اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

أقسامُ التَّوحيدِ

المشاركات التي تم ترشيحها

images?q=tbn:ANd9GcQFmbrA8wX7oi_ZExvmvsQ


تمهيدٌ
قال اللهُ تعالى: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم: 65] .

اشتمَلَت هذه الآيةُ الكريمةُ على أقسامِ التَّوحيدِ الثَّلاثةِ:
توحيدُ الرُّبُوبيَّةِ في قَولِه: رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا.
وتوحيدُ الأُلُوهيَّةِ في قَولِه: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ.
وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ في قَولِه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا.
وقد تنوَّعت عباراتُ أهلِ العِلمِ في التَّعبيرِ عن أقسامِ التَّوحيدِ، مع اتِّفاقِها في المضمونِ، وسَبَبُ ذلك أنَّ تقسيمَ التَّوحيدِ مأخوذٌ من استِقراءِ النُّصوصِ، ولم يُنصَّ عليه صراحةً مِن قِبَل الشَّارعِ.


فمِنَ العُلَماءِ مَن قَسَّم التَّوحيدَ إلى الأقسامِ التَّاليةِ:
1- توحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
2- توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
3- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ .

وزاد بعضُ العُلَماءِ قِسمًا رابِعًا سَمَّاه: توحيدَ الاتِّباعِ أو المُتابعةِ، أو توحيدَ الطَّريقِ ، والمراد به إفرادُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالمتابَعةِ، وهذا القِسمُ يتعلَّقُ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهو مُندَرِجٌ في توحيدِ الأُلُوهيَّةِ؛ لأنَّ العِبادةَ لا تُقبَلُ شَرعًا إلَّا بشَرطَينِ:
1- الإخلاصُ للهِ.
2- المتابعةُ لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
كما قال الله تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف: 110] ، وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((من أحدَثَ في أمْرِنا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ )) ، وفي روايةٍ لمُسلِمٍ: ((مَن عَمِلَ عَمَلًا ليس عليه أمرُنا، فهو رَدٌّ)) .


ومِنَ العُلَماءِ مَن قسَّم التَّوحيدَ إلى قِسمَينِ، هما:
1- توحيدُ الأُلُوهيَّةِ.
2- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وهذا هو الأغلَبُ في كلامِ أهلِ العِلمِ المتقدِّمينَ؛ لأنَّهم يجمَعونَ بين توحيدِ الرُّبوبيَّةِ وتوحيدِ الأسماءِ والصِّفاتِ؛ لأنَّهما يُشَكِّلانِ بمجموعِهما شيئًا واحدًا، وهو جانِبُ العِلمِ باللهِ ومَعرفتِه عزَّ وجلَّ، وتوحيدُ الأُلوهيَّةِ يشكِّلُ جانِبَ العَمَلِ لله.


ثمَّ تنوَّعت تَسمياتُهما لهذينِ القِسمَين؛ فمِنهم من يقولُ هما:
1- التَّوحيدُ العِلميُّ الخَبَريُّ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسُمِّي بالعِلْميِّ؛ لأنَّه يعتني بجانِبِ العِلمِ بالله، وسُمِّي بالخَبَريِّ؛ لأنَّه يتوقَّفُ على الخبَرِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
2- التَّوحيدُ الإراديُّ الطَّلَبيُّ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ، وسمِّيَ بالإراديِّ؛ لأنَّ العَبدَ له في العباداتِ إرادةٌ؛ فهو إمَّا أن يقومَ بتلك العبادةِ أو لا، وسمِّيَ بالطَّلَبي؛ لأنَّ العَبدَ يَطلُبُ بتلك العباداتِ وَجْهَ اللهِ ورِضوانَه .


ومِنَ العُلَماءِ من يقولُ هما:
1- توحيدُ المَعرِفةِ والإثباتِ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّي بتوحيدِ المَعرِفة؛ لأنَّ مَعرِفةَ اللهِ عزَّ وجلَّ إنَّما تكونُ بمَعرِفة أسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، وسمِّيَ بتوحيدِ الإثباتِ؛ لإثباتِه ما أثبَتَه اللهُ لنفسِه من الأسماءِ والصِّفاتِ والأفعالِ.
2- توحيدُ الطَّلَبِ والقَصدِ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ، وسمِّيَ بتوحيدِ الطَّلَبِ والقَصدِ؛ لأنَّ العَبدَ يتوجَّهُ بقَلْبِه ولِسانِه وجوارِحِه بالعبادةِ للهِ وَحْدَه، ويَقصِدُ بذلك وَجْهَه، وابتِغاءَ مَرْضاتِه .


ومِنَ العُلَماءِ من يقولُ هما:
1- التَّوحيدُ القَوليُّ
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّيَ بالقَوليِّ؛ لأنَّه في مقابِلِ توحيدِ الأُلوهيَّةِ الذي يشكِّلُ الجانبَ العَمَليَّ من التَّوحيدِ.
2- التَّوحيدُ العَمَليُّ.
وهو توحيدُ الأُلُوهيَّةِ، وسمِّيَ بالعَمَليِّ؛ لأنَّه يشمَلُ كُلًّا من عَمَلِ القَلبِ، وعَمَلِ اللِّسانِ، وعَمَلِ الجوارحِ؛ التي تُشكِّل بمجموعِها جانبَ العَمَلِ من التَّوحيدِ .


