اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم

المشاركات التي تم ترشيحها

images?q=tbn:ANd9GcSqhWLqsgeJoRJrhkKgxFt
 
أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بَعَثَ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ إلى البَحرَينِ يَأتي بجِزيَتِها، وكان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هو صالَحَ أهلَ البَحرَينِ، وأمَّرَ عليهمُ العَلاءَ بنَ الحَضرَميِّ، فقدِمَ أبو عُبَيدةَ بمالٍ مِنَ البَحرَينِ، فسَمِعَتِ الأنصارُ بقُدومِ أبي عُبَيدةَ، فوافَت صَلاةَ الصُّبحِ مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا صَلَّى بهِمُ الفَجرَ انصَرَفَ، فتَعَرَّضوا له، فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ رَآهُم، وقال: أظُنُّكُم قد سَمِعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قد جاءَ بشيءٍ؟ قالوا: أجَل يا رَسولَ اللهِ، قال: فأبشِروا وأمِّلوا ما يَسُرُّكُم، فواللهِ لا الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخَشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتهُم.
الراوي : عمرو بن عوف المزني | المحدث : البخاري | المصدر : صحيح البخاري
الصفحة أو الرقم: 3158 | خلاصة حكم المحدث : [صحيح]
التخريج : أخرجه الترمذي (2462) ، وابن ماجه (3997) ، والطبراني (17/ 25 ) (39) ، والطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (2028) جميعهم بنحوه .

 
الفَقرُ والغِنى مِحْنَتانِ مِنَ اللهِ تَعالى، وبَلِيَّتانِ يَبْلو بهما أخيارَ عِبادِه؛ لِيَظهَرَ صَبرُ الصَّابِرينَ، وشُكرُ الشَّاكِرينَ، وقد كان صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَستَعيذُ مِنَ الفَقرِ، ويُحذِّرُ مِن فِتنةِ الغِنى والمالِ.

وفي هذا الحَديثِ يَروي عَمرُو بنُ عَوفٍ المُزَنيُّ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أرسَلَ أبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضيَ اللهُ عنه إلى البَحرَيْنِ لِيَأْتيَ بجِزْيَتِها، وهي المالُ المَفروضُ على المَجوسِ مِن أهلِها، مُقابِلَ تَركِهم أحياءً وحِمايَتِهم بعْدَ أنْ صَالَحَهم على ذلك، وكانتِ البَحرَيْنُ في القَديمِ تُطلَقُ على ما يَشمَلُ حاليًّا كُلًّا مِنَ البَحرَيْنِ، والأحساءِ والقَطيفِ، شَرقَ المَملَكةِ العَربيَّةِ السُّعوديَّةِ، وقد فُتِحتْ سَنةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجرةِ، وقد أقَرَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليها عامِلَها المُنذِرَ بنَ ساوَى، ثم لَمَّا ماتَ أمَّرَ عليهمُ العَلاءَ بنَ الحَضرَميِّ.
فلَمَّا جاء أبو عُبَيدةَ رَضيَ اللهُ عنه بهذا المالِ، كان ذلك في وَقتِ صَلاةِ الفَجرِ، فحَضَر النَّاسُ الصَّلاةَ، فلَمَّا صلَّى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وانصَرَفَ مِنَ الصَّلاةِ وتوَجَّهَ إلى النَّاسِ، تَعَرَّضَ الأنصارُ له كأنَّهم سَأَلوه بالإشارةِ لِمَعرِفَتِهم بكَرَمِ أخلاقِه؛ لِيَقسِمَ بيْنَهم ما جاء به أبو عُبَيدةَ؛ لِأنَّهم أرهَقَتْهمُ الحاجةُ والفاقةُ التي كانوا عليها، وليس حِرصًا على الدُّنيا، ولا رَغبةً فيها، فعَلِمَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ما يُريدونَ، فتَبسَّمَ، وقال: «أظُنُّكم قدْ سَمِعتُم أنَّ أبا عُبَيدةَ قد جاءَ بشَيءٍ؟» قالوا: أجَلْ يا رَسولَ اللهِ، قال: «فأبشِروا وأمِّلوا»، أيِ: ارجوا ما يَسُرُّكم، وهذا تَهوينٌ منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عليهم ما هُم فيه مِنَ الشِّدَّةِ، وبِشارةٌ لهم بتَعجيلِ الفَتحِ عليهم.
ثمَّ أقسَمَ لهم قائِلًا: «فوَاللهِ لا الفَقرَ أخشى عليكم، ولكِنْ أخْشى عليكمْ أنْ تُبسَطَ عليكمُ الدُّنيا»، والمُرادُ به الغِنى وكَثرةُ المالِ، كما بُسِطَتْ على مَن كان مِنَ الأُمَمِ التي قَبْلكم، فتَتَسابَقوا إلى تَحصيلِها، فتُؤدِّيَ إلى هَلاكِكم؛ بسَبَبِ التَّنازُعِ عليها، والرُّكونِ إليها، والاشتِغالِ بها عنِ الآخِرةِ، كما حدَثَ مع الأُمَمِ مِن قبْلِكم.

