجِهةً واحِدةً، ولكِنَّ أحَدَهما سالكٌ للمَنهَجِ، والآخَرَ تارِكٌ للمَنهَجِ، وهذا التَّارِكُ للمَنهَجِ رُبَّما يبلُغُ وإن كان يطولُ عليه الطَّريقُ، والرَّابعُ: جارٍ مَجرى جَماعةٍ سَلكوا مَنهَجًا واحِدًا، لكِن أخذَ كُلُّ واحِدٍ شُعبةً غَيرَ شُعبةِ الآخَرِ، وهذا هو الاختِلافُ المَحمودُ





سابعًا: مَظاهرُ التَّنازُعِ والاختِلافِ

1- التَّنازُعُ بَينَ الأفرادِ، كالتَّنازُعِ بَينَ الجيرانِ وبَينَ الزُّمَلاءِ.
2- التَّنازُعُ بَينَ الدُّولِ.
3- التَّنازُعُ في الأُمورِ الدُّنيويَّةِ، كالأموالِ والضَّيعاتِ والعَقاراتِ.
4- التَّنازُعُ على المُلكِ والحُكمِ والقيادةِ والمَناصِبِ.
5- الاختِلافُ في مَسائِلِ العَقيدةِ.
6- الاختِلافُ في المَسائِلِ الفِقهيَّةِ.
7- الاختِلافُ بَينَ الزَّوجَينِ.


 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ثامِنًا: أسبابُ الوُقوعِ في التَّنازُعِ والاختِلافِ

1- قِلَّةُ العَقلِ.
(وقد بَيَّنَ تعالى في سورةِ الحَشرِ أنَّ اختِلافَ القُلوبِ، والمُنازَعاتِ الشَّديدةَ، وتَشَتُّتَ الآراءِ والأفكارِ، وعَدَمَ الاتِّحادِ؛ أنَّ سَبَبَ هذا الذي يجتَلبُه به إنَّما هو ذَهابُ العَقلِ وعَدَمُ العَقلِ؛ لأنَّ العاقِلَ لا يتَسَبَّبُ في المُخالفةِ؛ لأنَّك إذا اختَلفتَ أنتَ وأخوك كان تَدبيرُه وكُلُّ ما عِندَه مِن قوَّةٍ يعمَلُ ضِدَّك، فإذا كُنتَ عاقِلًا -ولو عَقلًا دُنيويًّا- كان تَسبُّبُك في أن يكونَ مَعَك؛ لأنَّ كونَ قوَّتِه وما أعطاه اللهُ في صالحِك خَيرٌ لك مِن أن يكونَ في غَيرِ ذلك؛ ولذا بَيَّن تعالى أنَّ سَبَبَ اختِلافِ القُلوبِ هو ضَعفُ العُقولِ وعَدَمُها) .
2- تَصدُّرُ الجَهَلةِ. وكان يُقالُ: (إذا ازدَحَمَ الجَوابُ خَفِيَ الصَّوابُ، اللَّغَطُ يكونُ مَعَه الغَلَطُ، لو سَكتَ مَن لا يعلمُ سَقَطَ الاختِلافُ) ، وقد قال بَعضُ أهلِ العِلمِ: (لو سَكتَ مَن لا يعلمُ لاستَرَحْنا) .
3- الغَفلةُ عن آثارِ التَّنازُعِ السَّيِّئةِ وعَواقِبِه الوخيمةِ.
4- اتِّباعُ الهَوى.
5- التَّكاثُرُ مِن حُطامِ الدُّنيا، والتَّنافُسُ في تَحصيلِها، ومِن ذلك التَّنازُعُ على المُلكِ وغَيرِه؛ (فإنَّ المُلكَ مَنصِبٌ شَريفٌ مَلذوذٌ، يشتَمِلُ على جَميعِ الخَيراتِ الدُّنيويَّةِ والشَّهَواتِ البَدَنيَّةِ والمَلاذِّ النَّفسانيَّةِ؛ فيقَعُ فيه التَّنافُسُ غالبًا، وقَلَّ أن يُسلِّمَه أحَدٌ لصاحِبِه إلَّا إذا غَلبَ عليه، فتَقَعُ المُنازَعةُ، وتُفضي إلى الحَربِ والقِتالِ والمُغالبةِ) .
6- ازدحامُ الأغراضِ .
7- الأثَرةُ وحُبُّ الدُّنيا وطَلَبُ الرِّئاسةِ. قال مُحَمَّدٌ الغَزاليُّ: (لو غَلغَلتَ النَّظَرَ في كثيرٍ مِنَ الانقِساماتِ لرَأيتَ حُبَّ الدُّنيا والأثَرةَ العَمياءَ تَكمُنُ وراءَ هذه الحَزازاتِ) .
8- ومِن أكبَرِ أسبابِ النِّزاعِ: تَقديمُ المَصالحِ الشَّخصيَّةِ والأغراضِ الدُّنيويَّةِ على المَصالحِ العامَّةِ .
9- التَّعَصُّبُ للآراءِ والمَذاهِبِ.
10- البَغيُ والظُّلمُ الحاصِلُ مِن بَعضِ النَّاسِ على بَعضٍ.
11- اتِّباعُ المُتَشابِهِ مِنَ النُّصوصِ، وتَأويلُها تَأويلًا باطِلًا.
12- الإعجابُ بالنَّفسِ والغُرورُ.
13- إهمالُ نُصوصِ الشَّرعِ.
14- سوءُ الظَّنِّ بالآخَرينَ واتِّهامُهم بلا بَيِّنةٍ.


