اذهبي الى المحتوى
بسمَة

|[.. دُرُوسٌ في ( الطَّهَـارَة ) ..~

المشاركات التي تم ترشيحها

 

ويَدخُلُ في الأواني المُباحة: أواني الكُفَّار؛ فتُباحُ آنيةُ الكُفَّار كُلِّهم،

ولو كانوا مِمَّن لا تَحِلُّ لنا ذبائِحُهم؛ يعني سواءٌ كانوا مِن أهل الكتاب،

أو لم يكونوا مِن أهل الكتاب. وكذلك يُباحُ لنا ثِيابُهم إذا جهلنا حالَها،

فهِيَ على الأصل جائِزةٌ حتى تُعلَمَ نَجاستُها,

 

ودليلُ إباحةِ أواني الكُفَّار أيضًا: الأحاديثُ الكثيرةُ التي جاء فيها

أنَّ النبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- وأصحابَه كانوا يَستعملون آنيةَ الكُفَّار،

ويَستعملون أمتِعَتَهم، ومِن ذلك: قِصَّةُ أكْلِهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن طعام

اليَهودِيَّةِ في غزوة خَيْبَر؛ فإنَّ اليَهودِيَّةَ لَمَّا دَعته إلى أكل الطعام، قَبِلَ منها

عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَهَبَ معه بَعضُ أصحابِهِ، فأكلوا مِن طعامها.

ولا شَكَّ أنَّ الطعامَ يكونُ موضوعًا في بَعض الأواني.

فالنبيُّ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- أكل مِن ذلك. وهذا دليلُ على إباحةِ طعامِهم،

على التَّفصيل المعروفِ عند أهل العِلمِ باختصاص المذبوح لأهل الكتاب،

وإباحةِ أوانيهم. وجاء في سُنَن أبي داود عن جابرٍ- رَضِيَ الله عنه- قال:

(( كُنَّا نغزو مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنُصيبُ مِن آنيةِ المُشركين

وأسقيتِهم، فنستمتِعُ بها، فلا يعيبُ ذلك علينا )) صحَّحه الألبانيُّ.

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

فإذا قال قائِلٌ: ماذا تقولون في حَديثِ أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ- رَضِيَ الله عنه- أنَّ

النبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- قيل له: إنَّا بأرضِ قومٍ أهل الكتاب، أفنأكُلُ في

آنِيَتِهم؟ فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (( أمَّا ما ذكرتَ مِن أهل الكتاب،

فإنْ وَجدتُم غيرَها فلا تأكلوا فيها، وإنْ لم تَجِدُوا غيرَها فاغسلوها وكُلوا فيها )).

فهذا الحَدِيثُ أمَرَ فيه النبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- بغَسل أواني أهل الكِتابِ

قبل أن نستعمِلَها، فماذا يُقالُ عن هذا الحَديثِ وهو مُعارِضٌ لَحدِيثِ جابِرٍ

رَضِيَ الله عنه؟

 

قال العُلَماءُ: الأمرُ هُنا مَحمولٌ على الاستحباب؛ يعني ليس على الوجوبِ،

بل هو على الاستحبابِ احتياطًا، جَمْعًا بينه وبين الأدِلَّةِ الأُخرى.

فنَجْمَعُ بين حَديثِ جابرٍ وحَدِيثِ أبي ثعلبة أنَّ الأفضلَ هو غَسْلُها قبل استعمالِها،

فإنْ لم تُغسَل قبل استعمالِها، فهذا جائِزٌ؛ لأنَّ الصحابةَ- رَضِيَ الله عنهم- كانوا

يفعلون ذلك، ولا يَعِيبُ عليهم النبيُّ صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم.

 

أو يُقالُ: إنَّ حَديثَ أبي ثعلبة معناه أنَّه إذا تَحقَّقنا نَجاسةَ هذه الأواني،

فحِينئذٍ يَجِبُ أن تُغسَلَ، وأمَّا إذا لم نتحَقَّق نَجاستَها، فالأصلُ هو عَدَمُ وجوبِ

غَسْلِها، كما دَلَّت عليه الأحاديثُ الكثيرةُ.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وأمَّا استعمالُ آنيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ، فإنَّ ذلك حَرامٌ؛ لقول النبيِّ صلَّى الله عليه

وعلى آلِهِ وسلَّم: (( لا تشربوا في آنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ولا تأكُلُوا في صِحافِها؛

فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولنا في الآخِرة )) مُتفقٌ عليه.

 

إذًا، هذا الحَديثُ نَهَى فيه النبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- عن استعمال آنيةِ

الذَّهَبِ والفِضَّةِ في الأكل، وعن استعمالِها أيضًا في الشُّرْبِ، وقال:(( فإنَّها لهم

في الدُّنيا، ولنا في الآخِرة )). وقال النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وسلَّم أيضًا:

(( الذي يَشربُ في آنيةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّم )) مُتفقٌ عليه.