ومن المعاصرين من يقولُ هما:
1- توحيدُ السِّيادةِ.
وهو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ، وسمِّي بذلك؛ لأنَّ تفرُّدَ اللهِ بأفعالِه وأسمائِه وصفاتِه يُوجِبُ له السِّيادةَ المطلَقةَ، والتصَرُّفَ التَّامَّ في هذا الكونِ، فمِن واجِبِ الموحِّدِ أن يُفرِدَ اللهَ بذلك.
2- توحيدُ العِبادةِ.
وهو توحيدُ الأُلوهيَّةِ المتعَلِّقُ بجانبِ عِبادةِ اللهِ تعالى .


والمُختارُ تَقسيمُ التَّوحيدِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ، وهي:
1- توحيدُ الرُّبوبيَّةِ.
2- توحيدُ الأُلوهيَّةِ.
3- توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ.
وهذا التَّقسيمُ الثُّلاثيُّ وارِدٌ في مؤلَّفاتِ أهلِ العِلمِ مُنذُ بدايةِ التَّصنيفِ والتَّدوينِ لمَسائِلِ العَقيدةِ.

قال ابنُ بَطَّةَ: (أصلُ الإيمانِ باللهِ، الذي يجِبُ على الخَلْقِ اعتقادُه في إثباتِ الإيمانِ به؛ ثلاثةُ أشياءَ:
أحَدُها: أن يعتقِدَ العَبدُ ربانيَّتَه؛ ليكونَ بذلك مُبايِنًا لمذاهِبِ أهلِ التَّعطيلِ الذين لا يُثبِتونَ صانِعًا .
والثَّاني: أن يعتَقِدَ وحدانيَّتَه؛ ليكون مبايِنًا بذلك مذاهِبَ أهلِ الشِّركِ الذين أقرُّوا بالصَّانِعِ وأشركوا معه في العبادةِ غَيرَه .
والثَّالِثُ: أن يَعتَقِدَه موصوفًا بالصِّفاتِ التي لا يجوزُ إلَّا أن يكونَ موصوًفا بها من العِلمِ والقُدرةِ والحِكمةِ وسائِرِ ما وَصَف به نَفْسَه في كتابِه؛ إذ قد عَلِمْنا أنَّ كثيرًا ممَّن يُقِرُّ به ويوحِّدُه بالقَولِ المطلَقِ قد يُلحِدُ في صِفاتِه .

وقال الجُرجانيُّ: (التَّوحيدُ ثلاثةُ أشياءَ: مَعرِفةُ الله تعالى بالرُّبوبيَّةِ، والإقرارُ بالوحدانيَّةِ، ونفيُ الأندادِ عنه جملةً) .

وقال الشِّنقيطيُّ: (دلَّ استقراءُ القُرآنِ العَظيمِ على أنَّ توحيدَ اللهِ يَنقَسِمُ إلى ثلاثِة أقسامٍ:
الأوَّلُ: توحيدُه في ربوبيَّته... الثَّاني: توحيدُه جلَّ وعلا في عبوديَّتِه... النَّوعُ الثَّالِثُ: توحيدُه جلَّ وعلا في أسمائِه وصِفاتِه) .

وقال ابنُ باز: (هذا التَّقسيمُ مأخوذٌ مِن الاستقراءِ والتأمُّلِ؛ لأنَّ العُلَماءَ لَمَّا استَقرَؤوا ما جاءت به النُّصوصُ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ظَهَر لهم هذا، وزاد بعضُهم نوعًا رابعًا هو توحيدُ المتابعةِ، وهذا كُلُّه بالاستقراءِ.
فلا شكَّ أنَّ من تدبَّر القرآنَ الكريمَ وَجَد فيه آياتٍ تأمرُ بإخلاصِ العِبادةِ للهِ وَحْدَه، وهذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ.

ووجَدَ
آياتٍ تدُلُّ على أنَّ اللهَ هو الخلَّاقُ، وأنَّه الرزَّاقُ، وأنَّه مُدَبِّرُ الأمورِ، وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّة ِالذي أقرَّ به المُشرِكونَ ولم يُدخِلْهم في الإسلامِ.
كما يجِدُ آياتٍ أخرى تدُلُّ على أنَّ له الأسماءَ الحُسنى والصِّفاتِ العُلا، وأنَّه لا شَبيهَ له، ولا كُفُؤَ له، وهذا هو توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ الذي أنكَرَه المبتَدِعةُ مِنَ الجَهميَّةِ والمُعتَزِلةِ والمشبِّهةِ، ومَن سلَكَ سَبيلَهم.
ويجِدُ آياتٍ تدُلُّ على وُجوبِ اتِّباعِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ورَفْضِ ما خالَفَ شَرْعَه، وهذا هو توحيدُ المتابَعةِ، فهذا التَّقسيمُ قد عُلِمَ بالاستقراءِ، وتتبُّعِ الآياتِ، ودراسةِ السُّنةِ، ومن ذلك:
قَولُ اللهِ سُبحانَه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 4]
وقَولُه عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 21] .
وقَولُه جَلَّ وتعالى: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة: 163] .
وقَولُه سُبحانَه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: 56-57].
وقَولُه سُبحانَه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] .
وقال سُبحانَه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى: 11] .
وقال عزَّ وجلَّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص: 1-4] .
وقال جَلَّ شأنُه: قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آل عمران: 31] .
وقال سُبحانَه: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54] ، والآياتُ الدالَّة على ما ذُكِرَ مِنَ التَّقسيمِ كَثيرةٌ.