111.jpg
تاسِعًا: الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ التَّنازُعِ والاختِلافِ

1- أن يكونَ الأصلُ والمَرجِعُ لكُلِّ إنسانٍ هو الكِتابَ والسُّنَّةَ، فعِندَئِذٍ يقِلُّ التَّنازُعُ.
2- الإيثارُ في الأُمورِ الدُّنيويَّةِ، وأن يُحِبَّ المَرءُ لأخيه مِنَ الخَيرِ ما يُحِبُّه لنَفسِه.
3- الزُّهدُ في الدُّنيا؛ فإنَّه يُقَلِّلُ التَّنازُعَ عليها.
4- أن يستَحضِرَ المَرءُ شُؤمَ الاختِلافِ والتَّنازُعِ وخَطَرَهما على الأُمَمِ والأفرادِ.
5- السَّعيُ في الإصلاحِ بَينَ النَّاسِ، ونَبذُ أسبابِ التَّهاجُرِ والتَّنازُعِ بَينَهم؛ قال تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 114] .
قال القُرطُبيُّ: (قَولُه تعالى: أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأموالِ والأعراضِ، وفي كُلِّ شَيءٍ يقَعُ التَّداعي والاختِلافُ فيه بَينَ المُسلمينَ، وفي كُلِّ كلامٍ يُرادُ به وَجهُ اللهِ تعالى) .
وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: 1] (وذاتُ البَينِ: هي صاحِبةُ البَينِ، والبَينُ في كلامِ العَرَبِ يأتي على وجهَينِ مُتَضادَّينِ: فيأتي بمَعنى الفُرقةِ، ويأتي بمَعنى الوَصلِ. وإصلاحُ ذاتِ البَينِ على المَعنى الأوَّلِ يكونُ بمَعنى إصلاحِ صاحِبةِ الفُرقةِ بَينَ المُسلمينَ، وإصلاحُها يكونُ بإزالةِ أسبابِ الخِصامِ، أو بالتَّسامُحِ والعَفوِ، أو بالتَّراضي على وجهٍ مِنَ الوُجوه، وبهذا الإصلاحِ يذهَبُ البَينُ، وتَنحَلُّ عُقدةُ الفُرقةِ. أمَّا إصلاحُ ذاتِ البَينِ على المَعنى الثَّاني فيكونُ بمَعنى إصلاحِ صاحِبةِ الوَصلِ والتَّحابُبِ والتَّآلُفِ بَينَ المُسلمينَ، وإصلاحُها يكونُ برَأبِ ما تصَدَّع مِنها، وإزالةِ الفسادِ الذي دَبَّ إليها بسَبَبِ الخِصامِ والتَّنازُعِ على أمرٍ مِن أُمورِ الدُّنيا، واللهُ تَبارَك وتعالى أمر المُؤمِنينَ بأن يُصلِحوا ذاتَ بَينِهم ويُطيعوا اللهَ ورَسولَه إن كانوا مُؤمِنينَ حَقًّا؛ فمِن صِفاتِ المُؤمِنينَ المُتَّقينَ أنَّهم يُصلِحونَ ذاتَ بَينِهم، فإذا نَشَأ بَينَهم وبَينَ إخوانٍ لهم خِصامٌ على أمرٍ مِن أُمورِ الدُّنيا أسرَعوا إلى إصلاحِه بأنفُسِهم، ولو لم يتَدَخَّلْ بَينَهم وبَينَ إخوانِهم وُسَطاءُ) .

111.jpg
عاشِرًا: حُكمُ التَّنازُعِ والاختِلافِ

لاختِلافُ والتَّنازُعُ مَذمومٌ إذا أدَّى إلى التَّشاجُرِ والتَّدابُرِ وافتِراقِ الكَلِمةِ أوِ المُعاداةِ .
(أمَّا التَّنازُعُ في الأحكامِ فجائِزٌ إجماعًا؛ حَيثُ خَلا عنِ التَّعَصُّب والتَّعنُّتُ، وإلَّا كان مِن أقبَحِ القَبائِحِ) .
قال الشَّافِعيُّ: (كُلُّ ما أقامَ اللهُ به الحُجَّةَ في كِتابِه أو على لسانِ نَبيِّه مَنصوصًا بَيِّنًا، لم يحِلَّ الاختِلافُ فيه لمَن عَلِمه، وما كان مِن ذلك يحتَمِلُ التَّأويلَ ويُدرَكُ قياسًا، فذَهَبَ المُتَأوِّلُ أوِ القايسُ إلى مَعنًى يحتَمِلُه الخَبَرُ أوِ القياسُ، وإن خالفَه فيه غَيرُه؛ لم أقُلْ إنَّه يُضَيَّقُ عليه ضِيقَ الخِلافِ في المَنصوصِ) .


111.jpg
حاديَ عَشَرَ: أخطاءٌ شائِعةٌ

كثيرٌ مِنَ النَّاسِ يظُنُّ أنَّ التَّنازُعَ والاختِلافَ في الأحكامِ الفرعيَّةِ التي يُحتَمَلُ فيها الخِلافُ مَدعاةٌ للتَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ، وموجِبٌ للإثمِ على المُخالِفِ، وهذا خَطَأٌ ظاهِرٌ.
قال ابنُ تيميَّةَ: (قدِ اتَّفقَ الصَّحابةُ في مَسائِلَ تَنازَعوا فيها، على إقرارِ كُلِّ فريقٍ للفريقِ الآخَرِ على العَمَلِ باجتِهادِهم، كمَسائِلَ في العِباداتِ والمناكِحِ والمَواريثِ والعَطاءِ والسِّياسةِ وغَيرِ ذلك... وهذه المَسائِلُ مِنها ما أحَدُ القَولينِ خَطَأٌ قَطعًا، ومِنها ما المُصيبُ في نَفسِ الأمرِ واحِدٌ عِندَ الجُمهورِ أتباعِ السَّلفِ، والآخَرُ مُؤَدٍّ لِما وجَبَ عليه بحَسبِ قوَّةِ إدراكِه، وهَل يُقالُ له: مُصيبٌ أو مُخطِئٌ؟ فيه نِزاعٌ. ومِنَ النَّاسِ مَن يجعَلُ الجَميعَ مُصيبينَ ولا حُكمَ في نَفسِ الأمرِ. ومَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ أنَّه لا إثمَ على مَنِ اجتَهَدَ وإن أخطَأ) .


وقال أيضًا: (كان العُلماءُ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينِ ومَن بَعدَهم إذا تَنازَعوا في الأمرِ اتَّبَعوا أمرَ اللهِ تعالى في قَولِه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] ، وكانوا يتَناظَرونَ في المَسألةِ مُناظَرةَ مُشاورةٍ ومُناصَحةٍ، ورُبَّما اختَلف قَولُهم في المَسألةِ العِلميَّةِ والعَمَليَّةِ مَعَ بَقاءِ الأُلفةِ والعِصمةِ وأُخوَّةِ الدِّينِ. نعَمْ، مَن خالف الكِتابَ المُستَبينَ والسُّنَّةَ المُستَفيضةَ أو ما أجمَعَ عليه سَلَفُ الأُمَّةِ خِلافًا لا يُعذَرُ فيه، فهذا يُعامَلُ بما يُعامَلُ به أهلُ البدَعِ) .

