اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مفاهيم عامة حول الجهاد

المشاركات التي تم ترشيحها


بقلم : الشّيخ محمد خير الطرشان "المشرف العام"


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللّهم افتح علينا فتوح العارفين، ووفقنا توفيق الصالحين، واشرح صدورنا، ويسّر أمورنا، ونوّر قلوبنا بنور العلم والفهم والمعرفة واليقين، واجعل ما نقوله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

حديثنا عن الجهاد الأصغر، جهاد القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى. وسأنطلق في هذا الحديث من سورة الأنفال, وسنتعرف على مفهوم مصطلح الجهاد، ثم على أحكامه، وذلك من خلال إلقاء الضوء على سورة الأنفال التي بيّنتْ قضية الجهاد بشكل واضح.


^ الجهاد لغةً:

إذا وقفنا عند هذا المصطلح الذي غُيّب كثيراً من حياة المسلمين، سنجد أن مُطلق كلمة الجهاد في لغة العرب تعني بذل الإنسان الجهدَ والوسع والطاقة, وكل ما يملك لتحقيق غايته أو مقصده أو مأربه.


^ الجهاد اصطلاحاً:

كلمة الجهاد في اصطلاح القرآن والسنة: تشمل الدِّينّ كلَّه، وحينئذ تتسع مساحته لتشمل الحياة كلها، بسائر مجالاتها ونواحيها.


^ مفاهيم عامة حول مصطلح الجهاد:

قال تعالى: []وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[] سورة العنكبوت (69). الآية هنا تدل على مفهوم الجهاد في الله، أي جهاد النفس, جهاد الشهوة والهوى, جهاد الشيطان، الجهاد في مواجهة العراقيل والعوائق, الجهاد مع العدو من الكفار والمحاربين, فالمقصود هنا مطلق الجهاد في معترك الحياة. والإنسان في حياته يجاهد كثيراً، يواجه عقباتٍ كثيرة، كلها تندرج تحت إطار كلمة الجهاد بالمعنى الواسع، وبالمفهوم الكبير. ونبيّنا محمد - صلّى الله عليه وسلّم - بيّن لنا مفهوم الجهاد الشامل، فقال:"ما من نبيّ بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره, ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل". صحيح مسلم. ففي هذا الحديث يبيّن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن المؤمن في حياته يتعرض لكثير من العقبات، ويواجهها، و هذه المواجهة إنما تسمى جهاداً، فقد يستطيع الإنسان أن يجاهد هذه العقبات بيده، ومنهم من يجاهدها بلسانه، ومنهم من لا يستطيع أن يجاهدها إلا بقلبه، أي أن ينكر المنكر، ويحاول بقلبه ألا يرضى بما يحصل من الأمور التي تغضب ربنا سبحانه وتعالى. فالمراد إذاً بجهاد القلب في هذا الحديث هو بغض المنافقين، وبغض حالهم, وقد سمّى النبي - صلّى الله عليه وسلّم - فِعلَ القلب هذا جهاداً. وسمّى فعل اللسان جهاداً أيضاً كما سمّى فعل اليد - من باب أولى - جهاداً. إذاً.. فالنبي - صلّى الله عليه وسلّم - عمّم هذه المسألة؛ لكي يتشجع كل مسلم أن يجاهد في الحياة بالنوع الذي أشار إليه النبي صلّى الله عليه وسلّم.


أ- جهاد القتال في سبيل الله:

لعل من أبرز معاني الجهاد في سبيل الله أن يتم القتال لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. فعندما نطلق كلمة الجهاد على القتال، فالمراد منها إعلاء كلمة الله عز وجل، ونشر الدين الإسلامي بحق؛ حتى يسود العدل في الأرض.


ب- جهاد الدعوة إلى الله عزّ وجلّ:

عندما نقرأ في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى:[]فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيراً...[] سورة الفرقان (52). المقصود هنا بقوله وجاهدهم به: القرآن الكريم, وذلك كما فسره سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، فالجهاد الكبير هنا ليس القتال، وإنما هو الدعوة والبيان بالحجة، والبرهان، والإرشاد, ولعله من أصعب ما يبذل فيه الجهد، ومن أقسى ما يبلّغه الإنسان؛ لأن الحوار، وإظهار الحجة والبيان يحتاج إلى بذل جهد، وقدر كبير من الوسع حتى يصل الإنسان الغاية التي يريدها، وهي إعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن أعظم حجة وبيان إنما هو القرآن الكريم. وربنا - تبارك وتعالى - بيّن في مواضع كثيرة أن القرآن إنما هو حجة الله على خلقه، وأنه تعالى ذكرَ فيه نبأ مَنْ قبلَنا، وخبر من بعدنا، وكلَّ شيء يمكن أن يكون، أو هو كائن إلى يوم القيامة.