 

وهذا التَّحريمُ عامٌّ للرِّجال والنِّساءِ، فلا يَجوزُ الأكلُ ولا الشُّربُ في أواني الذَّهَبِ

ولا أواني الفِضَّةِ، ولا استعمالُها أيضًا في الطّعامِ ولا في الشَّرابِ؛ كالملاعِق

وغيرها من الأشياءِ التي يَستعمِلُها الناسُ للأكل، لا يَجوزُ أن تكونَ مِن ذَهّبٍ

ولا مِن فِضَّةٍ. ومِثلُ استعمالِها في الأكل والشُّرْبِ استعمالُها في غير ذلك،

كاستعمالِها في الطَّهارةِ؛ أنْ يكونَ عند الإنسان إناءٌ يتوضَّأ منه، وهذا الإناءُ

فيه ذَهَبٌ أو فِضَّةٌ. ولا يُشترَطُ أن يكونَ الإناءُ خالِصًا مِن الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ،

بل سواءٌ كان ذَهَبًا خالِصًا، أو كان فيه شيءٌ مِن ذَهَبٍ أو مِن فِضَّةٍ، فإنَّ هذا

أيضًا لا يَجوزُ؛ لهذا الحَديثِ الواردِ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

 

واستعمالُها في غير الأكل والشُّرْبِ له حُكمُ استعمالِها في الأكل والشُّرْبِ أيضًا،

كما نَبَّه على ذلك أهلُ العِلْمِ رَحِمَهم الله.

 

يقولُ الحافِظُ ابنُ القيِّم- رَحِمَه الله تعالى- في قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم:

(( الذي يَشربُ في آنيةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّم )) مُتفقٌ عليه:

‹‹ هذا التَّحريمُ لا يَختَصُّ بالأكل والشُّرْبِ، بل يَعُمُّ سائِرَ وجوه الانتفاع، فلا يَحِلُّ

له أن يَغتسِلَ بها، ولا يتوضَّأ بها، ولا يَدَّهِنُ فيها، ولا يتكَحَّلُ منها ››.

قال ابنُ القيِّم: ‹‹ وهذا أمرٌ لا يَشُكُّ فيه عالِمٌ ›› انتهى كلامُه رَحِمَه الله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وكذلك لا يَجوزُ اتِّخاذُ هذه الأواني ولو لم تُستعمَل.

 

هُناك أمران:

- الأمرُ الأوَّلُ: استعمالُ هذه الأواني.

- والأمرُ الثَّاني: شِراؤها واقتناؤها بدون أن تُستعمَلَ؛

يعني يَتَّخِذُها للزينةِ، يَتَّخِذُها لأيِّ شيءٍ نحو ذلك.

 

يقولُ أهلُ العِلْمِ أيضًا: اتِّخاذُها- حتى ولو لم تُستعمَل- له نفسُ الحُكم في التَّحريم؛

لأنَّ فيه سَرَفًا، ولأنَّ فيه تَشَبُّهًا بأصحابِ الخُيَلاءِ، وفيه تَشَبُّهًا بأهل الكُفر،

والنبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- نَهَى عن ذلك كُلِّه. فكُلُّ ذلك داخِلٌ في التَّحريم.

 

استثنى العُلَماءُ مِن ذلك: ما كان فيه شيءٌ يسيرٌ مِن الفِضَّةِ للحاجةِ،

واستدلُّوا على ذلك بحَديثِ أنسٍ- رَضِيَ الله عنه- أنَّ قَدَحَ النبيِّ- صلَّى الله

عليه وسلَّم- انكسَرَ، فاتَّخَذَ مكانَ الشَّعْبِ سِلسلةً مِن فِضَّةٍ. (مكان الشَّعْبِ:

يعني مكان انكساره). فالنبيُّ- عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- فَعَلَ ذلك للحاجةِ.

فما كان شيئًا يسيرًا كهذا، يُستثنَى مِن عُموم التَّحريم؛ لفِعل النبيِّ صلَّى الله

عليه وعلى آلِهِ وسلَّم، أمَّا إذا لم تكُن هناك حاجةٌ إلى ذلك، فهو داخِلٌ

في عُموم التَّحريم الذي نَهَى عنه النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وسلَّم.

 

ويَجِبُ على كُلِّ مُسلِمٍ أن يُذعِنَ لأمر الله، ولأمر رسوله صلَّى الله عليه

وعلى آلِهِ وسلَّم، وأن يَحتسِبَ الأجرَ عند الله، والرسولُ- عليه الصَّلاةُ

والسَّلامُ- يقولُ: (( فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولنا في الآخِرة )) مُتفقٌ عليه.

فليتذكَّر كُلُّ مُسلِمٍ النَّعيمَ الذي أعدَّه اللهُ جَلَّ وعلا لأهل الجنَّةً؛

جزاءً مِن رَبِّكَ عَطَاءً حِسابًا.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

والمُؤلِّفُ- رَحِمَه الله تعالى- لم يُبَيِّن لنا مَسألةَ الطَّهارةِ في هذه الأواني المُحرَّمَة.

ما دام عَرفنا أنَّ الأصلَ في الأواني الإباحةُ، وأنَّ منها ما هو مِن الأواني المُحرَّمة؛

كآنيةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وكذلك منها ما هو مِن الأواني النَّجِسَةِ؛ كبَعضِ الأواني

المصنوعةِ مِن جِلْدِ الكَلْبِ أو مِن جِلْدِ الخِنزير أو نحو ذلك، فإنَّ هذه نَجِسَة.