وعن أبي سَلَمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ وسَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ: (أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ وعُثمانَ بنَ عَفَّانَ رَضي اللهُ عنهما كانا يتَنازَعانِ في المَسألةِ بَينَهما حتَّى يقولَ النَّاظِرُ: إنَّهما لا يجتَمِعانِ أبَدًا! فما يفتَرِقانِ إلَّا على أحسَنِه وأجمَلِه!) .
111.jpg
ثاني عَشَرَ: مَسائِلُ مُتَفرِّقةٌ

الواجِبُ عِندَ التَّنازُعِ:


قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء: 65] .
وقال سُبحانَه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء: 59] .


قال الطَّبَريُّ في قَولِه تعالى: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا: (فرَدُّ ما تَنازَعتُم فيه مِن شَيءٍ إلى اللهِ والرَّسولِ، خَيرٌ لكم عِندَ اللهِ في مَعادِكم، وأصلَحُ لكم في دُنياكم؛ لأنَّ ذلك يدعوكم إلى الأُلفةِ، وتركِ التَّنازُعِ والفُرقةِ. وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا يعني: وأحمَدُ مَوئِلًا ومَغَبَّةً، وأجمَلُ عاقِبةً) .
وقال ابنُ كثيرٍ: (هذا أمرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَل بأنَّ كُلَّ شَيءٍ تَنازَعَ النَّاسُ فيه مِن أُصولِ الدِّينِ وفُروعِه أن يُرَدَّ التَّنازُعُ في ذلك إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، كما قال تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى: 10] ، فما حَكمَ به كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسولِه وشَهِدا له بالصِّحَّةِ، فهو الحَقُّ، وماذا بَعدَ الحَقِّ إلَّا الضَّلالُ؛ ولهذا قال تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي: رُدُّوا الخُصوماتِ والجَهالاتِ إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه، فتَحاكَموا إليهما فيما شَجَرَ بَينَكم إن كُنتُم تُؤمِنونَ باللهِ واليومِ الآخِرِ.
فدَلَّ على أنَّ مَن لم يتَحاكَمْ في مَجالِ النِّزاعِ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ ولا يَرجِعُ إليهما في ذلك، فليسَ مُؤمِنًا باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ) .


وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (الحُجَّةُ عِندَ التَّنازُعِ الكِتابُ والسُّنَّةُ لا ما سِواهما) .
وقال أيضًا: (أمَر اللهُ عِبادَه عِندَ التَّنازُعِ أن يرُدُّوا ما تَنازَعوا فيه إلى كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه، فمَن كان عِندَه مِن ذلك عِلمٌ وجَبَ الانقيادُ إليه) .
فيجِبُ التِزامُ الحُكمِ الذي ثَبَتَت حُجَّتُه، والعَمَلُ به والتَّسليمُ له، وما فيه التَّنازُعُ والاختِلافُ وجَبَ العَمَلُ منه بما قامَ الدَّليلُ عليه لكُلِّ مُجتَهِدٍ، وقامَ العُذرُ فيه لمَن مال إلى وجهٍ مِنه؛ لأنَّه هو الأَولى عِندَه، ووجَبَ على العامَّةِ تَقليدُ عُلَمائِها فيما اجتَهَدوا فيه ووَسِعَهم العَمَلُ به .


- قال الماوَرْديُّ: (قد يختَلفُ أهلُ الدِّينِ على مَذاهبَ شَتَّى وآراءٍ مُختَلفةٍ، فيَحدُثُ بَينَ المُختَلفينَ فيه مِنَ العَداوةِ والتَّبايُنِ مِثلُ ما يحدُثُ بَينَ المُختَلفينَ في الأديانِ. وعِلَّةُ ذلك أنَّ الدِّينَ والاجتِماعَ على العَقدِ الواحِدِ فيه لَمَّا كان أقوى أسبابَ الأُلفةِ كان الاختِلافُ فيه أقوى أسبابِ الفُرقةِ، وإذا تَكافأ أهلُ الأديانِ المُختَلفةِ والمَذاهِبِ المُتَبايِنةِ، ولم يكُنْ أحَدُ الفريقَينِ أعلى يدًا، وأكثَرَ عَدَدًا، كانتِ العَداوةُ بَينَهم أقوى والإحَنُ فيهم أعظَمَ؛ لأنَّه ينضَمُّ إلى عَداوةِ الاختِلافِ تَحاسُدُ الأكفاءِ، وتَنافُسُ النُّظَراءِ)

الدُّعاءُ بالهدايةِ عِندَ الاختِلافِ:
عن أبي سَلمةَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ قال: سَألتُ عائِشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ: بأيِّ شَيءٍ كان نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يفتَتِحُ صَلاتَه إذا قامَ مِنَ اللَّيلِ؟ قالت: ((كان إذا قامَ يُصَلِّي من اللَّيلِ يَقولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطِرَ السَّمَواتِ والأرضِ، عالِمَ الغَيبِ والشَّهادةِ، أنتَ تَحكُمُ بَينَ عِبادِك فيما كانوا فيه يَختَلِفونَ، اهدِني لِما اختُلِفَ فيه من الحَقِّ بإذْنِكَ؛ إنَّك تَهدِي من تَشاءُ إلى صِراطٍ مُستَقيمٍ)) .


