اذهبي الى المحتوى
كلمة كشجرة

الإعجاز اللغوي و البياني في القرآن الكريم

المشاركات التي تم ترشيحها

الرسم القرآني وأسراره

 

 

 

إعداد المهندس/ محمد شملول (مهندس مدني وكاتب إسلامي مصري)

﴿﴾﴿حم{1} والكتاب المبين{2} إنا أنزلناه في ليلة مباركة{3}﴾ فَوضِعَ في بيت العزة في السماء الدنيا، ثم كان جبريل عليه السلام يَنزل به منجماً بالأوامر والنواهي والأسباب، وذلك في حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. [1].

قال الله تبارك وتعالى:﴿حم{1} والكتاب المبين{2} إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون{3}﴾.[الزخرف].

جعلناه) أي سميناه ووصفناه, ولذلك تعدى الفعل جعل إلى مفعولين.

قرآناً عربياً) أي أنزلناه بلسان العرب لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه, وقال مقاتل: لأن لسان أهل السماء عربي.[2].

والقرآن الكريم ليس أمر ونهي وكلمات ومعاني فقط بل ورسم أيضاً

وليس المقصود منه نوعية خط الكتابة سواء نسخ أو كوفي أو غيره, فقد أجمع معظم العلماء أن رسم المصحف هو توقيفي لا يجوز مخالفته واستدلوا على ذلك من قول الله سبحانه وتعالى:

عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى {4} عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى {5}[سورة النجم].

كلما نزل شيء من القرآن أمرهم بكتابته, مبالغة في تسجيله وتقييده, وزيادة في التوثيق والضبط والاحتياط في كتاب الله تعالى, حتى تظاهر الكتابة الحفظ ويعاضد النقش اللفظ.

ثم جاء الصديق أبو بكر رضي الله عنه فكتب القرآن بهذا الرسم في صحف, ثم حذا حذوه عثمان بن عفان رضي الله في خلافته فاستنسخ تلك الصحف في مصاحف وأقرَّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمل أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. وانتهى الأمر إلى التابعين وتابعي التابعين فلم يخالف أحد منهم في هذا الرسم.{3}.

وذكر العلامة ابن المبارك نقلا عن العارف بالله شيخه عبد العزيز الدباغ, إذ يقول في كتابه(( وما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة وإنما هو توقيف من النبي صلوات الله وسلامه عليه وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على هذه الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدي إليها العقول, وهو سر من الأسرار خصَّ الله تعالى به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية, وكما أن نظم القرآن معجز

وإنه لممّا يطمئن له القلب ويرتاح له الفكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أملى كتابة الرسم القرآني على كتّاب الوحي حسب الرسم المنزل عليه والذي نزل به الروح الأمين جبريل عليه السلام, ومما يؤيد ذلك أن أول كلمة قرآنية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم كانت ( ولو كان قرءانا فقط لكانت أول كلمة هي: وقد ورد في السيرة النبوية لابن هشام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:﴿﴾سورة البقرة].

﴿﴾﴿﴾البروج].

ونضرب هنا أمثلة لبعض الكلمات القرآنية التي جاءت على رسم مختلف.

- لماذا جاءت (باسم) حين نسبت إلى ربك.

- لماذا جاءت (رأى).

- لماذا جاءت (نشؤا).

- لماذا جاءت كلمة ( زيادة في المبنى يتبعه زيادة في المعنى.

- كذلك فإن زيادة المبنى يمكن أن يؤدي إلى معنى التراخي أو التمهل أو التأمل والتفكر أو انفصال أجزاءه.

- في حالة نقص حروف الكلمة فإن هذا يعني إما سرعة الحدث أو انكماش المعنى وضغطه أو تلاحم أجزائه.{5}.

هذا هو كتاب الله سبحانه وتعالى أنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا, وأنزله الروح الأمين على قلب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم منجماً, وتكفل الله سبحانه وتعالى بحفظه من التحريف بالزيادة أو النقصان.

قال الله سبحانه:﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾أ- حذف الألف

وردت كلمة (بسم) ثلاث مرات في القرآن (بخلاف فواصل السور):

.

.

.

قال الله تعالى: { إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [الواقعة: 95-96]. { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق: 1]

لماذا وردت كلمة (بسم) في الحالات الأولى مقصورة بدون ألف ووردت في الحالات الأخرى كلمة (باسم) كاملة بدون قصر.

إن حذف الألف من كلمة (بسم) والتي جاء بعدها لفظ الجلالة (الله) يدل ويوحي بأنه يجب علينا الوصول إلى الله سبحانه وتعالى وعمل الصلاة معه بأقصر الطرق وأسرع الوسائل وهو ما يدل عليه { اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ } [يوسف: 42]...

إن حذف حرف من الكلمة يضغط مبناها ويسرع من واقعها فتؤدي المعنى المطلوب وهو السرعة على خير وجه وهذا إعجاز القرآن الكريم والرسم القرآني...

سموات – سموات

وردت كلمة (سموات) بهذا الرسم بدون ألف صريحة 189 مرة في القرآن الكريم كله... ووردت مرة واحدة فقط بألف صريحة بعد حرف (و) بالرسم القرآني (سموات) وذلك في الآية الكريمة رقم 12 من سورة فصلت والتي يقول سبحانه فيها: { قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [فصلت: 9-12].

الميعاد – الميعـد

وردت كلمة (الميعاد) وذلك بألف صريحة في وسط الكلمة 5 مرات في القرآن الكريم كله... وكلها تتكلم عن الميعاد الذي وعده الله.. لذلك جاء هذا الميعاد واضحاً وصريحاً ولا ريب فيه..

ونذكر فيما يلي الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة (الميعاد):

قال تعالى:

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [آل عمران: 9].

{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [الرعد: 31].

{ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ } [الزمر: 20]{ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَـدِ } [الأنفال: 42].

سعوا – سعو

وردت (سعوا) بشكلها العادي مرة واحدة، ووردت (سعو) بشكلها الغير عادي بدون ألف في آخرها مرة واحدة أيضاً في القرآن الكريم كله، وتوحي كلمة (سعو) بنقص الألف في آخرها أن هذا السعي سريع جداً وكله نشاط وهو حسب الآية الكريمة سعي في إنكار آيات الله وهو ما جلب على الكافرين عذاب من رجز أليم في الدنيا... بالإضافة إلى عذاب جهنم في الآخرة..

- { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ } [الحج: 51] . أي في الدنيا بالإضافة إلى عذاب الآخرة.

صحب – صاحب

في الآية 34 من سورة الكهف يقول القرآن الكريم على لسان مالك الجنين: بألف متروكة لتبين ما كان يظنه مالك الجنتين من أن صاحبه ملتصق به التصاقاً كاملاً سواء في الرفقة أو الإيمان...

غير أن الرد يأتيه من صاحبه المؤمن في الآية 37 من نفس السورة: ، وهذا يبين جزءاً من الحكمة في كتابة الكلمة القرآنية باستخدام الألف الصريحة والمد بالألف المتروكة كما سبق أن أوضحنا...

حذف حرف الواو

من بعض الأفعال

ورد في كتاب (مناهل العرفان) للزرقاني: أنه تم كتابة هذه الأفعال الأربعة بحذف الواو وهي:

(ويدعو الإنسان – ويمحو الله الباطل – يوم يدعو الداع – سندع الزبانية) ولكن من غير نقط ولا شكل في الجميع.

قالوا: والسر في حذفها من (ويدع الإنسان) هو الدلالة على أن هذا الدعاء سهل على الإنسان يسارع فيه كما يسارع إلى الخير....

والسر في حذفها من (ويمح الله الباطل) الإشارة إلى سرعة ذهابه واضمحلاله...

والسر في حذفها من (يوم يدع الإنسان) الإشارة إلى سرعة الدعاء وسرعة إجابة الداعين...

والسر في حذفها من (سندع الزبانية) الإشارة إلى سرعة الفعل وإجابة الزبانية وقوة البطش.. ويجمع هذه الأسرار قول المراكشي: (والسر في حذفها سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل، وشدة قبول المنفعل المتأثر به في الوجود).

وسئل – فسئل

ورد في القرآن الكريم كله فعل الأمر من (سأل) ناقصاً حرف (ا) في البداية... ونذكر فيما يلي نماذجاً من الآيات الكريمة التي ورد فيها هذا الفعل:

قال تعالى: { وَسْئلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } [يوسف: 82].

- وقال تعالى: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ } [النحل: 43].

ويدل حذف حرف (ا) من مبنى الكلمة الأصلية وهو (اسئل) أو (اسأل) على أن الكلمة القرآنية في رسمها تعبر عن المعنى أصدق تعبير إذ أن السؤال دائماً يأتي في عجلة وسرعة فقلما ينتظر الإنسان فهو دائماً يريد سرعة الإجابة.. لذلك جاءت كلمة (سئل) في فعل الأمر ناقصة حرفاً لتحض على سرعة السؤال انتظاراً لسرعة الإجابة.

وكما ذكرنا فإن نقص مبنى الكلمة يدل على العجلة والسرعة وعدم الصبر....

أيد – أييد

وردت كلمة (أيد) وهي جمع (يد) مرتين في القرآن الكريم كله بهذا الرسم العادي وذلك في الآيتين التاليتين:

قال تعالى: { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 17].

غير أنها وردت مرة واحدة برسم مختلف يزيد حرف (ي) في منتصفها وذلك في الآية الكريمة الآتية:

قال تعالى: ، إن زيادة حرف (ي) في كلمة (أيد) يوضح قوة وشدة السماء ومتانة سمكها وبنائها...

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جزاكى الله خيرا على موضوعك القيم ماشاء الله عليكى

اسال الله ان يبارك لكى ويجعلك من السعداء فى الدارين وثبتنى واياكى على طاعته وييسرلك ولى حفظ القران الكريم احبكى فى الله كثيرا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحمــد لله .. أســرار وإعجــاز

الدكتور فاضل السامرائي

القرآن الكريم . . كتاب الله . . ومعجزته الخالدة . . تحدى به الثقلين من الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بشيء من مثله ، فعجزوا وما استطاعوا وما استحقوا على عجزهم لوما ولا عتابا

فأنى لهم أن يأتوا بكلام كالقرآن . . كلام حف بالهيبة، وامتاز بالسمو، وتكامل فيه الشكل والمضمون وتآلفـا فكل منهما يخدم الآخر ويقويه . . فكان ذلك إعجازا ما بعده إعجاز

وواضح لنا جميعا أن التحدي بالإتيان بمثل القرآن لم يكن المقصود به الإعجاز العلمي أو نحوه ، وإنما قصد به إعجاز اللغة والبيان والبلاغة ، والعرب الأوائل هم أهل ذلك ، لكنهم أمام القرآن وقفوا عاجزين يقلبون أكفهم من الحيرة

وكلمة حق لا بد أن تسجل في حقهم . . لم يدعوا القدرة على ذلك أبدا . . بل كانوا يقولون: ما هذا بكلام بشـر

وعندما تجرأ مسـيلمة الكذاب على التأليف

لم يتمسكوا بما قال بل لم يعيروه أدنى اهتمام ، لأنهم يعلمون أنه ليس بشيء ولم يكونوا في هذا الأمر من المكابرين

من ذلك الإعجاز القرآني الدقة في اختيار المفردات ، فكل كلمة تأتي في مكانها المناسب لها ، فلو غير موضعها بتقديم أو تأخير أوجمع أو تثنية أو إفراد لتأثر المعنى ولم يؤد ما أريد منه ، وكذلك لو جيء مكانه بكلمة خرى ترادفه لم تقم بالمطلوب أبدا

سنرى اليوم جملة مؤلفة من كلمتين إنها ( الحمد لله ) في سورة االفاتحة ، هل كان من الممكن استعمال كلمات أخرى أو التغيير في وضعها ؟

في الظاهر . . نعم . . هناك كلمات و أساليب تحمل المعنى نفسه ، ولكن هل تفي بالمراد ؟

كان بالإمكان قول ( المدح لله أو الشكر لله ) مثلا

ولكن ماذا عن المعنى العام ؟

1ـ (المدح لله)

ـ المدح هو الثناء وذكر المحاسـن من الصـفات والأعمال

أما الحمد فهو الثناء وذكر المحاسـن مع التعظيم والمحبة . أيهما أقوى إذن ؟

ـ المدح قد يكون للحي ولغير الحي ، و للعاقل وغير العاقل ، فقد يتوجه للجماد أو الحيوان كالذهب والديك

أما الحمد فيخلص للحي العاقل

ـ المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، فقد يمدح من لم يفعل شيئا ، ولم يتصـف بحسـن

أما الحمد فلا يكون إلا بعد الإحسان ، فيحمد من قدم جميل الأعمال أو اتصف بجميل الصفات

يظهر لنا مما تقدم أننا عندما نقول ( الحمد لله ) فإننا نحمد الله الحي القائم الذي اتصـف بصـفات تسـتـحـق الحمد ،ونعترف له بالتفضل والتكرم

فقدأسبغ علينامن إحسانه ظاهرا وباطنا ما لا يعد ولا يحصى مع إظهار تعظيمنا وإجلالنا له وتأكيد توجه محبتنا إليه

2ـ (الشكر لله)

ـ يكون الشكر على ما وصل للشـخـص من النعم ، أما الحمد فعلى ما وصل إليه وإلى غيره

ـ الشكر يختص بالنعم ولا يوجه للصـفات ، فنحن لا نشكر فلانا لأنه يتصف بصفة العلم أو الرحمة أو غيرها من الصفات الذاتية له ،

أما الحمد فيكون ثناء على النعم وعلى الصفات الذاتية وإن لم يتعلق شيء منها بنا

فالشكر إذن أضيق نطاقا ، إذ يختـص بالنعم الواصلة إلى الشـخـص الذي يشكر فحسـب

مما تقدم يتضح لنا أن المدح أعم ممن الحمد ، وأن الحمد أعم من الشكر

وفي الأول تعميم لا يناسب المقام ، وفي الأخير تخصيص غير مناسب أيضا

وهل يمكن مثلا استعمال واحدة من هذه العبارات؟

3 ـ أحمد الله أو نحمد الله أو احمدوا الله ***

فيقال في الرد : إن هذه العبارات إن استعملت لتأثر المعنى المقصود،وقلت القوة المراد له الظهور بها ، وفيما يلي تفصيل ذلك عن الجمل المذكورة قبل قليل

 

ــ هي جمل فعلية، الأولى يتحدث بها الشخص الواحد، والثانية تقولها جماعة من اثنين فأكثر، والثالثة أمر بإتيان فعل الحمد

والجملة الفعلية تدل على الحدوث وتجدد الفعل

أما (الحمد لله ) فجملة اسمية والجمل الاسمية تدل على الدوام والثبوت

لذا فمن القواعد المعروفة في اللغة أن الجملة الاسمية أقوى من الجملة الفعلية لأن الأولى تدل على الثبوت ، وأيضا لأمور أخرى سنتعرف عليها فيما يلي

ــ الجملة الفعلية تختص بفاعل معين ،فالفاعل في الجمل المذكورة أعلاه هو المتكلم المفرد في الأولى ،ولكن ماذا عن غيره من الناس ؟

وفي الجملة الثانية جماعة المتكلمين والسؤال لازال قائما ماذا عن غيرهم ؟

وفي الثالثة الجماعة التي تؤمر بالحمد وأيضا تظل قاصرة

 

أما الجملة الاسمية فتفيد الحمد على الإطلاق من المتكلم وغيره دون تحديد فاعل معين ، ولعلنا نستشهد على ذلك بقوله عز من قائل سبحانه ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم )

فبالإطلاق الوارد في الجملة الاسمية يحدث الشمول الذي لا يشمل البشر فقط بل يتجاوزهم إلى كل ما في الكون

ــ والجملة الفعلية ترتبط بزمن معين مما يعني أن الحمد لا يحدث في غير هذا الزمن الذي يتم فيه الحمد

وزمن الإنسان زمن محدد معين ، يرتبط أو يساوي عمره على أقصى تقدير ، فلا يتجاوزه إلى ما بعده ولا يبدأ قبله، فيكون الحمد أقل مما ينبغي بكثير

أما في الجملة الاسمية فالحمد مطلق،مستمد غير منقطع،مناسب بلا نقصان

ــ كما أن الجملة الفعلية لا تفيد أن المفعول مستحق للفعل، فقد نشكر من لا يستحق الشكر،وقد نهجو من لا يستحق الهجو

أما الجملة الاسمية فتفيد استحقاقه للحمد تأكيدا

والجملة الفعلية لا تعني أنه مستحق للحمد لذاته

بينما تفيد الجملة الاسمية أن الحمد والثناء حق لله تعالى ،وملك له سبحانه،فهو ثابت له،وهو يستحقه لذاته ولصفاته ولما أنعم من آلائه

ــ وإن كان الفعل للأمـر( احمد أو احمدوا ) فإن هذا أيضا لا يؤدي المعنى المطلوب،لما هو واضح من أن المأمور قد يفعل ما أمر به دون اقتناع،وإنما خوفا من الآمر أو رغبة في شيء ولأن المأمور به لا يكون مستحقا للفعل دوما

ــ والحمد صفة القلب ،وهي اعتقاد كون المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال،فإذا تلفظ الإنسان بالجملة الفعلية ذات الفاعل والزمن المحددين،وكان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق كان كاذبا،أما إن تلفظ بالجملة الاسمية فإنه يكون صادقا وإن كان قلبه غافلا لاهيا،لأنها تفيد أن الحمد حق لله ،وهذا حاصل سواء أعقل أم غفل

 

4 ـ الحمدَ لله

ـ قراءة الحمد بالنصب جائزة على تقدير فعل محذوف، فتكون جملة فعلية

ـ والجملة الفعلية تدل على التجدد والحدوث، بينما تدل الجملة الاسمية على الثبوت، وهو أقوى

ـ والجملة الفعلية تختص بفاعل معين وزمن معين، وفي هذا ما فيه من نقص الدلالة على المعنى المراد كما تقدم في رقم 3

ـ يستوي الأمر إذا قدرنا فعلا مضارعا أو فعلَ أمر، لأن الأمر بالشيء لا يعني أن المأمور به مستحق للفعل، وقد يفعل المأمور ما أمر به دون اقتناع إما لعدم استحقاق من المأمور للفعل، أو لأنه يراه كذلك، فقراءة الرفع (الحمدُ لله) تفيد ثبوت الشيء على جهة الاستحقاق ثباتا دائما، فهي أولى من قراءة النصب في حالي الإخبار (أحمدُ الله ونحمد الله) والأمر ( احمد الله واحمدوا الله)

5 ـ حمدا لله

ـ وهي جملة فعلية نقدر لها فعلا محذوفا، والجملة الاسمية (الحمدُ لله) أقوى من الجملة الفعلية لما تقدم في رقم 3

 

ـ (الحمد لله) معرّفة بأل، و (أل) تفيد العهد وتفيد استغراق الجنس، فإن أفادت العهد كان المعنى: الحمد المعروف بينكم هو لله، وإن أفادت الاستغراق كان المعنى: إن الحمد كله لله على سبيل الإحاطة والشمول. ويظهر أن المعنيين مرادان

 

ـ أما (حمدا لله) فنكرة لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة

 

6 ـ إن الحمد لله

ـ (إن) تفيد التوكيد، وليس المقام مقام شك أو إنكار يقتضي توكيدا

 

ـ (إن الحمد لله ) جملة خبرية تحمل إلينا خبرا واضحا محددا (ثبوت الحمد لله تعالى) ولا تحتمل إنشاء

 

ـ أما ( الحمد لله ) فتفيد الإخبار بثبوت الحمد لله ، فهي خبرية من هذه الجهة، ولكنها تفيد إنشاء التعظيم ، فهي ذات معان أكثر

 

7 ـ لله الحمد

ـ (لله الحمد) فيها تقديم الجار والمجرور ، وفي التقديم اختصاص أو إزالة شك، والمقام لا يطلب لذلك ، فليس هناك من ادعى أن ذاتا أخرى قد تشترك معه في الحمد، فنزيل الاحتمال والظن عنده، وليس هناك من ادعى أن الحمد لغير الله لنخصه به؟

ـ والحمد في الدنيا ليس مختصا لله وحده، وإن كان هو سببه كله، فالناس قد يحمد بعضهم بعضا، وفي الحديث (من لم يحمد الناس لم يحمد الله)، فيجوز توجيه الحمد لغير الله في ظاهر الأمر، فلا حاجة للاختصاص بالتقديم

 

8 ـ اختصاص الاسم العلم (الله) بالذكر، دون سائر أسمائه االحسنى وصفاته

فكان يمكن أن يقال (الحمد للحي، الحمد للرحيم، الحمد للبارئ، ..)

ولكن لو حدث ذلك لأفهم أن الحمد إنما استحقه لهذا الوصف دون غيره، فجاء بالاسم العلم ليدل على أنه استحق الحمد لذاته هو لا لصفة من صفاته

ـ ثم إن ذكر لفظ الجلالة (الله) يناسب سياق الآيات، فسيأتي بعدها بقليل "إياك نعبد وإياك نستعين" ولفظ الجلالة (الله) مناسب للعبودية، لأنه مأخوذ من لفظ الإله أي المعبود، وقد اقترنت العبادة باسمه أكثر من خمسين مرة في القرآن كقوله تعالى: " أمرت أن أعبد الله " الرعد

ـ هذا والمجيء بوصف غير لفظ الجلالة ليس فيه تصريح بأن المقصود هو الله عز وجل

فمن منا مهما بلغ من فصاحة وبلاغة وبيان.. من منا يستطيع أن يأتي بكلام فيه هذا الإحكام وهذا الاستواء مع حسن النظم ودقة الانتقاء، فكل كلمة في موقعها جوهرة ثمينة منتقاة بعناية لتؤدي معاني غزيرة بكلمات يسيرة، كل واحدة واسطة عقد لا يجوز استبدالها ولا نقلها ولا تقديمها ولا تأخيرها وإلا لاختل المعنى أو ضعف أو فقد بعض معانيه؟

إنه الإعجاز الإلهي الذي يتجلى في الكون كله، ويحف بالقرآن كله، مجموعه وجزئياته، كلماته وحروفه، معانيه وأسراره، ليكون النور الذي أراد الله أن يهدي ويسعد به كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

والحمد لله رب العالمين

مقدمة وإعداد وتنسيق: أنــوار الأمــل

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أسئلة وأجوبة بلاغية في القرآن

بقلم فاضل السامرائي

 

 

السؤال الأول

 

ما سر استعمال صيغة (فُعَلَة) في قوله تعالى: "ويل لكل هُمَزَة لُمَزة"؟ ولمَ لمْ يستعمل صيغة (فَعّـال) فيقول: هَمّـاز لَمّـاز مثلما قال في سورة القلم "حَلافٍ مَهين . هَمّاز مَشّاءٍ بنَميم"؟

 

*لا بد من التطرق هنا إلى صيغ المبالغة ودلالاتها والفروق بينها، فكلمة (هماز) صيغة مبالغة على وزن (فعّال)، وهذه الصيغة ـ كما يقول أهل اللغة تدل على الحِرفة والصنعة، فيقال لمحترف النجارة نجّار، ولمحترف الحِدادة حدّاد، وتشتهر عندهم أسماء المهن على هذا الوزن كالفتال والزراد والخراط والصفار والنحاس والبزاز. فكلمة (كذاب) عندما تطلق على أحد فإنها تدل على أن هذا صار كأن الكذب حرفته التي يحترفها كما أن حرفة ذاك هي النجارة أو الحدادة. وهذه الصيغة تقتضي المزاولة، لأن صاحب الصنعة يداوم على صنعته. ونقرأ في سورة نوح قوله تعالى: " ولا يَلِدوا إلا فاجِرا كفّـارا" فكأن الكفر ديدنهم ومهنتهم اللازمة لهم لن يخرجوا عنه، ونقرأ في السورة نفسها قوله تعالى: "فقُلْتُ اسْتَغفِروا رَبّكُم إنّهُ كانَ غَفّـارا" فالله تعالى غفار، وكلما أحدث العبد ذنبا أحدث الله له مغفرة

 

مما تقدم نتبين أن صيغة (فعال) في أصلها تفيد الصنعة والحرفة والمداومة والمزاولة

 

أما (هُمَزة) فهذه من المبالغة بالتاء. المبالغة بالتاء أكثر من نوع ويمكن أن نجعلها في نوعين، هما:

 

ـ ما أصله غير مبالغة ، ثم بولغ بالتاء، كالراوي، فنقول عند المبالغة (راوية)

 

ـ ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها ، مثل : (هُمزة) فأصلها (هُمَز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حُطَم ـ لُكَع ـ غُدَر ـ فُسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة .

 

ويقول أهل اللغة :ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف .. الغاية في الوصف

 

فليس كل (نازل) يسمى (نازلة)، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة

 

فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (هُمَزة)

 

إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداها تدل على المزاولة، والأخرى على النهاية في الوصف ... ها هو الفرق بينهما

 

* والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك ؟

 

من استقراء سورة القلم نلحظ أنها تتحدث عن التعامل مع الخلق بين الناس، فكل مشاهد السورة أو اغلبها تدور حول هذا الأمر : "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سَنَسمُه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم)

 

أما في سورة الهمزة فقد ذكر النتيجة وتعرض للعاقبة، لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة، وناسب أيضا أن يذكر في الجزاء صيغة مماثلة فقال تعالى: "كَلا لَيُنْبَذنّ في الحُطَمَة" والنبذ إذلال، والحُطَمة صيغة مبالغة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة

 

ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا. أما في سورة القلم التي تركز على التعامل فقد ذكر لهم صفات مثل: مكذبون، حلاف، هماز، كان ذا مال وبنين. وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة فلا تطعه بسبب كونه ذا مال وبنين، والبنون كناية عن القوة والمنعة ،فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه

 

ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل، وهذه هي الآيات الكريمات

 

"وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ . الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ . كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ . نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ . الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ . فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ "

 

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ . مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ . وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ . وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ . بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ . إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ . وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ . وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ . هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ . مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ . عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ . أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ . إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ . سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ . إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ

 

 

 

السؤال الثاني

 

قال تعالى في سورة الأنعام في الآية 99: "وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"

 

وقال أيضا في الآية 141: "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"

 

فلم عبر في الأولى بالاشتباه وفي الثانية بالتشابه؟

 

* الاشتباه هو شدة التشابه إلى حد يؤدي للالتباس ، أما التشابه فلا يصل إلى حد اللبس، فالاشتباه أدق وأقوى وأكثر دلالة على القدرة

 

والآية الأولى فيها بيان القدرة وتعداد الأعمال في موضع تدبر ودعوة للنظر (انظروا إلى ثمره) فكان من المناسب أن يأتي بما هو أدل على القدرة

 

أما الثانية فهي في سياق ذكر الأطعمة وتعدادها وليس التدبر والنظر، وفي نهايتها قال: (كلوا من ثمره) وليس مقام توجيه النظر إلى دلائل القدرة مباشرة وقد نفى التشابه في الحالين (غير متشابه) ولكنه لم ينف الاشتباه، لأن نفي التشابه ينفي الاشتباه، ونفي الاشتباه لا ينفي التشابه، فلو نفى الاشتباه لبقي التشابه، ولو نفي التشابه فمن باب أولى عدم الاشتباه ، لأن التشابه أقل درجة من الاشتباه فانتفاء القليل يقتضي انتفاء الشديد .

 

 

 

السؤال الثالث

 

لماذا جاء الفعل يهدي بالتشديد في قوله تعالى في سورة يونس في الآية 35: " قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ"؟

 

الفعل يهِدّي أصله هو الفعل (يهتدي) وقد طرأ عليه الإبدال، إذ أبدلت التاء دالا ، ومثلها من الأفعال التي وقع فيها الإبدال (ازّين ، ادكر) فالإبدال واقع في هذه الكلمة وفق قواعد صرفية معلومة، ولكن لم جاء الفعل بالإبدال (يهِدّي) ولم يأت على صورته الأصلية؟ الفعل (يهدّي) فيه تضعيف الدال، والتضعيف في الغالب يفيد التكثير والمبالغة، ولو تأملنا في سياق هذه الآيات لوجدنا أن هذه المبالغة تناسب المقام هنا دون مكان آخر

 

 

 

فالحديث هنا عن الأصنام (هل من شركائكم) والأصنام ليست كالبشر، فنفى الاهتداء بصيغة تحمل معنى المبالغة لتؤكد عدم قدرة الشركاء (الأصنام) على الهداية

 

أما الآيات الأخرى في القرآن الكريم فقد جاء فيها الفعل (يهتدي) ولم يكن قد سبقه حديث عن مثل هؤلاء الشركاء، بل هذا هو الموقع الوحيد الذي جاءت فيه الهداية مع الأصنام فاستعملت هذه الصيغة إذ ليست الأصنام كالبشر فكيف تهدي أو تهتدي

 

وإن عدنا إلى الآيات التي قبلها لرأينا قوله تعالى "أمّن يملك السمع والأبصار" وإذا فقد السمع أو فقد البصر يكون الاهتداء قليلا فكيف إن فقدهما معا؟ فصارت هذه الآية وهذا الفعل مبالغة في تأكيد عدم الهداية

 

وهناك قراءة أخرى للآية بفعل (يهدي) وهي موافقة لرسم المصحف

 

وهذه أيات أخرى جاء فيها الفعل (يهتدي)

 

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (يونس:108)

 

(مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (الاسراء:15)

 

(َأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ) (النمل:92)

 

(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ) (النمل:41)

 

 

 

السؤال الرابع

 

قال تعالى في سورة النساء: "مَن يَشفَعْ شفاعَةً حَسَنةً يكن له نصيبٌ منها ومَن يَشفَعْ شفاعَة سيئة يكن له كِفْلٌ منها وكان الله على كلّ شيء مقيتا" لم قال عن الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وعن الشفاعة السيئة (يكن له كفل منها)؟

 

من معاني (الكِفل) في اللغة : النصيب المساوي، المثل . والكفيل يضمن بقدر ما كفل ليس أكثر

 

أما (النصيب) فمطلق غير محدد بشيء معين

 

لذلك قال الله عز وجل عن السيئة (يكن له كفل منها) ؛ لأن السيئة تجازى بقدرها " من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها" غافر 40

 

أما الحَسَنة فتضاعف كما قال تعالى : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا " الأنعام 160. وقال عز وجل : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا " القصص 84

 

 

 

فقال عن حامل السيئة أن له الكفل أي المثل، أما صاحب الشفاعة الحسنة فله نصيب منها والنصيب لا تشترط فيه المماثلة وهذا من عظيم فضل الله عز وجل

 

وورد في الحديث الشريف أنه عليه الصلاة والسلام قال فيما يرويه عن ربه: إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة"

 

السؤال الخامس

 

قال تعالى في سورة التوبة 62: " يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ"

 

فلمَ لمْ يقل أحق أن يرضوهما؟

 

إرضاء الله تعالى وإرضاء رسوله عليه الصلاة والسلام أمر واحد وليسا أمرين مختلفين، فمن أرضى الله تعالى فقد أرضى رسوله، ومن أرضى الرسول فقد أرضى الله عز وجل. قال تعالى: " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً" ـ النساء:80

 

لذلك وحد الضمير العائد عليهما للتأكيد على أن إرضاءهما واحد وسيلةً وغاية

 

 

 

السؤال السادس

 

ترد كلمة الملائكة في القرآن الكريم ومعها الفعل بالتذكير مرة وبالتأنيث مرة أخرى

 

فما أسباب هذا الاختلاف وهل هو جائز أصلا؟

 

أما من حيث الجواز فهو جائز طبعا

 

لأن الملائكة ليست جمعا مذكر سالما فيجوز تذكير الفعل ويجوز التأنيث

 

وهذا تلخيص سريع لمواضع تأنيث الفعل من حيث الوجوب والجواز

 

إذا كان الفاعل مؤنثاً أنث فعله بتاء ساكنة في آخر الماضي ، وبتاء المضارعة في أول المضارع ، نحو : قامت هند ، وتقوم هند .

