اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المذموم من الأخلاق والسلوك

المشاركات التي تم ترشيحها

آثارُ الحَسَدِ

الحَسَدُ مذمومٌ مرذولٌ، أجمَلَ الماوَرْديُّ مذَمَّتَه في قولِه: (ولو لم يكُنْ من ذَمِّ الحَسَدِ إلَّا أنَّه خُلُقٌ دنيءٌ، يتوجَّهُ نحوَ الأكْفاءِ والأقارِبِ، ويختَصُّ بالمُخالِطِ والمُصاحِبِ، لكانت النَّزاهةُ عنه كَرَمًا، والسَّلامةُ منه مَغنَمًا، فكيف وهو بالنَّفسِ مُضِرٌّ، وعلى الهَمِّ مُصِرٌّ، حتَّى رَّبما أفضى بصاحبِه إلى التَّلَفِ، من غيرِ نِكايةٍ في عَدُوٍّ، ولا إضرارٍ بمحسودٍ)

ثمَّ ذَكَر للحَسَدِ أربَعَ مَساوئَ فقال:
1- حَسَراتُ الحَسَدِ وسَقامُ الجَسَدِ، ثمَّ لا يجِدُ لحَسرتِه انتهاءً، ولا يؤمِّلُ لسَقامِه شفاءً، قال ابنُ المعتَزِّ: الحَسَدُ داءُ الجَسَدِ.
2- انخفاضُ المنزلةِ وانحِطاطُ المرتبةِ؛ لانحرافِ النَّاسِ عنه، ونفورِهم منه، وقد قيل في منثورِ الحِكَمِ: الحَسودُ لا يَسودُ.
3- مَقتُ النَّاسِ له حتَّى لا يجِدَ فيهم محبًّا، وعداوتُهم له حتَّى لا يرى فيهم وليًّا، فيصيرُ بالعداوةِ مأثورًا، وبالمَقتِ مزجورًا.
4- إسخاطُ اللَّهِ تعالى في معارضتِه، واجتناءُ الأوزارِ في مخالفتِه؛ إذ ليس يرى قضاءَ اللَّهِ عَدلًا، ولا لنِعَمِه من النَّاسِ أهلًا .

وقال الجاحِظُ: (الحَسَدُ -أبقاك اللَّهُ- داء يَنهَكُ الجَسَدَ، ويُفسِدُ الوُدَّ، علاجُه عَسِرٌ، وصاحِبُه ضَجِرٌ، وهو بابٌ غامضٌ، وأمرٌ متعَذِّرٌ، فما ظهر منه فلا يُداوى، وما بَطَن منه فمُداويه في عَناءٍ) ، ثمَّ قال: (ولو لم يَدخُلْ- رحمك اللَّهُ- على الحاسِدِ بَعدَ تراكُمِ الهمومِ على قَلبِه، واستمكانِ الحُزنِ في جَوفِه، وكثرةِ مَضَضِه ، ووَسواسِ ضَميرهِ، وتنغيصِ عُمُرِه، وكَدَرِ نفسِه، ونَكَدِ لَذاذةِ معاشِه، إلَّا استصغارُه لنعمةِ اللَّهِ عندَه، وسَخَطُه على سَيِّدِه بما أفاد اللَّهُ عبدَه، وتمنِّيه عليه أن يرجِعَ في هبتِه إيَّاه، وألَّا يرزُقَ أحدًا سِواه؛ لكان عِندَ ذوي العُقولِ مرحومًا، وكان عندَهم في القياسِ مظلومًا) .
5- يؤدِّي إلى المقاطعةِ والهَجرِ، والبَغضاءِ والشَّحناءِ.
6- يؤدِّي إلى الغِيبةِ والنَّميمةِ.
7- يؤدِّي إلى الظُّلمِ والعُدوانِ.
8- يؤدِّي إلى السَّرِقةِ والقَتلِ .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64
 
أقسامُ الحَسَدِ
 
قسَّم العُلَماءُ الحَسَدَ إلى عددٍ من الأنواعِ، ومنهم ابنُ القَيِّمِ الذي قسَّمه إلى ثلاثةِ أنواعٍ:

1- حَسَدٌ يُخفيه ولا يرتِّبُ عليه أذًى بوَجهٍ ما، لا بقَلبِه ولا بلِسانِه ولا بيَدِه، بل يجِدُ في قلبِه شيئًا من ذلك، ولا يعامِلُ أخاه إلَّا بما يحِبُّ اللَّهُ.
2- تمنِّي استصحابِ عَدَمِ النِّعمةِ، فهو يَكرَهُ أن يُحدِثَ اللَّهُ لعبدِه نِعمةً، بل يحِبُّ أن يبقى على حالِه؛ من جَهلِه، أو فَقرِه، أو ضَعفِه، أو شَتاتِ قَلبِه عن اللَّهِ، أو قِلَّةِ دِينِه.
3- حَسَدُ الغِبطةِ، وهو تمنِّي أن يكونَ له مثلُ حالِ المحسودِ، من غيرِ أن تزولَ النِّعمةُ عنه، فهذا لا بأسَ به ولا يعابُ صاحبُه، بل هذا قريبٌ من المنافسةِ .


وقسَّمه الغزاليُّ إلى أربعةِ أنواعٍ:
1- أن يحِبَّ زوالَ النِّعمةِ عنه، وإن كان ذلك لا ينتَقِلُ إليه، وهذا غايةُ الخُبثِ.
2- أن يحِبَّ زوالَ النِّعمةِ إليه لرغبتِه في تلك النِّعمةِ، مثلُ رغبتِه في دارٍ حَسَنةٍ، أو امرأةٍ جميلةٍ، أو ولايةٍ نافذةٍ، أو سَعةٍ نالها غيرُه، وهو يحِبُّ أن تكونَ له، ومطلوبُه تلك النِّعمةُ لا زوالُها عنه.
3- ألَّا يشتهيَ عينَها لنفسِه، بل يشتهي مِثلَها، فإن عَجَز عن مِثلِها أحَبَّ زوالَها؛ كي لا يظهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَهما.
4- أن يشتهيَ لنفسِه مِثلَها، فإن لم تحصُلْ فلا يحِبُّ زوالَها عنه، وهذا هو المعفوُّ عنه إن كان في الدُّنيا، والمندوبُ إليه إن كان في الدِّينِ .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
صُوَرُ الحَسَدِ

قد يقَعُ التَّحاسُدُ على تفضيلٍ دُنيويٍّ، كإيثارِ الأبِ أحَدَ ابنَيه، والزَّوجِ لإحدى زوجَتَيه.
وقد يقَعُ التَّحاسُدُ بَيْنَ أربابِ الصَّنائِعِ.
وقد يقَعُ بَيْنَ المتعَلِّقين بالأمراءِ والملوكِ.
وقد يقَعُ التَّحاسُدُ بسَبَبِ الإعجابِ بالفضائِلِ في الأنسابِ.
وكذلك يقَعُ بسَبَبِ التَّماثُلِ في الأنسابِ، كالإخوةِ وبني الأعمامِ بحسَدِ بعِضهم بعضًا.
وكذلك يحسُدُ العُبَّادُ العُبَّادَ، والعُلَماءُ العُلَماءَ .