قال ابنُ القَيِّمِ: (فمَن هَداه اللهُ سُبحانَه إلى الأخذِ بالحَقِّ حَيثُ كان ومَعَ مَن كان، ولو كان مَعَ مَن يُبغِضُه ويُعاديه، ورَدِّ الباطِلِ مَعَ مَن كان، ولو كان مَعَ مَن يُحِبُّه ويواليه- فهو مِمَّن هَدى لِما اختُلِف فيه مِنَ الحَقِّ. فهذا أعلَمُ النَّاسِ وأهداهم سَبيلًا وأقوَمُهم قِيلًا، وأهلُ هذا المَسلَكِ إذا اختَلفوا فاختِلافُهم اختِلافُ رَحمةٍ وهدًى، يُقِرُّ بَعضُهم بَعضًا عليه ويواليه ويُناصِرُه، وهو داخِلٌ في بابِ التَّعاوُنِ والتَّناظُرِ الذي لا يستَغني عنه النَّاسُ في أُمورِ دينِهم ودُنياهم، بالتَّناظُرِ والتَّشاوُرِ وإعمالِهم الرَّأيَ وإجالتِهم الفِكرَ في الأسبابِ الموصِلةِ إلى دَركِ الصَّوابِ) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ثالثَ عَشَرَ: التَّنازُعُ والاختِلافُ في واحةِ الأدَبِ

أ- مِنَ الشِّعرِ
- قال ابنُ السَّاعاتيِّ:
تَوَقَّ حُدودَ البَغيِ يومَ تَنازُعٍ
وكُنْ ذا اقتِصادٍ حينَ تَرضى وتَسخَطُ
ولا تَحقِرَنْ شَيئًا وإنْ قَلَّ قَدرُهُ
فإنَّ ثَمينَ الدُّرِّ بالسِّلكِ يُضبَطُ
ونَفسَك فاحذَرْها ولا تُعطِها هَوًى
هَوى النَّفسِ في الدُّنيا عَدوٌّ مُسَلَّطُ
- وقال أبو العَلاءِ المُعَرِّي:
فدارِ خَصْمَك إن حَقٌّ أنارَ له
ولا تُنازِعْ بتَمويهٍ وإجلابِ
وحُبُّ دُنياك طَبعٌ في المُقيمِ بها
فقد مُنِيتَ بقِرنٍ مِنه غَلَّابِ
لمَّا رَأيتُ سَجايا العَصرِ تُرخِصُني
رَدَدتُ قدْري إلى صَبري فإغلابي
- وقال المُتَنَبِّي:
ونَفسٌ لا تُجيبُ إلى خَسيسٍ
وعَينٌ لا تُدارُ على نَظيرِ
وكفٌّ لا تُنازِعُ مَن أتاني
يُنازِعُني سِوى شَرَفي وخَيري
- أوصى عَبدُ المَلِكِ بنُ مَروانَ عِندَ مَوتِه بَنيه لمَّا رَأى أنَّ الرَّحِمَ لا تَنفعُهم إلَّا بالتَّآلُفِ والتَّوازُرِ، والقَرابةُ لا يحفَظُها إلَّا التَّودُّدُ والتَّناصُرُ، وأنشَدَهم مُتَمَثِّلًا:
انفُوا الضَّغائِنَ والتَّحاسُدَ بَينَكم
عِندَ المَغيبِ وفي حُضورِ المَشهَدِ
بصَلاحِ ذاتِ البَينِ طولُ بَقائِكم
إنْ مُدَّ في عُمري وإن لم يُمدَدِ
فلمِثلِ رَيبِ الدَّهرِ ألَّف بَينَكم
بتَواصُلٍ وتَراحُمٍ وتَودُّدِ
إنَّ القِدَاحَ إذا اجتَمَعْنَ فرامَها
بالكَسرِ ذو حَنَقٍ وبَطشِ أَيِّدِ
عَزَّت فلم تُكسَرْ وإن هي بُدِّدَت
فالوَهْنُ والتَّكسيرُ للمُتَبَدِّدِ
- وقال أكثَمُ بنُ صَيفيٍّ، يحُثُّ أبناءَه على الاجتِماعِ ونَبذِ الفُرقةِ والاختِلافِ والتَّنازُعِ:
كونوا جَميعًا يا بَنيَّ إذا اعتَرى
خَطْبٌ ولا تَتَفرَّقوا آحادَا
تَأبى القِدَاحُ إذا اجتَمَعْنَ تَكسُّرًا
وإذا افتَرَقنَ تَكسَّرَت أفرادَا .
- وقال عبيدٌ العَنبَريُّ:
إذا ما أرادَ اللهُ ذُلَّ قَبيلةٍ
رَماها بتَشتيتِ الهَوى والتَّخاذُلِ .
-وقال يامِضٌ الكِلابيُّ:
ألم تَرَ أنَّ جَمعَ القَومِ يُخشى
وأنَّ حَريمَ واحِدِهم مُباحُ
وأنَّ القدحَ حين يكونُ فَردًا
فيُهصَرُ لا يكونُ له اقتِداحُ .
- وقال مُحَمَّدٌ الفُراتيُّ:
إنَّ التَّفرُّقَ داءٌ مُعضِلٌ أبَدًا
في العُرْبِ أعيا على الدَّهرِ المُداوينا .
- وقال إسماعيلُ بنُ يَسارٍ:
فدَعْ عنك المِراءَ ولا تُرِدْه
لقِلَّةِ خَيرِ أسبابِ المِراءِ
وأيقِنْ أنَّ مَن مارى أخاه
تَعرَّضَ مِن أخيه للِّحاءِ
ولا تَبغِ الخِلافَ فإنَّ فيه
تَفرُّقَ مِن ذَواتِ الأصفياءِ
111.jpg

