امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 7 ساعة صفات عباد الرحمن (1) العبوديةكتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ الغرض مِن الموعظة: - هي سلسلة مواعظ، الغرض منها تعريف المسلمين بالصفات التي تؤهلهم لدخول الجنة.المقدمة: - ذكر الآيات التي تحمل الصفات: قال الله -تعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا . وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا . وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) (الفرقان:63-77).مناسبة الآيات: قال القرطبي -رحمه الله- في التفسير: "لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة، ذكر عباده المؤمنين أيضًا، وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفًا لهم".- الإشارة إلى الصفات التي اشتملتها الآيات: (العبودية - التواضع - الحلم - قيام الليل - الخوف من الله - الاعتدال في الإنفاق - تحقيق التوحيد - تعظيم حرمة الدماء - اجتناب الفواحش - المواظبة على التوبة - اجتناب الزور - الإعراض عن اللغو - المسارعة في الاستجابة - إصلاح الأهل والذرية - انتظار الجزاء الصالح في الأخرة).الصفة الأولى: العبودية:- الإشارة إلى أن هذه عبارة يسيرة في سياق وعظي لبيان قضية العبودية، وكيف أنها أم الصفات الآتية.- الإشارة إلى مجمل كلام المفسرين حول عطف جميع الصفات على العبودية: قالوا: "لما ذكر الكفار بالفظاظة والغلظة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعداوتهم له ومظاهرتهم على خالقهم، وختم الحديث عنهم وعن عدم انتفاعهم بالآيات الكونية، فعباد الشيطان لا يتذكرون، ولا يشكرون لما لهم مِن القسوة، عطف على هذا المقدّر أضدادهم واصفًا إياهم بأضداد أوصافهم مبشرًا لهم بضدِّ جزائهم، فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَن... ) فأضافهم إليه رفعة لهم، وإضافتهم إلى صفة الرحمن أبلغ عندما أنكر الكفار هذه الصفة".- الإشارة إلى تناول الحديث من خلال ثلاثة عناصر وخاتمة، هي ثلاث مسائل في قضية العبودية.(1) العبودية صفة الخلق جميعًا:- الخلق جميعًا مؤمنهم وكافرهم، حيوانهم وجماده، عبيد لله طوعًا أو كرهًا، فهو سبحانه رب العالمين، وخالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لهم الا هو، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروا، وسواء علموا ذلك أو جهلوه: قال الله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83)، وقال: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (مريم:93).- المؤمن عابد لله -عز وجل- طوعًا "فهو يقوم بواجب العبودية الشرعي"، والكافر معبد مذلل مقهور لله كرهًا "فهو يرفض العبودية الشرعية ويتمرد عليها" وإن أقر بالعبودية الكونية: قال -تعالى- عن الفراعنة: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل:14)، وقال عن كفار أهل الكتاب: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:146)، وقال عن كفار قريش: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام:33)، وقال عن الكفار عمومًا: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) (يوسف:106).(2) العبودية وظيفة العمر:- العبودية أعظم قضية؛ لأنها وظيفة الإنسان في الدنيا: قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99). - أعان الله الإنسان على العبودية بأن فطره عليها: قال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف:172)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) (متفق عليه).- ثم أرسل إليه الرسل ليذكروه بذلك وليثبتوا على العبودية: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36). - الذين غيَّروا فطرة العبودية، تبقى آثارها في نفوسهم بما يدل على حاجتهم إلى التعبد والتأله، وأكثر ما يظهر ذلك في الغفلات وعند الشدائد والمحن: (انظر إلى الشيوعيين الملاحدة، فإنهم يمارسون التعبد الباطل وهم لا يشعرون، ويناقضون أنفسهم، فإنهم إذا مروا أمام الجثة المحنطة لمؤسس الشيوعية "ستالين" في الميدان الأحمر في ذكرى وفاته، لا بد من الانحناء وإظهار الخشوع والتذلل!)، وقال -تعالى- عن المشركين في المحن: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (العنكبوت:65).(3) مفهوم العبودية لله -عز وجل-:- العبودية تقتضي اجتماع الحب والذل والخضوع لله -عز وجل-، وكلما زادت هذه المعاني زادت العبودية وزاد قدر العابد: قال -تعالى-: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) (العلق:19)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وهذا لما يشتمله مِن هذه المعاني. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ... ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، وفي حديث مقتل عمر -رضي الله عنه- قال لابنه: "ضَعْ خَدِّي عَلَى الأَرْضِ، فَقُلْتُ: وَمَا كَانَ عَلَيْكَ كَانَ فِي حِجْرِي أَوْ عَلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ: ضَعْهُ لا أُمَّ لَكَ، فَوَضَعْتُهُ، فَقَالَ: وَيْلِي، وَيْلٌ لأُمِّي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي" (المحتضرين لابن أبي الدنيا).- ولذا كان وصف العبودية أعظم تكريم للإنسان، فقد وصف الله به صفوة البشر: فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:171)، وقال عن صفوتهم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه... ) (الإسراء:1)، وقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) (الكهف:1)، وقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) (الفرقان:1).- فليحذر الإنسان أن يجمع هذه المعاني للمخلوق، وإلا تسرب الشرك مِن حيث لا يدري: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ) (رواه البخاري)(1).(4) خاتمة: أهمية الترقي في وظيفة العمر:- كثير من الناس يرضى بالدون في وظيفة العمر العظمى: "العبودية"، ولا يرضى بذلك في وظائف الدنيا، فيجعل العبودية محصورة داخل المسجد ويفصلها عن الحياة أو يقيم مِن العبودية أركان العبادات دون ما يتفرع منها مِن عبادات، في الوقت الذي لا يرضى إلا بأعلى الدرجات في وظائف الدنيا، ولا يرضى من الدنيا بمسكن ذات أعمده فقط! قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).- ينبغي أن تعمل للترقي في وظيفة العمر التي آثارها باقية تدوم، كما تسعى في الترقي في وظيفة الدنيا التي آثارها فانية ولا تدوم: "صنعَ ملك مِن ملوك الدنيا قصرًا عظيمًا ثم دعا الناس للنظر إليه، ووعد مَن يرصد فيه عيبًا بجائزة قيمة، فجاء الناس فجعلوا ينظرون ويعجبون ولا يستطيعون استخراج عيبٍ واحدٍ، حتى جاء رجل فنظر فقال للملك: إن فيه عيبين عظيمين! فقال الملك: وما هما؟ قال: مالكه سيموت، والقصر سيفنى، ليس غير الله يبقى، قال -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران:185)، وقال سبحانه-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن:26)"(2). فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.(1) لم يقل -صلى الله عليه وسلم-: "تعس جامع الدينار" وإنما عبَّر بالعبودية؛ لأنه جمع معانيها لهذه الأشياء بدرجةٍ أو بأخرى، أو أنه عظم حبه لهذه الأشياء، فجعله يذل ويخضع لأسبابها التي تؤدي به إلى الشرك، وفيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) (رواه مسلم).(2) انظر رسالة العبودية لشيخ الاسلام ابن تيمية، ورسالة العبودية وظيفة العمر لشيخنا د. ياسر برهامي، ففيهما المزيد.صوت السلف شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 7 ساعة صفات عباد الرحمن (2) التواضعكتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ الغرض من الموعظة: - حث المسلمين على التحلي بصفات عباد الرحمن التي توصلهم الى الجنة، ومنها: التواضع. المقدمة: - موضع الشاهد مِن الآيات على صفة التواضع: قال الله -تعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان:63)، قال ابن كثير في التفسير: "أي في سكينة ووقار مِن غير جبرية ولا استكبار". - بخلاف المتكبرين فإنهم يمشون في الأرض مرحًا: قال -تعالى-: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الإسراء:37). - ذكر الأرض في السياق إشارة إلى تواضعهم، حيث خُلقوا من الأرض، فمن يتذكر أصله لا يتكبر: قال -تعالى-: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى) (طه:55)، وقال: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) (الكهف:37). (1) فضل التواضع: - كفى بهذا الخُلُق شرفًا أن صدرت به صفات عباد الرحمن: قال -تعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان:63). - أمر به أعلى الناس منزلة وأحسنهم خلقًا أن يضع من قدره، ليسهل على إخوانه التعامل معه: قال -تعالى-: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ) (الحجر:88). - هو منة من الله وفضل على عبادة الصالحين: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (المائدة:54). - هو سبب لمحبة الخلق وإيثار القلوب في الدنيا، ونيل الجزاء الأعلى في الآخرة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَوَاضَعَ للهِ رَفَعَهُ) (أخرجه أبو نعيم في الحلية، وصححه الألباني).