975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

أسبابُ الوُقوعِ في الحَسَدِ

للحَسَدِ أسبابٌ كثيرةٌ تجعَلُ النَّفسَ المريضةَ تقَعُ في حبائِلِ تلك الخَصلةِ الذَّميمةِ، وقد أحسَن الجُرجانيُّ إجمالَها، فقال: (التَّفاضُلُ -أطال اللَّه بقاءَك- داعيةُ التَّنافُسِ، والتَّنافُسُ سَبَبُ التَّحاسُدِ، وأهلُ النَّقصِ رَجُلانِ: رجُلٌ أتاه التَّقصيرُ مِن قِبَلِه، وقَعَد به عن الكمالِ اختيارُه، فهو يساهِمُ الفُضَلاءَ بطَبعِه، ويحنو على الفَضلِ بقَدرِ سَهمِه. وآخَرُ رأى النَّقصَ ممتَزِجًا بخِلقتِه، ومُؤَثَّلًا في تركيبِ فِطرتِه، فاستشعَر اليأسَ من زوالِه، وقصُرَت به الهِمَّةُ عن انتقالِه؛ فلجأَ إلى حسَدِ الأفاضلِ، واستغاث بانتقاصِ الأماثِلِ، يرى أنَّ أبلغَ الأمورِ في جَبرِ نقيصتِه، وسَترِ ما كشَفَه العَجزُ عن عورتِه- اجتذابُهم إلى مشاركتِه، ووَسمُهم بمِثلِ سَمْتِه .

وفَصَّل الغزاليُّ أسبابَ التَّحاسُدِ في سبعةِ أمورٍ، هي:

1– (العداوةُ والبغضاءُ: وهذا أشدُّ أسبابِ الحَسَدِ؛ فإنَّ مَن آذاه شخصٌ بسببٍ مِن الأسبابِ، وخالَفه في غَرَضٍ بوجهٍ من الوجوهِ، أبغَضَه قَلبُه، وغَضِب عليه، ورَسَخ في نفسِه الحِقدُ. والحِقدُ يقتضي التَّشَفِّيَ والانتقامَ، فإنْ عَجَز المُبغِضُ عن أن يتشَفَّى بنفسِه أحَبَّ أن يتشَفَّى منه الزَّمانُ، ورُبَّما يحيلُ ذلك على كرامةِ نفسِه عِندَ اللَّهِ تعالى، فمهما أصابت عدُوَّه بليَّةٌ فَرِح بها، وظنَّها مكافأةً له من جهةِ اللهِ على بغضِه، وأنَّها لأجلِه، ومهما أصابته نعمةٌ ساءه ذلك؛ لأنَّه ضِدُّ مُرادِه، وربَّما يخطُرُ له أنَّه لا منزلةَ له عِندَ اللَّهِ؛ حيث لم ينتَقِمْ له من عدُوِّه الذي آذاه، بل أنعَمَ عليه!

2- التَّعزُّزُ: وهو أن يَثقُلَ عليه أن يترفَّعَ عليه غيرُه، فإذا أصاب بعضُ أمثالِه ولايةً أو عِلمًا أو مالًا، خاف أن يتكَبَّرَ عليه، وهو لا يُطيقُ تكَبُّرَه، ولا تسمَحُ نفسُه باحتمالِ صَلَفِه وتفاخُرِه عليه، وليس من غَرَضِه أن يتكَبَّرَ، بل غَرَضُه أن يدفَعَ كِبرَه؛ فإنَّه قد رَضِيَ بمساواتِه مَثَلًا، ولكنْ لا يرضى بالتَّرفُّعِ عليه.

3- الكِبرُ: وهو أن يكونَ في طَبعِه أن يتكبَّرَ عليه ويستصغِرَه ويستخدِمَه، ويتوقَّعَ منه الانقيادَ له والمتابعةَ في أغراضِه، فإذا نال نعمةً خاف ألَّا يحتَمِلَ تكَبُّرَه، ويترفَّعَ عن متابعتِه، أو ربَّما يتشَوَّفُ إلى مساواتِه، أو إلى أن يرتفِعَ عليه، فيعودُ متكَبِّرًا بعدَ أن كان متكَبِّرًا عليه.

4- التَّعجُّبُ: فيَجزَعُ الحاسِدُ من أن يتفضَّلَ عليه مَن هو مثلُه في الخِلقةِ، لا عن قَصدِ تكبُّرٍ، وطلَبِ رياسةٍ، وتقدُّمِ عداوةٍ، أو سَبَبٍ آخَرَ من سائرِ الأسبابِ.

5- الخوفُ من فوتِ المقاصِدِ: وذلك يختصُّ بمتزاحمَينِ على مقصودٍ واحدٍ، فإنَّ كلَّ واحِدٍ يحسُدُ صاحِبَه في كُلِّ نعمةٍ تكونُ عونًا له في الانفرادِ بمقصودِه، ومن هذا الجِنسِ تحاسُدُ الضَّرَّاتِ في التَّزاحُمِ على مقاصِدِ الزَّوجيَّةِ، وتحاسُدُ الإخوةِ في التَّزاحُمِ على نَيلِ المنزلةِ في قلبِ الأبوينِ؛ للتَّوصُّلِ به إلى مقاصِدِ الكرامةِ والمالِ.

6- حُبُّ الرِّياسةِ وطَلَبُ الجاهِ: وذلك كالرَّجُلِ الذي يريدُ أن يكونَ عديمَ النَّظيرِ في فَنٍّ مِن الفنونِ، إذا غَلَب عليه حُبُّ الثَّناءِ، واستفزَّه الفَرَحُ بما يُمدَحُ به من أنَّه واحِدُ الدَّهرِ، وفريدُ العصرِ في فنِّه، وأنَّه لا نظيرَ له؛ فإنَّه لو سَمِع بنظيرٍ له في أقصى العالَمِ لساءه ذلك، وأحبَّ موتَه أو زوالَ النِّعمةِ عنه التي بها يشارِكُه المنزلةَ؛ مِن شجاعةٍ، أو عِلمٍ، أو عبادةٍ، أو صناعةٍ، أو جمالٍ، أو ثروةٍ، أو غيرِ ذلك ممَّا يتفَرَّدُ هو به، ويفرَحُ بسَبَبِ تفَرُّدِه.

7- خُبثُ النَّفسِ وشُحُّها بالخيرِ لعبادِ اللَّهِ تعالى: فإنَّك تجِدُ مَن لا يشتغِلُ برياسةٍ وتكبُّرٍ ولا طَلَبِ مالٍ، إذا وُصِف عندَه حُسنُ حالِ عبدٍ من عبادِ اللَّهِ تعالى فيما أنعَم اللَّهُ به عليه، يشُقُّ ذلك عليه، وإذا وُصِف له اضطِرابُ أمورِ النَّاسِ، وإدبارُهم، وفَواتُ مقاصِدِهم، وتنغُّصُ عَيشِهم، فَرِح به؛ فهو أبدًا يحِبُّ الإدبارَ لغيرِه، ويبخَلُ بنعمةِ اللَّهِ على عبادِه، كأنَّهم يأُخذون ذلك من مُلكِه وخِزانتِه! وهذا السَّببُ معالجتُه شديدةٌ؛ لأنَّ الحَسَدَ الثَّابتَ بسائرِ الأسبابِ أسبابُه عارِضةٌ، يُتصَوَّرُ زوالُها، فيُطمَعُ في إزالتِها، وهذا خُبثٌ في الجِبِلَّةِ لا عن سَبَبٍ عارضٍ، فتَعسُرُ إزالتُه) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الوسائِلُ المُعينةُ على تَركِ الحَسَدِ

ذَكَر العُلَماءُ وسائِلَ للحاسِدِ الذي يريدُ النَّجاةَ من مغبَّةِ هذا الخُلُقِ الذَّميمِ، ويوَدُّ الخلاصَ من آفتِه التي أقضَّت مَضجَعَه، ومن تلك الوسائِلِ :

1- قَطعُ النَّظَرِ عن النَّاسِ، وتعليقُ قلبِه باللَّهِ سُبحانَه وتعالى، وسؤالُه من فَضلِه.

2- المنافَسةُ في الأعمالِ الصَّالحةِ لا في أمورِ الدُّنيا.

3- التَّربيةُ منذُ الطُّفولةِ على حُبِّ الخيرِ للنَّاسِ.

4- أن يُدَرِّبَ نفسَه على قولِ: ما شاء اللَّهُ لا قوَّةَ إلَّا باللَّهِ، والدُّعاءُ بالبَرَكةِ إذا أعجَبَه شيءٌ.

5- الدُّعاءُ للمحسودِ بالزِّيادةِ مِن فَضلِ اللَّهِ تعالى إذا وَجَد في نفسِه شيئًا من الحَسَدِ المذمومِ.

6- الرِّضا بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، والتَّسليمُ لحُكمِه؛ فهو الذي يُعطي النِّعَمَ ويَسلُبُها، قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32] .

7- التَّفكُّرُ في نتائِجِ الحَسَدِ، والنَّظَرُ في عواقِبِه الوخيمةِ عليه وعلى مَن حولَه؛ فهو يتألَّمُ بحسَدِه ويتنغَّصُ في نفسِه، فيبقى مغمومًا محرومًا مُتشَعِّبَ القلبِ، ضَيِّقَ الصَّدرِ، قد نزل به ما يَشتَهيه الأعداءُ له، ويشتهيه لأعدائِه؛ قال تعالى: وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43] .

8- أن يحذَرَ نُفورَ النَّاسِ منه، وبُعدَهم عنه، وبُغضَهم له؛ لأنَّ الحَسَدَ يَظهَرُ في أعمالِ الجوارِحِ؛ قال تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: 118] ، فيخافُ عداوتَهم له وملامتَهم إيَّاه، فيتألَّفُهم بمعالجةِ نفسِه، وسلامةِ صَدرِه.

9- أن يَعمَلَ بنقيضِ ما يأمُرُه به الحَسَدُ؛ فإنْ حمَلَه الحَسَدُ على القَدحِ في محسودِه كَلَّف لسانَه المدْحَ له والثَّناءَ عليه، وإنْ حَمَله على التَّكبُّرِ عليه ألزَمَ نفسَه التَّواضُعَ له والاعتذارَ إليه، وإنْ بَعَثه على كَفِّ الإنعامِ عليه ألزَم نفسَه الزِّيادةَ في الإنعامِ عليه.

10- أن يَصرِفَ شهوةَ قلبِه في مرضاةِ اللَّهِ تعالى: فقد جَعَل اللَّهُ في الطَّاعةِ والحلالِ ما يملأُ القلبَ بالخيرِ، وما من صفةٍ من الصِّفاتِ إلَّا وجَعَل لها مصرِفًا ومحلًّا ينفُذُها فيه، فجعل لصفةِ الحَسَدِ مَصرِفًا وهو المنافَسةُ في فعلِ الخيرِ، والغِبطةُ عليه، والمسابقةُ إليه، وجَعَل لصِفةِ الكِبرِ التي تؤدِّي للحَسَدِ مَصرِفًا، هو التَّكبُّرُ على أعداءِ اللَّهِ تعالى وإهانتُهم، وقد قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمن رآه يختالُ بَيْنَ الصَّفَّينِ في الحربِ: ((إنَّها لمِشيةُ يُبغِضُها اللَّهُ إلَّا في هذا الموطِنِ)) ، وجعَل لقُوَّةِ الحِرصِ مَصرِفًا، وهو الحِرصُ على ما ينفَعُ، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((احرِصْ على ما ينفَعُك)) .