 

وهذا قد يجب وقد يجوز

 

فيجب

 

ـ إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً عائداً على مؤنث حقيقي التأنيث ، نحو : هند قامت أو هند تقوم

 

ـ أو مجازيِّ التأنيث ، نحو : الشمس طلعت أو الشمس تطلع .

 

ـ إذا كان الفاعل اسماً ظاهراً متصلاً بعامله مباشرة ، حقيقي التانيث ، كقوله ، تعالى ( إذ قالت امرأة عمران )

 

 

 

ويجوز تأنيث الفعل في ثلاثة مواضع:

 

ـ إذا كان الفاعل أو شبهه ( نائب الفاعل ، اسم الفعل الناسخ ) اسما ظاهرا حقيقي التأنيث مفصول عن الفعل مثل سعى بين الصفا والمروة المؤمنة ويجوز سعت

 

ـ إذا كان الفاعل أو شبهه جمع تكسير ذبلت الأوراق ويجوز ذبل الأوراق

 

ـ إذا كان الفاعل أو شبهه اسما ظاهرا مجازي التأنيث اندلعت الحرب ويجوز اندلع الحرب

 

ولكن السؤال: هل هناك خطة معينة سار عليها القرآن في ترتيب هذه الأفعال؟ ولماذا اختار الله عز وجل بعض المواضع ليكون الفعل معها مذكرا ومواضع أخرى جاء الفعل مؤنثا؟

 

بعد استقراء الآيات القرآنية التي تحدثت عن الملائكة تم التوصل إلى الملحوظات التالية، التي تبين خطا تعبيريا مميزا سار عليه القرآن في استعمال الفعل مع (الملائكة) ، ولها حِكم وأسرار تخص هذا الترتيب البديع في الاستعمال، قد يدرك العلماء بعضها ويغيب عنهم يعضها ولكنه لا ينقص من قدر هذا التميز بل يدفع للتفكير فيه ومحاولة النسج على منواله:

 

ـ كل فعل أمر يصدر للملائكة يكون بالتذكير: اسجدوا ، أنبئوني، فثبتوا

 

ـ كل فعل للعبادة يأتي بالتذكير: "فسجد الملائكة كلهم أجمعون" ، " فقعوا له ساجدين"، "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"

 

وقد يكون ذلك لما تتطلبه العبادة من قوة ، ولأن المذكر في العبادة أكمل، وقد قال عز وجل: "وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم"، وقال عن مريم عليها السلام : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ـ التحريم:12

 

ـ كل فعل يقع بعد ذكر الملائكة يكون بالتذكير، أي الفعل الذي يتأخر عن الملائكة يكون بالتذكير: "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب" ، " وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُون" ، "وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ" ، "لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين"

 

ـ كل وصف اسمي للملائكة يكون بالتذكير:

 

* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ـ آل عمران:124

 

* بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ ـ آل عمران125

 

* وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُون ـ النساء

 

* والْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ـ الأنعام

 

* إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ـ لأنفال:9

 

* وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ـ الزمر:75

 

* فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِين ـ الزخرف:53

 

ـ العقوبات تأتي بالتذكير، ولو كانت عقوبة جاءت في موضعين فالأشد منهما بالتذكير

 

* وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ـ لأنفال:50

 

* فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ـ محمد:27

 

من الآية نفسها نلاحظ الشدة في الثانية بذكر عذاب الحريق، وتتبع بقية آيات السورة يرينا أنه تم تشبيههم بآل فرعون، فالسياق جاء بالشدة فذكر الفعل، أما الآية الثانية فكان السياق أخف فجاء بالتأنيث

 

* وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ـ الفرقان:25

 

* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ـ فصلت:30

 

الفعل واحد هو النزول، ولكن حالة الشدة جاء الفعل فيها مذكرا، أما جو الطمأنينة فقد استدعى التأنيث

 

وفي المقابل لم تأت بشرى من الملائكة بصيغة التذكير، بل كل البشارات بالتأنيث

 

ولعل ذلك لما في البشارة من رقة وما يتناسب معها من لطف وخفة وذلك من خصائص الإناث

 

* وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ــ البقرة:248

 

*إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ـ آل عمران

 

* وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ـ آل عمران:42

 

* فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً ـ آل عمران

 

* إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت:30)

 

السؤال السابع

 

قال تعالى في سورة العنكبوت الآية 63

 

 

 

"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ"

 

وجاءت آيات أخرى تقول: (الأرض بعد موتها) بدون الحرف (من) فما الحكمة من ذلك؟

 

الآية 63 من سورة العنكبوت هي الآية القرآنية الوحيدة التي جاء فيها هذا التعبير: (من بعد موتها)

 

أما الآيات الأخرى كلها فقد جاءت بدون (من) مثل قوله تعالى:

 

"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"

 

ـ (البقرة:164)

 

" وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ" (النحل:65)

 

" يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" (الروم:19)

 

"وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الروم:24)

 

"فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (الروم:50)

 

"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ" (فاطر:9)

 

"وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" (الجاثـية:5)

 

"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الحديد:17)

 

ولا بد لنا من معرفة الفرق بين التعبيرين لنصل إلى سبب اختلافه في الموقفين

 

(بعد موتها) تعبير احتمالي، يحتمل البعدية القريبة والبعدية البعيدة، فقد يكون إحياء الأرض بعد ساعة أو بعد شهر أو بعد سنة أو أكثر من بدء موتها

 

أما التعبير (من بعد موتها) فإن (من) فيه لابتداء الغاية، والمعنى أنه يحييها رأسا بعد الموت

 

فهو دال على البعدية القريبة قطعا، وهو أدل على القدرة لأنه لا يحتاج إلى زمن ليحييها، بل هو قادر على إحياء الميت لحظة موته ولا يحتاج إلى زمن لإعادته

 

 

 

 

 

 

 

ولنعد لننظر إلى سياق المواقف التي وردت فيها الآيات لنتلمس سبب تخصيص كل سياق بتعبير منهما، فنجد أن سورة العنكبوت كان سياقها في محاكمة المشركين من ناحية عقلية: "وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ "

 

ثم جاء هذا السؤال عن إحياء الأرض ، وهم قد أقروا بقدرة الله البالغة في الأسئلة السابقة

 

وهذا السؤال يقول إنه يحيي الأرض بعد موتها مباشرة بلا مهلة، فهي قدرة بالغة (قل الحمد لله). هل هذا يدعوكم إلى الشرك ، لذلك قال : (بل أكثرهم لا يعقلون) فنفى عنهم العقل لأن هذا يُعقَل حتى دون علم، فالعقل المجرد يهديهم إلى أن الله واحد لا شريك له، فنعى عليهم عدم استعمال العقول، وقبل هذا جاء أيضا في السورة نفسها قوله تعالى: "وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ "

 

 

 

السؤال الثامن : معدودة ومعدودات

 

قال تعالى: "وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:80)

 

وقال سبحانه: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) (آل عمران:24)

 

فلماذا عبّر في الأولى عن مدة مس النار بالأيام المعدودة، وعبر في الثانية بالأيام المعدودات؟

 

ج: جمع غير العاقل إن كان بالإفراد يكون أكثر من حيث العدد من الجمع السالم كأنهار جارية وأنهار جاريات، فالجارية أكثر من الجاريات، ومثلها شاهقة وشاهقات فالعدد في الأولى أكثر، وجمع السالم قلة

 

فهذه من المواضع التي يكون فيها المفرد أكثر من الجمع.

 

قال في آية أخرى عن يوسف عليه السلام: "وشروه بثمن بخس دراهم معدودة" أي أكثر من 11 درهما، ولو قال معدودات لكان ت أقل.

 

وفي الآيتين المتقدمتين قال في الأولى (أياما معدودة) وفي الثانية (أياما معدودات) لأن الذنوب التي ذُكرت في الأولى أكثر فجاء بمعدودة التي تفيد الكثرة، والتي ذكرت في الثانية أقل فاستعمل (معدودات) مناسبة لمعنى كل منهما.

 

 

 

السؤال التاسع

 

لماذا قال تعالى في سورة القارعة: "وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ 5"

 

وقال في المعارج:"وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ9 "

 

فوصف الجبال في الأولى بالعهن المنفوش، وقصر الوصف على العهن في الآية الثانية؟

 

ج: الرد من كتاب الدكتور فاضل (لمسات بيانية) في منتصف هذه الصفحة

 

السؤال العاشر

 

قال الله تعالى في الوضوء: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ 6" ـ المائدة

 

فلماذا قال عن الأيدي (إلى المرافق) مع إنهما مرفقان ، وقال عن الرجلين (إلى الكعبين) ولم يقل الكعوب على الجمع مثل المرافق ولأن الكعبين هما العظمان الناتئان على طرفي القدم فهي أربعة كعوب؟

 

ج: كل يد لها مرفق واحد، وكل رجل لها كعبان

 

فلما خاطب الجميع قال: (إلى المرافق)

 

وفي الوضوء لا بد أن يستغرق الغسل الكعبين، فلو قال: إلى الكعوب، لم يدل على أن الكعبين كليهما داخلان في الغسل، وإنما كعوب الناس المخاطَبين بقوله: (يا أيها الذين آمنوا)، وعندها فلو غسلوا كعبا واحدا ـ والمخاطبون كثر ولهم كعوب ـ لكفاهم ما ادام المذكور هو (الكعوب)

 

لذلك قال (إلى الكعبين) حيث المعنى: كل واحد من المخاطبين عليه أن يغسل إلى الكعبين. فلا يصح أن يقول (إلىالكعوب) وإلا لأوقع في اللبس

 

مسائل في التقديم والتأخير

 

مبحث التقديم والتأخير كاملا من كتاب الدكتور، وفيه مسائل مهمة

 

* ما السر في تقديم ذكر (في سبيل الله) على نوع الجهاد (بالمال والنفس) وتأخيره حينا كقوله تعالى في سورة التوبة 20 : " الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" حيث قدم (في سبيل الله) على نوعية الجهاد، وقال عز وجل في الأنفال72 " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" فقدم ذكر الجهاد بالأموال على قوله (في سبيل الله)؟

 