وفي هذا إنذارٌ بما سيَقَعُ، وقد وَقَعَ ما أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ إذْ فُتِحتِ الدُّنيا بعْدَه وبُسِطتْ، وحَصَلَ التَّحاسُدُ والتَّقاتُلُ وما هو مَعروفٌ ممَّا يَشهَدُ بمِصداقِ خَبَرِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.
وفي الحَديثِ: أنَّ طَلَبَ العَطاءِ مِنَ الإمامِ لا غَضاضةَ فيه.
وفيه: البُشرى مِنَ الإمامِ لِأتباعِه، وتَوسيعُ أمَلِهم منه.
وفيه: أنَّ المُنافَسةَ في الدُّنيا قد تَجُرُّ إلى هَلاكِ الدِّينِ.

الدرر السنية

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الفقر والغنى كلاهما امتحان من الله تعالى، يبتلي بهما عباده ليظهر صبر الصابرين وشُكر الشاكرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له) رواه مسلم. فالمؤمن إن أصابته نعمة دينية من عبادة وعمل صالح، أو نعمة دنيوية كالمال والبنين، شكر الله فحصل له الأجر في الآخرة، مع سروره في الدنيا، وإن أصابته ضراء من فقر أو مرض أو ابتلاء، صبر وانتظر الفرج من الله، فكان الصبر خيراً له، لأنه يُثاب بأجر الصابرين الذين يُوفَّون أجورهم بغير حساب..

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفقر، ويحذر من فتنة الغنى والمال، فيقول: (اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَأثَمِ والمَغرَمِ، ومِن فِتنةِ القَبرِ وعَذابِ القَبرِ، ومِن فِتنةِ النَّارِ وعَذابِ النَّارِ، ومِن شَرِّ فِتنةِ الغِنى، وأعوذُ بك مِن فِتنةِ الفَقرِ) رواه البخاري.

فالغِنى بلا إيمان وتقوى، باب من أبواب الفتن العظيمة، فالمال يكون نعمةً إذا استُعمل في طاعة الله، وسُخّر في مرضاته، فيكون سبباً لدخول الجنة، وقد يكون المال نقمةً إذا استُعمل في المعصية، فيكون سبباً للهلاك والنار، وإن أخطر ما يواجه القلوب ليس الفقر ولا قلة ذات اليد، وإنما في المال والغنى، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فتنةً وفتنَةُ أمَّتي: المالُ) رواه الترمذي، وقال أيضا: (فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُلهيكُم كما ألهَتْهم) رواه البخاري.

وإذا نظرنا في واقعنا اليوم، نرى مِن الناس مَنْ إذا أنعم الله عليه بنعمة ووسَّع عليه في رزق ومال نسي المُنعم سبحانه، واستخدمه في معصية الله، وتكبر على خلقه، وأفسد في الأرض..

وحتى نعرف الطريق الصحيح، لا بد أن نرجع إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم، لنرى كيف عاشوا قبل أن تُفتح عليهم الدنيا، وكيف ظلوا ثابتين بعد أن فُتحت عليهم..

لقد أدرك الكثير من الصحابة الحالين: حال الفقر وحال الغنى، فما غيّر الفقر صبرهم، وما غيّر الغنى قلوبهم، بل ظلوا صابرين راضين في الفقر والضراء، شاكرين حامدين في السراء والنعمة..

كان أهل الصفة من الصحابة الفقراء لا مأوى لهم ولا بيوت، فكانوا ينامون في المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بعضهم إلى بيته ليطعمهم، فإذا لم يجد طعاماً قال: (إني إذاً صائم). وكان الصحابة الذين عندهم سعة في العيش يواسون إخوانهم ويقدّمون لهم ما عندهم ولو كان قليلاً، كما فعل الأنصار مع المهاجرين..

وما شبع الصحابة رضوان الله عليهم من التمر إلا بعد معركة خيبر، وكانوا من شدة فقرهم لا يرون الطعام الشهي إلا يسيراً، وكانت خفافهم مشققة، وثيابهم مرقعة، يجاهدون في سبيل الله ولو لم يجدوا في طريق الجهاد إلا ورق الشجر طعاما لهم..

أيها المؤمنون: وحين فُتحت الدنيا على الصحابة رضوان الله عليهم، وجاءتهم الأموال من كل صوب، لم يغيّر الغنى قلوبهم، ولم يفسد نفوسهم، بل ظلوا على حالهم من الزهد والورع، شاكرين لله، منفقين في سبيله.. لقد عاشوا الفقر والضراء، ثم أدركوا الغنى والسراء، فكانوا في الحالين عباداً لله، لا يفتنهم المال ولا يطغون به، بل كانوا يرونه وسيلةً للآخرة لا غايةً للدنيا..

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تولى الخلافة، لم يتغيّر حاله، بل ظل يخرج إلى السوق ليبيع ويشتري حتى قال له الصحابة: لا يليق بخليفة رسول الله أن ينشغل بالتجارة، فجعلوا له رزقاً من بيت المال، ومع ذلك ظل زاهداً، لا يحرص على جمع الدنيا، بل يوزعها في سبيل الله، ويجعلها ذخرا له في الآخرة..

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي فتحت في عهده كنوز فارس والروم، ومع ذلك كان يلبس الثوب المرقع، ويأكل الزيت والخبز، ويقول: "لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة". فكان يرى المال وسيلة للآخرة، لا وسيلة للترف والفساد..

وعثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي كان من أغنياء الصحابة، لم يكن المال عنده سبباً للكبر والبخل، بل كان سبباً للإنفاق العظيم في سبيل الله..

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، عاش زاهداً، يلبس الخشن، ويأكل القليل، ولما فتحت الدنيا كان يقول: "يا دنيا غرّي غيري، إليَّ تشوقتي أم إلي تعرضتي، طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، لا أمل لي فيكي، ولا أمل لك فيّ، فاذهبي عني وابحثي عن غيري".

وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعث لها معاوية رضي الله عنه بمائة ألف درهم فقسمتها ولم تترك منها شيئاً، فقالت لها بريرة خادمتها: "أنت صائمة، فهلا ابتعت لنا منها بدرهم واحد من المائة ألف من أجل طعام الإفطار، فقالت عائِشة رضي الله عنها: لو ذكَّرْتيني لفعلت"، هكذا كان حالها رضي الله عنها في حال الغنى، تنفق المال كله في سبيل الله، وتنسى نفسها..

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، من كبار الأغنياء، أُتي بطعام وهو صائم، فلما قُرِّب إليه الطعام نظر إليه وقال: قُتِل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجلت لنا"، ثم جعل يبكي رضي الله عنه، ما تغيرت نفوسهم والله، ولا تبدلت، يذكرون على الطعام إخوانهم الفقراء الشهداء قبل الفتوحات، فلا ينسونهم مع النعم التي يعيشون فيها..

هكذا كان حال الصحابة رضوان الله عليهم، لم يغيّر الغنى قلوبهم، ولم يفتنهم المال، بل جعلوه وسيلةً وزاداً للآخرة، لأنهم كانوا يدركون أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة دار مقر، والعبرة أن الغنى لا يكون خطراً إذا صاحبه إيمان وتقوى، وإنما الخطر أن يُتاح المال بلا رقيب من الإيمان والتقوى، فيتنافس الناس فيه وينسون الآخرة، وقد أدرك الصحابة هذا المعنى العظيم، فكانوا في الغنى شاكرين منفقين، كما كانوا في الفقر صابرين راضين..

 

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في الفقر صابرين محتسبين، وفي الغنى شاكرين منفقين، لم تغيّر الدنيا قلوبهم، ولم يفتنهم المال، بل جعلوه وسيلةً وزاداً للآخرة..