ومن الأحاديثِ: قَولُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في حديثِ مُعاذٍ رَضِي اللهُ عنه المتَّفَقِ على صِحَّتِه: ((حقُّ اللهِ على العِبادِ أن يَعبُدوه، ولا يُشرِكوا به شيئًا )) .
وقَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((من مات وهو يدعو من دونِ اللهِ ندًّا، دخل النَّارَ )) .
وقولُه لجِبريلَ عليه السَّلامُ لَمَّا سأله عن الإسلامِ، قال: ((أن تعبُدَ اللهَ ولا تُشرِكَ به شَيئًا، وتقيمَ الصَّلاةَ المكتوبةَ، وتؤدِّيَ الزَّكاةَ المفروضةَ ... )) الحديث .
وقَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((من أطاعني فقد أطاع اللهَ، ومن عصاني فقد عصى اللهَ )) .
وقَولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: ((كلُّ أُمَّتي يَدخُلونَ الجنَّةَ إلَّا من أبى)) قيل: يا رَسولَ اللهِ ومن يأبى؟! قال: ((من أطاعني دَخَل الجنَّةَ، ومن عَصاني فقد أبى )) ، والأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ) .

وقال بكر أبو زيد: (هذا التَّقسيمُ الاستِقرائيُّ لدى متقدِّمي عُلَماءِ السَّلَفِ أشار إليه ابنُ مَنْدَهْ، وابنُ جَريرٍ الطَّبَريُّ وغَيرُهما، وقرَّره شيخا الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ، وقرَّره الزَّبيديُّ في (تاج العروس)، وشَيخُنا الشنقيطيُّ في (أضواء البيان) وآخرينَ، رحم اللهُ الجميعَ، وهو استقراءٌ تامٌّ لنُصوصِ الشَّرعِ، وهو مطَّرِدٌ لدى أهلِ كُلِّ فَنٍّ، كما في استقراءِ النُّحاةِ كَلامَ العَرَبِ إلى: اسمٍ وفِعلٍ وحَرفٍ، والعَرَبُ لم تَفُهْ بهذا، ولم يَعتِبْ على النُّحاةِ في ذلك عاتبٌ) .

والعَلاقةُ بين هذه الأقسامِ الثَّلاثةِ للتَّوحيدِ عَلاقةُ تلازُمٍ وتَضَمُّنٍ وشُمولٍ، فهي تُكوِّنُ بمَجموعِها أركانَ التَّوحيدِ الواجِبِ، ولا يَكمُلُ التَّوحيدُ إلَّا باجتِماعِ أقسامِه الثَّلاثةِ، ولا يمكِنُ الاستغناءُ ببَعْضِها عن بعضٍ، فالخَلَلُ والانحرافُ في أيِّ نوعٍ منها هو خللٌ في التَّوحيدِ كُلِّه.


فتوحيدُ الرُّبوبيَّةِ مُستَلزِمٌ لتَوحيدِ الأُلوهيَّةِ.
وتوحيدُ الأُلوهيَّةِ متضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ.
وتوحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ شامِلٌ للنَّوعَينِ معًا.


فمن أقرَّ بتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ، وعَلِمَ أنَّ الله سُبحانَه هو الرَّبُّ وَحْدَه لا شَريكَ له في رُبوبيَّتِه، لَزِمَه من ذلك الإقرارُ بوجوبِ إفرادِ اللهِ بالعبادةِ وَحْدَه؛ لأنَّه لا يستحِقُّ العبادةَ إلَّا من كان ربًّا خالقًا مالِكًا مُدَبِّرًا، فما دام أنَّ ذلك كُلَّه لله وَحْدَه وَجَب أن يكونَ هو المعبودَ وَحْدَه.
ويَكثُرُ في القُرآنِ الكريمِ سَوقُ آياتِ الرُّبوبيَّةِ مَقرونةً بآياتِ الدَّعوةِ إلى توحيدِ الأُلوهيَّةِ، كقَولِه تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: 21] .