فما حُكمُ الإنسان إذا توضَّأ مِن هذه الأواني، أو استعملَها في الطَّهارةِ؟

يقولُ العُلَماءُ: يُقالُ حِينئِذٍ إنَّ طَهارتَه صَحيحةٌ إذا أتَمَّها على شُرُوطِها وأركانِها،

يكونُ وُضُوءُه صَحيحًا، ويكونُ اغتسالُه صَحيحًا، لكنَّه مع ذلك يكونُ آثِمًا؛

لأنَّه خالَفَ نَهيَ النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وسلَّم، واستعمل أشياء

نَهَى عنها رسولُ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم- ولا تَحِلُّ له.

 

إذًا هُناك فَرقٌ بين استعماله لهذه الأواني في الطَّهارةِ، وبين كَوْنِهِ تَطَهَّرَ تَطَهُّرًا

صَحيحًا؛ جاء بشُرُوطِ الوضوءِ وبأركانِهِ وبواجباتِهِ، فإنَّ طُهُورَه طُهورٌ صَحيحٌ،

مِن الوضوءِ أو الاغتسال، ولكنَّه يكونُ آثِمًا لاستعمالِهِ هذه الأشياء.

 

ومِثلُ ذلك أيضًا: مَن صلَّى مِن الرِّجال وهو يَلبَسُ خاتَمًا مِن ذَهَب، فالرَّجُلُ يَحرُمُ

عليه لبسُ الذَّهَب، فإذا صلَّى يُقالُ: صلاتُه صَحيحةٌ، وهو آثِمٌ للبسه هذا الخاتم.

 

وكذلك لو صلَّى الرَّجُلُ وعليه ثِيابٌ مِن حَرير، فإنَّ صلاتَه صَحيحةٌ،

لكنَّه يكونُ آثِمًا بلبسه لهذا الحَرير المُحرَّم على الرِّجال.

 

وهكذا إذا كان الرَّجُلُ ظالِمًا، فغَصَبَ أرضًا على إنسانٍ أو على فقيرٍ، وسَكَنَها،

وكان يُصلِّي فيها، فهو يُصلِّي في أرضٍ مُحرَّمَة وأرضٍ مَغصوبةٍ، فما حُكمُ صلاتِهِ؟

صلاتُه صَحيحةٌ، لكنَّه آثِمٌ؛ لأنَّه يُصلِّي في بُقعةٍ مُحرَّمَةٍ مَغصوبةٍ ظَلَمَ فيها أصحابَها.

 

وهذه المَسائِلُ كُلُّها تَدُلُّ على انفكاكِ العِبادةِ عن هذه الأمور المُحَرَّمَةِ

التي حَرَّمَها نبيُّنا صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وسلَّم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

لتحميل الدَّرس الثَّاني مسموعًا ، اضغطن [ هُنا ] أو [ هُنا ] .

 

استمعنَ للدَّرس، فهو جميلٌ، ويَحوي فوائِد لم أذكُرها في التَّفريغ.

 

نفعني اللهُ وإيَّاكُنَّ به (":

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

:: الدَّرسُ الثَّالِثُ ::

. . . . . . .

 

 

البابُ الثَّالِثُ: بابُ الاسْتِنْجَاءِ وآدابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ:

 

والمُؤلِّفُ- رَحِمَه الله تعالى- يَذكُرُ في هذا الباب مسألتين مِن مَسائِل الطَّهارة:

- المَسألة الأولى: باب الاسْتِنْجاءِ وآدابه وما يتعلَّقُ به.

- المَسألة الثَّانية: مَسألة الآدابِ التي يتأدَّبُ بها الإنسانُ حِين قَضَاءِ الحَاجةِ.

 

والاسْتِنْجَاءُ- يقولُ العُلَماءُ- المُرادُ به:

إزالةُ الخَارجِ مِن السَّبِيلَيْن بماءٍ أو حَجَرٍ ونحوه.

 

يعني: الخَارِجُ النَّجِسُ يُزالُ إمَّا بالماءِ وإمَّا بالحِجارةِ ونحوها.

 

إزالتُه بالماءِ يُسَمَّى اسْتِنْجَاءً، وإزالةُ النَّجاساتِ بالحِجارةِ وبالمناديل

والأوراق ونحو ذلك يُسَمَّى اسْتِجْمَارًا.

 

Fassselllyy65.png

 

آدابُ الاسْتِنْجَاءِ أو ما يُسَمَّى بآدابِ قَضَاءِ الحَاجةِ منها ما هو مُسْتَحَبٌّ،

ومنها ما هو واجِبٌ، ومنها ما هو مَكروهٌ، ومنها ما هو مُحَرَّمٌ.

 

فبدأ المُؤلِّفُ- رَحِمَه الله- بذِكرِ ما يُستَحَبُّ له، فقال:

[ ويُسْتَحَبُّ إذا دَخَلَ الخَلاءَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَه اليُسرَى ] ؛

يعني: وإذا خَرَجَ يُقَدِّمُ رِجْلَه اليُمنَى، ودليلُه إجماعُ أهل العِلْمِ على استحبابِهِ.

قال الإمامُ النَّوويُّ: ‹‹ هذا الأدبُ مُتَّفقٌ على استحبابه ›› ؛ يعني بين أهل العِلم.

والعُلماءُ أخذوا هذا مِن هَدْي النبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم،

وأنَّه كان يُخصِّصُ اليَمينَ لِمَا له التَّكريمُ، ويُخصِّصُ اليَسارَ لضِدِّ ذلك.

ولذلك جاء في الحَديثِ عن أنسٍ- رَضِيَ الله عنه- أنَّه قال:

(( مِن السُّنَّةِ إذا دخلتَ المَسجدَ أن تبدأ برِجلِكَ اليُمنى،

وإذا خرجتَ أن تبدأ برِجلِكَ اليُسرى )) السلسلة الصحيحة.