- هو سبب للتوفيق والسداد في الرأي: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأسِهِ حَكَمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ، قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حَكَمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حَكَمَتَهُ) (رواه الطبراني، وقال الألباني: حسن لغيره).- حث الشرع المؤمنين على التحلي به: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ) (رواه مسلم). (2) مِن تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم-: - تواضعه -صلى الله عليه وسلم- في نفسه: قال القاضي عياض في كتاب الشفا: "وحسبك أنه خيِّر بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا، فقال له إسرافيل عند ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع". وقال: "ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش المسلمين، طأطأ على رحله رأسه، حتى كاد يمس قادمته تواضعًا لله -تعالى-" (الشفا في معرفة حقوق المصطفى، ص 116). - تواضعه في عيشه -صلى الله عليه وسلم-: قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: حَجَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا، وَلَا سُمْعَةَ) (رواه البخاري، وابن ماجه واللفظ له) (انظر في كتب السير والشمائل في زهده وعيشه الخشن -صلى الله عليه وسلم-؛ ليظهر لك عظيم تواضعه -صلى الله عليه وسلم-).- تواضعه مع أهله ومع الناس: سئلت عائشة -رضي الله عنها-: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ فقَالَتْ: "كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ" (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ" (رواه البخاري)، وعن أنس -رضي الله عنه-: "أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ" (رواه مسلم). - تواضعه بالإخبار عن فقره، وعدم ترفعه: عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ: (هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، ويخبر أنه كان راعيًا للغنم فيقول: (كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ) (رواه البخاري)، بخلاف حال المتكبرين الذين يظنون أن ذلك يحقر مِن قدرهم، لا سيما الذين أعطوا مِن متاع الدنيا ما يعينهم على العلو وترك التواضع.(3) مِن تواضع السلف: - كانوا كلما رفعوا في الدنيا ازدادوا تواضعًا: عن عروة بن الزبير قال: "رأيت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا ينبغي لك هذا. فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دَخَلَت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها" (تاريخ دمشق لابن عساكر).وكان أبو هريرة -رضي الله عنه- يحمل الحزمة من الحطب على ظهره، وهو أمير الناس في المدينة، ويقول: "طرقوا للأمير، طرقوا للأمير" (تنبيه الغافلين للسمرقندي)، وقال رجاء بن حيوة: "قام عمر بن عبد العزيز ليلة فأصلح السراج، فقلت: يا أمير المؤمنين: لمَ لمْ تأمرني بذلك؟ أو دعوت مَن يصلحه؟ فقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر" (الطبقات الكبرى)، وقال الأصمعي: "كتب محمد بن كعب نسبه محمد بن كعب القرظي. فقيل له: قل الأنصاري. فقال: أكره أن أمن على الله ما لم أفعل" (قوت القلوب)، وعن مالك بن مغول قال: "قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ:" يَا أَبَا حَمْزَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ تَكَلَّمْتُ، وَلَوْ وَجَدْتُ بُدًّا مَا تَكَلَّمْتُ، وَإِنَّ زَمَانًا أَكُونُ فِيهِ فَقِيهَ أَهْلِ الْكُوفَةِ زَمَانُ سُوءٍ!" (سنن الدارمي). (4) أمور تعين على التواضع:1- شهود ضعف النفس وعيوبها: قال الله -تعالى-: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ . خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ . يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ . إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (الطارق: 5-8)، وقال: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء:28)، وقال الأحنف بن قيس: "عجبًا لابن آدم! يتكبر وقد خرج مِن مجرى البول مرتين!" (إحياء علوم الدين للغزالي)، وقال الحسن البصري: "عجبًا لابن آدم، يغسل الخرء بيده في اليوم مرة أو مرتين ثم يعارض جبار السماوات والأرض!" (التواضع والخمول).2- تذكر عاقبة الكبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الخَبَالِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني). 3- الإذعان للحق وقبوله مِن كل مَن جاء به: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ) (رواه مسلم)، وسئل الفضيل عن التواضع؟ فقال: "يخضع للحق وينقاد له، ويقبله ممن قاله" (مدارج السالكين لابن قيم الجوزية). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "لَا تَصِحُّ لَكَ دَرَجَةُ التَّوَاضُعِ حَتَّى تَقْبَلَ الْحَقَّ مِمَّنْ تُحِبُّ وَمِمَّنْ تُبْغِضُ" (مدارج السالكين). 4- مجالسة المساكين والفقراء الصالحين وزيارتهم، ولا سيما لمَن كان كثير المجالسة للكبراء والوجهاء: قال -تعالى- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) (الكهف:28). مرَّ الحسن على صبيان معهم كسر خبزٍ فاستضافوه، فنزل فأكل معهم، ثُمَّ حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال: "البدء لهم" (شذرات الذهب). 5- ترك نفيس الطعام والثياب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَرَكَ اللِّبَاسَ تَوَاضُعًا لِلَّهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، دَعَاهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ حُلَلِ الإِيمَانِ شَاءَ يَلْبَسُهَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَانِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).وبلغ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: أن ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهم، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصًّا بألف درهم، فإذا أتاك كتابي فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتمًا بدرهمين، واجعل فصه حديدًا صينيًّا واكتب عليه: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه" (مدارج السالكين). خاتمة: - التواضع مِن أحسن الأخلاق التي زيَّن الله بها عباده المؤمنين، فقدمه على سائر صفاتهم: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) (الفرقان:63). فاللهم ارزقنا صفات عبادك الصالحين. شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 1 ساعه (معدل) صفات عباد الرحمن (3) الحلم كتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛المقدمة: - الإشارة إلى موضع الشاهد من الآيات: قوله -تعالى-: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) (الفرقان:63)، قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إذا سفه عليهم الجهال بالقول السيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تزيده شدة الجاهل إلا حلمًا" (اهـ). وقال الحسن البصري: "المؤمن حليمٌ لا يجهل وإن جُهِل عليه، وتلا قوله -تعالى-: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)"(1).- تعريف الحلم: قال الراغب الأصفهاني: "ضبط النَّفس والطِّباع عند ثورة الغضب، وعدم الانفعال". وقال الجرجاني: "الطّمأنينة عند ثوران الغضب، والعدول عن مجازاة الظَّالم". - ما أحوجنا الى التحلي بهذا الخلق، لا سيما في هذا الزمان الذي فسدت فيه الأخلاق، وتفاخر الناس فيه بالغضب والثوران(2).(1) مكانة الحلم من الدين: - وصف الله به نفسه، فهو يرى معصية العصاة، ويشهد مخالفه أوامره وارتكاب نواهيه، ولا يسارع -سبحانه- بالعقوبة: قال -تعالى-: (إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء:44)، وقال: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (النحل:61). - أمر به أشرف خلقه -صلى الله عليه وسلم-: قال -تعالى-: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران:159)، وقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف:199). - مدح به أصفياءه وأولياءه المتقين: قال -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ) (هود:75)، وقال عن إسماعيل: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات:101)، وقال عن أوليائه: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) (الشورى:37)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالأَنَاةُ) (رواه مسلم). (2) فضل الحلم ومكانته من الدين: - الحلم طريق إلى الجنة والفوز بنعيمها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:133-134). - الحلم دليل على قوة القلب وشجاعة النفس، وليس الضعف كما يتصوره البعض: قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ) (متفق عليه)، قال أحدهم لضرار بن قعقاع: "لو قلتَ واحدة أسمعتك عشرة، فقال له: ولو قلت عشرة لم أسمعك واحدة" (أدب الدنيا والدين، للماوردي ص 254). - والحلم يجعلك في حفظ الله وكفايته مِن الجاهلين. (3) الرسول القدوة في الحلم: - حياته كلها صبر وحلم، وأعظمه ما كان في دعوة المشركين: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (متفق عليه)، وكذلك: حلمه وصفحه -صلى الله عليه وسلم- عن أهل مكة يوم الفتح مع ما فعلوه(3).