وأمَّا توحيدُ الأُلوهيَّةِ فهو متضَمِّنٌ لتوحيدِ الرُّبوبيَّةِ؛ لأنَّ مَن عَبَد اللهَ ولم يُشرِكْ به شَيئًا، يَستَلزِمُ إيمانُه بأنَّ اللهَ هو ربُّه ومالِكُه الذي لا ربَّ غَيرُه.
وأمَّا توحيدُ الأسماءِ والصِّفاتِ فهو شامِلٌ للنَّوعَينِ معًا؛ لأنَّه يقومُ على إفرادِ اللهِ تعالى بكلِّ ما له من الأسماءِ الحُسنى، والصِّفاتِ العُلا التي لا تنبغي إلَّا له سُبحانَه وتعالى، والتي من جُملتِها: الرَّبُّ - الخالِقُ - الرَّازِقُ - المَلِكُ، وهذا هو توحيدُ الرُّبوبيَّةِ، ومن جملتِها: اللهُ - الغفورُ - الرَّحيمُ - التَّوَّابُ، وهذا هو توحيدُ الأُلوهيَّةِ .


الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
التوحيد في سورة الإنسان
 
 
تتلاحم السورة بما قبلها، فقد تقرر أن النطفة هي أول مراحل خلق الإنسان، وقبلها لم يكن شيئًا مذكورًا، وهو ما تقرر هنا في مطلع سورة الإنسان: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ [الإنسان: 1]، نعم، أين كنت أنا قبل أن يولد أبي، وقبل أن يتزوج أبي بأمي؟ لم أكن شيئًا مذكورًا، وإنما كنت في عالم الغيب أو في عالم الذر الذي لا يعلمه إلا الخالق المبدع المنشئ سبحانه.
ولم يخلق الله الإنسان عبثًا ولن يتركه سدًى، وإنما خلقه ليبتليه، ولأنه مبتلى وممتحن ومكلف، فقد جعله سميعًا بصيرًا، والسمع والبصر هما نافذة العقل على العالم الخارجي، وبدونهما لا تكليف ولا ابتلاء ولا امتحان! ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 2]، والأذن في الإنسان هي آلة السمع التي ترسل موجات الكلام وجرس الأصوات إلى العقل (المخ) عن طريق أوتار (أعصاب) سمعية، ثم العقل، يميز ويحلل ويفند، ويزن ويحكم، ثم يعطي القرار، كل ذلك في أقل من ثانية، والقرار قد يكون صحيحًا صائبًا أو غير ذلك، وكذا العين، تنظر وتجمع ما تراه وتنقله عن طريق أوتار (أعصاب) بصرية إلى العقل (المخ)، ثم تسجل (كما تسجل الأصوات) على خلايا في (المخ)، ثم يترجم ذلك إلى قرارات، وقد تكون تلك القرارات صحيحة صائبة أو غير ذلك، وكما قد يخطئ السمع في التمييز بين الأصوات، فقد يخطئ البصر أيضًا، فقد يرى الإنسان الحزمة عودًا والعود حزمة، كما قد يرى الألوان على غير حقيقتها فيما يسمى بمرض "عمى الألوان"، أو "عشى الألوان"، وفي الحالتين قد يخطئ العقل حسب ما لديه من معلومات نقلت إليه عن طريق السمع أو البصر، وهما آلتان بشريتان محكومتان بقدرات محدودة، وفي حال الخطأ من الذي يصوب خطأ العقل؟ ومن المختص بالقدرات غير المحدودة؟

إن نطاق عمل السمع والبصر هو عالم الشهادة، فماذا عن عالم الغيب؟ إن الذي يصوب خطأ العقل هو الوحي، فهو المنزه عن الخطأ، وإن المختص بالقدرات اللامحدودة هو الوحي، وإن العالم بعالم الغيب والشهادة هو الله عز وجل، لذا كان لا بد من هداية الوحي: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3]، والهداية نوعان: هداية الدلالة والإرشاد والبيان، وهداية التوفيق، وهي التي لا يملكها إلا الله عز وجل وحده، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، وفي قوله تعالى: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾، يقول القرطبي: (أي بيَّنَّا له سبيل التوحيد بنصب الأدلة عليه، ثم إن خلقنا له الهداية اهتدى وآمن، وإن خذلناه كفر، وجمع بين الشاكر والكفور نفيًا للمبالغة في الشكر، وإثباتها له في الكفر؛ لأن شكر الله تعالى لا يؤدي، فانتفت عنه المبالغة، ولم تنتف عن الكفر المبالغة، فقلَّ شكره لكثرة النعم عليه، وكثر كفره وإن قل مع الإحسان إليه..).

ومن مقتضيات التوحيد: الصبر على قضاء الله والرضا بحكمه، والمفاصلة مع الكفر وأهله: ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 24]؛ كما قال له: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ [الأحزاب: 1]، وهو أمر بترك طاعة الكافرين، وعدم موافقتهم، فهم في طريق، وأهل التوحيد في طريق لا يلتقيان، وإلى أن يقضي الله بين أهل التوحيد وأهل الكفر، فإن على أهل التوحيد الثبات والصبر مع مداومة الذكر وقيام الليل: ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴾ [الإنسان: 25- 26]، وليعلم أهل التوحيد أن آخر المطاف هو الفوز والدخول في رحمة الله والنجاة من عذابه: ﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [الإنسان: 31]

د. أمين الدميري

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
التوحيد والتشريع في سورة المائدة
 