عاشوا الفقر فلم يجزعوا، وأدركوا الغنى فلم يطغوا، بل كانوا يرون أن المال لا قيمة له إن لم يُستعمل في طاعة الله، وأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغِنى عن كَثرةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَّفسِ) رواه البخاري.

كان تعاملهم رضوان الله عليهم مع المال مثالاً يُحتذى، لم يغيّر الغنى قلوبهم، ولم يفتنهم المال، بل كانوا ينفقون على الفقراء والمساكين، ويواسون إخوانهم، وكانوا يرون في المال حقاً لليتيم والمسكين وابن السبيل، ويجعلونه وسيلةً للتكافل والإحسان.. بينما بعض الناس اليوم إذا وسّع الله عليهم نسوا حقوق الفقراء والمساكين، وانشغلوا بزينة الدنيا، وأعرضوا عن شكر المنعم سبحانه، فاستخدموا المال في الترف والمعاصي بدل أن يكون وسيلةً للخير والبر، وهذا هو الخطر الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُلهيكُم كما ألهَتْهم) رواه البخاري.

وختاماً: فلنعتبر بحال الصحابة رضوان الله عليهم الذين جمعوا بين الصبر والرضا في الفقر، والشكر والعطاء في الغنى، ولنحذر مِنْ حال مَنْ ينسى الله إذا وسّع عليه في رزقه.. فالمال نعمة وابتلاء، فإما أن يكون نعمةً تأخذ بيدك إلى الجنة إذا استُعمل في الطاعة، وإما أن يكون نقمةً تقود إلى النار إذا استُعمل في المعصية، وهذا لا ينافي السعي للرزق والمال، بل الإسلام دعا إلى السعي والكسب من الحلال، ووضْع المال في مصارفه الشرعية، من رعاية الأهل والأولاد والتوسعة عليهم، والإنفاق على الفقراء والمساكين، وبذل الخير للناس، لكنه شدّد على أن يكون المال في اليد لا في القلب، وأن يكون وسيلةً للطاعات والخيرات لا أداةً للشر والفساد..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..

إسلام ويب

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إيثاره صلى الله عليه وسلم حال الفقر على الغنى

 

لقد جاءته الدنيا وهي راغمة فآثر بها محاويج أمّته، وطوى في كثير من أحواله على الجوع مع نسائه.

إنّ العظماء حقّاً هم الذين يستعلون على الضرورَةِ أيّاً كانَت، أمام المبادئ التي يعيشون لها، ويجاهدون في سبيلها..

أخرج الترمذيّ من حَديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (عَرَضَ عليّ رَبّي عزّ وجلّ أن يجعلَ لي بطْحاء مكّةَ ذهباً، فقلتُ: لا ياربّ ! ولَكن أشبَع يَوماً، وأجوع يَوماً، فإذا جِعتُ تَضرّعتُ إليكَ، ودَعوتُكَ، وإذا شبعْتُ حمدتُكَ وشكرتُك) [أخرجه الترمذيّ في كتاب الزهد برقم /2270/ وأحمد في المسند برقم /21166/ والبيهقيّ في شعب الإيمان 21/343/].

وعن ابن عمر رضي الله عنه أنّه قال: إنّ جبريلَ عليه السلام أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فخيّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، ولم يرد الدنيا.

وعن ابن طاوس عن أبيه قال: بُعث إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ملك لم يعرفه فقال: إنّ ربّك تعالى يخيّرك بين أن تكون نبيّاً عبداً، أو نبيّاً ملكاً، فاشار إليه جبريل عليه السلام: أن تواضع، قال: نبيّاً عبداً).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللهِ لَوْ اتَّخَذْتَ فِرَاشاً أَوْثَرَ مِنْ هَذَا فَقَالَ: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلاّ كَرَاكِبٍ سَارَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) [رواه أحمد برقم /2608/].

وكان صلى الله عليه وسلم إذا رأى شيئاً يعجبه قال: (لبّيكَ إنّ العَيشَ عَيشُ الآخِرةِ).

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ)، قَالَ شُعْبَةُ: أَوْ قَالَ: (اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إِلاّ عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَكْرِمْ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرَهْ) [رواه البخاري في كتاب المناقب باب دعاء النبيّ: أصلح الأنصار والمهاجرة برقم/3584/ ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب وهي الخندق برقم/3368/ وهذا لفظه].