فدخولُ الخَلاءِ هو عكسُ المسجد.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

= الأدبُ الثَّاني: قال المُؤلِّفُ: [ ويقولُ: بِسْمِ اللهِ ] .

يعني يُستحَبُّ له إذا أراد أن يَدخُلَ الخَلاءَ أن يقولَ: بِسْمِ الله.

وهذا الأدبُ استدلَّ له العُلماءُ بحديثِ عليٍّ- رَضِيَ الله عنه- أنَّ رسولَ اللهِ-

صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (( سَتْرُ ما بين أعيُن الجِنِّ وعَوْراتِ بني آدمَ

إذا دَخَلَ أحدُكم الخَلاءَ أن يقولَ: بِسْمِ الله )) .

قالوا: فدَلَّ هذا على استحباب أن يقولَ: (بِسْمِ الله) إذا أراد أن يدخلَ الخَلاءَ.

وهذا الحَديثُ مُختلَفٌ في صِحَّتِهِ بين أهل العِلم، والرَّاجِحُ أنَّه حَديثٌ ضَعيفٌ.

 

وإذا كان الحَديثُ ضعيفًا تأتينا مسألةٌ؛ وهِيَ:

ما حُكمُ العَمل بالأحاديثِ الضعيفةِ في فضائل الأعمال؟

بَعضُ أهل العِلم يُجَوِّزُ ذلك، ويَرى جَوازَ العَمل بالحَديثِ الضعيفِ في فضائل الأعمال،

وبَعضُ العُلماءِ يَجعلُ لذلك شُروطًا وقُيودًا ذَكَرُوها، وبَعضُ أهل العِلم يَنهَى عن العَمل

بالأحاديثِ الضعيفةِ مُطلقًا؛ لأنَّ في الصحيح غُنيةً عن العَمل بكُلِّ ضعيف.

والحَديثُ الضعيفُ معناه أنَّ النبيَّ- صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم- ما قاله،

وإذا كان كذلك فلا يُشرَع للمُسلم أن يَعتمِدَ على الظَّنِّ، وعلى أمرٍ لا يَثبُت

عن رسول اللهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم.

 

ويكفينا في هذا الباب الحديثُ الثابِتُ عن النبيِّ- صلَّى الله عليه وآله وسلَّم-

في الاستعاذة. وهذا هو الصحيح؛ أنَّ النبيَّ- عليه الصلاة والسَّلام- إنَّما ثَبَتَ عنه

أنَّه إذا أراد أن يدخُلَ الخَلاءُ أن يقولَ: (( اللهم إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِث ))

مُتَّفقٌ عليه، فقد خَرَّجَ هذا الحَديثَ البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صحيحيهما مِن حديثِ أنسٍ-

رَضِيَ الله عنه- قال: كان النبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- إذا دخل الخَلاءَ قال:

(( اللهم إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِث )) مُتَّفقٌ عليه.

 

وأمَّا حديثُ التَّسميةِ في أوَّلِهِ، فقد ذَكَرَ غيرُ واحِدٍ مِن أهل العِلم أنَّه لا يَصِحُّ،

خَرَّجَه الإمامُ التِّرمذيُّ وضَعَّفَه، وكذلك ضَعَّفَه الدَّارَقُطنِيُّ، وضَعَّفَه البَيْهَقِيُّ،

وضَعَّفَه جَمْعٌ مِن الأئمة، والقولُ بتضعيفه هو الصحيح.

 

فالحَاصِلُ أنَّه يُستحَبُّ للمُسلِم إذا دخل الخَلاءَ أن يقتصِرَ على الاستعاذة، فيقول:

(( اللهم إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِث )) مُتَّفقٌ عليه.

يُقالُ: (الخُبُث) بِضَمِّ الباءِ، ويُقالُ: (الخُبْث) كِلاهما وارِدٌ وكِلاهما صحيحٌ.

العُلماءُ يقولون: (الخُبُث) بِضَمِ الخاءِ والباءِ: ذُكرانُ الجِنِّ، و (الخَبائِث): إناثُ الجِنِّ،

و (الخُبْث) بإسكان الباء: المُرادُ به الشَّرّ. وعلى ذلك يكونُ المُراد بالخبائِث:

الأفعالُ القبيحة والخبيثة.

 

فإذا استعاذ الإنسانُ باللهِ- جلَّ وعلا- بهذا الدُّعاءِ، فهو يَستعيذُ باللهِ من الجِنِّ،

ومن أعيُن الجِنِّ وشاطِينِهم، ويَستعيذُ باللهِ من كُلِّ شَرٍّ، فهو كافٍ له في حِمايته

أثناء قضاءِ الحاجةِ من كُلِّ شَرٍّ قد يُصيبُه، فاللهُ حافِظٌ عَبدَه المُؤمن الذاكِر له.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقولُه: (( كان النبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- إذا دخل الخَلاءَ ))،

فسَّره العُلماءُ بأنَّه إذا أراد أن يَدخُلَ الخَلاءَ؛

ومعنى ذلك أنَّه يقولُ هذا الذِّكرَ قبل أن يَدخُلَ الخَلاءَ،

لكراهيةِ ذِكر الله- سُبحانه وتعالى- داخِل الخَلاءِ.