تتسم هذه السورة الكريمة بأنها كانت من أواخر ما نزل، وأن الأحكام التي جاءت فيها أحكام نهائية غير منسوخة، كما أن الربط بين التوحيد والتشريع كان مَعلمًا من معالم السورة، فالتوحيد عهد بين الله تعالى وبين عباده، يجب عليهم أن يوفوا به، وميثاق أخذه الله تعالى عليهم يجب أن يقوموا به؛ لذا كان هذا الاستهلال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، وأشير هنا إلى ما ذكره بعض المفسرين:
 
1- ابن كثير: أورد رحمه الله ما رواه ابن أبي حاتم أن رجلًا أتى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، فقال: اعهد إليَّ، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فأرْعِها سمعَك، فإنه خيرٌ يأمر به، أو شر ينهى عنه.
2- الطبري: قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾: يا أيها الذين أقرِّوا بوحدانية الله، وأذعنوا له بالعبودية، وسلِّموا له الألوهية، وصدِّقوا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم في نبوته، وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه، ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾: يعني أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربَّكم، والعقود التي عاقدتموها إياه، وأوجبتُم بها على أنفسكم حقوقًا، وألزمتُم أنفسكم بها لله فروضًا، فأتِمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكثوها، فتنقضوها بعد توكيدها.
ومن هنا فإن العبودية عقد بين المعبود وعبده، أما المعبود فقد تفضَّل بالنعم والتدبير والعناية، وتفرَّد بالوحدانية؛ فهو الأحق بإخلاص العبادة له؛ من خضوعٍ وتسليمٍ، وإذعان وانقياد وإسلام، وأما العبد فعليه الوفاء بعقد العبودية، فإن وفَّى ولم ينقضِ العهد واستجاب للنداء، فقد فاز ونجا، وإن نكث فقد نكث على نفسه، وكان من أهل الخسار والضلال.

هذه السورة هي واحدة من ثلاث سور افتُتحت بِـ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، أما الثانية فهي سورة الحجرات، والثالثة هي سورة الممتحنة، لكن السورة الكريمة التي استُهِلَّت بهذا النداء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾، قد تميزت بكثرة النداءات؛ فقد أعقب النداء الأول (الأساس) خمسة عشر نداءً للذين آمنوا؛ أرقامها على التوالي [ 1، 2، 6، 8، 11، 35، 51، 54، 57، 87، 90، 94، 95، 101، 105، 106 ]، ونداءان للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة [ آية 41، 67 ]، ثم خمسة نداءات لأهل الكتاب، وسواء كان للنبي صلى الله عليه وسلم أو للمؤمنين أو لأهل الكتاب؛ فإن كل هذه النداءات تابعة للنداء الأول؛ فعلى الجميع - وهم كلهم عبيد لله عز وجل - أن يوفوا بعقد العبودية متمثلًا في الخضوع لأوامر الله تعالى ولأحكامه، سواء كانت عبادات كالوضوء والصلاة، أم كانت بيانًا لِما أحلَّ الله تعالى، ولِما حرَّم من معاملات ومن مطعومات، [ما يتصل بالميتة والدم ولحم الخنزير، والأنعام التي يباح أكلها بعد تذكيتها، وما يتصل بصيد البر والبحر، وغير ذلك، ومشروبات (كتحريم الخمر والمسكر)، ومُلْهيات (كالميسر وغيره). فالعبد مأمور من قبل الله تعالى - الواحد المعبود - أن يَمتثل لعقد العبودية، وأن يذعنَ لما أنزله الله عز وجل، ومن هنا كانت تلك العمومات في السورة الكريمة، وهي:
﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44].
﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45].
﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 47].
وكانت أيضًا تلك الأوامر والتوجيهات، لتأكيد أن أول لازم من لوازم الألوهية ودليل العبودية الأعظم، هو الحكم بما أنزل الله، وأن الله تعالى ما أنزل كتابه إلا ليتحاكم إليه العباد، فلا حُكم أحسن من حُكمه. قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: 48].
وقال تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: 49].
وقال تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50].

ومما تجدر الإشارة إليه أنه في هذا المقطع من السورة [ من الآية 42 حتى الآية 50 ]، قد تكررت مادة: "حكم" أربع عشرة مرة، وذلك بعد الحديث عن أهل الكتاب الذين نقضوا عهد التوحيد، ولم يحكموا بما أنزل الله، وقد حرَّفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظًّا مما ذُكِّروا به، كما رفضوا أمر القتال، حينما أمروا بقتال الجبارين الوثنيين، وفرض عقيدة التوحيد التي جاء بها أنبياؤهم، للإشارة إلى أن عقد التوحيد بين الله تعالى وبين عباده، هو أن يعبدوا الله؛ أي: يوحِّدوه ويقيموا دينه وشريعته في الأرض؛ كما جاء في قوله تعالى في السورة الكريمة: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 12].

• ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى بيان قضية الموالاة وهي لازم من لوازم توحيد الألوهية، فلا موالاة بين مؤمن وكافر، فموالاة المؤمن للكافر رِدَّة، وعلى المؤمن أن يوالي الله ورسوله والمؤمنين ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة: 55]، وكان هذا النداء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 57].
مضت السورة في موضوعاتها التشريعية وبيان ما يلي:

♦ فرضية تبليغ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وخطورة التواطؤ على المنكر وترك الإنكار، وعقوبة ذلك؛ (آية 79 - 105).

♦ أحكام اليمين اللغو والمنعقدة؛ (آية 89 ).

♦ حكم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ( آية 90- 91 ).

♦ أحكام الصيد في البر والبحر وحال الإحرام ( آية 94 -96 ).

♦ أحكام الوصية (106 ،107)، ثم اختتمت السورة بحوار عن عيسى عليه السلام، وبيان أن الكل ملْك لله لا يخرُج عن سلطانه وقدرته، وتأكيد توحيد الربِّ سبحانه الذي لم يتخذ ولدًا ولا شريكًا، وأن جميعَ الرسل دعوا قومَهم إلى عبادة الله علام الغيوب، الرقيب على عباده، العزيز الحكيم.

د. أمين الدميري

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

التوحيد في سورة الأنعام

 

 

من خصائص السورة الكريمة:

1- نزلت السورة الكريمة في أواخر المرحلة المكية (وترتيبها الخامسة والخمسين حسب ترتيب النزول، بعد الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم)، لتعالج قضايا هذه المرحلة من الإعراض والتكذيب والإيذاء، ولإقرار أمور التوحيد، خصوصًا ما يتعلق بالموالاة والتحاكم والنسك كما سيتبين.

 

2- تتسم السورة الكريمة بثلاثة أساليب في الخطاب والجدال والإقناع، وهي:

أ‌- الحديث عن الله تعالى بضمير الغائب (الحاضر): "وهو الله"، "وهو الذي"؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ [الأنعام: 3]، ومع كونه في السماوات، فهو يعلم السر في الأرض كما يعلم الجهر، وما يقع من أفعال وحوادث: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: 3]، وكقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام: 60]، وكقوله تعالى: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ [الأنعام: 13].

 

ب‌- أسلوب التقرير، إما بالجملة الإسمية؛ كما في قوله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأنعام: 1]، وإما بأداة التوكيد (إن)؛ كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ﴾ [الأنعام: 95]؛ كما في قوله تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِه ﴾ [الأنعام: 104].

 

ج‌- أسلوب التلقين: وهو قوله: (قل)، وقد تكرَّر في السورة الكريمة أربعًا وأربعين مرة، حتى إنه قد تكرر في آية واحدة أربع مرات؛ في قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 19]، ولعل الدلالة هنا هي احتدام المعركة وتصاعد المواجهة بين الإسلام والجاهلية، والجدال بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك؛ فتنزل الآيات والتلقينات؛ ليقول الله تعالى لنبيه: قل لهم كذا، إنهم يقولون كذا فقل لهم كذا، وكان ذلك من تأييد الله تعالى لنبيه في هذه المرحلة القاسية من المواجهة.

 

أما القضايا التي عالجتها السورة وتتعلق بأساسيات توحيد الألوهية - فهي كما يلي:

1- الموالاة: قال تعالى: ﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 14].

 

والموالاة أو الولاية أو الولاء مِن "ولَّى": والولاء: القرابة، والولاء: النُّصْرة، والولاء: المحبة، والولي: النصير، والولي: المحب، والولي: الصديق، والولي: المطيع، يقال: المؤمن ولي الله؛ [انظر المعجم الوجيز].

 

والآية إنكار أن يتخذ العبد وليًّا غير الله، يصرف إليه المحبة والطاعة والنصرة، فهذه الأمور لا يصرفها العبد ولا يتوجه بها إلا إلى فاطر السماوات والأرض الذي يُطعم الخلائق ويَكلؤها ويحفظها، ويتولى شؤونها وتربيتها وتنميتها.

 

والموالاة أصل من أصول العقيدة لما يلي:

أ‌- لأنها جزء من شهادة (أن لا إله إلا الله)؛ فشقها الأول: البراءة من كل ما يعبد من دون الله، والثاني: إثبات الولاء لله عز وجل وحده.

 

ب‌- أنها أوثق عرى الإيمان، فقد قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذر رضي الله عنه: (أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله)، والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 998.

 

ج‌- أنها الصلة التي تجمع المؤمنين وتربط بينهم؛ قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ [التوبة: 71].

 

د‌- أن الموالاة لها حقوق؛ منها: نصرة المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال واللسان، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم، وأن يحب للمسلمين ما يحب لنفسه من الخير ودفع الشر، والحفاظ على مشاعرهم، وعدم السخرية منهم، وعدم غشهم وظلمهم، ولا يتتبَّع عوراتهم .. وألا يتجسَّس عليهم، ولا ينقل أخبارهم إلى أعدائهم، وكف الأذى عنهم، وإصلاح ذات بينهم، والتعاون معهم، ونُصحهم.