ب- مِنَ الأمثالِ والحِكَمِ
- لا شَيءَ أوضَعُ للرِّجالِ مِن مُنازَعةِ الرِّجالِ .
- جَميلُ موادَعةٍ ينتَظِرُ قُبحَ مُنازَعةٍ .
- المُلْكُ عَقيمٌ.
يعني: إذا تَنازَعَ قَومٌ في مُلكٍ انقَطَعَت بَينَهم الأرحامُ، فلم يُبقِ فيه والدٌ على ولدِه، فصارَ كأنَّه عَقيمٌ لم يولَدْ له .
- لا أبقى اللهُ عليك إن أبقَيتَ علَيَّ .
- وفي المَثَلِ: من لاحاك فقد عاداك .
- شَقَّ فُلانٌ عَصا المُسلمينَ.
قال أبو عُبَيدٍ: مَعناه: فَرَّق جَماعَتَهم، قال: والأصلُ في العَصا الاجتِماعُ والائتِلافُ؛ وذلك أنَّها لا تُدعى عَصًا حتَّى تَكونَ جَميعًا، فإنِ انشَقَّت لم تُدْعَ عَصًا.
يُضرَبُ مَثَلًا لكُلِّ فُرقةٍ .
- مِن شُؤمِها رُغاؤُها.
يُضرَبُ عِندَ الأمرِ يَعسُرُ ويكثُرُ الاختِلافُ فيه .
- جَماعةٌ على أقذاءٍ.
مَعناه: اجتِماعٌ بالأبدانِ وافتِراقٌ بالقُلوبِ. والأقذاءُ: جَمعُ قَذًى، وقَذًى: جَمعُ قَذاةٍ.
يُضرَبُ لمَن يُضمِرُ أذًى ويُظهِرُ صَفاءً .
- اختَلفت رؤوسُها فرَتَعَت.
الهاءُ راجِعةٌ إلى الإبِلِ، وإنَّما تَختَلِفُ رؤوسُها عِندَ الرُّتوعِ.
يُضرَبُ في اختِلافِ القَومِ في الشَّيءِ .
- لو قُلتُ تَمرةً، لقال جَمرةً!
يُضرَبُ عِندَ اختِلافِ الأهواءِ .
- أخلَفُ مِن بَولِ الجَمَلِ.
هذا مِنَ الخِلافِ، لا مِنَ الخُلفِ؛ لأنَّه يبولُ إلى خَلفٍ .
- أخلَفُ مِن ولدِ الحِمارِ.
مِنَ الخِلافِ، والمُرادُ به البَغلُ؛ لأنَّه لا يُشبِهُ أَبَويه .

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

المُداهَنةُ

أوَّلًا: معنى المُداهَنةِ لُغةً واصطِلاحًا


المُداهَنةُ لُغةً:

المُداهَنةُ: مِن دَهَن، وهذا الأصلُ يدُلُّ على لينٍ وسُهولةٍ وقِلَّةٍ، ومن ذلك الدُّهنُ. ويقالُ: دهَنْتُه دَهنًا .والدِّهانُ: ما يُدَّهَنُ به. والإدهانُ، من المُداهَنةِ، وهي: المصانعةُ. ودَهَن الرَّجُلُ: إذا نافَقَ. وتقولُ: داهَنْتُ الرَّجُلَ: إذا وارَبْتَه وأظهَرْتَ له خِلافَ ما تُضمِرُ له، وهو من البابِ، كأنَّه إذا فَعَل ذلك فهو يَدهُنُه ويُسَكِّنُ منه. وأدهَنْتُ إدهانًا: غشَشْتُ. وقال قومٌ: داهَنْتُ بمعنى وارَيتُ .

المُداهَنةُ اصطِلاحًا:
المُداهَنةُ: هي عَدَمُ تغييرِ المُنكَرِ مع القُدرةِ عليه؛ رعايةً لجانبِ مُرتَكِبِه أو لجانِبِ غَيرِه، أو لقِلَّةِ المبالاةِ بالدِّينِ .
وقيل: (مُعاشَرةُ الفُسَّاقِ وإظهارُ الرِّضا بما هم عليه من غيرِ إنكارٍ عليهم) .
وقيل: (بَذلُ الدِّينِ لصالحِ الدُّنيا) .
وقيل: (هي الفُتورُ والضَّعفُ في أمرِ الدِّينِ) .
وقيل: (هي إظهارُ الرِّضا بما يَصدُرُ من الظَّالمِ أو الفاسِقِ من قولِ باطِلٍ أو عَمَلِ مكروهٍ)



yqh4daitua8.gif

ثانيًا: الفَرْقُ بَيْنَ المُداهَنةِ وبَعضِ الصِّفاتِ


الفَرْقُ بَيْنَ المُداهَنةِ والمداراةِ:
الفَرْقُ بَيْنَهما من وجوهٍ:
أنَّ المُداراةَ صِفةُ مَدحٍ، والمُداهَنةَ صِفةُ ذَمٍّ.
أنَّ المُداريَ يتلَطَّفُ بصاحِبِه حتى يستخرِجَ منه الحَقَّ، أو يَرُدَّه عن الباطِلِ، والمداهِنُ يتلطَّفُ به ليُقِرَّه على باطِلِه، ويترُكَه على هواه .


أنَّ المُداراةَ هي الرِّفقُ بالجاهِلِ في التَّعليمِ، وبالفاسقِ في النَّهيِ عن فِعلِه، وتَركِ الإغلاظِ عليه حيثُ لا يُظهِرُ ما هو فيه، والإنكارُ عليه بلُطفِ القَولِ والفِعلِ، ولا سِيَّما إذا احتيجَ إلى تألُّفِه ونحوِ ذلك. والمُداهَنةُ: معاشرةُ الفاسِقِ، وإظهارُ الرِّضا بما هو فيه من غيرِ إنكارٍ عليه .
أنَّ المداراةَ بَذلُ الدُّنيا لصلاحِ الدُّنيا أو الدِّينِ، وهي مباحةٌ ومُستحسَنةٌ في بعض ِالأحوالِ، والمُداهَنةُ المذمومةُ المحَرَّمةُ: هي بَذلُ الدِّينِ لصالحِ الدُّنيا .
والفَرْقُ بَيْنَهما أيضًا من جهةِ الغَرَضِ الباعِثِ عليهما؛ فإنْ أغضَيتَ لسلامةِ دينِك، ولِما ترى من إصلاحِ أخيك بالإغضاءِ، فأنت مُدارٍ، وإن أغضَيتَ لحظِّ نفسِك واجتلابِ شَهَواتِك، وسلامةِ جاهِك، فأنت مداهِنٌ .


وهذا مَثَلٌ يُبَيِّنُ الفَرْقَ بَيْنَهما، وهو حالُ رجُلٍ به قُرحةٌ قد آلمَتْه، فجاءه الطَّبيبُ المُداوي الرَّفيقُ فتعَرَّف حالَها ثمَّ أخَذ في تليينِها، حتى إذا نَضِجَت أخَذ في بَطِّها برِفقٍ وسهولةٍ حتى أخرَج ما فيها، ثمَّ وضَع على مكانِها من الدَّواءِ والمَرهَمِ ما يمنَعُ فَسادَه ويقطَعُ مادَّتَه، ثمَّ تابع عليها بالمراهِمِ التي تُنبِتُ اللَّحمَ، ثمَّ يَذُرُّ عليها بعدَ نباتِ اللَّحمِ ما يُنَشِّفُ رُطوبتَها، ثمَّ يَشُدُّ عليها الرِّباطَ، ولم يَزَلْ يتابِعُ ذلك حتَّى صلَحَت، والمداهِنُ قال لصاحِبِها: لا بأسَ عليك منها، وهذه لا شيءَ فاستُرْها عن العيوبِ بخِرقةٍ، ثمَّ الْهُ عنها! فلا تزالُ مِدَّتُها تَقْوى وتَستَحكِمُ حتَّى عَظُمَ فسادُها !