وعن مجاهد أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية: (لبّيكَ اللهم لبّيكَ، لبّيكَ لا شريك لك لبّيكَ، إنّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريك لك) قال: حتى إذا كان ذات يوم، والناس يصرفون عنه كأنّه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: (لبّيكَ إنّ العَيشَ عَيشُ الآخِرةِ).

قال الإمام البيهقيّ: " وهذه كلمة صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنعم حاله يوم الحج بعرفة، وفى أشدّ حاله يوم الخندق. [هذه الآثار رواها البيهقيّ في السنن الكبرى 7/48/].

وقَدْ يتبادر سؤال إلى ذهن بعض الناس: ومَا الفرق بين أن يختار النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يكونَ عَبداً نبيّاً، أو يكون ملكاً نبيّاً.؟

" ولا ريب أنّ هناك فرقاً بين مقام الملكيّة والعبوديّةِ، فإنّ مقام الملكيّة يتطلّب اتّخاذ الجنود، واتّخاذ الحجّاب والخيول، واتّخاذ الخدم والقصور، ويتطلّب الانتقام ممّن يتَعرّض بالأذى لنفْسِ الملك.

وأمَّا مقام العبوديّةِ فإنّه يقتضي أن يخدمَ نفسه، وأن يكون في معونة أهله، تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم، ويقتضي العفوَ والصفح عمّن آذاه في نفسه صلى الله عليه وسلم، أمّا إذا انتهكت حرمات الله تعالى فينتقم لله تعالى " [" سيّدنا مُحَمّد رسول الله صلى الله عليه وسلم " للشيخ عبد الله سراج الدين، ص/174/]. هذا من حيث الفرق الظاهر، وهناك ملحظانِ آخَران يراهما الكاتب أهمّ من ذلك:

الأوّل: أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لو اختار مقَام الملكيّة مع النبوّة والرسالة لربّما ادّعى بعضُ المدّعين أنّ ما تحقّق له مِن انتصارات على أعدائه إنّما هو لِمَا كان عليه من قوّة الملك والسلطان، لا بسبب تأييدِ اللهِ لَه بما خصّه من نبوّة ورسالة، وربّما ادّعى آخرون أنّه جاء بما جاء به ليصل إلى الملك والسلطان، الذي حصل له، ولتكون له الرئاسة على الناس.

والملحظ الثاني: أنّ عظمة شخصيّةِ النبيّ صلى الله عليه وسلم تتجلّى في مقام العبديّة أكثر، إذ هو عبد نبيّ، وله من الهيبةِ والتعظيم في النفوس ما يغني عن قوّة الملوك وسلطانهم، ويزلزل تيجان الملوك، وتخضعُ له الأكاسرة، ويقفُ على بابه العظماء خاشعين متأدّبين، ويتمنّى العظماءُ والملوك أن يحظَوا بشرفِ خدمته، والمثولِ بين يديه، وهذا هو الإعجاز بشخصيّتِه صلى الله عليه وسلم..

فيتبيّن من ذلكَ أنّ مقامَ العبديّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قد انطوى فيه مَقامُ الملكيّة، وسما عليه، وهذا من غير المألوف في حياة الناس وأوضاعِهم.. وما مقام الملكيّة إلى العبوديّة النبويّة إلاّ كالوهم الخادع، والسرَاب الكاذب..

ولاشكّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم من تحقّق بمقام العبوديّة للهُ تعالى، وخير من كملت له مراتبها العليّة، وقد شرّفه الله عزّ وجلّ بهذا الوصف في مناسبات عديدَة من كتابه، منها قوله تعالى: {الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا}[الكهف:1]، وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير}[الإسراء:1]، وقوله عزّ من قائل: {... إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}[الأنفال:41].

وقد أكرم الله تعالى أمّة مُحَمّد صلى الله عليه وسلم بشدّةِ التعظيمِ والتوقير للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والأدب معَه، ومعَ ذلك فهي لم تخرج به عن أشرف وصف له، وهو العبوديّة لله تعالى، كما فعل غيرها من الأمم، وهذا من تكريم الله جلّ وعلا لنبيّه صلى الله عليه وسلم، ورفعة قدره عنده.