نلحظ في الآيات القرآنية خطا عاما يوضح لنا سبب هذا التقديم والتأخير في الآيات التي تتحدث عن الجهاد فإذا كان السياق في جمع الأموال وحبا لمال قدم ذكرَ التضحية به، وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال أو القعود عن الجهاد أخّـر الأموال، فهذا من باب التناسب بين الكلام ومناسبة المقال للمقام فلو عدنا إلى الآيات السابقة في سورة الأنفال لوجدنا حديثا عن المال والفداء وأخذه من الأسرى والغنائم ، وهذه الآية نفسها وردت تعقيبا على قوله تعالى: " وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا" وعرض الدنيا هو الفداء الذي أخذه من الأسرى وهو المال ، فعاتبهم على أخذ المال ثم قال: (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) والذي أخذوه هو المال الذي افتدى الأسرى به أنفسهم ، ثم قال: (كلوا مما غنمتم حلالا طيبا) فالسياق أصلا في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى لذلك قدم المال لأنه كان مطلوبا لهم فطلب أن يبدؤوا بالتضحية به، فكان التقديم للاهتمام به لأنهم يهتمون به أما لو عدنا إلى سورة التوبة لرأينا ه كله في الجهاد وليس المال "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ" ـ التوبة:14

 

" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ" ـ التوبة:16

 

"أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" ـ التوبة:19

 

فالسياق حدد التقديم وما يجب أن يتقدم ، فلما كان هناك في أخذ الأموال وكان المال مطلوبا لهم قدم المال على (في سبيل الله) وهنا العكس فأخر المال

 

* قال تعالى في سورة الأنعام الآية 32 : " وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" فقدم اللعب على اللهو في وصف الدنيا، أما في مواضع أخرى مثل سورة العنكبوت 64 فقد قال: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ" ، فما سبب ذلك؟

 

كل الآيات القرآنية التي تصف الدنيا باللعب واللهو تم تقديم اللعب على اللهو إلا في سورة العنكبوت

 

أما معرفة السر وراء ذلك فتتجلى لنا بالرجوع إلى السياق القرآني في السورة المقصودة فقبل هذه الآية في العنكبوت جاء قوله تعالى: " اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ" العنكبوت 63 و 64

 

والرزق من مدعاة الالتهاء بجمعه وليس مدعاة لعب لذلك أيضا قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" المنافقون 9.

 

فالرزق وطلب الرزق يشغل الإنسان ويلهيه لذلك نهى الله تعالى عن الالتهاء به، والذي بسط عليه الرزق منشغل في جمعه، ومن قُدِر عليه الرزق هو أيضا ملته بطلبه والبحث عنه والفكر به، لذلك قدم اللهو على اللعب في هذه الآية، أما الآيات الأخرى فلم يرد فيها مثل هذا الأمر

 

* تتقدم صفة الغفور على صفة الرحيم في آيات القرآن الكريم إلا في سورة سبأ حيث قال عز وجل في الآية الثانية : " يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ" فما سر ذلك؟

 

هذه الآية هي الآية الوحيدة التي قدم فيها صفة الرحيم على صفة الغفور في القرآن كله، فحيث اجتمعا فيما سواها قال (الغفور الرحيم) إلا في هذا الموطن ولنبدأ بمعرفة معاني كل منهما

 

(فالغفور) صفة متعلقة بالمكلّفين من الثقلين أما (الرحيم) فهي صفة عامة تطلق على المكلف وغير المكلف كالرضع والحيوانات، فالرحمة أوسع وأعم من المغفرة، لأن المغفرة خاصة بالمكلفين المذنبين وكان ما تقدم هذين الاسمين عاما في هذا الموضع : "يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ "

 

في كل القرآن الكريم حيث اجتمع هذان الاسمان الكريمان تقدم ذكر للإنسان بأي صورة من الصور، أما هنا فلم يتقدم ذكر الإنسان، بل تأخر، فالسورة تبدأ : "الحََمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ . يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ "

 

ثم قال في الآية الثالثة : "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ"

 

فتأخر ذكر أصناف البشر ولذلك تأخرت المغفرة

 

* ما سبب تقديم الجار والمجرور في سورة (يس): " وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ 20"

 

وتأخيره في سورة القصص: " وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ 20" ؟

 

المعنى مختلف قطعا من جيث الدلالة اللغوية، فإن قلنا : (جاء من القرية رجل) فالمجيء من القرية قطعا، وإن قلنا: (جاء رجل من القرية) فهذا تعبير احتمالي، قد يكون جاء من القرية، وقد يكون الرجل قرويا ولكن مجيئه لم يكن من القرية تحديدا، فإنا إن قلنا: (رجل رجل من مصر) فليس المعنى بالضرورة أنه جاء من مصر البلد الآن، وإنما يحتمل أن يكون المعنى أنه رجل أصله من مصر، ولا يشترط أن يكون قادما منها، ولكن إن قلت: (جاءني من مصر رجل) فهذا ييعني أنه قدم من مصر قطعا

 

قوله تعالى: "وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى" احتمال أنه جاء من أقصى المدينة، واحتمال أنه هو من سكان أقصى المدينة

 

أما قوله في يس: "وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى"

 

فهو قد جاء من أقصى المدينة بالفعل، وقد كان مجيئه لإشهار إيمانه وإبلاغ الدعوة

 

الرسل قالوا: "وما علينا إلا البَلاغُ المبين" والبلاغ المبين يعني الواضح الظاهر الذي يعم الجميع، فإن خفي عن بعض فليس مبينا، فمجيئه من أقصى المدينة يعني أن البلاغ وصل إلى أبعد نقطة فيها. فجاء هذا الرجل وهو يحمل هذا الإيمان لإعلان إيمانه.

 

أما صاحب موسى في القصص فقد كان مجيئه لإسرار أمر في أذن موسى، فالمجيئان مختلفان، ولا شك أن المجيء للدعوة وتبليغها وإعلان الإيمان أهم في ميزان الله وأثقل وأولى أن يُبدأ بأقصى المدينة

 

إضافة: يمكن أن نضيف من المعاني إلى ذلك أن هذا الرجل قد جاء منمكان بعيد متجشما عناء الطريق ليؤمن ويدعو إلى الله، أما هؤلاء القريبين من الرسل الذين تصلهم الدعوة بلا عناء فهم ل يبالون بها ولا يحسنون قبولها

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

سر تنكير لفظ ( السلام ) وتعريفه

 

 

قال الله عز وجل في تسليمه على يحيى:﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ﴾( مريم: 15 ). ثم قال سبحانه على لسان المسيح في تسليمه على نفسه:﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾( مريم: 33 )، فأتى بلفظ السلام في الآية الأولى نكرة، وفي الآية الثانية معرفة، وقيَّد كلا السلامين بيوم الولادة، ويوم الموت، ويوم البعث.

 

فما السر في تسليم الله تعالى على يحيى- عليه السلام- بلفظ النكرة، وتسليم المسيح- عليه السلام- على نفسه بلفظ المعرفة، وأيهما أتم وأولى ؟ وما الحكمة في تقييد هذين السلامين بهذه الأيام الثلاثة: يوم الولادة، ويوم الموت، ويوم البعث ؟ وقبل الإجابة عن ذلك نقول، وبالله الاستعانة:

أولاً- لكل قوم من الأقوام تحيَّة يحيون بها بعضهم بعضًا.. فتحيَّة النصارى هي: وضع اليد على الفم، وتحية اليهود هي: الإشارة بالأصابع، وتحية المجوس هي: الانحناء. وتحية الفرس هي قولهم: هزا رساله ميمايي. أي: تعيش ألف سنة. وكل قوم لهم تحية من هذا الجنس، أو ما أشبهه، ولهم تحية يخصون بها ملوكهم من هيئات خاصة عند دخولهم عليهم، كالسجود، ونحوه، وألفاظ خاصة تتميز بها تحية الملك من تحية السوقة.

 

أما العرب فتحيتهم في جاهليتهم الأولى لملوكهم هي قولهم: أنعم، أو عم صباحًا، ومساء. وأما تحيتهم لبعضهم البعض فهي قولهم: حيَّاك الله ! وقد يزيد بعضهم فيقول: حياك الله، وبيَّاك. أي: أطال الله حياتك، وبوَّأك منزلاً حسنًا. وكل ذلك مقصودهم به الحياة ونعيمها ودوامها، ولهذا سميت: تحيَّة، وهي: تَفْعِلَةٌ من الحياة، كتكرمة من الكرامة، لكن أدغم المثلان فصار: تحيَّة.

ولما جاء الإسلام، أبدل المسلمين تلك التحية التي عرفوها في جاهليتهم الأولى بتحية أحسن منها، وهي عبارة: السلام عليكم، وشرعها تحيَّة للمسلمين، يحيي بها بعضهم بعضًا، وحضَّهم على إفشائها، والإكثار من تردادها، وإلقائها على من يعرفوا، ومن لم يعرفوا. وكانت أولى من جميع تحيات الأمم التي منها ما هو محال وكذب، كقولهم: تعيش ألف سنة، وما هو قاصر المعنى، كقولهم: أنعم صباحًا. ومنها ما لا ينبغي إلا لله، كالسجود، فكانت التحية بالسلام أولى من ذلك كله،

 

وذلك لتضمن السلام معنيين: أحدهما: ذكر الله تعالى. والثاني: طلب المسلِّم السلامة من الله سبحانه للمسَلَّم عليه، وتأمينٌ له بالسلام، لأنه إذا دعا له بالسلامة، فهو مسالم له، فكان الخبر كناية عن التأمين. وإذا تحقق الأمران حصل خير كثير، لأن السلامة لا تجامع شيئًا من الشر في ذات المسلِّم، والأمان لا يجامع شيئًا من الشر يأتي من قِبل المعتدي، فكانت دعاء ترجى إجابته، وعهدًا بالأمن يجب الوفاء به.

ولما كانت الجنة هي دار السلامة من كل عيب وشر وآفة، بل قد سلمت من كل ما ينغص العيش والحياة، كانت تحية أهلها فيها سلام، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى:﴿ َتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾( براهيم: 23 )، وكانت تحيَّة الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين يوم اللقاء سلام، كما ينصُّ عليه قوله تعالى:﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ﴾( الأحزاب: 44 )؛ فهذه تحيتهم من الله تعالى يوم يلقونه، كما يحيِّى الحبيب حبيبه. ولولا قوله تعالى بعد ذلك:﴿ سَلَامٌ قَوْلاً مِن رَّبٍّ رَّحِيمٍ ﴾( يس: 58 )، لاحتمل أن تكون التحيَّة لهم من الملائكة، كما في قوله تعالى:﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾( الرعد: 24- 25 ).