الفَرْقُ بَيْنَ المُداهَنةِ والمداراةِ والتَّقِيَّةِ:

التَّقِيَّةُ هي: إظهارُ المُؤمِنِ عِندَ الخوفِ على نفسِه ما يأمَنُ به من أماراتِ الكُفرِ أو المعصيةِ، مع كراهتِه لذلك في قَلبِه، واطمئنانِه بالإيمانِ.

والفَرْقُ بَيْنَ التَّقيَّةِ والمُداهَنةِ:

أنَّ التَّقيَّةَ لا تَحِلُّ إلَّا لدَفعِ الضَّرَرِ، أمَّا المُداهَنةُ فلا تحِلُّ أصلًا؛ لأنَّها اللِّينُ في الدِّينِ، وهو ممنوعٌ شَرعًا .
فالتَّقيَّةُ يصاحِبُها العَجزُ وعَدَمُ القدرةِ على دَفعِ المُنكَرِ، مِن ثَمَّ كانت جائزةً، بينما المُداهَنةُ تحصُلُ مع القدرةِ على إنكارِه، ومَن ثَمَّ كانت حرامًا.


الفَرْقُ بَيْنَ المُداهَنةِ والنِّفاقِ:
النِّفاقُ هو إظهارُ ما يُبطَنُ خِلافُه . وهو بذلك يشتَرِكُ مع المُداهَنةِ، إلَّا أنَّ المُداهَنةَ تختَصُّ بأنَّها إظهارُ الرِّضا بالباطِلِ والإقرارُ عليه، والنِّفاقُ أعَمُّ، فلا يلزَمُ منه ذلك؛ فالكَذِبُ وإخلافُ الوَعدِ والخيانةُ من خِصالِ النِّفاقِ، وليس فيها إقرارٌ على الباطِلِ.
وأيضًا فالنِّفاقُ الأكبَرُ يكونُ بإظهارِ مُوافقةِ المُؤمِنين في الظَّاهرِ مع إبطانِ الكُفرِ، أمَّا المُداهَنةُ فتكونُ بموافقةِ أهلِ الباطِلِ وإقرارِهم على باطِلِهم.

يتبع
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ثالثًا: ذمُّ المُداهَنةِ والنَّهيُ عنها

أ- من القُرآنِ الكريمِ


وردت عِدَّةُ آياتٍ في القرآنِ الكريمِ تشيرُ إلى ذَمِّ المُداهَنةِ إمَّا بالتَّصريحِ أو بالتَّلميحِ؛ منها على سبيلِ المثالِ:

1- قَولُه تعالى: أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ [الواقعة: 81] .
قال الطَّبَريُّ: (يقولُ تعالى ذِكرُه: أفبهذا القرآنِ الذي أنبأتُكم خبَرَه، وقصَصْتُ عليكم أمْرَه -أيُّها النَّاسُ- أنتم تُلينون القولَ للمُكَذِّبين به؛ ممالأةً منكم لهم على التَّكذيبِ به والكُفرِ؟!) .
وقال ابنُ عطيَّةَ: (مُدْهِنُونَ معناه: يُلايِنُ بعضُكم بعضًا، ويَتبَعُه في الكُفرِ) .
وقال السَّعديُّ: (أفبهذا الكتابِ العظيمِ والذِّكرِ الحكيمِ أنتم تُدهِنون أي: تختَفون وتُدَلِّسون خوفًا من الخَلقِ وعارِهم وألسِنَتِهم؟ هذا لا ينبغي ولا يليقُ، إنَّما يليقُ أن يُداهَنَ بالحديثِ الذي لا يَثِقُ صاحِبُه منه، وأمَّا القرآنُ الكريمُ فهو الحَقُّ الذي لا يغالِبُ به مغالِبٌ إلَّا غَلَب، ولا يصولُ به صائِلٌ إلَّا كان العاليَ على غيرِه، وهو الذي لا يداهَنُ به ولا يُختفى، بل يُصدَعُ به ويُعلَنُ) .

2- قولُه تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9] .
قال السَّعديُّ: (لَوْ تُدْهِنُ أي: توافِقُهم على بعضِ ما هم عليه، إمَّا بالقولِ أو الفِعلِ أو بالسُّكوتِ عمَّا يتعَيَّنُ الكلامُ فيه، فَيُدْهِنُونَ ولكِنِ اصدَعْ بأمرِ اللَّهِ، وأظهِرْ دينَ الإسلامِ؛ فإنَّ تمامَ إظهارِه بنَقضِ ما يُضادُّه، وعَيبِ ما يناقِضُه) .
والإسلامُ دينٌ شَريفٌ، دينٌ صَريحٌ، يَكرَهُ النِّفاقَ والغِشَّ، ويَكرَهُ المُداهَنةَ والمراءاةَ؛ ولذلك يقولُ اللَّهُ لنبيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقد وصَّاه بالصَّراحةِ، وعَرَّفه كيف يدعو إليه: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9] ، فعَلَّم رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن يكونَ صريحًا في عَرضِ الإسلامِ ومحاكمةِ أتباعِه إليه ومحاكَمةِ الآخَرينَ إليه، والمُداهَنةُ أو الإدهانُ لا يمكِنُ قَبولُه في الإسلامِ .

3- قولُه تعالى وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: 113] .
أي: ولا تميلوا -أيُّها النَّاسُ- إلى الظَّلَمةِ؛ فإنَّكم إن مِلْتُم إليهم ووافَقْتُموهم على أفعالِهم ورَضيتُم بها، وداهنْتُموهم؛ تُصِبْكم النَّارُ .

4- قولُه تعالى أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50] .
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ هو المَيلُ والمُداهَنةُ في الحُكمِ، والمرادُ بالجاهليَّةِ المِلَّةُ الجاهليَّةُ التي هي مُتابعةُ الهوى) .


