اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

وقفات مع حديث " دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ " أيمن الشعبان

المشاركات التي تم ترشيحها

%D8%AF%D8%A7%D9%88%D9%88%D8%A7+%D9%85%D8%B1%D8%B6%D8%A7%D9%83%D9%85+%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D9%82%D8%A9.jpg

 

 

 

عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول

( دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ ).[1]

 

لأول وهلة قد يستغرب قارئ أو سامع هذا الحديث بلسان حاله أو مقاله " ما علاقة الصدقات بعلاج الأمراض؟ " لكن عندما نعلم أن نبينا عليه الصلاة والسلام طبيب القلوب التي إذا مرضت كان خطرها على الإنسان أشد بكثير من أمراض الجوارح، لأن القلب ملك والجوارح جنود، وقد علّمنا عليه الصلاة والسلام كيف نعالج قلوبنا من الأمراض المعنوية.

 

حقيقة اليقين والتسليم بما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام تقودنا للإيمان الصادق والعلم النافع والعمل الصالح، كيف لا وما من خير إلا دلنا عليه صلى الله عليه وسلم وما من شر إلا حذرنا منه.

 

علاج الأمراض له صلة وثيقة بالعقيدة وحسن التوكل على الله، يقول سبحانه عن إبراهيم عليه السلام( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )[2]، أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه[3].

 

والقرآن كما أخبر الرحمن علاج لأهل الإيمان إذا صدق القلب وانشرح الصدر بالقبول والإذعان قال تعالى( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )[4]، قال ابن القيم:" فالقرآنُ هو الشِّفاء التام مِن جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواءِ الدنيا والآخرة، وما كُلُّ أحدٍ يُؤهَّل ولا يُوفَّق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعَه على دائه بصدقٍ وإيمان، وقبولٍ تام، واعتقادٍ جازم، واستيفاءِ شروطه، لم يُقاوِمْهُ الداءُ أبداً"[5].

 

ولما كان المرض قاهر الرجال وعدو الأجيال والابتلاء الذي لا تستقر معه حال؛ ناسب أن يكون العلاج في تنفيس الكربات وتفريج الهموم وإغاثة الملهوف، من خلال بذل المال والصدقات ونفقته على المحتاجين.

 

وقد لا تصل العقول لحقائق ونتائج عملية لتلك الطرق والوسائل العلاجية، إلا بعد التجارب لكن ما أخبرنا به عليه الصلاة والسلام صدق وحقيقة لا مرية ولا شك فيه، فهو القائل( تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم )[6]، وهذا الإخبار الهام لا يصدر إلا بوحي رباني، فعلاج المرضى بالصدقة جزء من ذلك.

 

فإن الطب نوعان جسماني وروحاني فأرشد النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الأول آنفاً وأشار الآن إلى الثاني فأمر بمداواة المرضى بالصدقة ونبه بها على بقية أخواتها من القرب كإغاثة ملهوف وإغاثة مكروب وقد جرب ذلك الموفقون فوجدوا الأدوية الروحانية تفعل ما لا تفعله الأدوية الحسية.[7]

 

الإسلام دين شمولي يحض على التكافل الاجتماعي والاقتصادي، وإخراج المال وبذله للآخرين مآله إسعاد فئات متنوعة من المجتمع وسد حاجاتهم، وبالتالي الجزاء من جنس العمل ( وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان )، فالله سبحانه تكفل لمن أنفق دون رياء وبذل بلا مَنّ وأذى، أن يداوي مرضاه ويعافي مبتلاه.

 

العلاج بالصدقة لدفع الأمراض والبلاء عام قد ينتفع منه غير المؤمن كالفاجر والظالم والكافر، يقول ابن القيم:" فإن للصدقة تأثيرا عجيبا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعا من البلاء وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه"[8].

 

الزكاة والصدقة تُزكي النفوس وتطهرها من أدران الشح والبخل والطمع والانكباب على الماديات، فينعكس ذلك على راحة البال وطمأنينة النفس وانشراح الصدر، ولهذا علاقة قوية وثيقة بكثير من الأمراض التي معظمها ناتجة عن اضطرابات نفسية كالقرحة وعسر الهضم والتهاب القولون، بل كثير من الأمراض تتأثر بشكل كبير بالحالة النفسية كارتفاع ضغط الدم وتصلب الشرايين والتهاب المفاصل وغيرها.

 

ولا يعني التداوي بالصدقة إهمال بقية الوسائل من الاستشفاء بالقرآن والدعاء والرقية الشرعية، والأخذ بالأسباب المادية من الأدوية وغيرها، لكن المريض بحسبه فقد يشتد المرض ويحتاج الجمع بين أكثر من طريقة، قال ابن الحاج في المدخل:" والمقصود من الصدقة أن المريض يشتري نفسه من ربه عز وجل بقدر ما تساوي نفسه عنده والصدقة لا بد لها من تأثير على القطع لأن المخبر صلى الله عليه وسلم صادق والمخبر عنه كريم منان ثم إن الثواب حاصل بنفس الصدقة ثم بعد ذلك إن صح صاحبها من مرضه فبخ على بخ وهو الغالب في حق من امتثل السنة المطهرة".

 

وهنالك العديد من القصص والعجائب قديما وحديثا تؤكد هذه الحقيقة، نقتصر على ما يلي:

 

الأولى: سأل رجل عبد الله ابن المبارك قائلا: يا أبا عبد الرحمن قرحة خرجت في ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجت بأنواع العلاج و سألت الأطباء فلم أنتفع به، فقال: اذهب فانظر موضعا يحتاج الناس إلى الماء، فاحفر هناك بئرا فإني أرجو أن تنبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ.[9]

 

الثانية: أصيبت بفشل كُلوي - نسأل الله السلامة والعافية والشفاء لمرضى المسلمين – عانت منه كثيرًا بين مراجعات وعلاجات فطلبت مَنْ يتبرعُ لها بكُلْيَة (بمكافأة قدرها عشرون ألف ريال) وتناقل الناس الخبر ومن بينهن تلك المرأةُ التي حضرت للمستشفى، موافقًة على كافة الإجراءات وفي اليوم المحدد دخلت المريضةً على المتبرعة فإذا هي تبكي فتعجبت وسألتها ما إذا كانت مكرهةً فقالت: ما دفعني للتَّبرع بكليتي إلا فقري وحاجتي للمال ثم أجهشتْ بالبكاء فَهَدَّأتها المريضة وقالت: المال لك ولا أريد منك شيئًا, وبعد أيام جاءت المريضة للمستشفى وعند الكشف عليها رأى الأطباء العجب فلم يجدوا أثرًا للمرض فقد شفاها الله تعالى ولله الحمد[10].

 

في النهاية لابد من التنبيه والتنويه لبعض المسائل السريعة في هذا المقام:

- الصدقة طاعة عظيمة وقربة جليلة، وحتى تؤتي ثمارها ينبغي أن يتحقق فيها الإخلاص والاتباع كشروط لقبول أي عمل.

- احرص على أن تتصدق من طيب مالك "فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا"[11].

- اجعل نيتك في هذه الصدقة العلاج والشفاء وتنفيس هموم الآخرين.

- ليكن لديك ثقة تامة ويقين صادق بأن الله سيشفي مريضك مع ضرورة عدم استعجال النتيجة.

- العلاج بالصدقة توجيه نبوي شبه مهجور حبذا الاهتمام بهذا الجانب.

- الصدقة من شكر نعمة المال، بأدائها ترفع نقمة وابتلاء المرض بإذن الله.

- كما يهتم الإنسان بالطبيب الحاذق، ينبغي للمتصدق أن يتحرى المحتاج فعلا والمستحق.

 

أيمن الشعبان

29/5/2013

 

---------------------------

[1]حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 3358.

[2] ( الشعراء:80 ).

[3] تفسير ابن كثير.

[4] ( الإسراء:82 ).

[5] زاد المعاد في هدي خير البعاد.

[6] صحيح الجامع برقم 2930.

[7] فيض القدير شرح الجامع الصغير.