ولهذا قال المُؤلِّفُ:

[ ويقولُ أيضًا: اللهم إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ الخُبْثِ والخَبائِث ].

قال: [ وإذا خَرَجَ منه قدَّمَ اليُمنَى ].

 

يقولُ المُؤلِّفُ- رَحِمَه اللهُ تعالى- بعد ذلك: [ وقال: غُفرانَكَ ].

وهذا الدُّعاءَ ثَبَتَ في حَديثِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها وأرضاها؛ قالت:

(( كان النبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- إذا خَرَجَ من الخَلاءِ، قال: غُفرانَكَ ))

صَحَّحه الألبانيُّ. وهو استغفارٌ، يَستغفِرُ العَبدُ رَبَّه جَلَّ وعلا.

يقولُ بعضُ أهل العِلم: فيه بيانُ أنَّ الإنسانَ إذا غَفَل عن ذِكر الله،

يَرجِعُ إلى استغفاره. فلَمَّا كان مَوضِعُ قضاءِ الحاجةِ مَوضِعًا لا يَصلُخُ فيه ذِكرُ اللهِ،

ويَقَعُ فيه من الإنسان التَّوقُّفُ عن ذِكر الله، فإنَّه إذا خَرَجَ يقولُ: (( غُفرانَكَ ))؛

أستغفِرُ اللهَ من ذلك الوقتِ الذي قضيتُه لا أذكُركَ فيه. هكذا ذَكَرَ بعضُ أهل العِلم.

 

وعلى كُلٍّ، الاستغفارُ وطلبُ المغفرة من الله-جلَّ وعلا- مُلازِمةٌ للإنسان؛

لمُلازمةِ التَّقصير والعَجز له عن أداءِ كمال ما أوجَبَ اللهُ- عزَّ وجلَّ- عليه.

 

قال المُؤلِّفُ: [ أيضًا يقولُ: الحَمدُ للهِ الذي أذهَبَ عنِّي الأذى وعافاني ].

وهذا الدُّعاءُ الثاني من أدعيةِ الخُروجِ من الخَلاءِ، وقد جاء فيه أحاديثٌ ضعيفةٌ

لا تَصِحُّ عن رسول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم. فقد جاء من حديثِ أنسٍ

وحديثِ أبي ذَرٍّ- رَضِيَ اللهُ عنهما- أنَّ النبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- كان

إذا خَرَجَ من الخَلاءِ يقولُ: (( الحَمدُ للهِ الذي أذهَبَ عنِّي الأذى وعافاني ))،

ولكنْ هذه الأحاديثُ ضعيفةٌ، وقد تقدَّمَ معنا أنَّ الأحاديثَ الضعيفةَ لا يَجوزُ العَملُ

بها مُطلَقًا لا في فضائل الأعمال ولا في غيرها، على ما رَجَّحَه أهلُ العِلم.

 

فيكونُ على هذا يقولُ الإنسانُ إذا دَخَلَ الخَلاءَ:

(( اللهم إنِّي أعوذُ بِكَ من الخُبُثِ والخَبائِث ))، وإذا خَرَجَ قال: (( غُفرانَكَ )).

هذا هو الذي صَحَّ وثَبَتَ بالأسانيدِ الثابتةِ عن النبيِّ صلَّى الله عليه

وعلى آله وسلَّم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مِن الآدابِ أيضًا: ما ذَكَره المُؤلِّفُ بقوله:

[ ويَعتَمِدُ في جُلُوسِهِ على رِجْلِهِ اليُسرَى، ويَنصِبُ اليُمنَى ].

وهذا الأدبُ أيضًا ورد فيه حديثٌ ضعيفٌ لا يَصِحُّ عن النبيِّ عليه الصلاةُ والسَّلامُ،

(( أنَّه كان يأمُرُ إذا دخل أحدُنا الخَلاءَ أن يَعتَمِدَ على اليُسرَى، ويَنصِبَ اليُمنى )).

 

والحَديثُ- كما ذكرنا- حَديثٌ ضعيفٌ، في إسناده زَمعة بن صالح يَرويه

عن رَجُلٍ مجهول، ويَرويه أيضًا عن رَجُلٍ عن أبيه، وكلاهما لا يُعرَف،

فالإسنادُ ضعيفٌ جِدًّا، ولا يَصِحُّ العَملُ بالأحاديثِ الضعيفةِ كما ذكرنا،

لا في الآدابِ والفضائل ولا في غيرها.

 

فعلى هذا، هذا الأدبُ من حيثُ السُّنَّةِ ليس من السُّنَّةِ.

ولكن بعضُ الأطبَّاءِ يقولون: إنَّ فيه فائِدةً لبعض الناس.

فإذا ثَبَتَ أنَّ فيه فائِدةً لبعض الناس، فعَمِلَه من باب التَّطَبُّبِ فهو جائِزٌ،

وأمَّا من باب الاقتداءِ بالهَدْي النبويِّ ، فإنَّ هذا لا يَصِحُّ ولا يَثبُتُ

عن رسول اللهِ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم..

جميل اللهم بارك

جزاكِ الله عنا خير الجزاء حبيبتي

وفقنا الله لما يحب ويرضي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

من الآدابِ أيضًا: قولُه [ ويَسْتَتِرُ بحَائِطٍ أو غيرِه ].

الاستتارُ: المُرادُ به أن يَستُرَ بدنَه كُلَّه عن أعيُن الناس، بحيثُ لا يراه أحدٌ.

وسترُ البدن كاملًا والاختفاءُ كاملًا سُنَّةٌ، وأمَّا سترُ العَورة فهذا واجِبٌ.

 

والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة، منها: حَديثُ بَهْز بن حَكيم عن أبيه عن جَدِّه قال:

قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، عَوْراتُنا ما نأتي منها وما نَذَر؟ فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسَّلامُ:

(( احفَظ عَوْرَتَكَ إلَّا من زوجتِكَ أو ما ملكت يَمينُكَ )). فقال: يا رسولَ الله،

إذا كان القومُ بعضُهم في بعض؟ قال: (( إنْ استطعتَ ألَّا يَرَيَنَّها أحدٌ، فلا يَرَيَنَّها )).

قال: فقُلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إن كان أحدُنا خاليًا؟ فقال عليه الصلاةُ والسَّلامُ:

(( اللهُ أَحَقُّ أن يُستحيا منه من الناس )).

 

وهذا الحَديثُ خَرَّجه الإمامُ أبو داوود والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه، وهو حَديثٌ حَسَنٌ.

فَدَلَّ هذا الحَديثُ على وجوب حِفظِ العَورةِ، وألَّا يَراها إلَّا مَن أباحها له اللهُ عَزَّ وجلَّ.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

اللهم استرنا فوق الارض وتحت الارض ويوم العرض عليك

جزاكِ الله الفردوس اختي الحبيبه

في المتابعه باذن الله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

من الآدابِ أيضًا: قولُه [ ويُبْعِدُ إن كان في الفضاءِ ].

إذا كان داخل المدينةِ أو داخل البيوتِ، فإنَّه يَستتِرُ بالحائِطِ؛

يعني في بُستانٍ أو خلف جِدارٍ أو خلف ساتِرٍ، وإن كان في فضاءٍ، فإنَّه يَبتعِدُ.

إن كان في الصحراءِ أو البَرِّ فإنَّه يذهبُ بعيدًا بحيثُ لا يراه أحدٌ.

وهذا كان يَفعلُه النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، واتَّفَقَ العُلماءُ على استحبابِهِ.

يقولُ المُغيرةُ بن شُعبة رَضِيَ الله عنه: (( كُنتُ مع النبيِّ- صلَّى الله عليه وسلَّم-

في سَفَرٍ، فقال: يا مُغيرة، خُذ الإداوة. فأخذتُها )). الإداوة: الإناءُ الذي فيه ماءٌ.

قال: (( فانطلق رسولُ اللهِ- صلَّى الله عليه وسلَّم- حتى توارَى عنِّي،

فقَضَى حاجتَه )) مُتفقٌ عليه. وهذا من حيائِهِ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

هذه الأمورُ ذَكَرَها المُؤلِّفُ في باب [ ما يُستَحَبُّ في أثناءِ قضاءِ الحاجة ].

 

فإن قال قائلٌ: كيف يَذكُرُ المُؤلِّفُ- رَحِمَه الله تعالى- أحاديثَ ضعيفةً وهِيَ لا تَصِحُّ،

ويَعتمِدُها في هذا الباب؟

 

فالجَوابُ عن ذلك: أنَّهم يذكرونها- مثلًا- لأنَّهم يَرَوْنَ صِحَّتَها، هذا أمرٌ.

أو يذكرونها لأنَّهم يَرَوْنَ العَمَلَ بها في فضائِل الأعمال، ويُجوِّزونَ ذلك.

ورُبَّما ذَكروها اعتمادًا على أنَّها صحيحةٌ، ويَخفَى على بَعضِهم أنَّها لا تَصِحُّ.

 

فهذه أعذارٌ يُمكنُ أن يُعتَذَرَ بها عن أهل العِلم الذين يذكرونَ الأحاديثَ الضعيفةَ

أو بعضَ الأحاديثِ الضعيفةِ في الأحكام الفِقهيَّةِ.

 

والحَقُّ أَحَقُّ أن يُتَّبَعَ، فإذا تبيَّنَ للإنسانِ الحَقُّ بدليله، فإنَّه يذهبُ إليه

ويتَّبِعُه ، اتِّباعًا لسُنَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

المُؤلِّفُ بعد ذلك ذَكَرَ لنا الأشياءَ التي لا تجوزُ ويَحرُمُ على مَن قضى حاجتَه

أن يفعلَها، فقال: [ ولا يَحِلُّ له أن يَقضِيَ حاجتَه في طِريقٍ، أو مَحلِّ جُلوس الناس،

أو تحت الأشجار المُثمِرة، أو في مَحلٍّ يُؤذِي به الناسَ ].

 

دليلُ هذا التَّحريم: الحَديثُ المُخَرَّجُ في صحيح مُسلِمٍ، أنَّ النبيَّ- صلَّى الله عليه وسلَّم-

قال: (( اتَّقُوا اللَّعَّانَيْن )). قالوا: وما اللَّعَّانانِ يا رسولَ الله؟ قال: (( الذي يتخلَّى في

طريق الناس أو في ظِلِّهِم )) رواه مُسلِم. وهذا من حديثِ أبي هريرة رَضِيَ الله عنه.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

يقولُ: [ الأمرُ الثاني: ألَّا يستقبِلَ القِبلةَ أو يَستدبِرَها حالَ قضاءِ الحاجة ].

ودليلُ ذلك قولُ النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: (( إذا أتيتم الغائطَ ،

فلا تستقبِلوا القِبلةَ ولا تستدبِروها ببوْلٍ ولا غائطٍ ، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا )).

وهذا الحَديثُ أخرجه البُخاريُّ ومُسلِمٌ، وكذلك أخرجه بقيَّةُ السَّبعة: البُخاريُّ

ومُسلِم وأبو داود والنّسائيُّ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه وأحمد.

 

وقولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( شرِّقوا أو غرِّبوا ))، هذا خِطابٌ لأهل المَدينةِ،

ولِمَن كان في ناحيتِهم، كأهل الشَّام وأهل اليَمن؛ لأنَّ أحدَهم إذا اتَّجَه إلى المَشرِق

كانت القِبلَةُ عن يَمينه، وإذا اتَّجَه إلى المَغرِب كانت القِبلَةُ عن يَساره.

ولكنْ غيرُ أهل المَدينةِ ومَن كان في ناحيتِهم لا يُقالُ له: شَرِّق أو غَرِّب.

 

وهذا الحَديثُ حَمَلَه بعضُ العُلَماءِ على التَّحريم في غير البُنيان.

قالوا: وأمَّا إذا كان في البُيُوتِ وداخِل البُنيان، فإنَّه لا يَحرُمُ عليه ذلك،

والدليلُ حَديثُ عبد الله بن عُمر أنَّه قال: (( ارتَقَيْتُ فوقَ ظهرِ بيتِ حفصةَ

لبعضِ حاجتي ، فرأيتُ رسولَ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقْضي حاجتَه ،

مُسْتَدبِرَ القِبلةِ ، مُستقبِلَ الشَّأْمِ )) مُتفقٌ عليه.

وفي حَديث جابرٍ- رَضِيَ اللهُ عنه وأرضاه- في سُنَن أبي داود والتِّرمذيِّ، قال:

(( نهى نبيُّ اللهِ- صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أن نستقبِلَ القِبلةَ ببَولٍ ، فرأيتُه

قبل أن يُقبضَ بعامٍ يستقبُلُها )). وكذلك في سُنَن أبي داود عن مَروان الأصفر

قال: (( رأيتُ ابنَ عمرَ أناخَ راحلتَه مُستقبِلَ القِبلةِ ، ثمَّ جلسَ يبولُ إليها .

فقلتُ : يا أبا عبدِ الرَّحمنِ ، ألَيسَ قد نُهيَ عن هذا ؟ - أي نُهِيَ عن استقبال

القِبلة - قالَ : بلَى إنَّما نُهيَ عن ذلِك في الفضاءِ ، فإذا كانَ بينَك وبينَ القبلةِ

شيءٌ يَسترُك فلا بأسَ )).

 

إذًا هذه الأحاديثُ يُجمَعُ بينها وبين حَديثِ أبي أيُّوبَ- رَضِيَ اللهُ عنه- بأنَّ

المُرادَ بنَهي النبيِّ- صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ وسلَّم- عن استقبال القِبلةِ واستدبارها،

فيما إذا كان في غير البُنيان ( في الصّحراء / في الخَلاء ) ، أمَّا إذا كان

في داخل البُيوتِ، فإنَّه لا يَجوزُ له أن يَستقبِلَ القِبلةَ أو يَستدبرها.

ولا شَكَّ أنَّ الأفضلَ هو عَدمُ فِعل ذلك، لكنْ لو فَعَلَه في البُنيان،

فإنَّه جائِزٌ له وليس بالأمر المُحرَّم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

خَتَم المُؤلِّفُ- رَحِمَهُ اللهُ تعالى- هذا البَابَ بذِكر بعض أحكام الاستجمار .

والاستجمارُ: هو قَطعُ الخَارج مِن السَّبيلين بغير الماءِ؛ يعني بالحِجارة أو بالمناديل

والورق أو بنحو ذلك مِمَّا أَذِنَ به دِينُنا.

 

ولهذا يقولُ العُلماءُ: الاستجمارُ مأخوذٌ من الجِمار؛ وهِيَ الحِجارةُ الصَّغيرةُ.

واسْتَجْمَرَ: أي استنجَى بالجِمار؛ أي استنجَى بالحِجارة.

 

يقولُ العُلماءُ: الاستجمارُ جائِزٌ ولو مع وجودِ الماءِ في قول عامَّةِ أهل العِلم.

 

والأحوالُ ثلاثة:

- إمَّا أن يَستنجِيَ بالماءِ.

- وإمَّا أن يَستجمِرَ بالحِجارة أو بالأوراق أو المناديل وغير ذلك.

- وإمَّا أن يَجمَعَ بين الأمرين؛ يَستجمِر ويَستنجِي.

 

أكمَلُ الأحوال الثلاثة:

- الحالةُ الأُولَى: أن يُزيلَ النَّجاسةَ بالأحجار، ثُمَّ يُتبِعُها بالماءِ.

- الحالةُ الثانية: أن يَستخدِمَ الماءَ.

- ثُمَّ الحالةُ الثالثة: أن يَستخدِمَ الحِجارةَ والأوراقَ ونحوَها.

 

 

يَجِبُ في الاستجمار أن يكونَ ثلاثَ مَسحاتٍ فأكثر، وأن تكونَ مُنقِيَةً.