11- أنَّه إذا خَطَرت له خَطرةُ الحَسَدِ، ودعاه الشَّيطانُ إليه، فينبغي أن يَكرَهَ ذلك أشَدَّ الكراهةِ لِما يؤدِّي إليه مِن السَّعيِ في مضارَّةِ المحسودِ .
12- أن يَعلَمَ أنَّ الحاسِدَ لم يحِبَّ لأخيه المُسلِمِ ما أحَبَّ لنفسِه، وأنَّه شارَك الشَّيطانَ في عداوةِ أخيك المُسلِمِ، وسَخِطَ ما أعطاه اللَّهُ عبادَه .

13- أن يجاهِدَ نفسَه على تخليصِ قلبِه من كُلِّ مَرَضٍ، ومن ذلك داءُ الحَسَدِ؛ حتَّى يكونَ قلبًا سليمًا؛ قال تعالى: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشَّعراء: 88 - 89] .
والقلبُ السَّليمُ هو الذي سَلِم من الشِّركِ الجَليِّ والخَفيِّ، ومن الأهواءِ والبِدَعِ، ومن الفُسوقِ والمعاصي؛ كبائِرِها وصغائِرِها، الظَّاهِرةِ والباطنةِ، كالرِّياءِ، والعُجبِ، والغِلِّ، والغِشِّ، والحِقدِ، والحَسَدِ، وغيرِ ذلك .


