إنتقال للمحتوى





اختر دواءك بنفسك بواسطة: غداً ألقى الأحبة           كف عن التماس الأعذار وتب لربك! بواسطة: غداً ألقى الأحبة           منزلة التوبة \ د.فريد الأنصاري رحمه الله تعالى رحمة واسعة بواسطة: غداً ألقى الأحبة           هل تصح صلاة التسابيح ؟؟؟ بواسطة: غداً ألقى الأحبة           طلب صغير بواسطة: غداً ألقى الأحبة           قالت لي ؟؟!! بواسطة: غداً ألقى الأحبة           مطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــارق.. بواسطة: غداً ألقى الأحبة           مجالس تدبر القرآن ....(متجددة) بواسطة: امانى يسرى محمد           للمنطقه الحساسه..نظافه وترطيب وريحه حلوه.بطريقه آمنه .. بواسطة: غداً ألقى الأحبة           لمذا يمتلك البعض منا غمازات..؟؟ بواسطة: غداً ألقى الأحبة          
* * * * * 1 صوت

المقاصد النورانية للقران الكريم


  • لا تستطيع إضافة موضوع جديد
  • من فضلك قم بتسجيل الدخول للرد
49 رد (ردود) على هذا الموضوع

#21 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 27 August 2009 - 09:31 PM

صورةصورةصورة

المقاصد النورانية في القرءان الكريم


"سورة المائدة"
صورة


إن في القرءان الكريم ترتيبان :ترتيب من حيث النزول وترتيب في مصحف الكريم . فمعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم معجزة ليست فقط انشقاق البحر أو السير على الماء أو اشفاء المريض أو تبصير الأعمى بإذن الله لكنها معجزة ورسالة جامعة لجميع الأمم و لجميع العصور إلى أن تقوم الساعة , وإلى كونها جامعة فهي مانعه لأن يأتي بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسولاً لذلك كان من الواجب أن ينفرد صلى الله عليه وسلم بمعجزة تبقى بقاء رسالته إلى أن تقوم الساعة وبمنهج يغطي كل أشكال الحياة إلى أن تقوم الساعة لأننا كما نعرف أن الرُسل قد أُرسلوا مسبقًا لأمم معينه و لأمكنة مخصوصة ولزمان محدد لأن العالم كان في شبه انعزال لعدم وجود الوسائل التي تيسر الالتقاء والتواصل بين الناس ولكن شاء الله سبحانه أن يختم الرسالات برسالته صلى الله عليه وسلم لتكون على موعد مع رشد العقل البشري في أن يجعل العالم كله وحده واحدة بحيث أن ظهر داء في الشرق يظهر هذا الداء فى الغرب ووجب أن يكون العلاج والمعالج واحداً .
وانفرد صلى الله عليه وسلم بمعجزةٍ تبقى.. أي تظل هذه المعجزة مع الرسالة والمنهج فتكون رسالته ومعجزته هي كما هي ولكن لو أن المعجزة جاءت على طبيعة المعجزات لإخوانه من الرسل السابقين لكانت قد انتهت بانتهاء زمانه بحيث تصبح خبراً وتاريخاً فنحن نعلم أن البحر انشق لموسى نعرفه خبراً ولم نشهده مشهداً ونعرف أن عيسى عليه السلام ابرأ الأكمه والأبرص ولكننا لا نرى هذه المعجزات إلا خبراً ولولا أن القرءان الذي نؤمن به قص علينا مثل هذه المعجزات ربما كنا نقف فيها ولكن لأن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة فيجب أن تظل معجزته باقية لتحرس المنهج وتكون دليلاً على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت معجزته هي القرءان التي تحوي المنهج والرسالة والمعجزة , فيستطيع أي مؤمن به أن يقول على القرءان الكريم بأنه منهج الإسلام وهذه معجزة رسوله وفي نفس الوقت حاضرة بيننا, ولأن الأمم مختلفة في اللغة والحضارات فقد وجب أن تكون هناك معجزة لا تختلف فيها اللغات والحضارات وهي المعجزات العقلية التي تتحقق بمرور القرون وتظهر في كل جيل تُثبت أن محمد صلى الله عليه وسلم هو النبي المُرسل والذين لا يؤمنون أن ما جاء به حقاً وصدقاً من عند الله رغم ثبوت أميته ولم يعرف عنه نشاطاً علمياً أو طبياً أو ثقافياً ثم يأتي بأشياء تتحقق بعد مضي القرون إذا لم يؤمنوا بهذه الأمور فقد رفعوه لمرتبة الألوهيه ,لأنه قد جاء بشيء مستقبلي هم أنفسهم أثبتوه بأيديهم وأقروا صعوبة الوصول إلى مثل هذه النتائج في وقت محمد صلى الله عليه وسلم .....
فكان واجباً على كل من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم طاعة الله ورسوله وتطبيق المنهج الذي نهجه القرءان الكريم وكان لِزامًا لهم أن يوفوا بكل العقود التي عقدها المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل الأزمان ولأهمية هذه العقود ووجوب الإيفاء بها فكانت هذه السورة , ومن حق الله علينا أن نوفي بالعقود حيث أن الله قد قدم الكون كله للإنسان بكل أجناسه لخدمة البشرية فوجب علينا بعد قبولنا بكل هذه النعم أن نوفي العقود التي قعدناها إيماناً بخالق النعم ومسخرها لنا فكانت أول الآيات ربط بين الوفاء بالعهود ..وأحل لكم بهيمة الأنعام ...


بنا نبدأ سوياً مع سورة المائدة



سورة المائدة (سورة مدنية)، ومنها ما نزل في مكة (بعد حجة الوداع).




الوفاء بالعهود وخمسة عشر نداء من الله



نزلت بعد سورة الفتح، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة النساء، وعدد آياتها 120 آية.
إنَّ سورة المائدة هي السورة الوحيدة في القرءان التي ابتدأت بـ ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ...[.
وتكرّر هذا النداء في القرءان كله 88 مرة، منها 16 مرة في سورة المائدة لوحدها.
يقول عبد الله بن مسعود: "إذا سمعت ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ[ فارعها سمعك فإنه أمر خير تؤمر به أو شر تنهى عنه". ومعنى ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ[ أي يا من آمنتم بالله حقاً، يا من رضيتم بالله رباً، يا من أقررتم بالله معبوداً، اسمعوا وأطيعوا.

هدفــها " نــداؤها"
صورة

أما هدف السورة فهو واضح من أول نداء جاء في السورة ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ[ أي أوفوا بعهودكم، لا تنقضوا الميثاق، والعقود تشمل ما عقده الإنسان، من المسؤولية عن الأرض واستخلاف الله للإنسان، إلى أمور الطاعات كالصلاة والحجاب، إلى ترك المحرمات كشرب الخمر وأكل الحرام.
وكما ذكرنا فلم يتكرر نداء ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ[ في أي سورة كما تكرّر في سورة المائدة (16 نداء) فسورة البقرة مثلاً فيها عشرة نداءات مع أنّ عدد آياتها أطول. هذه النداءات تشكل محاور السورة، فكلما يأتي نداء منها ترى بعده محوراً جديداً للسورة فيه تفاصيل الأوامر أو النواهي. 16 أمراً والسورة تنقلنا من أمر إلى آخر، لتأمرنا بالإيفاء بالعقود.
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: "إنَّ سورة المائدة كانت آخر ما أنزل من القرءان فما وجدتم فيها من حلال فأحلّوه وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرِّموه".
ففي السورة نرى آخر آية أحكام في القرءان: ]ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً[ (3) من التي أنزلت في حجة الوداع.
أظن أن هدف السورة بدأ يظهر. الآن وقد تم الدين، فالتزموا بالعهد مع الله وحافظوا عليه، فأحلّوا حلاله وحرّموا حرامه. إنها سورة الحلال والحرام في الإسلام. لذلك جاء في الحديث "علّموا رجالكم سورة المائدة، وعلّموا نساءكم سورة النور".

محاور السورة
صورة

كما ذكرنا فكلما يأتي نداء ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ[ تنتقل بنا السورة إلى محور جديد وأحكام جديدة تفصيلية. والملفت أن كل آيات السورة تدور في فلك هذه المحاور التي تبيّن أحكاماً كثيرة في الحلال والحرام:
1. الطعام والشراب والصيد والذبائح.
2. الأسرة والزواج.
3. الإيمان والكفارات.
4. العبادات.
5. الحكم والقضاء والشهادات وإقامة العدل.
6. تنظيم علاقات المسلمين والأديان الأخرى، خاصة اليهود والنصارى.

هناك تركيز في السورة على الحلال والحرام في الطعام والشراب والصيد والذبائح. وهذا يتناسب تماماً مع اسم السورة "المائدة"، فالطعام من أهم ضروريات الحياة ومع ذلك فيجب مراعاة الحلال والحرام فيه، فما بالك بغيره من شؤون الحياة؟ أيضاً خلال هذا الكم الهائل من أحكام الحلال والحرام في السورة يأتي التأكيد دائماً على أن التشريع ملك الله وحده، من أول آية ]إِنَّ ٱلله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ[ إلى أن تأتي ثلاث آيات تحذّر من الحكم بغير ما أنزل الله، كقوله تعالى ]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ[.




تدرّج وترابط سور القرءان

وتنبَّه إلى علاقة سور القرءان السابقة مع سورة المائدة، فبعد أن أبلغت سورة البقرة مسؤولية الإنسان عن الأرض، جاءت سورة آل عمران لتحثّ المرء على الثبات، ثمّ سورة النساء لتبلغنا أنه حتى نثبت لا بد من أن نحقق العدل والرحمة مع الضعفاء خاصة مع النساء، ثمّ تأتي بعد ذلك سورة المائدة لتأمرنا بالإيفاء بكل ما سبق...
سورة المائدة تأمرنا إذاً بالعدل مع الزوجة والضعفاء وكل الناس وتأمرنا بالثبات والوفاء مع المنهج الذي أراده الله لنا وبيّنه في سورة البقرة.
لذلك جاءت فيها الآية (3) التي أعلنت ختام المنهج وإتمامه, ولاحظ أيضاً تدرّج سور القرءان الكريم في خطاب أهل الكتاب:
سورة البقرة: بيان لأخطاء أهل الكتاب فقط مع الدعوة إلى التميّز عنهم.
سورة آل عمران: مناقشة هادئة مع عقائدهم وإيجاد نقاط مشتركة.
سورة النساء: انتقاد غلو أهل الكتاب واختلافهم في عيسى عليه السلام.
سورة المائدة: مواجهة شديدة ]لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ ٱلله ثَـٰلِثُ ثَلَـٰثَةٍ...[ (73).

"مما يعلمنا أن الإسلام منهج متدرّج في خطابه مع الأديان الأخرى"



النداء الأول: (أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ)
صورة


]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ[ (1).
فما علاقة الوفاء بتحليل الله تعالى لنا بهيمة الأنعام للذبح والطعام؟
إن أول ما ذكر بعد طلب الوفاء هو ما قد أحل، فلم يبدأ ربنا بما قد حُرِّم لئلا يكون منفراً فكلمة ]أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ[ توحي بأن الخطاب بعدها شديد اللهجة، فتأتي مباشرة كلمة ]أُحِلَّتْ لَكُمْ[ وهذا من رحمة الله تعالى بهذه الأمة، وهذه طريقة ينبغي على الدعاة اتباعها لكسب القلوب، فالداعية لا يجدر به أن يبدأ مع من يدعوهم بما قد حُرّم عليهم، لأن الأصل في الأشياء الإباحة فيبدأ بما أبيح أولاً، ثمّ ينبّههم إلى المحرّمات بعد ذلك.
وإلى جانب الرحمة واللطف في الخطاب، هناك معنى لطيف في النداء الأول: أوفوا بالعقود حتى لا نضيّق عليكم دائرة الحلال، كما كان الحال مع اليهود.
والملفت أن هذا المعنى أشارت إليه السور المحيطة بسورة المائدة (النساء والأنعام).
فنرى في سورة النساء قوله تعالى ]فَبِظُلْمٍ مّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ[ (160).
وفي سورة الأنعام ]وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ...[ (146).
لماذا كان هذا التحريم؟ ]... ذٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ[ (146).
فهم لم يوفوا بعهدهم مع الله فضيّق عليهم بعض الحلال عقاباً لهم، فحذار أيها المسلمون من أن يصيبكم ما أصابهم.




النداء الثاني (لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱلله)
صورة

]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱلله...[ (2).
يا مؤمنين، لا تغيِّروا معالم دين الله تعالى من أوامر ونواهي.
]... وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْىَ وَلاَ ٱلْقَلَـٰئِدَ وَلا ءامّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ وَرِضْوٰناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَـٰدُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ...[ (2).
فالآية الأولى: أقرّت ضروريات الحياة (الطعام)، ثمّ الآية الثانية: بدأت بتقرير مبادئ إنسانية عظيمة:
- العدل (تأكيداً على هدف سورة النساء بإقرار العدل) ]وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ... أَن تَعْتَدُواْ[.
- التعاون (تأكيداً على إحدى رسائل سورة آل عمران (الوحدة وعدم الاختلاف) ]وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ وَلاََعاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ[.
وهذه الآية تشمل آلاف الصور من العلاقات الاجتماعية التي تندرج تحت البر والتقوى والتعاون.
- التقوى ]وَٱتَّقُواْ ٱلله إِنَّ ٱلله شَدِيدُ آلْعِقَابِ[.
(لتذكرنا بأن هذا الكتاب ]هُدًى لّلْمُتَّقِينَ[ كما جاء في أول سورة البقرة).
وبعد ذلك في الآية الثالثة: ]حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ...[.
فأول عقد ينبغي الوفاء به هو طيبات الطعام فلا يجوز أن يأكل المرء أكلاً فيه خبث...
وبعدها في الآية الخامسة: ]ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ[.
وهنا قد أرشدت الآية إلى حلالين : الطيبات من الطعام والطيبات من النساء سواء كنّ مؤمنات أم من أهل الكتاب بشرط أن يكنّ محصنات وذوات خلق متين. وفي هذا لفتة رائعة إلى تسامح الإسلام مع أهل الكتاب، في نفس السورة ذات اللهجة الشديدة في الخطاب معهم ونقض عقائدهم. فالله تعالى أحل لنا النساء العفيفات سواء كنّ مسلمات أو من أهل الكتاب.
وفي نفس الآية يأتي قوله تعالى: ]ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً[. هذه الآية محورية كونها ختام الأحكام في القرءان وعلاقتها مع موضوع السورة أنه لا وجود للعهود إلا بعد الإتمام. فبما أن الدين اكتمل، عاهد الله تعالى أيها المؤمن على الإيفاء بعهده والالتزام بشرعه. يا ترى هل أحسسنا يوماً بهذه النعمة، نعمة إتمام الدين وشكرنا الله تعالى عليها؟
جاء رجل من اليهود إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: "يا أمير المؤمنين، إنكم تقرأون آية في كتابكم لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيداً". فقال عمر: "وأي آية؟" فقرأ اليهودي هذه الآية، فقال عمر: "قد علمت اليوم الذي أنزلت والمكان الذي أنزلت فيه، نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله تعالى لنا عيد".
وهنا ملاحظة لطيفة أخرى:
إن أكثر آيات السورة اختتمت بشدة وخاصة آيات المقدمة ]إِنَّ ٱلله شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ[]إِنَّ ٱلله سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ[.
إلاّ الآية الثالثة التي ذكرت حكم الاضطرار ]فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ...[ فقد اختتمت بسعة رحمة الله تعالى ]فَإِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ[.



النداء الثالث (طيبات الروح)
صورة

]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلوٰةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ...[ (6).
قد يتساءل البعض عن سبب ورود هذه الآية في وسط الكلام عن العقود والوفاء بها. فالواقع أن الآيات بدأت بطيبات الطعام ثمّ طيبات الزواج وكلها ملذات الدنيا وبعدها انتقلت الآيات إلى طيبات الروح وطهارة الروح التي تبدأ بالوضوء، وبهذا تكون السورة قد اشتملت على جميع اللذات: لذة العبادة بالإضافة للذائذ الطعام والزواج.
ويمكننا أن نستشعر خلال هذه الآيات شمولية الإسلام في الأحكام، فأحكام المعاملات قد أتت في السورة جنباً إلى جنب مع أحكام العبادات.
ملاحظة جميلة في سورة المائدة: كل 10 آيات تقريباً تأتي آية لتذكرنا بعهد الله وميثاقه. لقد ذكر العهد والميثاق في السورة 11 مرة في آيات صريحة وواضحة كأنها تقول للمسلمين "الآن وقد تمّ المنهج ووضح الميثاق، فهل ستلتزمون به؟" فتأتي الآية السابعة لتقول ]وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱلله عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا...[ وهنا علاقة رائعة مع سورة البقرة التي مدحت المؤمنين في ختامها ]وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ[(البقرة 285) بينما بنو إسرائيل كان قولهم ]سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا[ (البقرة 93) أرأيت كيف تترابط سور القرءان الكريم وتتكامل في مواضيعها وأهدافها.


تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 27 August 2009 - 09:40 PM.


#22 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 27 August 2009 - 09:33 PM

النداء الرابع (العدل)
صورة
ويستمر تتابع الآيات بعد ذلك إلى أن نصل إلى النداء الرابع

]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لله شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱلله إِنَّ ٱلله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[ (8).
فبعد أن تناولت الآيات إيفاء العقود في الطعام والشراب والزواج والوضوء، انتقلت إلى عقد مهم جداً (العدل) ولو مع الناس الذين نبغضهم، ولو مع الناس الذين نحاربهم. إن هذه الآية قاعدة هامة من قواعد تسامح الإسلام وعدله مع الفئات الأخرى.


النداء الخامس (ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱلله)

صورة

الآية (11) تذكرنا أن الله تعالى قد حفظ المؤمنين من غدر أعدائهم، فاتقوا الله يا مؤمنين وأوفوا بعهده: ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱلله عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ[.
فالله تعالى يفي بعهوده معنا سبحانه، ومن هذه الوعود الربانية الرائعة ما ذكر في الآية التاسعة: ]وَعَدَ ٱلله ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ[ (9).

فهل سنفي بعهدنا أمام الله تعالى؟

  • بنو إسرائيل وعقودهم
وبعد ذلك تذكر لنا السورة في ربع كامل نماذج من فئات لم تفِ بعهد الله تعالى وميثاقه، ولم تنفذ ]سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا[ كما أمرها الله تعالى وهم بنو إسرائيل، ]وَلَقَدْ أَخَذَ ٱلله مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱلله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱلله قَرْضاً حَسَناً لاكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاْنْهَـٰرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ[ (12).




فماذا كانت النتيجة؟ ]فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ لَعنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً[(13) إنها آية شديدة في التحذير من أن نكون مثلهم فيحل علينا غضب الله ولعنته.
  • قصة موسى عليه السلام مع قومه
وتنتقل بنا الآيات إلى قصة سيدنا موسى عليه السلام مع بني إسرائيل حين طلب منهم أن يدخلوا الأرض المقدسة (أرض فلسطين) التي كتبها الله تعالى لهم ووعدهم فيها ]يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ الله لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَـٰرِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَـٰسِرِينَ & قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا...[ (21 - 22).
رفضوا ونقضوا عهد الله تعالى، فكان العقاب الرباني ]قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِى ٱلاْرْضِ[ (26) حرّم الله عليهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة.
وقد أشرنا أن السورة بدأت بقوله تعالى بـ ]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلاْنْعَامِ...[.
للحثّ على إيفاء العقود حتى لا يضيّق الله دائرة الحلال على الأمة، وهنا في القصة نرى أن الله تعالى ضيّق على بني إسرائيل لنقضهم عهودهم.





فالقاعدة العامة في السورة "إذا أوفى المرء بالعهود فإن الله تعالى يوسّع عليه وإن نقضها فإنه تعالى يضيق عليه".
  • قصة ابني آدم عليه السلام
]وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءادَمَ بِٱلْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَـٰناً فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلاْخَرِ...[ (27).
فابن آدم قتل أخاه متهوراً بسبب الغضب والحسد والغل، وأما علاقة قصة ابني آدم عليه السلام بقصة بني إسرائيل ودخولهم الأرض المقدسة هو أنهما نموذجان لنقض العهود: بنو إسرائيل نقضوا عهد الله تعالى لجبنهم، وأما ابن آدم فلقد نقض العهد لتهوّره، فهما نموذجان معاكسان لبعضهما، وكلاهما يؤدي لنقض العهد مع الله تعالى. والإسلام يأمرنا دائماً بالوسطية في كل شؤون الحياة.
ثم تأتي الآية (32) بعد القصة مباشرة للتعقيب عليها ]مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَـٰهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً[ (32) لما صوّر لنا القرءان الكريم بشاعة جريمة القتل في قصة آدم عليه السلام، أتت الآيات التي بعدها بأحكام شديدة للقضاء على الفساد، فبيّنت حدود الحرية والسرقة والإفساد في الأرض.
والجدير بالذكر أن العالم لم يعرف إلا في عصرنا هذا موضوع الحق العام في الفقه القانوني، بينما نجد القرءان قد سبق هذه القوانين بـ 1400 عام، فالله تعالى يبيّن بشكل واضح ]أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً[(32) فالجريمة ليست اعتداء على فرد، وإنما هي خطر على المجتمع، وهناك حق عام لا بد أن يؤخذ.


النداء السادس (الجهاد في سبيل الله تعالى)

صورة

يقول الله تعالى ]يَـئَأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱلله وَٱبْتَغُواْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[.
بعد أن عرضت الآيات السابقة خطر الفساد، أتت الآية (35) لتأمر المؤمنين بالجهاد ومحاربة الفساد.
لاحظ أنه في كل مرة يأتي الأمر بالجهاد في القرءان يذكر سببه (كما في سورة النساء حين ذكر الجهاد لنصرة المستضعفين):]وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلله وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ...[ (النساء 75).


النداء 7، 8، 9: (لا للتقليد الأعمى)
صورة

وتصل بنا السورة إلى ربع جديد، وثلاثة نداءات تهدف إلى أن يكون لهذه الأمة هويتها المميزة.
(يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ أَوْلِيَاء
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ ٱلله لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ[ (51).
]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱلله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ[ (54).
]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَاء...[ (57).


إن هذه الآيات لا تهدف إلى تحقير وتسفيه الأديان الأخرى، إنما تهدف للحفاظ على هوية المسلم. فهي دعوة إلى تحقيق الإنتماء الكامل إلى الإسلام. فسورة المائدة لا تمنع من التعامل مع أهل الكتاب بدليل ما سبق من الآيات كالآية (5)
]... وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ[ التي أباحت الزواج من المحصنات من أهل الكتاب.
فالتسامح والرحمة مع أهل الكتاب أمر مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى ضياع هوية المسلم وانتمائه. وهناك فرق بين الاحترام والتعاون الإيجابي والرحمة والتسامح وبين الذوبان في الآخر وضياع الهوية. لذلك نرى أن النداءات 7 و9 ركّزت على عدم موالاة الكفار ومحبتهم بينما النداء 8 حذر من الارتداد عن الدين لأنه من أخطر نتائج ضياع الهوية.
والملاحظ أن الآيات في الربع السابق ركزت على التحذير من الحكم بغير ما أنزل الله:
]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ[ (44).
]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ[ (45).
]وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ ٱلله فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ[ (47).
]أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱلله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ (50).
وعلاقة هذه الآيات بالنداءات الثلاثة التي بين أيدينا هي أن السبب الأساسي للحكم بغير ما أنزل الله هو التقليد الأعمى للغير.
فيا أيها الشباب أوفوا بالعقود في ترك التقليد الأعمى وأوفوا بالعقود بالإنتماء الكامل لدينكم والاحتكام إلى أوامره ونواهيه.

رقة الحب
صورة

ومن لطائف القرءان في النداء الثامن:
]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱلله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ...[ (54).
إن القرءان استعمل الرقة والحب في التحذير من أخطر ما يمكن أن يقع به المرء وهو الارتداد عن دين الله تعالى.
فالآية لم تقل "من يرتدد منكم عن دينه فسوف نعذّبه وندخله النار".
إن التهديد في هذه الآية كان بالحب لا بالنار. وهذا النداء الرقيق له تأثير مميّز في النفوس بعد الكلام الشديد والأوامر الشديدة التي زخرت بها السورة.


النداء العاشر (لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱلله لَكُمْ)
صورة

]يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طَيّبَـٰتِ مَا أَحَلَّ ٱلله لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ ٱلله لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ[ (87).
هنا يأتي النداء أن لا يحرّم المؤمنون ما أحلّ الله لهم من الطيبات، فالتحريم والتحليل حق الله وحده، والله عندما حرّم، لم يحرّم علينا إلا الخبائث الضارة، وأحلّ لنا الطيبات المفيدة بالمقابل، فجاءت الآية التي تليها ]وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله حَلَـٰلاً طَيّباً وَٱتَّقُواْ ٱلله ٱلَّذِى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ[ (88) لتؤكد على هذا المعنى.
والرابط بين هذا النداء والنداء الثاني ]لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ ٱلله[ هو أن تحريم الحلال معصية لله تعالى وتغيير لشرعه تماماً كتحليل الحرام.
وهكذا نرى أن معالم الحلال والحرام في الإسلام تتضح شيئاً فشيئاً، وكل آية تضيف مفهوماً جديداً لتكمل الأحكام عند المسلمين قبل ختام نزول الآيات.


النداء الحادي عشر (محرّمات الشراب)
صورة

بعدما تحدثت الآيات عن الطيبات تنتقل إلى الحديث عن الخبائث (بنفس الترتيب الذي بدأت فيه السورة في الآيات (1 - 2).
]يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاْنصَابُ وَٱلاْزْلاَمُ رِجْسٌ مّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ (90).
فالسورة بدأت بمحرّمات الطعام فلا بد أن تذكر محرّمات الشراب (فاسمها سورة المائدة) لتحذّر المسلم من الانغماس في ملذات الحياة المحرّمة وليفي بعهده فلا يدخل فمه قطرة خمر لتوقع العداوة والبغضاء في صفوف الأمة.
لاحظ أن الآية تعاملت مع قضية الخمر بشدة فقرنت بينه وبين الأنصاب والأزلام وهي من مخلّفات الشرك بالله وذلك للتشنيع من هذه العادة المهلكة للأمم.
والملاحظة الثانية أن القرءان استعمل كلمة (اجتنبوه) والتي هي أقصى درجات النهي والتحريم.


النداء الثاني عشر – الثالث عشر (احذروا
الابتلاء في الحلال والحرام)
صورة


يقول الله تعالى ]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱلله بِشَىْء مّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَـٰحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱلله مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ[ (94) هذه الآية تحذر من البلاء (أي الامتحان) الذي قد يقع فيه المسلم ليختبر الله تعالى إيمانه وتطبيقه للحلال والحرام.
وقد نزلت عندما كان الصحابة محرمين واختبرهم الله تعالى بألاّ يصطادوا مهما كانت الطرائد منتشرة من حولهم. لذلك أتت الآية التي بعدها ]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ[ (95) لتؤكد على نفس المعنى. وهناك علاقة واضحة بين أول السورة وآخرها حيث نرى التركيز على أحكام الصيد.


النداء الرابع عشر (لا تضيّقوا على أنفسكم)
صورة

وتستمر النداءات إلى أن نصل إلى قوله تعالى ]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱلله عَنْهَا وَٱلله غَفُورٌ حَلِيمٌ[ (101).
هذه الآية ضابط من الضوابط التي وضعها الله تعالى في قضايا الحلال والحرام، يخطئ الكثير من الناس في فهمه، وهو عدم السؤال في المباحات إلى درجة تصل إلى حد التضييق على الإنسان، مما قد يؤدي إلى ترك الأمور التي ضيّق بها السائل على نفسه فيقع بما قد حرّم عليه.
فهذه الآية تدعو إلى التوازن فإذا كان الله تعالى قد أمرنا بالوفاء بالعقود لكن ذلك لا ينبغي أن يوصلنا للتضييق على أنفسنا.

وفي هذه الآيات ترابط عجيب مع سورة البقرة وقصة بقرة بني إسرائيل.


فالآية (102) تقول: ]قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَـٰفِرِينَ[.

في إشارة إلى كثرة سؤال الأمم السابقة لأنبيائهم فيضيق الحكم عليهم فلا يطيعون.
فهم في قصة البقرة ]فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ[ لأنهم أكثروا من السؤال عن طبيعة البقرة ولونها فيما لم يطلب منهم، فضاق الحكم الواسع المطلق عليهم. ولنا في رسول الله وأصحابه الأسوة الحسنة في هذا المعنى:
قال رسول الله r يوماً لأصحابه: "إن الله قد فرض عليكم الحج" فقال أحد الصحابة: "أفي كل عام يا رسول الله".
فسكت رسول الله r ثم قال: "لو قلت نعم لَوَجُبَتْ".
ففي سورة المائدة إذاً توازن بين التزام الأوامر والنواهي والوفاء بعهد الله وبين عدم التشديد على النفس فيما لم يأمر به الله تعالى.


النداء الخامس عشر (لا تكن إمعة)
صورة

وتتوالى الآيات، وتصل بنا إلى النداء 15 والذي هو ضابط آخر من ضوابط الحلال والحرام:
]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ...[ (105).
قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه خطيباً في الناس فقال: "إنكم تضعون هذه الآية في غير موضعها".
لأن الناس قد ظنوا أن معنى قوله تعالى ]... عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ[ أي لا تأخذوا بأيدي أحد للهداية، فمن أراد الضلال فليضل، فأدى فهمهم الخاطئ إلى ترك الدعوة إلى الله تعالى.
لكن معنى الآية: لو كل الناس من حولك غيّرت الحلال والحرام وتركت الوفاء بالعقود، فعليكم أنفسكم يا مؤمنين، فأثبتوا على الحق ولا تغيروا أحكام الدين، وهذا مصداق لحديث النبي r "لا يكن أحدكم إمعة إن أحسن الناس أحسنت وإن أساء الناس أسأت، ولكن إن أحسن الناس فأحسنوا وإن أساؤوا فلا تظلموا".
إذاً فالسورة ركزت في الندائين 14 و15 على ضابطين للأوامر
والنواهي:
- لا تضيّق على نفسك
- لا تتأثر بالناس من حولك.


النداء السادس عشر (الحلال والحرام في الشهادات والوصية)
صورة

تأتي الآية ]يِـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ شَهَـٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ[ (106) لتكمل سلسلة الأحكام في السورة، ولتثبت شمولية الإسلام لكل شؤون الحياة، من أمور الطعام والشراب، إلى الزوجات والعلاقات الأسرية إلى أحكام الحدود والعلاقات الدولية إلى المعاملات والشهادات والوصية.
تأمل معي - مرة أخرى - آية تمام الدين وشموله لكل جوانب
الحياة:
]ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً[(3).
واحمد الله تعالى على النعمة التي أتمها عليك في هذا الدين وأحكام شريعته الغراء.





#23 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 27 August 2009 - 09:36 PM

مقاصد الشريعة في السورة
صورة
ولأن سورة المائدة هي سورة الحلال والحرام في الإسلام، فهي السورة الوحيدة التي جمعت مقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة:

1. حفظ الدين
2. حفظ النفس
3. حفظ العقل
4. حفظ العرض
5. حفظ المال
فهذه السورة التي احتوت قوله تعالى ]أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱلله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ[ تريد أن ترشدنا إلى أن شرع الله تعالى هو أحسن شرع لضمان مصلحة البشرية في الدنيا والآخرة، وذلك من خلال:
1. حفظ الدين: ]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ[ (54) فأول ما تهتمّ به الشريعة هو حفظ الدين وترك الكفر.
2. حفظ النفس: ]مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلاْرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً[(32) وفيها تحريم قتل النفس.
3. حفظ العقل: ]إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاْنصَابُ...[ (90) والغاية من تحريم الخمرة هي حفظ العقل.
4. حفظ العرض: ]مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ[ (5) (في تحريم العلاقة بين الجنسين قبل الزواج).
5. حفظ المال: ]وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا[ (38).
فمقاصد الشريعة الخمسة قد ذكرت في سورة المائدة لتثبت لنا أن الأوامر والنواهي المطلوب إيفاؤها إنما هي لضمان مصلحة الناس ضمن المحاور الخمسة المذكورة.


مراجعة العقود يوم القيامة

متى تراجع العقود؟ يوم القيامة. ولذلك كان الختام الرائع للسورة.
]يَوْمَ يَجْمَعُ ٱلله ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ[ (109).
لاحظ ترابط آيات السورة، ففي البداية (أوفوا بالعقود) وفي وسط السورة ]يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ[(من أحكام الحلال والحرام) لتختم السورة بـ ]يَوْمَ يَجْمَعُ ٱلله ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ[.

وفي ختام السورة تأتي قصة سيدنا عيسى عليه السلام وتبرؤه من الذين ضلوا عن سبيله من النصارى. وهذا يفيد في التبرؤ من التقليد الأعمى للآخرين، فكيف ستتبعوهم يا مسلمين وسيدنا عيسى عليه السلام نفسه سيتبرأ منهم يوم القيامة.
ولأهمية ذكر يوم القيامة في حث الناس على الإيفاء بعهودهم تأتي هنا آية رائعة: ]قَالَ ٱلله هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ...[ (119). والصادقون هم الذين يوفون بعقودهم مع الله ومع الناس.




لماذا سميت سورة المائدة بهذا الاسم

وأخيراً بقي أن نشير إلى سبب تسمية السورة بسورة المائدة وهل هذا بسبب ذكر قصة المائدة، فالسورة تتحدث عن الوفاء بالعقود، فما الذي يربط بينها وبين المائدة:

]إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء قَالَ ٱتَّقُواْ ٱلله إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ & قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّـٰهِدِينَ & قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللهمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ ٱلسَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لاِوَّلِنَا وَءاخِرِنَا وَءايَةً مّنْكَ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ & قَالَ ٱلله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَّ أُعَذّبُهُ أَحَداً مّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ[ (112 - 115).

فالآية الأخيرة هي آية محورية ]قَالَ ٱلله إِنّى مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ...[ (أي فمن ينقض العهد بعد إنزال المائدة)، فارتبطت قصة المائدة بقصة قوم طلبوا آية من الله تعالى فأعطاهم ربهم ما طلبوا وأخذ عليهم عهداً شديداً، إن نقضوه فسوف يعذّبون عذاباً شديداً.
أما بالنسبة لأمتنا، فقد أعطاها الله تعالى في هذه السورة الآية المحورية ]ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً[ هذه الآية منحة ربانية مشابهة للآية التي أعطيها الحواريون (المائدة)، وهم قد وفوا بعهدهم فهل سيفي المسلمون بعهدهم؟

صورة








تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 27 August 2009 - 09:51 PM.


#24 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 01 September 2009 - 04:00 AM

صورةصورةصورة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صورة
المقاصد النورانية للقرءان الكريم
(سورة الأنعام)صورة


صورة
ولنبدأ سوياًً في بحر سورة الأنعام
صورة

صورة



تبدأ سورة الأنعام بقوله تعالى :(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وحين تسمع كلمة الحمد فعليك أن تفهم أنها كلمة المدح والثناء والشكر ,فالحمد لله حينما استقبل الإنسان هذا الوجود ووجد كل مقومات الحياة التي لا يمكن أن تخضع لقوة بشر ولا لإدعاء بشر,لذا فإن الحمد أمر واجب الوجود وإن اختلف الناس حول من يوجه له الحمد.



وسور القرءان التي بدأها الله عز وجل بالحمد خمس سور هي :الفاتحة ,الأنعام ,الكهف ,سبأ وفاطر وتتركز كلها جميعاً حول شيئين : تربية مادية بإقامة البنيان بالقوت أو بقاء النوع بالتزاوج أو بتربيتهم تربية روحية ذات قيمة فيمدهم بمنهج السماء فيقول الله " الحمد لله رب العالمين ".فكلمة رب تعني أن الله تولى تربية الخلق إلى غاية ومهمة معينة والتربية تحتاج إلى مقومات ماديه ومقومات معنوية وروحيه ومنهجية لذلك يأتي بها الحق شامله للكون كله كما في فاتحة الكتاب " الحمد لله رب العالمين "



· وفي مره ثانية يأتي الحق بالمنهج وحده كما فى قوله سبحانه وتعالى :

صورة

( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب)


· ومره ثالثة يأتي الحق بالأمور المنظورة فقط فيقول تبارك و تعالى :" الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور" كما في سورة الأنعام .



· ومره رابعة يأتي الحق بأشياء غير منظورة مع الأشياء المنظورة كقوله تعالى:" الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولى أجنحه مثنى وثلاث ورباع "



· فتجد أن الله يأتي بالمجموع كله في فاتحة الكتاب ويأتي بالمنهج فقط فى سورة الكهف.


· ويأتي بالكون المادي كما في سورة الأنعام.


· ويأتي بالكون المادي والمعنوي كما في سورة فاطر.




فإذاً علم الإنسان وجوب توجيه الحمد لرب واحد وهو رب العالمين فتم توحيد الله فى الإعتقاد بأنه الوحيد المستحق للحمد وهذا الحمد متمثل فى توحيد الله فى الإعتقاد ومن ثم يتبعه توحيد الله فى تطبيق شرائعه ومنهجه واتباع رسله ومن هنا يظهر مقصد سورة الأنعام



سورة الأنعام


صورة
توحيد الله تعالى في الإعتقاد والتطبيق
صورة


صورة




سورة الأنعام (سورة مكية) وهي أول سورة مكية في ترتيب المصحف (سور البقرة إلى المائدة كلها سور مدنية)، نزلت بعد سورة الحجر وعدد آياتها 165 آية.


رافق نزول هذه السورة ميزات عديدة. فهي أولاً نزلت على قلب النبي r جملة واحدة (في ليلة واحدة)، بينما نلاحظ أن كل السور الطوال في المصحف كانت تتنزّل آياتها متفرقة.ولعل من أجمل ما يميّز هذه السورة أنها نزلت يحفها سبعون ألف ملك لهم زجل - أي صوت رفيع عالي - من التسبيح يسد الخافقين، وكل هذا في وقت الليل, فما أروع هذا الموكب الملائكي المهيب في جنح الليل وهو يرافق نزول هذه السورة الكريمة، مما يعطي ظلالاً رقيقة تجعلنا نترقب مضمون السورة وهدفها.



صورة
هدف السورة
صورة
صورة




تبدأ السورة بقوله تعالى: ]ٱلْحَمْدُ لله ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ[، فتشعر أخي المسلم من بداية السورة بهدفها ومحورها الأساسي، ألا وهو توحيد الله عز وجل وعدم الشرك به أبداً، وأن لا يكون في قلبك غير الله تبارك وتعالى.