61.jpg

ب- من السُّنَّةِ النَّبَويَّةِ

1- عن *أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: ((أنَّه سَمِع رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ شَرَّ النَّاسِ *ذو *الوجهَينِ، الذي يأتي هؤلاءِ بوَجهٍ وهؤلاءِ بوَجهٍ)) .
قال النَّوويُّ: (قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في ذي الوجَهينِ: إنَّه من شِرارِ النَّاسِ، فسَبَبُه ظاهِرٌ؛ لأنَّه نفاقٌ محضٌ وكَذِبٌ وخِداعٌ وتحيُّلٌ على اطِّلاعِه على أسرارِ الطَّائفتينِ، وهو الذي يأتي كُلَّ طائفةٍ بما يُرضيها ويُظهِرُ لها أنَّه منها في خيرٍ أو شَرٍّ، وهي مُداهَنةٌ مُحَرَّمةٌ) ، فأمَّا مَن يقصِدُ *بذلك *الإصلاحَ بَيْنَ *الطائفتينِ فهو محمودٌ .
وقيل: إنَّ المذمومَ مَن يُزَيِّنُ لكُلِّ طائفةٍ عَمَلَها ويُقَبِّحُه عِندَ الأُخرى ويَذُمُّ كُلَّ طائفةٍ عِندَ الأخرى، والمحمودُ أن يأتيَ لكُلِّ طائفةٍ بكلامٍ فيه صلاحُ الأخرى ويعتَذِرُ لكُلِّ واحدةٍ عن الأخرى وينقُلُ إليه ما أمكَنه من الجميلِ ويَستُرُ القبيحَ .

2- عن أبى هُرَيرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((حقُّ المُسلِمِ على المُسلِمِ سِتٌّ، قيل: ما هنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: إذا لَقيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصَحك فانصَحْ له، وإذا عطَس فحمِد اللهَ فسَمِّتْه، وإذا مرِض فعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْه)) .
قولُه: ((وإذا استنصَحَك)) معناه: طلَبَ منك النَّصيحةَ فعليك أن تنصَحَه ولا تداهِنَه ولا تَغُشَّه ولا تُمسِكَ عن بيانِ النَّصيحةِ ، والنَّصيحةُ: إرادةُ الخيرِ للغَيرِ وإظهارُه له؛ ليتمَسَّكَ به .

3- عن *النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَثَلُ المُدهِنِ في حدودِ اللَّهِ والواقِعِ فيها مَثَلُ قومٍ استَهَموا سفينةً، فصار بعضُهم في أسفَلِها وصار بعضُهم في أعلاها، فكان الذي في أسفَلِها يمرُّون بالماءِ على الذين في أعلاها، فتأذَّوا به، فأخَذ فأسًا، فجَعَل يَنقُرُ أسفَلَ السَّفينةِ، فأتَوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذَّيتُم بي ولا بُدَّ لي من الماءِ! فإن أخَذوا على يَدَيه أنجَوه ونجَّوا أنفُسَهم، وإن تَرَكوه أهلَكوه وأهلَكوا أنفُسَهم)) .
(قولُه: ((المُدهِن) ) هو المصانِعُ والغاشُّ، وهو المداهِنُ، والادِّهانُ: المصانعةُ واللِّينُ في الحَقِّ) .
وقيل: هو المحابي، والمرادُ به مَن يرائي ويُضَيِّعُ الحقوقَ ولا يُغَيِّرُ المُنكَرَ، وقيل: المداهِنُ هو المضَيِّعُ لحدودِ اللَّهِ الذي لا يُغَيِّرُ المعاصيَ ولا يَعمَلُها، فهو مُستحَقٌّ بالعقوبةِ على سُكوتِه ومداهنتِه .

4- عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّه يُستعمَلُ عليكم أُمَراءُ، فتَعرِفون وتُنكِرون، فمَن كَرِه فقد بَرِئ، ومن أنكَر فقد سَلِم، ولكِنْ مَن رَضِيَ وتابَع، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألا نقاتِلُهم؟ قال: لا، ما صَلَّوا، أي: مَن كَرِه بقَلبِه وأنكَر بقَلبِه)) .
قولُه: ((تَعرِفون وتُنكِرون) ) صفتانِ ل ((أمراء) )، أي: تَعرِفون بعضَ أفعالِهم وتُنكِرون بعضَها، يريدُ أنَّ أفعالَهم تكونُ بعضُها حَسَنًا وبعضُها قبيحًا، فمَن قَدَر أن يُنكِرَ عليهم قبائِحَ أفعالِهم وسماجةَ حالِهم وأنكَر، فقد بَرِئَ من المُداهَنةِ والنِّفاقِ، ومَن لم يَقدِرْ على ذلك ولكِنْ أنكر بقَلبِه وكَرِه ذلك، فقد سَلِم من مشاركتِهم في الوِزرِ والوَبالِ، ولكِنْ مَن رَضِيَ بفِعلِهم بالقَلبِ وتابَعَهم في العَمَلِ فهو الذي شاركَهم في العِصيانِ، واندرَج معهم تحتَ اسمِ الطُّغيانِ .

5- عن طارِقِ بنِ شِهابٍ أنَّ رجُلًا سأل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وقد وضَع رِجلَه في الغَرْزِ : أيُّ الجِهادِ أفضَلُ؟ قال: ((كَلِمةُ حَقٍّ عِندَ سُلطانٍ جائرٍ)) .

قال ابنُ عُثَيمين: (للسُّلطانِ بطانتانِ: بطانةُ السَّوءِ، وبطانةُ الخيرِ.
بطانةُ السَّوءِ: تَنظُرُ ماذا يريدُ السُّلطانُ، ثمَّ تُزَيِّنُه له وتقولُ: هذا هو الحَقُّ، هذا هو الطَّيِّبُ، وأحسَنْتَ وأفَدْتَ، ولو كان -والعياذُ باللَّهِ- مِن أَجْوَرِ ما يكونُ، تفعَلُ ذلك مُداهَنةً للسَّلاطينِ وطَلَبًا للدُّنيا.
وأمَّا بِطانةُ الحَقِّ: فإنَّها تنظُرُ ما يُرضي اللَّهَ تعالى ورسولَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتدُلُّ الحاكِمَ عليه، هذه هي البِطانةُ الحَسَنةُ) .