975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64


الوسائِلُ المُعينةُ على دفعِ شَرِّ الحاسِدِ عن المحسودِ

ذكَرَ ابنُ القَيِّمِ عَشَرةَ أسبابٍ تدفَعُ شَرَّ الحاسِدِ عن المحسودِ :
1- التَّعوُّذُ باللَّهِ تعالى مِن شَرِّه، واللُّجوءُ والتَّحصُّنُ به، واللَّهُ تعالى سميعٌ لاستعاذتِه، عليمٌ بما يستعيذُ منه قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق 1- 5].
2- تقوى اللَّهِ وحِفظُه عِندَ أمرِه ونَهيِه؛ فمن اتَّقى اللَّهَ تولَّى اللَّهُ حِفظَه، ولم يَكِلْه إلى غيرِه، قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران: 120]، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعَبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: ((احفَظِ اللهَ يحفَظْك، احفَظِ اللهَ تَجِدْه تُجاهَك)) . فمَن حَفِظ اللَّهَ حَفِظه اللَّهُ ووجَدَه أمامَه أينما توجَّهَ، ومَن كان اللَّهُ حافِظَه وأمامَه، فمِمَّن يخافُ؟!
3- الصَّبرُ على عَدُوِّه، وألَّا يقاتِلَه ولا يشكوَه، ولا يحدِّثَ نفسَه بأذاه أصلًا، فما نُصِر على حاسدِه وعَدُوِّه بمِثلِ الصَّبرِ عليه والتَّوكُّلِ على اللَّهِ، ولا يستَطِلْ تأخيرَه وبَغْيَه؛ فإنَّه كلَّما بغى عليه كان بغيُه جُندًا وقوَّةً للمَبغيِّ عليه المحسودِ، يقاتلُ به الباغي نفسَه وهو لا يَشعُرُ، فبَغيُه سهامٌ يرميها من نفسِه، وقد قال تعالى: وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: 60] ، فإذا كان اللَّهُ قد ضَمِن له النَّصرَ مع أنَّه قد استوفى حقَّه أوَّلًا، فكيف بمَن لم يَستوفِ شيئًا مِن حَقِّه؟!
4- التَّوكُّلُ على اللَّهِ: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3] ، والتَّوكُّلُ من أقوى الأسبابِ التي يدفَعُ بها العبدُ ما لا يطيقُ من أذى الخَلقِ وظلمِهم وعدوانِهم؛ فإنَّ اللَّهَ حَسبُه، أي: كافيه، ومَن كان اللَّهُ كافيَه وواقيَه فلا مَطمَعَ فيه لعدوِّه، ولا يضرُّه إلَّا أذًى لا بُدَّ منه، كالحَرِّ والبردِ والجوعِ والعَطَشِ، وأمَّا أن يضُرَّه بما يبلُغُ منه مرادَه فلا يكونُ أبدًا، وفرقٌ بَيْنَ الأذى الذي هو في الظَّاهِرِ إيذاءٌ له، وهو في الحقيقةِ إحسانٌ إليه وإضرارٌ بنفسِه، وبَينَ الضَّرَرِ الذي يتشَفَّى به منه.
5- فراغُ القلبِ من الاشتغالِ به والفِكرِ فيه، وأن يقصِدَ أن يمحوَه من بالِه كلَّما خطَر له، فلا يلتَفِتُ إليه، ولا يخافُه، ولا يملأْ قلبَه بالفِكرِ فيه، ولا يجعَلْ قَلبَه معمورًا بالفِكرِ في حاسِدِه، والباغي عليه، فهذا التَّفكيرُ ممَّا لا يتَّسِعُ له إلَّا قلبٌ خرابٌ، لم تسكُنْ فيه محبَّةُ اللَّهِ، وإجلالُه وطَلَبُ مرضاتِه، وهذا العلاجُ من أنفَعِ الأدويةِ، وأقوى الأسبابِ المُعينةِ على اندِفاعِ شَرِّه.
6- الإقبالُ على اللَّهِ والإخلاصُ له، وجَعلُ محبَّتِه وترضِّيه والإنابةِ إليه في محَلِّ خواطِرِ نفسِه وأمانيِّها، تَدِبُّ فيها دبيبَ الخواطِرِ شيئًا فشيئًا، حتَّى يقَهَرها ويَغمُرَها، ويُذهِبَها بالكُلِّيَّةِ، فتبقى خواطِرُه وهواجِسُه وأمانيُّه كُلُّها في محابِّ الرَّبِّ، والتَّقرُّبِ إليه، وتملُّقِه، وترَضِّيه، واستِعطافِه، وذِكرِه.
7- تجريدُ التَّوبةِ إلى اللَّهِ من الذُّنوبِ التي سلَّطَت عليه أعداءَه؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فِبَمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] ، وقال لصحابةِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165] ، فما سُلِّط على العبدِ مَن يؤذيه إلَّا بذَنبٍ يَعلَمُه أو لا يعلَمُه، وما لا يَعلَمُه العبدُ مِن ذنوبِه أضعافُ ما يعلَمُه منها، وما ينساه ممَّا عَلِمَه وعَمِلَه أضعافُ ما يَذكُرُه.
8- الصَّدَقةُ والإحسانُ ما أمكنه؛ فإنَّ لذلك تأثيرًا عجيبًا في دَفعِ البلاءِ، ودَفعِ العَينِ وشَرِّ الحاسِدِ، فما يكادُ العينُ والحَسَدُ والأذى يتسَلَّطُ على محسِنٍ متصَدِّقٍ، وإن أصابه شيءٌ من ذلك كان معامَلًا فيه باللُّطفِ والمعونةِ والتَّأييدِ، وكانت له فيه العاقبةُ الحميدةُ.
9- إطفاءُ نارِ الحاسدِ والباغي والمؤذي بالإحسانِ إليه؛ فكلَّما ازداد أذًى وشَرًّا وبغيًا وحسدًا، ازدَدْتَ إليه إحسانًا، وله نصيحةً، وعليه شفَقةً، وهذا من أصعَبِ الأسبابِ على النَّفسِ وأشقِّها عليها، ولا يوفَّقُ له إلَّا مَن عَظُم حَظُّه من اللَّهِ؛ قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 34 - 36] ، واعلَمْ أنَّ لك ذنوبًا بينك وبينَ اللَّهِ، تخافُ عواقِبَها، وترجوه أن يعفوَ عنها، ويغفِرَها لك، ويهَبَها لك. ومع هذا يُنعِمُ اللَّهُ عليك ويُكرِمُك، ويجلِبُ إليك من المنافِعِ والإحسانِ فوقَ ما تؤمِّلُه، فإذا كنتَ ترجو هذا من رَبِّك أن يقابِلَ به إساءتَك، فما أولاك وأجدَرَك أن تعامِلَ به خَلْقَه، وتقابِلَ به إساءتَهم؛ ليعامِلَك اللَّهُ هذه المعاملةَ؛ فإنَّ الجزاءَ مِن جِنسِ العَمَلِ.
10- تجريدُ التَّوحيدِ والانتقالُ بالفِكرِ إلى المُسَبِّبِ العزيزِ الحكيمِ، والعِلمُ بأنَّ الحَسَدَ لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ إلَّا بإذنِه، فهو الذي يصرِفُه عنه وَحدَه لا أحَدَ سِواه؛ قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس: 107] ، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعبدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنهما: ((واعلَمْ أنَّ الأُمَّة لو اجتمَعَت على أن يضُرُّوك بشَيءٍ لم يضرُّوك إلَّا بشَيءٍ قد كتبه اللهُ عليك)) .
وقال الجاحِظُ: (فإذا أحسَسْتَ -رَحِمك اللَّهُ- من صديقِك بالحَسَدِ، فأقلِلْ ما استطَعْتَ من مخالطتِه؛ فإنَّه أعونُ الأشياءِ لك على مسالمتِه، وحَصِّنْ سِرَّك منه تسلَمْ مِن شَرِّه وعوائِقِ ضُرِّه، وإيَّاك والرَّغبةَ في مشاورتِه، ولا يَغُرَّنَّك خُدعُ مَلَقِه ، وبيانُ ذَلَقِه ؛ فإنَّ ذلك من حبائِلِ نفاقِه... وربَّما كان الحسودُ للمُصطَنِعِ إليه المعروفَ أكفَرَ له وأشَدَّ احتقادًا، وأكثَرَ تصغيرًا له من أعدائِه) .
وقال ابنُ الجوزيِّ: (إن أردتَ العيشَ فابعُدْ عن الحسودِ؛ لأنَّه يرى نعمتَك، فربَّما أصابها بالعينِ! فإنِ اضطُرِرْتَ إلى مخالطتِه فلا تُفشِ له سِرَّك، ولا تشاوِرْه، ولا يَغُرَّنَّك تملُّقُه لك، ولا ما يُظهِرُه من الدِّينِ والتَّعبُّدِ؛ فإنَّ الحَسَدَ يَغلِبُ الدِّينَ، وقد عرَفْتَ أنَّ قابيلَ أخرَجه الحَسَدُ إلى القَتلِ! وأنَّ إخوةَ يوسُفَ باعوه بثَمَنٍ بَخسٍ! وكان أبو عامِرٍ الرَّاهِبُ من المتعَبِّدين العُقَلاءِ، وعبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ من الرُّؤساءِ، أخرَجَهما حَسَدُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى النِّفاقِ، وتَركِ الصَّوابِ.
ولا ينبغي أن تَطلُبَ لحاسِدِك عُقوبةً أكثَرَ ممَّا فيه؛ فإنَّه في أمرٍ عظيمٍ متَّصِلٍ، لا يُرضيه إلَّا زوالُ نعمتِك، وكلَّما امتَدَّت امتَدَّ عذابُه، فلا عَيشَ له! وما طاب عَيشُ أهلِ الجنَّةِ إلَّا حينَ نُزِع الحَسَدُ والغِلُّ مِن صُدورِهم، ولولا أنَّه نُزِع، تحاسَدوا وتنغَّص عيشُهم) .

 

 

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
نماذِجُ من الحُسَّادِ

حسَدُ إبليسَ

خَلَق اللَّهُ جَلَّ وعلا آدَمَ عليه السَّلامُ وشَرَّفه وكَرَّمه، وأمَر الملائكةَ بالسُّجودِ له، ولكِنَّ إبليسَ تكبَّرَ وبغى، وحَسَده على هذه المنزلةِ؛ قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف: 11-12] .
قال قتادةُ: (حَسَد عَدُوُّ اللَّهِ إبليسُ آدَمَ عليه السَّلامُ ما أعطاه من الكرامةِ، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ) . وقال ابنُ عطيَّةَ: (أوَّلُ ما عُصِيَ اللَّهُ بالحَسَدِ، وظهَر ذلك من إبليسَ) .
ومن شِدَّةِ حَسَدِ إبليسَ أنَّه لمَّا تبَيَّن مَقتَ اللَّهِ له وغَضَبه عليه، أراد أن يُغويَ بني آدمَ ليشارِكوه المَقْتَ والغضَبَ، وقد ذَكَر اللَّهُ حالَ إبليسَ هذا؛ قال تعالى: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف: 16-17] . قال ابنُ القيِّمِ: (الحاسِدُ شبيهٌ بإبليسَ، وهو في الحقيقةِ من أتباعِه؛ لأنَّه يطلُبُ ما يحِبُّه الشَّيطانُ مِن فسادِ النَّاسِ، وزوالِ نِعَمِ اللَّهِ عنهم، كما أنَّ إبليسَ حَسَد آدمَ لشَرَفِه وفَضلِه، وأبى أن يسجُدَ له حَسَدًا، فالحاسِدُ من جُندِ إبليسَ) .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ قابيلَ لأخيه هابيلَ

قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة: 27- 30] . (فإنَّ آدَمَ عليه السَّلامُ لمَّا بُعِث إلى أولادِه كانوا مُسلِمين مُطيعين، ولم يحدُثْ بَيْنَهم اختلافٌ في الدِّينِ، إلى أن قَتَل قابيلُ هابيلَ؛ بسَبَبِ الحَسَدِ والبَغيِ)

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ إخوةِ يُوسُفَ

قال تعالى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ [يوسف: 7- 9] .
قال الماوَرْديُّ: (كان يعقوبُ قد كَلِفَ بهما لموتِ أمِّهما، وزاد في المراعاةِ لهما، فذلك سَبَبُ حَسَدِهم لهما، وكان شديدَ الحُبِّ ليوسُفَ، فكان الحَسَدُ له أكثَرَ، ثمَّ رأى الرُّؤيا فصار الحَسَدُ له أشَدَّ) .
قيل للحَسَنِ: يا أبا سعيدٍ، أيحسُدُ المُؤمِنُ؟ قال: لا أمَّ لك! أنسِيتَ إخوةَ يوسُفَ .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ اليهودِ والنَّصارى

بَيَّنَ اللَّهُ تعالى أنَّ أهلَ الكتابِ الذين كفَروا بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حَسَدوه على ما آتاه اللَّهُ من فضلِه، حتَّى إنَّهم زعموا أنَّ كُفَّارَ مكَّةَ أهدى من المُؤمِنين برسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا * أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا * أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء 51- 54]، ومع كُفرِهم فإنَّهم يودُّون لو يرتَدُّ المُسلِمون عن دينِهم حَسَدًا وحِقدًا؛ قال تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [البقرة: 109]، قال ابنُ كثيرٍ: (يحذِّرُ تعالى عبادَه المُؤمِنين عن سُلوكِ طرائِقِ الكُفَّارِ من أهلِ الكتابِ، ويُعلِمُهم بعداوتِهم لهم في الباطِنِ والظَّاهِرِ، وما هم مشتَمِلون عليه من الحَسَدِ للمُؤمِنين، مع عِلمِهم بفضلِهم، وفَضلِ نبيِّهم) .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ كُفَّارِ قُرَيشٍ

أكرَم اللَّهُ نبيَّه محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرِّسالةِ، ولكِنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ حَسَدوه على هذا الفَضلِ، وظنُّوا أنَّ النُّبُوَّةَ مبنيَّةٌ على مقاييسِهم الدُّنيويَّةِ المختَلَّةِ، وقد ذكر اللَّهُ تعالى ذلك عنهم ووبَّخَهم على سوءِ فَهمِهم؛ قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 31- 32] .
وقال تعالى: وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [القصص: 69] .
(مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ من عداوةِ رَسولِ اللَّهِ وحَسَدِه وَمَا يُعْلِنُونَ من مَطاعنِهم فيه، وقولِهم: هلَّا اختيرَ عليه غيرُه في النُّبُوَّةِ!)

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

حَسَدُ المُنافِقينَ

المُنافِقون يُظهِرون الإسلامَ، ويُبطِنون الكُفرَ والعداوةَ، وتكادُ قُلوبُهم تَشَقَّقُ حَسَدًا وغيظًا وحِقدًا؛ قال تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [آل عمران: 120] ، قال ابنُ كثيرٍ: (وهذه الحالُ دالَّةٌ على شِدَّةِ العداوةِ منهم للمُؤمِنين، وهو أنَّه إذا أصاب المُؤمِنين خِصبٌ ونصرٌ وتأييدٌ، وكَثُروا وعَزَّ أنصارُهم؛ ساء ذلك المُنافِقين، وإن أصاب المُسلِمين سَنَةٌ -أي: جَدبٌ- أو أُديلَ عليهم الأعداءُ لِما للهِ تعالى في ذلك من الحكمةِ، كما جرى يومَ أحُدٍ؛ فَرِح المُنافِقون بذلك) . وقال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد: 29] ، قال ابنُ كثيرٍ: (أيعتَقِدُ المُنافِقون أنَّ اللَّهَ لا يكشِفُ أمرَهم لعبادِه المُؤمِنين، بل سيوضِّحُ أمرَهم ويُجَلِّيه حتى يَفهَمَهم ذَوو البصائِرِ، وقد أنزل اللَّهُ تعالى في ذلك سورةَ براءةَ، فبَيَّن فيها فضائِحَهم، وما يعتَمِدونه من الأفعالِ الدَّالَّةِ على نفاقِهم؛ ولهذا كانت تُسَمَّى الفاضِحةَ. والأضغانُ: جمعُ ضِغنٍ، وهو ما في النُّفوسِ من الحَسَدِ والحِقدِ للإسلامِ وأهلِه، والقائِمين بنَصرِه) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
حُكمُ الحَسَدِ

الحَسَدُ الذي هو تمنِّي زوالِ النِّعمةِ عن المحسودِ سواءٌ زالت عن المحسودِ ووصَلت إليه، أو لم تَصِلْ، فهذا الحَسَدُ قد أجمع العُلَماءُ على تحريمِه مع ورودِ النُّصوصِ من الكتابِ والسُّنَّةِ . وذكَره بعضُ العُلَماءِ في الكبائِرِ .