وتتكرّر مسألة توحيد الله تعالى وعدم الشرك به 49 مرة في السورة، في49 آية أي حوالي (30%) من مجموع السورة. ولهذا نعلم سبب نزولها بهذه الهيبة ولماذا كان يحفها سبعون ألف ملك كما ويمكننا أن نستشعر الحكمة من نزولها ليلاً، فإنَّ جوَّ الليل يناسب هذه الروحانيات.



صورة
المخاطبون في السورة
صورة



في خضم الأفكار والمذاهب ومناهج الحياة المختلفة - سواء أكانت هذه الأفكار عبادة للأصنام أو لقوى الطبيعة كما في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلحاداً وإنكاراً لوجود الله كما في عصرنا الحديث - تأتي سورة الأنعام لترد على كل هؤلاء من خلال الحديث عن قدرة الله وعظمته في الكون. ولهذا فإن السورة تخاطبك أيها المؤمن أولاً، لتزيد من إيمانك بالله وحبك له وإخلاصك في عبادته. وإلى جانب ذلك فهي تعطيك مادة للرد على الماديين ومنكري وجود الله: من خلال الحديث عن قدرة الله في الكون، ثم نقض زعم الملحدين بأنّ الطبيعة هي التي خلقت الكون، أو أن الكون خلق صدفة، فالإتقان والإبداع في الكون هما أكبر دليلين على عظمة الخالق جل وعلا وتوحيده.



وتخاطب هذه السورة فريقاً ثالثاً، وهم الناس الذين يؤمنون بالله لكنهم لا يريدون أن يطبّقوا هذا الإيمان في سلوكهم. فتوضح لهم - كما سيتبين معنا في آخر السورة وفي سبب تسميتها - أنّ الإيمان لا يتجزأ، وأنه يجب أن يطبّق على الاعتقاد القلبي وعلى السلوك معاً. وهنا نفهم أهمية نزولها دفعة واحدة، وذلك للتأكيد على أن التوحيد متكامل جملة واحدة في الاعتقاد والتطبيق.

صورة

ترابط سور القرآن
صورة

صورة


وقبل أن نبدأ باستعراض آيات السورة، لا بد أن نلاحظ تسلسل سور القرآن في الحوار مع غير المسلمين: فسور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة خاطبت أهل الكتاب في محاور مختلفة، بينما سورة الأنعام اختصت بخطاب المشركين (وخاصة مشاركي مكة، لذلك كانت السورة مكية).



وهناك ملاحظة لطيفة أخرى في العلاقة بين السورة والسورة التي قبلها. فسورة المائدة ختمت بقوله تعالى: ]لله مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَمَا فِيهِنَّ[ كأنها تمهد لبداية سورة الأنعام ]ٱلْحَمْدُ لله ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ[.


صورة

كلمتان تغمران القلب حباً (قُل وهو)
صورة
صورة


إنَّ لسورة الأنعام ترتيباً معيناً تسير وفقه من أول السورة إلى آخرها، وهو أن ترد أربع أو خمس آيات تتحدث عن قدرة الله تعالى في الكون ثم تليها بعد ذلك آيات أخرى تواجه الماديين ومن ينكر وجود الله ومن يزعم أنّ الطبيعة هي التي خلقت الكون... وهكذا تسير الآيات من أول السورة إلى آخرها على هذا المنوال.



وأكثر آيات السورة تبدأ بإحدى الكلمتين: (قل أو هو). فما سبب تكرارهما..؟! وما علاقتهما بمحور السورة؟



إنّك عندما تقرأ كل آية تبدأ بكلمة ]هو[، تجد أنها تتحدث عن قدرة الله، كقوله تعالى ]وَهُوَ ٱلله فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَفِى ٱلاْرْضِ[]وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْل[]وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ[]وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ[. وأما آيات مواجهة الكفار - والتي تخاطب النبي (كما تخاطب كل مؤمن) وترشده إلى كيفية مقارعتهم بالحجة - فتبدأ بكلمة ]قل[: ]قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱلله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ[ (19).



]قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ & قُلِ ٱلله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا وَمِن كُلّ كَرْبٍ & قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ[ (63-65) ]قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱلله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا[ (71).



فكأنّ الآيات تخاطب القارئ قائلة: استشعر في نفسك من هو القادر حتى تملأ قلبك من حبه، ثم انطلق في مواجهة من يشكك في إيمانك بوحدانيته وعظمته.


صورة


بعد أن شوّقتنا هذه المقدمات، تعال معي أخي المسلم لنعيش مع آيات القدرة والمواجهة في السورة.





صورة


تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 01 September 2009 - 04:06 AM.


#25 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 01 September 2009 - 04:09 AM

بداية السورة
صورة

وموجة من الآيات الدالة على القدرة



تبدأ السورة بثلاث آيات تظهر قدرة الله تعالى: ]ٱلْحَمْدُ لله ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ & هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَه[ُ وبعدها قوله تعالى: ]وَهُوَ ٱلله فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَفِى ٱلاْرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ[. وقوله تعالى: ]فَقَدْ كَذَّبُواْ بِٱلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ[ (5).


فهذه الآيات تدعو مَنْ يقرأها إلى أن يستشعر قدرة الله تعالى.. فإذا وجد إدباراً من الكفار المنكرين، استشعر عظم جرمهم ومدى جرأتهم وضلالهم، وواجههم بآياتها.



صورة
الزمان والمكان
صورة


صورة


وتلاحظ في الآيات معنىً لطيفاً.. فالآية (12) تقول: ]قُل لّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ قُل لله[، والآية (13) تقول: ]وَلَهُ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ[. الأولى تذكر أنّه ملَكَ المكان ]ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ[ والثانية تذكر أنه ملَكَ ]ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ[ أي الزمان، فسبحان من خلق الزمان والمكان وأخضعهما لملكه.

صورة


ما العلامة ؟!
صورة

صورة


فإذا عرفت أنّ الله ملك الزمان والمكان.. فاقرأ بعد ذلك آية المواجهة الرائعة: ]قُلْ أَغَيْرَ ٱلله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ[ (14) ]قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[ (15) ]مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ[ (16).فالآيات تريد منك أخي المسلم أن تتحرر من كل مظاهر العبودية لغير الله، أو الخوف من مخلوق، فتلك علامة المعرفة وثمرة التصديق.



لاحظ في كل ما سبق أن كلمة (قل) تأتي دائماً بعد كلمة (هو)، وكأنّ المعنى: استشعر من (هو) الله واملأ قلبك بحبه، ثم تحرك و(قل) من هو الله وادع إليه وواجه كل من يشرك به.

صورة

حادثة عملية في المواجهة
صورة


ثم تأتي جماعة من الكفار ليقولوا للنبيّ r: هل معك دليل على رسالتك؟من يشهد لك أنك نبي؟ ومن يشهد أنّ إلهك واحد؟ فلقد سألنا اليهود عنك ليشهدوا لك فقالوا لا يوجد عندنا دليل.. فترد عليهم إحدى آيات المواجهة (الآية 19): ]قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱلله شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱلله ءالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ[ فهل في الكون كله أعظم من شهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه ولنبيه.


ومع أن السورة توجهت بالخطاب أساساً للمشركين - كما أسلفنا - لكنها تلمح في الآية (20) إلى اليهود الذين أنكروا وجود الدليل على نبوة محمد r: ]ٱلَّذِينَ آتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ...[.


صورة
مشاهد حية من يوم القيامة
صورة



وأحياناً تشعرك الآيات أنك تشاهد مناظرها وتسمع أهلها.



فها هم يقفون أمام جهنم ]وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ[ (27). ثم تنقلك الآيات إلى وقفة جليلة مهيبة، لطالما كذّب بها الكفار وأنكروها، وقفة أمام جبار السماوات والأرض ]وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ[ (30). وانظر إلى هؤلاء المثقلين المتعبين من الفسّاق والفجار بأحمالهم الثقيلة.. أنظر إليهم ]وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ[ (31).

صورة
الصبر والتثبيت عند المواجهة
صورة

صورة



ولا تكتفي الآيات بمد النبي r(وبالتالي كل الدعاة إلى الله) بالحجج والردود اللازمة لمواجهة الكفار فحسب، بل أنها تثبته وتعينه على الصبر على ما يلقاه من التكذيب: ]وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ[ (10)، وتقول أيضاً: ]وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَـٰهُمْ نَصْرُنَا...[ (34).




ولكن قمة التثبيت تأتي في قوله تعالى: ]قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـئَايَـٰتِ ٱلله يَجْحَدُونَ[ (33). يا محمد، إن هؤلاء لا يكذّبون شخصك، إنهم يكذّبون الله وآياته، فهو ولّيك وناصرك من دونهم.


صورة
كلمات كالموج الهادر
صورة



وتمضي الآيات على نفس السياق: آية قدرة فآية مواجهة. فتأتي آية رائعة في بيان قدرة الله تعالى:


]وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى ٱلاْرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَـٰلُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء[ (38).فإذا جحد هؤلاء الظالمون بكتاب الله، تبدأ الآيات في الشدة بمواجهتهم.


صورة


]قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱلله أَوْ أَتَتْكُمْ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱلله تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ[ (40).


وتحذرهم من التمادي في المعاصي حتى لا تطبّق عليهم السنّة الكونية في البشر ]حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَـٰهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ[ (44).


وتأتي موجة جديدة من آيات المواجهة التي تبدأ بكلمة ]قل[:


]قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱلله سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱلله يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ ٱلاْيَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ * قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱلله بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ[ (46-47). إنّ سياق الآيات والكلمات يرقق المشاعر ويجعل القلب يخشع ويرغب في القرب من الله.

صورة
أسلوب جديد في المواجهة
صورة


ولأن الآيات تجهّز النبي صلى الله عليه وسلم ليواجه قومه بالدعوة، فإنها تستخدم أسلوباً جديداً في الآية (57) ففي قوله تعالى: ]قُلْ إِنّى عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّى وَكَذَّبْتُم بِهِ...[ تأكيد على الثوابت العقائدية، وثقة بالنفس تهز الطرف الآخر. وهي طريقة دعوية مفيدة نتعلمها من آيات السورة.


صورة
شمول العلم والقدرة
صورة


وتبدأ الآيات في موجة جديدة من عرضها لقدرة الخالق، في سياق يهز القلب ويحرك أوتاره: ]وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلاْرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ[ (59) وكأنك ترى الورقة وهي تسقط في الصحراء أو على جبل أو في قاع بحر..


ومن الذي يتوفى الأنفس؟ إنه الله ]وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ[ (60) فكيف تشركون به؟


ومن الذي شمل الخلق علماً وعدداً؟إنه الله ]وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً[ (61) أي ملائكة تحفظكم من الآفات وتكتب أعمالكم من الحسنات والسيئات.


ومن الذي ينجي العباد من مهالك البر والبحر؟ إنه الله ]قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ[ (63). فكيف تشركون به؟


فإن شكّك أحد في ذلك فإن الآية ترد عليه بقوة: ]قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ[ (65) فمن الذي يخرج عن قدرته أو يغيب عن شمول علمه سبحانه وتعالى..؟!


فما هو شعور المؤمن الذي يقرأ سورة الأنعام؟ إنه يشعر أن مشاعره تهتزّ وهي تنزل على النبي ليلاً في موكب من الملائكة.. يشعر بصوت الملائكة وهم يسبّحون الله لعظمة هذه السورة.. فهذه السورة تزلزل النظرة الإنسانية وتطوف بالإنسان لتأخذه إلى ملكوت السموات والأرض والنهار والليل والبر والبحر والشمس والقمر والنجوم.. تريك الجنات المعروشات.. إنها تطلعك على ملك الله عز وجل.. حتى تصل إلى آية أخرى من آيات القدرة ]وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ بِٱلْحَقّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّوَرِ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ[ (73).


صورة
رحلة مؤمنة: سيدنا إبراهيم وقومه
صورة


وتبدأ السورة بعد ذلك في عرض قصة إبراهيم ونظره في مظاهر قدرة الله في الكون.. ليسير نسق الآيات بين القدرة والمواجهة. إن هذه القصة ليست منفصلة عن ترتيب السورة بل إنها وظّفت لتخدم الهدف تماماً.


يقول تعالى: ]وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ & فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ ٱلاْفِلِينَ[ (75-76). إنه ترتيب السورة نفسه، فإنه عليه السلام ينظر في قدرة الله تعالى: ]فَلَماَّ رَأَى ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبّى هَـٰذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يٰقَوْمِ إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ[(78). نعم لأنَّ الإله لا شك أنه أعظم من هذا كله ولذلك قال: ]إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ[(79). وبعد استخدامه لأسلوب عرض آيات القدرة تبدأ المواجهة ]قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى ٱلله وَقَدْ هَدَانِى...[ (80) مع تركيزه على نفي الشرك وتوحيد الله ]وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً[(80).


لذلك أثنى الله على هذا الأسلوب الدعوي بقوله تعالى: ]وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ...[(83).


ومن جمال القرآن أنك ترى قصص الأنبياء تتكرّر في القرآن الكريم، لكنها في كل مرة تخدم هدف السورة التي تذكر فيها، بإعجاز يعجز البشر عن الإتيان بمثله.


فسورة الأنعام مثلاً أوردت جانباً من قصة سيدنا إبراهيم والذي يتعلق بنظره في آيات الله واستخدامه أسلوب القدرة والمواجهة في الدعوة إلى الله فلم ترد قصة إبراهيم عليه السلام حين رماه قومه في النار مثلاً، لكنها وظفت لتخدم هدف السورة وسياقها.

صورة

التحذير الشديد من الشرك
صورة


وفي التعقيب على قصة إبراهيم تأتي آية محورية في التحذير من الشرك:


]ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلاْمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ[ (82).



لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله، قالوا: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله: ليس كما تظنون، إنما هي كما قال العبد الصالح لابنه(أي سيدنا لقمان): إن الشرك لظلم عظيم.


وحتى في الحديث عن أحب الخلق إلى الله، وهم الأنبياء، تقول الآيات بوضوح ]وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[ (88).


صورة
قدرة ومواجهة في نفس الآية
صورة



نصل إلى الآية (91) والتي اشتملت في أولها على آية من أروع آيات القدرة: ]وَمَا قَدَرُواْ ٱلله حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱلله عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء...[(100).


وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً في أصحابه وتلا هذه الآية، ثم قال: يمجّد الله نفسه، يقول: أنا الملك، أنا القدوس... وأخذ بترديد أسماء الله الحسنى، فنظر الصحابة إلى المنبر، وكان يرجف برسول الله من وقع عظمة الله تعالى. إن الجماد والخشب قد اهتزا لجلال الله تعالى، بينما هناك قلوب لم تتحرك من خشيته أو لجلاله، فتواجه الآية في نصفها الثاني هؤلاء: ]قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَاء بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لّلنَّاسِ... قُلِ ٱلله ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ[ (91).

صورة

عودة إلى آيات القدرة: ألا تشعر بحبه؟
صورة



وتبدأ مع الآيات (95 - 103) موجة رائعة من إظهار قدرة الله في جمال الخلق وإبداعه: ]إِنَّ ٱلله فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيّتِ مِنَ ٱلْحَىّ ذٰلِكُمُ ٱلله فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ[ (95) ]فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ[ (96) يظهر الله تعالى هنا قدرته في مثالين مختلفين: مرة في أنه فالق الحب والنوى على صغرهما ومرة أخرى أنه فالق الإصباح ومظهره من ظلمة الليل على اتساعه.


إن السورة تهز الفطرة الإنسانية التي تعرف ربها جيداً وتدين له بالوحدانية، لكن ركام الشرك قد يغطي هذه الفطرة في بعض الأحيان، فتأتي السورة لهز هذه الفطرة وكسر مظاهر الشرك عنها لتعود إلى الله وتوحيده. لذلك فإنها تخاطب المشركين بقولها: ]بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء وهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ[ (101) هل هناك من يجادل في هذا..؟ فمن الذي خلق وأبدع؟! إنه رب القدرة وحده لا شريك له: ]أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء وهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيم & ذٰلِكُمُ ٱلله رَبُّكُمْ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء فَٱعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء وَكِيلٌ & لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلاْبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلاْبْصَـٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ[ (101-103).


كل ذلك لتأتي الآية المحورية رقم 104 ]قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ[.


لقد اتضحت مظاهر عظمة الله تعالى وقدرته وقوته في الكون ]فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا[ (104) فمن آمن وصدق فهو المستفيد ومن كفر فهذا هو العمى الحقيقي: عمى القلب والذي هو أخطر من عمى البصر.


]أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ[ (104)



ولتصوير الفرق بين الإيمان والكفر تستعمل السورة أكثر من مثال وأكثر من تشبيه، فهي في الآية السابقة 104 تشبه الكفر بالعمى، لكنها في الآية (122) تذهب إلى أبعد من هذا بكثير:


]أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا كَذَلِكَ زُيّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ[. بعد أن رأينا كل هذه الآيات المعجزات على وجود الله وتوحيده، ماذا يكون حال من يكفر؟ إنه كالميت، لكن من رحمة الله تعالى أنه يهديه، فيحييه من جديد، لا بل أكثر من ذلك، يجعل له نور التوحيد والهداية ليمشي به في الناس ويدلّهم على طريق الله. مثال رائع بالمقارنة مع من يقبع في الظلمات ولا يريد حتى أن يفكر بالخروج منها، بل أن كفره وظلامه مزيّن له بأبهى صورة...

صورة
سبب التسمية: توحيد في القصد والعمل
صورة

ويبقى سؤال أخير وهو: لماذا سميّت هذه السورة بالأنعام؟



إن الأنعام هي المواشي التي يقوم الناس برعيها ويأكلون لحمها، ولكن ما العلاقة بين الأنعام وبين سورة تتحدث عن توحيد الله تعالى.


إن العلاقة بينهما وثيقة جداً، فإن السورة تناولت موضوع توحيد الله تعالى، وهي تحذر الناس من الاعتقاد بأنّ التوحيد يكون بأنْ يقول المرء في نفسه أنا أوحّد الله وواقع حياته لا يشهد بذلك، بل ينبغي أن يوحّد الله اعتقاداً وتطبيقاً.


فكثير من الناس يوحّدون الله اعتقاداً فهو يجزم بهذا الأمر ولا مجال للنقاش أو الشك في توحيده لله عزّ وجلْ ولكن إذا تأملنا واقع حياته، وهل يطبق شرع الله تعالى في كل تصرفاته فإننا سنجد أنّ الأمر مختلف.


إنّ توحيد الله تعالى لا يكون في الاعتقاد فحسبْ بل لا بد من توحيده في كل تصرفاتنا وحياتنا اليومية...


وسبب تسمية السورة بالأنعام أنّ العرب كانوا ينظرون للأنعام على أنها ثروتهم الأساسية وعصب حياتهم، فتعاملوا معها على أنها تخصهم ولا علاقة لله تعالى بها - بزعمهم - يقول تعالى: ]وَجَعَلُواْ لله مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلاْنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا لله بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى ٱلله وَمَا كَانَ لله فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ[(136).



وبعد ذلك يقول ]وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱلله عَلَيْهَا ٱفْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلانْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[ (138 - 139).



فهذا تحذير من توحيد الله اعتقاداً فقط دون أن يكون لهذا التوحيد أثر في التطبيق.. فإياكم ثم إياكم أن توحّدوا الله تعالى في الاعتقاد وتخالفوا ذلك في التطبيق. لهذا اختار ربنا نوعاً من أخطاء التطبيق وسمى به السورة حتى يخاف المرء ويسأل نفسه عن التطبيق كلما قرأ آيات التوحيد وعدم الشرك.