[8] الوابل الصيب من الكلم الطيب.

[9] شعب الإيمان للبيهقي.

[10] من عجائب الصدقة.

[11] صحيح مسلم.

 

صيد الفوائد

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
- داوُوا مرضاكم بالصَّدَقةِ [يعني حديث: حصِّنوا أموالَكم بالزَّكاةِ وداووا مرضاكم بالصَّدقةِ واستقبلوا أمواجَ البلاءِ بالدُّعاءِ والتَّضرُّعِ]
خلاصة حكم المحدث : حسن لغيره
الراوي : الحسن البصري | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الترغيب الصفحة أو الرقم : 744
التخريج : أخرجه أبو داود في ((مراسيله)) (105)، وابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (816) مطولاً.
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ
 
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هــادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شـــــريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورســــــــولُه القائل: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ))[1].
إنَّ الصلاة على النَّبي وسيلة space.gif

فيها النَّجاة لكلِّ عبدٍ مُسْلِمِ space.gif
 
صلُّوا على القمر المُنير فإنَّه space.gif
‏نورٌ تبدَّى في الغمام المُظلِمِ space.gif
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].
﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ سيدنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ في النَّارِ.
نقف اليوم مع عمل يقربك من الله تعالى، ويجعل محبتك في قلوب الناس؛ بل إن هذا العمل يدفع عنك سبعين بابًا من البلاء، ويطفئ الخطيئة، ويدفع ميتة السوء، وينوِّر لك في قبرك، ويقف لك في ذلك اليوم الهائل كمظلة يظلك من حرارة الشمس؛ بل سيأخذ بيدك إلى جنات النعيم، هذا العمل هو الصدقة.


أيها المسلم الكريم، تحدثنا في الجمعة الماضية عن وصية من وصايا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي: ((حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَاسْتَقْبِلُوا أَمْوَاجَ الْبَلَاءِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ))[2].
ووقفنا في الجمعة الماضية مع النصيحة الأولى من هذه الوصية وهي: ((حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ))، واليوم سنقف مع النصيحة الثانية وهي: ((وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ))، فنبيُّكم صلى الله عليه وسلم أراد من خلال هذه النصيحة أن يقول لكل مسلم: يا مسلم، إذا أصابك الْهَمُّ، وابتُليت بالأمراض، وعجز الأطباء عن علاجك، فعليك بهذا العلاج ((دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ)).
أنت عندما تذهب إلى الطبيب ويكشف عليك أو على مريضك، ويكتب لك وصفة علاجية، وتذهب بها إلى الصيدلية وتشتريها بثلاثين ألفًا أو أربعين ألفًا، أخرج من جيبك خمسة آلاف أو عشرة آلاف وتصدَّق بها على الفقراء والمساكين بنية شفائك أو شفاء مريضك، وسترى مفعول هذه الصدقة أمام عينيك؛ لأن هذا وعد ليس مني؛ بل هو وعْدٌ من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، القائل: ((وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ)).
هذا أَبُو عبدالله مُحَمَّدُ بِنُ عبدالله الحَاكِمُ النيسابُورِي من كبار المحدِّثين، اشتهر بكتابه «المُسْتَدْرَك على الصَّحِيْحَيْن»، أصيب بقرحة في وجهه، وتقرح الجلد، وبدأ تسيل منه القروح والصديد، وعالجها بأنواع المعالجة فلم يذهب وبقي يعاني منها سنة كاملة، وفي ذات يوم طلب الحاكم النيسابُورِي من الإمام أبي عثمان الصابوني أن يدعو له في مجلسه يوم الجمعة، وفعلًا دعا له وأمَّنَ الناس على دعائه، وفي الجمعة الأخرى أَلْقَتِ امرأة رقعة في المجلس؛ بأنها عادت إلى بيتها واجتهدت في الدعاء للحاكم أبي عبدالله تلك الليلة، فرأت في منامها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: (قُولِي لِأَبِي عَبْدِاللهِ: يُوسِّعُ الْمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ)، فجيئت بالرقعة إلى الحاكم أبي عبدالله، فأمر بسقاية بُنِيت على باب داره، وحين فرغوا من بنائها أمر بصبِّ الماء البارد النقي ليشرب الناس منه في الحر الشديد، وأخذ الناس في الشرب، فما مرَّ عليه أسبوع حتى ظهر الشفاء، وزالت تلك القروح، وعاد وجهه إلى أحسن ما كان، وعاش بعد ذلك سنين[3]، وكل ذلك ببركة هذه الصدقة ((وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ)).