ولما كان الإسلام هو دين السلام، وكان لفظ السلام جامعًا للمعنيين السابقين: ذكر الله تعالى، وطلب السلامة، جعله الله تعالى تحيَّة الإسلام، وامتن بهذه التحيَّة على المسلمين بأن جعلها من عنده سبحانه مباركة طيبة، كما يشير قوله تعالى:﴿ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾(النور: 61 ). وقد أمر تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يعامل معارضيه وخصومه قائلاً:﴿ فاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾( الزخرف: 89 ).

 

ومن هنا كان السلام أحد الأسباب المفضية إلى الإيمان، فالمحبة، فدخول الجنة. روى مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:« لا تدخلوا الجنة حنى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه، تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ». وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:« يا أيها الناس ! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ».

ثانيًا- فلنرجع بعد هذا إلى المقصود، وهو الجواب عن السؤالين اللذين بدأنا بهما وما الحكمة في تقييد هذين السلامين بهذه الأيام الثلاثة: يوم الولادة، ويوم الموت، ويوم البعث ؟ فنقول

أما الجواب عن السؤال الأول: ما السر في تسليم الله تعالى على يحيى- عليه السلام- بلفظ النكرة، وتسليم المسيح- عليه السلام- على نفسه بلفظ المعرفة، وأيهما أتم وأولى ؟ فيجاب عنه بأن يقال: إن الأصل في الأسماء التنكير، فجاء تسليم الله تعالى على يحيى- عليه السلام- على الأصل. والعرب في ألفاظ الدعاء والطلب من المصادر والأحداث إنما يأتون بالنكرة إما منصوبة على المصدر، أو مرفوعة على الابتداء، فمن الأول قولهم:« سَقْيًا لهم ورَعْيًا »، ومن الثاني قولهم:« وَيْلٌ لهم ووَيْحٌ ». ولما كان لفظ السلام متضمنًا معنى الدعاء والطلب، جيء به بلفظ النكرة منصوبًا تارة، ومرفوعًا تارة أخرى، كما جاء سائر ألفاظ الدعاء. وسر ذلك أن هذه الألفاظ جرت مجرى النطق بالفعل، ألا ترى أن « سَقْيًا لهم ورَعْيًا » جرى مجرى:« سَقاهم الله ورعاهم «، وأن « وَيْلٌ لهم ووَيْح ٌ» معدول عن قولهم:« وَيْلاً لهم ووَيْحًا ». أي:« ألزمهك الله ويلاً وويحًا » ؟ وكذلك قولك:« سلامًا عليك » جار مجرى: « سلَّمك الله، و« سلامٌ عليك » معدولٌ به عن الأول، والفعل نكرة، فأحبوا أن يجعلوا اللفظ الذي هو جار مجراه وكالبدل منه، نكرةً مثلَه. وإنما عُدِل به من التنكير إلى التعريف، لأن الألف واللام إذا دخلت على اسم السلام، تضمنت أربع فوائد:

الفائدة الأولى: الإشعار بذكر الله تعالى، لأن السلام المعرف هو اسم من أسماء الله الحسنى كما تقدم تقريره.

والفائدة الثانية: الإشعار بطلب السلامة والأمان من المسلِّم للمسلَّم عليه، لأنك متى ذكرت اسمًا من أسماء الله جل وعلا، فقد تعرَّضْتَ لطلب المعنى الذي اشتق منه ذلك الاسم، وتوسَّلْتَ به إلى تحصيل المعنى الذي اشتق منه ذلك الاسم، نحو قولك: الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام.

 

والفائدة الثالثة: أن السلام- بالألف واللام- يشعر بعموم التحية، وأنها غير مقصورة على المتكلم وحده. فأنت ترى أن قولك: سلامٌ عليك، ليس بمنزلة قولك: السلامُ عليك، في العموم.

 

والفائدة الرابعة: أن الألف واللام تقوم مقام الإشارة إلى المعين، كما تقول لما هو حاضر بين يديك: ناولني الكتاب، واسقني الماء، واعطني الثوب،. فإنك تستغني بها عن قولك: هذا، فهي مؤدية معنى الإشارة.

 

وقد اجتمعت هذه الفوائد الأربعة في تسليم المسيح- عليه السلام- على نفسه بقوله:﴿ وَالسَّلَامُ عَلَيَّ ﴾، ولم تكن واحدة من هذه الفوائد في تسليم الله تعالى على يحيى- عليه السلام- في قوله جل وعلا:﴿ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ ﴾، لاستغناء المواطن الثلاثة عنها، وهي يوم الولادة، ويوم الموت، ويوم البعث، لأن المتكلم- هنا- هو الله جل جلاله، فلم يقصد تبركًا بذكر الاسم الذي هو السلام، ولا طلبًا لمعنى السلامة، كما يطلبه العبد، ولا عمومًا في التحية منه، لأن سلامًا منه سبحانه كاف عن كل سلام، ومُغْنٍ عن كل تحية، ومُرْبٍ عن كل أمنية.. ولهذا لم يكن لذكر الألف واللام ههنا معنى كما كان لهما هنالك، لأن المسيح يحتاج كلامه إلى هذه الفوائد، وأوكدها كلها: العموم، فلذلك كان لابد في تحيته من تعريف السلام بأل الجنسية التي تفيد معنى الاستغراق والعموم.

 

ومن هنا كان سلام الله تعالى على يحيى- عليه السلام- أتم وأوْلَى من سلام المسيح- عليه السلام- على نفسه، ويؤيِّد ذلك أيضًا: أن لفظ السلام بالتعريف يدل على أصل الماهيَّة، وبالتنكير يدل على أصل الماهيَّة، مع وصف التمام والكمال، ولهذا كان أتم وأولى. وعن الحسن رضي الله عنه:« التقى يحيى وعيسى عليهما السلام، فقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: استغفر لي، أنت خير مني، سلَّمت على نفسي، وسلَّم الله عليك ».

 

وأما الجواب عن السؤال الثاني: ما الحكمة في تقييد السلام بهذه الأوقات الثلاثة:

يوم الولادة، ويوم الموت،
ويوم البعث، فقد أجاب عنه ابن قيِّم الجَوْزِيَّة بقوله:« إن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب، ومواطن الوحشة. وكلما كان الموضع مظنَّة ذلك، تأكد طلب السلامة فيه، وتعلقت بها الهمة، فذكرت هذه المواطن الثلاثة، لأن السلامة فيها آكد، وطلبها أهم، والنفس عليها أحرص، لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرًّا فيها، موطِّن النفس على صحبتها وسكناها، إلى دار هو فيها معرَّض للآفات والمحن والبلاء.. فكان طلب السلامة في هذه المواطن من آكد الأمور. فتأمل كيف خصَّ هذه المواطن بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها، واعرف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عشر معشارها، وتأمل ما في السلام مع الزيادة على السلامة من الأنس وذهاب الوحشة. فأيُّ موطن أحقُّ بطلب السلامة من هذه المواطن ؟ فنسأل الله السلامة فيها بمنِّه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه ».

 

ثالثَا- ومن فوائد هذا الفصل: إجماعهم في الرد على قول: السلام عليكم، بقول: وعليكم السلام، بالألف واللام، لأنها لو سقطت- ههنا- لصار الكلام خبرًا محضًا، كما في قولنا: عليكم دينٌ. وإذا صار الكلام خبرًا محضًا، بطل معنى التحية، والدعاء، لأن المسلم يبدأ بالأهم، وهو ذكر السلام، فليس بمحيٍّ من قال: عليكم سلام، وإنما المسلم من قال: السلام عليكم، فيجاب بقول: وعليكم السلام، لأن موضوع السلام للأحياء، إنما هو للأنس، ورفع الوحشة، والإشعار بسلامة الصدور. والدعاء لا بد فيه من ذكر المدعو، وهو السلام بالألف واللام. فإن نكرته، فلم يعد اسمًا من أسماء الله سبحانه، فعُرِّف بالألف واللام إشعارًا بالدعاء للمخاطب، وأنك رادٌّ عليه التحية، لا مخبرٌ. ومن هنا لم يكن بدٌّ من الألف واللام.

وقد يزيد كل من المسلِّم والمسلَّم عليه، فيقول:« ورحمة الله وبركاته ». عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:« هذا جبريل يقرأ عليك السلام ». قالت: قلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته. وروي أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام عليك. فقال عليه الصلاة والسلام:« وعليكم السلام ورحمة الله ». وقال آخر: السلام عليك ورحمة الله. فقال:« وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ». وقال ثالث: السلام عليك ورحمة الله وبركاته. فقال:« وعليك ». فقال الرجل: نقصْتني، فأين ما قاله الله:﴿ وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ ؟ فقال صلى الله عليه وسلم:« إنك لم تترك لنا فضلاً، فرددت عليك مثله » !

 

 

محمد إسماعيل عتوك

الباحث

في الإعجاز اللغوي والبياني للقرآن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

>> ");} // -->

 

 

الكاتب: ياسين بن علي

 

قال الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)}.

 

وقال سبحانه في سورة الحديد: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)}.

 

والناظر في الآيتين يلحظ الفرق بينهما:

 

ففي الآية الأولى قال سبحانه: {وَسَارِعُوا}، وفي الثانية قال: {سَابِقُوا}.

 

وفي الآية الأولى قال سبحانه: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ}، وفي الثانية قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}.

 

وفي الآية الأولى قال سبحانه: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}، وفي الثانية قال:{أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ}.

 

هذا الفرق بين الآيتين اقتضاه السياق الذي وردتا فيه، ذلك أن الآية الأولى تتعلّق بالمتقين، وأما الآية الثانية فتتعلّق بالمؤمنين. ولما كانت التقوى وهي نتاج الإيمان أعظم درجاته وأرقى رتبه، كانت أفضل من مجرّد الإيمان؛ لأنّها تتضمّنه وزيادة، وكان التقّي أفضل من المؤمن العادي. وقد بيّن الله واقع المتّقين الذين أعدّت لهم جنة عرضها السماوات والأرض فقال: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135)}. (آل عمران).

 

وإذا كانت التقوى أعلى رتبة من مجرد الإيمان، فقد لزم إذن التفرقة بين المتّقين وبين المؤمنين. وتتجلّى هذه التفرقة في الآيتين في موضعين: الأول في الخطاب، والثاني في الثواب.

 

أمّا الخطاب، فقد خاطب الله تعالى المتّقين بدعوتهم إلى المسارعة (وسارعوا)، بينما خاطب المؤمنين بدعوتهم إلى المسابقة (وسابقوا). والفرق بينهما هو: أن المتّقين في تنافس وسباق، لذلك لم يحثّهم عليه لحصوله منهم، إنما حثّهم على مزيد منه وحضّهم على الأحسن منه، فحسن هنا أن يخاطبهم بالمسارعة. وعلى خلاف ذلك، فإنّ المؤمنين لم يحصل منهم التقدّم في الرتبة، والارتفاع بالمكانة، لذلك حثّهم على السباق ابتداء، فإذا حصل منهم شملهم الخطاب الداعي إلى الإسراع.