صورة
صورة


ولأن التوحيد يشمل الاعتقاد والتطبيق جاء ختام السورة ]قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لله رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ * قُلْ أَغَيْرَ ٱلله أَبْغِى رَبّا وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا[ (162 - 164).

صورة
صورة



فمن كانت لـه هذه القدرة أحق بأن يكون لـه التوحيد الخالص في كل مظاهر حياتنا الفكرية والروحية والعملية.



هذه المعاني كلها تلخصت في ثلاث آيات محورية في المواجهة على مدار السورة:


]قُلْ أَغَيْرَ ٱلله أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ[ (14).


]أَفَغَيْرَ ٱلله أَبْتَغِى حَكَماً وَهُوَ ٱلَّذِى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلاً...[ (114).


]قُلْ أَغَيْرَ ٱلله أَبْغِى رَبّا...[ (164).


فهذه الآيات الثلاث ركزت على محاور التوحيد الثلاثة وهي التوحيد في الربوية وفي المحبة وفي الاحتكام لشرع الله تعالى.


صورة
ختام السورة: الإستخلاف
صورة


بعدما أكد الله تعالى من خلال آيات السورة ملكه للأرض وإبداعه لها وتصرفه فيها، أعطانا الأرض واستخلفنا عليها: ]وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلاْرْضِ[ (165).


وهنا لفتة لطيفة في الربط بين هدف سورة الأنعام وهدف سورة البقرة (المسؤولية عن الأرض). كما أنّ الختام هنا يمهّد لسورة الأعراف التي تناولت موضوع الصراع في الأرض بين الحق والباطل: ]... وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَـٰكُمْ[ (165).



· وانظر هنا لعلاقة السور الرائعة مع بعضها:


وكأنّ السور الثلاث توجه رسالة موحدة: يا مسلمون، بعد أن فهمتم أهمية توحيد الله في التطبيق كما في الاعتقاد (سورة الأنعام)، فإن الله قد أعطاكم هذه الأرض لتطبّقوا شرعه عملياً، فأنتم يا أمة محمد مسؤولون عنها (سورة

البقرة) فأين أنتم في الصراع على الاستخلاف بين الحق والباطل (سورة الأعراف)

صورة


تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 01 September 2009 - 04:12 AM.


#26 راجية الألفافا

راجية الألفافا

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 95 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 06 October 2009 - 05:09 AM

جزاك الله خير على هذا النقل  :icon15:

تم التعديل بواسطة راجية الألفافا, 06 October 2009 - 05:11 AM.


#27 ريحـانة

ريحـانة

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 7659 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 24


تاريخ المشاركة 06 October 2009 - 05:35 AM

بارك الله فيكِ أختي



وإذا عـرتك بلية فاصبر لها *** صبر الكـريم فإنه بك أعلمُ
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما *** تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ


#28 أم ياسر السلفية

أم ياسر السلفية

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 460 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 16


تاريخ المشاركة 13 October 2009 - 03:26 PM

بســم الله الـرحمــن الرحيــم
السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،


بارك الله فيك وننتظر المزيد



لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين


#29 ~ كفى يا نفس ~

~ كفى يا نفس ~

    " مشرفة سابقة "

  • العضوات
  • 19062 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 100


تاريخ المشاركة 17 October 2009 - 02:08 AM

وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته

قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}

موضوع قيّم جدًّا وبأمسّ الحاجة إليه أختي الغالية

باركَ الله فيكِ وجزاكِ خير الجزاء

طبتِ وطاب مسعاكِ أختي

لي عودة لتكملة البقية بإذن الله






اللهمّ ربِّ اغفر لأمّي وخالاتي وفدوى ورندة وجميع موتى المسلمين وارحمهم يا غفور يا رحيم


♥ تحفيظ الزهراوين ♥


اسألوني عن حالي مع الله، وذكروني بعظيم نعمه سبحانه وتعالى وتجددها علينا ♥



☜مجالس كنوز القرآن في تدبر آيات الرحمن☞


يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته! ،؛، أتعبت جسمك فيما فيه خسران

أقبل على الروح واستكمل شمائلها،؛، فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

✿✿الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"✿✿




صورة

رحمك الله أم جويرية الغالية()

سامحوني فلا بدّ أن تأتي لحظة أكون فيها حيث أصبحت " أمّي "~

[/center]

#30 ثروة

ثروة

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 7561 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 254


تاريخ المشاركة 17 October 2009 - 05:41 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
ما  شاء الله موضوع أكثر من رائع
جزاك الله خيرا أختي الحبيبة



صاحبي القرآن اليوم يصاحبكِ غدا..
جالسيه وفرغي له قلبكِ ووقتكِ، يكن لكِ جليساً في القبر ،
وشفيعاً يوم الحشر.*

اللهم ارحم فدوى ورندة وام الزهراء اللهم اجمعنا بهم في الفردوس

اللهم ارحمني يوم ترفع الروح إليك

سامحوني وحللوني يا حبيبات


#31 (ميرفت)

(ميرفت)

    عضوة متألقة

  • العضوات
  • 6371 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 205


تاريخ المشاركة 19 October 2009 - 12:54 PM

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

اللهم بارك موضوع رائع جدا

جزا الله خيرا جميع من ساهم في هذا العمل الطيب

و اثابك المولى اختي ام صفي الله

نحن في انتظار السورة التالية


تم التعديل بواسطة معلمة القران للاطفال, 19 October 2009 - 12:55 PM.




جزاك الله خيرا مودة الحبيبة وحقق مناكِ ... اللهم آمين
صورة اللهم ارحم أمي الحبيبة واغفر لها واجمعني بها في جنات النعيم

لا لأسماء الدلع في العام ...المنتدى مفتووووح

#32 { الــهـــا م }

{ الــهـــا م }

    :: مشرفة سابقة ::

  • العضوات
  • 13380 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 81


تاريخ المشاركة 19 October 2009 - 01:11 PM

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

تقبل الله منكِ
وجزاكِ الله خيرا






لا إله إلا الله.. محمد رسول الله
"صلى الله عليه وسلم "


****************************



في واقع الحياة ....نسأل الله حسن الخاتمة


#33 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 15 January 2010 - 07:17 AM

السلام عليكــم ورحمـة الله وبركاتــة ،،

حيا الله اخواتى الغاليات الحبيبات

اعتذر لكن عن تأخري في الرد واكمال الموضوع

واسألكن جميعا الدعاء لكل من ساهم فى هذا العمل

بتفريج الهم والشفاء والقبول


راجية الألفافا

   بارك لك الله حبيبتى وجزيت خيرا للمتابعة

ريحـانة
واياكِ اختى الحبيبة حفظك الله

أم ياسر السلفية
اثابك الله خيرا اخيتى نتابع معا باذن الله

كفى يا نفس
اعزك الله الغالية وحفظك المولى من كل سوء

ثروة
بوركتِ اخيتى وجزيت خيرا

معلمة الأطفال القرآن
واياك حبيبتى ونسال الله العظيم ان يبارك فى كل من ساهم فى هذا العمل ويجزيه خير الجزاء ويسعدهم بالدارين

الهام
تقبل الله منا ومنك اختى الحبيبة وحفظك البارى واعزك


تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 15 January 2010 - 07:37 AM.


#34 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 15 January 2010 - 07:25 AM



صورةصورةصورة





صورة










السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صورةصورة



المقاصد النورانية للقرءان الكريم

صورة


سورة الاعراف
صورة





احسم موقفك في الصراع بين الحق والباطل
صورة


صورة




عرضت السوره بالتفصيل قصص الأنبياء من بداية خلق آدم عليه السلام إلى نهاية الخلق مروراً بنوح، هود، صالح، لوط، شعيب، موسى عليهم وعلى رسولنا أفضل الصلاة والسلام. والسورة تجسد الصراع الدائم بين الحق والباطل وكيف أن الباطل يؤدي إلى الفساد في الأرض، وفي قصص كل الأنبياء الذين ورد ذكرهم في السورة تظهر لنا الصراع بين الخير والشر وبيان كيد إبليس لآدم وذريته لذا وجه الله تعالى أربعة نداءات متتالية لأبناء آدم بـ (يابني آدم) ليحذرهم من عدوهم الذي وسوس لأبيهم آدم حتى أوقعه في المخالفة لأمر الله تعالى. كما تعرضت السورة الكريمة إلى أصناف البشر فهم على مرّ العصور ثلاثة أصناف: المؤمنون الطائعون، العصاة ، والسلبيون الذين هم مقتنعون لكنهم لا ينفذون إما بدافع الخجل أو الامبالاة وعدم الإكتراث ,والسلبية هي من أهم المشاكل التي تواجه الفرد والمجتمع والأمة. وجاءت الآية لتحذرنا أنه علينا ان نحسم مواقفنا في هذه الحياة ونكون من المؤمنين الناجين يوم القيامة ولا نكون كأصحاب الأعراف الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم وينتظرون أن يحكم الله فيهم...



سورة الأعراف (مكية) نزلت بعد سورة (ص) وهي في المصحف بعد سورة الأنعام وعدد آياتها 206.




قذائف الحق على الباطل
صورةصورة
صورة





نزلت السورة في وقت كان الصراع فيه على أشده بين المسلمين والكفار. وبالتحديد في الوقت الذي أمر به النبي (r) بالجهر بالدعوة. إنها مرحلة جديدة، مرحلة فيها الإعلان والمواجهة، وقد يخجل البعض أو يخاف الأذية.. أنزلت السورة في هذا الظرف وهذا الجو، لتتحدث عن الصراع بين الحق والباطل وأن هذا الصراع سنّة كونية دائمة ومستمرة منذ خلق الله الخلق إلى نهاية يوم القيامة.


فبدأت السورة بالصراع بين آدم وإبليس مع بدء الخليقة وأتبعته بالحوار بين أهل الجنة وأهل النار، وكأن المعنى: هذه هي نتيجة الصراع: فريق في الجنة وفريق في النار. وبعد ذلك رسمت خطاً بيانياً يظهر الصراع في تاريخ البشرية بين كل نبي وقومه، ويظهر أن نهاية الصراع دائماً هي هلاك الظالمين بسبب فسادهم. وبين كل مقطع من هذه المقاطع تسألك السورة: أين أنت من هذا الصراع؟ حدّد موقفك.

صورة




وهذا المحور لمناسب جداً لجو الصحابة في المرحلة المكية كما أنه ينعكس على الناس جميعاً في كل زمان ومكان. ففي كل عصر سيعيش الناس مواقف صراع بين الحق والباطل على مستوى الدول والأمم وعلى مستوى الحياة الشخصية أي بين الإنسان ونفسه.



ربما أنت السبب..!
صورةصورة

صورة



والهدف الذي تدور حوله أحداث السورة ومعانيها هو ضرورة تحديد الموقف وسط الصراع.. حدد موقفك يا مسلم.. في أي الفريقين أنت؟ لا تكن من المتفرجين.


وهذا المعنى يبدو واضحاً في قصص الأنبياء الواردة في هذه السورة، والتي ركّزت على الفصل بين المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى وبين الكفار، مع عدم ذكر أي فئة سلبية أو متفرجة، لأن الأصل أن يكون للإنسان موقف محدد في حياته. ففي قصة نوح مثلاً نرى أن ختام القصة كان: ]فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ[ (64)



وفي قصة هود:


]فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ[ (72).


وفي قصة لوط:]وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلا أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ[ (82) ]فَأَنجَيْنَـٰهُ


وَأَهْلَهُ إِلاَّ ٱمْرَأَتَه[ُ.


وفي قصة شعيب:]قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ... فِي مِلَّتِنَا[ (88).


وفي قصة صالح:]قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ... لِمَنْ ءامَنَ مِنْهُمْ[ (75).


وكأن المعنى في هذا كله إما أن تكون مع (الذين آمنوا معه) وإما أن تكون مع (الذين كذبوا بآياتنا) فلا وجود للفئة المتفرجة في هذه القصص.



(فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ)
صورةصورة


صورة


بداية السورة تعلن هذا المعنى بوضوح ]كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ[ (2) مطلوب منك الجهر بتعاليم الإسلام، لا تستح من نظر أحد أو انتقاده. فأحياناً من قوة الباطل أو انتشاره قد يخجل البعض من إظهار الحق. لا تخجلي من حجابك ولا يخف مسلم من إيذاء أحد له.. المسلم الحق يحزم أمره ويحسم قضاياه لأن الله قال له في افتتاح السورة ]فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ[. هذه الآيات كما أشرنا سابقاً كانت عنواناً لبداية مرحلة الدعوة الجهرية.

صورة



الآية الثالثة تلح على نفس المعنى: ]ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء[ فهنا طلب جازم باتباع الحق فوراً بلا تردد أو سلبية أو تطلع للطرق الأخرى.



آدم وإبليس: فدلاهما بغرور
صورةصورة


ومنذ بداية البشرية يبدأ الصراع بين آدم وإبليس الآيات (20 - 22)، فكيف كان إغواء إبليس لأبوينا؟ ]فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ[ (22) أي أن طريقة الإغواء كانت بتركهما في حيرة وعدم استقرار، فكان استعمال كلمة (فدلاهما) لتشبيهها بمن يدلو دلوه في البئر ثم يتركه معلقاً وسطه دون أن يحسم مكانه. ولذلك فإن الإيجابية وحسم الأمر من أقوى جند الحق والسلبية والتردد طريق المعصية وإن كان صاحبهما مؤمناً.


العري: سلاح إبليس
صورةصورة



لاحظ تركيز إبليس على نوع من أنواع الإفساد: العري، وهذا واضح في الآيات:


]فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءتِهِمَا[ (20) فماذا كانت النتيجة ]فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا...[ (22).


لذلك كان الأمر الإلهي بالستر والتحذير من كل مظاهر كشف العورات: ]يَـٰبَنِى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوٰرِى سَوْءتِكُمْ وَرِيشًا[ (26).


]يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءتِهِمَا...[ (27).


]يَـٰبَنِى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ[ (31).


صورة


تعلّموا من هذه السورة، أرأيتم كثرة الآيات المحذّرة؟ تعلّموا ستر العورات وغض الأبصار، تعلّموا يا فتيات العفة والحشمة، واحسموا موقفكن من الحجاب بدون تردد، لأن العري سلاح إبليس منذ بدء الخليقة، وانتشاره يساعد على نشر الرذيلة وسهولة المعصية، لذلك كان التعقيب على قصة آدم قوله تعالى: ]قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ ٱلْفَوٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ...[ (33).


لا ثالث بينهما
صورةصورة
صورة


وبعد ذلك تقسم السورة الناس إلى صنفين: أهل الجنة وأهل النار، وتأخذك السورة بعيداً إلى يوم القيامة، حتى كأننا نسمع النداءات بين الطرفين: ]وَنَادَى أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱلله عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ[ (44).


فهما داران لا ثالث لهما، لذلك تأتي كلمة حاسمة في الآية 46 ]وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ[ لتفصل بين الفريقين بشكل نهائي. أما زلت متردداً؟ ألم تحسم موقفك بعد؟ اسمع إذاً نداء الاستغاثة: ]وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱلله قَالُواْ إِنَّ ٱلله حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ[ (50) واختر لنفسك أي المصيرين، وأي الدارين؟!


سبب تسمية السورة بالأعراف
صورةصورة

صورة


فلماذا سميت السورة بهذا الاسم (الأعراف)؟ يقول تبارك وتعالى:


]وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى ٱلاْعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَـٰهُمْ[ (46) أي بين الجنة والنار يعرفون أهل كل منهما فينادون أصحاب الجنة: ]وَنَادَوْاْ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ[ (46) ويخافون من النار ]وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَاء أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ & وَنَادَىٰ أَصْحَـٰبُ ٱلاْعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَـٰهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ[ (47-48).







فمن هم أصحاب الأعراف؟ إنهم أناس تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فهم لم يحسموا مواقفهم وأعمالهم في الحياة. ولأن الجزاء من جنس العمل، فهم يوم القيامة يحبسون في مكان عالٍ (يسمى الأعراف) بين الجنة والنار، ليشرفوا على المكانين. والمترددون يشملون أصنافاً كثيرة من الناس (لذلك هناك أعراف كثر وليسوا عرفاً واحداً)، فإياك أن تكون أحدهم.. أخي المسلم بادر إلى اتباع طريق الحق ولا تكن اعرافياً، بل احسم موقفك لأنك قد تحرم حتى من أن تكون مع أصحاب الأعراف في حال سوء الخاتمة والعياذ بالله.
  • قصص الأنبياء: رسم بياني للصراع عبر التاريخ
وللتأكيد على الرسائل التي تحملها السورة:


- إن الصراع بين الحق والباطل دائم ولن يتوقف.


- إن الباطل منهزم لا محالة.


- إن السبب الأساسي لهزيمة الباطل هو البعد عن الله والفساد بأشكاله المختلفة (الأخلاقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي).



تذكر لنا السورة قصصاً لخمسة أنبياء من أنبياء الله ومواجهتهم لأقوامهم. والملاحظ أن هذه القصص قد ذكرت مرات عدة في القرآن، فما الذي يميّزها هنا؟ إنها تخدم هدف السورة في حسم الموقف من الصراع، من خلال:


إظهار أن عناصر المواجهة بين كل الأنبياء وأقوامهم هي تقريباً نفسها (مع نفس الكلمات أحياناً)، وكل هذا لإثبات قدم الصراع وتكراره مع تغيّر الأشخاص والأمم.


فكانت دعوة الأنبياء كلها واحدة ]يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱلله مَا لَكُم مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ[ (59).


]أُبَلّغُكُمْ رِسَـٰلـٰتِ رَبّى...[ (68) وحتى الحجج ]أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ...[ (69).


انتهاء إلى تكذيب الكفار ]إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ[ (60)، ]إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ[ (66).


التركيز على نهاية الباطل، تحت قاعدة "الجزاء من جنس العمل".

صورة

فقوم ثمود، مثلاً، كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً آمنين، فدعاهم أمنهم إلى الاستكبار على دين الله، فكان عقابهم الرجفة (والتي يرافقها الخوف، لأن الخوف ضد الأمن). هذه القاعدة تنطبق أيضاً على قوم لوط الذين أسرفوا في الشهوة الجنسية مما أدى بهم إلى مخالفة الفطرة الإنسانية والشذوذ، وسبب ذلك الإسراف، كما بينت الآية ]إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ ٱلنّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ[ (81)، لذلك كان جزاؤهم مطراً من الحجارة.


  • التنبيه إلى أن سبب هزيمة الباطل إنما هو الفساد:
ففي ثمود - قوم صالح - كان فساد الترف الزائد هو الذي أهلكهم (الآية 74)


أما قوم لوط، فكان فسادهم الأخلاقي وشذوذهم الجنسي سبباً لإهلاكهم الآيات (80 - 81).


وأما مدين - قوم شعيب - فكان الفساد الاقتصادي هو المستشري فيهم:


]فَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَاءهُمْ...[ (85).

  • التحذير من الاستكبار، لأنه من أخطر أسباب الهلاك:
فعبارة ]قَالَ ٱلْمَلاَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ...[ (74) نراها تتكرر مع ثمود ومدين، كما نرى في أوائل السورة التركيز على عبارات ]إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا...[ الآيات (36 و40). ولا يمكن أن تتكرر عبارة بحذافيرها في القرآن من دون أن يكون هناك معنى مهم جداً ينبهنا إليه ربنا سبحانه.


التركيز على نجاة النبي والذين آمنوا معه وهلاك الكافرين، بدون أي ذكر لأي فئة متفرجة أو محايدة. ]فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ...[]فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُ[]لَنُخْرِجَنَّكَ يـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَكَ[الآيات (64 - 72 - 83 - 88).




#35 ام صفى الله

ام صفى الله

    عضوة نشطة

  • العضوات
  • 205 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 1


تاريخ المشاركة 15 January 2010 - 07:26 AM

بعد كل هذا:

صورة
صورةصورة


ولاحظ أخي المسلم تعقيب القرآن على هذه القصص:


]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ[ (96) فهو يضع كل هذه النماذج ضمن قاعدة كونية: إما إيمان وحسم للموقف واتباع للأنبياء، وإما بأس شديد وعذاب أليم من الله.


وأنت أخي المسلم تندرج تحت هذه القاعدة، فهل ما زلت متردداً؟


إن لم تكن مع الحق فأنت مع الباطل ولو كانت نيتك غير ذلك، لأنك أضعفت أهل الحق.


وإياك أن تقول "أنا فرد ولن أغير شيئاً في معادلة الصراع". فلو كان الحق ينتصر بوجود 100 صادق ناجح، وهم الآن 99 وقد تكون أنت المتمم للمائة، وتقاعست، فأنت إذاً لم تكمل المؤمنين وأنت سبب في تراجعهم.



قصة موسى عليه السلام
صورةصورة


وتصل الآيات إلى قصة سيدنا موسى مع فرعون، سحرة فرعون، وبني إسرائيل. قصة من أروع القصص في عرض نماذج الحسم والتردد.
والجدير بالذكر هنا أن قصة سيدنا موسى هي أكثر قصة مذكورة في القرآن على الإطلاق (ذكرت في 29 جزءاً) (يقول النبي: رحم الله أخي موسى، لقد كاد أن يذهب بثلث القرآن). لكن سورة الأعراف هي أكثر السور تفصيلاً لعلاقة موسى بقومه خاصة بعد خروجهم من مصر (فلم تذكر مثلاً حادثة ولادته أو نشأته في قصر فرعون كما في سورة القصص)، ولذلك بدأت بالصراع مباشرة من أول آية ]... فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ[ (103) ]وَقَالَ مُوسَىٰ يٰفِرْعَوْنُ إِنّى رَسُولٌ مّن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ[ (104)، كل هذا لنستفيد من مواقف الحسم والتردد في القصة.



حزم بدأ بسجدة
صورةصورة

صورة

فعندما أتى السحرة لطلب القرب من فرعون ومواجهة موسى عليه السلام، رأوا الآية الدالة على رسالته، فحسموا موقفهم خلال دقائق وكان حسمهم شديداً وفي منتهى القوة: ]فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ & فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَـٰغِرِينَ & وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ[ (118-120) بدأ إيمانهم بهذه السجدة المؤمنة وتمسكوا بهذا الإيمان رغم التهديد بالهلاك والتعذيب: ]قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ & رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ & قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ...[ (121-123).
وبعد ذلك يقول لهم فرعون ]لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ[ (124) فماذا كان أثر ذلك على موقفهم؟ ]قَالُواْ إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ & وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلا أَنْ ءامَنَّا بِـئَايَـٰتِ رَبّنَا لَمَّا جَاءتْنَا[ (125-126) هكذا في إصرار وعدم تردد رغم تهديد فرعون ووعيده، بل أنهم استمدوا الصبر والتمسوا حسن الخاتمة من صاحب الحق: ]رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ...[ (126).

فساد فرعون
صورةصورة
صورة

بعد أن رأينا في قصص الأنبياء السابقة أنواعاً مختلفة من الفساد، تأتي قصة موسى وفرعون لترينا قمة في الفساد:
]... قَالَ سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـى نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ[ (127).
فكان العقاب الرباني متدرجاً لذلك الظالم وقومه:
]فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءايَـٰتٍ مّفَصَّلاَتٍ...[ (133).
فخفّف الله عنهم، لكن ]إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ[ (135) فماذا كان العقاب؟
]فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ[ (136).


بنو إسرائيل: سلبية وتردّد
صورةصورة


صورة

وبالمقابل، ترينا الآيات نموذجاً آخر للتردّد وهم بنو إسرائيل، فعندما قال لهم نبيّهم ]ٱسْتَعِينُواْ بِٱلله وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلارْضَ لله يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ (128) فماذا كان جوابهم؟
]قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا[ (129).
فردّ عليهم موسى ليعلمهم حسن الظن بالله والذي هو أمر أساسي من متطلبات الحسم:
]قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلاْرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ[ (129).
فالآيتان (128 - 129) تؤكدان على أن الحزم وعدم التردد أمران أساسيان في امتحان الاستخلاف على الأرض، وهذا ما لم يفهمه بنو إسرائيل.


حتى في العقيدة
صورةصورة


ويظهر بنو إسرائيل في مواقف أخرى توحي أنهم يعيشون بلا غاية ولا هدى حتى في أمور العقيدة. ففي الآية 138 نرى قوله تعالى ]وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِى إِسْرءيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ[ لقد كانوا منذ قليل يعبرون البحر، وقد رأوا فرعون وجنده وغرقهم، فماذا كان موقفهم التالي: ]قَالُواْ يٰمُوسَى ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ[. هذا السؤال الذي ينمّ عن قمة في الجهل أتى في نفس الآية التي تحكي قصة نجاتهم ليرينا الله تعالى حالة التردد وعدم الثبات عندهم.
(فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا)
كانت أغلب أوامر الله لبني إسرائيل تحثّ على تطبيق أمر الله ودينه بقوة.
ففي الآية (145): ]فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا[.
وفي الآية (171): ]خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ...[.
فكيف كان أخذهم لأوامر الله؟
تركهم موسى وذهب للقاء ربه، فماذا فعلوا؟
]وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ[ (148).

فتنكر عليهم الآيات بشدة:
]أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ & وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ[ (148-149).
فهم يشكون من عدم الوضوح والحزم في تديّنهم وعلاقتهم مع الله.
وبذلك يظهر الفارق واضحاً بين السحرة وبين بني إسرائيل، بين تحدي السحرة لفرعون ]فَٱقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ[ (72) وبين ]قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا[ (129).
بين ]قَالُواْ آمَنَّا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ[ (121) التي أتت دون تردد من السحرة، وبين ]ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ[ (138) التي صدرت من بني إسرائيل رغم المعجزات الكبيرة التي رأوها.


الفِرَق الثلاث
صورةصورة

صورة

وتأتي مباشرة بعد قصة موسى مع بني إسرائيل قصة أصحاب السبت الآيات (163 - 167): وملخصها أن بعض بني إسرائيل احتالوا على شرع الله فارتكبوا جرماً شديداً وهو الصيد في اليوم الذي حرّم الله عليهم العمل فيه (يوم السبت) فاختبرهم الله بإرسال السمك يوم السبت أمام أعينهم بكثرة.. فتحايلوا على الأمر وأخذوا يضعون الشباك في الجمعة ليلاً ويجمعون ما فيها صباح الأحد. فبدأ بعض المؤمنين الإيجابيين في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، حتى يكون لهم حجة عند لقاء الله بأنهم حاولوا الإصلاح، والهداية تأتي من الله.
أما بعض المؤمنين فقد وقفوا موقفاً سلبياً بل أخذوا يعتبون على الذين كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ]وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ٱلله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ[ (164).
أصبح هناك فرقة عاصية وفرقة إيجابية قامت بواجب الإصلاح وفرقة سلبية لم تتحرك ولم تصلح، فماذا كان مصير كل واحدة من هؤلاء؟



نجاة.. وعذاب.. وإهمال
صورةصورة

صورة

لم يستجب أصحاب السبت لنصح المؤمنين فأنزل الله بهم العقوبة: ]فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوء وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ[ (165).
الفرقة الإيجابية أنجاها الله تعالى من العذاب، والفرقة العاصية أخذها الله تعالى بعذاب بئيس أما الفرقة السلبية التي آثرت موقف المشاهد المتفرج، فقد أهمل القرآن ذكرها واختلف العلماء في ذلك.
- فمنهم من قال أنهم لم يستحقوا أن يذكروا لأنهم كانوا سلبيين فلم يذكر الله لهم مصيراً وسيماهم يوم القيامة كيف يشاء...
- والرأي الثاني يرى أنهم قد دخلوا مع الظالمين وهم معنيون بقوله تعالى ]وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ[ فهم والذين اقترفوا المعاصي سواء في هذا الحكم، لأنهم بقوا حياديين حيال المعصية وسكتوا عنها فأصبحوا بذلك عصاة...


منهم الصالحون ومنهم دون ذلك
صورةصورة
صورة

ومن روعة القرآن أنه لا يحكي قصة لمجرد القصص، بل يختمها بعبرة وعظة حتى يرسخ في ذهن القارئ المعنى المراد من القصة. لذلك كان التعقيب على قصة موسى وأصحاب السبت واضحاً في بيان عبرة القصة:
]وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِي ٱلاْرْضِ أُمَمًا مّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ...[ (168).
هذا كان حال الجيل الأول من بني إسرائيل الذي تاه وتفرق في الأرض: منهم صالحون ومنهم دون ذلك، لكن الجيل الثاني كان فيه أناس سلبيون مترددون ]فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَـٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلاْدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ...[ (169).
وبالمقابل، تختم الآيات بمثال رائع لنقتدي به في أخذ أوامر الدين بقوة:
]وَٱلَّذِينَ يُمَسّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ[ (170).
لاحظ كلمة (يمسِّكون) كيف أنها تدل على تمسّك شديد بأوامر الله وخاصة الصلاة، هؤلاء ينالون شرفاً من الله أنهم مصلحون وليسوا مجرد صالحين لأنفسهم، إنهم إيجابيون مصلحون لمجتمعهم وبلدهم وأمتهم.



كيف لا تحسم وفطرتك شهدت؟
صورةصورة


ترجع بنا الآيات بعد ذلك إلى زمن بعيد، في عالم الذر، عندما أشهدنا الله على أنفسنا بربوبيته وعظمته.
]وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ[ (172).
فكيف لا نتحرك في نصرة ديننا والله قد أخذ علينا العهد من بداية الخلق، وقبل أن نأتي إلى هذه الدنيا، أن نكون مع الحق وأهله. إن حب الدين والإنماء له فطرة ربانية من عند الله، فلماذا ينسى بعض الناس هذا العهد وهذه الفطرة الربانية؟


مرض الغفلة
صورةصورة

صورة

الآية السابقة تجيب بوضوح ]أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ[ (172)، إنها الغفلة، أخطر مرض قد يؤدي إلى برود الحماسة للحق والتردد في نصرة الدين. فما هي عوارض هذا المرض؟ إسمع الآية 179:
]وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَٱلانْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ[... فالغفلة هي السبب الأساسي وراء كل تردّد وعدم حسم، لذلك كانت آخر وصية لنبي الله قبل ختام السورة (ومع أنه الرسول المعصوم r):
]وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوّ وَٱلاْصَالِ وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ[ (205).
فحري بنا، أتباع النبي r، أن نتدارك هذا المرض ونداويه، بالذكر والتضرع إلى الله، وبقراءة سورة الأعراف وفهم معانيها.

فمثله كمثل الكلب
صورةصورة

وتقوم السورة قبل ختامها بحشد عدد كبير من الأمثال والآيات لتخدم نفس المعنى وتحذِّر المؤمنين من الغفلة وعدم الحسم مع شرع الله ودينه، فيأتي مثال رهيب:
]وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِى ءاتَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ & وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلاْرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث...[ (175-176).
مثال رهيب عن من آتاه الله آياته وهدايته، فانسلخ منها كما تنسلخ الحية من جلدها. ولو أنه بقي على تديّنه لأعزّه الله ورفعه، لكنه آثر الدناءة. فهو كالكلب يتعب ويلهث سواء أكان حاله الغفلة أم المعرفة. مثال رهيب لا بد أن يوقظ كل نائم وكل غافل.

اسجدها... بهذا المعنى
صورةصورة

صورة

وأجمل ختام للسورة آية فيها سجدة. وهي أول سجدة في المصحف، حتى نذكر الحزم والحسم والعزيمة.. نذكر سجدة السحرة الذين تحدّوا فرعون بجبروته وظلمه. كما أن الآية تدعونا إلى إظهار الخضوع لله تعالى بشكل عملي لأنّ حركة السجود تنبّه النفس للتطبيق فتزداد استعداداً لحسم موقفها في الحياة.
بهذا المعنى نسجدها: ]إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ[ (206).






صورةصورة
يتبع بإذن الله تعالى .. مع مقاصد سورة (الأنفال)
صورة


تم التعديل بواسطة ام صفى الله, 15 January 2010 - 07:29 AM.


#36 amina21

amina21

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 8 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 27 January 2010 - 03:23 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صورة


   المقاصد النورانية للقرءان الكريم

( سورة الأنفال)صورة


      

  

صورة

قوانين النصر مادية وربانية
  (تلك عشره كامله)  


   صورة

  

    تنتهي سورة الأعراف لتبدأ سورة الأنفال فما معنى كلمة الأنفال ؟

      الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نـزلت في قصة بدر أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، .فحصل بين بعض المسلمين فيها نـزاع، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها، فأنـزل اللّه يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال كيف تقسم وعلى من تقسم؟

      قال ابن عباس نزلت سورة الأنفال في بدر وعن أبي أمامة قال سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة حتى إذا كان الليل قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن نفينا عنه العدو وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فساءت فيه أخلاق فانتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين ونزلت يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول الآية))، قال الترمذي حديث حسن.

      سورة الأنفال (مدنيّة)، نزلت بعد سورة البقرة، وهي في ترتيب المصحف بعد سورة الأعراف، وعدد آياتها خمس وسبعون آية.


   يوم الفرقان
صورة


  

  وقد أنزلت هذه السورة بعد غزوة بدر للتعقيب عليها (لذلك سماها بعض العلماء سورة بدر). وغزوة بدر هي أول معركة في الإسلام، وسماها الله تعالى في هذه السورة بيوم الفرقان، لأنه اليوم الذي فرّق الله به بين الحق والباطل، يوم يمثل فرقاً بين عهدين في تاريخ البشرية: عهد كان الإسلام فيه مستضعفاً وعهد سيكون فيه الإسلام قوياً وله أمة قوية تدافع عنه إلى يومنا هذا. لقد كان يوماً عظيماً في تاريخ البشرية، لذلك نزلت السورة كلها للتعقيب على ذلك اليوم.

         ولو كان النصر يقاس بالمقاييس المادية، فإن المسلمين لم يكونوا لينتصروا في ذلك اليوم، لأن عدد المسلمين كان ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ولم يكونوا مهيئين نفسياً أو مجهزين عتاداً للقتال، في حين كان عدد الكفار ما يقرب من ألف مقاتل كامل الجهوزية للحرب.
   والجدير بالذكر أنه كان مع المسلمين في هذه المعركة فرسٌ واحد، في حين كان مع المشركين ثلاثمائة فرس. فبالمقاييس المادية كان من المستحيل أن ينتصر المسلمين في هذه المعركة.


سيئات الأبرار
صورة

  

  الأنفال معناها الغنائم، وقد سميت السورة باسم هذه الغنائم - الأنفال -. وللصحابة تعليق لطيف على سورة الأنفال، فإنهم يقولون: فينا نحن معشر أصحاب رسول الله نزلت سورة الأنفال، حين اختلفنا على النفل وساءت فيه أخلاقنا. وليس سوء الخلق الذي يتحدثون عنه هو الذي نعرفه اليوم، ولكن عبروا عن اختلافهم بذلك لعظيم أدبهم وتواضعهم.

  

  صورة

صورة

  

  إن السورة تتحدث عن القوانين التي يعتمد عليها النصر، وهذا مناسب لجو السورة وسبب نزولها. فبعد أن انتصر المسلمون في بدر نزلت السورة لترسخ للمسلمين الأسباب الكونية للنصر، فهو لا يأتي من قبيل الصدفة ولا العبث، وإنما للنصر قوانين مادية وقوانين ربانية.

      صورةوهذا يعني أن للنصر سببين هامين:

      1. اليقين بأن النصر من عند الله عز وجل ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[ (101).

   2. الأخذ بالأسباب والسعي الجدي لتقريب موازين القوى مع الأعداء، بل والتفوق عليها إن كان ذلك ممكناً، ووضع الخطط والدراسات وكل ما له تأثير مادي على النصر.
   فهذه السورة تحقق مفهوم التوكل على الله، بأن نوقن بأن الله هو الناصر، وأن نبذل كل جهد ممكن لتحقيق هذا النصر من طاقة مادية. ولذلك فإن السورة قد تضمنت قول الله تعالى: ]ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱلله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ[ (53). فالآية تشير إلى أن الفعل في التأثير ليس إلا لله الواحد، ولكن بشرط أن تأخذ بالأسباب ما أمكن. فيجب أن ندرك أن النصر بين أمرين: جهد البشر وعمل القدر - تدبير الله تعالى -.

بعض الناس يظنون أن النصر معجزة ربانية فقط، فتراهم يدعون الله لينصرهم وبعد ذلك يتساءلون عن سبب تأخير النصر. فهم حقيقة لم يفهموا أن هناك أسباباً مادية ينبغي الأخذ بها من تخطيط وجهد وبذل. فلا يكفي الدعاء واللجوء إلى الله مع ترك الأخذ بالأسباب، لأننا بذلك نكون مقصرين في فهمنا لطبيعة ديننا ولسنن الله في هذه الأرض.

    وبالمقابل، هناك نوع آخر من الناس يأخذون بالأسباب كلها من وضع الخطط والدراسات وجهد بالليل والنهار وبعد ذلك حين يريدون المقابلة والمقارنة مع قوة الكفار يجدون أنفسهم ضعفاء للغاية، فيظنون أنهم عاجزون عن فعل أي شيء والسبب في ذلك أنهم اعتمدوا على الأسباب المادية فقط ونسوا أن النصر من عند الله.

   فالسورة ترشدنا إلى التوازن بين هذين النقيضين: أن نؤمن بتدبير الله أولاً، وأن نبحث عن الشروط المادية لتحقيق النصر.

  

النصر من عند الله
صورة




  تبدأ السورة بسؤال:]يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ[ (1)، أي يسألون عن كيفية تقسيم الغنائم.

   ]يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ قُلِ ٱلانفَالُ لله وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱلله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱلله وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ[ (1).
   وتنتقل الآيات بعد ذلك إلى سرد صفات المؤمنين: ]إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱلله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...[ (2). واللطيف أن الجواب على سؤالهم عن تقسيم الغنائم لم يأت بعد السؤال مباشرةً، إنما جاء الجواب في الآية الواحدة والأربعين أي بعد أربعين آية من السؤال: ]وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ لله خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ...[.
   وسبب تأخير الإجابة أنهم حين سألوا السؤال كانوا يريدون المكافأة الدنيوية على النصر، والله علمهم أن النصر أولاً وآخراً هو بتقديره ومن عنده سبحانه وتعالى.
   فكان الجواب المبدئي على سؤالهم: ]قُلِ ٱلانفَالُ لله وَٱلرَّسُولِ[ (1)، وليس لكم منها شيء، وذلك من لطف القرآن في التربية في صرف أنظارهم عن الأنفال لترسيخ قوانين النصر أولاً، ثم بعد ذلك تمّ شرح كيفية توزيع الغنائم إلى أن قال لهم في آخر السورة ]فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيّباً[ (69). فالله تعالى رسّخ ما هو أهم وبيّن أن مسألة تقسيم الأنفال هي مسألة فرعية لأنها من المسائل الدنيوية.
  