 

هـ- أن الموالاة تقتضي المعاداة في الله (معاداة أعداء الله)، وهذا يقتضي بُغض الشِّرك، والمعاصي، وعدم اتخاذ الكفار أولياءَ، وعدم مودتهم (القلبية)، وعدم التشبه بهم، وعدم المداهنة لهم، وألا يناصرهم، ولا يعينهم على المسلمين.

 

2- التحاكم: قال تعالى: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [الأنعام: 114].

 

قوله تعالى في الآية: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ﴾: جملة حالية مؤكدة للإنكار، فالمعنى: إذا كان الله أنزل إليكم الكتاب مُفصِّلًا لكل شيء، ولكل حكم، فهل يجوز أو يليق أن أبتغي غيره حَكَمًا أتحاكم إليه وأرجع إليه؟ والمعنى أيضًا كقوله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ﴾ [المائدة: 50]، كان الخطاب في الأولى للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثانية لهؤلاء الذين يبغون حكم الجاهلية، والمعنى كذلك أنه إما حكم الله المنزل المفصل وإما حكم الجاهلية، فالنبي عليه الصلاة والسلام، ومَن تبِعه لا يبغون حكمًا غير حكم الله، ولا يقبلون غيره، أما الكافرون بمحمد صلى الله عليه وسلم، فهم الذين لا يبغون حكم الله، ويَبغون حكم الجاهلية...

 

وإذا كان الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب مفصلًا، وأهل الكتاب يعلمون ذلك - وإن جحدوا ظاهرًا - وإذا كان الله تعالى حفظ الكتاب الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، فهو محفوظ بحفظ الله لم ينله التغيير ولا التحريف، وأن الكتب السابقة قد حرِّفت، فإنه لا يوجد كتاب يستحق أن يرجع إليه الجميع، ويتحاكموا إليه، إلا الذي أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن المجيد...

 

3- النسك: قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163].

 

معنى النسك: العبادة، وقيل: الذبح، وقيل الحج.

 

فقوله تعالى: (صلاتي ونسكي)؛ أي: صلاتي وذبحي، ويكون كقوله تعالى: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]؛ أي: انحر لربك كما تصلِّي لربك.

 

أو المعنى: (صلاتي ونسكي)؛ أي: صلاتي وعبادتي، ويكون من باب عطف العام على الخاص.

 

وعلى هذا، فإن العبادة بكل أنواعها وأشكالها الظاهرة والباطنة، لا تُصرَف إلا لله، ولا يتوجه بها العبدُ إلا لله، وأن حياته كما أنها ملك لله، فلا يحيا العبد في هذه الدنيا ولا يتحرك إلا بمنهج الله، وبأوامر الله، وهذا يقتضي ما يلي:

♦ أن يكون في الدنيا عابدًا لله، ساعيًا لتحقيق العبودية لله عز وجل.

♦ أن يعبد الله كما أمره الله عز وجل، وكما فعل وأمر نبيُّه صلى الله عليه وسلم (المتابعة).

♦ أن يكون مخلصًا لله في عبادته، وأن يَحذَر الشرك. (الإخلاص).

 

ومن هنا فإن توحيدَ الألوهية هو توجُّه العبد بصلاته ونُسكه وعبادته إلى الله ربِّ العالمين، لا شريك له.

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 
التوحيد في سورة الأنفال
 
تصف السورة الكريمة أول لقاء بين القوى المعادية للألوهية ممثلةً في الملأ (من قريش)، والشيطان الذي زيَّن لهم أعمالهم وأنه ناصرهم، وبين المؤمنين بالإله الواحد الحق الذي لا شريك له، وذلك يوم بدر ﴿ يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [الأنفال: 41]؛ معسكر الكفر ومعسكر الإيمان، وقد كانت الغلبة لمعسكر التوحيد، وبيان ذلك فيما يلي:

أولًا: الملأ هم سادات قريش، وعلى رأسهم أبو جهل الذي أصر على تعقُّب المسلمين بعد تركهم مكة، فقد صرَّح بعد إفلات عير أبي سفيان بأنه (لن يرجع حتى يرِد بدرًا، فيقيم فيها ثلاثًا، وينحر الجزر، ويشرب الخمر، وتغني له القينات، ويقتل محمدًا وأصحابه، حتى تسمع به العرب، فلا يزالون يهابونه كما جاء في السيرة وغيرها)، وقد سبق بيان أن الملأ من موانع الهدى، ودائمًا هم أعداء الألوهية والمؤمنين بها، غير أن هؤلاء الملأ وهم حلفاء الشيطان وأولياء الأصنام، لم يفهموا الرسائل التي وُجِّهت إليهم، ومنها تلك الرسالة التي جاءت في السورة السابقة، وهي سورة الأعراف (ليعلم التناسب)[1]، وذلك في قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 185]، وقد جاءهم أجلُهم يوم بدر، ساعة أن خرجوا بطرًا ورئاءَ الناس؛ ليصدوا عن سبيل الله، وأهلك الله كبيرهم أبا جهل وصناديد قريش، وألقيت أجسادهم جيفًا نتنة في القليب، وقد خاطبهم النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد وجدتُ ما وعدني ربي حقًّا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا)؛ كما جاء في السيرة وغيرها.
إن على المسلمين أن يعملوا بمقتضيات الألوهية، وعليهم أن يقيموا الدين بأركانه وأحكامه، وعليهم بعد ذلك أن يوضحوا للناس ويرشدوهم إلى طريق العبودية لله، فإن وقف في طريقهم معاندٌ، وصد عن سبيلهم صادٌّ، أزاحوه وأبعدوه ومنعوه من ذلك...