 

أمّا الثواب، فقد اختلف باختلاف الرتب. ففي الآية الأولى حينما خاطب الله سبحانه المتّقين قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ}، وفي الآية الثانية حينما خاطب المؤمنين بعامة قال: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ}. والفرق بينهما يكمن في كون الآية الأولى المتعلّقة بالمتّقين لم ترد بصيغة التشبيه للدلالة على أنّ هذا الثواب الموعود لا يضاهى ولا يماثل ولا يشابه. علاوة على هذا ففي الآية الأولى (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ) وفي الثانية (عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ) وهذا يتضمّن الفرق بين الجنّتين من حيث السعة.

 

 

 

والحكمة في هذا والله أعلم تتعلّق بأمرين:

 

الأوّل، أنّ على قدر الأعمال يكون الجزاء. فأعمال المتقين أعظم من أعمال المؤمنين، لذلك كان ثوابهم أعظم.

 

الثاني، أنّ ثواب المؤمنين حاصل لدى المتّقين بما قدّموا، ولكن لما حثّهم الحقّ سبحانه وتعالى على المزيد حسن هنا أن يعطيهم المزيد، فكان الحثّ على تقديم الأفضل مقترنا بالوعد بالأفضل. والله أعلم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

آيات ولمسات

 

 

بقلم الدكتور فاضل السامرائي

 

ينزِفون ويُنزَفون : من سورتي الواقعة والصافات

 

وسارعوا إلى مغفرة من ربكم + وسابقوا: من سورتي آل عمران والحديد

 

وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة: من سورتي يونس وسبأ

 

الحمد لله .. أسرار وإعجاز ـ سورة الفاتحة

 

ســـورة الـنــــاس

 

ينزِفون و يُنزَفون

 

ـ الفرق في المعنى بين اللفظين: يُنزِفون، يُنزَفون

 

* ينزِفون من (أنزَفَ) ، وهذا الفعل له معنيان:

 

الأول ـ أنزَف يُنزِف بمعنى سَكَر. والثاني بمعنى نفد شرابه وانقطع. يقال: أنزف القوم أي نفد شرابهم، وهو فعل لازم غير متعد

 

ومعنى الآية أن شرابهم لا ينفد، وهم لا يسكرون عنه

 

* ينزَفون (المبني للمجهول) من نُزَف ينزَف معناه سَكَر وذهب عقله من السكر، وهو فعل متعد. ومعنى الآية أن شربهم خمر الجنة لا يذهب بعقولهم

 

ـ لماذا اختار القرآن وضع هذا اللفظ هنا وذاك هناك؟ وهل يجوز التبادل بينهما خاصة وأن الفارق لا يتعدى حركة واحدة؟

 

* سورة الواقعة كانت في وصف نعيم السابقين، وهذه هي الآيات بتمامها

 

" وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ . أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ . وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ . عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ . مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ . يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ . بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ . لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ . وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ . وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا "

 

* الثانية في وصف عباد الله المخلصين عند استثنائهم من العذاب الأليم

 

وهذه آيات سورة الصافات

 

" إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ . وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ . أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ . فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ . فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ . عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ . يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِن مَّعِينٍ . بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ . لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ . وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ . كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ . "

 

تقدم آيات السورتين وصفا رائعا لخمر الجنة ونساء الجنة وتبين ما بهما من صفات ليست في خمر الدنيا ولا نسائها ، لتنفر من الدنيا وترغب في الآخرة

 

ولكن تتناول الآيتان صنفين من أصناف المؤمنين وتبين ما أعد لهم في الآخرة

 

الصنف الأول الذين تحدثت عنهم آيات الواقعة هم السابقون ، وهؤلاء هم ذوو أعلى الدرجات لا يفوقهم غيرهم

 

والصنف الثاني الذين تحدثت عنهم آيات الصافات هم الآخرون وهم أقل منزلة

 

فإن كل سابق مخلَص، أما المخلَصون عامة فليسوا كلهم من السابقين بل منهم سابقون ومنهم متأخرون

 

أدى هذا الاختلاف في الحديث عن أصناف المؤمنين إلى الاختلاف في وصف جزاء كل فريق

 

ـ فقال عن الآخرين: (لهم رزق معلوم فواكه)، أما السابقون فقال عنهم: " وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون" فأضاف منحهم الحرية في اختيار ما يرغبون كما أضاف ذكر لحم الطير إلى ما أعد لهم فيها. كما إن كلمة (فاكهة) اسم جنس فهي أعم وأوسع من كلمة الفواكه التي تطلق على الأنواع فقط، بينما اسم الجنس يطلق على الأنواع وعلى النوع الواحد، وقال "مما يتخيرون" ليؤكد تعدد الأنواع

 

ـ وقال في الصافات (وهم مكرمون في جنات النعيم)، وقال في الواقعة (أولئك المقربون في جنات النعيم) ولا شك أن التقريب هو إكرام وزيادة

 

ـ وقال في الصافات (على سرر متقابلين)، وفي الواقعة قال: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) والموضونة هي المنسوجة المشبكة بما يسر الناظر ، فزاد في ذكر وصفه حسن فيها وأضاف الاتكاء والتقابل على السرر للسابقين فكان تنعمهم أكثر، ولم يذكر هذا الاتكاء ولا صفة السرر في الصافات

 

ـ وقال في الصافات : (يطاف عليهم ..) بالفعل المبني للمجهول، أما في الواقعة فقال: (يطوف عليهم ولدان مخلدون) فذكر الطائفين اذين يطوفون على المقربين

 

ـ وقال في الصافات: (بكأس من معين)، وقال في الواقعة: (بأكواب وأباريق وكأس من معين) فزاد ذكرالأكواب والأباريق ، وتنوع الأواني يدل على تنوع الأشربة

 

ـ وقال في الصافات: (لا فيها غوْلٌ ولا هم عنها ينزَفونَ)

 

وقال في الواقعة: (لا يُصَدّعونَ عنها ولا يُنزِفون)

 

الغوْل كما يفسره أهل اللغة : إما الإفساد والإهلاك أي تغتال ا لجسم وتهلكه، أو تغتال العقول. فهي تدل على معنيين: لا تفسد الجسم ولا تهلكه. أو لا تغتال عقل الشاربين

 

(يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع منها

 

ونفي الغول إن كان بمعنى عدم هلاك الجسم فإنه لا ينفي الصداع، فنفي الأكثر لا يدل على نفي الأقل، كما لو قلنا: (هذا شراب لا يميت) فلا ننفي عنه التسبب فيما هو دون الموت

 

ولكن ما دامت خمرة المقربين وصفت بأنها لا تصيب بالصداع فقد نفت أقل الأذى ، فهي قطعا ومن باب أولى لا تتسبب فيما هو أكثر ، فنفي الغول لا ينفي الصداع لكن نفي الصداع ينفي الغول

 

وإذا كان المقصود بالغول (السكر واغتيال العقول) فيكون (لا فيها غول) و (ولا هم عنها ينزفون) بمعنى واحد ، لأن الغول هو اغتيال العقول ، وينزفون هو السكر، فهما شيء واحد ولكن أحدهما وصف للخمرة ، والآخر وصف للشارب، وكلها تدل على أنها لا تسكر

 

بينما سورة الواقعة تقول: (لا يصدعون عنها) فهي تنفي ما يتعلق بالغول، وتقول (ولا ينزفون) أي لا تسكر ولا ينقطع الشراب، فالتكريم هنا أعلى جريا على آيات الواقعة التي تدل على الوصف الأكمل والأفضل لنعيم السابقين

 

ـ وقال تعالى في الصافات: (وعندهم قاصرات الطرف عين) فذكر صفة واحدة من الصفات الجسدية وهي (عين) أي واسعة العينين في جمال

 

وقال في الواقعة : (وحور عين) فأضاف الحور وهو البياض إلى العين (سعة العيون مع الجمال)

 

ـ وفي الصافات قال: (كأنهن بيض مكنون)، وفي الواقعة: ( كأمثال اللؤلؤ المكنون) ولا شك أن اللؤلؤ أعلى وأقرب للنفس والقلب من البيض ، فهنا أيضا مان وصف ما أعد للسابقين

 

ـ ثم قال في الواقعة: "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما" فنفى سماع الرديء وأثبت الحسن (سلاما سلاما)

 

ولم يقل في الصافات مثل هذا

 

* و (ينزِفون) بالبناء للمعلوم تناسب الواقعة بكل ما فيها ، و(ينزَفون) المجهول ناسب سياق الصافات

 

وناسب (ينزِفون) المبني للمعلوم (يطوف عليهم ولدان) المبني للمعلوم أيضا، وناسب (ينزَفون) المبني للمجهول (يطاف عليهم) المبني للمجهول في الصافات

 

** إجمال: في الواقعة نرى التقريب (وهو الإكرام وزيادة) ، وذكر السرر وزيادة وهي صفة (موضونة)، وذكر التقابل وزيادة وهي الاتكاء، وذكر الطواف وزيادة (الطائفون ولدان مخلدون)، وذكر الكأس وزيادة وهي الأكواب والأباريق، وذكر العين وزيادة وهي الحور، ونفي السكر وزيادة وهي عدم النفاد، وزاد نفي اللغو والتأثيم وأثبت الحسن من القول.. كل هذا للسابقين المقربين

 

وسارعوا إلى مغفرة ـ آل عمران والحديد

 

(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران:133) .

 

(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (الحديد:21)

 

السماء والسموات

 

السماء في اللغة وفي المدلول القرآني لها معنيان

 

1ـ واحدة السموات السبع، كقوله تعالى: "ولقد زَيّنا السّماءَ الدنيا بِمَصابيح " الملك، وقوله: "إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ" ـ الصافات:6

 

2ـ كل ما علا وارتفع عن الأرض

 

ـ فسقف البيت في اللغة يسمى سماء، قال تعالى: " مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" ـ الحج:15 يقول المفسرون : (أي ليمد حبلا إلى سقف بيته ثم ليخنق نفسه) فالسماء هنا بمعنى السقف

 

ـ وقد تكون بمعنى السحاب: "أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا " ّالرعد:17

 

ـ وقد تكون بمعنى المطر : " ينزل السماء عليكم مدرارا" نوح

 

ـ وقد تكون بمعنى الفضاء والجو : "أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" ـ النحل:79

 

ـ وقوله عن السحاب: "فيبسطه في السماء كيف يشاء"

 

و ذكر هذا الارتفاع العالي : "فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام:125)

 

فالسماء كلمة واسعة جدا قد تكون بمعنى السحاب أو المطر أو الفضاء أو السقف

 

مثال آخر:

 

" وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ" ـ الحجر:15

 

فالإنسان إذا خرج من جو الأرض انتقل إلى ظلام فلا يبصر

 

وبهذا تكون السموات جزءا من السماء ، لأن السماء كل ما علا وارتفع مما عدا الأرض، والسموات جزء منها بهذا المعنى الواسع الذي يشمل الفضاء والسقف والمطر والسحاب، فإن (السماء) تكون أوسع من (السموات) فهي تشملها وغيرها

 

قال تعالى: " قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:6)

 

وقال: "ربي يعلم القول في السماء والأرض" لأن القول أوسع من السر، فهو قد يكون سرا

 

" وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ" ـ المجادلة: 8

 

وقد يكون جهرا فهو أوسع من السر والسر جزء منه

 

فلما وسع قال (القول) وسع وقال (في السماء). ولما ضيق وقال (السر) قال (السموات)

 

فبهذا المعنى الشامل تكون (السماء) أوسع بكثير من (السموات)، ولذلك لما قال (السموات) قال (عرضها السموات)، ولكن عندما اتسعت اتساعا هائلا جاء بأداة التشبيه (عرضها كعرض السماء) لأن المشبه به عادة أبلغ من المشبه، فهي لا تبلغ هذا المبلغ الواسع الذي يشمل كل شيء

 

كلمة (السماء) تأتي عامة "والسماء بنيناها بأيد" ، "وفي السماء رزقكم وما توعدون" ، "أأمنتم من في السماء.." ثم تتسع لأشياء أخرى، فعندما يقول: "سبع سموات طباقا" فهي ليست الفضاء ولا السقف ولا السحاب، فعندما اتسعت قال (كعرض السماء) وعلى هذا بني التعبير كله في الآيتين

 

أعدت للمتقين، أعدت للذين آمنوا

 

عندما ضيق حددها للمتقين ثم وصفهم في الآيات التالية

 

وعندما وسع عم القول ليسع الخلق (الذين آمنوا بالله ورسله)

 

وهؤلاء المتقون جزء من الذين آمنوا، ولم يحدد عملا محددا لهؤلاء

 

سابقوا، سارعوا

 

ـ عندما قال (سارعوا) قال (عرضها السموات والأرض"

 

وعندما قال (سابقوا) قال (كعرض السماء والأرض)

 

ـ كثرة الخلق المتجهين لمكان واحد تقتضي المسابقة

 

فإن قلوا اقتضى ذلك المسارعة فقط ، وليس المسابقة

 

اتسع المكان فاتسع الخلق ، ذكر السماء التي تشمل السموات وزيادة ، وذكر الذين آمنوا بالله ورسله ووهي تشمل

 

المتقين وزيادة ، ثم زاد وقال: "ذلك فضل الله

 

لأن الفضل أوسع مما جاء في آل عمران بل الفضل واضح إذ جاءت عامة

 

وكذلك لو لاحظنا الناحية الفنية لرأينا وضع كل واحدة يناسب ما هي فيه، ففي سورة الحديد تتكرر عبارات (آمنوا بالله) و(الفضل العظيم) و(يضاعف لهم) ففيها تفضلات كثيرة

 

وكذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف

 

كذلك وضع الواو في سارعوا ، آية آل عمران فيها تعاطفات، أما الأخرى فبلا عطف

 

وفي أل عمران نرى المتقينوالأمر بالتقوى يتكرر عدة مرات

 

وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة : يونس وسبأ

 

" وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ يونس:61

 

" وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ" ـ سـبأ:3

 

نحتاج إلى توضيح الفروق بين

 

ـ ما يعزُب ، لا يعزب

 

ـ مثقال ، من مثقال

 

ـ السماء ، السموات

 

ـ تقديم وتأخير

 

ـ أصغرَ ، أصغرُ

 

ـ عن ربك ، عننه

 

بداية الآية مختلفة ، التذييل متشابه

 

آية سبأ جاءت تذييلا وتعقيبا للحديث عن الساعة

 

آية يونس جاءت لبيان مقدار إحاطة علم الله بكل شيء، وسعة ذلك العلم

 

ترتب على هذا اختلاف التعبير بين الآيتين

 

ـ لا يعزُب ، ما يعزب

 

* لفرق بين (لا) و (ما) عند دخولها على المضارع

 

_ (لا) كما يقول أكثر النحاة للاستقبال

 

الزمخشري: (لا) و (لن) أختان في نفي المستقبل

 

ـ رأي آخر (يفضله الدكتور) (لا) مطلقة، قد تكون للاستقبال فعلا، مثل: "لا تفتح لهم أبواب السماء" ، و "لا تجزي نفس عن نفس شيئا"

 

وقد تكون للحـال: "ما لي لا أرى الهدهد .. "، "أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا" ، " ما لكم لا تنطقون"، " لهم قلوب لا يعقلون بها .. "

 

والسبب أن (لا) أقدم حرف نفي في العربية ، وكل الحروف جاءت بعدها، لذلك فاستعمال (لا) واسع، فهو أوسع حرف في العربية، يدخل في الماضي والمضارع والمستقبل والحال، يدخل على الأسماء النكرات والمعارف ، الاستغراق وغير الاستغراق

 

* في آية سبأ:"لا تأتينا الساعة" نفوا شيئا مستقبليا ، فرد عليهم بـ (لا) "لا يعزب" ، ثم إنه أقسم "بلى وربي" جوابه في المضارع لتأتينه وجوابه في النفي (لا)

 

يقول سيبويه: (لأفعلن) نفيه (لا أفعل)

 

إذن اقتضى المقام كله النفي بلا، فناسبت الآية (لا) من كل جهة

 

1ـ الاستقبال

 

2ـ القسم المتقدم إثباته وجوابه

 

* أما آية يونس فالكلام ليس عن مستقبل ، بل عن الحال فناسب أن يأتي بـ (ما)

 

ـ عنه، عن ربك

 

في آية يونس (عن ربك) ـ وقال في سبأ (عنه)

 

إذ تقدم في سبأ "بلى وربي" ، أي تقدم ذكر الرب، ولم يأت في يونس

 

ـ عالم الغيب

 

عالم (اسم فاعل) جاءت في سورة سبأ، لا تأتي في القرآن إلا مع الغيب المفرد

 

أما علام فتأتي مع الغيوب لأنها صيغة مبالغة تقتضي التكثير

 

نظيرها (غافر) تختص بالذنب، أما (غفور) فعامة

 

ـ مثقال ، من مثقال

 

(من ) الزائدة الاستغراقية تفيد الاستغراق والتوكيد

 

نقول: ( ما حضر رجل)

 

تعني: لم يحضر أي رجل ، لم يحضر أي فرد من هذا الجنس

 

ويحتمل : لم يحضر رجل واحد بل اثنان أو أكثر

 

ونقول: (ما حضر من رجل) تفيد استغراق الجنس كله، فهو نفي قاطع للحضور فلم يحضر أي أحد ولا مجال للاحتمال

 

فالتعبير الأول تعبير احتمالي ، التعبير الثاني تعبير نصي قطعي

 

* آية سبأ ليس الكلام فيها عن علم الغيب أصالة، الكلام في التعقيب على الساعة ، أما سورة يونس فالكلام أصلا عن سعة علم الله عز وجل ، وبيان مقدار إحاطة هذا العلم بكل شيء

 

فسياق إحاطة علم الله بكل شيء هو الذي يقتضي التوكيد والإتيان بمن الاستغراقية

 

ومثلها (من عمل) استغراق وعموم لا يستثني شيئا

 

ـ في الأرض ولا في السماء ، في السموات ولا في الأرض

 

آية سبأ تتحدث عن الساعة، والساعة إنما يأتي أمرها من السماء وتبدأ بأهل السماء: "ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض"

 

"ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات والأرض"

 

أما يونس فالكلام فيها على أهل الأرض فناسب أن يقدم المكان (الأرض)

 

ـ ومثلها " إنّ الذينَ كَفَروا بِآياتِ الله لَهُم عَذابٌ شديدٌ والله عَزيزٌ ذو انتِقام إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" كلام عن الذين كفروا

 

ـ " وهُو الذي يُصَوّركم في الأرحام كَيف يشاء"كلام عن أهل الأرض

 

" إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء"قدم الأرض

 

ـ "رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ" ـ ابراهيم:38

 

"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ" ـ ابراهيم:39

 

ـ وقال تعالى: "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يُعَذِّبُُ مَن يَشَاء وَيَرْحَمُ مَن يَشَاء وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ" ـالعنكبوت:22

 

تقديم الأرض، وفيها إعجاز آخر إذ فيها إشارة إلى أنهم سيصعدون إلى السماء ولن يعجزوه حتى وهم هناك

 

والسماء = 1 ـ كل ما علا حتى المطر والسحاب، وهي بهذا أوسع

 

2 ـ أو واحدة السموات

 

نلحظ أنه في حالة الاستغراق والشمول جاء بالحالة الأوسع، اما الحالة التي لم يكن فيها استغراق جاء بحالة أخرى (سبأ)

 

ـ أصغرَ ، أصغرُ

 

في حالة الاستغراق جاءت (ولا اصغرَ) بالبناء على الفتح، وهذه اللا تسمى النافية للجنس

 

(لا رجلَ حاضرٌ) تنفي جنس الرجال

 

(لا رجلٌ) تحتمل نفي الجنس ونفي الوحدة، ومثلها مثل (ما)

 

يقول النحاة ابتداء من الخليل: عندما تقول (لا رجلَ) كأنه جواب لسؤال : هل من رجل؟

 

تضمر من الاستغراقية

 

فإن سألت : (هل من رجل؟) فجوابه: (لا رجلَ)

 

وإن سألت: (هل رجلٌ؟) فجوابه: (لا رجلٌ)

 

فالنافية للجنس هي أصلا تتضمن معنى (من) الاستغراقية

 

فقال (أصغرَ) في يونس

 

وهذا مناسب لوجود (من)، ويناسب الاستغراق لمواطن الاستغراق في بداية الآية (وما تتلو...)

 

أما التي ليست للاستغراق جاء فيها (ولا اصغرُ)

 

فجعل (أصغرُ) في غير موضع الاستغراق

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بارك الله فيك أختي بشاشة الزهور...

ما أحسن ظنك فيّ ... و ما أعظم ستر الله عليّ

يا أخوات...

كثير من المواضيع أنقلها و لست أقرأها ...و لعلي أقرأها إن شاء الله فيما بعد... أما الآن سأتوقف إن شاء الله للقراءة و من ثم إذا رغبتم في نقل المزيد ... فلكن ذلك إن شاء الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×