   إن السورة تنقسم إلى نصفين: النصف الأول يركّز بشدة على أن منزّل النصر هو الله تعالى. والنصف الثاني يتحدث عن الأسباب المادية التي ينبغي الأخذ بها حتى ينزل النصر علينا.

        

القسم الأول
صورة


صورة

صورةوهو يظهر منة الله تعالى وفضله على المؤمنين بالنصر، وذلك من خلال:

   1. ترتيب المعركة

   قال تعالى: ]كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ[ (5).
   فالكثير من المؤمنين لم يكونوا يريدون القتال، لكن الله تعالى دبّر ذلك ليحقّ الحق:
   ]وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱلله إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱلله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ & لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ[ (7-8).
   إن هذه الآيات لهي غايةٌ في الوضوح، فترتيب المعركة ابتداءً كان بتقدير الله عز وجل.

   2. الإعداد النفسي للمعركة

   يقول الله تعالى: ]إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مّنْهُ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلاْقْدَامَ[ (11).
   فأنامهم قبل المعركة وبعد أن استيقظوا من نومهم أنزل عليهم من السماء رذاذاً من المطر لكي يغتسلوا ويتوضأوا ويتنشطوا للقتال. فحتى الإعداد النفسي كان بتقدير من الله عز وجل.
   أحد الصحابة يصف هذا الموقف فيقول بأنه حين كان يحرس المسلمين غلب عليه النعاس فنظر فإذا جميع الصحابة يغطون في النوم على الرغم من الخوف الشديد والرهبة التي كانت تحف الموقف، وذلك كله بتقدير من الله تعالى.

   3. التجهيز المعنوي للجيش

   وليس الإعداد النفسي وترتيب المعركة كانا من الله وحسب، بل إن الحالة النفسية - والتي ينفق الجيوش عليها مبالغ طائلة - كانت أيضاً بتدبيره سبحانه.
   إن التجهيز المعنوي الرباني للمسلمين في غزوة بدر يتجلى في قوله تعالى: ]إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱلله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلاْمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱلله سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ[ (43) ]وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ...[ (44).
   فكان المسلمون يرون الكفار قليلاً فلا يخافون وكان المشركون يرون المسلمون قليلاً فيستهترون. نفس الرؤية ونفس المنظر كانا لهما في وقع كل طرف أثر مختلف. فسبحان من يخرج النصر ويهيّء له ويعين عليه.

   4. نزول الملائكة

   وهذا واضح في قوله تعالى: ]إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ[ (9).
   وكذلك قوله: ]إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ[ (12).


     فمن الذي فعل كل هذا، من هو المالك للأرض الذي يفعل ما يشاء؟ وكيف لا يثق الإنسان بربه وأن النصر من عنده تعالى؟ وكيف يثق المرء بغير الله؟ وكيف يعتمد على غيره؟

   5. مكان المعركة وزمانها

   تنتقل الآيات إلى ما هو أبعد من العوامل النفسية، فحتى مكان المعركة كان بترتيب من الله فالآية 42 تقول: ]إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَـٰدِ[(42).
   فالعدوة الدنيا - حيث كان المسلمون - تتمتع بنوعية خاصة من التراب حيث أن المطر كان عند نزوله يثبّت الرمال تحت أقدام المسلمين مما يسهل حركتهم، وأما في العدوة القصوى فكان المطر يسبب سيولاً عند نزوله مما يعيق حركة جنود الكفار وفرسانهم. إنها قدرة الله تعالى مقدّر النصر وناصر المؤمنين.

   6. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱلله قَتَلَهُمْ)

   وتتتابع الآيات ونصل إلى قوله تعالى: ]فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱلله قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱلله رَمَىٰ[ (17). هذه الآية توضح نتيجة المعركة وخط سيرها حتى عند رمي النبي للتراب في وجوههم وقوله "شاهت الوجوه".
   لذلك تؤكد الآيات على ضرورة طلب النصر من الله ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[ (10)، ولهذا كان النبي r يوم غزوة بدر يدعو ويدعو حتى ظهر بياض إبطيه ووقع الرداء عن ظهره r، فكان أبو بكر رضي الله عنه يقول له هوّن عليك يا رسول الله.
   لأن النصر من عند الله فلا بد أن نستجيب لنداء الله تعالى:]يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[ (24).



#37 amina21

amina21

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 8 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 27 January 2010 - 03:26 PM

القسم الثاني
صورة

صورة


  

  1. أهمية الأخذ بالأسباب وأثر ذلك على النصر:


   يقول الله تعالى:
]وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ[ (60). إن هذه الآية واضحة جداً في بيان هذا المعنى، فنفس السورة التي تؤكد أن النصر هو من عند الله تعالى وحده، تؤكد أيضاً ضرورة الأخذ بالأسباب. فالتخطيط إلى جانب اللجوء إلى الله هما السببان الرئيسيان في النصر، وهذه السورة تتحدث عن موازين القوى، وتشير إلى أن المعارك لا يجدي بها أن يقوم فرد ليقاتل منفرداً وينتصر على الجيوش الجرارة بحجة أن الله تعالى يقول: ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[ (10). إن هذا فهم خاطئ وناقص لدين الله تعالى وسننه التي يدير بها الكون.
   والملاحظ أن الإرهاب الذي ذكر في الآية يهدف إلى منع القتال لا إلى سفك الدماء. فالمطلوب هو أن تكون للمسلمين قوة رادعة ترهب أعداءهم فتكون النتيجة وقف القتال. حتى في الحرب نرى الإسلام يدعو إلى السلم (عكس ما يعتقد الكثيرون عن هذا الدين). فالآية تقول بعد ذلك: ]وَءاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱلله يَعْلَمُهُمْ[ (60)، فهي تشمل إظهار قوة المسلمين أمام كل أعدائهم لردعهم عن القتال. لذلك تأتي الآية التي بعدها مباشرة لتقول:
   ]وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلله...[ (61).

      2. موازين القوى المادية:

  

صورة

صحيح أن الله يؤيد بنصره من يشاء لكن لا بد من مراعاة موازين القوة والأخذ بالأسباب المادية حتى لا يقول بعض الناس: هناك تأييد رباني بالملائكة فلم الإعداد؟ يقول تعالى:
]يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ[ (65) ]ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱلله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱلله وَٱلله مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[(66).

   فقوله: ]بِإِذْنِ ٱلله[ فيه إشارة إلى أن الله تعالى هو الناصر وهو الذي يؤيد بنصره من يشاء، وقوله تعالى: ]وَٱلله مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[إشارة إلى أنه لا بد من الصبر لتحقيق النصر. فسبحان من جمع بين السببين في سورة واحدة.

      3. فقه قوانين الحرب:

   وتشير الآيات بعد ذلك إلى سبب من أسباب هزيمة المشركين في المعركة، فإضافة إلى كونهم كفار فهم لم يأخذوا بالأسباب المادية التي تجعل النصر حليفهم، وقد أشارت إلى ذلك الآية (65): ]... وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ[ أي لا يفقهون الأسباب التي تجعل النصر حليفهم ولا يملكون الحنكة والتخطيط الحربي. يا مسلمون، تعلموا من سورة الأنفال سنن الله تعالى وقوانينه وافقهوا الأسباب المادية للنصر.
  
   4. طاعة الله والأخوة في الله:

صورة


   وتبيّن الآيات بعد ذلك أن هناك سبباً دنيوياً ينبغي تحقيقه ليتحقق النصر، وتوضح ذلك الآية (46): ]وَأَطِيعُواْ ٱلله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ إِنَّ ٱلله مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ[.
   فالتكاتف وترك التنازع من أهم قوانين وأسباب النصر.

      ويقول تعالى: ]وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱلله هُوَ ٱلَّذِى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ & وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱلله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ[ (62-63). فالأخوة هي من الأسباب الرئيسية حتى يحصل هذا النصر للمؤمنين.
  
   5. ترك الرياء والعجب

   وذلك واضح في قوله تعالى: ]وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَراً وَرِئَاء ٱلنَّاسِ...[ (47) فهذا عامل مادي آخر إضافي أدى لهزيمة المشركين عندما نحروا الإبل وسكروا وأقاموا الاحتفالات قبل موعد المعركة زهواً ليخيفوا كل العرب، فكان عجبهم بنفسهم سبباً في استخفافهم بعدوهم.

            6. صفات المؤمنين إيجابية وعملية:

صورة

   ونجد آيات كثيرة في هذه السورة توفِّق بين مفهوم التوكّل ومفهوم الأخذ بالأسباب، ولذلك نلاحظ معلومة هامة للغاية، فبداية السورة تذكر صفات المؤمنين وبعد ذكر هذه الصفات يقول تعالى: ]أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً[ وفي آخر السورة أيضاً يذكر تعالى صفات المؤمنين في الآية (74) ويعقب عليها بقوله سبحانه وتعالى: ]أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً[. نفس الكلمات جاءت في أول السورة وفي آخرها مع أنه يوجد فارق في تصنيف هذه الصفات وحقيقتها.
   فالصفات التي ذكرت في أول السورة كلها صفات إيمانية، وهي تناسب قوله تعالى: ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[. فيقول تعالى: ]إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱلله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ[ (2). فهي صفات إيمانية رقيقة، لأن هذا الجزء من السورة يختص بالجانب الإيماني من أسباب النصر.

      وفي آخر السورة - وهو الجزء الثاني والمادي من أسباب النصر والمختص بالأخذ بالأسباب - جاءت صفات المؤمنين بأنهم: ]... ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَـٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱلله وَٱلَّذِينَ ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً[ (74) فالمؤمنون حقاً هم الذين يجمعون بين الصفات الواردة في أول السورة وآخرها، فهم خاشعون لله عباداً له ومجاهدون في سبيله وناصرون لدينه يعيشون لأجل الإسلام ويأخذون بالأسباب المادية. ولذلك كانت الآية المحورية في السورة هي قوله تعالى: ]يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱلله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ (45) فأسباب النصر جاءت مجموعة في هذه الآية، فالأمر بالثبات في قوله: ]فَٱثْبُتُواْ[ هو من الأخذ بالأسباب، والأمر بالذكر في قوله: ]وَٱذْكُرُواْ ٱلله كَثِيراً[ هو من اللجوء إلى الله صانع النصر، وختام الآية: ]لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ[ فالفلاح يكون نزول النصر. وهذه القوانين ثابتة على مر العصور، وهذا واضح في تكرار قوله تعالى: ]كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ[ (52) مرتين للتأكيد على هذا المعنى. فالآية توضِّح أن سبب الهلاك كان كفرهم بالله (السبب الرباني) بينما الآية (54) توضِّح السبب المادي لهلاكهم: الظلم ]وَكُلٌّ كَانُواْ ظَـٰلِمِينَ[.

  

لماذا سميت السورة بالأنفال
صورة

  إن الأنفال وهي الغنائم هي إشارة للدنيا، والواقع أن المسلمين بعد غزوة بدر اختلفوا ودبت بينهم الشحناء وكادت الأخوة أن تضيع بسبب الدنيا. فالله تعالى من خلال هذه السورة يحذِّر المؤمنين من التنافس على الدنيا فتكون بذلك سبباً للفرقة وضياع الأخوة بين المؤمنين، مما يضيع اكتمال الأسباب المادية والربانية ويسبِّب الهزيمة. لذلك الآيات أمرتهم بإهمال الأنفال تماماً ]قُلِ ٱلانفَالُ لله وَٱلرَّسُولِ[ حتى ترسخ أسباب النصر عندهم. فلما رسخ المعنى قسمها في الآية (41) إلى أن نصل إلى الآية (69) لتوضح أن مسألة الأنفال فرعية وتحل لهم ما أخذوا: ]فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيّباً...[.
   وأسباب النصر كما ذكرنا هي لجوء إلى الله واخذٌ بالأسباب، ومن الأخذ بالأسباب الأخوة الشديدة ووحدة الصف، فلو ضاعت الأخوة وحلّت الفرقة فإن الهزيمة قادمة لا محالة. فسميت السورة بالأنفال حتى تذكرنا بما يسبب الهزيمة.

نسخ أحكام الميراث
صورة

  وأخيراً ختمت السورة بنسخ حكم الميراث الذي كان متعاملاً به بين الصحابة وهو أن الأخ يرث أخاه في الله. فجاءت الآية في ختام السورة لتقول: ]وَأُوْلُواْ ٱلارْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَـٰبِ ٱلله[ (75) فالتوارث بين المتآخين كان مرحلة مؤقتة قبل غزوة بدر لتعميق معاني الأخوة بين المؤمنين، فلما جاء النصر وكانت الأخوة من أسبابه تحقق انصهار المجتمع لأن النصر يصلح مشاكل نفسية كثيرة في المجتمعات.
   هذه سورة الأنفال. فلنحرص جميعاً على فهم قوانين النصر حتى يؤيد الله تعالى هذه الأمة. فلنلجأ إلى الله ولنثق بأنه صانع النصر: ]وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱلله[، ولنأخذ بالأسباب المادية من طلبٍ للعلم وتفوق في حياتنا الاجتماعية والعملية مع الحذر من التعلق بالدنيا وزينتها "الأنفال" حتى يستجيب الله دعاءنا ويعيد العز لهذه الأمة.

صورة

    

تلك عشره كاملةصورة

    

أرأيت كيف تتكامل هذه السور في رسائلها لتكون سلسلة واحدة متماسكة في موضوعاتها؟

  لذلك بعد أن وضحت معالم المنهج، تأتي الأجزاء العشرة التالية لتقدّم لنا عوامل مساعدة على تحقيق المنهج، ومنها:

   -   التوبة. فى سوره التوبه  
   -   استشعار نعم الله تعالى (سورة النحل)، والتي من أهمها نعمة الإيمان (سورة إبراهيم).
   -   الاعتدال والوسطية في الدعوة إلى المنهج   (سورة هود).
   -   الصبر والأمل بنصر الله    (سورة يوسف).
   بعد أن فهمنا أين نحن من تدبّر آيات ربنا، تعالوا إلى الأجزاء العشرة التالية من القرآن، وإلى المزيد من روائع القرآن وإعجازه.

صورة



#38 amina21

amina21

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 8 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 27 January 2010 - 03:33 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صورة


المقاصد النورانية  للقرءان الكريم


سورة التوبةصورة
صورة


صورة




تميز السورة باسميها الشهيرين (التوبة و براءة ) ، ولها أسماء أخرى تقارب الخمسة عشر اسما تعتبر علامات مميزه للسورة، فقد نزلت لتضع حداً فاصلاً بين عهد النبوة بشقيه المكي والمدني، وما بعده، لينبثق من خلال آياتها؛ كيفية تعلم المسلمين في العهد المكي الصبر الجميل، وكيف ترسخ لديهم مفهوم الثبات على العقيدة، ومن ثم كيفية تحمل مشاق الدعوة في العهد المدني الحافل بمؤامرات ودسائس وعداوة اليهود، إضافة إلى أعباء الجهاد، فكان لا بد من أن تتبلور الصورة لمواجهة كل ذلك حباً في الله، وطلباً لمرضاته، وخاصة مع ظهور فئة المنافقين الحاقدة، الذين كانوا أشد الحلقات خطورة وصعوبة على المسلمين، فكانت سورة التوبة جامعة للدروس التي تبين كيفية التعامل مع الفئات الثلاث الحاقدة، وخاصة المنافقين. لتفضح سريرتهم، وتقشقشهم، وتدمدم عليهم، وتحفر على أساساتهم، وتشدد علي قلوبهم وتشردهم، وتنقر على رؤوسهم، لتظهر صورتهم الحقيقية وتبين كيفية درء مخاطرهم.



صورة



إن  للسورة أسماء عديدة، ذكر ها ابن الجوزي في زاد المسير فقال: (ولها تسعة أسماء أحدها  سورة التوبة) والثاني: براءة؛ وهذان مشهوران بين الناس والثالث :  سورة العذاب؛ قاله حذيفة والرابع: المقشقشة، قاله ابن عمر والخامس:  سورة البحوث، لأنها بحثت في سرائر المنافقين، قاله المقداد ابن الأسود  والسادس: الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، قاله ابن عباس . والسابع:  المبعثرة، لأنها بعثرت أخبار الناس، وكشفت عن سرائرهم، قاله الحارث بن يزيد  والثامن: المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين ومثالبهم، قاله قتادة  والتاسع : الحافرة، لأنها حفرت عن قلوب المنافقين ) وزاد السيوطي في الإتقان  فقال :
والمَنقِّرة نقرت في قلوب المشركين ، فأرعبتهم . وقال فيه : هي إلى العذاب أقرب ما كادت تقلع عن الناس، حتى ما كادت تبقي منهم أحدا إضافة إلى أسماء أخرى متعددة صاحبت السورة .



سبب تسميتها بسورة  التوبة
صورة



حيث  رغب الله عز وجل فيها الى التوبة لعباده جميعاً بكل أشكالهم في قوله تعالى
(فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).

وقالها للذين تبرأ منهم وهم المشركون والمنافقون فى قوله عز وجل ( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ۗ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) فما بالكم بمن هم دونهم من العصاة وأهل الذنوب، حيث ختمت السورة بقصة الثلاثة الذين ُ خلُِّفوا، ليظهر فضل الله تعالى في توبته عليهم ويظهر اسم الله التواب في آخر السورة ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (118)


أما براءة

صورة


هي العنوان السياسي للسورة، سميت بهذا الاسم العظيم، لأن الله جل في علاه بدأ السورة بإعلان سياسي شديد اللهجة، أمر فيه بقطع العلاقات مع المشركين، ليضفي مهابة على افتتاحية السورة، فقال جل في علاه ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ التوبة)) ١ ( فشدة القسوة من شدة العبارة واللهجة، ليستشعر المخاطب بخطورة الإعلان، فالله تعالى لم يبدأ بنفسه، وهو المتبرئ، بل قدم الفعل، ليستبعد السامع أي نوع من الرأفة والرحمة، ولِت ْ ظهِر قسوة البراءة منهم


جو  السورة العام
صورة



لقد كان استعداد المسلمون فى وضوح النهار لغزو الروم وسط اراجيف المنافقين لوضع حد لبقايا الوثنيه فى نفوس البعض ولقوله صلى الله عليه وسلم ( اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) لذا كان افتتاح السورة بإعلان يبث روح القوة في نفوس المؤمنين ويقذف الرعب والوهن والخوف فى قلوب المشركين والمنافقين ولتيم تحديد العلاقة معهم مع اعطائهم فرصه الأمان ..قال الله تعالى: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَ‌ٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ)

صورة

صورة

صورة

في إعلان البراءة ورد عهود الغادرين وقتالهم مع أخذ  الحيطة والحذر منهم وبيان حقيقة نجس المشركين.

صورة

صورة

صورة



فإنه يتضمن تحديد العلاقة مع أهل الكتاب وبيان سبب خطورة اعتقادهم التاريخي والواقعي ومدى انحرافهم عن دينهم ومحاولين بشتى الوسائل طمس دين الله الذى ارتضاه للناس وبيان خطورة التشبه بأهل الكتاب كما فى قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).

صورة


صورة

صورة

الذى يتمحور حول الجهاد وفضله وبيان خطورة المتثاقلين وقعودهم الذي لا يضر إلا بهم لأن نصر الله ورسوله ودينه ليس مرتبط بنصر الناس له وإنما هو ابتلاء من الله وتمحيص فعن أبى هريرة قال :قال صلى الله عليه وسلم : ( مثل المؤمن كمثل الزرع ، لاتزال الريح تميله ولا يزال المؤمن يصيبه البلاء ، ومثل المنافق كمثل شجره الارز لا تهتز حتى تستحصد ) صحيح مسلم وفى حديث اخر عن ابى هريره رضى الله عنه قال قال صلى الله عليه وسلم ( من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبه من النفاق ) صحيح مسلم



صورة

صورة

صورة



   يبين حقيقة الصفقة وأهمية البيعة مع الله، قال الله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ۚ وَذَ‌ٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.. } (التوبة: ١١١ )،


يقول سيد قطب: (يكشف عن حقيقة العلاقة التي تربط المؤمنين بالّله، وعن حقيقة البيع، فمن بايع ووفَّى بما بايع فهو المؤمن الحق الذي تتمثل فيه حقيقة الإيمان) انتهى كلامه ، وخاصة عندما رسخ لعقيدة الولاء والبراء،بالنهي عن الاستغفار للمشركين، وأن استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه ، كان بعلم الله تعالى، فلما تبين لإبراهيم كفر أبيه تبرأ منه. ليكون جو السورة العام بين البراءة والتحذير والوعيد والإمهال  والقتل والقتال والجهاد، يتخلل ذلك جو من الرحمة والتودد والسكينة والأمان والذين آمنوا لإتمام فضله وبيان سروالطمأنينة الناتجة عن توبة الله تعالى على النبي رحمته، وعلى الثلاثة الذين ُ خلِّفو ا، بل إن توبته جل في علاه سبقت توبتهم، قال الله تعالى ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ  لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  )




بعد أن عرفنا الأجواء المحيطة بالسورة فلنبدأ سوياً  لنعلم المقاصد النورانية للسورة
صورة



سورة التوبة (مدنية) نزلت بعد المائدة، وهي  في ترتيب المصحف بعد الأنفال. عدد آياتها 129 آية، وهي آخر سورة كاملة أنزلت على  النبي صلى الله عليه وسلم قبل انتقاله إلى الرفيق  الأعلى.

لقد أنزلت هذه السورة في وقت كان المجتمع  الإسلامي يستعد للخروج برسالة الإسلام من الجزيرة العربية إلى شعوب الأرض  كلها.
أنزلت هذه السورة بعد آخر غزوة للنبي، غزوة تبوك، وكان عدد المسلمين فيها ثلاثين ألفاً. واللطيف أنها جاءت في ترتيب المصحف مباشرة بعد الأنفال التي تحدثت عن غزوة بدر (أولى غزوات النبي) حيث عدد المسلمين فيها 313 شخصاً فقط. ولعل الحكمة هي أن يلاحظ قارئ القرآن الفرق بين ظروف الغزوتين وأحكامهما وطريقة القرآن في التعقيب عليهما. غزوة تبوك كانت من أكثر الغزوات التي ظهر فيها أثر النفاق إذ كان مع الجيش منافقون كثر، وتخلف عنها منافقون كثر كما تخلّف عنها بعض المؤمنين بسبب الكسل. كانت نتيجة الغزوة انتصاراً للمسلمين، وأنزلت هذه السورة للتعليق على كل هذه المواقف.

صورة


صورة


إن سورة التوبة هي السورة الوحيدة  التي لم تبدأ بالبسملة كما هو الحال في كل
سور القرآن. والمسلم عندما يقرأ القرآن ويبتدئ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) يشعر من بداية حرف الباء أنه يعبر خطاً فاصلاً بين وضع سابق ووضع جديد، يشعر أنه داخل على عالم جديد ليترك الدنيا وما فيها ويتوجّه بقلبه لسماع كلام ربه والعيش مع أسماء ربه الحسنى (الرحمن الرحيم).



وسبب غياب البسملة عن أول سورة التوبة - على قول أغلب العلماء - هو أنها أكثر سورة تكلمت عن الكفار والمنافقين، فحرموا من البسملة ومن معاني الرحمة الموجودة فيها، من أولى كلماتها ]بَرَاءةٌ مّنَ  ٱلله وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ[ (1).
ولسورة التوبة أسماء  أخرى، فقد سميت بالفاضحة لأنها  فضحت المشركين، ففيها خمس وخمسين صفة من صفات المنافقين التي كانوا يمارسونها مع  النبي صلى الله عليه وسلم. وسميت بالكاشفة لأنها كشفت عيوب الكفار والمتخاذلين عن نصرة الإسلام، وسميت بسورة السيف لكونها أكثر سور القرآن دعوة للجهاد وتحريضاً على القتال وتحذيراً من القعود والتخاذل. فهي سورة شديدة إذاً، وهنا قد يقول قائل: لماذا سميت بسورة التوبة؟


صورة


إن التوبة بالنسبة لنا هي غاية في رقة العلاقة مع الله، فهي تعني العودة إلى الله تعالى واللجوء إليه والإقلاع عن الذنوب والمعاصي. فما علاقة التوبة بصفات المنافقين والمشركين والحثّ على الجهاد؟
إن هذه السورة هي البلاغ الأخير للبشرية،  وقد أنزلت قبل ختام القرآن ووداع النبي صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من أن السورة قد تضمنت التهديد الشديد للكفار والمنافقين والدعوة الشديدة للمؤمنين إلى الدفاع عن دينهم، لكنها حرصت على إبقاء باب التوبة مفتوحاً لجميع الناس قبل الوداع. فرغم كون السورة تتكلم عن المنافقين والكفار إلا أنها تدعوهم إلى التوبة في مرات عديدة، فنلاحظ تكرار قوله تعالى ]فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ[.

صورة

وإذا بحثنا ورود لفظة (التوبة) ومشتقاتها في هذه السورة وفي القرآن كله، نجد أنها تكررت في هذه السورة سبع عشرة مرة وهي أكثر سور القرآن إيراداً لكلمة (التوبة).
بينما ذكرت في سورة البقرة مثلاً 13 مرة مع أنها أطول سورة في القرآن. وذكرت في سورة آل عمران 3 مرات وفي سورة النساء 12 مرة وفي المائدة 5 مرات وفي هود ستة مرات وفي الأنعام مرة واحدة.



صورة


إذاً أكثر سورة وردت فيها كلمة التوبة هي  السورة التي بين أيدينا. والملفت أنها لم تذكر نوعاً من طوائف المجتمع إلا  وذكرته بالتوبة: الكفار والمشركين والمرتدين والمترددين والمنافقين والعصاة  والمؤمنين الصالحين، حتى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.  فكلما تحدثت السورة عن فئة منهم نراها تذكرهم بالتوبة أو تخبرهم بأن الله تعالى قد  تاب عليهم ]لَقَدْ تَابَ الله... فَإِن  يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ...[  (117-118).

فبالرغم من أن السورة قد فضحت المنافقين إلا أنها توصل لهم رسالة وهي أن كل حيلهم قد كشفت وأصبح المؤمنون يعرفونها فلا سبيل لهم للنجاة إلا بالتوبة. لقد فضحتهم لتلجأهم إلى التوبة.. كمن يبتليه الله ببلاء ليكون سبباً في عودته. فسورة التوبة تشعر المنافقين بأنهم محاصرون ولم يعد لهم من حجة بعد بيان الدين وتوضيحه، فلا منفذ لهم إلا بالتوبة. حتى دعوة المؤمنين إلى القتال، تهدف إلى تسلل اليأس إلى الكفار من القتال والحرب ويتوبوا إلى الله...

علاقتها بالسور التي  قبلها

صورة


عند تقسيم القرآن إلى ثلاثة أقسام نجد أن القسم الأول يشتمل على السور السبع الطوال ويختتم بسورة التوبة. وكأنها جاءت بعد بيان المنهج ووسائل القيام بالمهمة لتفتح باب التوبة والرحمة لمن بدّل أو غيّر أو قصّر في حق الله. ومن اللطيف أنها من أواخر ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، حتى يكون ختام  الوحي وختام نزول القرآن بفتح باب التوبة.. هل استشعرت هذا  المعنى؟

صورة

بعض الناس حين يقرأ هذه السورة يشعر بشدتها على الكفار والمنافقين، والبعض الآخر يقرأها فيشعر برحمة الله الواسعة والتي تتجلى في قبوله التوبة من جميع البشر، وهؤلاء أقرب إلى فهم معاني السورة لأن ما فيها من شدة وتهديد ووعيد إنما هو لحمل الكفار والمنافقين على التوبة.. فحتى فضح المنافقين كان لحملهم على التوبة، وحتى دعوة المؤمنين للقتال جاء لحمل الكفار على التوبة بعد أن يئسوا من القتال..

صورة



صورة



إن السورة تبدأ بداية شديدة وملفتة، فإضافة  إلى كونها لا تبدأ بالبسملة كبقية السور، فإنها تبدأ بكلمة "براءة".. ]بَرَاءةٌ مّنَ ٱلله وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلَّذِينَ  عَاهَدْتُمْ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ *  فَسِيحُواْ فِى ٱلاْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ  مُعْجِزِي ٱلله[ (1-2) بداية شديدة ومهلة محددة.  ثم أذان من الله ورسوله يقرع الآذان: ]وَأَذَانٌ  مّنَ ٱلله وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلاْكْبَرِ أَنَّ ٱلله بَرِىء  مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ[  (3).

لماذا كل هذه  الشدة؟ ]فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ  وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱلله[ (3)، فالتهديد إذاً كان من أجل التوبة لا من أجل  الانتقام والوعيد، كأن "براءة" و"أذان" هما النداء الأخير  للتوبة.


توبة المشركين المحاربين

صورة


وتصل بنا الآيات إلى الآية الخامسة ]فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلاشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ  ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ... كُلَّ مَرْصَدٍ[ ومع ذلك ]فَإِن  تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ  سَبِيلَهُمْ[ فبعد كل هذا الأمر بالقتال جاء التذكير بالتوبة لحثّ الكفار عليها.. فبقدر ما السورة حادة في مواجهتهم بقدر ما هي حريصة على توبتهم وإنابتهم إلى الله..

وبعد ذلك تخبرنا بأنه لا بد أن تقام الحجة  على الكفار وذلك بدعوتهم وبيان الدين لهم قبل قتالهم ]وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ  فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱلله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ...[ (6).

وتتابع الآيات على نفس الوتيرة: تهديد، وفي  نهاية كل تهديد ووعيد وتذكير بالتوبة. فمثلاً في الآية العاشرة يقول تعالى ]لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً  وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ[ ثم تقول  الآية التي بعدها ]فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ  ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدّينِ[. فلم تعفِ عنهم الآيات فحسب بل أوجبت على المؤمنين  محبتهم بعد توبتهم لأنهم قد أصبحوا إخواناً  لنا.



ثم عودة للتهديد في حال إصرار المشركين على القتال في الآيات (12) و(14):  ]وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَـٰنَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فَقَـٰتِلُواْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَـٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ[  و]قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ ٱلله  بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ...[. ثم عودة للتوبة مباشرة في الآية (15): ]... وَيَتُوبُ ٱلله عَلَىٰ مَن يَشَاء...[. إنها قمة في توازن ووسطية الإسلام بين الرحمة  والرفق من جهة، وبين الواقعية والشدة من جهة أخرى.

فإن كان الأمر كذلك بالنسبة للكفار والمنافقين، فما الحكم في المؤمنين الذين قد عصوا ربهم... أيتوب تعالى عليهم أم لا... فإن كان تعالى يقول عن الكفار ]فَإِن  تَابُواْ... فَإِخْوَانُكُمْ فِي ٱلدّينِ[ (11)  فما بالك بمن ارتكب بعض المعاصي من المؤمنين؟

إن سورة التوبة هي من أكثر السور التي تزيد أمل المؤمن ورجاءه برحمة الله تعالى... فإن كان رب العزة بلطفه وإحسانه تعالى قد حثّ الكفار والمنافقين على التوبة وكرّر ذكر كلمة التوبة (17) مرة في السورة، فكيف لا يغفر لمن تاب من المؤمنين العصاة!؟



توبة المؤمنين المتخاذلين عن نصرة  الدين


صورة


نصل إلى الآية (24) التي تخاطب المؤمنين وتحثهم على نصرة دين الله تعالى، فالآية لا تتحدث عن الجهاد بمعنى الحرب فقط بل أن تنصر الدين ويكون أغلى من كل أمور حياتك الدنيوية.

يقول تعالى: ]قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ  وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ... ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ[ (24).

لقد ذكرت الآية ثمانية أمور وكلها مباحة، لكنها حذرت من أن تكون سبباَ في البعد عن الله تعالى وترك الجهاد، وهذا يعني أن يكون أمر الله تعالى أولوية في حياتك وفوق كل رغباتك، وإلا فانتظر عقاب الله والعياذ بالله.


وتنتقل السورة للحديث عن نوع جديد من التوبة، غير التوبة من الذنوب والمعاصي التي نعرفها والتي يقع فيها الناس دائماً (كالنظر إلى الحرام أو تأخير الصلاة). إن السورة تدعو للتوبة من التخاذل عن نصرة الإسلام، وكأنها تشير بأن هذا الفعل الشنيع يحتاج إلى توبة شديدة. فتأتي الآية (38): ]يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱلله ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلاْرْضِ... قَلِيلٌ[ عتاب رقيق تعقبه لهجة قوية في الآية  التي بعدها: ]إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذّبْكُمْ  عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...[ (39) فحذار حذار من الاستبدال، لأن الله تعالى ينصر  دينه وليس بحاجة إلى أحد ]إِلاَّ تَنصُرُوهُ  فَقَدْ نَصَرَهُ ٱلله...[ (40) إلى أن تأتي  الآية بالأمر الشامل الكامل الذي لا يستثني أحداً: ]ٱنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَـٰهِدُواْ  بِأَمْوٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ ٱلله[ (41) فلكي يرتدع الكفار ويلجأوا إلى التوبة لا بد من جهادهم، فكأن جهادك أيها المسلم عون لهم على الرجوع والتوبة، وكأن تخاذل المسلم سبب لتمادي أهل الكفر في غيهم وضلالتهم. فهيا نعمل لديننا ونطرق أبواب الخير لنساعد أنفسنا فننجو ونساعد غيرنا فيتوب.





#39 amina21

amina21

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 8 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 27 January 2010 - 03:43 PM

التوبة من عدم التوكل على  الله

صورة


وخلال الآيات السابقة تتحدث الآيات عن غزوة حنين وكيف أعجب المؤمنون بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئاً، فوقع المسلمون في خطأ الاعتماد على العدد وحده ونسيان أن النصر من عند الله وحده.

]لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱلله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ...  وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ...[  (25).
وهذا الخطأ  لا بد له أيضاً من توبة، فتأتي الآية (27) لتشير إلى ذلك: ]ثُمَّ يَتُوبُ ٱلله مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن  يَشَاء وَٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ[.


التخاذل عن نصرة  الدين

صورة

وبعد ذلك  تنتقل الآيات إلى المتخاذلين عن نصرة الإسلام من المنافقين. فتقول الآية (46):  ]وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ  عُدَّةً وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱلله ٱنبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ[ لو كانت عندهم نية صادقة لتحركوا وأعدوا لهذا  الخروج، ولكن لعدم صدق نيتهم كره الله خروجهم فثبط هممهم ]فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ  ٱلْقَـٰعِدِينَ[.

ألا تؤلمك هذه الكلمة أخي المسلم؟ إذا حرمت من عمل الخير والدعوة فتذكّر أن الله تعالى قد يكون غاضباً منك وكارهاً لعملك... فمن منا يحب أن يكره الله عمله؟ من منا يرضى بأن يكون عبئاً على الدين؟ ]لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ  خَبَالاً[ (47).


  • والآيات تتوالى في  التوبيخ والتقريع:

]وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لّي وَلاَ تَفْتِنّى أَلا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَـٰفِرِينَ[ (49).
]وَيَحْلِفُونَ بِٱلله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم  مّنكُمْ...[ (56).
]لَوْ  يَجِدُونَ مَلْجَئاً أَوْ مَغَـٰرَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ  وَهُمْ يَجْمَحُونَ[  (57).

والآيات (81 - 87) شديدة اللهجة في التهديد، فمثلاً نرى الآية  (86).

]وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءامِنُواْ بِٱلله وَجَـٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ ٱلْقَـٰعِدِينَ[.

فكلمة القاعدين مؤثرة للغاية، فمن يرضى لنفسه أن يبقى قاعداً يشاهد التلفاز ولا يكلّف نفسه عناء أي عمل لنصرة دينه، وقد يكون من المصلّين ومن المثابرين على صلاة الجماعة لكنه سلبي لا يحرّك ساكناً لخدمة الإسلام، فهذا النوع من الناس عليه أن يحذر من الآية (87): ]رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوٰلِفِ وَطُبِعَ  عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ[.





فكيف يستقيم لهم رأي  أو عمل وهم على هذه الحال؟ وانظر إلى الإيجابيين المتحركين.
]لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ جَـٰهَدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ[  (88).


أفراح في جهنم

صورة


في الآية (81): ]فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ  رَسُولِ ٱلله...[ توبيخ شديد. فهي توضح أن  موازين الفرح والحزن غير سوية عندهم. فمن يفرح بالخذلان؟ إنه كمن يفرح بنار جهنم  عقوبة له:
]... وَكَرِهُواْ أَن يُجَـٰهِدُواْ بِأَمْوٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱلله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى ٱلْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ & فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ  كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[  (81 - 82).


دعوة الجميع للتوبة

صورة


كما ذكرنا فان كل  توبيخ في السورة يختتم بدعوة المخاطبين للتوبة، فنرى  مثلاً:
1 - توبة المنافقين  والمرتدين:
]فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذّبْهُمُ ٱلله عَذَابًا أَلِيمًا فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلاْخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِى ٱلاْرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ[ (74).
2 - توبة  المترددين:
]وَءاخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَـٰلِحاً وَءاخَرَ سَيّئاً عَسَى ٱلله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱلله غَفُورٌ رَّحِيمٌ[  (102).
3 - ثم حثّ الجميع على  التوبة:
]أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱلله هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَـٰتِ وَأَنَّ ٱلله هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ[  (104).

إن شروط التوبة  ثلاثة
صورة

-  ندم على الذنب - إقلاع عن الذنب - عزم على عدم العودة

فبادر إليها أخي المسلم، وإياك وتأخيرها  لأن تأخير التوبة وتأجيلها هو بحد نفسه معصية لله  تعالى.
صورة

صورة



وفي مقابل الحديث عن المنافقين تنتقل السورة للكلام على صفات المؤمنين الذين  عقدوا عقد بيع مع الله تعالى: ]إِنَّ ٱلله ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ وَٱلْقُرْءانِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱلله فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ وَذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ[  (111).
إن السياق  القرآني يجعلنا نتشوق لمعرفة صفاتهم، فنقلب الصفحة لنقرأ قوله تعالى: ]ٱلتَّـٰئِبُونَ ٱلْعَـٰبِدُونَ ٱلْحَـٰمِدُونَ ٱلسَّـٰئِحُونَ ٱلركِعُونَ ٱلسَّـٰجِدونَ ٱلاْمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَـٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱلله وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ[ (112).


توبة لصفوة  الأمة
صورة



ومن  جمال التوبة وحب الله لها، ذكر الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم  وصحابته الكرام:
]لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِىّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلاْنصَـٰرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِى سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ[  (117).
فالتوبة - كما يقول العلماء - أول منازل العبودية وآخرها. فبداية الإيمان تكون بالتوبة كما أن التوبة مطلوبة في نهاية الحياة. من هنا نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم : "إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".


توبة أخيرة للثلاثة  المتباطئين
صورة



وأخيراً توبة خاصة بالثلاثة المؤمنين الذين  تخلفوا عن توبة تبوك، فالتقاعس عن نصرة الإسلام - كما أسلفنا - بحاجة إلى  توبة.

]وَعَلَى ٱلثَّلَـٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱلله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ ٱلله هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ[ (118).
لاحظ معي روعة الآية: ]تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ[. فلا بد أن يتوب الله عليك ويهيء لك طريق التوبة، فالهداية من عند الله، وهو وحده المعين عليها. أخي المسلم، الزم دائماً هذا الدعاء: "اللهم تب عليَّ لأتوب".


خير ختام لخير  حياة

صورة
صورة

إن القارئ لسورة التوبة يحس أن فيها براءة وتهديد ووعيد، لكنها تفعل كل ذلك وهي فاتحة ذراعيها للتوبة. ومن لطف القرآن أن الله تعالى لم يغلب اسم الفاضحة على سورة التوبة لأنه يحب الستر. ومن اللطائف الأخرى أنه بالرغم من أن السورة قد حرمت المنافقين من الرحمة في أول السورة (من خلال عدم البدء بالبسملة والبراءة منهم) لكنها أعطت جميع الناس في آخر السورة رحمة مهداة، والمتمثلة في النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين:
]لَقَدْ  جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ  عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ[  (128).

صورة



وهذه الآية  خير ختام للسبع الطوال، وهي أيضاً خير ختام لحياة النبي صلى الله عليه وسلم. فهي آخر سورة أنزلت كاملة على رسول الله. إنها سورة الوداع، وخير وداع في ديننا هو التوبة على كل الناس. فإن أبوا التوبة فإن الآية الأخيرة تقول:
]فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِىَ ٱلله  لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ  ٱلْعَظِيمِ[ (129).

أخي الكريم. إسأل نفسك: هل ستتوب أم لا؟ فإذا كان باب التوبة مفتوحاً لكل فئات الناس ولكل فئات المجتمع مهما تفاوتت درجة قربهم أو بعدهم عن الدين، فكيف يكون حالك وأنت مؤمن ومحب لكتاب الله؟ لذلك فلنعمل للإسلام ولنعش للإسلام ولنحذر التخاذل والقعود عن نصرة الدين، ولنتيقن أن الله تبارك وتعالى يتوب على من يشاء.

من لطائف القرآن صورة


وفي النهاية نشير إلى أن سورتي التوبة والأنفال جاءتا متتاليتين بالإضافة إلى أنهما توافقان الترتيب الزمني لغزوتي بدر وتبوك. فسورة الأنفال تتحدث عن أول غزوة غزاها النبي بينما سورة التوبة تعقّب على آخر غزوة لرسول الله. وقد جاءت السورتان متتاليتين حتى نلاحظ الفرق في المجتمع الإسلامي بين بداية نصرة المسلمين لدينهم ونهاية الانتصار العظيم. فالسورتان تفتحان المجال أمام علماء الاجتماع والباحثين كي يلاحظوا الفروقات بين المجتمعين ويحللوا سنن تطور المجتمعات، وهذا أمر يحتاج من علماء الاجتماع والمحللين والدارسين إلى النظر والتفكير .


صورة


إن الله -تعالى- أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليدل الناس على الإسلام الذي هو أكمل الشرائع، وأمره أن يقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة الله ورسوله.   ولم يؤمر أن ينقب عن قلوبهم ولا أن يشق عن بطونهم، بل تُجرى عليهم أحكام الله في الدنيا إذا دخلوا في دينه، وتجرى أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونياتهم، فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان.     ولهذا قَبِلَ إسلام الأعراب، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وقَبِلَ إسلام المنافقين ظاهراً، وأخبر أنّه لا ينفعهم يوم القيامة شيئاً، وأنّهم في الدرك الأسفل من النار.   فأحكام الله -تعالى- جارية على ما يظهر للعباد ما لم يقم  دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه   

  • فانقسم الناس تجاه دعوته إلى: المؤمنين الصادقين،  والكفار الظاهرين، والمنافقين المستترين، فعامل كلاً بما أظهر .
ثم إن أهل الإيمان انقسموا بحسب تفاوت درجاتهم في  الإيمان والعمل الصالح إلى درجات كما قال –تعالى )ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ}(فاطر: 32{   * حكم من كفر بعد  الإيمان:


وحكم على من  أظهر
   كفره من المنافقين، أو كفر من المسلمين بالقتل كفّاً لشرهم وردعاً لغيرهم؛ فإنّ محاربتهم للإسلام بألسنتهم أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة هذا في القلوب والإيمان، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلوماً، وكان مظهراً لكفره غير كاتم له، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة، ولو تُرك ذلك الزنديق لكان تسليطاً له على المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبّة الله ورسوله.   وأيضاً فإن من سب الله ورسوله، وكفر بهما فقد حارب الله  ورسوله وسعى في الأرض فساداً؛ فجزاؤه القتل حَدّاً.   ولا ريب أن محاربة الزنديق لله ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفساداً ؛ فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم ولا تأتي بقتل من صال على كتاب الله وسنة نبيّه بين أظهر المسلمين وهي من أعظم المفاسد؟.   وبين يديك أخي القارئ الكريم بعض الكلمات في جريمة الردّة تعرض جانباً من نظرة الإسلام إليها وإلى عقوبتها سائلاً الله -تعالى- أن ينفع بها.


#40 amina21

amina21

    زهرة متفتّحة

  • العضوات الجديدات
  • 8 مشاركة

غير متواجدة

نقاط الإعجاب: 0


تاريخ المشاركة 27 January 2010 - 03:53 PM

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المقاصد النورانية للقرءان الكريم

صورة  
سورة يونس

صورة
الايمان بالقضاء والقدر
صورة

تناسب خواتيم التوبة مع فواتح يونس*

في أواخر التوبة قال تعالى: وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون (127) لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128)) وفي بداية يونس (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ (2)). (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ) (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ) ، (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ) (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ).سورة يونس (مكية) نزلت بعد الإسراء، وهي في المصحف بعد التوبة، وعدد آياتها 109 آيات.


هدف السورة
صورة
صورة

  إنَّ هدف سورة يونس هو الإيمان بالقضاء والقدر...
   ففي الحديث أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد أخبرني عن الإيمان، فقال لـه رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره... فالسورة تعالج هذا الركن الأخير من أركان الإيمان.

صورة


      من السور المكية التي تعنى بأصول العقيدة الإسلامية، الإيمان بالله تعالى وبالكتب والرسل والبعث والجزاء وبخاصة الإيمان بالقضاء والقدرفالكثير من الناس مشككين في هذا الأمر ويحتارون ويجادلون في القضاء والقدر وهل الإنسان مسيّر أم مخيّر ويشككون في عدل الله تعالى وحكمته ويسألون أسئلة مشككة فيقولون مثلاً لو هداني الله لاهتديت أو أن الله يعلم المؤمنين من الكافرين في علمه الأزلي فلن يفيد المرء ما يعمل إن كان الله تعالى قد كتبه في النار وهذا كله من ضعف الإيمان ومن التشكيك بأن الله تعالى هو الحكيم العدل وأنه ليس بظلاّم للعبيد. تأتي هذه السورة بآياتها ومعانيها لتثبت حقيقة الأيمان بوحدانية الله جلّ وعلا والإيمان بالقضاء والقدر تارة عن طريق قصص الأنبياء وتارة عن طريق تذكير الله تعالى للناس بقدرته وحكمته وعدله في الكون...

      فهذه هي مشكلة الكثير من الناس،إذ نراهم يتطلَّعون إلى ما بيد غيرهم ويتساءلون:
  
" لماذا فلان لديه كذا وليس أنا"؟!..."لماذا أُصبتُ بهذا المرض من دون الناس كلهم؟!" ماذا جَنَيتُ يا ربي كي تفعل بي كذا وكذا؟!!"وتسأله :" لماذا لا تُصَلّي- مثلاً_؟! فيرد:" لأن الله لم يَهدِني بَعد،و لو وضعني في ظروف مُختلفة لاهتَدَيت"!!!
ولعل هؤلاء لا يعلمون أن الإيمان بالقضاء والقدر جزء من الإيمان بالله تعالى،فلما جاء جبريل عليه السلام إلى النبي وهو جالس إلى أصحابه يسأله عدة أسئلة ليعلِّمَه دينه ، كان احد هذه الأسئلة : ما الإيمان؟" فقال له:" أن تؤمِن باللهِ وملائكته وكُتُبه ورُسُلِهِ ،وتؤمِن بالقضاء خيرِهِ وشَرِّه"
فالذين لا يرضون بقضاء الله فيهم ،يتَّهمون الله تعالى وهم لا يَدرون!!!
فإذا شعرت بالسخط على قضاء الله فيك فاسأل نفسك:" هل الذي قضى عليك هذا الأمر ظالم أو عابث؟ أم رب رحيم حكيم كريم عادل؟!!!"
إن الحِكمة من القضاء الذي أصابك قد تظهر لك ،وقد لا تظهر ،ولكن إذا رسخ في قلبك أن الذي قضاه عليك ملك حكيم عادل لاطمأنَّ قلبُك .
فهذه السورة تتحدث حول هذه المعاني،ولذلك بدأت في أول آية بالحديث عن الحكمة ،ثم تساءلت:"أكان للناسِ عَجَباً أن أوحَينا إلى رَجُلٍ مِنهُم "؟؟!!!هل تتعجبون ،وتستنكرون أن أعطينا الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وليس لغيره؟!!"
إنَّ رضاكم بمن اصطفاه الله للرسالة جزء من إيمانكم بالقضاء والقَدَر.

  تلك آيات الكتاب الحكيم :
  


تساؤلات وتشكيك
صورة

  إن هذه السورة تعالج مشكلة عند أشخاص كثيرين، والتي تتجلى في تساؤلات مثل:
   هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟!
   لماذا هدى الله هذا الشخص إلى الإيمان ولم يهد ذاك؟
   لماذا أنجى الله فلاناً ولم ينج فلان؟!
   ربنا خلقنا ويعلم كيف نتصرف، وفرض علينا ظروفاً هو الذي صنعها، فكيف يحاسبنا يوم القيامة؟
   الله كتب على البعض عدم الهداية، فلماذا السعي إلى العبادة؟ وبعض الناس نسألهم لماذا لا تصلون؟ فيجيبون: حتى يريد الله تعالى.



            طالما أن الله تعالى قد كتب عنده إن كنا من أهل الجنة أو من أهل النار، فلم العمل؟ فمهما فعلنا لن يغيّر هذا من الأمر شيئاً!
   هذه السورة تعلّم قارئ القرآن كيف يرد على هؤلاء الناس المترددين (أو المشككين)، ويطمئن نفسه بالدرجة الأولى. فالبعض قد تصل به الوساوس إلى أن يتخيل أن الله ظلم فلاناً بكتبه من أهل النار (والعياذ بالله).

   ولكي نردّ عليهم لا بد من طرح سؤال: ماذا يكون من يجبر شخصاً على فعل أمر ما ثم يعاقبه عليه؟
   إنه يكون ظالماً وعابثاً بالتأكيد، والله تعالى منزّه عن الظلم والعبث.. لذلك فهذه السورة ترد على هذه الافتراءات بطريقة لم يعهدها الناس من قبل...
  


الحكيم لا يعبث
صورة
صورة

  تعالوا إذاً نعرف صفات ربنا سبحانه وتعالى، فإذا فهمنا أنه حكيم غير ظالم، يريد الحق وليس العبث، فهمنا أنه لا محل للسؤال أصلاً.
   إن أفعال الله تعالى في الكون أفعال حكيم مدبّر، يرحم الناس، وليست أفعال ظالم يجبر الناس على أشياء ليس لهم يد فيها... فلا يصدر عنه سبحانه إلا الحكمة والتدبير والعظمة.
   والسورة تؤكد هذا المعنى بطريقة رائعة، عن طريق التدبر في هذا الكون والتفكر في حكمة الله فيه، حتى نعرف هل يصدر عن الله العبث أم لا؟ إن السورة ستظهر لك أن كل ما في الكون إنما هو من حكمة الله وتدبيره، فمحال أن يصدر عنه العبث سبحانه، فثق بحكمته وتوكل عليه.


        

الكتاب الحكيم
صورة

  فمن أول آيات السورة نلاحظ وضوح المعاني السابقة: ]تِلْكَ ءايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْحَكِيمِ[.
   وللقرآن أوصاف كثيرة فما سر اختيار الحكيم هنا؟ حتى تعلم أن قضاء الله وكلامه لا يصدران إلا عن حكمة بالغة وتدبير محكم.
   وفي الآية الثانية: ]أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ رَجُلٍ مّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ[.
   أي هل تتعجبون من كون الرسالة قد أنزلت على محمد r... فالله تعالى ينزل رسالته على من يشاء وهناك حكمة وتدبير لاختيار الله I للرسول الذي يحمل الرسالة، ولذلك جاء في آية أخرى ]ٱلله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[ (الأنعام، 124).
  

يدبّر الأمر( تدبير الله وحكمته فى الكون ) صورة

  وبعد ذلك تنتقل الآيات للحديث عن ملك الله  للكون وتدبيره في ملكه حتى تشعر بصفاته وتوقن بها وتدفع الظنون والأوهام. ]إِنَّ رَبَّكُمُ ٱلله ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذٰلِكُمُ ٱلله رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ[.

صورة

   وقوله تعالى: ]يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ[ يتكرر كثيراً خلال هذه السورة، حتى نعلم أنه حكيم ومدبر، فكيف نظن العبث يصدر عن حكمته سبحانه؟ كيف نظن الظلم في أفعاله وأنه جعل الإنسان مجبراً على المعصية لأنه كتبه من أهل النار؟
    
تأتي الآيات تستعرض لحكمة الله تعالى في الكون وفي كل ما خلق وتدعونا للتفكر في هذا الكون الذي لم يخلق عبثاً ولا صدفة إنما خلقه الحكيم العدل وإثبات ذلك واضح في تكرار كلمة (الحق) في هذه السورة فقد تكررت في السورة (23 مرة) لأن الحق عكس العبث والصدفة وكل شيء في الكون خلق ويحيا بحكمة الله تعالى لذا علينا أن نسلّم بالله ونتوكل عليه ولا نشكك بقدرته وتدبيره سبحانه. وكذلك ترددت كلمة (يدبر) في السورة كثيراً فكيف نشكك بقضاء الله وقدره (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) آية 53 و (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) آية 55 وكل هذه الآيات تؤكد أن الله حق وأن إدارة هذا الكون حق، وعرّفت الآيات بصفات الإله الحق بذكر آثار قدرته ورحمته الدالة على التدبير الحكيم وأن ما في هذا الكون المنظور هو من آثار القدرة الباهرة التي هي أوضح البراهين على عظمة الله وجلاله وسلطانه.

  

تنبيه للغافلين

صورةلرؤية الصورة كاملةصورة


  
الذين يشككون ولا يؤمنون بالقضاء والقدر فهؤلاء بفقدون الجدية والإيمان الحق (إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) آية 7  والله تعالى لا يظلم الناس ابداً لكن الناس يظلمون أنفسهم نتيجة ذنوبهم ومعاصيهم لأنه حاشا لله أن يظلم أحدا (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) آية 13، 14، و (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) آية 44إذن فليس في الكون صدفة ولا عبث فالحكمة واضحة والحق واضح فلا يجب أن نشكك بالقضاء والقدر والله تعالى لا يظلم أحداً ولا يجبر أحدا على فعل ما لأنه سبحانه لو أجبرنا على أعمالنا لما حاسبنا لذا فالناس مخيّرون في أفعالهم.

  


        

الحق عنوانها
صورة

  ثم تأتي الآية التي بعدها ]إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱلله حَقّا...[. والحق هو نقيض العبث والصدفة، لذلك تكررت كلمة الحق في هذه السورة - التي تتحدث عن التسليم لقضاء الله وقدره - ثلاثاً وعشرين مرة، وهي أعلى نسبة لورود كلمة الحق في القرآن، 23 مرة في سورة عدد آياتها 109، بينما أكثر سورة ذكراً للحق بعد سورة يونس هي سورة آل عمران، 13 مرة في 200 آية، وبهذا يتضح الفرق الواضح في النسبة، لأن سورة يونس تؤكد على ضرورة التسليم لله الحق في قضائه وتدبيره.
   ونتابع مع الآية (4):
   ]إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱلله حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ[.
   فلينظر كل حائر وكل مشكّك إلى ملك الله وليتفكر في تدبيره وإدارته لملكه. فالآية حددت أن سبب تعذيبه لبعض البشر هو كفرهم به تعالى ]... بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ[.
   والآية التي بعدها تلفت نظرك إلى خلقه وتدبيره:
  

ما خلق الله ذلك إلا بالحق
صورة

  ]هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱلله ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ يُفَصّلُ ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ & إِنَّ فِى ٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱلله فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ[ (6).
   إنها دعوة للتفكر في خلق الله I وتدبيره في الليل والنهار... فهل يصدر مثل هذا التدبير إلا عن الحق تبارك وتعالى!... فالذي يدبّر ذلك يستحيل عليه العبث، ويستحيل عليه إدخال الناس النار مجبرين.


        

عن من تصدر هذه التساؤلات؟
صورة

  توضّح الآية السابعة من السورة نوع الناس الذين يعتقدون مثل هذه المعتقدات الباطلة في حق الله: ]إَنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ ءايَـٰتِنَا غَـٰفِلُونَ & أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[.
   وهذه ملحوظة مهمة أتت بها السورة: فمن الذي يطرح هذه الأسئلة ويشكك في حكمة الله؟ إنهم غير المتدينين والبعيدين عن طاعة الله، وهم يطرحون أسئلة كهذه ليريحوا أنفسهم. ولم نسمع يوماً بشخص متديّن ينفّذ الطاعات ويشكّك بأن الله تعالى أجبره على الطاعة، لذلك فالمتدينون لا يطرحون أبداً مثل هذه الأسئلة.. والآية السابقة تبيّن لنا أن أصل المرض الذي أصاب هؤلاء هو الغفلة عن آيات الله وعدم استشعار حكمته في أوضح صورها.
  

حكمة الله في أفعاله
صورة

   وتستمر الآيات لتؤكد على نفس المعنى: الله تعالى لا يصدر عنه العبث، فكل أفعاله حكمة..
   ]قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلاْرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلاْبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَىّ وَمَن يُدَبّرُ ٱلاْمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱلله[ (31) فلماذا الشك والريبة ما دمتم تقرون بأن الله يدبر الأمر؟

صورة

   ]فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ[ اتقوا الله فيما تقولون... ونعود لنسمع كلمات ]ٱلْحَقُّ[ و]حَقَّتْ[ لتزيد من طمأنة قلوبنا: ]فَذَلِكُمُ ٱلله رَبُّكُمُ ٱلْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ & كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ[ (32-33).
   وبعد ذلك يقول الله تبارك وتعالى: ]قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ قُلِ ٱلله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[ (34).
   فيا من تتهمون الله بتدبيره... أين التسليم لله، كيف تحكمون! بأي طريقة تفكرون وأنتم تعيشون في هذا الكون... اسمع هذا القسم الرائع من جبار السماوات والأرض:
   ]وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ[ (53).
   وبعد ذلك يقول عز وجل : ]أَلا إِنَّ لله مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ ٱلله حَقٌّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ[ (55).
   حشد هائل من الآيات يصب في نفس المعنى ويركز على نفس المحور ليزيل من القلب أي شبهة وتساؤل.