61.jpg

ج- من أقوالِ السَّلَفِ والعُلَماءِ

- يُروى عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنَّه قال: (لو عَلِمتُ أنَّ المُداهَنةَ تَسَعُني في دينِ اللَّهِ لفعَلْتُ، ولكان أهوَنَ عليَّ في المؤونةِ، ولكِنَّ اللَّهَ لم يَرْضَ من أهلِ القُرآنِ بالإدهانِ والسُّكوتِ، واللَّهُ يُعصى)

- وقال سَهلُ بنُ عَبدِ اللَّهِ التُّستَريُّ: (لا يَشَمُّ رائحةَ الصِّدقِ مَن داهَن نفسَه أو غيرَه) .

- وقال الثَّوريُّ: (إذا كان الرَّجُلُ محبَّبًا في جيرانِه، محمودًا عِندَ إخوانِه، فاعلَمْ أنَّه *ُمُداهِنٌ) .

- قال أبو عبدِ اللَّهِ المَغربيُّ: (أعظَمُ النَّاسِ ذُلًّا فقيرٌ داهَن غَنيًّا أو تواضعَ له، وأعظَمُ الخَلقِ عِزًّا غنيٌّ تذلَّل للفقيرِ وحَفِظَ حُرمتَه) .

- وقال التَّاجُ السُّبكيُّ: (فإنَّما يُتلِفُ السَّلاطينَ فَسَقةُ الفُقَهاءِ؛ فإنَّ الفُقَهاءَ ما بَيْنَ صالحٍ وطالحٍ؛ فالصَّالحُ غالبًا لا يتردَّدُ إلى أبوابِ الملوكِ، والطَّالحُ غالبًا يترامى عليهم ثمَّ لا يَسَعُه إلَّا أن يجريَ معهم على أهوائِهم، ويُهَوِّنَ عليهم العظائِمَ، ولهو على النَّاسِ شَرٌّ من ألفِ شَيطانٍ، كما أنَّ صالِحَ الفُقَهاءِ خيرٌ من ألفِ عابِدٍ) .

- وقال ابنُ شُبرُمةَ: (مَن أكَل من حَلوائِهم انحَطَّ في أهوائِهم) .

- وكتَب أبو حازمٍ الأعرَجُ سَلَمةُ بنُ دينارٍ إلى بعضِ إخوانِه: (اعلَمْ أنَّ أدنى ما ارتكَبْتَ، وأعظَمَ ما احتَقَبْتَ أنْ آنَسْتَ الظَّالمَ، وسَهَّلْتَ له طريقَ الغَيِّ بدُنُوِّك حينَ أُدنيتَ، وإجابتِك حينَ دُعِيتَ، فما أخلَقَك أن تبوءَ بإثمِك غدًا مع الجُرمةِ! وأن تُسأَلَ عمَّا أرَدْتَ بإغضائِك عن ظُلمِ الظَّلمةِ، إنَّك أخَذْتَ ما ليس لمن أعطاك، ودنوتَ ممَّن لا يَرُدُّ على أحَدٍ حقًّا، ولا تَرَك باطلًا حينَ أدناك، وأجَبْتَ مَن أراد التَّدليسَ بدعائِه إيَّاك حين دعاك، جعلوك قُطبًا تدورُ رَحى باطِلِهم عليك، وجِسرًا يَعبُرون بك إلى بلائِهم، وسُلَّمًا إلى ضلالتِهم، وداعيًا إلى غَيِّهم، سالِكًا سبيلَهم، يُدخِلون بك الشَّكَّ على العُلَماءِ، ويقتادون بك قُلوبَ الجُهَّالِ إليهم، فلم تَبلُغْ أخَصَّ وُزَرائِهم، ولا أقوى أعوانِهم لهم، إلَّا دوَن ما بلَغْتَ من إصلاحِ فسادِهم، واختلافِ الخاصَّةِ والعامَّةِ إليهم، فما أيسَرَ ما عَمَّروا لك في جَنبِ ما خَرَّبوا عليك! وما أقَلَّ ما أعطَوك في كثيرِ ما أخَذوا منك! فانظُرْ لنفسِك؛ فإنَّه لا ينظُرُ لها غيرُك، وحاسِبْها حِسابَ رَجُلٍ مَسؤولٍ) .

- وعن حُذَيفةَ المرعَشيِّ كَتَب إلي يوسُفَ بنِ أسباطٍ: (واعلَمْ يا أخي أنَّه ممَّا وُصِف به مُنافِقو هذه الأمَّةِ أنَّهم خالطوا أهلَ الدُّنيا بأبدانِهم، وطابقوهم عليها بأهوائِهم، وخضَعوا لما طمِعوا من نائِلِهم، فسكَتوا عمَّا سمِعوا من باطِلِها، وفَرِحوا بما رأوا من زينتِها، وداهنَ بعضُهم بعضًا في القولِ والفعلِ، وتركوا باطِنَ العَمَلِ بالتَّصحيحِ، فحَرَمهم اللَّهُ تعالى بذلك الثَّمَنَ الرَّبيحَ، واعلَمْ يا أخي أنَّه لا يجزي من العَمَلِ القَولُ، ولا من البَذلِ العِدَةُ، ولا من التَّوَقِّي التَّلاؤُمُ؛ فقد صِرْنا في زمانٍ هذه صفةُ أهلِه، فمَن كان كذلك فقد تعَرَّض للمهالِكِ، وصَدَّ عن سواءِ السَّبيلِ، وفَّقنا اللَّهُ وإيَّاك لما يحِبُّ، والسَّلامُ) .

-وقال أبو عبدِ الرَّحمنِ العُمَريُّ: (من غَفلتِك عن نفسِك إعراضُك عن اللَّهِ بأن ترى ما يُسخِطُه فتجاوِزَه، ولا تأمُرُ ولا تنهى خوفًا ممَّن لا يملِكُ ضَرًّا ولا نفعًا) .

- وقال أيضًا: (مَن تَرَك الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المُنكَرِ من مخافةِ المخلوقينَ، نُزِعَت منه هيبةُ اللَّهِ تعالى، فلو أمَرَ بعضَ وَلَدِه أو بعضَ مواليه لاستخَفَّ به) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×