(4) مِن حلم السلف -رضي الله عنهم-: - عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحلم بالمسيء عندما ذكر بالقرآن: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ القُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ، كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا»، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الجَزْلَ وَلاَ تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الحُرُّ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَالَ لِنَبِيِّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) (الأعراف:199)، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الجَاهِلِينَ (وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاَهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ) (رواه البخاري). - زين العابدين بن علي بن الحسين وحلمه بالجارية: "جعلت جارية لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق مِن يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فَقَالَت الجارية: إن الله -عز وجل- يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فَقَالَ لها: قد كظمت غيظي، قَالَت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قَالَ: قد عفا الله عنك، قَالَت: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قَالَ: فاذهبي فأنت حرة" (رواه البيهقي في شعب الإيمان وفي سنده انقطاع).- الشعبي يدعو لمن جهل عليه: "شَتم رجلٌ الشَعبَيَّ، فقال له: إن كنتَ صادقًا فغَفر الله لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفر الله لك" (العقد الفريد لابن عبد ربه).- الشافعي -رحمه الله- يرغِّب في الحلم ناظمًا: يخاطبني السفيه بكل قـبحٍ فـأكره أن أكـون له مجيبًا يزيد سفـاهة فـأزيد حـلمًا كعـودٍ زاده الإحـراق طيبًا (5) أسباب تعين على التحلي بالحلم: أ- احتساب أجر الصبر على الأذى عند الله: قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:133-134)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني).ب- طلب التحلي بمكارم الأخلاق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا... ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وروي: "مر المسيح عيسى ابن مريم على يهود، فقالوا له شرًّا، فقال لهم خيرًا. قيل له: إنهم يقولون شرًّا وتقول خيرًا؟! فقال: كل ينفق مما عنده" (إحياء علوم الدين للغزالي).ت- إفساد كيد الشيطان: قال -تعالى-: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) (الإسراء:53)، وقال أبو الدرداء لرجل سبه: "يا هذا، لا تُغرق في شَتمنا ودَع للصُّلح مَوضعًا، فإنَّا لا نكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر مِن أن نُطيع الله فيه" (أدب الدنيا والدين للماوردي، ص 225). ج- المجاهدة والتدرب على الحلم ولو بتكلفه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنّما العِلْمُ بالتّعَلُّمِ، وإنّما الحِلْمُ بالتّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومنْ يَتَّقِ الشّرَّ يُوَقَّهُ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). ح- رجاء تحول المعتدي إلى صديق: قال -تعالى-: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت:34)، ولقي رجل زين العابدين بن علي في الطريق، فسبه، فثار إليه مَن معه، فقال لهم: "مهلًا، ثم أقبل على الرجل، فقال: ما ستر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل، فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك يقول: أشهد أنك مِن ولد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (البداية والنهاية). فاللهم ارزفنا صفات عبادك الصالحين.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) بعض الناس يرد على مَن جهل عليه "سلامًا" بطريق التنقص والاحتقار، وليس ذلك هو المقصود، بل المقصود رد الاساءة بالإحسان، يعني: أنت في سلام ولا ينالك مني أذى (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) (مريم:47).(2) فكم مِن جريمة وقعت ونفوس أزهقت بسبب عدم الحلم، وكم مِن أرحام قطعت، وأسر هدمت وأطفال شردت بسبب عدم الحلم! وكم مِن دمار وحروب وعداوات وفوضى في البلاد والعباد بسبب عدم الحلم، وإذا كان الحلم مطلبًا في كل وقت، فإنه يزداد في زماننا هذا الذي يصدق فيه قول القائل: "زمان صار فيه الحليم حيرانًا". (3) ومِن ذلك حلم وصفح نبي الله يوسف -عليه السلام-: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ . قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف:91-92). صوت السلف تم تعديل منذ 1 ساعه بواسطة امانى يسرى محمد شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك