امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 23 سبتمبر ثالثًا: التَّصَدُّقُ من الجَيِّدِ وممَّا يُحِبُّ يُستحَبُّ أن يتصَدَّقَ مِن الجَيِّدِ لا الرَّديءِ، ولا سيَّما إن كان ممَّا يحِبُّه المرءُ . الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ: أ- مِنَ الكِتابِ1- قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ [البقرة: 267] . (يَحُثُّ اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين على أن يُزكُّوا ويتصدَّقوا من أجوَدِ أموالِهم التي اكتَسَبوها حلالًا بالتِّجارةِ، وأمَرَهم أن يُنفِقوا من الثِّمارِ والزُّروعِ والرِّكازِ والمعادِنِ التي أخرَجها لهم سُبحانَه من الأرضِ، فكما منَّ عليهم بتيسيرِ الحُصولِ على ذلك، فلْيُنفِقوا منه شكرًا له عزَّ وجلَّ. وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ أي: لا تَقصِدوا الرَّديءَ من أموالِكم فتتصَدَّقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفُسِكم؛ فإنَّ هذا ليس من العَدلِ في شيءٍ، ولكِنْ تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ، فإنَّكم لو كنتُم مكانَ آخِذِ الصَّدَقةِ والحالةُ هذه، فلستُم بآخِذيها إلَّا على وَجهِ التَّسامُحِ والتَّغاضي عن ذلك، فإنَّكم لكَراهتِكم إيَّاه تُغمِضون بَعضَ بَصَرِكم عنه؛ إذ لا يملأُ أعيُنَكم لرداءتِه، فاللهُ عزَّ وجلَّ أحقُّ أن يُبذَلَ لأجلِه أطايبُ المالِ؛ فإنَّه سُبحانَه طيِّبٌ لا يَقْبلُ إلَّا طيِّبًا. وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي: اعلَموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالِكم، ومنها صَدَقاتُكم، فلا حاجةَ له بها، وإنَّما أمَرَكم بها؛ رحمةً منه لكم، فنفْعُها عائدٌ إليكم؛ إذ يُغْني بها فقيرَكم، ويُقوِّي بها ضعيفَكم، ويُثيبُكم عليها. واعلَموا أيضًا أنَّه سُبحانَه المحمودُ على جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، ومن ذلك غناه، فإنَّه يُحمَدُ عليه سُبحانَه، ومن ذلك أيضًا ما يأمُرُكم به من الأوامِرِ الحميدةِ، والأخلاقِ الجميلةِ، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَدُ مَن يَستحِقُّ الحَمدَ؛ فأثنَى على أنبيائِه ورسُلِه والصَّالحينَ مِن عبادِه. كما أنَّ غِناه وحَمدَه يَأبيانِ قَبولَ الرَّديءِ، فإنَّ مَن يأخُذُه إمَّا أن يَقبلَه لحاجتِه إليه، وإمَّا أنَّ نفسَه لا تأباه؛ لعَدَمِ كمالِها وشَرَفِها، وأمَّا الغنيُّ عنه الكامِلُ الأوصافِ سُبحانَه، فإنَّه لا يَقبَلُه) . 2- قال تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران: 92] . (أي: لنْ تُدرِكوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّلِه عليكم بإدخالِكم الجَنَّةَ وصَرْفِ العذابِ عنكم -الَّذي يُطلَبُ بطاعةِ اللهِ وعبادتِه- حتَّى تُنفِقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم التي تحبُّها قلوبُكم. وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ أي: ومهما تُنفِقوا من شيءٍ من أموالِكم فإنَّ اللهَ ذُو عِلمٍ به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرةِ، ويُثيبُه على ما أنفَقَ . عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ *آل عمران: 92*، قام أبو طَلحةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقولُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صَدَقةٌ للهِ، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَخْ ! ذلك مالٌ رابحٌ ، ذلك مالٌ رابِحٌ! وقد سَمِعْتُ ما قُلتَ، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ. فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ. فقسَمها أبو طلحةَ في أقارِبِه وبني عَمِّه )) . وعنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: أصابَ عُمَرُ أرضًا بخَيبرَ، فأَتَى النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستأمِرُه فيها، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إِنِّي أصبتُ أرضًا بخَيبرَ لم أُصِبْ مالًا قَطُّ هو أنفَسُ عندي منه، فما تَأمُرُني به؟ قال: ((إن شِئتَ حَبَّستَ أصلَها، وَتَصَدَّقتَ بها، قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ؛ أنَّه لا يُباعُ أصلُها، ولا يُبتاعُ، ولا يُورَثُ، ولا يُوهَبُ، قال: فتَصَدَّقَ عُمَرُ في الفُقَراءِ، وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سَبيلِ اللهِ، وابنِ السَّبيلِ، والضَّيفِ... )) الحديثَ . 3- قال تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [البقرة: 177]. (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ أي: ومِنَ الأعمالِ الدَّاخِلةِ في مُسَمَّى البِرِّ: أن يُعطيَ العَبدُ المالَ وهو مُحِبٌّ له وراغِبٌ فيه، فيَدفَعُه صَدَقةً لأقارِبِه، وللصِّغارِ الذينَ فقَدوا آباءَهم وهم دونَ البُلوغِ ولا كاسِبَ لهم، وللمَساكينِ الذينَ لا يَجِدونَ ما يَكفيهم ويُغنيهم، وللمُسافِرِ المُجتازِ يُريدُ نَفقةً تُوصِلُه لمَوطِنِه، وللطَّالبينَ حاجةً مِمَّا يَعرِضُ لهم مِن سوءٍ، ولعِتقِ الرِّقابِ ونَحوِها ... أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ، أي: إنَّ أولئِك المُتَّصِفينَ بما سَبَقَ ذِكرُه مِن عَقائِدَ وأعمالٍ وأخلاقٍ، همُ الصَّادِقونَ في إيمانِهم؛ لأنَّ أعمالَهم قَد صَدَّقَت إيمانَهم، وهمُ المُتَّقونَ؛ لأنَّهم فعَلوا ما أمِرُوا به، واجتَنَبوا ما نُهُوا عنه) . 4- قال تعالى في الأبرارِ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا [الإنسان: 8-9] . وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ أي: وهم في حالٍ يُحِبُّونَ فيها المالَ والطَّعامَ، لكِنَّهم قَدَّموا محَبَّةَ اللَّهِ على مَحَبَّةِ نُفوسِهم، ويَتَحَرَّونَ في إطعامِهم أولى النَّاسِ وأحوجَهم مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، ويَقصِدونَ بإنفاقِهم وإطعامِهم وجهَ اللهِ تعالى، ويَقولونَ بلسانِ الحالِ: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا أي: لا جَزاءً ماليًّا ولا ثَناءً قَوليًّا، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا أي: شَديدَ الجهْمةِ والشَّرِّ قَمْطَرِيرًا أي: ضَنكًا ضيِّقًا فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ فلا يَحزُنُهمُ الفزَعُ الأكبَرُ، وتَتَلقَّاهمُ المَلائِكةُ هذا يَومَكُمُ الذي كُنتُم توعَدونَ وَلَقَّاهُمْ أي: أكرَمَهم وأعطاهم نَضْرَةً في وُجوهِهم وَسُرُورًا في قُلوبِهم، فجَمَعَ لهم بينَ نَعيمِ الظَّاهِرِ والباطِنِ . ب- مِنَ السُّنَّةِ1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العَمَلِ أفضَلُ؟ قال: إيمانٌ باللهِ، وجهادٌ في سَبيلِه. قُلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أفضَلُ؟ قال: أغلاها ثمنًا، وأنفَسُها عِندَ أهلِها. قُلتُ: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تُعينُ صانِعًا، أو تصنَعُ لأخرَقَ. قال: فإنْ لم أفعَلْ؟ قال: تَدَعُ النَّاسَ من الشَّرِّ؛ فإنَّها صَدَقةٌ تَصَدَّقُ بها على نفسِك )) . 2- عن عَوفِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((خَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وبيَدِه عَصًا، وقد عَلَّقَ رَجُلٌ قِنوَ حَشَفٍ ، فجَعَل يَطعُنُ في ذلك القِنوِ، فقال: لو شاءَ رَبُّ هذه الصَّدَقةِ تَصَدَّق بأطيَبَ مِن هذا، إنَّ رَبَّ هذه الصَّدَقةِ يَأكُلُ حَشَفًا يَومَ القيامةِ )) . قال العَينيُّ: (يُستَفادُ مِنَ الحَديثِ أنَّ التَّمرَ الرَّديء لا يُؤخَذُ في الصَّدَقةِ، وأنَّه يَنبَغي للرَّجُلِ أن يَتَصَدَّقَ للهِ تعالى بأحسَنِ شَيءٍ عِندَه؛ حتَّى لا يَدخُلَ تَحتَ قَولِه تعالى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ، وأنَّ المُتَصَدِّقَ يُجازى يَومَ القيامةِ بنَظيرِ ما تَصَدَّق) شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 29 سبتمبر رابعًا: طِيبُ النَّفسِمِن أدَبِ الزَّكاةِ: أن يُخرِجَها المَرءُ طَيِّبةً بها نَفسُه.الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:عن عبدِ اللهِ بنِ مُعاويةَ الغاضِريِّ، مِن غاضِرةِ قَيسٍ، قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ثلاثٌ من فعَلَهنَّ طَعِمَ طَعمَ الإيمانِ: مَن عبَد اللهَ وَحدَه، وأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأعطى زكاةَ مالِه طَيِّبةً بها نفسُه رافدةً عليه كُلَّ عامٍ، ولا يُعطي الهَرِمةَ ولا الدَّرِنةَ، ولا المريضةَ، ولا الشَّرَطَ اللَّئيمةَ ، ولكِنْ مِن وسَطِ أموالِكم؛ فإنَّ اللهَ لم يسألْكم خيرَه، ولم يأمُرْكم بشَرِّه )) .خامسًا: تَركُ المَنِّ والأذىيَحرُمُ المَنُّ بالصَّدَقةِ، والأذى.الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:أ- مِنَ الكِتابِقال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 262 - 264] . أي: الذينَ يُنفِقونَ أموالَهم في طاعةِ اللهِ وسَبيلِه، ولا يُتبِعونَها بما يَنقُصُها ويُفسِدُها مِنَ المَنِّ بها على المُنفَقِ عليه بالقَلبِ أو باللِّسانِ، بأن يُعَدِّدَ عليه إحسانَه، ويَطلُبَ مِنه مُقابَلتَه، ولا أذيَّةٍ له قَوليَّةٍ أو فِعليَّةٍ، فهؤلاء لهم أجرُهمُ اللَّائِقُ بهم، ولا خَوفٌ عليهم ولا هم يَحزَنونَ، فحَصَل لهمُ الخَيرُ واندَفعَ عنهمُ الشَّرُّ؛ لأنَّهم عَمِلوا عَمَلًا خالصًا للهِ سالِمًا مِنَ المُفسِداتِ. قَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي: تَعرِفُه القُلوبُ ولا تُنكِرُه، ويَدخُلُ في ذلك كُلُّ قَولٍ كَريمٍ فيه إدخالُ السُّرورِ على قَلبِ المُسلمِ، ويَدخُلُ فيه رَدُّ السَّائِلِ بالقَولِ الجَميلِ والدُّعاءِ له وَمَغْفِرَةٌ لمَن أساءَ إليك بتَركِ مُؤاخَذَتِه والعَفوِ عنه، ويَدخُلُ فيه العَفوُ عَمَّا يَصدُرُ مِنَ السَّائِلِ مِمَّا لا يَنبَغي، فالقَولُ المَعروفُ والمَغفِرةُ خَيرٌ مِنَ الصَّدَقةِ التي يَتبَعُها أذًى؛ لأنَّ القَولَ المَعروفَ إحسانٌ قَوليٌّ، والمَغفِرةُ إحسانٌ أيضًا بتَركِ المُؤاخَذةِ، وكِلاهما إحسانٌ ما فيه مُفسِدٌ، فهما أفضَلُ مِنَ الإحسانِ بالصَّدَقةِ التي يَتبَعُها أذًى بمَنٍّ أو غَيرِه، ومَفهومُ الآيةِ أنَّ الصَّدَقةَ التي لا يَتبَعُها أذًى أفضَلُ مِنَ القَولِ المَعروفِ والمَغفِرةِ، وإنَّما كان المَنُّ بالصَّدَقةِ مُفسِدًا لها مُحَرَّمًا؛ لأنَّ المِنَّةَ للهِ تعالى وحدَه، والإحسانَ كُلَّه للَّهِ، فالعَبدُ لا يَمُنُّ بنعمةِ اللهِ وإحسانِه وفَضلِه وهو ليسَ مِنه، وأيضًا فإنَّ المانَّ مُستَعبِدٌ لمَن يَمُنُّ عليه، والذُّلُّ والاستِعبادُ لا يَنبَغي إلَّا للَّهِ، واللهُ غَنيٌّ بذاتِه عن جَميعِ مَخلوقاتِه، وكُلُّها مُفتَقِرةٌ إليه بالذَّاتِ في جَميعِ الحالاتِ والأوقاتِ، فصَدَقتُكُم وإنفاقُكُم وطاعاتُكُم يَعودُ مَصلحَتُها إليكُم ونَفعُها إليكُم.وقَولُه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [البقرة: 264] .يَنهى تعالى عِبادَه لُطفًا بهم ورَحمةً عن إبطالِ صَدَقاتِهم بالمَنِّ والأذى؛ ففيه أنَّ المَنَّ والأذى يُبطِلُ الصَّدَقةَ، ويُستَدَلُّ بهذا على أنَّ الأعمالَ السَّيِّئةَ تُبطِلُ الأعمالَ الحَسَنةَ، كما قال تعالى: وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ؛ فكما أنَّ الحَسَناتِ يُذهِبنَ السَّيِّئاتِ، فالسَّيِّئاتُ تُبطِلُ ما قابَلها مِنَ الحَسَناتِ، وفي هذه الآيةِ مَعَ قَولِه تعالى: وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ حَثٌّ على تَكميلِ الأعمالِ وحِفظِها مِن كُلِّ ما يُفسِدُها؛ لئَلَّا يَضيعَ العَمَلُ سُدًى، وقَولُه: كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي: أنتم وإن قَصَدتُم بذلك وَجهَ اللهِ في ابتِداءِ الأمرِ، فإنَّ المِنَّةَ والأذى مُبطِلانِ لأعمالِكم، فتَصيرُ أعمالُكُم بمَنزِلةِ الذي يَعمَلُ لمُراءاةِ النَّاسِ، ولا يُريدُ به اللَّهَ والدَّارَ الآخِرةَ، فهذا لا شَكَّ أنَّ عَمَلَه مِن أصلِه مَردودٌ؛ لأنَّ شَرطَ العَمَلِ أن يَكونَ للهِ وحدَه، وهذا في الحَقيقةِ عَمَلٌ للنَّاسِ لا للَّهِ، فأعمالُه باطِلةٌ، وسَعيُه غَيرُ مَشكورٍ، فمَثَلُه المُطابقُ لحالِه كَمَثَلِ صَفْوَانٍ وهو الحَجَرُ الأملَسُ الشَّديدُ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ أي: مَطَرٌ غَزيرٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا أي: ليس عليه شَيءٌ مِنَ التُّرابِ، فكذلك حالُ هذا المُرائي؛ قَلبُه غَليظٌ قاسٍ بمَنزِلةِ الصَّفوانِ، وصَدَقَتُه ونَحوُها مِن أعمالِه بمَنزِلةِ التُّرابِ الذي على الصَّفوانِ، إذا رَآه الجاهلُ بحالِه ظَنَّ أنَّه أرضٌ زَكيَّةٌ قابلةٌ للنَّباتِ، فإذا انكَشَفت حَقيقةُ حالِه زال ذلك التُّرابُ وتَبَيَّنَ أنَّ عَمَلَه بمَنزِلةِ السَّرابِ، وأنَّ قَلبَه غَيرُ صالحٍ لنَباتِ الزَّرعِ وزَكائِه عليه، بَل الرِّياءُ الذي فيه والإراداتُ الخَبيثةُ تَمنَعُ مِنِ انتِفاعِه بشَيءٍ مِن عَمَلِه؛ فلهذا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِن أعمالِهمُ التي اكتَسَبوها؛ لأنَّهم وضَعوها في غَيرِ مَوضِعِها، وجَعَلوها لمَخلوقٍ مِثلِهم لا يَملكُ لهم ضَرَرًا ولا نَفعًا، وانصَرَفوا عن عِبادةِ مَن تَنفعُهم عِبادَتُه؛ فصَرَف اللَّهُ قُلوبَهم عنِ الهدايةِ؛ فلهذا قال: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرينَ . فذَكَر اللهُ أربَعَ مَراتِبَ للإحسانِ: المَرتَبةُ العُليا: النَّفَقةُ الصَّادِرةُ عن نيَّةٍ صالحةٍ، ولم يُتبِعْها المُنفِقُ مَنًّا ولا أذًى. ثُمَّ يَليها قَولُ المَعروفِ، وهو: الإحسانُ القَوليُّ بجَميعِ وُجوهِه، الذي فيه سُرورُ المُسلمِ، والاعتِذارُ مِنَ السَّائِلِ إذا لم يوافِقْ عِندَه شَيئًا، وغَيرُ ذلك مِن أقوالِ المَعروفِ. والثَّالثةُ: الإحسانُ بالعَفوِ والمَغفِرةِ عَمَّن أساءَ إليك بقَولٍ أو فِعلٍ. وهذان أفضَلُ مِنَ الرَّابعةِ، وخَيرٌ مِنها، وهي التي يُتبِعُها المُتَصَدِّقُ الأذى للمُعطى؛ لأنَّه كَدَّرَ إحسانَه وفعَل خَيرًا وشَرًّا. فالخَيرُ المَحضُ -وإن كان مَفضولًا- خَيرٌ مِنَ الخَيرِ الذي يُخالِطُه شَرٌّ وإن كان فاضِلًا، وفي هذا التَّحذيرُ العَظيمُ لمَن يُؤذي مَن تَصَدَّق عليه، كما فعَلَه أهلُ اللُّؤمِ والحُمقِ والجَهلِ .ب- مِنَ السُّنَّةِعن أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهم اللهُ يومَ القيامةِ، ولا ينظُرُ إليهم ولا يُزَكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ. قال: فقرأها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثلاثَ مِرارٍ، قال أبو ذرٍّ: خابوا وخَسِروا! من هم يا رسولَ اللهِ؟ قال: المُسبِلُ، والمنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلعتَه بالحَلِفِ الكاذِبِ)) . وفي رِوايةٍ: ((ثَلاثةٌ لا يُكَلِّمُهمُ اللهُ يَومَ القيامةِ: المَنَّانُ الذي لا يُعطي شَيئًا إلَّا مَنَّه، والمُنَفِّقُ سِلعَتَه بالحَلِفِ الفاجِرِ، والمُسبِلُ إزارَه )) . قال أبو العبَّاسِ القُرطبيُّ: (المَنَّانُ: فَعَّالٌ مِن المَنِّ، وقد فسَّره في الحديثِ، فقال: "هو الذي لا يُعطي شيئًا إلَّا مَنَّه"، أي: إلَّا امتَنَّ به على المعطى له، ولا شَكَّ في أنَّ الامتنانَ بالعطاءِ مُبطِلٌ لأجرِ الصَّدَقةِ والعطاءِ، مؤذٍ للمُعطى له؛ ولذلك قال تعالى: لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى [البقرة: 264] . وإنَّما كان المَنُّ كذلك؛ لأنَّه لا يكونُ -غالبًا- إلَّا عن البُخلِ، والعُجبِ، والكِبرِ، ونِسيانِ مِنَّةِ اللهِ تعالى فيما أنعَمَ به عليه) . شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 29 سبتمبر (معدل) سادسًا: عَدَمُ الرُّجوعِ في الصَّدَقةِلا يَجوزُ الرُّجوعُ في الصَّدَقةِ بَعدَ أن يَقبِضَها المُتَصَدَّقُ عليه. الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ والإجماعِ والآثارِ:أ- مِنَ السُّنَّةِ1- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مثَلُ الَّذي يرجِعُ في صَدَقَتِه كمَثَلِ الكَلبِ يَقيءٌ، ثمَّ يعودُ في قَيئِه فيأكُلُه)) . 2- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: ((أنَّ عُمَرَ بنَ الخطَّابِ تصدَّقَ بفَرَسٍ في سبيلِ اللهِ، فوجَدَه يُباعُ، فأراد أن يَشتَرِيَه، ثم أتى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فاستأمَرَه ، فقال: لا تَعُدْ في صَدَقَتِك. فبذلك كان ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما لا يَترُكُ أن يبتاعَ شيئًا تصدَّقَ به، إلَّا جَعَلَه صَدَقةً ) .ب- مِنَ الإجماعِنَقَل الإجماعَ على عَدَمِ جوازِ الرُّجوعِ في الصَّدَقةِ غيرُ واحدٍ .ج- مِنَ الآثارِعن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (مَن وهَبَ هِبةً لِصِلةِ رَحِمٍ، أو على وَجهِ صَدَقةٍ، فإنَّه لا يَرجِعُ فيها) . وأمَّا التَّعليلُ: فلأنَّها خرجَتْ عن مِلكِه على طريقِ الثَّوابِ، وابتغاءِ وَجهِ الله تعالى، ولا يصلُحُ الرُّجوعُ عن ذلك .سابعًا: تقديمُ ذوي الرَّحِمِيُستَحَبُّ البَدءُ بذَوي الرَّحِمِ في التَّصَدُّقِ، والصَّدَقةُ على فقيرِهم أفضَلُ مِنَ الصَّدَقةِ على غَيرِه وأعظَمُ أجرًا؛ إذ هيَ ثِنتانِ: صَدَقةٌ، وصِلةٌ.الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:1- عن جابِرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ابدأْ بنَفسِك فتصدَّقْ عليها، فإن فضَل شيءٌ فلأهلِك، فإن فضَل عن أهلِك شيءٌ فلذي قَرابتِك، فإنْ فضَل عن ذي قرابتِك شيءٌ فهكذا وهكذا، يقولُ: فبَينَ يدَيك، وعن يمينِك، وعن شِمالِك )) . 2- عن طارِقِ بنِ عَبدِ اللهِ المُحارِبيِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((... قَدِمْنا المَدينةَ فإذا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قائِمٌ يَخطُبُ النَّاسَ على المِنبَرِ، فسَمِعتُه يَقولُ: يَدُ المُعطي العُليا، وابدَأْ بمَن تَعولُ: أمَّك وأباك، وأختَك وأخاك، وأدناك أدناك )) . 3- عن أبي رِمْثةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أتيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَخطُبُ ويَقولُ: يَدُ المُعطي العُليا، أمَّك وأباك، وأختَك وأخاك، وأدناك فأدناك)) . 4- عن سَلمانَ بنِ عامِرٍ الضَّبِّيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((الصَّدَقةُ على المِسكينِ صَدَقةٌ، وعلى ذي القَرابةِ اثنَتانِ: صَدَقةٌ، وصِلةٌ )) . 5- عن أنَسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كان أبو طَلْحةَ أكثَرَ الأنصارِ بالمدينةِ مالًا مِن نَخلٍ، وكان أحبُّ أموالِه إليه بَيْرُحَاءَ، وكانت مُستَقبِلةَ المسجِدِ، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُها ويَشرَبُ من ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنَسٌ: فلمَّا أُنزِلَت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] قام أبو طَلحةَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: إنَّ اللهَ يقولُ في كِتابِه: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بَيْرُحَاءُ، وإنَّها صَدَقةٌ للهِ، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عندَ اللهِ، فضَعْها يا رسولَ اللهِ حيثُ أراك اللهُ. قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: بَخْ! ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابِحٌ! وقد سَمِعْتُ ما قُلتَ، وإنِّي أرى أن تجعَلَها في الأقرَبينَ. فقال أبو طلحةَ: أفعَلُ يا رسولَ اللهِ. فقسَمها أبو طلحةَ في أقارِبِه وبني عَمِّه )) . وفي رِوايةٍ عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] ، قال أبو طَلحةَ: أرى رَبَّنا يَسألُنا مِن أموالِنا، فأُشهِدُك يا رَسولَ اللهِ أنِّي قَد جَعَلتُ أرضي بَرِيحَا للَّهِ، قال: فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: اجعَلْها في قَرابَتِك. قال: فجَعَلها في حَسَّانَ بنِ ثابتٍ وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ)) . 6- عن كُرَيبٍ مَولى ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ ميمونةَ بنتَ الحارِثِ رَضِيَ اللهُ عنها أخبَرَته ((أنَّها أعتَقَت وليدةً ولم تَستَأذِنِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلمَّا كان يَومُها الذي يَدورُ عليها فيه، قالت: أشعَرتَ يا رَسولَ اللهِ أنِّي أعتَقتُ وليدَتي؟ قال: أوَفعَلتِ؟! قالت: نَعَم، قال: أمَا إنَّكِ لو أعطيتِيها أخوالَكِ كان أعظَمَ لأجرِكِ )) . وفي رِوايةٍ: ((لو وصَلتِ بَعضَ أخوالِك كان أعظَمَ لأجرِك)) . 7- عن زينَبَ امرَأةِ عَبدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عنهما، قالت: ((قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: تَصَدَّقْنَ يا مَعشَرَ النِّساءِ ولو مِن حُلِيِّكُنَّ. قالت: فرَجَعتُ إلى عَبدِ اللَّهِ، فقُلتُ: إنَّك رَجُلٌ خَفيفُ ذاتِ اليَدِ، وإنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَد أمَرَنا بالصَّدَقةِ، فأْتِه فاسأَلْه، فإن كان ذلك يُجزي عَنِّي وإلَّا صَرَفتُها إلى غيرِكُم، قالت: فقال لي عَبدُ اللَّهِ: بَل ائتِيه أنتِ، قالت: فانطَلقتُ، فإذا امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ ببابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، حاجَتي حاجَتُها، قالت: وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَد أُلقِيَت عليه المَهابةُ، قالت: فخَرَجَ علينا بلالٌ فقُلْنا له: ائتِ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأخبِرْه أنَّ امرَأتينِ بالبابِ تَسألانِك: أتُجزئُ الصَّدَقةُ عَنهما على أزواجِهما وعلى أيتامٍ في حُجورِهما؟ ولا تُخبرْه مَن نَحنُ، قالت: فدَخَل بلالٌ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فسَأله، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن هما؟ فقال: امرَأةٌ مِنَ الأنصارِ وزينَبُ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الزَّيانِبِ؟ قال: امرَأةُ عَبدِ اللَّهِ، فقال له رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لهما أجرانِ: أجرُ القَرابةِ، وأجرُ الصَّدَقةِ )) . 8- عَنِ البَراءِ بنِ عازِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((جاءَ أعرابيٌّ فقال: يا نَبيَّ اللهِ، عَلِّمْني عَمَلًا يُدخِلُني الجَنَّةَ، قال: لئِنْ كُنتَ أقصَرتَ الخُطبةَ لقَد أعرَضتَ المَسألةَ! أعتِقِ النَّسَمةَ، وفُكَّ الرَّقَبةَ. قال: أوَليستا واحِدًا؟ قال: لا؛ عِتقُ النَّسَمةِ أن تُعتِقَ النَّسَمةَ، وفَكُّ الرَّقَبةِ أن تُعينَ على الرَّقَبةِ، والمَنيحةُ الرَّغوبُ، والفَيءُ على ذي الرَّحِمِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلك فأْمُرْ بالمَعروفِ، وانْهَ عَنِ المُنكَرِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلك فكُفَّ لسانَك إلَّا مِن خيرٍ )) . وفي رِوايةٍ: ((جاء أعْرابيٌّ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ اللهِ، عَلِّمْني عملًا يُدخِلُني الجنَّةَ؟ فقال: لئِن كنتَ أقصَرتَ الخُطبةَ، لقد أعرَضتَ المَسألةَ، أعتِقِ النَّسَمةَ، وفُكَّ الرَّقبةَ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أوَليستا بواحدةٍ؟! قال: لا؛ إنَّ عِتقَ النَّسَمةِ أنْ تَفرَّدَ بعِتقِها، وفَكُّ الرَّقبةِ أنْ تُعينَ في عِتقِها، والمِنحةُ الوَكوفُ، والفَيءُ على ذي الرَّحِمِ الظَّالمِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلك، فأطعِمِ الجائعَ، واسْقَ الظَّمآنَ، وأْمُرْ بالمَعروفِ، وانْهَ عن المُنكَرِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلك، فكُفَّ لِسانَكَ إلَّا مِن الخيرِ )) . قال البَغويُّ: (قَولُه: «أعتِقِ النَّسَمة»، النَّسَمُ: الرُّوحُ، أي: أعتِقْ ذا نَسَمةٍ، وكُلُّ دابَّةٍ فيها روحٌ فهي نَسَمةٌ. «والمِنحةُ الوَكوفُ»، أي: غَزيرةُ اللَّبَنِ، ومِنه: وكَفَ البَيتُ والدَّمعُ) . يَعني: مِن جُملةِ الأعمالِ المُؤَدِّيةِ صاحِبَها إلى الجَنَّةِ: إعطاءُ المِنحةِ الفُقَراءَ؛ ليَنتَفِعوا بلبَنِها وصوفِها ووبَرِها مُدَّةً، ثُمَّ يَرُدُّها على صاحِبِها، وكذلك الرُّجوعُ إلى ذي الرَّحِمِ الظَّالمِ عليك بالإحسانِ والشَّفقةِ والصِّلةِ . تم تعديل 29 سبتمبر بواسطة امانى يسرى محمد شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 29 سبتمبر ثامنًا: المبادَرةُ إلى التَّصَدُّقِ وعَمَلِ البِرِّ قَبلَ حُصولِ الموانعِيَنبَغي أن يُبادِرَ المُؤمِنُ إلى الصَّدَقةِ والإنفاقِ وعَمَلِ الصَّالحاتِ قَبلَ أن يُحالَ بَينَه وبَينَها.الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:أ-مِنَ الكِتابِ1-قال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون: 10-11] .2-قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران: 133 - 136] .ب-مِنَ السُّنَّةِ1- عن بُسرِ بنَ جِحاشٍ القُرَشيِّ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَزَقَ يَومًا في كَفِّه، فوضَعَ عليها أُصبُعَه، ثُمَّ قال: قال اللهُ: ابنَ آدَمَ أنَّى تُعجِزُني وقد خَلقتُك مِن مِثلِ هذه؟! حتَّى إذا سَوَّيتُك وعَدَّلتُك مَشَيتَ بَينَ بُردَينِ وللأرضِ مِنك وَئيدٌ ، فجَمَعتَ ومَنَعتَ، حتَّى إذا بَلغَتِ التَّراقيَ قُلتَ: أتَصَدَّقُ، وأنَّى أوانُ الصَّدَقةِ؟!)) . 2- عن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((أتى رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رَجُلٌ، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ؟ فقال: أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ، تَخشى الفقرَ وتَأمُلُ الغِنى، ولا تُمهِلُ حتَّى إذا بَلغَتِ الحُلقومَ قُلتَ: لفُلانٍ كَذا، ولفُلانٍ كَذا، ألَا وقد كان لفُلانٍ )) . وفي رِواية: ((جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجرًا؟ فقال: أمَا وأبيك لتُنَبَّأنَّه: أن تَصَدَّقَ وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ، تَخشى الفقرَ، وتَأمُلُ البَقاءَ، ولا تُمهِلُ حتَّى إذا بَلغَتِ الحُلقومَ، قُلتَ: لفُلانٍ كَذا، ولفُلانٍ كَذا، وقد كان لفُلانٍ )) .تاسعًا: إخفاءُ الصَّدَقةِيُستحَبُّ إخفاءُ الصَّدَقةِ. الدَّليلُ على ذلك مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ:أ-مِنَ الكِتابِقال تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة: 271] . إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ أي: : إن تُظهِروا الصَّدَقاتِ فتُعطوها عَلانيةً، فنِعمَ الشَّيءُ هيَ؛ لحُصولِ المَقصودِ بها، ما دامَ أنَّها مِن أجلِ اللهِ تعالى. وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ أي: وإن تَستُروا صَدَقَتَكُم غَيرَ المَفروضةِ عليكُم، فتُعطوها الفُقَراءَ في السِّرِّ، فإخفاؤُكُم إيَّاها أفضَلُ لكُم مِن إظهارِها وإعلانِها؛ ففي إخفائِها: السَّترُ على الفقيرِ، وحِفظُ ماءِ وَجهِه بعَدَمِ تَخجيلِه وفضيحَتِه بَينَ النَّاسِ، وهذا قدرٌ زائِدٌ عنِ الإحسانِ إليه بمُجَرَّدِ الصَّدَقةِ، مَعَ كَونِه أدعى إلى إخلاصِ صاحِبِها، وأبعَدَ له عنِ الرِّياءِ. وقَيَّدَ تعالى الإخفاءَ بإيتاءِ الفُقَراءِ خاصَّةً؛ لأنَّ مِنَ الصَّدَقةِ ما لا يُمكِنُ إخفاؤُه، كَتَجهيزِ الجَيشِ، أو يَتَرَتَّبُ على الإظهارِ مَصلحةٌ راجِحةٌ، كَإظهارِ شَعائِر الدِّينِ، وحُصولِ اقتِداءِ النَّاسِ به .ب-مِنَ السُّنَّةِ1- عن أبي هرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: ((سَبعةٌ يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلِّه يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نَشَأ في عِبادةِ رَبِّه، ورَجُلٌ قَلبُه مُعَلَّقٌ في المَساجِدِ، ورَجُلانِ تَحابَّا في الله اجتَمَعا عليه وتَفَرَّقا عليه، ورَجُلٌ طَلَبَتْه امرَأةٌ ذاتُ مَنصِبٍ وجَمالٍ فقال: إنِّي أخافُ اللهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ أخفى حَتَّى لا تَعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضَت عَيناه )) . قال عياضٌ: (فيه ... فَضلُ أعمالِ السِّرِّ كُلِّها؛ لأنَّها أبعَدُ مِنَ الرِّياءِ والتَّصَنُّعِ) . 2- عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لمَّا نَزَلت هذه الآيةُ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] أو مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة: 245] ، قال أبو طَلحةَ -وكان له حائِطٌ- فقال: يا رَسولَ اللهِ، حائِطي للَّهِ، ولوِ استَطَعتُ أن أُسِرَّه لم أُعلِنْه، فقال: اجعَلْه في قَرابَتِك أو أَقْرَبيك)) . شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 29 سبتمبر فَوائِدُ ومَسائِلُ مُتفَرِّقةٌأفضلُ الصَّدقةِقال اليافِعيُّ: (أفضَلُ الصَّدَقةِ الصَّدَقةُ المُستَمِرَّةُ الدَّائِمةُ التي تَبقى بَعدَ مَوتِ الإنسانِ؛ فقد ثَبَتَ في الصَّحيحِ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((إذا ماتَ الإنسانُ انقَطَعَ عَمَلُه إلَّا مِن ثَلاثٍ: صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يَدعو له )). رواه مُسلِمٌ في صحيحِه . فقَولُه: «صَدَقةٍ جاريةٍ» أي: دائِمةٍ مُستَمِرَّةٍ، وذلك كالوَقفِ على جِهات البِرِّ وأفعالِ الخَيرِ، يَجري ثَوابُها على صاحِبِها في قَبرِه، ويَومَ حَشرِه يَتَضاعَفُ له بها الثَّوابُ والجَزاءُ، ولا يَحصُلُ هذا إلَّا لمَن وفَّقَه اللهُ تعالى، وأجرى الخَيرَ على يَدَيه، وقدَّمَ ما بَينَ يَدَيه لِما بَينَ يَدَيه؛ فقد صَحَّ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال يَومًا لأصحابه: ((أيُّكُم مالُ وارِثِه أحَبُّ إليه مِن ماله؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، ما منَّا أحَدٌ إلَّا مالُه أحَبُّ إليه مِن مالِ وارِثِه! قال: فإنَّ مالَ أحَدِكُم ما قدَّمَ، ومالُ وارِثِه ما أخَّرَ )) . وكان أبو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنه يَقولُ: (يا ابنَ آدَمَ، لك في المالِ ثَلاثةُ شُرَكاءَ: القَدَرُ، والوارِثُ، وأنتَ، فإنِ استَطَعتَ ألَّا تَكونَ أعجَزَ الثَّلاثةِ فلا تَكُنْ) . وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((يَتبَعُ المَيِّتَ ثَلاثةٌ: أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فيَرجِعُ اثنانِ ويَبقى واحِدٌ؛ يَرجِعُ أهلُه ومالُه، ويَبقى عَمَلُه )) . وعن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الصَّدَقةِ أعظَمُ أجرًا؟ قال: أن تَصَدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تخشى الفَقرَ وتأمُلُ الغِنى، ولا تمهِلْ حتَّى إذا بلَغَتِ الحُلقومَ قُلتَ: لفُلانٍ كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد كان لفُلانٍ )) .مِن دَقائِقِ الآدابِ الباطِنةِ في الزَّكاةِقال أبو العَبَّاسِ بنُ قُدامةَ في دَقائِقِ الآدابِ الباطِنةِ في الزَّكاةِ: (اعلَمْ أنَّ على مُريدِ الآخِرةِ في زَكاتِه وظائِفَ:الأولى: أن يَفهَمَ المُرادَ مِنَ الزَّكاةِ، وهو ثَلاثةُ أشياءَ: ابتِلاءُ مُدَّعي مَحَبَّةِ اللهِ تعالى بإخراجِ مَحبوبِه، والتَّنَزُّهُ عن صِفةِ البُخلِ المُهلِكِ، وشُكرُ نِعمةِ المالِ.الوظيفةُ الثَّانيةُ: الإسرارُ بإخراجِها؛ لكَونِه أبعَدَ مِنَ الرِّياءِ والسُّمعةِ، وفى الإظهارِ إذلالٌ للفقيرِ أيضًا، فإن خاف أن يُتَّهَمَ بعَدَمِ الإخراجِ أعطى مَن لا يُبالي مِنَ الفُقَراءِ بالأخذِ بَينَ الجَماعةِ عَلانيةً، وأعطى غَيرَه سِرًّا.الوظيفةُ الثَّالثةُ: أن لا يُفسِدَها بالمَنِّ والأذى، وذلك أنَّ الإنسانَ إذا رَأى نَفسَه مُحسِنًا إلى الفقيرِ، مُنَعِمًا بالإعطاءِ، رُبَّما حَصَل مِنه ذلك، ولو حَقَّقَ النَّظَرَ لرَأى الفقيرَ مُحسِنًا إليه بقَبولِ حَقِّ اللهِ الذي هو طُهرةٌ له. وإذا استَحضَرَ مَعَ ذلك أنَّ إخراجَه للزَّكاةِ شُكرٌ لنِعمةِ المالِ، فلا يَبقى بَينَه وبَينَ الفقيرِ مُعامَلةٌ، ولا يَنبَغي أن يَحتَقِرَ الفقيرَ لفَقرِه؛ لأنَّ الفضلَ ليسَ بالمالِ، ولا النَّقصُ بعَدَمِه.الوظيفةُ الرَّابعةُ: أن يَستَصغِرَ العَطيَّةَ؛ فإنَّ المُستَعظِمَ للفِعلِ مُعجَبٌ به. وقد قيل: لا يَتِمُّ المَعروفُ إلَّا بثَلاثٍ: بتَصغيرِه، وتَعجيلِه، وسَترِه.