وقال ابنُ حَجَرٍ: (مَن تمنَّى زوالَ النِّعمةِ عن مستحِقٍّ لها، وسعى في ذلك، كان باغيًا، وإن لم يسْعَ في ذلك ولا أظهَره ولا تسَبَّب في تأكيدِ أسبابِ الكراهةِ التي نُهي المُسلِمُ عنها في حَقِّ المُسلِمِ، نُظِرَ؛ فإن كان المانِعُ له من ذلك العَجزَ بحيثُ لو تمكَّن لفَعَل، فهذا مأزورٌ، وإن كان المانعُ له من ذلك التَّقوى، فقد يُعذَرُ؛ لأنَّه لا يستطيعُ دَفعَ الخواطِرِ النَّفسانيَّةِ، فيكفيه في مجاهدتِها ألَّا يعمَلَ بها، ولا يَعزِمَ على العَمَلِ بها؛ فعن الحَسَنِ البَصريِّ قال: ما من آدَميٍّ إلَّا وفيه الحَسَدُ؛ فمن لم يجاوِزْ ذلك إلى البَغيِ والظُّلمِ لم يَتبَعْه منه شيءٌ) .

وأمَّا الحَسَدُ بمعنى الغِبطةِ، وهو أن يتمنَّى مِثلَ النِّعمةِ التي على غيرِه من غيرِ زوالِها عن صاحِبِها، فإن كانت من أمورِ الدُّنيا كانت مباحةً، وإن كانت طاعةً فهي مستحبَّةٌ . عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا حَسَدَ إلَّا في اثنتَينِ : رجُلٌ آتاه اللَّهُ مالًا فسُلِّط على هلَكَتِه في الحَقِّ، ورجُلٌ آتاه اللَّهُ الحِكمةَ فهو يقضي بها ويُعَلِّمُها)) . قال ابنُ القَيِّمِ: (فهذا حَسَدُ مُنافَسةٍ وغِبطةٍ، يَدُلُّ على عُلُوِّ هِمَّةِ صاحِبِه، وكِبَرِ نفسِه، وطَلَبِها للتَّشبُّهِ بأهلِ الفَضلِ) .

975727t28wticrt0.gif?t=1318007604&key=64

مَسائِلُ مُتفَرِّقةٌ

الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به:
يقالُ: الحَسَدُ أوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ اللَّهُ به في السَّماءِ، وأوَّلُ ذَنبٍ عُصِيَ به في الأرضِ؛ فأمَّا في السَّماءِ فحَسَدُ إبليسَ لآدَمَ، وأمَّا في الأرضِ فحَسَدُ قابيلَ لهابيلَ .

علاماتُ الحاسِدِ:
قال الجاحِظُ: (وما لَقِيتَ حاسِدًا قَطُّ إلَّا تبيَّن لك مكنونُه بتغَيُّرِ لونِه، وتخوُّصِ عينِه، وإخفاءِ سلامِه، والإقبالِ على غيرِك، والإعراضِ عنك، والاستِثقالِ لحديثِك، والخلافِ لرأيِك) .
وكان يقالُ: من علاماتِ الحَسودِ: أن يتمَلَّقَ الرَّجُلَ إذا حضَر، ويغتابَه إذا غاب، ويَشمَتَ بالمصيبةِ إذا نَزَلت .


مَن يَقَعُ بَيْنَهم الحَسَدُ:
الغالِبُ أنَّ الحَسَدَ لا يقَعُ إلَّا بَيْنَ المُشتَرِكينِ في فضيلةٍ من الفضائِلِ أو في شيءٍ من الأسبابِ الدُّنيويَّةِ، فلا يحسُدُ الفقيهُ النَّحويَّ، ولا التَّاجِرُ الجَمَّالَ، ولا الصَّانِعُ البَقَّالَ، ولا يُتصَوَّرُ الحَسَدُ لمحبوبٍ؛ لأنَّ المحِبَّ يتمَنَّى زيادةَ النِّعَمِ للمحبوبِ، ولا يتمنَّى زوالَ النِّعَمِ عنه .

من أخبارِ التَّحاسُدِ:
- كان الخليفةُ النَّاصِرُ الأندَلُسيُّ قد وشَّح ابنَه الحَكَمَ، وجعَلَه وليَّ عهدِه، وآثَره على جميعِ وَلَدِه، ودفع إليه كثيرًا من التَّصرُّفِ في دولتِه، فحَسَده أخوه عبدُ اللَّهِ، فأضمَر في نفسِه الخروجَ على أبيه، وتحدَّث مع مَن داخَله شيءٌ من أمرِ الحَكَمِ من رجالاتِ أبيه، فأجابه بعضُهم، ثمَّ إنَّ الخَبَرَ بلَغ الخليفةَ النَّاصِرَ، فاستكشَفَ أمْرَهم، وقَبَض على ابنِه عبدِ اللَّهِ وعلى جميعِ مَن معه، وقتَلَهم أجمعينَ سَنةَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثِمائةٍ .
- كان جَنْكيز خان سَنَّ لقومِه الياسقَ يتحاكَمون إليه، وقرَّر فيه قَتلَ مَن رَعَفَ وسال منه الدَّمُ وهو يأكُلُ، وقَرَّر لهم أنَّ مَن لم يُمضِ حُكمَ الياسقَ قُتِل، وأراد أن يَقتُلَ بعضَ مَن حولَه مِن كبارِ قَومِه للتَّحاسدِ الذي يظهَرُ منهم، فتركهم يومًا وهم على سِماطِه ورَعَف نفسَه، فلم يجسُرْ أحَدٌ أن يُمضيَ فيه حُكمَ الياسقَ لمهابتِه وجبَروتِه، فتركوه ولم يطالِبوه بما قرَّره، وهابوه في ذلك، فتركهم أيَّامًا، ثمَّ جمع مُقَدَّميهم وأُمَراءَهم، وقال: لأيِّ شيءٍ ما أمضيتُم فيَّ حُكمَ الياسقِ، وقد رَعَفْتُ وأنا آكُلُ بينكم؟! قالوا: لم نجسُرْ على ذلك! فقال: لم تعمَلوا بالياسقِ ولا أمضَيتُم أمرَه، وقد وجَبَ قَتْلُكم، فقتَلَهم أجمعين !