جـ- جهاد المنافقين:

يقول الله سبحانه وتعالى:[]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِي نَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ...[] سورة التوبة (73). في هذه الآية أيضاً ليس المرادُ بجهاد المنافقين القتالَ؛ لأن المنافقين يُظهرون الإسلامَ، ويُبطنون الكفرَ، والنبي - صلّى الله عليه وسلّم - لم يقاتلهم، بل عاملهم حسب ظواهرهم، حتى أن من انكشف كفره منهم، كعبد الله بن أُبَيّ بن سلول، لم يقتله النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ خشية أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، إنما المراد بجهاد المنافقين أن يكون بوسائل أخرى، ككشف أسرارهم، وكشف بواطنهم وأهدافهم الخبيثة، وتحذير المجتمع منهم.


ء- الجهاد من خلال برّ الوالدين:

جاء عن النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن رجلاً قصده - عليه الصلاة والسلام - وقال: يا رسول الله! أريد الجهاد. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:"ألك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهد". سنن أبي داود. فأنت تنال بخدمة والديك وبرهما الفضل العظيم، والأجر الكبير، ولا تزال في جهاد ما داما على قيد الحياة. وهذه نقطة مهمة, الجهاد في الحياة الاجتماعية من خلال بر الوالدين، ومن خلال إكرامهما، والسهر على مرضاتهما، وتقديم رغباتهما على رغباتنا الشخصية، وتقديم سعادتهما على سعادتنا الشخصية، لا شك أنه نوع من أنواع الجهاد، ولذلك جعله النبي - صلّى الله عليه وسلّم - مشتركاً في الثواب والأجر، كذلك المجاهد الذي يجود بنفسه مقاتلاً في سبيل الله تعالى. فتسمية رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - برَّ الوالدين ورعايتَهما جهاداً في هذا الموقف؛ إنما هو من باب الحث على برهما، ومن باب طاعتهما وإكرامهما، وتشجيعاً لكل مسلم أن يسعى إلى برهما، وأن يفوز برضاهما في حال حياتهما في هذه الدنيا.


هـ- الجهاد من خلال الأعمال الصالحة:

هناك أمثلة كثيرة من السنة الشريفة يسمّي فيها الرسول - صلّى الله عليه وسلّم - بعضَ الأعمال الصالحة جهاداً، أو بمنزلة الجهاد، كقوله عليه الصلاة والسلام:"الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله". صحيح البخاري. فشأن الذي يسعى لخدمة الأرملة التي فقدت زوجها، أو المسكين الفقير الذي لا يجد قوت يومه, كشأن المجاهد في سبيل الله تعالى. هناك رواية أخرى لهذا الحديث يضيف إليها النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من سعى على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وكالصائم لا يفطر، وكالقائم لا يَفتُر. فأولئك الناس الذين أسهروا ليلهم، أو اقتطعوا جزءاً من نهارهم لتفقُّد المساكين والفقراء، وإيصال المساعدات العينية والمادية إليهم، وقبل كل ذلك إشعارهم بالجانب المعنوي والروحي، وأننا نقف إلى جانبهم، لا شك أن ذلك نوع من الجهاد الذي يثاب عليه الإنسان إن شاء الله تعالى.


و- الجهاد من خلال الحج:

يقول نبينا - عليه الصلاة والسلام - :"الحج جهادٌ والعمرة تطوع". سنن ابن ماجة. فالجهاد في الحج وصفه النبي - عليه الصلاة والسلام - بأنه جهاد لا شوكة فيه أو قتال، بمعنى أن الحج في سبيل الله تعالى يعرّض الإنسان إلى مشقات كثيرة، لا تقلّ عن المشقات التي يواجهها المجاهد في سبيل الله تعالى. أيضاً النبي - عليه الصلاة والسلام - يقول:"المجاهد من جاهد نفسه". صحيح ابن حبان. أي قمعها وسيطر على شهواتها، ولم يمنحها حريتها كما تريد.

إذاً.. هذه مفاهيم عامة حول كلمة الجهاد، استخدمت ما بين القرآن والسنة، وهي توضح مدى اتساع دائرة الجهاد في المفهوم الإسلامي، وإنها ليست محصورة في القتال، بل هي مرتبطة بمجالات كثيرة في الحياة. وربما نظر بعضنا إلى هذا الجانب نظرة إهمال، فأراد النبي - صلّى الله عليه وسلّم - أن يلفت نظرنا إلى أهمية هذه الجوانب في حياتنا، وأن لها دوراً كبيراً في بناء شخصية المسلم.

يتبع
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×