الوظيفةُ الخامِسةُ: أن يَنتَقيَ مِن مالِه أحَلَّه وأجودَه وأحَبَّه إليه؛ أمَّا الحِلُّ، فإنَّ اللَّهَ تعالى طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طيِّبًا. وأمَّا الأجودُ فقد قال اللهُ تعالى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ [البقرة: 267] . ويَنبَغي أن يُلاحِظَ في ذلك أمرَينِ؛ أحَدُهما: حَقُّ اللَّهِ سُبحانَه وتعالى بالتَّعظيمِ له؛ فإنَّه أحَقُّ مَنِ اختيرَ له، ولو أنَّ الإنسانَ قدَّمَ إلى ضَيفِه طَعامًا رَديئًا لأوغَرَ صَدْرَه! والثَّاني: حَقُّ نَفسِه؛ فإنَّ الذي يُقدِّمُه هو الذي يَلقاه غَدًا في القيامةِ، فيَنبَغي أن يَختارَ الأجوَدَ لنَفسِه. وأمَّا أحَبُّه إليه، فلقَولِه تعالى: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران: 92] . وكان ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عنهما إذا اشتَدَّ حُبُّه لشَيءٍ مِن مالِه قَرَّبه للهِ عَزَّ وجَلَّ. ورُوِيَ أنَّه نَزَل الجُحفةَ وهو شاكٍ، فقال: إنِّي لأشتَهي حِيتانًا، فالتَمَسوا له فلم يَجِدوا حوتًا، فأخَذَته امرَأتُه فصَنَعَته ثُمَّ قَرَّبَته إليه، فأتى مِسكينٌ، فقال ابنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما: خُذْه، فقال له أهلُه: سُبحانَ اللَّهِ! قد عنَّيتَنا، ومَعنا زادٌ نُعطيه! فقال: إنَّ عَبدَ اللَّهِ يُحِبُّه! ورويَ أنَّ سائِلًا وقَف ببابِ الرَّبيعِ بنِ خُثَيمٍ رَحمةُ اللهِ عليه فقال: أطعِموه سُكَّرًا، فقالوا: نُطعِمُه خُبزًا أنفَعُ له! فقال: وَيحَكمْ! أطعِموه سُكَّرًا؛ فإنَّ الرَّبيعَ يُحِبُّ السُّكَّرَ!الوظيفةُ السَّادِسةُ: أن يَطلُبَ لصَدَقَتِه مَن تَزكو به، وهم خُصوصٌ مِن عُمومِ الأصنافِ الثَّمانيةِ، ولهم صِفاتٌ: الأولى: التَّقوى، فلْيَخُصَّ بصَدَقَتِه المُتَّقينَ؛ فإنَّه يَرُدُّ بها همَمَهم إلى اللهِ تعالى. وقد كان عامِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيرِ يَتَخَيَّرُ العُبَّادَ وهم سُجودٌ، فيَأتيهم بالصُّرَّةِ فيها الدَّنانيرُ والدَّراهمُ، فيَضَعُها عِندَ نِعالِهم بحَيثُ يُحِسُّونَ بها ولا يَشعُرونَ بمَكانِه، فقيل له: ما يَمنَعُك أن تُرسِلَ بها إليهم؟ فيَقولُ: أكرَهُ أن يَتَمَعَّرَ وَجهُ أحَدِهم إذا نَظَرَ إلى رَسولي أو لَقِيَني! الثَّانيةُ: العِلمُ؛ فإنَّ في إعطاءِ العالمِ إعانةً على العِلمِ ونَشرِ الدِّينِ، وذلك تَقويةٌ للشَّريعةِ. الثَّالثةُ: أن يَكونَ مِمَّن يَرى الإنعامَ مِنَ اللهِ وحدَه، ولا يَلتَفِتُ إلى الأسبابِ إلَّا بقَدرِ ما نُدِبَ إليه مِن شُكرِها، فأمَّا الذي عادَته المَدحُ عِندَ العَطاءِ فإنَّه سيَذُمُّ عِندَ المَنعِ. الرَّابعةُ: أن يَكونَ صائِنًا لفَقرِه، ساتِرًا لحاجَتِه، كاتِمًا للشَّكوى، كما قال تعالى: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ [البقرة: 273] . وهؤلاء لا يَحصُلونَ في شَبَكةِ الطَّالِبِ إلَّا بَعدَ البَحثِ عنهم، وسُؤالِ أهلِ كُلِّ مَحَلَّةٍ عَمَّن هذه صِفتُه. الخامِسةُ: أن يَكونَ ذا عائِلةٍ أو مَحبوسًا لمَرَضٍ أو دَينٍ، فهذا مِنَ المُحصَرينَ، والتَّصَدُّقُ عليه إطلاقٌ لحَصرِه. السَّادِسةُ: أن يَكونَ مِنَ الأقارِبِ وذَوي الأرحامِ؛ فإنَّ الصَّدَقةَ عليهم صَدَقةٌ وصِلةٌ. وكُلُّ مَن جَمعَ مِن هذه الخِلالِ خَلَّتَينِ أو أكثَرَ، كان إعطاؤُه أفضَلَ على قدْرِ ما جَمَعَ) شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة الأحد في 20:05 آدابُ قابِضِ الزَّكاةِ1- أن يَكونَ آخِذُ الزَّكاةِ مِنَ الأصنافِ الثَّمانيةِ المَذكورةِ في قَولِه تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَة ِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ التوبة: 60. 2- أن يَفهَمَ أنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما أوجَبَ صَرفَ الزَّكاةِ إليه ليَكفيَه ما أهمَّه، ويَجعَلَ همومَه هَمًّا واحِدًا في طَلَبِ رِضا اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويَكونَ عَونًا له على الطَّاعةِ، فإنِ استَعانَ به على المَعصيةِ كان كافِرًا لأنعُمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مُستَحِقًّا للبُعدِ والمَقتِ مِنَ اللهِ سُبحانَه. 3- أن يَشكُرَ المُعطيَ ويَدعوَ له ويُثنيَ عليه، وليَكُنْ ذلك بمِقدارِ شُكرِ السَّبَبِ، فيَكونُ شُكرُه ودُعاؤُه بحَيثُ لا يَخرُجُ عن كَونِه واسِطةً، ولكِنَّه طَريقُ وُصولِ نِعمةِ اللهِ سُبحانَه إليه، وللطَّريقِ حَقٌّ مِن حَيثُ جَعَله اللهُ طَريقًا وواسِطةً، وذلك لا يُنافي رُؤيةَ النِّعمةِ مِنَ اللهِ سُبحانَه؛ فقد قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن لا يَشكُرِ النَّاسَ لا يَشكُرِ اللَّهَ )) ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن أُعطيَ عَطاءً فوجَدَ فليَجْزِ به، فإن لم يَجِدْ فليُثنِ به، فمَن أثنى به فقد شَكَرَه، ومَن كَتَمَه فقدَ كَفَرَه )) . يعني: مَن أحسَنَ إليه أحَدٌ إحسانًا مِن مالٍ أو فِعلٍ أو قَولٍ حَسَنٍ، فليَكُنْ عارِفًا حَقَّه على نَفسِه، فإن وَجَدَ مالًا فليُحسِنْ إليه بالمالِ، أو ليُقابِلْ فِعلَه وقَولَه الحَسَنَ بمِثلِه، فإن عَجَز عن مُقابَلتِه بالمالِ والفِعلِ ((فليُثنِ عليه))، أي: فليَدعُ له بخَيرٍ، وليَشكُرْ له، ولا يَجوزُ له كِتمانُ نِعمَتِه، فإنَّ مَن لم يَشكُرِ النَّاسَ لم يَشكُرِ اللَّهَ . وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَن أُبليَ بَلاءً فذَكَرَه فقد شَكَرَه، وإن كَتمَه فقدَ كَفرَه )) ، وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((مَنِ استَعاذَ باللهِ فأعيذوه، ومَن سَأل باللهِ فأعطوه، ومَن دَعاكُم فأجيبوه، ومَن صَنَعَ إليكُم مَعروفًا فكافِئوه، فإن لم تَجِدوا ما تُكافِئونَه فادعوا له حتَّى تَرَوا أنَّكُم قد كافأتُموه )) . وقد أثنى اللهُ عَزَّ وجَلَّ على عِبادِه في مَواضِعَ على أعمالِهم، وهو خالقُها، نَحوُ قَولِه تعالى: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّه أَوَّابٌ ص: 30. ومِن تَمامِ الشُّكرِ أن يَستُرَ عُيوبَ العَطاءِ إن كان فيه عَيبٌ، ولا يَحقِرُه وإن قَلَّ، ولا يَذُمُّه ولا يُعَيِّرُه بالمَنعِ إذا مَنَعَ، ويُفخِّمُ عِندَ نَفسِه وعِندَ النَّاسِ صَنيعَه، وكَما أنَّ وظيفةَ المُعطي الاستِصغارُ فوظيفةُ المُعطى والقابضِ تَقَلُّدُ المِنَّةِ والاستِعظامُ، وعلى كُلِّ عَبدٍ القيامُ بحَقِّه، وكُلُّ ذلك لا يُناقِضُ رُؤيةَ النُّعمى مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فإنَّ مَن لا يَرى الواسِطةَ واسِطةً فقد جَهل، وإنَّما المُنكَرُ أن يَرى الواسِطةَ أصلًا. 4- أن يَنظُرَ فيما يَأخُذُه ويُعطاه، فإن لم يَكُنْ مِن حِلِّه تَورَّع عنه، فلا يَأخُذْ مِمَّن أكثَرُ كَسبِه مِنَ الحَرامِ إلَّا إذا ضاقَ الأمرُ عليه، وكان ما يُسَلَّمُ له لا يَعرِفُ له مالكًا مُعَيَّنًا، فله أن يَأخُذَ بقدَرِ الحاجةِ، فإنَّ فتوى الشَّرعِ في مِثلِ هذا أن يَتَصَدَّقَ به، وذلك إذا عَجَزَ عنِ الحَلالِ. 