من نوادِرِ التَّحاسُدِ:
قال الشَّعبيُّ: (وجَّهَني عبدُ المَلِكِ إلى مَلِكِ الرُّومِ، فلمَّا انصَرَفتُ دفَع إليَّ كتابًا مختومًا، فلمَّا قرأه عبدُ المَلِكِ رأيتُه تغَيَّرَ، وقال: يا شَعبيُّ، أعلِمْتَ ما كَتَب هذا الكَلبُ؟! قلتُ: لا، قال: إنَّه كَتَب: لم يكُنْ للعَرَبِ أن تُمَلِّكَ إلَّا مَن أرسَلْتَ به إليَّ؟ فقُلتُ: يا أميرَ المُؤمِنين، إنَّه لم يَرَك، ولو رآك لكان يَعرِفُ فَضْلَك، وإنَّه حَسَدك على استخدامِك مِثلي! فسُرِّيَ عنه) .
وقال الأصمَعيُّ: (كان رجُلٌ من أهلِ البَصرةِ بذيئًا شِرِّيرًا، يؤذي جيرانَه ويَشتِمُ أعراضَهم، فأتاه رجُلٌ فوعَظَه، فقال له: ما بالُ جيرانِك يشكونك؟ قال: إنَّهم يحسُدونني! قال له: على أيِّ شيءٍ يحسُدونَك؟ قال: على الصَّلبِ! قال: وكيف ذاك؟! قال: أقبِلْ معي. فأقبَلَ معه إلى جيرانِه، فقَعَد مُتحازِنًا، فقالوا له: ما لك؟ قال: طَرَق اللَّيلةَ كتابُ معاويةَ: أنِّي أُصلَبُ أنا ومالِكُ بنُ المُنذِرِ وفُلانٌ وفلانٌ، فذكَر رجالًا من أشرافِ أهلِ البصرةِ، فوثبوا عليه، وقالوا: يا عدُوَّ اللَّهِ، أنت تُصلَبُ مع هؤلاء، ولا كرامةَ لك؟! فالتَفتَ إلى الرَّجُلِ فقال: أمَا تراهم قد حَسَدوني على الصَّلبِ! فكيف لو كان خيرًا؟!) .


تحاسُدُ بعضِ طلَبةِ العِلمِ والأقرانِ:
قد يجُرُّ التَّنافُسُ بَيْنَ بعضِ طَلَبةِ العِلمِ إلى الوقوعِ في بعضِ التَّحاسُدِ؛ قال الذَّهبيُّ: (كلامُ الأقرانِ بعضِهم في بعضٍ لا يُعبَأُ به، لا سيَّما إذا لاح لك أنَّه لعَداوةٍ أو لمذهَبٍ أو لحسَدٍ، وما ينجو منه إلَّا مَن عَصَم اللَّهُ، وما عَلِمتُ أنَّ عصرًا من الأعصارِ سَلِم أهلُه من ذلك سوى الأنبياءِ والصِّدِّيقين، ولو شِئتُ لسَرَدتُ من ذلك كراريسَ، اللَّهُمَّ فلا تجعَلْ في قُلوبِنا غِلًّا للذين آمنوا، ربَّنا إنَّك رؤوفٌ رحيمٌ) .
وذكَر الغزاليُّ حالَ بعضِ أولئك الحَسَدةِ، فقال: (واحذَرْ مخالطةَ مُتفَقِّهةِ الزَّمانِ، لا سِيَّما المشتَغِلين بالخِلافِ والجِدالِ، واحذَرْ منهم؛ فإنَّهم يتربَّصون بك- لحسَدِهم- رَيبَ المنونِ، ويقطَعون عليك بالظُّنونِ، ويتغامَزون وراءك بالعُيونِ، ويُحصون عليك عَثَراتِك في عِشرتِهم، حتَّى يجابِهوك بها في حالِ غَيظِهم ومناظرتِهم، لا يُقيلون لك عَثرةً، ولا يَغفِرون لك زَلَّةً، ولا يَستُرون لك عَورةً، يحاسِبونك على النَّقيرِ ، والقِطْميرِ ، ويحسُدونك على القليلِ والكثيرِ، ويُحرِّضون عليك الإخوانَ بالنَّميمةِ والبلاغاتِ والبُهتانِ، إن رَضُوا فظاهِرُهم المَلَقُ ، وإن سَخِطوا فباطِنُهم الحَنَقُ ، ظاهِرُهم ثيابٌ، وباطِنُهم ذئابٌ. هذا ما قطَعَت به المشاهدةُ على أكثَرِهم، إلَّا مَن عصَمه اللَّهُ تعالى؛ فصُحبتُهم خُسرانٌ، ومعاشرتُهم خِذلانٌ. هذا حُكمُ من يُظهِرُ لك الصَّداقةَ، فكيف مَن يجاهِرُك بالعَداوةِ؟!) .
وقد نهى العُلَماءُ عن الخَوضِ في أهلِ العِلمِ بلا برهانٍ واضِحٍ وبَيِّنةٍ ساطعةٍ؛ قال ابنُ عبدِ البَرِّ: (لا يُقبَلُ فيمن صَحَّت عدالتُه، وعُلِمَت بالعِلمِ عنايتُه، وسَلِم من الكبائِرِ، ولَزِم المروءةَ والتَّصاوُنَ ، وكان خيرُه غالبًا، وشَرُّه أقَلَّ عَمَلِه، فهذا لا يُقبَلُ فيه قولُ قائِلٍ لا برهانَ له به، وهذا هو الحَقُّ الذي لا يَصِحُّ غيرُه إن شاء اللَّهُ، قال أبو العتاهيةِ:
بكى شَجْوَه الإسلامُ من عُلَمائِهِ
فما اكتَرَثوا لِما رأوا من بُكائِهِ
فأكثَرُهم مُستقبِحٌ لصوابِ مَن
يخالِفُه مُستحسِنٌ لخَطائِهِ
فأيُّهُمُ المَرجوُّ فينا لدينِهِ
وأيُّهم الموثوقُ فينا برأيِهِ) .


شَرُّ الحَسَدِ:
شَرُّ الحَسَدِ: الحَسَدُ على معاصي اللَّهِ عزَّ وجَلَّ، وهو أن يتمنَّى أن يتمكَّنَ من المعاصي التي يفعَلُها غيرُه .
ليس من الحَسَدِ:
ليس من الحَسَدِ ألَّا ينالَ غيرُه خيرًا من خُيورِ الدُّنيا والآخرةِ؛ لأنَّ الحَسَدَ مخصوصٌ بما حَصَل من النِّعَمِ .


وجودُ النِّعمةِ مَظِنَّةُ الحَسَدِ:
قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ: (ما كانت على أحَدٍ نِعمةٌ إلَّا كان لها حاسِدٌ)

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×