والإنقاءُ: هو أن يَرجِعَ الحَجَرُ يابِسًا غيرَ مبلول، أو يبقى أثرٌ لا يُزيلُه إلَّا الماءُ.

 

إذًا، إذا استُعمِلَ غيرُ الماءِ- كالمناديل- لا بُدَّ أن يكونَ ثلاثَ مَسحاتٍ؛

يعني لو انقطَعت النَّجاسةُ مِن مَسحةٍ واحدةٍ، لا بُدَّ أن يُضيفَ ثانيةً وثالثةً؛

لأنَّ أقلَّ الاستجمار ثلاث مرَّاتٍ، فإذا لم ينقطِع بثلاثٍ يُضيفُ رابعةً وخامسةً،

فإذا لم ينقطِع يُضيفُ سادسةً وسابعةً. فالواجِبُ أن يكونَ ثلاثةً،

والسُّنَّةُ أن يقطَعَه على وِتر.

 

يقولُ سَلْمانُ- رَضِيَ اللهُ عنه- وقد قيلَ له: قد علَّمكم نبيُّكم- صلَّى اللهُ عليه

وآله وسلَّم- كُلَّ شيءٍ حتى الخِراءة. قال: (( أَجَلْ، لقد نهانا أن نستقبِلَ القِبلةَ

لغائِطٍ أو بَوْلٍ، أو أن نستنجِيَ باليَمين، أو أن نستنجِيَ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ،

أو أن نستنجِيَ برَجيعٍ أو بعَظمٍ )) رواه مُسلِم.

 

= فهذا فيه فوائِد:

1- أنَّ مِن آداب قَضاءِ الحَاجةِ النَّهيُ عن استقبال القِبلةِ واستدبارها

أثناءَ قَضاءِ الحَاجة.

2- أنَّه لا يَجوزُ الاستنجاءُ باليَمين؛ يعني مُباشرة اليَمين للنَّجاسة.

3- ألَّا يستنجى بأقلّ مِن ثلاثةِ أحجار.

4- أنَّه لا يَجوزُ الاستنجاءُ برجيعٍ أو بعَظم .

( الرَّجيعُ: المُرادُ به: رَجيعُ الدواب، وهو رَوْثُ الدواب ونحو ذلك، فإنَّه نَجِس ).

 

 

ويُسَنُّ في الاستجمار قَطعُه على وِتْرٍ كما ذكرنا؛ لقول النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:

(( مَن توضَّأ فليَستنثِر، ومَن استجمَرَ فليُوتِر )) مُتفقٌ عليه.

 

 

ومِن مَسائِل هذا الباب: أنَّ الجَمْعَ بين الاستجمار والاستنجاءِ- كما ذكرنا- مُستحَبٌّ

في قول عامَّةِ أهل العِلم. وقد أخذ أهلُ العِلم استحبابَه من الأدِلَّةِ العَامَّةِ في الشريعةِ

التي تدُلُّ على استحباب إزالةِ النَّجاسةِ والتَّنظُّفِ والإنقاءِ للمَحلِّ النَّجِس.

 

ويَجوزُ الاقتصارُ في قَطع النَّجاسةِ على الاستجمار بالحِجارةِ كما ذكرنا،

والأكملُ منه أن يجمع بين الحِجارة والماءِ.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وأمَّا قولُ المُؤلِّفِ- رَحِمَه اللهُ-: [ لا يَستجمِرُ بعَظمٍ ولا رَوْث ] ، فدليلُ ذلك

ما في صحيح الإمام البُخاريِّ عن أبي هُريرة أنَّه كان يَحمِلُ مع النبيِّ-

صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- إداوةً مِن ماءٍ لوضوئِهِ وحاجته، فبينما هو يَتبعُه بها،

قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (( مَن هذا؟ )). فقال: أنا أبو هُريرة.

فقال: (( ابغِني أحجارًا أستنفِضُ بها، ولا تأتني بعَظمٍ ولا برَوْثة )).

فبَحَثَ أبو هُريرة، قال: فجِئتُه بالأحجار، فلَمَّا قَضَى حاجتَه سألتُه فقُلتُ:

يا رسولَ اللهِ، ما بالُ العَظم والرَّوْثة؟ ( يعني لِمَ نهيتني أن آتِيَكَ بعَظمٍ

أو آتِيَكَ برَوْثَة؟ .. والرَّوْثَةُ- كما ذكرنا- هو رَجيعُ الدواب، غائط الدواب

مِن الحِمار ونحو ذلك ). قال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: (( هُما من طعام الجِنِّ،

وإنَّه أتاني وَفْدُ جِنِّ نَصيبين، ونِعْمَ الجِنّ، فسألوني الزَّادَ، فدَعوتُ اللهَ لهم

ألَّا يَمُرُّوا بعَظمٍ ولا برَوْثَةٍ إلَّا وجدوا عليها طعامًا )) رواه البُخاريّ.

ولهذا نَهَى النبيُّ- صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عن استخدام العِظام؛

لأنَّها تعودُ لَحمًا لإخوانِنا من الجِنِّ، والرَّوْثَةُ تعودُ لَحمًا لبَهائِمِهم.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

قال ابن القيم رحمه الله : ولو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين والالتحاق بعالم الملائكة لكفى به شرفاً وفضلاً ، فكيف وعزّ الدنيا والآخرة منوط به مشروط بحصوله

×