5- أن يَتَوقَّى مَواقِعَ الرِّيبةِ والشُّبَهِ في مِقدارِ ما يَأخُذُ، فيَأخُذُ القَدرَ المُباحَ له، ولا يَأخُذُ أكثَرَ مِن حاجَتِه. فإن كان غارِمًا لم يَزِدْ على مِقدارِ الدَّينِ، أو غازيًا لم يَأخُذْ إلَّا مِقدارَ ما يَحتاجُ إليه، وإن أخَذ بالمَسكَنةِ أخَذَ قَدرَ حاجَتِه دونَ ما يُستَغنى عنه، وكُلُّ ذلك مَوكولٌ إلى اجتِهادِه، والورَعُ تَركُ ما يَريبُ . شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة الأحد في 20:07 آدابُ الاستِخارةِتمهيدٌ في أهميَّةِ الاستخارةِ يَجِبُ على المُؤمِنِ رَدُّ الأُمورِ كُلِّها إلى اللهِ تعالى، والتَّبَرُّؤِ مِنَ الحَولِ والقُوَّةِ إليه، ويَنبَغي له ألَّا يَرومَ شَيئًا مِن دَقيقِ الأُمورِ وجَليلِها حَتَّى يَستَخيرَ اللَّهَ فيه، ويَسألَه أن يَحمِلَه فيه على الخَيرِ ويَصرِفَ عنه الشَّرَّ؛ إذعانًا بالافتِقارِ إليه في كُلِّ أمرٍ، والتِزامًا لذِلَّةِ العُبوديَّةِ له، وتَبَرُّكًا باتِّباعِ سُنَّةِ نَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الاستِخارةِ؛ ولذلك ((كان النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُ أصحابَه دُعاءَ الاستِخارةِ كما يُعَلِّمُهمُ السُّورةَ مِنَ القُرآنِ )) ؛ لشِدَّةِ حاجَتِهم إلى الاستِخارةِ في الحالاتِ كُلِّها، كشِدَّةِ حاجَتِهم إلى القِراءةِ في كُلِّ الصَّلَواتِ ، فيَنبَغي للعَبدِ أن يُقدِّمَ قَبلَ أيِّ أمرٍ الاستِخارةَ، وليَعتَنِ بشَأنِها؛ لعَظيمِ نَفعِها وعُمومِ جَدواها . وما نَدِمَ مَنِ استَخارَ الخالقَ وشاورَ المَخلوقينَ وتَثبَّت في أمرِه . وفيما يلي بيانُ أهمِّ آدابِ الاستخارةِ: أولًا: الاستِخارةُ في الأُمورِ كُلِّها يَنبَغي للعَبدِ أن يَستَخيرَ رَبَّه في الأُمورِ كُلِّها؛ دَقيقِها وجَليلِها، مِمَّا لا يَدري العَبدُ وَجهَ الصَّوابِ فيه. الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:1- عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ السُّلَميِّ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُ أصحابَه الاستِخارةَ في الأُمورِ كُلِّها، كما يُعَلِّمُهمُ السُّورةَ مِنَ القُرآنِ )) الحَديثَ . قال العَينيُّ: ("في الأُمورِ كُلِّها" يَعني: في دَقيقِ الأُمورِ وجَليلِها؛ لأنَّه يَجِبُ على المُؤمِنِ رَدُّ الأُمورِ كُلِّها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والتَّبَرُّؤُ مِنَ الحَولِ والقُوَّةِ إليه) . وقال ابنُ حَجَرٍ: (قَولُه: "في الأُمورِ كُلِّها"، قال ابنُ أبي جَمرةَ: هو عامٌّ أُريدَ به الخُصوصُ؛ فإنَّ الواجِبَ والمُستَحَبَّ لا يُستَخارُ في فِعلِهما، والحَرامَ والمَكروهَ لا يُستَخارُ في تَركِهما، فانحَصَرَ الأمرُ في المُباحِ وفي المُستَحَبِّ إذا تَعارَضَ مِنه أمرانِ أيُّهما يُبدَأُ به ويُقتَصَرُ عليه . قُلتُ: وتَدخُلُ الاستِخارةُ فيما عَدا ذلك؛ في الواجِبِ والمُستَحَبِّ المُخَيَّرِ، وفيما كان زَمَنُه موسَّعًا. ويَتَناولُ العُمومُ العَظيمَ مِنَ الأُمورِ والحَقيرَ؛ فرُبَّ حَقيرٍ يَتَرَتَّبُ عليه الأمرُ العَظيمُ) . 2- عن أنَسٍ رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((لمَّا انقَضَت عِدَّةُ زَينَبَ قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لزَيدٍ: فاذكُرْها عَلَيَّ، قال: فانطَلَقَ زَيدٌ حَتَّى أتاها وهيَ تُخَمِّرُ عَجينَها، قال: فلَمَّا رَأيتُها عَظُمَت في صَدري، حَتَّى ما أستَطيعُ أن أنظُرَ إليها؛ أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذَكَرَها، فوَلَّيتُها ظَهري، ونَكَصتُ على عَقِبي، فقُلتُ: يا زَينَبُ، أرسَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَذكُرُكِ، قالت: ما أنا بصانِعةٍ شَيئًا حَتَّى أُوامِرَ رَبِّي، فقامَت إلى مَسجِدِها... )) الحديثَ . قال النَّوويُّ: ("فقامَت إلى مَسجِدِها" أي: مَوضِعِ صَلاتِها مِن بَيتِها. وفيه استِحبابُ صَلاةِ الاستِخارةِ لِمَن هَمَّ بأمرٍ، سَواءٌ كان ذلك الأمرُ ظاهِرَ الخَيرِ أم لا. وهو موافِقٌ لحَديثِ جابِرٍ في "صَحيحِ البُخاريِّ" قال: "كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُنا الاستِخارةَ في الأُمورِ كُلِّها، يَقولُ: إذا هَمَّ أحَدُكُم بالأمرِ فليَركَعْ رَكعَتَينِ مِن غَيرِ الفريضةِ..." إلى آخِرِه . ولَعَلَّها استَخارَت لخَوفِها مِن تَقصيرٍ في حَقِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .فائِدةٌ:اتَّفقَتِ المَذاهِبُ الأربَعةُ على أنَّ الاستِخارةَ تَكونُ في الأُمورِ التي لا يَدري العَبدُ وَجهَ الصَّوابِ فيها، أمَّا ما هو مَعروفٌ خَيرُه أو شَرُّه، كالعِباداتِ وصَنائِعِ المَعروفِ، والمَعاصي والمُنكَراتِ، فلا حاجةَ إلى الاستِخارةِ فيها، إلَّا إذا أرادَ بَيانَ خُصوصِ الوَقتِ، كالحَجِّ مَثَلًا في هذه السَّنةِ؛ لاحتِمالٍ عَدوٍّ أو فِتنةٍ، والرُّفقةِ فيه، أيُرافِقُ فلانًا أم لا؟ وعَلى هذا فالاستِخارةُ لا مَحَلَّ لَها في الواجِبِ والحَرامِ والمَكروهِ، وإنَّما تَكونُ في المَندوباتِ والمُباحاتِ. والاستِخارةُ في المَندوبِ لا تَكونُ في أصلِه؛ لأنَّه مَطلوبٌ، وإنَّما تَكونُ عِندَ التَّعارُضِ، أي: إذا تَعارَضَ عِندَه أمرانِ أيُّهما يَبدَأُ به أو يَقتَصِرُ عليه؟ أمَّا المُباحُ فيُستَخارُ في أصلِه، وهَل يَستَخيرُ في مُعَيَّنٍ أو مُطلَقٍ؟ على قَولَينِ . ثانيًا: عَدَمُ العَزمِ على أمرٍ مُعَيَّنٍ قبلَ الاسْتِخارةِ يَنبَغي أن يَكونَ المُستَخيرُ خاليَ الذِّهنِ، غَيرَ عازِمٍ على أمرٍ مُعَيَّنٍ . الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ: عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُنا الاستِخارةَ في الأُمورِ كُلِّها كما يُعَلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ، يَقولُ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُنا الاستِخارةَ في الأُمورِ كُلِّها، يَقولُ: إذا هَمَّ أحَدُكُم بالأمرِ فليَركَعْ رَكعَتَينِ مِن غَيرِ الفريضةِ، ثُمَّ ليَقُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي أستَخيرُك بعِلمِك... )) الحديثَ . قال ابنُ حَجَرٍ: (قال ابنُ أبي جَمرةَ: تَرتيبُ الوارِدِ على القَلبِ على مَراتِبَ: الهِمَّةُ، ثُمَّ اللَّمَّةُ، ثُمَّ الخَطرةُ، ثُمَّ النِّيَّةُ، ثُمَّ الإرادةُ، ثُمَّ العَزيمةُ؛ فالثَّلاثةُ الأولى لا يُؤاخَذُ بها بخِلافِ الثَّلاثةِ الأُخرى، فقَولُه: «إذا هَمَّ» يُشيرُ إلى أوَّلِ ما يَرِدُ على القَلبِ، يَستَخيرُ فيَظهَرُ له ببَرَكةِ الصَّلاةِ والدُّعاءِ ما هو الخَيرُ، بخِلافِ ما إذا تَمَكَّنَ الأمرُ عِندَه وقَوِيَت فيه عَزيمَتُه وإرادَتُه؛ فإنَّه يَصيرُ إليه له مَيلٌ وحُبٌّ، فيُخشى أن يَخفى عنه وَجهُ الأرشَديَّةِ لغَلَبةِ مَيلِه إليه. قال: ويحتملُ أن يَكونَ المُرادُ بالهَمِّ العَزيمةَ؛ لأنَّ الخاطِرَ لا يَثبُتُ فلا يَستَمِرُّ إلَّا على ما يَقصِدُ التَّصميمَ على فِعلِه، وإلَّا لَوِ استَخارَ في كُلِّ خاطِرٍ لاستَخارَ فيما لا يُعبَأُ به، فتَضيعُ عليه أوقاتُه) . يتبع شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة الثلاثاء في 18:07 ثالثًا: صَلاةُ رَكعَتَينِ قَبلَ دُعاءِ الاستِخارةِ تُستَحَبُّ الاستِخارةُ بصَلاةِ رَكعَتَينِ مِن غَيرِ الفريضةِ قَبلَ الدُّعاءِ . الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ: عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُنا الاستِخارةَ كما يُعَلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ، يقولُ: إذا هَمَّ أحَدُكم بالأمرِ فليركَعْ رَكعَتَينِ مِن غَيرِ الفريضةِ، ثُمَّ ليقُلِ: اللَّهمَّ إنِّي أستخيرُك بعِلمِك، وأستقدِرُك بقُدرَتِك، وأسألُك مِن فضلِك العَظيمِ؛ فإنَّك تَقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلمُ، وأنت عَلَّامُ الغُيوبِ، اللَّهمَّ إن كُنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خَيرٌ لي في ديني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِه- فاقدُرْه لي ويَسِّرْه لي، ثُمَّ بارِكْ لي فيه، وإنْ كُنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرٌّ لي في ديني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلِه- فاصرِفْه عنِّي واصرِفْني عنه، واقدُرْ لي الخَيرَ حَيثُ كان، ثُمَّ أرضِني، قال: ويُسَمِّي حاجَتَه )) . قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فليَركَع رَكعَتَينِ)) أي: فليُصَلِّ، والأمرُ للنَّدبِ ، فالإتيانُ بالدُّعاءِ عَقِبَ الصَّلاةِ هو الأكمَلُ، وإلَّا فتَحصُلُ الاستِخارةُ بالدُّعاءِ إن تَعَذَّرَت عليه الصَّلاةُ أو لَم يُرِدْها، وكَمالُها برَكعَتَينِ غَيرِ الفريضةِ، بنيَّتِها والدُّعاءِ عَقِبَها . فائِدةٌ: قال ابنُ أبي جَمرةَ في تَقديمِ الصَّلاةِ على الدُّعاءِ: (الحِكمةُ هنا هيَ أنَّه لَمَّا أن كان هذا الدُّعاءُ مِن أكبَرِ الأشياءِ؛ إذ إنَّه عليه السَّلامُ أرادَ به الجَمعَ بَينَ صَلاحِ الدِّينِ والدُّنيا والآخِرةِ، فطالِبُ هذه الحاجةِ يَحتاجُ إلى قَرعِ بابِ المَلِكِ بأدَبٍ وحالٍ يُناسِبُ ما يَطلُبُ، ولا شَيءَ أرفعُ مِمَّا يُقرَعُ به بابُ المَولى مِنَ الصَّلاةِ؛ لِما فيها مِنَ الجَمعِ بَينَ التَّعظيمِ للهِ سُبحانَه والثَّناءِ عليه والافتِقارِ إليه حالًا ومَقالًا، وذِكرِه عَزَّ وجَلَّ وتِلاوةِ كِتابِه الذي به مَفاتِحُ الخَيرِ مِنَ الشِّفاءِ والهدى والرَّحمةِ وغَيرِ ذلك) . رابعًا: مُراعاةُ آدابِ الدُّعاءِ في دُعاءِ الاستِخارةِ يَنبَغي أن يُراعيَ المُستَخيرُ آدابَ الدُّعاءِ، ويَأتيَ بها عِندَ دُعاءِ الاستِخارةِ؛ كالطَّهارةِ، واستِقبالِ القِبلةِ، ورَفعِ اليَدَينِ، وخَفضِ الصَّوتِ، وعَدَمِ استِعجالِ الإجابةِ . شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 14 ساعة خامسًا: الاعتِناءُ بتَحقيقِ ألفاظِ دُعاءِ الاستِخارةِ يَنبَغي الاعتِناءُ بدُعاءِ الاستِخارةِ والإتيانُ به على وَجهِه كما عَلَّمه الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أصحابَه.الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُعَلِّمُنا الاستِخارةَ كما يُعَلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ، يقولُ: إذا هَمَّ أحَدُكم بالأمرِ فليركَعْ رَكعَتَينِ مِن غَيرِ الفريضةِ، ثُمَّ ليقُلِ: اللَّهمَّ إنِّي أستخيرُك بعِلمِك، وأستقدِرُك بقُدرَتِك، وأسألُك مِن فضلِك العَظيمِ؛ فإنَّك تَقدِرُ ولا أقدِرُ، وتَعلَمُ ولا أعلمُ، وأنت عَلَّامُ الغُيوبِ، اللَّهمَّ إن كُنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ خَيرٌ لي في ديني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِه- فاقدُرْه لي ويَسِّرْه لي، ثُمَّ بارِكْ لي فيه، وإنْ كُنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمرَ شَرٌّ لي في ديني ومَعاشي وعاقِبةِ أمري -أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلِه- فاصرِفْه عنِّي واصرِفْني عنه، واقدُرْ لي الخَيرَ حَيثُ كان، ثُمَّ أرضِني، قال: ويُسَمِّي حاجَتَه )) . فقَولُه: ((مِن غَيرِ الفريضةِ)) بَعدَ قَولِه: ((كما يُعَلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ)) يَدُلُّ على الاعتِناءِ التَّامِّ البالغِ بهذا الدُّعاءِ وهذه الصَّلاةِ؛ لجَعلِهما تِلْوَينِ للفريضةِ والقُرآنِ . قال ابنُ أبي جَمرةَ: (قَوله: «كما يُعَلِّمُنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ» احتَمَلَ أن يَكونَ الشَّبَهُ مِن جِهةِ حِفظِ حُروفِه وتَرتيبِها، ولا يُبَدَّلُ مِنها شَيءٌ بشَيءٌ... واحتَمَلَ أن يَكونَ أرادَ مَنعَ الزِّيادةِ على تلك الألفاظِ والنَّقصِ مِنها... واحتَمَلَ أن يَكونَ الشَّبَهُ مِن طَريقِ الاهتِمامِ بها والتَّحقيقِ ببَرَكَتِها والاحتِرامِ لَها، واحتَمَلَ أن يَكونَ الشَّبَهُ مِن كَونِها بوَحيٍ مِنَ اللهِ تعالى كما أنَّ السُّورةَ بوَحيٍ مِنَ اللهِ ليس مِن عِندِه عليه السَّلامُ، واحتَمَلَ أن يَكونَ الشَّبَهُ في التَّدريسِ لَها والمُحافَظةِ عليها والمُعاهَدةِ لذلك، كما أخبَرَ عليه السَّلامُ عن حامِلِ القُرآنِ أنَّه مِثلُ صاحِبِ الإبِلِ المُعَقَّلةِ، إن عاهَدَ عليها أمسَكَها، وإن أطلَقَها ذَهَبَت ، واحتَمَلَ مَجموعَ ما وجَّهْناه وأكثَرَ) . شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك