اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

الإيمانُ بالقَضاءِ والقَدَرِ

المشاركات التي تم ترشيحها

 
13602681455.gif


تعريفُ القَضاء والقَدَر ونشأةُ القَولِ بالقَدَرِ وحُكمُ الإيمانِ به وأدِلَّتُه ومراتِبُه وثَمَراتُه



تعريفُ القَضاءِ لُغةً

القَضَاءُ: قد أكثر أئمَّةُ اللُّغةِ في معناه، وآلت أقوالُهم إلى أنَّه إتمامُ الشَّيءِ قولًا وفِعلًا، فقضاءُ الشَّيءِ: إحكامُه وإمضاؤُه والفراغُ منه، قال الزَّجَّاجُ: قضى في اللُّغةِ على ضُروبٍ كُلُّها ترجِعُ إلى معنى ‌انقِطاعِ ‌الشَّيءِ وتمامِه. يقال: قضى اللهُ أمرًا، أي: قَدَّره وأراد خَلْقَه. وأصل (قضي): يدُلُّ على إحكامِ أمرٍ وإتقانِه وإنفاذِه لجِهَتِه .
وقد ورد لفظُ القَضاءِ ومشتقَّاتُه كثيرًا في القرآنِ الكريمِ، وكُلُّ معانيه ترجِعُ إلى الأصلِ السَّابقِ؛ فمن المعاني التي ورد بها:
1- معنى الأمرِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] .
أي: أمرَ سُبحانَه وتعالى بعبادتِه وَحْدَه لا شريكَ له .
2- معنى الإنهاءِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ [الحجر: 66] .
أي: تقدَّمنا إليه وأنْهيْنا .
3- معنى الحُكمِ.
ومنه قَولُه تعالى: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ [طه: 72] .
أي: احكُمْ، وافعَلْ ما شئتَ .
4- معنى الفراغِ.
ومنه قَولُه تعالى: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 12] .
أي: فرغ من تسويتِهِنَّ سَبْعَ سمواتٍ في يومين .
ومنه قَولُه تعالى: فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ [القصص: 29] .
أي: فرغ من الأجَلِ الأوفى والأتَمِّ .
5- معنى الأداءِ.
ومنه قَولُه تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ [البقرة: 200] .
أي: أدَّيتُموها وفرَغْتُم منها ، وهذا يدخُلُ في المعنى السَّابق.
6- معنى الإعلامِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: 4] . أي: أعلَمْنا بني إسرائيلَ في الكتابِ الذي أُنزِلَ إليهم أنهم سيُفسِدون في الأرضِ مرَّتين .
7- معنى الموتِ.
يقال: ضرَبَه فقضى عليه، أي: قتَلَه .
ومنه قَولُه تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ [القصص: 15] .
أي: قتَلَه .
تلك هي أهَمُّ معاني القَضاءِ في اللُّغةِ، وهناك اشتقاقاتٌ أخرى .



3dlat.net_12_16_8667_2583e4ff75c91.gif



تعريفُ القَدَرِ لُغةً

القَدَرُ لُغَةً: القَضاءُ والحُكمُ، وهو ما يُقَدِّرُه اللهُ عزَّ وجَلَّ من القَضاءِ ويحكُمُ به من الأمورِ على مَبالِغِها ونهاياتِها التي أرادها لها، ومنه ذِكرُ (ليلةِ القَدْرِ) وهي اللَّيلةُ التي تُقَدَّرُ فيها الأرزاقُ وتُقضى. وأصلُ (قدر): يدُلُّ على مَبلَغِ الشَّيءِ وكُنْهِه ونهايتِه( .
قال اللِّحْيَانيُّ: (إنَّ القَدَر بفتحِ الدَّالِ هو: الاسمُ، والقَدْرُ بسكونِ الدَّالِ هو: المصدَرُ)( .
ويُطلَق القَدَرُ على معانٍ؛ منها:
1- معنى الحُكمِ والقَضاءِ.
ومن ذلك حديثُ الاستخارةِ، وفيه: ((فاقدُرْه لي ويسِّرْه لي ))( ( .
2- معنى الطَّاقةِ.
ومن ذلك قَولُه تعالى: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة: 236] بفتح الدَّالِ، وقُرئَ بإسكانِها( .
3- معنى التضييقِ.
ومنه قَولُه تعالى: وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:16] ( .
4- معنى التقديرِ.
ومنه الحديث: ((فإن غُمَّ عليكم فاقْدُروا له ))( .
أي: قَدِّروا له عدَدَ الشَّهرِ حتى تُكمِلوه ثلاثين يومًا، وقيل: قَدِّروا له منازِلَ القَمَرِ، فإنَّه يَدُلُّكم على أنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وعِشرون أو ثلاثون( .
ويقالُ: قَدَّره: إذا قاسه، وقدَّرتُ الشَّيءَ، أي: هيَّأتُ. والقُدْرةُ تأتي بمعنى اليسارِ، والغنى، والقُوَّةِ( .
تلك من أهَمِّ معاني (القَدَر) لغة. وهناك معانٍ أخرى تعرَّضت لها كُتُبُ اللُّغةِ( .




3dlat.net_12_16_8667_2583e4ff75c91.gif
معنى القَضاءِ والقَدَرِ اصطلاحًا

القَضاءُ والقَدَرُ في الاصطلاحِ: هو تقديرُ اللهِ تعالى الأشياءَ منذُ القِدَمِ، وعِلْمُه سُبحانَه أنها ستقعُ في أوقاتٍ معلومةٍ عنده، وعلى صفاتٍ مخصوصةٍ، وكتابتُه سُبحانَه لذلك، ومشيئتُه له، ووقوعُها على حَسَبِ ما قدَّرها، وخَلْقُه لها( .
قال الخطابيُّ: (قد يحسَبُ كثيرٌ مِنَ النَّاسِ أنَّ معنى القَدَرِ مِنَ اللهِ والقَضاءِ منه معنى الإجبارِ والقَهرِ للعَبدِ على ما قضاه وقدَّره... وليس الأمرُ في ذلك على ما يتوهَّمونه، وإنما معناه الإخبارُ عن تقدُّمِ عِلمِ اللهِ سُبحانَه بما يكونُ من أفعالِ العبادِ وأكسابِهم، وصُدورُها عن تقديرٍ منه وخَلقٍ لها خيرِها وشَرِّها، والقَدَرُ اسمٌ لِما صدر مُقدَّرًا عن فعلِ القادِرِ كما الهَدمُ والقَبضُ والنَّشرُ أسماءٌ لما صدر عن فعلِ الهادِمِ والقابضِ والنَّاشرِ، يقال: قَدَرْتُ الشَّيءَ وقَدَّرْتُ، خفيفةً وثقيلةً بمعنًى واحدٍ، والقَضاءُ في هذا معناه الخَلقُ، كقَولِه عزَّ وجَلَّ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ [فصلت: 12] أي: خلقَهنَّ، وإذا كان الأمرُ كذلك فقد بقي عليهم من وراءِ عِلمِ اللهِ فيهم أفعالُهم وأكسابُهم ومباشرتُهم تلك الأمورَ وملابسَتُهم إيَّاها عن قَصدٍ وتعَمُّدٍ وتقديمِ إرادةٍ واختيارٍ، فالحُجَّةُ إنما تلزَمُهم بها واللائِمةُ تلحَقُهم عليها)( .
وقال ابنُ عثيمين: (القَدَرُ في اللُّغةِ بمعنى: التقديرِ؛ قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، وقال تعالى: فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ [المرسلات: 23] .
- وأمَّا القَضاءُ فهو في اللُّغةِ: الحُكمُ.
ولهذا نقولُ: إنَّ القَضاءَ والقَدَرَ متباينانِ إن اجتَمَعا، ومترادفان إن تفَرَّقا؛ على حَدِّ قَولِ العُلَماءِ: هما كَلِمتان: إن اجتَمَعتا افترقَتا، وإن افتَرَقتا اجتَمَعتا.
فإذا قيل: هذا قدَرُ اللهِ، فهو شامِلٌ للقَضاءِ، أمَّا إذا ذُكِرا جميعًا فلكُلِّ واحدٍ منهما معنًى.
- فالتقديرُ: هو ما قدَّره اللهُ تعالى في الأزَلِ أن يكونَ في خَلْقِه.
- وأمَّا القَضاءُ فهو ما قضى به اللهُ سُبحانَه وتعالى في خَلْقِه من إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ، وعلى هذا يكونُ التقديرُ سابِقًا.
* فإن قال قائِلٌ: متى قلنا: إنَّ القَضاءَ هو ما يقضيه اللهُ سُبحانَه وتعالى في خَلْقِه من إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ، وإنَّ القَدَرَ سابِقٌ عليه إذا اجتمعا؛ فإن هذا يعارِضُ قَولَه تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] ؛ فإنَّ هذه الآيةَ ظاهِرُها أنَّ التقديرَ بعد الخَلْقِ؟
فالجوابُ على ذلك من أحَدِ وَجهَينِ:
- إمَّا أن نقولَ: إنَّ هذا من بابِ الترتيبِ الذِّكْري لا المعنويِّ...
وهذا لا يدُلُّ على أنَّ المتأخِّرَ في اللَّفظِ متأخِّرٌ في الرُّتبةِ.
- أو نقول: إنَّ التقديرَ هنا بمعنى التسويةِ، أي: خلقه على قَدرٍ مُعَيَّنٍ؛ كقَولِه تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: 2] ؛ فيكونُ التقديرُ بمعنى التسويةِ. وهذا المعنى أقرَبُ مِنَ الأوَّلِ؛ لأنَّه مطابِقٌ تمامًا لقَولِه تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى؛ فلا إشكالَ)( .




الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
حُكمُ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، وأدِلَّتُه

الأدِلَّةُ العامَّةُ من القرآنِ الكريمِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ


وردت في كتابِ اللهِ تعالى آياتٌ تدلُّ على أنَّ الأمورَ تجري بقَدَرِ اللهِ تعالى، وعلى أنَّ اللهَ تعالى عَلِمَ الأشياءَ وقدَّرها في الأزَلِ، وأنها ستقع على وَفقِ ما قدَّرها اللهُ سُبحانَه وتعالى؛ ومن ذلك( :


1- قولُ اللهِ تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49].
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جاء مُشركِو قُرَيشٍ يخاصمون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في القَدَرِ، فنزلت: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 48-49] ))( .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّا خلَقْنا كُلَّ شَيءٍ بمقدارٍ قدَّرناه وقضيناه، وفي هذا بيانُ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه توعَّد هؤلاء المجرِمين على تكذيبِهم في القَدَرِ مع كُفرِهم به)( .
وقال ابنُ جُزَي: (المعنى: أنَّ اللهَ خَلَق كُلَّ شَيءٍ بقَدَرٍ، أي: بقضاءٍ معلومٍ سابقٍ في الأزَلِ، ويحتَمِلُ أن يكونَ معنى: بِقَدَرٍ بمقدارٍ في هيئتِه وصِفَتِه وغيرِ ذلك، والأوَّلُ أرجَحُ، وفيه حُجَّةٌ لأهلِ السُّنَّةِ على القَدَريَّةِ)( .
وقال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، كقَولِه: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان:2] وكقَولِه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الأعلى:1-3] أي: قدَّر قَدَرًا، وهدى الخلائِقَ إليه؛ ولهذا يستَدِلُّ بهذه الآيةِ الكريمةِ أئمَّةُ السُّنَّةِ على إثباتِ قَدَرِ اللهِ السَّابِقِ لخَلْقِه، وهو عِلْمُه الأشياءَ قبل كونها وكتابتُه لها قبل بَرْئِها، وردُّوا بهذه الآيةِ وبما شاكلها من الآياتِ، وما ورد في معناها من الأحاديثِ الثَّابتاتِ، على الفِرقةِ القَدَريَّةِ الذين نبغوا في أواخِرِ عَصرِ الصَّحابةِ)( .

وقال السعدي: (هذا شامِلٌ للمخلوقاتِ والعوالمِ العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ؛ أنَّ اللهَ تعالى وَحْدَه خلَقَها لا خالِقَ لها سواه، ولا مشارِكَ له في خَلْقِها، وخَلَقها بقضاءٍ سبق به عِلْمُه، وجرى به قَلَمُه، بوقتِها ومقدارِها، وجميعِ ما اشتملت عليه من الأوصافِ، وذلك على اللهِ يسيرٌ)( .


2- قَولُ اللهِ سُبحانَه: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا [الأحزاب: 38] .
قال ابنُ جرير: (يقول: وكان أمرُ اللهِ قَضاءً مقضِيًّا)( .

وقال ابنُ كثير: (أي: وكان أمرُه الذي يُقَدِّرُه كائنًا لا محالةَ، وواقِعًا لا محيدَ عنه ولا مَعدِلَ، فما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ)( .


3- قَولُ اللهِ تعالى عن موسى عليه السَّلامُ: فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى [طه: 40] .
قال ابنُ كثير: (جاء موافِقًا لقَدَرِ اللهِ وإرادتِه من غيرِ مِيعادٍ، والأمرُ كلُّه للهِ تبارك وتعالى)( .

وقال السَّعْديُّ: (أي: جِئتَ مجيئًا قد مضى به القَدَرُ، وعَلِمَه اللهُ وأراده في هذا الوَقتِ وهذا الزَّمانِ وهذا المكانِ، ليس مجيئُك اتِّفاقًا من غيرِ قَصدٍ ولا تدبيرٍ مِنَّا، وهذا يدُلُّ على كمالِ اعتِناءِ اللهِ بكليمِه موسى عليه السَّلامُ)( .


4- قولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا [الأنفال: 42] .
قال السعدي: (أي: مُقَدَّرًا في الأزَلِ، لا بدَّ من وقوعِه)( .
قال ابنُ القَيِّمِ: (كلُّ دليلٍ في القرآنِ على التوحيدِ فهو دليلٌ على القَدَرِ وخَلْقِ أفعالِ العِبادِ، ولهذا كان إثباتُ القَدَرِ أساسَ التوحيدِ)(

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الأدِلَّةُ العامَّةُ مِنَ السُّنَّة النَّبَويَّةِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ

دلَّت نصوصُ السُّنَّةِ الشَّريفةِ على وجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ، والأحاديثُ الواردةُ في ذلك كثيرةٌ، منها:

1- عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ جبريلَ عليه السَّلامُ سأل النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن الإيمانِ، فقال: ((أن تؤمِنَ باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليَومِ الآخِرِ، وتؤمِنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه ))( .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ... حاصِلُه: هو ما دَلَّ عليه قَولُه تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ وقَولُه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السَّلَفِ والخَلَفِ على صِدقِ قَولِ القائِلِ: ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ)( .
وقال المظهريُّ في شَرحِ الحديثِ: (أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ يقولون: جميعُ ما يجري في العالمِ مِنَ الخيرِ والشَّرِّ، والكُفرِ والإيمانِ، والطَّاعةِ والعصيانِ، وغيرِ ذلك، كُلُّها بتقديرِ اللهِ تعالى وقضائِه، ولكِنْ للعبادِ اختيارُها؛ فالتقديرُ مِنَ اللهِ، والكَسْبُ من العبادِ، ويخلُقُ اللهُ تعالى الأفعالَ في العبادِ؛ كُلُّ فعلٍ في الوقتِ الذي قَدَّره في الأزَلِ، والتقديرُ والفِعلُ يجريان معًا، لا يجري الفِعلُ بدون تقديرِ اللهِ، ولا التقديرُ بحُصولِ الأفعالِ في العبادِ بدونِ اختيارِهم واكتسابِهم، فهم مُثابون بالخيرِ ومُعاقَبون بالشَّرِّ بسَبَبِ أنَّ لهم اختيارًا في الفِعلِ.
ومن لم يكُنْ له اختيارٌ، كالمجنونِ والصَّبيِّ والنَّائِمِ والمُغمى عليه والمُكْرَهِ، فهم كالمرتَعِشِ في أنه لا مؤاخَذةَ عليهم بأفعالِهم فيما هو حَقُّ اللهِ تعالى، وأمَّا ما هو حقُّ العبادِ، كإتلافِ المالِ وقَتلِ النَّفسِ، فهم يؤاخَذون بالغُرمِ.
والمرتَعِشُ: هو الذي تتحرَّكُ أعضاؤه بغيرِ اختيارِه مِن عِلَّةٍ، والثوابُ والعقابُ يتعلَّقان بما في العبدِ من الاختيارِ.
وعِلَّةُ تكريرهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لفظةَ «تُؤمِن»، فقال: ((وتؤمِنَ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه)) للتأكيدِ؛ لأنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ أحوَجُ إلى المبالغةِ فيه؛ لأنَّ الإيمانَ باللهِ وملائِكَتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ ظاهِرٌ مشهورٌ عند المسلمين، وأمَّا الإيمانُ بالقَدَرِ لا يعلَمُه كُلُّ أحدٍ إلَّا حاذِقٌ في علومِ الدِّينِ، فلأجْلِ هذا أكَّد وكَرَّر لفظة: «تؤمن» عند لفظِ: «القَدَر»)( .
وقال علي القاري: (المعنى: تعتَقِدُ أنَّ اللهَ قَدَّر الخيرَ والشَّرَّ قبل خَلقِ الخلائِقِ، وأنَّ جميعَ الكائناتِ متعَلِّقٌ بقضاءِ اللهِ مُرتَبِطٌ بقَدَرِه. قال تعالى: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: 78] ، وهو مريدٌ لها؛ لقَولِه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: 125] ، فالطَّاعاتُ يحِبُّها ويرضاها بخلافِ الكُفرِ والمعاصي. قال تعالى: وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر: 7] ، والإرادةُ لا تستلزمُ الرِّضا)( .
وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن آل الشَّيخِ: (في هذا الحديثِ أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ من أصولِ الإيمانِ السِّتَّةِ المذكورةِ، فمن لم يؤمِنْ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه فقد ترك أصلًا من أصولِ الدِّينِ وجحده، فيُشبِهُ من قال اللهُ فيهم: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة: 85] الآية)(

2- عن أبي الدرداء رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لكُلِّ شيءٍ حقيقةٌ وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَعلمَ أنَّ ما أصابَهُ لَم يكُن ليُخطِئَهُ وما أخطأهُ لَم يكُن ليُصيبَهُ ))( .
قال المباركفوي: ( ((حتى يعلَمَ أنَّ ما أصابه)) من النِّعمةِ والبَلِيَّةِ والطَّاعةِ والمعصيةِ ممَّا قَدَّره اللهُ له وعليه ((لم يكُنْ ليخطِئَه)) أي: يجاوِزَه ((وأنَّ ما أخطأه)) من الخيرِ والشَّرِّ ((لم يكُنْ لِيُصيبَه))، وهذا وُضِعَ مَوضِعَ المحالِ، كأنَّه قيل: مُحالٌ أن يخطِئَه... وهو مضمونُ قَولِه تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا، وفيه حَثٌّ على التوكُّلِ والرِّضاءِ، ونَفيِ الحَولِ والقُوَّةِ، وملازمةِ القناعةِ والصَّبرِ على المصائبِ)(

3- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يؤمِنُ عَبدٌ حتى يؤمِنَ بأربَعٍ: يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي محمَّدٌ رسولُ اللهِ بعَثَني بالحَقِّ، ويؤمِنُ بالموتِ، وبالبَعثِ بعد الموتِ، ويؤمِنُ بالقَدَرِ ))( .
قال المظهري: (قَوله: ((ولا يؤمِنُ عَبدٌ)): هذا نفيُ أصلِ الإيمانِ، لا نَفيُ الكَمالِ؛ فمن لم يؤمِنْ بواحِدٍ مِن هذه الأربعةِ لم يكُنْ مُؤمِنًا...
والرَّابعُ: أن يؤمِنَ بالقَدَرِ، يعني: يعتَقِدُ أنَّ جميعَ ما يجري في العالمِ بقَضاءِ اللهِ تعالى وقُدرتِه)( .
وقال علي القاري: ( ((لا يؤمِنُ عَبدٌ)): هذا نفيُ أصلِ الإيمانِ، أي: لا يُعتَبَرُ ما عنده من التصديقِ القَلبيِّ)( .

4- عن طاوسَ بنِ كَيسانَ قال: (أَدْرَكْتُ نَاسًا مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولونَ: كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ)، قالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ يقولُ: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، حتَّى العَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الكَيْسُ وَالْعَجْزُ ((( .
قال أبو العَبَّاسِ القُرطبيُّ: (معنى هذا الحديثِ: أنَّ ما من شيءٍ يقَعُ في هذا الوجودِ كائِنًا كان إلَّا وقد سبق به عِلمُ اللهِ تعالى، ومشيئتُه، سواءٌ كان من أفعالِنا أو صفاتِنا، أو من غيرِها، ولذلك أتى ب «كُل» التي هي للاستغراقِ والإحاطةِ، وعَقَّبها بحتى التي هي للغايةِ، حتى لا يخرُجَ عن تلك المقَدِّمةِ الكُلِّيَّةِ من المُمكِناتِ شَيءٌ، ولا يُتوَهَّمَ فيها تخصيصٌ، وإنما جُعِل العَجزُ والكَيسُ غايةً لذلك ليُبَيِّنَ أنَّ أفعالَنا وإن كانت معلومةً ومُرادةً لنا، فلا تقَعُ مِنَّا إلَّا بمشيئةِ اللهِ تعالى وإرادتِه وقدرتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)(

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 الإجماعُ على وُجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ

1- قال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ: (أجمع سبعون رجلًا من التابعين، وأئمَّةِ المُسلِمين، وأئمَّةِ السَّلَفِ، وفُقهاءِ الأمصارِ؛ على أنَّ السُّنَّةَ التي توُفِّيَ عليها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أوَّلُها الِّرضا بقضاءِ اللهِ، والتسليمُ لأمرِ اللهِ، والصَّبرُ تحتَ حُكمِه، والأخذُ بما أمر اللهُ به، والنهيُ عمَّا نهى عنه، وإخلاصُ العَمَلِ للهِ، والإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، وتَرْكُ المِراءِ والجِدالِ والخُصوماتِ في الدِّينِ)(
.
2- قال إسحاقُ بنُ هانئٍ: (حضَرْتُ رجلًا عند أبي عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبَلٍ، وهو يسألُه، فجعل الرَّجُلُ يقولُ: يا أبا عبدِ اللهِ، رأسُ الأمرِ وإجماعُ المُسلِمين على أنَّ الإيمانَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلوِه ومُرِّه، والتسليمَ لأمْرِه، والرِّضا بقضائِه؟
فقال أبو عبد اللهِ: نعم)( .

3- قال البخاريُّ: (لقيتُ أكثَرَ مِن ألْفِ رَجُلٍ مِن أهلِ العِلمِ؛ أهلِ الحِجازِ ومكَّةَ والمدينةِ والكوفةِ والبَصرةِ وواسِطٍ وبَغدادَ والشَّامِ ومِصرَ، لَقِيتُهم كَرَّاتٍ قَرنًا بعد قَرنٍ ثمَّ قَرنًا بعد قَرنٍ، أدركتُهم وهم متوافِرون منذُ أكثَرَ مِن سِتٍّ وأربعين سنةً... فما رأيتُ واحِدًا منهم يختَلِفُ في هذه الأشياءِ:... وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ بقَدَرٍ؛ لقَولِه: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلْقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق: 2] ، ولقَولِه: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ، ولقَولِه: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49])( .
4- قال أبو زُرعةَ وأبو حاتمٍ الرَّازيان: (أدرَكْنا العُلَماءَ في جميعِ الأمصارِ؛ حِجازًا وعِراقًا وشامًا ويَمَنًا، فكان من مَذهَبِهم:... والقَدَرُ خَيرُه وشَرُّه مِنَ اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .

5- قال ابنُ قُتيبةَ: (إنَّ أصحابَ الحَديثِ كُلَّهم مجمِعون على أنَّ ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لا يكونُ، وعلى أنَّه خالِقُ الخَيرِ والشَّرِّ)( .

6- قال أبو الحسَنِ الأشعريُّ: (هذه حكايةُ جُملةِ قَولِ أصحابِ الحَديثِ وأهلِ السُّنَّةِ... والإيمانُ عِندَهم هو: الإيمانُ باللهِ، وملائِكَتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، وبالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، وأنَّ ما أخطأهم لم يكُنْ لِيُصيبَهم، وما أصابهم لم يكُنْ لِيُخطِئَهم)( .

7- قال الإسماعيليُّ: (مَذهَبُ أهلِ الحديثِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ... ويقولونَ: إنَّ الخَيرَ والشَّرَّ والحُلْوَ والمُرَّ، بقَضاءٍ من اللهِ عزَّ وجَلَّ، أمضاه وقَدَّره، لا يملِكون لأنفُسِهم ضَرًّا ولا نفعًا إلَّا ما شاء اللهُ)( .

8- قال عبدُ الغَنيِّ المَقدِسيُّ: (أجمع أئمَّةُ السَّلَفِ مِن أهلِ الإسلامِ على الإيمانِ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلْوِه ومُرِّه، قليلِه وكثيرِه، بقَضاءِ اللهِ وقَدرِه، لا يكونُ شيءٌ إلَّا بإرادتِه، ولا يجري خيرٌ وشَرٌّ إلَّا بمشيئتِه، خَلَق من شاء للسَّعادةِ واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشَّقاءِ واستعمله به عدلًا، فهو سِرٌّ استأثر به، وعِلمٌ حَجَبه عن خَلْقِه، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)( .

9- قال النووي: (اعلَمْ أنَّ مَذهَبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّر الأشياءَ في القِدَمِ، وعَلِم سُبحانَه أنها ستقع في أوقاتٍ معلومةٍ عنده سُبحانَه وتعالى، وعلى صفاتٍ مخصوصةٍ، فهي تقَعُ على حَسَبِ ما قدَّرها سُبحانَه وتعالى)( .

10- قال ابنُ تيميَّةَ: (تؤمِنُ الفِرقةُ النَّاجيةُ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه)( .
وقال أيضًا: (ممَّا اتَّفَق عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مع إيمانِهم بالقَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ: أنَّ العِبادَ لهم مشيئةٌ وقُدرةٌ يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولِهم: إنَّ العبادَ لا يشاؤونَ إلَّا أن يشاءَ اللهُ. كما قال اللهُ تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 54 - 56] الآية. وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 29، 30]، وقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]، والقرآنُ قد أخبر بأنَّ العبادَ يُؤمِنون ويَكفُرون ويفعلون ويَعمَلون ويَكسِبون ويُطيعون ويَعصُون ويُقيمون الصَّلاةَ ويُؤتون الزكاةَ ويحُجُّون ويعتَمِرون ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون ويَصدُقون ويَكذِبون ويأكُلون ويَشرَبون ويقاتِلون ويحارِبون، فلم يكُنْ من السَّلَفِ والأئمَّةِ من يقولُ: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختارٍ ولا مُريدٍ ولا قادرٍ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّه فاعِلٌ مجازًا، بل من تكلَّم منهم بلفظِ الحقيقةِ والمجازِ مُتَّفِقون على أنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، واللهُ تعالى خالِقُ ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه)( .
وقال أيضًا: (سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مُتَّفِقون أيضًا على أنَّ العبادَ مأمورون بما أمرهم اللهُ به منهيُّون عما نهاهم اللهُ عنه، ومُتَّفِقون على الإيمانِ بوَعدِه ووعيدِه الذي نطق به الكِتابُ والسُّنَّةُ، ومُتَّفِقون أنَّه لا حُجَّةَ لأحدٍ على اللهِ في واجبٍ تركَه ولا محرَّمٍ فَعَله، بل للهِ الحُجَّةُ البالغةُ على عبادِه، ومن احتجَّ بالقَدَرِ على تَركِ مأمورٍ أو فعلِ محظورٍ أو دَفْعِ ما جاءت به النصوصُ في الوعدِ والوعيدِ، فهو أعظَمُ ضَلالًا وافتراءً على اللهِ ومخالفةً لدينِ اللهِ من أولئك القَدَريَّةِ)( .

ومن أقوالِ السَّلَفِ وأهلِ العِلمِ في وُجوبِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدَرِ:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: (القَدَرُ نِظامُ التوحيدِ، فمن وحَّد اللهَ عزَّ وجَلَّ، وآمن بالقَدَرِ، فهي العُروةُ الوُثقى التي لا انفصامَ لها، ومن وحَّد اللهَ تعالى، وكذَّب بالقَدَرِ، نَقَض التوحيدَ)( .
2- عن الحَسَنِ البصريِّ قال: (من كَفَر بالقَدَرِ، فقد كفر بالإسلامِ؛ إنَّ اللهَ خَلَق خَلقًا، فخلقهم بقَدَرٍ، وقسَّم الآجالَ بقَدَرٍ، وقسَّم أرزاقَهم بقَدَرٍ، والبلاءُ بقَدَرٍ، والعافيةُ بقَدَرٍ)( .
3- عن زيدِ بنِ أسلَمَ قال: (القَدَرُ قُدرةُ اللهِ عزَّ وجَلَّ، فمن كذَّب بالقَدَرِ، فقد جحد قُدرةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
4- قال البُخاريُّ: سَمِعتُ عُبَيدَ اللهِ بنَ سَعيدٍ يقولُ: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: ما زِلتُ أسمع أصحابَنا يقولون: (إنَّ أفعالَ العبادِ مخلوقةٌ)( .
5- قال مالِكٌ: (ما أضَلَّ من كذَّب بالقَدَرِ! لو لم يكُنْ عليهم فيه حُجَّةٌ إلَّا قَولُه تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: 2] لكفى بها حُجَّةً)( .
6- قال الشَّافعيُّ في وصيَّتِه: (... وأنَّ القَدَرَ خَيرَه وشَرَّه من اللهِ عزَّ وجَلَّ، لا يكونُ إلَّا ما أراد اللهُ وقضاه وقَدَّره)( .
وقال البيهقيُّ: (سُئِلَ الشَّافعيُّ رَضِيَ اللهُ عنه عن القَدَرِ، فأنشأ يقولُ:
ما شِئتَ كان وإنْ لم أشَأْ           وما شِئتُ إن لم تشَأْ لم يَكُنْ
خَلَقْتَ العِبادَ على ما عَلِمْتَ               ففي العِلمِ يجري الفتى والمُسِنّْ
على ذا مَنَنْتَ وهذا خذَلْتَ                 وهذا أعَنْتَ وذا لم تُعِنْ
فمنهم شَقيٌّ ومنهم سعيدٌ          ومنهم قبيحٌ ومنهم حَسَنْ

وعلى نحوِ قَولِ الشَّافعيِّ رَضِيَ اللهُ عنه في إثباتِ القَدَرِ للهِ، ووقوعِ أعمالِ العِبادِ بمشيئةِ اللهِ، دَرَج أعلامُ الصَّحابةِ والتابعينَ، وإلى مِثْلِ ذلك ذهب فُقَهاءُ الأمصارِ: الأوزاعيُّ، ومالِكُ بنُ أنَسٍ، وسفيانُ الثوريُّ، وسفيانُ بنُ عُيَينةَ، واللَّيثُ بنُ سَعدٍ، وأحمدُ بنُ حَنبلٍ، وإسحاقُ بنُ إبراهيمَ، وغيرُهم، رَضِيَ اللهُ عنهم، وحكينا عن أبي حنيفةَ رحمه اللهُ مِثْلَ ذلك، وهو فيما أخبرنا أبو عبد اللهِ الحافِظُ قال: سمعتُ أبا بكرٍ محمَّدَ بنَ جَعفَرٍ المزكِّي يقولُ: نا أبو العبَّاسِ أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ مسعودٍ المرِّي قال: نا سعدُ بنُ مُعاذٍ قال: ثنا إبراهيمُ بنُ رُستُمَ قال: سمعتُ أبا عِصمةَ يقولُ: سألتُ أبا حنيفةَ: مَن أهلُ الجماعةِ؟ قال: من فضَّل أبا بكرٍ وعُمَرَ، وأحَبَّ عليًّا وعثمانَ، وآمَنَ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه مِنَ اللهِ)( .
7- قال الحميدي: (السُّنَّةُ عندنا أن يؤمِنَ الرَّجُلُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه حُلْوِه ومُرِّه، وأن يعلَمَ أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه، وأنَّ ما أخطأه لم يكُنْ لِيُصيبَه، وأنَّ ذلك كُلَّه قضاءٌ مِنَ اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
8- قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: (نؤمِنُ بالقَضاءِ والقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه، حُلْوِه ومُرِّه من اللهِ)( .
وقال أيضًا: (القَدَرُ خَيرُه وشَرُّه، وقليلُه وكثيرُه، وظاهِرُه وباطِنُه، وحُلْوُه ومُرُّه، ومحبوبُه ومكروهُه، وحَسَنُه وسَيِّئُه، وأوَّلُه وآخِرُه: مِنَ اللهِ، قضاءً قضاه، وقَدَرًا قَدَّره عليهم، لا يعدو واحِدٌ منهم مشيئةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ، ولا يجاوِزُ قَضاءَه)( .
9- قال ابنُ قتيبة: (عَدلُ القَولِ في القَدَرِ أن تعلَمَ أنَّ اللهَ عَدلٌ لا يجورُ، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرجُ من قُدرتِه شَيءٌ، ولا يكونُ في مَلَكوتِه من السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْنَ لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضلٍ، وإن منع فبعَدلٍ، وأنَّ العبادَ يستطيعون ويعمَلون، ويُجَزون بما يَكسِبون، وأنَّ للهِ لطيفةً يبتدئُ بها من أراد، ويتفضَّلُ بها على من أحَبَّ، ويوقِعُها في القلوبِ فيعودُ بها إلى طاعتِه، ويمنعُها من حَقَّت عليه كَلِمَتُه، فهذه جملةُ ما ينتهي إليه عِلمُ ابنِ آدَمَ مِن قَدَرِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وما سِوى ذلك مخزونٌ عنه)( .
10- قال الطحاويُّ: (خلق الخَلْقَ بعِلْمِه، وقدَّر لهم أقدارًا وضرب لهم آجالًا، ولم يَخْفَ عليه شيءٌ قبل أن يخلُقَهم، وعَلِمَ ما هم عاملون قبل أن يخلُقَهم، وأمرهم بطاعتِه، ونهاهم عن معصيتِه.
وكُلُّ شيءٍ يجري بتقديرِه ومشيئتِه، ومشيئتُه تَنفُذُ، لا مشيئةَ للعِبادِ إلَّا ما شاء لهم، فما شاء كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، يهدي من يشاءُ، ويَعصِمُ ويُعافي فضلًا، ويُضِلُّ من يشاءُ، ويَخذُلُ ويبتلي عَدْلًا. وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئتِه بين فَضْلِه وعَدْلِه. وهو متعالٍ عن الأضدادِ والأندادِ، لا رادَّ لقَضائِه، ولا مُعَقِّبَ لحُكمِه، ولا غالِبَ لأمرِه. آمَنَّا بذلك كُلِّه، وأيقَنَّا أنَّ كلًّا مِن عِندِه)( .
وقال أيضًا: (قد عَلِمَ اللهُ تعالى فيما لم يَزلْ عدَدَ من يدخُلُ الجنَّةَ، وعَدَدَ من يدخُلُ النَّارَ، جملةً واحدةً، لا يُزادُ في ذلك العَدَدِ، ولا يُنقَصُ منه. وكذلك أفعالِهم فيما عَلِم منهم أن يفعَلوه، وكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له، والأعمالُ بالخواتيمِ، والسَّعيدُ من سَعِدَ بقَضاءِ اللهِ، والشَّقيُّ من شَقِيَ بقَضاءِ اللهِ)( .
11- قال الآجُرِّي: (مذهَبُنا في القَدَرِ أن نقولَ: إنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ خلق الجَنَّةَ وخلق النَّارَ، وخلق لكُلِّ واحدةٍ منهما أهلًا، وأقسم بعِزَّتِه أنَّه يملأ جهنَّمَ من الجِنَّةِ والنَّاسِ أجمعين. ثم خلق آدمَ عليه السَّلامُ، واستخرج من ظَهْرِه كُلَّ ذُريةٍ هو خالقُها إلى يومِ القيامةِ. ثمَّ جَعَلهم فريقينِ: فريقًا في الجنَّةِ وفريقًا في السعيرِ. وخلق إبليسَ، وأمره بالسُّجودِ لآدمَ، وقد عَلِم أنَّه لا يسجُدُ؛ للمقدورِ الذي قد جرى عليه من الشِّقوةِ والتي سبقت في العِلمِ من اللهِ عليه، لا معارِضَ للهِ في حُكمِه، يفعَلُ في خلْقِه ما يريدُ عدلًا من ربِّنا قضاؤه وقَدَرُه. وخلق آدمَ وحوَّاءَ عليهما السَّلامُ، للأرضِ خلَقَهما، أسكنهما الجنَّةَ، وأمرَهما أن يأكُلَا منها رَغَدًا ما شاءا، ونهاهما عن شَجَرةٍ واحدةٍ أن يَقْرَباها، وقد جرى مقدورُه أنهما سيعصيانِه بأكْلِهما من الشَّجَرةِ. فهو تبارك وتعالى في الظَّاهِرِ ينهاهما، وفي الباطِنِ مِن عِلْمِه قد قدَّر عليهما أنهما يأكُلانِ منها: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ لم يكُنْ لهما بُدٌّ من أكْلِهما، سببًا للمعصيةِ، وسببًا لخروجِهما من الجنَّةِ؛ إذ كانا للأرضِ خُلِقا، وأنه سيَغفِرُ لهما بعد المعصيةِ، كُلُّ ذلك سابِقٌ في عِلْمِه، لا يجوزُ أن يكون شيءٌ يحدثُ في جميعِ خَلْقِه إلَّا وقد جرى مقدورُه به، وأحاط به علمًا قبل كونِه أنَّه سيكونُ.
خلق الخَلْقَ كما شاء لما شاء، فجعلهم شقيًّا وسعيدًا قبل أن يخرِجَهم إلى الدُّنيا، وهم في بطونِ أمَّهاتِهم، وكتب آجالَهم، وكتب أرزاقَهم، وكتب أعمالَهم، ثم أخرجَهم إلى الدُّنيا، وكُلُّ إنسانٍ يسعى فيما كُتِبَ له وعليه.
ثم بعث رُسُلَه، وأنزل عليهم وَحْيَه، وأمرهم بالبلاغِ لخَلْقِه، فبلَّغوا رسالاتِ رَبِّهم، ونصحوا قومَهم، فمن جرى في مقدورِ اللهِ تعالى أن يؤمِنَ آمَنَ، ومن جرى في مقدورِه أن يَكفُرَ كَفَر؛ قال اللهُ تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن: 2] أحبَّ من أراد من عبادِه، فشَرَح صَدْرَه للإسلامِ والإيمانِ، ومَقَت آخرينَ، فختَمَ على قلوبِهم، وعلى سمعِهم وعلى أبصارِهم، فلن يهتدوا إذًا أبدًا، يُضِلُّ من يشاءُ، ويهدي من يشاءُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ الخَلقُ كُلُّهم له، يفعَلُ في خَلْقِه ما يريدُ غيرَ ظالمٍ لهم، جَلَّ ذِكْرُه عن أن يُنسَبَ رَبُّنا إلى الظُّلمِ، إنما يظلِمُ من يأخُذُ ما ليس له بمِلْكٍ، وأمَّا رَبُّنا تعالى فله ما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ وما بينهما، وما تحت الثَّرى، وله الدُّنيا والآخرةُ، جَلَّ ذِكْرُه، وتقدَّست أسماؤه، أحبَّ الطَّاعةَ من عبادِه، وأمر بها، فجَرَت ممن أطاعه بتوفيقِه لهم، ونهى عن المعاصي، وأراد كونَها من غير محبَّةٍ منه لها، ولا أمر بها، تعالى عزَّ وجَلَّ عن أن يأمُرَ بالفَحشاءِ أو يحِبَّها، وجلَّ اللهُ تعالى ربُّنا من أن يَجرِيَ في مُلكِه ما لم يُرِدْ أن يجرِيَ، أو شيءٌ لم يُحِطْ به عِلْمُه قبل كونِه، قد عَلِمَ ما الخَلقُ عاملون قبل أن يخلُقَهم، وبعد أن خلقهم قبل أن يعمَلوا، قضاءٌ وقَدَرٌ. قد جرى القَلَمُ بأمرِه تعالى في اللَّوحِ المحفوظِ بما يكونُ من بِرٍّ أو فجورٍ، يُثني على من عمل بطاعتِه من عبيدِه، ويضيفُ العَمَلَ إلى العبادِ، ويَعِدُهم عليه الجزاءَ العظيمَ، لولا توفيقُه لهم ما عملوا ما استوجبوا به منه الجزاءَ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: 21] ، وكذا ذَمَّ قومًا عَمِلوا بمعصيتِه، وتوعَّدهم على العَمَلِ بها النَّارَ، وأضاف العمَلَ إليهم بما عَمِلوا، وذلك بمقدورٍ جرى عليهم، يُضِلُّ من يشاءُ، ويهدي من يشاءُ)( .
12- قال ابنُ أبي زيدٍ القيروانيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه حُلْوِه ومُرِّه، وكُلُّ ذلك قد قدَّره اللهُ ربُّنا، ومقاديرُ الأُمورِ بيَدِه، ومَصدَرُها عن قضائِه، عَلِمَ كُلَّ شَيءٍ قبل كونِه، فجرى على قَدَرِه، لا يكونُ من عبادِه قَولٌ ولا عَمَلٌ إلَّا وقد قضاه وسبق عِلْمُه به أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14] ، يُضِلُّ من يشاءُ فيَخذُلُه بعَدْلِه، ويهدي من يشاءُ فيُوَفِّقُه بفَضلِه، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ بتيسيرِه إلى ما سبق من عِلمِه وقَدَرِه، من شَقِيٍّ أو سعيدٍ)( .
13- قال ابنُ بطة: (أمَّا القَدَرُ فعلى وجهينِ: أحدُهما: فَرضٌ علينا عِلْمُه ومعرفتُه، والإيمانُ به والتصديقُ بجميعِه. والآخَرُ: فحرامٌ علينا التفكُّرُ فيه والمسألةُ عنه، والمناظرةُ عليه، والكلامُ لأهلِه، والخصومةُ به.
فأما الواجِبُ علينا عِلمُه والتصديقُ به والإقرارُ بجميعِه: أن نعلَمَ أنَّ الخيرَ والشَّرَّ من اللهِ، وأنَّ الطاعةَ والمعصيةَ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وأنَّ ما أصابنا لم يكُنْ لِيُخطِئَنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبَنا، وأنَّ اللهَ خلق الجنَّةَ وخلق لها أهلًا، عَلِمَهم بأسمائهم وأسماءِ آبائهم، ووفَّقهم لأعمالٍ صالحةٍ رضيَها أمَرَهُم بها، فوفَّقهم لها، وأعانهم عليها، وشكَرَهم بها، وأثابهم الجنَّةَ عليها تفضلًا منه ورحمةً، وخلق النَّارَ وخلق لها أهلًا، أحصاهم عددًا، وعلم ما يكونُ منهم، وقدَّر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذَّبهم لأجْلِها غيرَ ظالمٍ لهم، ولا هم معذورون فيما حكَمَ عليهم به، فكُلُّ هذا وأشباهُه من عِلمِ القَدَرِ الذي لزم الخَلْقَ عِلمُه والإيمانُ به والتسليمُ لأمرِ اللهِ وحُكمِه وقضائِه وقَدَرِه، فلا يُسأَلُ عمَّا يفعَلُ وهم يُسأَلون. وسيأتي من عِلمِ القَدَرِ وما يجِبُ على المسلمين عِلمُه والمعرفةُ به وما لا يسَعُهم جَهْلُه مشروحًا مفصَّلًا في أبوابِه على ما جاء به نصُّ التنزيلِ ومضت به سُنَّةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وباللهِ نستعينُ، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيلُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ)( .
14- قال أبو عُثمانَ الصابونيُّ: (من قَولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في أكسابِ العِبادِ أنها مخلوقةٌ للهِ تعالى لا يمترون فيه، ولا يَعُدُّون مِن أهلِ الهدى ودينِ الحَقِّ من يُنكِرُ هذا القَولَ وينفيه، ويَشهَدون أنَّ اللهَ تعالى يهدي من يشاءُ لدينِه، ويُضِلُّ من يشاءُ عنه، لا حُجَّةَ لِمن أضلَّه اللهُ عليه، ولا عُذْرَ له لديه... ويشهَدُ أهلُ السُّنَّةِ ويعتقدون أنَّ الخيَر والشَّرَّ والنَّفعَ والضُّرَّ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه لا مَرَدَّ لها، ولا محيصَ ولا محيدَ عنها، ولا يصيبُ المرءَ إلَّا ما كتبه له ربُّه... ومن مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ وطريقتِهم -مع قَولهم بأنَّ الخيرَ والشَّرَّ من اللهِ وبقضائِه- أنَّه لا يضافُ إلى اللهِ ما يُتوهَّمُ منه نقصٌ على الانفرادِ، فيقال: يا خالِقَ القِرَدةِ والخنازيرِ والخنافِسِ والجُعْلانِ، وإن كان لا مخلوقَ إلَّا والرَّبُّ خالِقُه... ومن مَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ مريدٌ لجميعِ أعمالِ العبادِ خَيرِها وشَرِّها... فكُفرُ الكافرين وإيمانُ المؤمنين بقضائِه سُبحانَه وتعالى وقَدَرِه، وإرادتِه ومشيئتِه، أراد كُلَّ ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمانَ والطاعةَ، ويَسخَطُ الكُفرَ والمعصيةَ)( .
15- قال النوويُّ في شَرحِه لأحاديثِ القَدَرِ مِن صحيحِ مُسلمٍ: (في هذه الأحاديثِ كُلِّها دلالاتٌ ظاهِرةٌ لمَذهَبِ أهلِ السُّنَّةِ في إثباتِ القَدَرِ، وأنَّ جميعَ الواقعاتِ بقضاءِ اللهِ تعالى وقَدَرِه خيرِها وشَرِّها نَفْعِها وضَرِّها)( .
وقال أيضًا: (تظاهرت الأدِلَّةُ القَطعيَّاتُ من الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإجماعِ الصَّحابةِ، وأهلِ الحَلِّ والعَقدِ من السَّلَفِ والخَلَفِ؛ على إثباتِ قَدَرِ اللهِ سُبحانَه وتعالى)( .
16- قال ابنُ تيميَّةَ: (مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في هذا البابِ وفي غيرِه ما دلَّ عليه الكِتابُ والسُّنَّةُ، وكان عليه السَّابقون الأوَّلون من المهاجِرين والأنصارِ، والذين اتَّبَعوهم بإحسانٍ: وهو أنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ ورَبُّه ومليكُه، وقد دخل في ذلك جميعُ الأعيانِ القائمةِ بأنفُسِها وصفاتُها القائمةُ بها من أفعالِ العِبادِ وغيرِ أفعالِ العِبادِ. وأنَّه سُبحانَه ما شاء كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا يكونُ في الوُجودِ شَيءٌ إلَّا بمشيئتِه وقُدرتِه، لا يمتنِعُ عليه شيءٌ شاءَه، بل هو قادِرٌ على كُلِّ شيءٍ، ولا يشاءُ شيئًا إلَّا وهو قادرٌ عليه. وأنه سُبحانَه يعلمُ ما كان وما يكونُ، وما لم يكنْ لو كان كيف يكونُ، وقد دخل في ذلك أفعالُ العِبادِ وغَيرُها، وقد قدَّر اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يخلُقَهم: قدَّر آجالَهم وأرزاقَهم وأعمالَهم وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادةٍ وشقاوةٍ. فهم يؤمِنون بخَلْقِه لكُلِّ شَيءٍ، وقُدرتِه على كُلِّ شيءٍ، ومشيئتِه لكُلِّ ما كان، وعِلْمِه بالأشياءِ قبل أن تكونَ، وتقديرِه لها، وكتابتِه إيَّاها قبل أن تكونَ)( .
وقال أيضًا: (مَنْ لم يَقُلْ بقَولِ السَّلَفِ فإنَّه لا يُثبِتُ للهِ قدرةً، ولا يثبتُه قادرًا، فالجهميَّةُ ومن اتَّبَعهم، والمُعتَزِلةُ، والقَدَريةُ المُجْبِرةُ والنَّافية؛ حقيقةُ قَولِهم أنَّه ليس قادرًا، وليس له المُلْكُ، فإنَّ المُلكَ إمَّا أن يكونَ هو القُدْرةَ، أو المقدورَ، أو كليهما، وعلى كُلِّ تقديرٍ فلا بدَّ من القُدْرةِ، فمن لم يُثبِتْ له القُدْرةَ حقيقةً لم يُثبِتْ له مُلكًا)( .
وقال أيضًا: (اتَّفق المُسلِمون وسائِرُ أهلِ المِلَلِ على أنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ كما نطق بذلك القرآنُ في مواضِعَ كثيرةٍ جِدًّا)( .
17- قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ أهَمَّ ما يجِبُ معرفتُه على المكَلَّفِ النبيلِ فَضلًا عن الفاضلِ الجليلِ: ما ورد في القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليلِ؛ فهو من أسنى المقاصِدِ، والإيمانُ به قُطبُ رحى التوحيدِ ونظامُه، ومبدأُ الدِّينِ المُبِينِ وختامُه، فهو أحدُ أركانِ رالإيمان، وقاعدةُ أساسِ الإحسانِ، التي يرجِعُ إليها، ويدورُ في جميعِ تصاريفِه عليها)( .
وقال أيضًا: (قال الإمامُ أحمدُ: القَدَرُ قدرةُ اللهِ. واستحسن ابنُ عَقيلٍ هذا الكلامَ جِدًّا، وقال: هذا يدُلُّ على دِقَّةِ أحمدَ وتبحُّرِه في معرفةِ أُصولِ الدِّينِ، وهو كما قال أبو الوفاءِ، فإنَّ إنكارَه إنكارٌ لقُدرةِ الرَّبِّ على خَلقِ أفعالِ العِبادِ وكتابتِها وتقديرِها)( .
18- قال ابنُ حَجَرٍ: (مَذهَبُ السَّلَفِ قاطِبةً أنَّ الأمورَ كُلَّها بتقديرِ اللهِ تعالى، كما قال تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ [الحجر: 21 ])( .
19- قال السعدي: (من أُصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ: الإيمانُ بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، وهو داخِلٌ في الإيمانِ به وبكُتُبِه وبرُسُلِه، فيعلمون أنَّ اللهَ قد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وأنَّه كتب في اللَّوحِ المحفوظِ جميعَ الحوادثِ صغيرَها وكبيرَها، سابِقَها ولاحِقَها، ثم قدَّرها وأجراها بمواقيتِها بحِكْمَتِه وقُدرَتِه وعنايتِه وتمامِ عِلْمِه، وأنَّه كما أنَّ جميعَ الحوادِثِ مُرتَبِطةٌ بحِكمتِه وعِلْمِه فإنَّها مرتَبِطةٌ بقدرتِه، وأنَّه ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّ أعمالَ العبادِ كُلَّها خَيْرَها وشَرَّها داخِلةٌ في قضائِه وقُدرتِه، مع وقوعِها طِبْقَ إرادتِهم وقدرتِهم، ولم يجبِرْهم عليها، فإنَّه خلق لهم جميعَ القوى الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، ومنها القُدْرةُ والإرادةُ التي بها يختارون وبها يفعلون)( .
20- قال ابنُ عثيمين: (الإيمانُ بالقَدَرِ واجِبٌ، ومرتبتُه في الدِّينِ أنَّه أحَدُ أركانِ الإيمانِ السِّتَّةِ)( .
وقال أيضًا: (الإيمانُ بالقَدَرِ هو من رُبوبيَّةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ ولهذا قال الإمامُ أحمدُ رحمه اللهُ تعالى: «القَدَرُ قُدرةُ الله». لأنَّه من قدرتِه ومن عمومِها بلا شَكٍّ، وهو أيضًا سِرُّ اللهِ تعالى المكتومُ الذي لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ سُبحانَه وتعالى، مكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ، في الكِتابِ المكنونِ الذي لا يطَّلِعُ عليه أحدٌ، ونحن لا نعلَمُ بما قدَّره اللهُ لنا أو علينا، أو بما قدَّره اللهُ تعالى في مخلوقاته إلَّا بعد وقوعِه أو الخبرِ الصَّادِقِ عنه)( .
والإيمانُ بالقَدَرِ يتضمَّنُ الإيمانَ بعِلمِ اللهِ وقُدرتِه ومَشيئتِه وخَلْقِه.
فللهِ تعالى القُدْرةُ المُطلَقةُ، وقدرتُه لا يُعجِزُها شيءٌ، ومن أسمائِه تبارك وتعالى القادِرُ والقديرُ والمقتَدِرُ، والقُدْرةُ صِفةٌ من صفاتِه.
فالقادِرُ: اسمُ فاعلٍ مِن قَدَر يَقدِرُ. والقديرُ فعيلٌ منه، وهو للمبالغةِ، ومعنى (القدير) الفاعِلُ لِما يشاءُ، على قَدْرِ ما تقتضيه الحِكمةُ لا زائدًا عليه، ولا ناقِصًا عنه؛ ولذلك لا يصِحُّ أن يُوصَفَ به إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ.
قال اللهُ تعالى: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33]. و(المقتَدِر) مفتَعِل مِن اقتَدَر، وهو أبلغُ من (قدير)، ومنه قَولُه تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ [القمر: 55]( .


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
مراتِبُ الإيمانِ بالقَدَرِ

من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بعِلمِ اللهِ الشَّامِلِ المحيطِ

كثُر في كتابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تقريرُ هذا الأصلِ العظيمِ، فعِلمُ اللهِ محيطٌ بكُلِّ شيءٍ، يعلَمُ ما كان وما سيكونُ، وما لم يكُنْ لو كان كيف يكونُ، فهو يعلَمُ الموجودَ والمعدومَ، والممكِنَ والمستحيلَ.
وهو عالمٌ بالعبادِ وآجالِهم وأرزاقِهم وأحوالِهم وحَرَكاتِهم وسَكَناتِهم وشَقاوَتِهم وسَعادتِهم، ومَن منهم من أهلِ الجنَّةِ، ومن منهم من أهلِ النَّارِ من قَبْلِ أن يخلُقَهم ويخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ.
وكُلُّ ذلك مقتضى اتصافِه تبارك وتعالى بالعِلْمِ.
قال اللهُ تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الحشر:22] .
وقال اللهُ سُبحانَه: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ: 3] .
وقال اللهُ تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا [طه: 98] .
وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ مقررًا عِلمَه بما لم يكُنْ لو كان كيف سيكونُ: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: 28] . فاللهُ يعلَمُ أنَّ هؤلاء المكَذِّبين الذين يتمَنَّون يومَ القيامةِ الرُّجوعَ إلى الدُّنيا أنَّهم لو عادوا إليها لرَجَعوا إلى تكذيبِهم وضَلالِهم.


قال الشقنيطي: (هذه الآيةُ الكريمةُ تدُلُّ على أنَّ اللهَ جلَّ وعلا الذي أحاط عِلمُه بكُلِّ موجودٍ ومعدومٍ، يعلَمُ المعدومَ الذي سبق في الأزَلِ أنَّه لا يكونُ لو وُجد كيف يكونُ؛ لأنَّه يعلَمُ أنَّ ردَّ الكُفَّارِ يومَ القيامةِ إلى الدُّنيا مرَّةً أُخْرى لا يكونُ، ويعلَمُ هذا الرَّدَّ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به بقَولِه: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ 6/28، وهذا المعنى جاء مصرَّحًا به في آياتٍ أُخَرَ.



فمن ذلك أنَّه تعالى سبق في عِلمِه أنَّ المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تَبُوكَ لا يخرجون إليها معه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واللهُ ثَبَّطهم عنها لحِكْمةٍ، كما صرَّح به في قَولِه: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ الآية، وهو يعلَمُ هذا الخروجَ الذي لا يكونُ لو وقع كيف يكونُ، كما صرَّح به تعالى في قَوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا الآية، ومن الآياتِ الدَّالَّةِ على المعنى المذكورِ قَولُه تعالى: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)( .



ومن عِلْمِه تبارك وتعالى بما هو كائِنٌ عِلمُه بما كان الأطفالُ الذين تُوفُّوا صغارًا عاملين به لو أنَّهم كَبِروا قبلَ مماتِهم.
عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما قال: ((سُئِلَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن أولادِ المُشرِكين، فقال: اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين ))( .
قال ابنُ تيميَّةَ في شَرحِ قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((اللهُ أعلَمُ بما كانوا عاملين)): (أي: اللهُ يَعلَمُ من يؤمِنُ منهم ومن يكفُرُ لو بَلَغوا... فهنالك يظهَرُ فيهم ما عَلِمه اللهُ سُبحانَه، ويجزيهم على ما ظهر من العِلْمِ، وهو إيمانُهم وكفرُهم، لا على مجرَّدِ العِلْمِ)( .
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالت: ((دُعِيَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى جنازةِ صَبيٍّ من الأنصارِ، فقُلتُ: يا رسولَ اللهِ، طوبى لهذا! عُصفورٌ من عصافيرِ الجنَّةِ، لم يعمَلِ السُّوءَ ولم يدركْه. قال: أوْغيرَ ذلك يا عائشةُ! إنَّ اللهَ خلق للجنَّةِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم، وخلق للنَّارِ أهلًا خلقهم لها وهم في أصلابِ آبائِهم ))( .
قال حرب الكرماني: (عِلمُ اللهِ عزَّ وجَلَّ ماضٍ في خَلقِه بمشيئةٍ منه، قد عَلِمَ من إبليسَ ومِن غيره ممَّن عصاه -من لَدُنْ أن عُصيَ ربُّنا تبارك وتعالى إلى أن تقومَ السَّاعة- المعصيةَ وخلقهم لها، وعلم الطَّاعةَ من أهلِ طاعتِه وخلقهم لها، فكُلٌّ يعمَلُ لِما خُلِق له، وصائِرٌ إلى ما قُضِيَ عليه وعُلِمَ منه، ولا يعدو أحدٌ منهم قَدَرَ اللهِ ومشيئتَه، واللهُ الفَعَّالُ لما يريدُ... ومن زعم أن أحدًا من الخَلقِ صائرٌ إلى غيرِ ما خُلِق له فقد نفى قدرةَ اللهِ على خَلقِه، وهذا إفكٌ على اللهِ وكَذِبٌ عليه)( .




ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ المُتعَلِّقةِ بمَرتبةِ العِلْمِ:
1- قال حنبلٌ: (سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يعني أحمدَ بنَ حَنبلٍ يقولُ: عَلِمَ اللهُ عزَّ وجَلَّ أن آدَمَ سيأكُلُ من الشَّجرةِ التي نهاه عنها قبل أن يخلُقَه)( .
2- قال المُزَني: (الخَلقُ عاملون بسابِقِ عِلمِه ونافِذون لِما خلقَهم له من خيرٍ وشرٍّ... هذه مقالاتٌ وأفعالٌ اجتمع عليها الماضون الأوَّلون من أئمَّةِ الهدى، وبتوفيقِ اللهِ اعتصم بها التابعون قُدوةً ورِضًا)( .
3- قال عبدُ الوَهَّابِ بنُ نَصرٍ البغداديُّ المالكيُّ: (قد ورد القرآنُ بأنَّ اللهَ تعالى يَعلَمُ الأشياءَ قبل كونِها، وأنَّه يَعلَمُ ما لا يكونُ لو صَحَّ كونُه كيف يكونُ، وأنَّ عِلمَه سابقٌ في خَلقِه، ودلَّت العقولُ على ذلك، فأمَّا القرآنُ فقَولُه تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام: 73] ، وقَولُه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة: 33] ، وقَولُه تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [لقمان: 34] )( .
4- قال الأصبهانيُّ: (قال أهلُ السُّنَّةِ... عِلمُه بكُلِّ مكانٍ قد أحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا)( .
5- قال ابنُ الجوزي: (المعلوماتُ كُلُّها قد أحاط بها عِلمُ اللهِ القديمُ قبل وجودِ المخلوقاتِ كُلِّها)( .
6- قال ابنُ تيميَّةَ: (اتَّفَق سلفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها، على أنَّ اللهَ عالمٌ بما سيكونُ قبل أن يكونَ. وقد نَصَّ الأئمَّةُ على أنَّ من أنكر العِلْمَ القديمَ فهو كافِرٌ)( .
7- قال ابنُ أبي العزِّ: (الدليلُ العَقليُّ على عِلْمِه تعالى: أنَّه يستحيلُ إيجادُه الأشياءَ مع الجهلِ، ولأنَّ إيجادَه الأشياءَ بإرادتِه، والإرادةُ تستلزِمُ تصَوُّرَ المرادِ، وتصَوُّرُ المرادِ هو العِلْمُ بالمرادِ؛ فكان الإيجادُ مُستلزِمًا للإرادةِ، والإرادةُ مُستلزِمةً للعِلمِ، فالإيجادُ مُستلزِمٌ للعِلمِ.
ولأنَّ المخلوقاتِ فيها من الإحكامِ والإتقانِ ما يستلزِمُ عِلمَ الفاعِلِ لها؛ لأنَّ الفِعلَ المحكَمَ المُتقَنَ يمتَنِعُ صُدورُه عن غيرِ عِلمٍ.




ولأنَّ مِن المخلوقاتِ ما هو عالمٌ، والعِلْمُ صِفةُ كَمالٍ، ويمتنِعُ ألَّا يكونَ الخالِقُ عالِمًا. وهذا له طريقانِ:
أحدُهما: أن يقالَ: نحن نعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّ الخالِقَ أكمَلُ من المخلوقِ، وأنَّ الواجِبَ أكمَلُ من الممكِنِ، ونعلَمُ ضَرورةً أنَّا لو فرَضْنا شيئينِ أحدُهما عالمٌ والآخَرُ غيرُ عالمٍ، كان العالمُ أكمَلَ، فلو لم يكُنِ الخالِقُ عالِمًا لزم أن يكونَ الممكِنُ أكمَلَ منه، وهو ممتَنِعٌ.
الثاني: أن يقالَ: كُلُّ عِلمٍ في الممكِناتِ التي هي المخلوقاتُ فهو منه، ومن الممتنِعِ أن يكونَ فاعِلُ الكمالِ ومُبدِعُه عاريًا منه، بل هو أحقُّ به. واللهُ تعالى له المثَلُ الأعلى، ولا يستوي هو والمخلوقاتُ، لا في قياسٍ تمثيليٍّ، ولا في قياسٍ شُموليٍّ، بل كُلُّ ما ثبت للمخلوقِ من كمالٍ فالخالِقُ به أحَقُّ، وكُلُّ نَقصٍ تنَزَّه عنه مخلوقٌ ما فتنزيهُ الخالِقِ عنه أَولى)( .
8- قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَنٍ آل الشَّيخِ في تعليقِه على حديثِ ((أوَّلُ ما خلق اللهُ القَلَمُ... ))( : (في هذا الحديثِ ونحوِه: بيانُ شُمولِ عِلمِ اللهِ تعالى وإحاطتِه بما كان ويكونُ في الدُّنيا والآخِرةِ، كما قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق: 12] )( .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك


 

من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بأنَّ اللهَ كتب في اللَّوحِ المحفوظ




الفرعُ الأوَّلُ: أدِلَّةٌ مَرتبةِ الكِتابةِ

دلَّت كثيرٌ من نصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ اللهَ كتب كُلَّ شَيءٍ في اللَّوحِ المَحفوظِ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القُرآنِ الكريمِ:
1- قال اللهُ تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج: 70] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: ألم تعلَمْ -يا محمَّدُ- أنَّ اللهَ يَعلَمُ كُلَّ ما في السَّمَواتِ السَّبعِ والأرَضينَ السَّبعِ، لا يخفى عليه من ذلك شيءٌ، وهو حاكِمٌ بين خَلْقِه يومَ القيامةِ، على عِلمٍ منه بجميعِ ما عَمِلوه في الدُّنيا، فمُجازي المحسِنِ منهم بإحسانِه، والمسيءِ بإساءتِه. إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ يقولُ تعالى ذِكْرُه: إنَّ عِلْمَه بذلك في كتابٍ، وهو أمُّ الكتابِ الذي كتب فيه رَبُّنا جَلَّ ثناؤه قبل أن يخلُقَ خَلْقَه ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ)( .
وقال ابنُ كثيرٍ: (يخبِرُ تعالى عن كَمالِ عِلْمِه بخَلقِه، وأنَّه محيطٌ بما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ، فلا يَعزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، ولا أصغَرُ من ذلك ولا أكبَرُ، وأنَّه تعالى عَلِم الكائناتِ كُلَّها قبل وجودِها، وكتب ذلك في كتابِه اللَّوحِ المَحفوظِ، كما ثبت في صحيحِ مسلمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنَةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ ))( .
وفي السُّنَنِ من حديثِ جماعةٍ من الصَّحابةِ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أوَّلُ ما خلقَ اللهُ القَلَمُ، قال له: اكتُبْ، قال: وما أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ ما هو كائِنٌ. فجرى القَلَمُ بما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ ))( .
... وهذا من تمامِ عِلْمِه تعالى أنَّه عَلِمَ الأشياءَ قبل كَونِها، وقدَّرها وكتبها أيضًا، فما العبادُ عامِلون قد عَلِمه تعالى قبل ذلك، على الوَجهِ الذي يفعلونه، فيَعلَمُ قبل الخَلْقِ أنَّ هذا يطيعُ باختياره، وهذا يعصي باختيارِه، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، وهو سهلٌ عليه، يسيرٌ لديه؛ ولهذا قال تعالى: إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)( .
2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [النمل: 75] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وَمَا مِنْ مَكتومِ سِرٍّ وخَفِيِّ أمرٍ يَغيبُ عن أبصارِ النَّاظرين فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ وهو أمُّ الكتابِ الذي أثبت رَبُّنا فيه كُلَّ ما هو كائِنٌ من لَدُنِ ابتدأ خَلْقَ خَلْقِه إلى يومِ القيامةِ)( .
3- قال اللهُ تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس: 61] .
قال السَّعديُّ: (أي: قد أحاط به عِلمُه، وجرى به قَلَمُه.
وهاتان المرتبتانِ من مراتِبِ القَضاءِ والقَدَرِ، كثيرًا ما يقرِنُ اللهُ بينهما، وهما: العِلْمُ المحيطُ بجميعِ الأشياءِ، وكتابتُه المحيطةُ بجميعِ الحوادِثِ، كقَولِه تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)( .
4- قال اللهُ سُبحانَه في قِصَّةِ أَسرى بَدرٍ: لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [الأنفال: 68] .
أي: لولا قضاءٌ من اللهِ سبَقَ لكم -يا أهلَ بَدرٍ- في اللَّوحِ المَحفوظِ بأنَّ اللهَ مُحِلٌّ لكم الغَنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ مِن الكُفَّارِ، وبأنَّه لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه، وأنَّه لا يعذِّبُ أحدًا شَهِدَ بدرًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لَنالَكم بسبَبِ أخْذِكم الفِداءَ مِن كفَّارِ قُريشٍ عذابٌ عَظيمٌ( .
5- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] .
قال الشنقيطيُّ: (ذكَرَ جَلَّ وعلا في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ كُلَّ ما أصاب من المصائِبِ في الأرضِ؛ كالقَحطِ والجَدْبِ، والجوائِحِ في الزِّراعةِ والثِّمارِ، وفي الأنفُسِ من الأمراضِ والموتِ؛ كُلُّه مكتوبٌ في كتابٍ قبل خَلقِ النَّاسِ، وقبل وُجودِ المصائِبِ)( .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ النبَوِيَّةِ:
1- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ))( .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (أي: أثبَتَها في اللَّوحِ المَحفوظِ، كما قُلْناه آنِفًا، أو فيما شاء، فهو توقيتٌ للكَتْبِ لا للمقاديرِ؛ لأنها راجعةٌ إلى عِلمِ اللهِ تعالى وإرادتِه، وذلك قديمٌ لا أوَّلَ له... ويحتَمِلُ أن يكونَ ذِكرُ الخمسين ألفًا جاء مجيءَ الإغياءِ في التكثيرِ، ولم يُرَدْ عَينُ ذلك العددِ، فكأنَّه قال: كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل خَلقِ هذا العالمِ بآمادٍ كثيرةٍ، وأزمانٍ عديدةٍ، وهذا نحوٌ ممَّا قُلْناه في قَولِه تعالى: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والأوَّلُ أظهَرُ وأَولى)( .
وقال النوويُّ: (قال العُلَماءُ: المرادُ تحديدُ وَقتِ الكتابةِ في اللَّوحِ المَحفوظِ أو غيرِه، لا أصلُ التقديرِ؛ فإنَّ ذلك أَزَليٌّ لا أوَّلَ له)( .
2- عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كُنَّا في جِنَازَةٍ في بَقِيعِ الغَرْقَدِ فأتَانَا رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فَقَعَدَ وقَعَدْنَا حَوْلَهُ، ومعهُ مِخْصَرَةٌ( فَنَكَّسَ( فَجَعَلَ يَنْكُتُ( بمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ما مِنكُم مِن أحَدٍ وما مِن نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وإلَّا قدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أوْ سَعِيدَةً. قالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفلا نَتَّكِلُ علَى كِتَابِنَا، ونَدَعُ العَمَلَ؟ فمَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، ومَن كانَ مِنَّا مِن أهْلِ الشَّقَاءِ، فَسَيَصِيرُ إلى عَمَلِ أهْلِ الشَّقَاوَةِ، قالَ: أمَّا أهْلُ السَّعَادَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ السَّعَادَةِ، وأَمَّا أهْلُ الشَّقَاوَةِ فيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الشَّقَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ : فَأَمَّا مَن أعْطَى واتَّقَى وصَدَّقَ بالحُسْنَى الآيَةَ))( .
قال ابنُ حَجَرٍ: (هذا الحديثُ أصلٌ لأهلِ السُّنَّةِ في أنَّ السَّعادةَ والشَّقاءَ بتقديرِ اللهِ القديمِ، وفيه ردٌّ على الجَبريَّةِ؛ لأنَّ التيسيرَ ضِدُّ الجَبرِ؛ لأنَّ الجَبْرَ لا يكونُ إلَّا عن كُرهٍ، ولا يأتي الإنسانُ الشَّيءَ بطريقِ التيسيرِ إلَّا وهو غيرُ كارهٍ له... وفي أحاديثِ هذا البابِ أنَّ أفعالَ العبادِ وإن صدَرَت عنهم لكِنَّها قد سبق عِلمُ اللهِ بوُقوعِها بتقديرِه، ففيها بطلانُ قَولِ القَدَريَّةِ صَريحًا. واللهُ أعلَمُ)( .
3- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جَاءَ سُرَاقَةُ بنُ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ قالَ: يا رَسُولَ اللهِ، بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأنَّا خُلِقْنَا الآنَ، فِيما العَمَلُ اليَومَ؟ أَفِيما جَفَّتْ به الأقْلَامُ، وَجَرَتْ به المَقَادِيرُ، أَمْ فِيما نَسْتَقْبِلُ؟ قالَ: لَا، بَلْ فِيما جَفَّتْ به الأقْلَامُ وَجَرَتْ به المَقَادِيرُ. قالَ: فَفِيمَ العَمَلُ؟ قالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بشيءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: ما قالَ؟ فَقالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ))( .
قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (مقتضى هذا السُّؤالِ أنَّ ما يصدُرُ عنَّا من الأعمالِ، وما يترتَّبُ عليها من الثَّوابِ والعِقابِ، هل سبق عِلمُ اللهِ تعالى بوقوعِه، فنَفَذَت به مشيئتُه، أوْ ليس كذلك، وإنما أفعالُنا صادرةٌ عنا بقُدرتِنا ومشيئتِنا، والثوابُ والعِقابُ مُرَتَّبٌ عليها بحسَبِها؟ وهذا القِسمُ الثَّاني هو مَذهَبُ القَدَريَّةُ، وقد أبطل النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا القِسمَ بقَولِه: لا، بل فيما جفَّت به الأقلامُ، وجرت به المقاديرُ. أي: ليس الأمرُ مُستأنَفًا، بل قد سبق به عِلمُ اللهِ، ونفَذَت به مشيئتُه، وجَفَّت به أقلامُ الكَتَبةِ في اللَّوحِ المَحفوظِ)( .
وقال النوويُّ: ( ((جَفَّت به الأقلامُ)) أي: مضت به المقاديرُ وسبق عِلمُ اللهِ تعالى به وتمَّت كتابتُه في اللَّوحِ المَحفوظِ وجَفَّ القَلَمُ الذي كتب به وامتنَعَت فيه الزيادةُ والنقصانُ. قال العُلَماءُ: وكتابُ اللهِ تعالى ولَوحُه وقَلَمُه والصُّحفُ المذكورةُ في الأحاديثِ كُلُّ ذلك مما يجِبُ الإيمانُ به، وأما كيفيَّةُ ذلك وصِفَتُه فعِلْمُها إلى اللهِ تعالى، ولا يحيطون بشيءٍ من عِلمِه إلَّا بما شاء. واللهُ أعلَمُ)( .
4- عن عُبادةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال لابنِه: يا بُنَيَّ، إنَّك لن تَجِدَ طَعمَ حقيقةِ الإيمانِ حتى تعلَمَ أنَّ ما أصابَك لم يكُنْ لِيُخْطِئَك، وما أخطَأَك لم يكُنْ لِيُصيبَك، سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ أوَّلَ ما خلَقَ اللهُ تعالى القَلَمُ، فقال له: اكتُبْ، فقال: ربِّ، وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كُلِّ شَيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ))، يا بُنَيَّ، إنِّي سَمِعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((مَن ماتَ على غيرِ هذا فليس مِنِّي ))( .
قال ابنُ رسلان: (يعني: كتب كُلَّ ما يكونُ إلى يومِ القيامةِ، أي: جرى على اللَّوحِ المَحفوظِ بذلك)( .
وقال ابنُ عثيمين: (كتب في اللَّوحِ المَحفوظِ مقاديرَ كُلِّ شَيءٍ حتى تقومَ السَّاعةُ، فما من شيءٍ كان أو يكونُ إلَّا وهو مكتوبٌ مُقَدَّرٌ قبل أن يكونَ)( .
ومن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في هذه المَرتبةِ:
1- قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ اللهَ تعالى أمر القَلَمَ بأن يَكتُبَ، فقال القلَمُ: ماذا أكتبُ يا رَبِّ؟ فقال اللهُ تعالى: اكتُبْ ما هو كائِنٌ إلى يومِ القيامةِ؛ لقَولِه تعالى: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52-53])( .
2- سأل رجلٌ مالكًا فقال: الفواحِشُ، كتبها اللهُ علينا؟ قال: نعم، قبل أن يخلُقَنا. ولا بدَّ لكُلِّ من كَتَب اللهُ عليه ذلك أن يعمَلَها، ويصيرَ إلى ما قدَّر عليه وكَتَب( .
3- قال حَنبَلُ بنُ إسحاقَ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبَلٍ عن الإيمانِ بالقَدَرِ؟ قال: نؤمِنُ به، ونعلَمُ أنَّ ما أصابنا لم يكُنْ يخطِئُنا، وما أخطأنا لم يكُنْ ليصيبَنا، وأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قدَّر كُلَّ شَيءٍ من الخيرِ والشَّرِّ، فهو سابِقٌ في اللَّوحِ المَحفوظِ، الشَّقاءُ والسعادةُ مكتوبان على ابنِ آدمَ قبل أن يُخلَقَ، ونحن في أصلابِ الآباءِ)( .
4- قال أبو الحسَنِ الأشعريُّ: (أجمعوا على أنَّه تعالى قد قدَّر جميعَ أفعالِ الخَلْقِ وآجالِهم وأرزاقِهم قبل خَلقِه لهم، وأثبت في اللَّوحِ المَحفوظِ جميعَ ما هو كائِنٌ منهم إلى يومِ يُبعثون، وقد دَلَّ على ذلك بقَولِه: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ [القمر: 52-53])( .
5- قال ابنُ تيميَّةَ: (اللهُ تعالى يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لا يكونُ أنْ لو كان كيف كان يكونُ، وهو سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ وكتب أعمالَ العبادِ قبل أن يعمَلوها، كما ثبت ذلك في صريحِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وآثارِ السَّلَفِ، ثمَّ إنه يأمُرُ الملائكةَ بكتابتِها بعد ما يعملونها؛ فيقابِلُ به الكتابةَ المتقَدِّمةَ على الوجودِ، والكتابةَ المتأخِّرةَ عنه، فلا يكونُ بينهما تفاوُتٌ. هكذا قال ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه من السَّلَفِ، وهو حَقٌّ)( .
6- قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [الأعراف: 179] : (أي: هيَّأناهم لها، وبعَمَلِ أهلِها يعمَلون، فإنَّه تعالى لما أراد أن يخلُقَ الخلائِقَ، عَلِمَ ما هم عاملون قبل كَونِهم، فكتب ذلك عنده في كتابٍ قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، كما ورد في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ))( )( .
7- قال ابنُ باز: (كتابةُ الأشياءِ التي أوجدها سُبحانَه أو سيوجِدُها أمرٌ معلومٌ جاءت به النُّصوصُ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فعلينا أن نؤمِنَ بذلك ونعتَقِدَ أنَّ اللهَ كتب الأشياءَ كُلَّها وعَلِمَها وأحصاها، لا تخفى عليه خافيةٌ)( .





الفرعُ الثَّاني: أنواعُ التقاديرِ المتعَلِّقةِ بمَرتَبةِ الكتابةِ

تمهيدٌ:
قال ابنُ القَيِّمِ في مقدِّمةِ كتابِه ((شِفاء العليل)): (سمَّيتُه: «شِفاءَ العليل في مسائِلِ القَضاءِ والقَدَرِ والحِكمةِ والتعليل». وجعلتُه أبوابًا:
«البابُ الأوَّلُ: في تقديرِ المقاديرِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ».
«البابُ الثاني: في تقديرِ الرَّبِّ تعالى شقاوةَ الِعبادِ وسعادتَهم وأرزاقَهم وآجالَهم قبل خَلقِهم وهو تقديرٌ ثانٍ بعد الأوَّلِ».
«البابُ الثَّالِثُ: في ذِكرِ احتجاجِ آدَمَ وموسى في ذلك وحُكْمِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لآدَمَ».
«البابُ الرَّابعُ: في ذِكرِ التقديرِ الثَّالِثِ والجنينُ في بطنِ أمِّه».
«البابُ الخامسُ: في التقديرِ الرَّابعِ ليلةَ القَدْرِ».
«البابُ السَّادسُ: في ذِكرِ التقديرِ الخامِسِ اليوميِّ»... وكلُّ واحدٍ من هذه التقاديرِ كالتفصيل من التقديرِ السَّابِقِ، وفي ذلك دليلٌ على كمالِ عِلمِ الرَّبِّ وقُدرتِه وحِكمتِه، وزيادةُ تعريفٍ لملائكتِه وعبادِه المؤمنين بنَفسِه وأسمائِه، وقد قال تعالى: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] .
وأكثَرُ المفَسِّرين على أنَّ هذا الاستنساخَ من اللَّوحِ المَحفوظِ، فتستنسِخُ الملائكةُ ما يكونُ من أعمالِ بني آدَمَ قبل أن يَعمَلوها، فيَجِدون ذلك موافِقًا لِما يعملونه، فيُثبِتُ اللهُ تعالى منه ما فيه ثوابٌ أو عِقابٌ، ويَطرَحُ منه اللَّغْوَ)( .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ في الإيمانِ بكتابةِ المقاديرِ: (يدخُلُ في ذلك خمسةٌ من التقاديرِ كُلُّها ترجِعُ إلى العِلْمِ:
التقديرُ الأوَّلُ: كتابةُ ذلك قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سَنةٍ، عندما خلق اللهُ القَلَمَ، وهو التقديرُ الأزَليُّ.
الثاني: التقديرُ العُمريُّ، حين أخذ الميثاقَ يومَ قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الأعراف: 172] .
الثَّالِثُ: التقديرُ العُمريُّ أيضًا عند تخليقِ النُّطفةِ في الرَّحمِ.
الرَّابعُ: التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ، وهو تنفيذُ كُلِّ ذلك إلى مواضِعِه)( .
وقال ابنُ عثيمين: (التقاديرُ خمسةُ أنواعٍ:
النوعُ الأوَّلُ: التقديرُ العامُّ، وهو المكتوبُ في اللَّوحِ المَحفوظِ الذي كان قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُه على الماءِ...
النوعُ الثاني: تقديرُ أرزاقِ العبادِ وآجالِهم وأعمالِهم قبل أن يخلُقَهم.
النوعُ الثَّالِثُ: تقديرُ ما ذُكِر على الجنينِ في بَطنِ أمِّه...
النوعُ الرَّابعُ: التقديرُ السَّنويُّ، وهو ما يكونُ ليلةَ القَدْرِ.
النوعُ الخامِسُ: التقديرُ اليوميُّ.
فالتقديراتُ خمسةٌ: يوميٌّ، وحَوليٌّ، وعُمريٌّ عند تعلُّقِ النَّفسِ بالبدَنِ وعند تخليقِه، وتقديرٌ قبل وجودِ ابنِ آدمَ بعد خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وتقديرٌ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وكُلُّ هذه تفاصيلُ للتقديرِ السَّابقِ)( .
1- كتابةُ مقاديرِ الخلائِقِ قبل خَلقِ السَّمَواتِ والأرض بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ
دليلُه:
عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قالَ: وَعَرْشُهُ علَى المَاءِ ))( .
قال الثعلبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد: 22] : (إِلَّا فِي كِتَابٍ يعني: اللَّوحَ المَحفوظَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا: من قبلِ أن نخلُقَ الأرضَ والأنفُسَ)( .
وقال ابنُ عطيَّةَ: (قَولُه تعالى: إِلَّا فِي كِتَابٍ معناه: إلَّا والمصيبةُ في كتابٍ. و: نَبْرَأَهَا معناه: نخلُقها، يقال: برأ اللهُ الخَلْقَ: أي: خلَقَهم، والضميرُ عائدٌ على المصيبةِ، وقيل: على الأرضِ، وقيل: على الأنفُسِ، قاله ابنُ عَبَّاسٍ وقتادةُ وجماعةٌ، وذكر المهدويٌّ جوازَ عودِ الضَّميرِ على جميعِ ما ذُكِرَ، وهي كُلُّها معانٍ صِحاحٍ؛ لأنَّ الكتابَ السَّابِقَ أزليٌّ قبل هذه كُلِّها)( .
وعقد البيهقيُّ في كتابِه ((القَضاء والقَدَر)) عدَّةَ أبوابٍ:
منها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤه قدَّر المقاديرَ كُلَّها قبل أن يخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ، قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49]، فأخبر أن كُلَّ شيءٍ خلقه إنما هو بحسَبِ ما قدَّره قبل أن يَخلُقَه، فجرى الخَلْقُ على ما قدَّر، وجرى القَدَرُ على ما عَلِمَ...).
ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ كتب المقاديرَ كُلَّها في الذِّكرِ، وهو المرادُ بتقديرِ المقاديرِ على ما لم يَزَلْ به عالِمًا...).
ومنها: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ القَلَمَ لَمَّا جرى بما هو كائِنٌ، كان فيما جرى...)( .
وقال القرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (قال ابنُ عبَّاسٍ: «طائِرَه» عَمَلَه وما قُدِّر عليه من خيرٍ وشَرٍّ، وهو ملازِمُه أينما كان، وقال مقاتِلٌ والكلبيُّ: خَيرُه وشَرُّه معه، لا يفارقُه حتى يحاسَبَ به... وقال الحسَنُ: «أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ» أي: شقاوتَه وسعادتَه، وما كُتِب له من خيرٍ وشَرٍّ، وما طار له من التقديرِ، أي: صار له عند القِسمةِ في الأزَلِ)( .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (يجِبُ الإيمانُ أنَّ اللهَ عَلِم ما سيكونُ كُلُّه قبل أن يكونَ، ويجِبُ الإيمانُ بما أخبر به من أنَّه كتب ذلك وأخبر به قبل أن يكونَ، كما في صحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إنَّ اللهَ قدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وكان عَرشُه على الماءِ))( وفي صحيحِ البخاريِّ وغيرِه عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((كان اللهُ ولا شيءَ غَيرُه، وكان عَرشُه على الماءِ، وكتب في الذِّكرِ كُلَّ شَيءٍ، وخَلَق السَّمَواتِ والأرضَ ))( وفي لفظ: ((ثمَّ خلق السَّمَواتِ والأرضَ))( )( .
وقال أيضًا: (هؤلاء جميعُهم سبقت لهم عند اللهِ السَّوابقُ، وكتب اللهُ مقاديرَهم قبل أن يَخلُقَهم، وهم مع هذا قد انقسموا إلى سعيدٍ بالإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وإلى شَقيٍّ بالكُفرِ والفِسقِ والعِصيانِ)( .
وقال أيضًا: (وأمَّا كَونُ الأشياءِ معلومةً للهِ قبل كونِها: فهذا حَقٌّ لا رَيبَ فيه، وكذلك كونُها مكتوبةً عنده أو عند ملائكَتِه، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ، وجاءت به الآثارُ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ قال: سمعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، وعرشُه على الماءِ))... وفيه دليلٌ على أنَّ خَلْقَ العَرشِ سابِقٌ على خَلقِ القَلَمِ. وهذا أصحُّ القولَينِ... وكتابةُ القَلَمِ للقَدَرِ كان في السَّاعةِ التي خُلِق فيها.. هذا الذي كتبه القَلَمُ هو القَدَرُ)( .
وقال ابنُ أبي العزِّ: (قد سبق عِلمُه بالكائناتِ، وأنَّه قدَّر مقاديرَها قبل خَلقِها، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((قَدَّرَ اللهُ مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ))( )( .
وقال ابنُ باز: (قد سبق في عِلمُه كُلُّ شيءٍ، كما قال عزَّ وجَلَّ: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((كتب اللهُ مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ قال: وعَرشُه على الماءِ))... ولكنَّه عزَّ وجَلَّ لا يؤاخِذُ العبادَ بمقتضى عِلْمِه السَّابِقِ، وإنما يؤاخِذُهم ويثيبُهم على ما يَعلَمُه منهم، بعد عَمَلِهم إيَّاه، ووجودِه منهم في الخارجِ)( .
وقال أيضًا: (اللهُ سُبحانَه قد قدَّر مقاديرَ الخلائقِ، وعَلِم ما هم عاملون، وقدَّر أرزاقَهم وآجالَهم، وكتب ذلك كُلَّه لديه، كما قال تعالى: قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا الآية، وقال سُبحانَه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، وقال سُبحانَه: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، والآياتُ في هذا المعنى كثيرةٌ)( .
2- تقديرُ أهلِ الجَنَّةِ وأهلِ النَّارِ قبل خَلقِ الخلائِقِ.
دليلُه:
1- عن أبي عبدِ اللهِ رَجُلٍ من الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (مرِضَ رجلٌ من أصحابِ النبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ، فدخلَ عليهِ أصحابُهُ يعودونَهُ فبكى، فقيلَ لهُ: ما يبكيكَ يا أبا عبدِ اللَّهِ؟ ألم يقُلْ لكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِه وسلَّمَ: خُذْ مِن شارِبِكَ ثمَّ أَقِرَّهُ حتَّى تلقاني؟ قالَ: بلَى، ولكنِّي سمعتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قبضَ قبضةً بيَمينِهِ وقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي، وقبضَ قبضةً أخرى بيدِهِ الأخرى جلَّ وعلا، فقالَ: هذِهِ لهذهِ ولا أبالي ))، فلا أدري في أيِّ القبضتينِ أنا .( (
2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ خلقَهُ في ظُلمةٍ، ثمَّ ألقَى عليهِم من نورِهِ يومئذٍ، فمَن أصابَهُ من نورِهِ يومئذٍ اهتَدى، ومَن أخطأَهُ ضلَّ؛ فلذلِكَ أقولُ: جفَّ القَلَمُ على علمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ ))( .
سُئِلَ ابنُ تيميَّةَ عن حديثِ: ((إنَّ اللهَ قبض قبضتين فقال: هذه للجنَّةِ ولا أُبالي، وهذه للنَّارِ ولا أُبالي)): فهل هذا الحديثُ صحيحٌ؟ واللهُ قبضَها بنَفْسِه أو أمر أحَدًا من الملائكةِ بقَبضِها؟ والحديثُ الآخَرُ في أنَّ اللهَ لَمَّا خلق آدمَ أراه ذريَّتَه عن اليمينِ والشِّمالِ، ثم قال: هؤلاء إلى النَّارِ ولا أُبالي، وهؤلاء إلى الجنَّةِ ولا أُبالي، وهذا في الصحيحِ.
فأجاب: (نعم، هذا المعنى مشهورٌ عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من وجوهٍ متعَدِّدةٍ؛ مِثلُ ما في موطَّأِ مالكٍ وسُنَنِ أبي داودَ والنَّسائيِّ وغيرِه عن مُسلِمِ بنِ يَسارٍ، وفي لفظٍ عن نُعَيمِ بنِ ربيعةَ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ سُئِلَ عن هذه الآيةِ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ... الآية، فقال عُمَرُ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وفي لفظٍ: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سُئِلَ عنها، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ خلق آدَمَ ثم مسح ظَهْرَه بيمينِه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للجنَّةِ وبعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ يَعمَلونَ، ثم مسح ظَهْرَه فاستخرج منه ذُريَّةً، فقال: خلَقْتُ هؤلاء للنَّارِ وبعَمَلِ أهلِ النَّارِ يَعملَونَ، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ، ففيم العَمَلُ؟! فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ اللهَ إذا خلق الرَّجُلَ للجنَّةِ استعمله بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُه به الجنَّةَ، وإذا خلق الرَّجُلَ للنَّارِ استعمله بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى يموتَ على عَمَلٍ من أعمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُه به النَّارَ ". وفي حديثِ الحَكَمِ بنِ سُفيانَ عن ثابتٍ عن أنَسِ بنِ مالكٍ قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ اللهَ قبض قبضةً فقال: إلى الجنَّةِ برحمتي، وقبض قبضةً فقال: إلى النَّارِ ولا أُبالي" وهذا الحديثُ ونحوه فيه فصلانِ.
أحدُهما: القَدَرُ السَّابِقُ، وهو أنَّ اللهَ سُبحانَه عَلِمَ أهلَ الجنَّةِ من أهلِ النَّارِ من قبل أن يعمَلوا الأعمالَ، وهذا حَقٌّ يجِبُ الإيمانُ به، بل قد نَصَّ الأئمَّةُ كمالكٍ والشَّافعيِّ وأحمدَ، أنَّ من جحد هذا فقد كَفَر)( .
وقال ابنُ كثيرٍ بعد أن ساق رواياتِ الأحاديثِ الواردةِ في قَولِه تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف: 172] : (فهذه الأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ من صُلْبِه، ومَيَّز بين أهلِ الجنَّةِ وأهلِ النَّارِ)( .
وقال ابنُ أبي العِزِّ بعد ذِكرِه للأحاديثِ الدَّالَّةِ على هذا التقديرِ: (وفي ذلك أحاديثُ أُخَرُ أيضًا كلُّها دالةٌ على أنَّ اللهَ استخرج ذُرِّيَّةَ آدمَ مِن صُلبِه، وميَّز بين أهلِ النَّارِ وأهلِ الجنَّةِ... وقدَّر خلْقَها وأجَلَها وعمَلَها، واستخرج تلك الصُّوَرَ مِن مادَّتِها، ثم أعادها إليها، وقدَّر خروجَ كُلِّ فَردٍ من أفرادِها في وقتِه المقدَّرِ له)( .
3- التقديرُ العُمريُّ عند أوَّلِ تخليقِ النُّطفةِ فيُكتَبُ رِزقُ الجنينِ، وأجَلُه، وعَمَلُه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ.
دليلُه:
حديثُ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: حدَّثنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو الصَّادِقُ المصدوقُ: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه في بَطنِ أمِّه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكونُ عَلَقةً مِثلَ ذلك، ثم يكونُ مُضغةً مِثلَ ذلك، ثم يَبعَثُ اللهُ إليه ملَكًا بأربَعِ كَلِماتٍ: بكَتْبِ رِزْقِه، وأَجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفَخُ فيه الرُّوحُ، فواللهِ الذي لا إلهَ غَيرُه، إنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ فيَدخُلُها، وإنَّ أحَدَكم ليَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ النَّارِ حتى ما يكونُ بينه وبينها إلَّا ذراعٌ فيَسبِقُ عليه الكِتابُ، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ فيَدخُلُها ))( .
وعن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((وكَّل اللهُ بالرَّحِم ِمَلَكًا، فيقولُ: أيْ رَبِّ نُطفةٌ، أيْ رَبِّ عَلَقةٌ، أيْ رَبِّ مُضغةٌ. فإذا أراد اللهُ أن يقضِيَ خَلْقَها، قال: أيْ رَبِّ ذَكَرٌ أم أنثى، أشَقِيٌّ أم سعيدٌ؟ فما الرِّزقُ؟ فما الأجَلُ، فيُكتَبُ كُلُّ ذلك في بَطنِ أمِّه ))( .
قال محمَّدُ بنُ الحسَنِ الشَّيبانيُّ في حديثِ ابنِ مَسعودٍ المتقَدِّمِ: (وبهذا نأخُذُ، وبه كان يأخُذُ أبو حنيفةَ: الشَّقِيُّ من شَقِيَ في بَطنِ أمِّه، والسَّعيدُ من وُعِظَ بغيرِه)( .
وقال الآجُرِّي فيه كذلك: (ينبغي لك أيُّها السَّائِلُ أن تعلَمَ: أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ قد فرغ من أرزاقِ العِبادِ، وأنَّ كُلَّ عَبدٍ مُستوفٍ رِزقَه، لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُصُ منه، وكذا قد فَرَغ من الآجالِ، لا يزدادُ أحدٌ على أجَلِه ولا يُنتَقَصُ منه حتى يأتيَه آخِرُ أجَلِه، وكذا كتب اللهُ عزَّ وجَلَّ عمَلَه الذي يعمَلُ، خيرًا كان أو شرًّا، وكَتَبه شقيًّا أو سعيدًا، فكُلُّ العبادِ يَسْعَون في أمرٍ قد فُرِغ منه، والإيمانُ بهذا واجِبٌ، ومن لم يؤمِنْ به كَفَر)( .
وقال البيهقيُّ: (بابُ ذِكرِ البيانِ أنَّ كُلَّ من سبق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه سعيدًا، ثم جرى القَلَمُ بسعادتِه وخرج في المَسحةِ الأُولى من ظَهرِ آدَمَ، وأصابه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وأقَرَّ بالتوحيدِ طَوعًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت الجنَّةُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بطنِ أمِّه سعيدًا، ووُلِد سعيدًا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ الجنَّةِ، ومن سَبَق في عِلمِ اللهِ عزَّ وجَلَّ كونُه شَقِيًّا، ثم جرى القَلَمُ بشقاوتِه، وخرج في المَسحةِ الأُخرى من ظَهرِ آدمَ، وأخطأه النُّورُ الذي ألقِيَ عليهم، وامتنع من الإقرارِ بالتوحيدِ، أو أقرَّ به كَرْهًا في الميثاقِ الأوَّلِ، وجُعِلت النَّارُ له وهو في صُلبِ أبيه، خُلِق في بَطنِ أمِّه شَقِيًّا، ووُلِد شقيًّا، وخُتِم له بعَمَلِ أهلِ النَّارِ. نعوذُ باللهِ مِنَ النَّارِ)( .
وقال القُرطبيُّ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا [الإسراء: 13] : (طَائِرَهُ... قال مجاهِدٌ: عَمَلَه ورِزْقَه. وعنه: ما من مولودٍ يُولَدُ إلَّا وفي عُنُقِه وَرقةٌ فيها مكتوبٌ: شَقِيٌّ أو سعيدٌ)( .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (التقديرُ والكتابةُ تكونُ تفصيلًا بعد جملةٍ؛ فاللهُ تعالى لَمَّا قَدَّر مقاديرَ الخلائِقِ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ بخَمسينَ ألفَ سَنةٍ، لم يُظهِرْ ذلك التقديرَ للملائكةِ، ولَمَّا خلق آدَمَ قبل أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ أظهر لهم ما قدَّره كما يَظهَرُ لهم ذلك من كُلِّ مولودٍ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ بعد ذِكْرِ أحاديثَ وآثارٍ في المسألةِ: (اجتمعت هذه الأحاديثُ والآثارُ على تقديرِ رِزقِ العَبدِ وأجَلِه وشَقاوتِه وسعادتِه، وهو في بَطنِ أمِّه... وهذا تقديرٌ بعد التقديرِ الأوَّلِ السَّابِقِ على خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وبعد التقديرِ الذي وقع يومَ استخراجِ الذرِّيَّةِ بعد خَلقِ أبيهم آدَمَ)( .
وعَبَّر ابنُ أبي العِزِّ عن هذا التقديرِ بالقَلَمِ الثَّالِثِ، فقال: (الذي دلَّت عليه السُّنَّةُ أنَّ الأقلامَ أربعةٌ)، فذكر الأوَّلَ والثَّانيَ، ثم قال: (القَلَمُ الثَّالِثُ: حين يُرسَلُ الملَكُ إلى الجنينِ في بَطنِ أمِّه، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤمَرُ بأربَعِ كَلِماتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِه، وأجَلِه، وعَمَلِه، وشَقِيٌّ أو سعيدٌ. كما ورد ذلك في الأحاديثِ الصَّحيحةِ)( .
وقال ابنُ باز تعليقًا على حديثِ ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: (هذا حديثٌ صحيحٌ رواه البخاريُّ ومسلمٌ في الصحيحِ... فالشَّقيُّ من أهلِ النَّارِ، والسَّعيدُ من أهلِ الجنَّةِ، واللهُ جَلَّ وعلا يكتُبُ أعمالَه كُلَّها، ولا يُمنَعُ في هذا الأمرُ والنَّهيُ؛ فالقَدَرُ ماضٍ في أمرِ اللهِ، ولكِنْ على العبدِ أن يعمَلَ)( .
وقال أيضًا: (كُلُّ جنينٍ يُكتَبُ في حَقِّه، وهو في رَحِمِ أمِّه، يُكتَبُ له جميعُ ما يحصُلُ له من الحوادِثِ المُستَقبَلةِ: أعمالُه وأقوالُه، وشقاوتُه وسعادتُه وسرورُه، وهو تفصيلٌ أيضًا من القَدَرِ السَّابِقِ)( .
وقال ابنُ عثيمين: (هناك تقديراتٌ أُخرى نِسبيَّةٌ؛ منها: تقديريٌّ عُمريٌّ: حين يَبلُغُ الجنينُ في بَطنِ أمِّه أربعةَ أشهُرٍ يُرسَلُ إليه الملَكُ، فيَنفُخُ فيه الرُّوحَ، ويَكتُبُ رِزْقَه وأجَلَه وعمَلَه وشَقِيٌّ أو سعيدٌ)( .
4- التقديرُ الحَوليُّ في ليلةِ القَدْرِ.
في ليلةِ القَدْرِ يُكتَبُ من أمِّ الكِتابِ ما يكونُ في السَّنَةِ مِن مَوتٍ وحياةٍ، ورِزقٍ ومَطَرٍ، وما يقومُ به العبادُ من أعمالٍ، ونحوُ ذلك( .
دليلُه:
قَولُ اللهِ تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القَدَر: 1] .
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: إِنا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [الدخان: 3-5] .
عن مجاهدٍ أنَّه قال في قَولِه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ: (في ليلةِ القَدْرِ كُلُّ أمرٍ يكونُ في السَّنَةِ إلى السَّنَةِ: الحياةُ والموتُ، يُقَدَّرُ فيها المعايِشُ والمصائِبُ كُلُّها)( .
عن قتادةَ قال: (هي ليلةُ القَدْرِ فيها يُقضى ما يكونُ من السَّنَة إلى السَّنَةِ)( .
قال ابنُ جرير: (في هذه الليلةِ المباركةِ يُقضى ويُفصَل كُلُّ أمرٍ أحكمه اللهُ تعالى في تلك السَّنَةِ إلى مِثلهِا من السَّنَةِ الأُخرى)( .
وقال الزَّجَّاج: (يَفرُقُ اللهُ عزَّ وجَلَّ في ليلةِ القَدْرِ كُلَّ أمرٍ فيه حِكمةٌ مِن أرزاقِ العِبادِ وآجالِهم وجميعِ أمْرِهم الذي يكونُ مؤجَّلًا إلى ليلةِ القَدْرِ التي تكونُ في السَّنَةِ المُقبِلةِ)( .
وقال أبو اللَّيثِ السَّمَرقَنديُّ: (قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ يعني: في ليلةِ القَدْرِ، يُقضى كُلُّ أمرٍ مُحكَمٍ، ما يكونُ في تلك السَّنَةِ إلى السَّنَةِ الأخرى، وهذا قَولُ عِكرِمةَ. وروى منصورٌ عن مجاهِدٍ قال: فيها يُقضى أمرُ السَّنَةِ إلى السَّنَةِ مِنَ المصائبِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. وهذا موافِقٌ للقَولِ الأوَّلِ. ويقالُ: في تلك الليلةِ يُفرَقُ، يعني: يُنسَخُ من اللَّوحِ المَحفوظِ ما يكونُ إلى العامِ القابِلِ مِنَ الرِّزقِ والأجَلِ والأمراضِ، والخِصْبِ والشِّدةِ. وروى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ عن ابنِ عباسٍ أنَّه قال: إنَّك لَتَلقَى الرَّجُلَ في الأسواقِ وقد وقع اسمُه في الأمواتِ! ثم قرأ هذه الآيةَ)( .
وقال السَّمرقنديُّ أيضًا: (إنما سُمِّيَت ليلةَ القَدْرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُقَدِّرُ في تلك الليلةِ ما يكونُ من السَّنَةِ القابِلةِ من أمرِ الموتِ والأجَلِ والرِّزقِ وغَيرِه)( .
وقال البيهقيُّ: (إنما قيل ليلةُ القَدْرِ بتسكينِ الدَّالِ؛ لأنَّه لم يُرَدْ به ليلةُ القَضاءِ، فإنَّ القَضاءَ سابِقٌ، وإنما أريدَ به تفصيلُ ما قد جرى به القَضاءُ وتجديدُه؛ ليكونَ ما يُلْقى إلى الملائكةِ في السَّنَةِ مُقَدَّرًا بمقدارٍ يَحصُره عِلْمُهم)( .
وقال الرَّازي: (اختلفوا في أنَّه لمَ سُمِّيَت هذه اللَّيلةُ ليلةَ القَدْرِ، على وُجوهٍ:
أحَدُها: أنها ليلةُ تقديرِ الأمورِ والأحكامِ، قال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاسٍ: إنَّ اللهَ قدَّر ما يكونُ في كُلِّ تلك السَّنَةِ من مَطَرٍ ورِزقٍ وإحياءٍ وإماتةٍ إلى مِثلِ هذه الليلةِ من السَّنَةِ الآتيةِ، ونظيرُه قَولُه تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان: 4] ، واعلَمْ أنَّ تقديرَ اللهِ لا يحدُثُ في تلك الليلةِ، فإنَّه تعالى قدَّر المقاديرَ قبل أن يَخلُقَ السَّمَواتِ والأرضَ في الأزَلِ، بل المرادُ إظهارُ تلك الليلةَ المقاديرِ للملائكةِ... وهذا القَولُ اختيارُ عامَّةِ العُلَماءِ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (قال أبو عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميُّ: يُقَدَّرُ أمرُ السَّنَةِ كُلِّها في ليلةِ القَدْرِ، وهذا هو الصَّحيحُ، إنَّ القَدْرَ مصدَرُ قَدَر الشَّيءَ يَقدُره قَدْرًا، فهي ليلةُ الحُكمِ والتقديرِ. وقالت طائفةٌ: ليلةُ القَدْرِ ليلةُ الشَّرَفِ والعَظَمةِ، من قَولهم: لفلان قَدْرٌ في النَّاسِ، فإن أراد صاحِبُ هذا القولِ أنَّ لها قَدْرًا وشَرَفًا، مع ما يكونُ فيها من التقديرِ، فقد أصاب، وإن أراد أن معنى القَدْرِ فيها هو الشَّرَفُ والخَطَرُ، فقد غلط؛ إنَّ اللهَ سُبحانَه أخبر أنَّ فيها يُفرَقُ، أي: يَفصِلُ اللهُ ويُبَيِّنُ ويُبرِمُ كلَّ أمرٍ حَكيمٍ)( .
وقال ابنُ باز: (يُفرَقُ فيها كُلُّ أمرٍ حكيمٍ، وهو ما يكونُ في السَّنَةِ، تُقَدَّرُ فيها حوادِثُ السَّنَةِ تفصيلًا من القَدَر السَّابقِ، وهذا من آياتِ اللهِ وحِكمتِه سُبحانَه وتعالى)( .
وقال ابنُ عثيمين: (التقديرُ الحَوليُّ: وهو الذي يكونُ في ليلة القَدْرِ، يُكتَبُ فيها ما يكونُ في السَّنَةِ؛ قال تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] )( .
5- التقديرُ اليَوميُّ وهو سَوقُ المقاديرِ المكتوبةِ وتنفيذُ كُلِّ ذلك في مواضِعِه المُحَدَّدةِ ووَقْتِه المكتوبِ سابِقًا.
دليلُه:
قَولُ اللهِ سُبحانَه: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29].
قال الثعلبي: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنها شُؤونٌ يُعيدُها، لا شُؤونٌ يُبدِيها، ومجازُ الآيةِ: سَوقُ المقاديرِ إلى المواقيتِ)( .
وقال البغوي: (قال المفسِّرون: مِن شأنِه أن يحييَ ويميتَ ويَرزُقَ، ويُعِزَّ قَومًا ويُذِلَّ قَومًا، ويشفيَ مريضًا ويَفُكَّ عانيًا ويُفَرِّجَ مَكروبًا، ويجيبَ داعيًا ويعطيَ سائِلًا ويَغفِرَ ذنبًا، إلى ما لا يُحصى مِن أفعالِه وإحداثِه في خَلْقِه ما يشاءُ)( .
وقال ابنُ عطية: (قَولُه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ أي: يُظهِرُ شأنًا من قُدرتِه التي قد سبقت في الأزَلِ في ميقاتِه من الزَّمَنِ من إحياءٍ وإماتةٍ ورِفعةٍ وخَفضٍ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي لا يَعلَمُ نهايَتَها إلَّا هو تعالى)( .
وقال ابنُ عثيمين: (ومنها التقديرُ اليوميُّ: كما ذكره بعضُ أهلِ العِلْمِ، واستدَلَّ له بقَولِه تعالى: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن: 29]، فهو كُلَّ يومٍ يُغني فقيرًا، ويُفقِرُ غَنِيًّا، ويُوجِدُ مَعدومًا، ويُعدِمُ مَوجودًا، ويَبسُطُ الرِّزقَ ويَقْدِرُه، ويُنشِئُ السَّحابَ والمطَرَ، وغيرَ ذلك)( .




الفرعُ الثَّالِثُ: معنى المَحْوِ والإثباتِ في الصُّحُفِ

قال اللهُ تعالى: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39] .
قال السَّعديُّ: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الأقدارِ وَيُثْبِتُ ما يشاءُ منها، وهذا المحوُ والتغييرُ في غيرِ ما سبق به عِلْمُه وكَتَبه قَلَمُه؛ فإنَّ هذا لا يقَعُ فيه تبديلٌ ولا تغييرٌ؛ لأنَّ ذلك محالٌ على اللهِ أن يقَعَ في عِلمِه نَقصٌ أو خَلَلٌ؛ ولهذا قال: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ أي: اللَّوحُ المَحفوظُ الذي ترجِعُ إليه سائِرُ الأشياءِ، فهو أصلُها، وهي فُروعٌ له وشُعَبٌ.
فالتغييرُ والتبديلُ يقعُ في الفُروعِ والشُّعَبِ، كأعمالِ اليومِ واللَّيلةِ التي تكتُبُها الملائكةُ، ويجعَلُ اللهُ لثبوتها أسبابًا ولمحوِها أسبابًا، لا تتعدَّى تلك الأسبابُ ما رُسِمَ في اللَّوحِ المَحفوظِ، كما جعل اللهُ البِرَّ والصِّلَةَ والإحسانَ منْ أسبابِ طُولِ العُمُرِ وسَعةِ الرِّزقِ، وكما جعل المعاصِيَ سَبَبًا لمحْقِ بركةِ الرِّزقِ والعُمُرِ، وكما جعل أسبابَ النجاةِ من المهالِكِ والمعاطِبِ سَببًا للسلامةِ، وجعَل التعَرُّضَ لذلك سببًا للعَطَبِ، فهو الذي يدَبِّرُ الأمورَ بحسَبِ قدرتِه وإرادتِه، وما يُدَبِّرُه منها لا يخالِفُ ما قد عَلِمَه وكتبه في اللَّوحِ المَحفوظِ)( .
وقال اللهُ سُبحانَه حكايةً لِقَولِ نُوحٍ عليه السَّلامُ لقَومِه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاء لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [نوح: 3-4] .
قال ابنُ كثيرٍ: (وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى أي: يُمِدَّ في أعمارِكم ويدرَأْ عنكم العذابَ الذي إن لم تنزَجِروا عمَّا نهاكم عنه أوقعه بكم.
وقد يَستدِلُّ بهذه الآيةِ من يقولُ: إنَّ الطاعةَ والبِرَّ وصِلةَ الرَّحِمِ، يُزادُ بها في العُمُرِ حقيقةً، كما ورد به الحديثُ)( .
عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من سَرَّه أن يُبسَطَ عليه رِزقُه أو يُنسَأَ في أَثَرِه( فلْيَصِلْ رَحِمَه ))( .
إنَّ الأقدارَ المكتوبةَ كالرِّزقِ والعُمُرِ على نوعينِ: نوعٌ كُتِبَ في اللَّوحِ المَحفوظِ، فهذا لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، ونوعٌ أعلَمَ اللهُ به ملائكتَه فهو في صُحُفِهم يزيدُ ويَنقُصُ بحسَبِ الأسبابِ، فالمَلَكُ لا يَعلَمُ أيزادُ له في ذلك أم يُنقَصُ، لكِنَّ اللهَ يَعلَمُ بسابقِ عِلمِه ما يستقِرُّ عليه الأمرُ.
قال ابنُ العربيِّ في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((إنَّ أحَدَكم يُجمَعُ خَلْقُه... ثم يَبعَثُ اللهُ إليه ملَكًا ويُؤمَرُ بأربَعِ كَلِماتٍ، ويُقالُ له: اكتُبْ عَمَلَه ورِزْقَه وأجَلَه وشَقِيٌّ أو سعيدٌ ))( : (قَولُه: ((ويُؤمَرُ)) هذه الفائِدةُ العُظمى؛ لأنَّه لو أخبر فقال: أجَلُه كذا ورِزْقُه كذا، وهو شَقِيٌّ أو سعيدٌ، ما تغيَّرَ خَبَرُه أبدًا؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ لا يجوزُ أن يُوجَدَ بخِلافِ مُخبَرِه؛ لوجوبِ الصِّدقِ له، ولكنَّه يأمُرُ بذلك كُلِّه، وللهِ سُبحانَه أن يَنسَخَ أمْرَه ويُقَلِّبَ ويُصَرِّفَ العِبادَ فيه من وَجهٍ إلى وَجهٍ، فافهَموا هذا؛ فإنَّه نفيسٌ وفيه يقَعُ المحوُ والتبديلُ، وأمَّا في الخبرِ فلا يكونُ ذلك أبدًا، وكذلك يقَعُ المحْوُ في صحائِفِ المَلَكِ ويُرفَعُ إلى ما في أمِّ الكِتابِ، وهو تأويلُ قَولِه: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)( .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ اللهَ يكتُبُ للعبدِ أجَلًا في صُحُفِ الملائكةِ، فإذا وصل رَحِمَه زاد في ذلك المكتوبِ. وإن عَمِل ما يوجِبُ النَّقصَ نقص من ذلك المكتوبِ. ونظيرُ هذا ما في الترمذيِّ وغيره عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ آدمَ لَمَّا طلب من اللهِ أن يُريَه صورةَ الأنبياءِ من ذرِّيَّتِه فأراه إيَّاهم فرأى فيهم رجلًا له بصيصٌ، فقال: من هذا يا رَبِّ؟ فقال: ابنُك داودَ. قال: فكم عُمُرُه؟ قال: أربعون سنةً. قال: وكم عمري؟ قال: ألفُ سنةٍ. قال: فقد وهبتُ له من عُمُري سِتِّين سنةً. فكُتِب عليه كِتابٌ وشَهِدت عليه الملائكةُ، فلما حضرَتْه الوفاةُ قال: قد بَقِيَ من عمري ستون سنةً. قالوا: وهَبْتَها لابنِك داودَ. فأنكر ذلك فأخرجوا الكتابَ. قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فنَسِيَ آدَمُ فنَسِيَت ذُرِّيتُه، وجحد آدمُ فجَحَدت ذرِّيَّتُه ( ، ورُوِيَ أنَّه كمَّل لآدَمَ عُمُرَه ولداودَ عُمُرَه. فهذا داودُ كان عمُرُه المكتوبُ أربعين سنةً ثمَّ زادَه سِتِّينَ، وهذا معنى ما رُوِيَ عن عُمَرَ أنَّه قال: اللَّهمَّ إن كنتَ كتَبْتَني شقيًّا فامحُني واكتُبْني سعيدًا؛ فإنَّك تمحو ما تشاءُ وتُثبِتُ( . واللهُ سُبحانَه عالمٌ بما كان وما يكونُ وما لم يكُنْ لو كان كيف كان يكونُ؛ فهو يَعلَمُ ما كتبه له وما يزيدُه إيَّاه بعد ذلك، والملائكةُ لا عِلمَ لهم إلَّا ما عَلَّمهم اللهُ، واللهُ يَعلَمُ الأشياءَ قبل كَونِها وبعد كَونِها؛ فلهذا قال العُلَماءُ: إنَّ المحوَ والإثباتَ في صُحُفِ الملائكةِ، وأمَّا عِلمُ اللهِ سُبحانَه فلا يختَلِفُ)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ مشيرًا إلى هذه المسألةِ في سياقِ حديثِه عن النَّسْخِ في الشريعةِ: (بَيَّن ذلك سُبحانَه وتعالى بقَولِه: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ [البقرة: 106، 107].
فأخبر سُبحانَه أنَّ عُمومَ قُدرتِه ومُلكِه وتصَرُّفِه في مملكَتِه وخَلْقِه لا يمنَعُه أن ينسَخَ ما يشاءُ، ويُثبِتَ ما يشاءُ، كما أنَّه يمحو من أحكامِه القَدَريَّةِ الكَونيَّةِ ما يشاءُ ويُثبِتُ، فهكذا أحكامُه الدِّينيَّةُ الأمرِيَّةُ، يَنسَخُ منها ما يشاءُ، ويُثبِتُ منها ما يشاءُ)( .
وقال ابنُ حجَرٍ: (إنَّ الذي سبق في عِلمِ اللهِ لا يتغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، وإنَّ الذي يجوزُ عليه التغييرُ والتبديلُ ما يبدو للنَّاسِ مِن عَمَلِ العامِلِ، ولا يَبعُدُ أن يتعلَّقَ ذلك بما في عِلمِ الحَفَظةِ والموكَّلين بالآدَميِّ، فيقَعُ فيه المحوُ والإثباتُ، كالزِّيادةِ في العُمُرِ والنَّقصِ، وأمَّا ما في عِلمِ اللهِ فلا محْوَ فيه ولا إثباتَ، والعِلْمُ عند اللهِ)( .
وقال ابنُ عثيمين: (هنا مسألةٌ: هل الكتابةُ تتغَيَّرُ أو لا تتغيَّرُ؟
الجوابُ: يقولُ رَبُّ العالَمينَ عزَّ وجَلَّ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد: 39] . أي: اللَّوحُ المَحفوظُ ليس فيه محوٌ ولا كتابٌ، فما كُتِب في اللَّوحِ المَحفوظِ فهو كائِنٌ ولا تغييرَ فيه، لكِنْ ما كُتِبَ في الصُّحُفِ التي في أيدي الملائكةِ فهذا: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، قال عزَّ وجَلَّ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود: 114] .
وفي هذا المقامِ يُنكَرُ على من يقولون: «اللهُمَّ إني لا أسألُك رَدَّ القَضاءِ، ولكِنْ أسألُك اللُّطفَ فيه» فهذا دعاءٌ بِدعيٌّ باطِلٌ،... فالإنسانُ يسألُ اللهَ عزَّ وجَلَّ رَفْعَ البلاءِ نهائيًّا، فيقولُ مَثَلًا: اللهُمَّ عافِنِي، اللهُمَّ ارزُقْني، وما أشبهَ ذلك. وإذا كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إن شِئْتَ ))( ، فقولك: «اللهُمَّ إني لا أسألُك رَدَّ القَضاءِ، ولكِنْ أسألُك اللُّطفَ فيه» أشَدُّ.
واعلَمْ أنَّ الدُّعاءَ قد يَرُدُّ القَضاءَ، كما جاء في الحديثِ: لا يَرُدُّ القَدَرَ إلَّا الدُّعاءُ( ، وكم من إنسانٍ افتقر غايةَ الافتقارِ حتى كاد يَهلِكُ، فإذا دعا أجاب اللهُ دعاءَه! وكم من إنسانٍ مرض حتى أَيِسَ من الحياةِ، فيدعو فيستجيبُ اللهُ دُعاءَه! قال اللهُ تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83] ، فذكر حالَه يريد أنَّ اللهَ يكشِفُ عنه الضُّرَّ، قال الله: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ [الأنبياء: الآية 84])( .


مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ




من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بمشيئةِ اللهِ النَّافِذةِ

فما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا حركةَ ولا سكونَ في السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا بمشيئته سُبحانَه، ولا يكونُ في مُلكِه إلَّا ما يشاءُ، لا يخرُجُ عن ذلك شيءٌ.
وقد وردت أدِلَّةٌ كثيرةٌ لهذه المرتبةِ من الكِتابِ والسُّنَّةِ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ:
1- ورد في القُرآنِ الكريمِ تعليقُ الأنبياءِ الأمورَ بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى.
فلمعرفةِ الأنبياءِ يقينًا بأنَّ مشيئةَ اللهِ عزَّ وجَلَّ نافذةٌ، كانوا يُرجِعون الأمرَ إلى مشيئتِه سُبحانَه.
ومن ذلك قَولُ اللهِ تعالى إخبارًا عن نبيِّه شُعَيبٍ عليه السَّلامُ أنَّه قال لقَومِه: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّنَا [الأعراف: 89] .
قال السَّعديُّ: (إنَّ عَودَهم فيها -بعد ما هداهم اللهُ- من المحالاتِ بالنَّظَرِ إلى حالتِهم الرَّاهنةِ، وما في قلوبهم من تعظيمِ اللهِ تعالى والاعترافِ له بالعبوديَّةِ، وأنَّه الإلهُ وَحْدَه الذي لا تنبغي العبادةُ إلَّا له وَحْدَه لا شريكَ له، وأنَّ آلهةَ المُشرِكين أبطَلُ الباطِلِ، وأمحَلُ المحُالِ. وحيث إنَّ اللهَ مَنَّ عليهم بعُقولٍ يعرفون بها الحَقَّ والباطِلَ، والهُدى والضَّلالَ.
وأمَّا من حيث النَّظَرُ إلى مشيئةِ اللهِ وإرادتِه النَّافذةِ في خَلْقِه، التي لا خروجَ لأحَدٍ عنها، ولو تواترت الأسبابُ وتوافقت القُوى، فإنهم لا يَحكُمون على أنفُسِهم أنهم سيفعلون شيئًا أو يتركونه؛ ولهذا استثنى وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا أي: فلا يمكِنُنا ولا غيرَنا الخروجُ عن مشيئتِه التابعةِ لعِلْمِه وحِكمتِه، وقد وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فيعلَمُ ما يصلُحُ للعبادِ وما يُدَبِّرُهم عليه)( .
ومن الأمثلةِ على ذلك أيضًا قولُ إبراهيمَ عليه السَّلامُ لقَومِه: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [الأنعام: 80] .
قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ: ولكِنْ خوفي من اللهِ الذي خلقَني وخلق السَّمَواتِ والأرضَ؛ فإنَّه إن شاء أن ينالَني في نفسي أو مالي بما شاء من فَناءٍ أو بقاءٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ أو غيرِ ذلك، نالني به؛ لأنَّه القادِرُ على ذلك)( .
وقال ابنُ عاشور: (وجملةُ: وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا استئنافٌ بيانيٌّ؛ لأنَّه قد يختلِجُ في نفوسِهم: كيف يَشاءُ ربُّك شيئًا تخافُه وأنت تزعُمُ أنَّك قائِمٌ بمرضاتِه ومُؤَيِّدٌ لدينِه؟! فما هذا إلَّا شكٌّ في أمرِك؛ فلذلك فُصِلَت، أي: إنما لم آمَنْ إرادةَ اللهِ بي ضُرًّا وإن كنتُ عبدَه وناصِرَ دينِه؛ لأنَّه أعلَمُ بحِكمةِ إلحاقِ الضُّرِّ أو النَّفعِ بمن يشاءُ من عبادِه. وهذا مقامُ أدَبٍ مع اللهِ تعالى، فلا يأمَنُ مَكْرَ اللهِ إلَّا القومُ الخاسِرونَ)( .
وقد أمر اللهُ عزَّ وجَلَّ رسولَه محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أن لا يقولَ لشَيءٍ إنَّه فاعِلُه في المستقبَلِ حتى يستثنيَ بمشيئةِ اللهِ؛ فإنَّه إن شاء اللهُ فعَلَه، وإن شاء لم يفعَلْه. قال اللهُ تعالى: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف: 23] ( .
قال ابنُ القَيِّمِ: (الذي أجمع عليه المفسِّرون: أنَّ أهلَ مكَّةَ سألوا النبيَّ عن الرُّوحِ، وعن أصحابِ الكَهفِ، وعن ذي القَرنَينِ، فقال: أُخبِرُكم غدًا. ولم يقُلْ: إن شاء اللهُ. فتلبَّثَ الوحيُ أيَّامًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ)( .
2- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران: 26] .
3- قال اللهُ سُبحانَه: هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * آل عمران: 6*.
4- قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] .
5- قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: 36] .
6- قال اللهُ سُبحانَه: وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [الأنعام: 39] .
7- قال اللهُ تعالى: وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة: 253] .
8- قال اللهُ سُبحانَه: وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [يونس: 99] .
9- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان: 45] .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
1- عن أبي موسى الأشعريِّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: كان رسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا جاءه السَّائِلُ أو طُلِبَت إليه حاجةٌ، قال: ((اشفعوا تؤجَروا، ويقضي اللهُ على لسانِ نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما شاء ))( .
2- عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهما أنَّه سمع رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: ((إنَّ قُلوبَ بني آدَمَ كُلَّها بين أُصبُعَينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، كقَلبٍ واحدٍ يُصَرِّفُه حيث يشاءُ، ثم قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلوبِ صَرِّفْ قُلوبَنا على طاعتِك ))( .
وأمَّا ما جاء عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يَقُلْ أحَدُكم: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي إن شِئتَ، ارحمني إن شِئتَ، ارزقني إن شِئتَ، ولْيَعْزِمْ مسألتَه؛ إنَّه يفعَلُ ما يشاءُ لا مُكرِهَ له ))( .
فقال النوويُّ: (معنى الحديثِ: استحبابُ الجَزمِ في الطَّلَبِ، وكراهةُ التعليقِ على المشيئةِ، قال العُلَماءُ: سَبَبُ كراهتِه أنَّه لا يتحقَّقُ استعمالُ المشيئةِ إلَّا في حَقِّ من يتوجَّهُ عليه الإكراهُ، واللهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن ذلك، وهو معنى قَولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في آخِرِ الحديثِ: فإنَّه لا مُستكرِهَ له. وقيل: سَبَبُ الكراهةِ أنَّ في هذا اللَّفظِ صُورةَ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوبِ منه)( .
وقال ابنُ حَجَر: (المرادُ: أنَّ الذي يحتاجُ إلى التعليقِ بالمشيئةِ ما إذا كان المطلوبُ منه يتأتى إكراهُه على الشَّيءِ، فيُخفَّفُ الأمرُ عليه ويُعلَمُ بأنَّه لا يُطلَبُ منه ذلك الشَّيءُ إلَّا برضاه، وأمَّا اللهُ سُبحانَه فهو مُنَزَّهٌ عن ذلك؛ فليس للتعليقِ فائدةٌ. وقيل: المعنى أنَّ فيه صورةَ الاستغناءِ عن المطلوبِ والمطلوبِ منه. والأوَّلُ أَولى)( .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في مرتبةِ المَشيئةِ الإلهيَّةِ:
1- قال مالِكٌ: (ما من شيءٍ أبيَنُ في الرَّدِّ على أهلِ القَدَرِ مِن قَولِ اللهِ عزَّ وجَلَّ: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإنسان: 30، 31]، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ [الأعراف: 155]، وقال: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم: 27] )( .
وقال ابنُ وَهبٍ: (سَمِعتُ مالِكًا يقولُ لرَجُلٍ: سألْتَني أمسِ عن القَدَرِ؟ قال: نعم، قال: إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13] ، فلا بُدَّ من أن يكونَ ما قال اللهُ تعالى)( .
2- قال الشَّافعيُّ: (وأنَّ للهِ إرادةً، وأنَّه لا يكونُ إلَّا ما أراده عزَّ وجَلَّ، وقضاه وقدَّره، وأنَّ المشيئةَ له دونَ عبادِه بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان: 30] ، فأعلمَ خلْقَه أنَّ المشيئةَ له، وأنشد:
ما شِئتَ كان وإنْ لم أشَأْ وما شِئتُ إن لم تشَأْ لم يَكُنْ
خَلَقْتَ العِبادَ على ما عَلِمْتَ ففي العِلمِ يجري الفتى والمُسِنّْ)(
3- قال ابنُ قُتَيبةَ: (أصحابُ الحديثِ كُلُّهم مُجمِعون على أنَّ ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لا يكونُ)( .
4- قال حربٌ الكرماني: (من زعم أنَّ اللهَ تبارك وتعالى شاء لعبادِه الذين عَصَوه الخيرَ والطَّاعةَ، وأنَّ العبادَ شاؤُوا لأنفُسِهم الشَّرَّ والمعصيةَ، فعَمِلوا على مشيئتِهم، فقد زعم أنَّ مشيئةَ العِبادِ أغلَبُ من مشيئةِ اللهِ تبارك وتعالى ذِكْرُه، فأيُّ افتراءٍ على اللهِ أكثَرُ مِن هذا؟!)( .
5- قال ابنُ بطة: (وعليه اتَّفق أهلُ التوحيدِ ممَّن أقرَّ للهِ بالربوبيَّةِ وعلى نَفْسِه بالعبوديَّةِ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ ونبيٍّ مرسَلٍ منذ كان الخَلْقُ إلى انقضائِه؛ مجمِعون على أنَّه ليس شيءٌ كان ولا شيءٌ يكونُ في السَّمَواتِ ولا في الأرضِ إلَّا ما أراده اللهُ عزَّ وجَلَّ وشاءه وقضاه)( .
وقال أيضًا: (اعلموا -رحمكم اللهُ- أنَّ هذه طريقةُ الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، وبذلك تعَبَّدهم اللهُ، وأخبَرَ به عنهم في كتابِه أنَّ المشيئةَ للهِ عزَّ وجَلَّ وَحْدَه ليس أحدٌ يشاءُ لنَفسِه شيئًا من خيرٍ وشرٍّ ونَفعٍ وضُرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ، إلَّا أن يشاءها اللهُ، وبالتبَرِّي إليه من مشيئتِهم ومِن حَولِهم وقوَّتِهم ومِن استطاعتِهم، بذلك أخبر عن نوحٍ عليه السَّلامُ حين قال له قَومُه: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود: 32] ، فقال نوحٌ عليه السَّلامُ مجيبًا لهم: إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود: 33، 34]، فلو كان الأمرُ كما تزعُمُ القَدَريَّةُ كانت الحُجَّةُ قد ظهرت على نوحٍ مِن قَومِه، ولقالوا له: إن كان اللهُ هو الذي يريدُ أن يُغوِيَنا فلِمَ أرسَلَك إلينا؟ ولمَ تَدعُونا إلى خلافِ مُرادِ اللهِ لنا؟ ولو كان الأمرُ كما تزعُمُ هذه الطائفةُ بقَدَرِ اللهِ ومشيئتِه في خَلقِه، وتزعمُ أنَّه يكونُ ما يريدُه العبدُ الضَّعيفُ الذَّليلُ لنَفسِه، ولا يكونُ ما يريدُه الرَّبُّ القَويُّ الجليلُ لعبادِه، فلِمَ حكى اللهُ عزَّ وجَلَّ ما قاله نوحٌ لِقَومِه مُثنيًا عليه وراضِيًا بذلك من قَولِه؟!)( .
6- قال أبو منصورٍ البغداديُّ: (أجمع أصحابُنا على نفوذِ مشيئةِ اللهِ تعالى في مراداتِه على حَسَبِ عِلْمِه بها، فما عَلِمَ منه حدوثَه أراد حدوثَه، خيرًا كان أو شرًّا، وما عَلِم أنَّه لا يكونُ أراد ألَّا يكونَ، وكُلُّ ما أراد كونَه فهو كائِنٌ في الوقتِ الذي أراد حدوثَه فيه على الوَجهِ الذي أراد كونَه عليه، وكُلُّ ما لم يُرِدْ كَونَه فلا يكونُ، سواءٌ أمر به، أو لم يأمُرْ به)( .
7- قال ابنُ أبي العِزِّ بعد أن أورد نصوصًا كثيرةً في إثباتِ مشيئةِ اللهِ تعالى: (إلى غيرِ ذلك من الأدِلَّةِ على أنَّه ما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. وكيف يكونُ في مُلكِه ما لا يشاءُ؟ ومَن أضَلُّ سبيلًا وأكفَرُ ممَّن يزعُمُ أنَّ اللهَ شاء الإيمانَ من الكافِرِ، والكافِرَ شاء الكُفرَ، فغلبت مشيئةُ الكافِرِ مَشيئةَ اللهِ؟! تعالى اللهُ عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا)( .
8- قال ابنُ الهُمامِ في تقريرِ أنَّ مشيئةَ اللهِ تعالى عامَّةٌ وشاملةٌ لكُلِّ الحوادثِ: (ولنا إطباقُ الأُمَّةِ من عَهدِ النبُوَّةِ على هذه الكَلِمةِ: (ما شاء اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ) فانعقد إجماعُ السَّلَفِ على قولِنا؛ ولنا قَولُ اللهِ تعالى: أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا [الرعد: 31]، وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا [السجدة: 13] ، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] )( .
9- قال الشنقيطيُّ: (قَولُه تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا الآية.
صرَّح تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّه لو شاء إيمانَ جميعِ أهلِ الأرضِ لآمنوا كُلُّهم جميعًا، وهو دليلٌ واضِحٌ على أنَّ كُفْرَهم واقِعٌ بمشيئتِه الكَونيَّةِ القَدَريَّةِ، وبَيَّن ذلك أيضًا في آياتٍ كثيرةٍ، كقَولِه تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا الآية، وقَولِه: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وقَولِه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى إلى غيرِ ذلك من الآياتِ)( .
وينبغي التنَبُّهُ إلى تَركِ الإتيانِ بعِباراتٍ تَنسُبُ المشيئةَ للقَدَرِ والإرادةِ ونَحوِها.
قال ابنُ باز: (قَولُ بَعضِ النَّاسِ: «شاءت الأقدارُ» أو: «شاء القَدَرُ» أو: «شاءت إرادةُ اللهِ» أو: «عنايةُ اللهِ» فكلامٌ لا يجوزُ، وفيه سوءُ تعبيرٍ، والصَّوابُ أن يقالَ: «شاء اللهُ سُبحانَه» أو: «شاء ربُّنا سُبحانَه» أو نحو ذلك من العباراتِ التي فيها إسنادُ المشيئةِ للهِ لا إلى صفاتِه)( .
وقال ابنُ عثيمين: (قول: «شاءت الأقدارُ»، و«شاءت الظُّروفُ» ألفاظٌ مُنكَرةٌ؛ لأنَّ الظروفَ جمعُ ظرفٍ، وهو الزمَنُ، والزَّمَنُ لا مشيئةَ له، وكذلك الأقدارُ جمعُ قَدَرٍ، والقَدَرُ لا مشيئةَ له، وإنما الذي يشاءُ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. نعم لو قال الإنسانُ: «اقتضى قَدَرُ اللهِ كذا وكذا». فلا بأسَ به. أمَّا المشيئةُ فلا يجوزُ أن تضافَ للأقدارِ؛ لأنَّ المشيئةَ هي الإرادةُ، ولا إرادةَ للوَصفِ، إنما الإرادةُ للموصوفِ)( .
وقال أيضًا: (لا يصِحُّ أن نقولَ: «شاءت قُدرةُ اللهِ» لأنَّ المشيئةَ إرادةٌ، والقُدْرةَ معنًى، والمعنى لا إرادةَ له، وإنما الإرادةُ للمُريدِ، والمشيئةُ لِمن يشاءُ، ولكِنَّنا نقولُ: اقتضت حِكمةُ اللهِ كذا وكذا، أو نقولُ عن الشَّيءِ إذا وقع: هذه قدرةُ اللهِ، أي: مَقدورُه، كما تقولُ: هذا خَلقُ اللهِ، أي: مخلوقُه. وأمَّا أن نضيفَ أمرًا يقتضي الفِعلَ الاختياريَّ إلى القُدْرةِ، فإنَّ هذا لا يجوزُ.
ومِثلُ ذلك قَولُهم: «شاء القَدَرُ كذا وكذا»، وهذا لا يجوزُ؛ لأنَّ القَدَرَ والقُدْرةَ أمرانِ معنويَّانِ ولا مشيئةَ لهما، وإنما المشيئةُ لمن هو قادِرٌ ولِمن هو مُقَدِّرٌ. واللهُ أعلَمُ)( .
وسُئلت اللجنةُ الدائمةُ عن قصيدةٍ بعنوانٍ: «هي الأقدارُ» جاء فيها:
هي الأقدارُ تَطعَنُ من تشاءُ برُمحِ الدَّهرِ يُرسِلُه البَلاءُ
يصيبُ المرءَ في الأوداجِ حِينًا فيَصرَعُه تُضَرِّجُه الدِّماءُ
هي الأقدارُ نَعرِفُها جميعًا تُدمدِمُها على الأرضِ السماءُ
لها وَقعٌ على القَلبِ المُعنَّى فيَجثو المرءُ حِيلَتُه البُكاءُ
هي الأقدارُ إن رَضِيَت علينا سقَتْنا العَذْبَ وانتَفَضَ النَّماءُ
وإن غَضِبَت علينا لا تُبالي إذا جَفَّت وأجدَبَت السَّماءُ
فأجابت اللجنةُ: (هذا الكلامُ المذكورُ في هذه القصيدةِ لا يجوزُ؛ لأنَّه يُسنِدُ أفعالَ اللهِ إلى القَدَرِ، والواجِبُ إسنادُ الأمورِ إلى اللهِ مُقَدِّرِ الأقدارِ مع الرِّضا بقضائِه وقَدَرِه، ومحاسبةِ النَّفسِ، والتوبةِ مِنَ الذُّنوبِ؛ لأنها هي التي تُسَبِّبُ العقوباتِ، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)( .



مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ



من مراتِبِ الإيمانِ بالقَدَرِ: الإيمانُ بأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ


لا يقَعُ في هذا الكونِ شَيءٌ إلَّا واللهُ خالِقُه، ومن ذلك أفعالُ العِبادِ.
أوَّلًا: الأدِلَّةُ من القرآنِ الكريمِ:
1- قال اللهُ تعالى: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [الرعد: 16] .
2- قال اللهُ سُبحانَه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر: 62] .
3- قال اللهُ عزَّ وجَلَّ: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [غافر: 62] .
4- قال اللهُ تعالى حكايةً لقَولِ إبراهيمَ عليه السَّلام لقَومِه: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 95-96] .
ثانيًا: الأدِلَّةُ من السُّنَّةِ:
عن حُذَيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللهَ يصنَعُ كُلَّ صانعٍ وصَنْعَتَه)) وفي لفظٍ: ((إنَّ اللهَ خالقُ كلِّ صانعٍ وصَنعَتِه ))( .
قال البخاري: (فأخبر أنَّ الصناعاتِ وأهلَها مخلوقةٌ)( .
وأمَّا قَولُ اللهِ تعالى: ... وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا * مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء:78-79] ، فقال ابنُ أبي العز: (إن قيل: فكيف الجَمعُ بين قَولِه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وبين قَولِه: فَمِنْ نَفْسِكَ، قيل: قَولُه: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: الخِصْبُ والجَدْبُ، والنَّصرُ والهزيمةُ، كُلُّها من عند اللهِ، وقَولُه: فَمِنْ نَفْسِكَ: أي: ما أصابك من سيئةٍ من اللهِ فبذَنبِ نَفْسِك عقوبةً لك، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: 30] . يدُلُّ على ذلك ما رُوِيَ عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أنَّه قرأَ: وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وأنا كتبتُها عليك.
والمرادُ بالحسنةِ هنا النِّعمةُ، وبالسَّيِّئةِ البَلِيَّةُ، في أصَحِّ الأقوالِ. وقد قيل: الحسنةُ الطاعةُ، والسيئةُ المعصيةُ. وقيل: الحسنةُ ما أصابه يومَ بدرٍ، والسيئةُ ما أصابه يومَ أحُدٍ. والقولُ الأوَّلُ شامِلٌ لمعنى القولِ الثالثِ. والمعنى الثاني ليس مرادًا دون الأولِ قطعًا، ولكِنْ لا منافاةَ بين أن تكونَ سَيِّئةُ العَمَلِ وسَيِّئةُ الجزاءِ مِن نَفْسِه، مع أنَّ الجميعَ مُقَدَّرٌ، فإنَّ المعصيةَ الثانيةَ قد تكونُ عقوبةَ الأُولى، فتكونُ من سيِّئاتِ الجزاءِ، مع أنها من سَيِّئاتِ العَمَلِ، والحسَنةَ الثانيةَ قد تكونُ من ثوابِ الأُولى، كما دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ. وليس للقَدَريَّةِ أن يحتَجُّوا بقَولِه تعالى: فَمِنْ نَفْسِكَ، فإنهم يقولون: إنَّ فِعْلَ العبدِ -حسنةً كان أو سيئةً- فهو منه لا من اللهِ! والقرآنُ قد فَرَّق بينهما، وهم لا يُفَرِّقون، ولأنَّه قال تعالى: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فجعل الحسناتِ من عند اللهِ، كما جعل السيِّئاتِ من عندِ اللهِ، وهم لا يقولون بذلك في الأعمالِ، بل في الجزاءِ. وقَولُه بعد هذا: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ، ومِنْ سَيِّئَةٍ مِثْلُ قَولِه: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ.
وفَرَّق سُبحانَه وتعالى بين الحسَناتِ التي هي النِّعَمُ، وبين السيِّئاتِ التي هي المصائِبُ، فجعل هذه من اللهِ، وهذه من نَفسِ الإنسانِ؛ لأنَّ الحسنةَ مُضافةٌ إلى اللهِ؛ إذ هو أحسَنَ بها من كُلِّ وجهٍ، فما من وَجهٍ من أوجُهِها إلَّا وهو يقتضي الإضافةَ إليه، وأمَّا السَّيِّئةُ فهو إنما يخلُقُها لحِكمةٍ، وهي باعتبارِ تلك الحِكمةِ من إحسانِه، فإنَّ الرَّبَّ لا يفعَلُ سَيِّئةً قطُّ، بل فِعْلُه كُلُّه حَسَنٌ وخيرٌ)( .
ومِن أقوالِ أهلِ العِلْمِ في مَرتبةِ الخَلْقِ:
1- قال أبو حنيفةَ: (نُقِرُّ بأنَّ العبدَ مع أعمالِه وإقرارِه ومعرفتِه مخلوقٌ، فلمَّا كان الفاعِلُ مخلوقًا، فأفعالُه أَولى أن تكونَ مخلوقةً)( .
2- قال الشَّافعي: (النَّاسُ لم يخلُقُوا أعمالَهم، بل هي خَلقٌ من اللهِ تعالى، فِعلٌ للعِبادِ)( .
3- قال حَنبلٌ: (سألتُ أبا عبدِ اللهِ يعني: أحمدَ بنَ حَنبلٍ، قلتُ: أفاعيلُ العبادِ مخلوقةٌ؟ قال: نعم، مُقَدَّرةٌ عليهم بالشَّقاءِ والسَّعادةِ، قُلتُ له: الشقاءُ والسعادةُ مكتوبان على العبدِ؟ قال: نعم، سابِقٌ في علمِ اللهِ، وهما في اللَّوحِ المَحفوظِ قبل أن يَخلُقَه، والشقاءُ والسعادةُ من اللهِ عزَّ وجَلَّ)( .
4- قال البخاري: (سمعتُ عُبيدَ اللهِ بنَ سعيدٍ يقولُ: سمعتُ يحيى بن سعيدٍ يقولُ: ما زلتُ أسمعُ أصحابَنا يقولون: إنَّ أفعالَ العِبادِ مَخلوقةٌ. قال أبو عبدِ اللهِ يعني: البخاريَّ: حركاتُهم وأصواتُهم واكتسابُهم وكتابتُهم مخلوقةٌ)( .
5- قال الطحاوي: (أفعالُ العبادِ خَلقُ اللهِ وكَسبٌ من العبادِ)( .
6- قال أبو الحسنِ الأشعريُّ: (أجمعوا على أنَّه تعالى قد قدَّر جميعَ أفعالِ الخَلْقِ وآجالِهم وأرزاقِهم قبل خَلقِه لهم)( .
7- قال أبو بكرٍ الإسماعيليُّ في اعتقادِ أهلِ السُّنَّة: (يقولونَ: إنَّه لا خالِقَ على الحقيقةِ إلَّا اللهُ عزَّ وجَلَّ، وأنَّ أكسابَ العبادِ كُلَّها مخلوقةٌ للهِ، وأنَّ اللهَ يهدي من يشاءُ ويُضِلُّ من يشاءُ، لا حُجَّةَ لِمن أضلَّه اللهُ عزَّ وجَلَّ، ولا عُذرَ، كما قاله اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [الأنعام: 149] )( .
8- قال ابنُ أبي زَمَنين: (المقاديرُ كُلُّها: خَيرُها وشَرُّها، حُلوُها ومُرُّها من اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ فإنَّه خَلَق الخَلْقَ، وقد علم ما يعملون، وما إليه يصيرون، فلا مانِعَ لِما أعطى، ولا معطِيَ لِما منع)( .
9- قال ابنُ حزم: (اتَّفقوا أنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ وَحْدَه لا شريكَ له خالِقُ كُلِّ شَيءٍ غيرِه... خلق الأشياءَ كُلَّها كما شاء)( .
10- قال البيهقيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ هو الإيمانُ بتقَدُّمِ عِلمِ اللهِ سُبحانَه بما يكونُ من أكسابِ الخَلْقِ وغَيرِها من المخلوقاتِ، وصُدورِ جميعِها عن تقديرٍ منه، وخلْقٍ لها خيرِها وشرِّها)( .
11- قال البغويُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ فَرضٌ لازمٌ، وهو أن يعتقِدَ أنَّ اللهَ تعالى خالِقُ أعمالِ العِبادِ، خيرِها وشَرِّها، كتبها عليهم في اللَّوحِ المَحفوظِ قبل أن يَخلُقَهم، قال اللهُ سُبحانَه وتعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات: 96] ، وقال اللهُ عزَّ وجَلَّ: قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: 16] ، وقال عزَّ وجَلَّ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر: 49])( .
12- قال يحيى بنُ أبي الخيرِ العُمرانيُّ في بيانِ عقيدةِ أصحابِ الحديثِ: (وأنَّ اللهَ خلق أفعالَ العبادِ وأقوالَهم، ونيَّاتِهم وخَطَراتِهم في الطَّاعةِ والمعصيةِ، وأنَّه أمرهم بالطَّاعةِ، ونهاهم عن المعصيةِ)( .
13- قال ابنُ تيميَّةَ: (أفعالُ العِبادِ مَخلوقةٌ باتِّفاقِ سَلَفِ الأُمَّة وأئِمَّتها، كما نَصَّ على ذلك سائِرُ أئمَّةِ الإسلامِ: الإمامُ أحمدُ ومَن قَبلَه وبَعدَه حتى قال بعضُهم: من قال: إنَّ أفعالَ العِبادِ غيرُ مخلوقةٍ، فهو بمنزلةِ من قال: إنَّ السماءَ والأرضَ غيرُ مخلوقةٍ)( .
14- قال ابنُ أبي العزِّ: (قال أهلُ الحقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحقُّ سُبحانَه وتعالى منفرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( .
15- قال صُنْعُ اللَّهِ الحلبيُّ: (الإيمانُ بالقَدَرِ خَيرِه وشَرِّه: بأن َّكلًّا منهما بخَلقِه تعالى وإرادتِه، فما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكُنْ، فالكُفرُ والمعاصي بخَلقِه تعالى وإرادتِه، وكذا الطاعاتُ وفِعلُ الخيراتِ؛ إذ لا خالِقَ غيرُه، قال جَلَّ ذِكرُه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر: 62] ، وهَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر: 3] )( .
16- قال حُسينُ بنُ غنَّامٍ الأحسائيُّ: (إنَّ اللهَ خلق أفعالَ عبادِه كُلَّها من الكُفرِ والإيمانِ والطاعةِ والعِصيانِ)( .
17- قال الشنقيطيُّ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ [هود: 119] : (أي: خلقهم لأن يختَلِفوا إلى مؤمنٍ وكافرٍ، وبَرٍّ وفاجرٍ، وشَقيٍّ وسعيدٍ؛ لِيَصرِفَ كلًّا إلى ما كُتِب له في الأزَلِ، ولتظهَرَ فيهم آثارُ صِفاتِ اللهِ تعالى وأسمائِه؛ من رحمةٍ ورِضًا، وثوابٍ للمُطيعين، وقَهرٍ وجَبَروتٍ وشِدَّةِ عذابٍ للعاصين)( .
18- قال ابنُ عثيمين: (إنَّ اللهَ تعالى خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنْ لا خالِقَ إلَّا اللهُ؛ فيَجِبُ الإيمانُ بعُمومِ خَلقِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، وأنَّه خالِقُ كُلِّ شَيءٍ، حتى أعمالِ العِبادِ؛ لقَولِه تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد: 16] ، وعَمَلُ الإنسانِ مِنَ الشَّيءِ، وقال تعالى: وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا [الفرقان: 2] ... والآياتُ في هذا كثيرةٌ)( .
وللعبادِ قُدرةٌ وإرادةٌ ومشيئةٌ واختيارٌ.
فمع اعتقادِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ وخالِقُ العِبادِ وأفعالِهم؛ فإنهم يعتَقِدون أنَّ للعبادِ قُدرةً ومشيئةً على أعمالِهم، ويُفَرِّقون بين ما يفعله العبدُ اضطِرارًا وما يفعَلُه اختيارًا.
فللعبدِ قُدرةٌ ومشيئةٌ على فِعْلِه، واللهُ عزَّ وجَلَّ هو الذي خلق في العبدِ قُدرتَه ومشيئتَه.
ومن الأدِلَّةِ على ذلك:
قَولُ اللهِ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ [المدثر: 37] .
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [الكهف: 29] .
وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [المزمل: 19] .
وقَولُ اللهِ تعالى: ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا [النبأ: 39] .
وقَولُ اللهِ سُبحانَه: كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [عبس: 11، 12].
وقَولُ اللهِ عزَّ وجَلَّ: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29].
قال ابنُ قُتيبةَ: (عَدلُ القَولِ في القَدَرِ أن تعلَمَ أنَّ اللهَ عَدلٌ لا يجورُ، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنَّه لا يخرجُ من قُدرتِه شَيءٌ، ولا يكونُ في مَلَكوتِه من السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا ما أراد، وأنَّه لا دَيْنَ لأحَدٍ عليه، ولا حَقَّ لأحدٍ قِبَلَه، فإن أعطى فبفَضلٍ، وإن منع فبعَدلٍ، وأنَّ العبادَ يستطيعون ويعمَلون، ويُجَزون بما يَكسِبون)( .
وقال الخطابي: (اللهُ سُبحانَه وتعالى خالِقُ الخيرِ والشَّرِّ جميعًا، لا يكونُ شيءٌ منهما إلَّا بمشيئتِه، فهما مضافان إليه سُبحانَه وتعالى خَلْقًا وإيجادًا، وإلى الفاعِلينَ لهما من عبادِه فِعلًا واكتِسابًا)( .
وقال نجمُ الدِّينِ النَّسفيُّ: (للعبادِ أفعالٌ اختياريَّةٌ يُثابون بها ويُعاقبون عليها)( .
وقال يحيى بن أبي الخيرِ العمرانيُّ: (على هذا القَصدِ والاختيارِ وقع المدحُ والذَّمُّ والثَّوابُ والعِقابُ، إلَّا أنَّ اللهَ هو الخالِقُ لقَصْدِنا ومشيئتِنا؛ لأنَّه شيءٌ، وقد قال اللهُ تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، ومَشيئَتُنا وقعت بمشيئةِ اللهِ. قال اللهُ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)( .
وقال القرطبيُّ: (إنَّ المهتَدِينَ من المؤمنين إنما هداهم اللهُ تعالى إلى الإيمانِ والطَّاعةِ على طريقِ الاختيارِ، حتى يصِحَّ التكليفُ، فمن شاء آمن وأطاع اختيارًا لا جبرًا، قال اللهُ تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28] ، وقال: فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الإنسان: 29] ، ثمَّ عقَّب هاتين الآيتينِ بقَولِه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] فوقع إيمانُ المؤمنين بمشيئتِهم، ونفى أن يشاؤوا إلَّا أن يشاءَ اللهُ؛ ولهذا فَرَّطَت المُجْبِرةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ اللهِ تعالى، فقالوا: الخَلْقُ مجبورون في طاعتِهم كُلِّها، التفاتًا إلى قَولِه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، وفَرَّطت القَدَريَّةُ لَمَّا رأوا أنَّ هدايتَهم إلى الإيمانِ... بمشيئةِ العِبادِ، فقالوا: الخَلْقُ خالِقون لأفعالِهم، التفاتًا منهم إلى قَولِه تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [التكوير: 28] ، ومَذهَبُنا هو الاقتصادُ في الاعتقادِ، وهو مَذهَبٌ بين مَذهَبيِ المُجْبِرة والقَدَريَّةِ، وخيرُ الأمورِ أوساطُها، وذلك أنَّ أهلَ الحَقِّ قالوا: نحن نُفَرِّقُ بين ما اضطُرِرْنا إليه وبين ما اختَرْناه، وهو أنَّا نُدرِكُ تَفرِقةً بين حركةِ الارتعاشِ الواقعةِ في يَدِ الإنسانِ بغيرِ محاولتِه وإرادتِه، ولا مقرونةٌ بقُدرتِه، وبين حركةِ الاختيارِ إذا حرَّك يدَه حركةً مماثِلةً لحركةِ الارتعاشِ، ومن لا يُفَرِّقُ بين الحركتينِ: حَرَكةِ الارتعاشِ وحَركةِ الاختيارِ، وهما موجودتان في ذاتِه، ومحسوستان في يدِه بمشاهَدتِه وإدراكِ حاسَّتِه، فهو معتوهٌ في عَقلِه، ومختلٌّ في حِسِّه، وخارجٌ مِن حزبِ العُقَلاءِ، وهذا هو الحَقُّ المُبِينُ، وهو طريقٌ بين طريقَيِ الإفراطِ والتفريطِ، وكِلا طَرَفيْ قَصدِ الأمورِ ذَميمٌ)( .
وقال ابنُ حمدان الحنبليُّ: (فِعلُ العَبدِ مختارٌ مُيَسَّرٌ في كَسبِ الطاعةِ واكتسابِ المعصيةِ، غيرُ مُكرَهٍ ولا مجبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، واللهُ الخالِقُ ما كسبه العبدُ واكتسبه وفعَلَه)( .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (وممَّا اتَّفَق عليه سَلَفُ الأُمَّةِ وأئمَّتُها مع إيمانهم بالقَضاءِ والقَدَرِ وأنَّ اللهَ خالِقُ كُلِّ شيءٍ، وأنَّه ما شاء كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ، وأنَّه يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاءُ: أنَّ العِبادَ لهم مشيئةٌ وقُدرةٌ يفعلون بمشيئتِهم وقُدرتِهم ما أقدَرَهم اللهُ عليه مع قَولهم: إنَّ العبادَ لا يشاؤونَ إلَّا أن يشاءَ اللهُ. كما قال اللهُ تعالى: كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 54 - 56] الآية. وقال تعالى: إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: 29، 30]، وقال: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 27 - 29]، والقرآنُ قد أخبر بأنَّ العبادَ يُؤمِنون ويَكفُرون ويفعلون ويَعمَلون ويَكسِبون ويُطيعون ويَعصُون ويُقيمون الصَّلاةَ ويُؤتون الزكاةَ ويحُجُّون ويعتَمِرون ويقتُلون ويَزنون ويَسرِقون ويَصدُقون ويَكذِبون ويأكُلون ويَشرَبون ويقاتِلون ويحارِبون، فلم يكُنْ من السَّلَفِ والأئمَّةِ من يقولُ: إنَّ العبدَ ليس بفاعلٍ ولا مختارٍ ولا مُريدٍ ولا قادرٍ، ولا قال أحدٌ منهم: إنَّه فاعِلٌ مجازًا، بل من تكلَّم منهم بلفظِ الحقيقةِ والمجازِ مُتَّفِقون على أنَّ العبدَ فاعِلٌ حقيقةً، واللهُ تعالى خالِقُ ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه. وأوَّلُ من ظَهَر عنه إنكارُ ذلك هو الجَهمُ بنُ صَفوانَ وأتباعُه، فحُكِيَ عنهم أنهم قالوا: إنَّ العبدَ مجبورٌ وإنَّه لا فِعْلَ له أصلًا وليس بقادرٍ أصلًا)( .
وقال أيضًا: (إنَّ أهلَ السُّنَّةِ يقولون: إنَّ العبدَ له مشيئةٌ وقُدرةٌ وإرادةٌ، وهو فاعِلٌ لفِعلِه حقيقةً، وينهَون عن إطلاقِ "الجَبْرِ"؛ فإنَّ لَفظَ "الجبرِ" يُشعِرُ أنَّ اللهَ أجبر العبدَ على خلافِ مُرادِ العبدِ كما تُجبَرُ المرأةُ على النِّكاحِ، وليس كذلك، بل العبدُ مختارٌ يفعَلُ باختيارِه ومشيئتِه ورِضاه ومحبَّتِه، ليس مجبورًا عديمَ الإرادةِ، واللهُ خالِقُ هذا كُلِّه)( .
وقال أيضًا: (إنَّ المشهورَ إطلاقُ لفظِ الجبرِ والإجبارِ على ما يُفعَلُ بدونِ إرادةِ المجبورِ، بل مع كراهتِه، كما يجبرُ الأبُ ابنَتَه على النِّكاحِ، وهذا المعنى منتَفٍ في حقِّ اللهِ تعالى؛ فإنَّه سُبحانَه لا يخلُقُ فِعْلَ العبدِ الاختياريِّ بدونِ اختيارِه، بل هو الذي جعله مُريدًا مختارًا، وهذا لا يَقدِرُ عليه أحَدٌ إلَّا اللهُ.
ولهذا قال من قال من السَّلَف: اللهُ أعظَمُ وأجَلُّ مِن أن يُجبِرَ، إنما يجبِرُ غَيرُه من لا يَقدِرُ على جَعْلِه مختارًا، واللهُ تعالى يجعَلُ العَبْدَ مُختارًا، فلا يحتاجُ إلى إجبارِه)( .
وقال ابنُ القَيِّمِ في تفسيرِ قَولِ اللهِ تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 26] : (الذي دلَّت عليه الآيةُ مع سائرِ أدِلَّةِ التوحيدِ، وأدِلَّةِ العَقلِ الصريحِ: أنَّ مشيئةَ العِبادِ من جملةِ الكائناتِ التي لا تُوجَدُ إلَّا بمشيئةِ اللهِ سُبحانَه وتعالى، فما لم يشَأْ لم يكُنِ البتَّةَ، كما أنَّ ما شاء كان ولا بدَّ.
ولكِنْ هاهنا أمرٌ يجِبُ التنبيهُ عليه، وهو أنَّ مشيئةَ اللهِ سُبحانَه تارةً تتعَلَّقُ بفِعلِه، وتارةً تتعَلَّقُ بفِعلِ العَبدِ.
فتعَلُّقُها بفِعْلِه سُبحانَه هو أن يشاءَ مِن نَفْسِه إعانةَ عَبدِه وتوفيقَه وتهيئتَه للفِعْلِ، فهذه المشيئةُ تستلزِمُ فِعْلَ العَبدِ ومَشيئَتَه، ولا يكفي في وقوعِ الفِعلِ مَشيئةُ اللهِ لِمشيئةِ عَبْدِه، دون أن يشاءَ فِعْلَه، فإنَّه سُبحانَه قد يشاءُ من عَبدِه المشيئةَ وَحدَها، فيشاءُ العبدُ الفِعلَ ويُريدُه ولا يفعَلُه؛ لأنَّه لم يشَأْ من نفسِه سُبحانَه إعانتَه عليه، وتوفيقَه له.
وقد دلَّ على هذا وهذا قَولُه تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير: 29] ، وقَولُه تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر: 56] .
وهاتان الآيتان متضَمِّنتانِ: إثباتَ الشَّرعِ والقَدَرِ، والأسبابِ والمُسَبَّباتِ، وفِعْلِ العَبدِ واستِنادِه إلى فِعلِ الرَّبِّ.
ولكلٍّ منهما عُبوديةٌ تختصُّ بها:
فعُبوديةُ الآيةِ الأولى: الاجتهادُ، واستفراغُ الوُسعِ، والاختيارُ والسَّعيُ. وعُبوديةُ الثانيةِ: الاستعانةُ باللهِ، والتوكُّلُ عليه، واللَّجَأُ إليه، واستنزالُ التوفيقِ والعونِ منه، والعِلْمُ بأنَّ العبدَ لا يمكِنُه أن يشاءَ ولا يفعَلَ حتى يجعَلَه اللهُ كذلك.
وقَولُه: رَبُّ الْعَالَمِينَ ينتَظِمُ ذلك كُلَّه ويتضَمَّنُه، فمن عطَّل أحدَ الأمرينِ فقد جحد كمالَ الرُّبوبيةِ وعَطَّلها. وباللهِ التوفيقُ)( .
وقال الكرمانيُّ في شَرحِ ترجمةِ البخاريِّ (بابُ قَولِ اللهِ تعالى: فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا [البقرة: 22] 😞 (الترجمةُ مُشعِرةٌ بأنَّ المقصودَ من البابِ إثباتُ نَفيِ الشَّريكِ عن اللهِ تعالى، فكان المناسِبُ ذِكْرَه في أوائِلِ كتابِ التوحيدِ. قلتُ: ليس المقصودُ ذلك، بل هو بيانُ أفعالِ العِبادِ بخَلقِ اللهِ تعالى؛ إذ لو كانت أفعالهم بخَلقِهم لكانوا شُرَكاءَ للهِ تعالى وأندادًا له في الخَلْقِ؛ ولهذا عُطِف وما ذُكِر عليه، وفيه الرَّدُّ على الجَهميَّةِ؛ حيث قالوا: لا قُدرةَ للعَبدِ أصلًا، وعلى المعتَزِلةِ؛ حيث قالوا: لا دَخْلَ لقُدرةِ اللهِ تعالى فيها؛ إذ المَذهَبُ الحَقُّ أنْ لا جَبْرَ ولا قَدَرَ، ولكِنْ أمرٌ بين الأمرينِ، أي: بخَلقِ اللهِ، وكَسْبِ العَبدِ)( .
وقال ابنُ أبي العزِّ: (اختلف النَّاسُ في أفعالِ العِبادِ الاختياريَّةِ... وقال أهلُ الحَقِّ: أفعالُ العِبادِ بها صاروا مطيعين وعُصاةً، وهي مخلوقةٌ للهِ تعالى، والحَقُّ سُبحانَه وتعالى منفَرِدٌ بخَلقِ المخلوقاتِ، لا خالِقَ لها سواه)( .
وقال جمال الدين القاسميُّ: (معنا قضيتانِ قطعِيَّتَا الثُّبوتِ:
إحداهما: كونُ الإنسانِ يَعمَلُ بقُدرةٍ وإرادةٍ يَبعَثُها عِلْمُه على الفِعلِ أو التركِ والكَفِّ، وهي بديهيَّةٌ.
والثانية: هي أنَّ اللهَ هو الخالِقُ الذي بيَدِه ملَكوتُ كُلِّ شَيءٍ، وهي نظريَّةٌ.
.... القَضاءُ عِبارةٌ عن تعَلُّقِ عِلمِ اللهِ تعالى أو إرادتِه في الأزَلِ بأنَّ الشَّيءَ يكونُ على الوَجهِ المخصوصِ مِنَ الوُجوهِ المُمكِنةِ، والقَدَرُ وُقوعُ الأشياءِ فيما لا يزالُ على وَفقِ ما سبق في الأزَلِ.
ومن الأشياءِ التي يتعَلَّقُ بها القَضاءُ والقَدَرُ أفعالُ العِبادِ الاختياريَّةُ، فإذا كان قد سبق القَضاءُ المبرَمُ بأنَّ زيدًا يعيشُ كافرًا ويموتُ كافرًا، فما معنى مطالبتِه بالإيمانِ وهو ليس في طاقتِه، ولا يمكِنُ في الواقِعِ ونَفسِ الأمرِ أن يَصدُرَ منه؛ لأنَّه في الحقيقةِ مجبورٌ على الكُفرِ في صورةِ مُختارٍ له، كما قال بعضُهم؟!
والجوابُ عن هذا: أنَّ تعَلُّقَ العِلْمِ والإرادةِ بأنَّ فُلانًا يفعَلُ كذا لا ينافي أن يفعَلَه باختيارٍ، إلَّا إذا تعلَّق العِلْمُ بأن يفعَلَه مُضطرًّا كحركةِ المُرتَعِشِ مثلًا، ولكِنَّ أفعالَ العِبادِ الاختياريَّةَ قد سبق في القَضاءِ بأنها تقَعُ اختياريَّةً، أي: بإرادةِ فاعليها لا رغمًا عنهم، وبهذا صَحَّ التكليفُ، ولم يكُنْ التشريعُ عَبَثًا ولا لَغْوًا)( .
وقال السَّعديُّ: (من أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ:... أنَّ أعمالَ العِبادِ كُلَّها خَيْرَها وشَرَّها داخلةٌ في قضائِه وقُدرتِه تعالى، مع وقوعِها طِبْقَ إرادتهم وقدرتهم، ولم يجبِرْهم عليها؛ فإنَّه خلق لهم جميعَ القُوى الظَّاهِرةِ والباطنةِ، ومنها القُدْرةُ والإرادةُ التي بها يختارونَ وبها يفعلونَ)( .
وقال أيضًا: (ومن جملةِ الأشياءِ: أفعالُ العِبادِ طاعتُهم ومعاصيهم، فهو تعالى يَعلَمُها إجمالًا وتفصيلًا قبل أن يَعمَلوها.
وأعمالهم وأفعالهم داخلةٌ تحت مشيئةِ اللهِ وإرادتِه؛ فقد شاءها منهم وأرادها، ولم يجبِرْهم لا على الطَّاعاتِ، ولا على المعاصي، بل هم الذين فعلوها باختيارِهم، كما قال تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28، 29].
فهذه الآيةُ فيها: رَدٌّ على القَدَريَّةِ النُّفاةِ، وعلى القَدَريَّةِ المُجْبِرةِ، وإثباتٌ للحَقِّ الذي عليه أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، فقَولُه: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أثبتت أنَّه لهم مشيئةً حقيقيَّةً وفِعلًا حقيقيًّا، وهو الاستقامةُ باختيارِهم. فهذا ردٌّ على الجَبْريَّةِ.
وقَولُه: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أخبر أنَّ مشيئتَهم تابِعةٌ لمشيئةِ اللهِ، وأنها لا توجَدُ بدونِها. فما شاء اللهُ كان وما لم يشَأْ لم يكُنْ. ففيها ردٌّ على القَدَريةِ القائلين: إنَّ مشيئةَ العِبادِ مستقِلَّةٌ، وليست تابعةً لِمشيئةِ اللهِ. بل عندهم: يشاءُ العِبادُ ويفعلون ما لا يشاؤه اللهُ ولا يُقَدِّرُه!
ودلَّت الآيةُ على الحَقِ الواضِحِ، وهو: أنَّ العِبادَ هم الذين يعملون الطاعاتِ والمعاصيَ حقيقةً، وليسوا مجبورين عليها، وأنها مع ذلك تابعةٌ لِمشيئةِ اللهِ، كما تقدَّم كيفيَّةُ وَجهِ ذلك، والآياتُ الدَّالَّاتُ على هذا كثيرةٌ جِدًّا)( .
وقال أيضًا في حديثِ: ((اعمَلوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِق له ))( : (توضيحُ ذلك: أنَّ العبدَ إذا صلَّى وصام وعَمِلَ الخيرَ، أو عمل شيئًا من المعاصي، كان هو الفاعِلَ لذلك العَمَلِ الصَّالحِ وذلك العمَلِ السَّيِّئ، وفِعلُه المذكورُ بلا ريبٍ واقِعٌ باختيارِه، وهو يحِسُّ ضَرورةً أنَّه غيرُ مجبورٍ على الفِعلِ أو التركِ، وأنَّه لو شاء لم يفعَلْ، وكما أنَّ هذا هو الواقِعُ، فهو الذي نصَّ اللهُ عليه في كتابِه ونصَّ عليه رسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ حيث أضاف الأعمالَ صالحَها وسيِّئَها إلى العِبادِ، وأخبر أنهم الفاعِلون لها، وأنهم محمودون عليها إن كانت صالحةً ومُثابون عليها ومذمومون إن كانت سيِّئةً ومعاقَبون عليها. فقد تبَيَّن بهذا واتَّضَح أنها واقعةٌ منهم وباختيارِهم، وأنهم إن شاؤوا فعلوا، وإن شاؤوا تركوا، وأنَّ هذا الأمرَ ثابِتٌ عَقلًا وحِسًّا وشرعًا ومشاهَدةً.
... اللهُ هو الذي خلق قُدرَتَهم وإرادتَهم، وهو الذي خلق ما به تقعُ الأفعالُ، كما أنَّه الخالِقُ للأفعالِ، وهذا هو الذي يحُلُّ الإشكالَ، ويتمكَّنُ العَبدُ أن يعقِلَ بقَلْبِه اجتماعَ القَدَرِ والقَضاءِ والاختيارِ.
ومع ذلك فهو تعالى أمدَّ المؤمنين بأسبابٍ وألطافٍ وإعاناتٍ مُتنوِّعةٍ، وصرف عنهم الموانِعَ، كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أمَّا من كان من أهلِ السَّعادةِ فيُيَسَّرُ لعمَلِ أهلِ السَّعادةِ ))( ، وكذلك خَذَل الفاسقين ووكَلَهم إلى أنفُسِهم ولم يُعِنْهم؛ لأنهم لم يؤمِنوا به، ولم يتوكَّلوا عليه، فوَلَّاهم ما توَلَّوه لأنفُسِهم)( .
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ: (للعبادِ قُدرةٌ على أعمالِهم، ولهم مشيئةٌ وإرادةٌ، وأفعالُهم تضافُ إليهم حقيقةً وبحَسَبِها كُلِّفوا، وعليها يُثابون ويُعاقبون، ولم يُكَلِّفْهم اللهُ إلَّا وُسْعَهم، وقد أثبت لهم ذلك في الكِتابِ والسُّنَّةِ، ووصفهم به، ولكِنَّهم لا يَقدِرون إلَّا على ما أقدرهم اللهُ عليه، ولا يشاؤون إلَّا أن يشاءَ اللهُ، ولا يفعلون إلَّا بجَعْلِه إيَّاهم فاعلين، كما تقدَّم في نصوصِ المشيئةِ والإرادةِ والخَلْقِ، فكما لم يُوجِدوا أنفُسَهم لم يُوجِدوا أفعالَهم، فقُدرتُهم ومشيئتُهم وإرادتُهم وأفعالُهم تابعةٌ لقدرتِه ومشيئتِه وإرادتِه وفِعْلِه؛ إذ هو خالِقُهم وخالِقُ قُدرتِهم وإرادتِهم ومشيئتِهم وأفعالِهم، وليس مشيئَتُهم وإرادتُهم وقدرتُهم وأفعالُهم هي عَينَ مَشيئةِ اللهِ وإرادتِه وقُدرتِه وأفعالِه، كما ليس هم إيَّاه، تعالى اللهُ عن ذلك، بل أفعالُهم المخلوقةُ للهِ قائمةٌ بهم لائقةٌ بهم مضافةٌ إليهم حقيقةً، وهي من آثارِ أفعالِ اللهِ القائمةِ به اللائِقةِ المضافةِ إليه حقيقةً؛ فاللهُ فاعِلٌ حقيقةً، والعبدُ مُنفَعِلٌ حقيقةً، واللهُ هادٍ حقيقةً، والعبدُ مُهتَدٍ حقيقةً؛ ولهذا أضاف كُلًّا من الفعلينِ إلى من قام به، فقال تعالى: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ [الأعراف: 178] فإضافةُ الهدايةِ إلى اللهِ حقيقةٌ، وإضافةُ الاهتداءِ إلى العَبدِ حقيقةٌ، فكما ليس الهادي هو عَينَ المُهتَدِي، فكذلك ليس الهدايةُ هي عينَ الاهتداءِ، وكذلك يُضِلُّ اللهُ من يشاءُ حقيقةً، وذلك العَبدُ يكونُ ضالًّا حقيقةً، وهكذا جميعُ تصَرُّفِ اللهِ في عبادِه، فمن أضاف الفِعْلَ والانفعالَ إلى العبدِ كَفَر، ومن أضافه إلى اللهِ كَفَر، ومن أضاف الفِعلَ إلى الخالِقِ والانفعالَ إلى المخلوقِ كلاهما حقيقةً، فهو المؤمِنُ حقيقةً)( .
وقال الشنقيطيُّ: (حاصِلُ هذا أنَّ اللهَ تبارك وتعالى قدَّر مقاديرَ الخَلْقِ قبل أن يَخلُقَ الخَلْقَ، وعَلِم أنَّ قومًا صائرون إلى الشَّقاءِ وقومًا صائرون إلى السَّعادةِ، فريقٌ في الجنَّةِ وفريقٌ في السعيرِ. وأقام الحُجَّةَ على الجميعِ ببَعْثِ الرُّسُلِ وتأييدِهم بالمُعجِزاتِ التي لا تَتركُ في الحَقِّ لَبْسًا، فقامت عليهم حُجَّةُ اللهِ في أرْضِه بذلك.
ثمَّ إنَّه تعالى وفَّق من شاء توفيقَه، ولم يوفِّقْ من سبق لهم في عِلْمِه الشَّقاءُ الأزليُّ، وخَلَق لكُلِّ واحدٍ منهم قدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على تحصيلِ الخيرِ والشَّرِّ، وصَرَف قدرتَهم وإراداتِهم بقدرتِه وإرادتِه إلى ما سبق لهم في عِلمِه من أعمالِ الخيرِ المُستوجِبةِ للسعادةِ، وأعمالِ الشَّرِّ المستوجِبةِ للشقاءِ؛ فأَتَوا كُلَّ ما أَتَوا، وفعلوا كُلَّ ما فعلوا، طائعينَ مختارينَ غيرَ مجبورينَ ولا مقهورينَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، وادِّعاءُ أنَّ العبدَ مجبوٌر لا إرادةَ له ضروريُّ السُّقوطِ عند عامَّةِ العُقَلاءِ، ومن أعظَمِ الضرورياتِ الدَّالَّةِ عليه: أنَّ كُلَّ عاقلٍ يَعلَمُ أنَّ بين الحركةِ الاختياريةِ والحركةِ الاضطراريَّةِ كحَركةِ المرتَعِشِ فَرقًا ضروريًّا، لا ينكِرُه عاقِلٌ... ومِن أعظَمِ الأدِلَّةِ القَطعيَّةِ الدَّالَّةِ على بطلانِ مَذهَبِ القَدَريةِ، وأنَّ العبدَ لا يَستقِلُّ بأفعالِه دون قُدرةِ اللهِ ومشيئتِه: أنَّه لا يمكِنُ أحدًا أن ينكِرَ عِلمَ اللهِ بكُلِّ شيءٍ قبل وقوعِه، والآياتُ والأحاديثُ الدَّالَّةُ على هذا لا يُنكِرُها إلَّا مكابِرٌ، وسبْقُ علمِ اللهِ بما يقعُ من العبدِ قبل وقوعِه بُرهانٌ قاطعٌ على بطلانِ تلك الدعوى...
ولا إشكالَ البتَّةَ في أنَّ اللهَ يخلُقُ للعَبدِ قُدرةً وإرادةً يَقدِرُ بها على الفِعلِ والتركِ، ثمَّ يَصرِفُ اللهُ بقدرتِه وإرادتِه قدرةَ العبدِ وإرادتَه إلى ما سبق به عِلْمُه، فيأتيه العبدُ طائعًا مختارًا غيرَ مقهورٍ ولا مجبورٍ، وغيرَ مُستَقِلٍّ به دونَ قُدرةِ اللهِ وإرادتِه، كما قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [التكوير: 29] )( .
وقال ابنُ عثيمين: (قال المؤلِّفُ يعني: ابنَ تيميَّةَ: «وهم وسَطٌ في بابِ أفعالِ اللهِ بين الجَبْريَّةِ والقَدَريَّةِ».
الشَّرحُ:
* في بابِ القَدَرِ انقسم النَّاسُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:... والقِسمُ الثَّالِثُ: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، قالوا: نحن نأخذُ بالحَقِّ الذي مع الجانبينِ، فنقولُ: إنَّ فِعلَ العبدِ واقِعٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ، ولا يمكِنُ أن يكونَ في مُلكِ اللهِ ما لا يشاؤه أبدًا، والإنسانُ له اختيارٌ وإرادةٌ، ويُفَرِّقُ بين الفعلِ الذي يُضطَرُّ إليه والفِعلِ الذي يختارُه؛ فأفعالُ العِبادِ باختيارِهم وإرادتِهم، ومع ذلك فهي واقعةٌ بمشيئةِ اللهِ وخَلْقِه.
لكنْ سيبقى عندنا إشكالٌ: كيف تكونُ خَلقًا للهِ وهي فِعلُ الإنسانِ؟!
والجوابُ: أنَّ أفعالَ العَبدِ صدَرَت بإرادةٍ وقدرةٍ، والذي خلق فيه الإرادةَ والقُدْرةَ هو اللهُ عزَّ وجَلَّ. لو شاء اللهُ تعالى لسلبك القُدْرةَ؛ فلم تستَطِعْ، ولو أنَّ أحدًا قادِرًا لم يُرِدْ فِعلًا لم يقَعِ الفِعلُ منه، كُلُّ إنسانٍ قادِرٌ يفعَلُ الفِعلَ؛ فإنَّه بإرادتِه، اللَّهُمَّ إلَّا من أُكرِهَ. فنحن نفعلُ باختيارِنا وقُدرتِنا، والذي خلق فينا الاختيارَ والقُدْرةَ هو اللهُ)(


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×