ثانيًا: الشيطان، ومعركته ضد الألوهية قديمة ساعة أن رفض أن يذعن لأمر الله بالسجود لآدم، وقد كان أمر السجود تعظيمًا للإله الحق المعبود، لا تعظيمًا لآدم في ذاته، فآدم مخلوق لله، لكنه الاختبار! اختبار الإذعان لأمر الله؛ أي: لألوهيته!
♦ كان للشيطان دورٌ في بدر، وهو الدور الذي يقوم به دائمًا، تحريض أتباعه على المعصية، وتزيين طريق غير الطريق المستقيم، ثم بعد أن يقع في الغواية، يتخلى عنه الشيطان ويتبرأ منه: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 48]، فقد حرَّضهم وزيَّن لهم الخروج لقتال المسلمين، ووعدهم بالمساندة والنصرة، لكنه ذاب خوفًا لما رأى الملائكة نزلتْ للقتال مع المؤمنين، ففرَّ هاربًا..!

ثالثًا: المؤمنون: استُهِلَّت السورة الكريمة ببيان شروط الإيمان وأوصاف المؤمنين، وختمت ببيان أصناف المؤمنين، وتخلَّلت السورة نداءات ستة للمؤمنين؛ وبيان ذلك فيما يلي:
1- شروط الإيمان في قوله تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1].
2- أوصاف المؤمنين (حقًّا) في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾ [الأنفال: 2 - 4].
3- أصناف المؤمنين، وهم حسب ما جاء في السورة الكريمة كما يلي:
أ*- المهاجرون: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا ﴾ [الأنفال: 72].
ب*- الأنصار: ﴿ الَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا ﴾ [الأنفال: 72].
ج*- المؤمنون غير المهاجرين من مكة إلى المدينة: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا ﴾ [الأنفال: 72].
د*- المؤمنون غير السابقين الذين جاؤوا من بعدهم - أي ممن سيؤمنون بعد ذلك ويجاهدون: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ ﴾ [الأنفال: 75].
4- تجلَّت التربية الإيمانية العملية في هذه النداءات الستة:
النداء الأول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ﴾ [الأنفال: 15].
النداء الثاني: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 20].
النداء الثالث: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24].
النداء الرابع: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ ﴾ [الأنفال: 27].
النداء الخامس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ﴾ [الأنفال: 29].
النداء السادس: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأنفال: 45].

وليست هذه الأوامر المذكورة في السورة فقط، لكن هناك أوامرُ أخرى لكنها ليستْ بصيغة النداء، ومنها ما يلي:
♦ ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [الأنفال: 1].
♦ ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 21].
♦ ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25].
♦ ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [الأنفال: 28].
♦ ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ [الأنفال: 39].
غير أنني أقف عند الأمر الأخير؛ حيث سبق هذا الأمر (قبيل بدر)، أمر نزل في سورة البقرة وهو قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 193]، وهو الأمر الذي جادل البعض فيه بين قابل وكاره ومتردِّد، وبعد استشارة النبي صلى الله عليه وسلم للمهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة - كما جاء في السيرة - وشرح الله صدور الجميع، واجتمعت كلمتهم.. ونصرهم الله عز وجل، وغنموا ما غنموا من الأنفال، وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزلت السورة، وفيها هذا الأمر: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾، وفي الآية زيادة (كله)؛ أي: إن الأولى التي في سورة البقرة كانت خاصة بقتال قريش، وأما الثانية التي في الأنفال فتشمل المشركين عامة في الجزيرة وخارجها...
بيَّنت السورة كذلك أن الله تعالى لا ينصُر إلا من توافرت فيهم شروطُ الإيمان، وتحقَّقت فيهم صفات المؤمنين حقًّا، واستجابوا استجابةً قوية وفورية لنداء الله تعالى وأوامره، وهو ما تحقَّق في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، والقانون عام لكلِّ مَن توافرت فيهم الشروط والصفات، فإن الله تعالى ناصرهم ومؤيِّدهم ولن يتخلى عنهم، (وأحيل القارئ إلى رسالة الدكتوراه (العالمية)، وهي بعنوان: "منهج الدعوة الإسلامية من خلال سورة الأنفال"، كلية أصول الدين جامعة الأزهر، وقد قمت بطبعها ونشرها في سلسلة من ثلاثة كتب: مرحلة الدفاع عن الدعوة، والتربية الإيمانية، ووصايا الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم، دار الفكر العربي - القاهرة.
 

[1] علم التناسب أو علم المناسبة، هو الربط بين السورة وما قبلها وما بعدها، وبيان العلاقة والرابطة الشكلية والموضوعية بين سور القرآن حسب ترتيب المصحف، فهو سلسلة متصلة.
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×