أيها الحبيب، إن الصدقة على الفقـــــراء والمساكين والأرامـــل والمحتاجين في الســــــــراء والضـــــراء من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 133، 134].
ولذلك الشيـــطان سيقف في طريقــك ويمنعك من الصدقة حتى يحرمك أجـــــرها وثوابـــها، فقال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268]، ومعنى الآية: أَنَّ الشَّيْطَانَ يُخَوِّفُكُمْ بِالْفَقْرِ، وَيَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ مَالَكَ فَإِنَّكَ إِذَا تَصَدَّقْتَ بِهِ افْتَقَرْتَ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ، أَيْ: بِالْبُخْلِ وَمَنْعِ الزَّكَاةِ، قال أهل التفسير: كل فاحشةٍ في القرآن إنما أريد بها: الزنــــا، إلا في هذا الموضع فإنها البخل ومنع الزكاة وهذا بإجماع أهل التفسير[4].


فكلما نويت أن تتصدَّق من مالك جاءك الشيطان ليمنعك، ويبدأ يوسوس لك ويقول: أولادك أولى بهذه الصدقة، أنت بحاجة إلى هذه الصدقة لتدفع بها أجور المولدة والكهرباء والماء، عائلتك بحاجة إلى الطعام والشراب، أولادك بحاجة إلى الثياب، يذكرك بكل المشاريع الاقتصادية من أجل أن يمنعك من التصدُّق، هذه وساوس الشيطان لك... لكن انظر إلى ربك ماذا وعدك اذا تصدقت: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]، فأي الوعدين ستُصدِّق، هل ستُصدِّق بوعد الشيطان أم بوعد الله تعالى؟!


هل تعلم أن الصَّدَقة التي تتصدَّق بها على الفقير تقع في يد الله تعالى قبل أن تقع في يد الفقير، هذا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم يُخبِرُنا أنَّ مَن تَصدَّقَ بقِيمةِ تَمرةٍ مِن كَسْبٍ طيِّبٍ حَلالٍ -ولا يقبَلُ اللهُ إلَّا الكسْبَ الحلالَ- فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالَى يَتقبَّلُها بيَمينِه كَرامةً لها، وكِلْتَا يَدَيْه تعالَى يَمِينٌ مُبارَكةٌ، ثمَّ يُنَمِّيها ويُضاعِفُ أجرَها لِتَثقُلَ في ميزانِ صاحبِها، كما يُربِّي المرءُ مُهْرَه الصَّغيرَ مِن الخَيْلِ الَّذي يَحتاجُ للرِّعايةِ والتَّربيَةِ، حتَّى تَكونَ تلك الصَّدقةُ مِثلَ الجبَلِ حَجْمًا وثِقَلًا يومَ القِيامةِ[5].


نحن مشكلتنا أيُّها الناس مع الشيطان الذي يحاول منعنا من التصدُّق، مشكلتنا مع النفس الأمَّارة بالسوء التي تأمرنا بالبخل؛ ولذلك يقـــول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ، أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)) [6].


أيها المسلم، اعلم أنك بحاجة إلى الصدقة أكثر من حاجة الفقير إليها؛ لأن الفقير عندما يأخذ الصدقة فهو يريد أن يملأ بطنه، أو يطعم عياله، أو يسدد دينه، أو يشتري بها حاجة ينتفع بها، لكنك أنت يا صاحب الصدقة، بصدقتك تطفئ غضب ربك؛ لأنه ربما غضب الله يصيبك في بدنك، أو يصيبك في مالك، أو في سيارتك، أو في محلاتك، أو في أولادك، أو في بيتك.


ثم من منا لا يذنب؟ من منا لا يرتكب خطأ؟ إذا نام أحدنا عن صلاة الفجر فقد أغضب الله، إذا كان في الأسواق والكماليات ونظر إلى الحرام فقد أغضب الله، إذا تكلم بكلام فاحش وبذيء وسبَّ فلانًا ولعن فلانًا فقد أغضب الله، إذا أكَلَ حَقَّ الناس فقد أغضب الله، فما دمنا قد أذنبنا فقد أغضبنا ربنا، فما هو الحل لإطفاء غضب الله؟ الحل هو أن تتصدَّق، فأنت بحاجة إلى الصدقة أكثر من حاجة الفقير إليها؛ لأنك بصدقتك تطفئ غضب ربك، هذا سيدنا أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ))[7].
يذكر أن رجلًا سأل عبدالله بن المبارك (رحمه الله) عن مرض أصابه في ركبتيه منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج وسأل الأطباء فلم ينتفع، فقال له ابن المبارك: "اذهب واحفر بئرًا، فإن الناس بحاجة إلى الماء، فإني أرجو أن تنبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل ذلك فبرأ" [8].
يقول أحد الدعاة وهو يروي قصةَ رجلٍ كان مريضًا بالقلب فشفاه الله - تعالى - بالصدقة!
يقول: كان رجلٌ مريضًا بالقلب، ولا علاج له إلا بعملية جراحية لتوسيع أحد الشرايين، وسافر إلى أوروبا لعمل تحاليل وإشاعات لتحديد يومِ إجراء العملية، وبالفعل تم تحديد العملية، وعاد الرجل إلى مصر قبل السفر مرة أخرى لإجراء العملية، وفي أحد الأيام ذهب لشراء بعض الكيلوجرامات من اللحم، وأثناء شرائه اللحم رأى سيِّدة تقوم بجمع العظم وبعض القطع الصغيرة جدًّا من اللحم التي تقع من الجزار أثناء تقطيعه اللحم، فتعجَّب الرجل من ذلك وتأثر، ثم سأل الجزار، وقال له: مَن هذه السيدة؟ فقال الجزار: إنها أرملة، ولها أولاد، ولا تستطيع شراء اللحم، فتقوم بجمع العظم! فتأثر الرجل بقصة هذه السيدة، فقال للجزار: خُذْ هذا المبلغ من المال، وأَعطِها (2 كيلو)، وكل أسبوع سيصلك مثل هذا المبلغ لإعطائها (2 كيلو) كل أسبوع مدى الحياة، فدَعَتِ السيِّدة للرجل، وبعد عدَّة أيام سافر الرجل لإجراء العملية، وأثناء إجراء بعض التحاليل والإشاعات قبل إجراء العملية وجد الأطباء شيئًا غريبًا؛ حيث إنهم وجدوا الشريان الذي يحتاج إلى التوسيع قد عاد لأصله، ولا يحتاج للتوسيع، فقالوا له: مَن قام لك بإجراء العملية، فأقسم لهم أنه لم يَقُم بإجراء العملية، فعَلِم الرجل أن صدقتَه التي أعطاها للسيدة الفقيرة كانت سببًا في شفائه.


فيا من عندك مريض وعجز الطب عن علاجه تصَدَّق بنية الشفاء، يا من عندك حاجة وتريد أن يقضيها لك الله تصدَّق بنية قضاء حاجتك، يا من عندك ولد قد أتعبك تصدَّق ثم ادْعُ الله له بالهداية، يا من تشكو من قلة البركة في راتبك ومعاشك تصَدَّق، يا من عندك مشكلة بينك وبين زوجتك وبين أولادك تصَدَّق وادْعُ الله أن يحلها لك.
ويقول ابن القيم (رحمه الله): "فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجر أو من ظالم بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه" [9].
إذا جَادَتِ الدُّنيا عَلَيْكَ فَجُدْ بها space.gif

على الناس طرًّا إنها تتقلب space.gif
 
فَلا الجُودُ يُفْنِيْها إذا هِيَ أَقْبَلَتْ space.gif
ولا البُخْلُ يُبْقِيْها إذا هِيَ تَذْهَبُ space.gif
فيا أخي الكريم، تعال لنتصدَّق ونساعد الفقراء والمحتاجين، ولنمد أيدينا إليهم، والله يوم ينظر الله تعالى إلى أمة يرحم غنيُّها فقيرَها، وقويُّها ضعيفَها، والله سينظر إليها بعين الرحمة، وتذكروا قوله صلى الله عليه وسلم: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ))[10].
اللهم اجعلنا من المتصدِّقين المنفقين في سبيلك، اللهم إنا نعوذ بك من فتنة المال والولد، اللهم أصلح لنا ذرياتنا وأزواجنا وأهلينا آمين اللهم آمين.


الخطبة الثانية
مسألتنا الفقهية تتعلق بمسائل الزكاة:
أولًا: تُقوَّم عروض التجارة بالسعر الذي تُشترى به وقت حولان الحول مع إضافة إلى أجور النقل والحمل.
ثانيًا: لا يكفي الرضخ والتخمين لمواد المحل أو أجزاء المعروض أيًّا كان؛ بل لا بد من الإحصاء التام والحساب الدقيق، يعني: يحسب ما في المحل حاجةً حاجةً بالنسبة للمعدود، وبالوزن بالنسبة للشيء الموزون، وبالذراع للمذروع.
ثالثًا: لا تحسب الأشياء الثابتة في المحل التي لم تعد للبيع؛ كالميزان والرفوف والمراوح وما إلى ذلك.
سؤال: إذا ملك نصابًا وقبل حولان حوله دخل وارد آخر مثله، فهل لا بد من حولان حول المال الجديد؟
الجواب: لا يشترط حولان حول للمال الجديد؛ بل حول الأول يكفي للكل فإذا كان لديه (4) ملايين وقبل الحول دخلت عليها مثلًا مليونان، فإنه عند حولان حول المبلغ السابق يزكي (6) ملايين؛ لأن أصل النصاب مرَّ عليه الحول والمضاف يكون تبعًا ولو لم يمر عليه الحول.

[1] صحيح مسلم، كتاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ- بَابُ اسْتِحْبَابِ الْعَفْوِ وَالتَّوَاضُعِ: (4/ 2001)، برقم (2588).
[2] أخرجه أبو داود في كتابه المراسيل، كتاب الطهارة، باب في الزكاة، رقم: (105) مرسلًا، واللفظ له. ورواه الطبراني في الأوسط، رقم: (1963) والبيهقي، الزكاة، فصل فيمن آتاه الله مالًا من غير مسألة، رقم: (3279). قال المنذري في الترغيب والترهيب: «رُوِي مرسلًا ورُوِي متصلًا والمرسل أشبه، 1/ 301، رقم: (1112) وهو حديث حسن. والمرسل عند جمهور الفقهاء حجة شرعية.
[3] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: (3 / 221).
[4] ينظر: معالم التنزيل للبغوي: (1/ 372)، ولباب التأويل للخازن: (1/ 290)، قال ابن القيِّم: "أمَرَه -الشيطانُ- بالفحشاء، وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش، وهذا إجماع من المُفسرين أن الفحشاء هنا: البخل"؛ (انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: 375).
[5] الحديث: ((مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ - وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ))؛ صحيح البخاري، كتاب الزكاة- باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ (2/ 134)، برقم (1410).
[6] صحيح مسلم، كتاب الزكاة - بَابٌ فِي الْمُنْفِقِ وَالْمُمْسِكِ: (2/ 700)، برقم (1010).
[7] الترمذي، كتاب الزكاة - بابُ ما جاءَ فِي فَضْلِ الصَّدَقَةِ: (2/ 45) برقم (664)، وقال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
[8] سير أعلام النبلاء للذهبي: (8/ 408).
[9] الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 31).
[10] سنن الترمذي، أَبْوَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ - بَابُ مَا جَاءَ فِي رَحْمَةِ الْمُسْلِمِينَ: (3/ 388)، برقم (1924)، قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح.


د. محمد جمعة الحلبوسي
شبكة الألوكة


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×