هذا وقد صحّحَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم مفهوم الناس عن الغنى وحقيقته، كيلا يخدعَ الناس بالمظَاهر عن الحقائق، جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ) [رواه البخاري في كتاب الرقاق باب الغنى غنى النفس برقم /6081/ ومسلم في كتاب الزكاة باب لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ برقم /1741/].

فكم منْ فقير ذاتِ اليد، ولكنّه غنيّ القلب، عزيز النفس، بما هُو عليه من تعظيم النعمة، وعفّة النفس، والرضا بما قسم الله له؟!

وكم ممّن لا تحصى أمواله، ولا تُعَدّ مقتنياته، تراه لا تهدأ شكواه ولا تفتر، ولا تشبع نفسه ولا تقنع، ولا يكفّ جشعه عن أيّ مطمع، فهو من خوف الفقر في بؤس وفقر، وشتات أمر.؟!

طرفٌ من الحكمة في اختيار النبيّ صلى الله عليه وسلمحال الفقر على الغنى:

لقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الفقر والتقلّل من الدنيا والزُّهد فيهَا، مع ما أفاء الله عليه، وخصّه به من خُمْس الغنائِم، وما يأتيه من الفيْء بغَير حرْب أو قِتَال، فكان صلى الله عليه وسلم يردّ أكثر ذلك على أصحابه، ويؤثرهم على أهل بيته، فيواسي فقراءهم، ويسدّ حاجة محتاجهم، ويعين غارمهم، ويكرم الوفد القادم عليه، ويتألّف قلب بعض الناس على الإسلام، وأمثلة ذلك لا تحصى.. وكُلُّ ذلك لحكم تشريعيّة وتربويّة ودعويّة جليلة، لا مجال لبسْطها هنا، ولكنّنا نُشير إلى طَرفٍ منْها:

1 ـ فمن هذه الحكم أنّ حالَ الفقر أقرَب إلى التحقّق بذلّ العبوديّة والافتقار إلى الله منْ حال الغنى.

2 ـ أنّ التجرّد عن أسباب القوّة الظاهرة، من الغنى وبسطةِ العيش أبلغ في الإعجاز للبشر عندما يرونَ انتصارات النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم المبهرة، على أعدائه في كلّ مَيدان.

3 ـ مواساة الفئة العُظمَى من أمّته، وهي ولاشكّ فئة الفقراء والمحتاجين على مرّ العصور والأجيال، إذ يجدون في أحوال نبيّهم صلى الله عليه وسلم ما يُصبّرهم على لأواء الفقر والفاقة، ويدعوهم إلى التأسيّ به صلى الله عليه وسلم، ويبثّ في قلوبهم الطمأنينة والرضا عن الله تعالى.

عن الحسن رضي الله عنه قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (والله ما أمسى في آل مُحَمّد صاع من طَعام، وإنّها لتسعة أبيات) والله ما قالها استقلالاً لرزق الله سبحانه وتعالى، ولكن أرادَ أن تتأسّى به أمّته " [رواه الدمياطيّ في السيرة، كما في الأنوار المحمّديّة ص/239/].

4 ـ الإعلاء منْ شأن الغنى الحقيقيّ الذي عرّفه صلى الله عليه وسلم بأنّه غنى النفس، وليس عن كثرة العرض، وأنّه أوْلى بالنظر والاعْتبار مِن جمعِ حُطام الدنيا، والتفاخر بزينتها، والنفس لا تشبع، ولا تقنع.

5 ـ تربية الأمّة تربية عمليّة على الاهتمام بالمقاصد العظيمة التي جاء النبيّ صلى الله عليه وسلم لتحقيقها في حياة الناس، وحشد الطاقَات والجهود لبلوغها، وتَسخير مَتاع الدنيا لخدْمتها، ورفع البشريّة إلى مستوى التحقّق بهَا، وبيان أنّ هذه المقاصد لا تقتضي بالضرورة أن تكون الأمّة ذات رَغد في العيش، وسعة فِي أسباب الدنيا، بلْ إنّ الأمّة كلّمَا أخذتْ بأسباب الترف والرفاهية ابتعدت عَن تلكَ المقَاصد الشريفَة والغَايات النبيلَة.

رابطة العلماء السوريين

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×