اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

خطبة عن حكمة الابتلاء(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَر )

المشاركات التي تم ترشيحها

الخطبة الأولى

(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون

يقول الله تعالى في محكم آياته :
(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ) (21) ،(22)السجدة

إخوة الإسلام

إن المصائب والبلايا والمنغصات التي تصيب الإنسان لها حالتان:

الأولى: فإذا أصابت المسلم المستقيم على دينه ،الصابر على بلاء ربه، فهو امتحان واختبار ، لتكفير ذنبه ،ورفعة درجته، وهي ليست دليلاً على غضب الله عليه، بل هي دليل حب الله إياه، ففي الصحيحين : (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ »
وفي مسند أحمد وغيره (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَفِى مَالِهِ وَفِى وَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ »
وفي سنن الترمذي وغيره (عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ رَضِىَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ »

الثانية: أن تصيب الكافر ،والمسلم العاصي ، تنبيها له في الدنيا قبل الآخرة، حتى يتوب ويرجع، فمن حكمة الله سبحانه وتعالى : عقاب العصاة ،والمقصرين ،ببعض الابتلاءات في الدنيا ،عسى أن يتذكروا عذاب الآخرة ،فيتوبوا ، ويعودوا ،

فما عاقبهم الله إلا ليتوب عليهم ، ثم يدخلهم الجنة في حال توبتهم قال الله تعالى :
{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة 21]
قال السعدي في تفسيره: أي: ولنذيقن الفاسقين المكذبين، نموذجًا من العذاب الأدنى، وهو عذاب البرزخ، فنذيقهم طرفًا منه، قبل أن يموتوا، إما بعذاب بالقتل ونحوه، كما جرى لأهل بدر من المشركين، وإما عند الموت، كما في قوله تعالى :
{ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} الانعام (93)
ولما كانت الإذاقة من العذاب الأدنى في الدنيا، قد لا يتصل بها الموت، فأخبر تعالى أنه يذيقهم ذلك لعلهم يرجعون إليه ،ويتوبون من ذنوبهم ،كما قال تعالى:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الروم 41،

وفي تفسير ابن كثير: لقوله تعالى:
{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [السجدة 21]
قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه،
وفي تفسير الميزان ،قال : (لما كان غاية إذاقتهم العذاب رجوعهم المرجو ،والرجوع المرجو هو الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة ،كان المراد بالعذاب الأدنى هو عذاب الدنيا النازل بهم للتخويف ،والإنذار ليتوبوا ،دون عذاب الاستئصال، ودون العذاب الذي بعد الموت ،وحينئذ فالمراد بالعذاب الأكبر عذاب يوم القيامة.
والمعنى الاجمالي للآية : أقسم ، لنذيقنهم من العذاب الأدنى أي الأقرب مثل السنين ، والأمراض ،والقتل ،ونحو ذلك ،قبل العذاب الأكبر يوم القيامة ،لعلهم يرجعون إلينا بالتوبة من شركهم و جحودهم.
وقيل: سمي عذاب الدنيا أدنى ولم يقل: الأصغر، حتى يقابل الأكبر ،لأن المقام مقام الإنذار والتخويف ،ولا يناسبه عد العذاب أصغر، وكذا لم يقل دون العذاب الأبعد ،حتى يقابل العذاب الأدنى ،لعدم ملاءمته مقام التخويف.

أيها المسلمون
إن الابتلاء سنة كونية ،وحكمة ربانية ، وكما أنها من مقتضيات الألوهية ،فإن الصبر عليها من مقتضيات العبودية، فالعبد مبتلى بالعبادة وأعماله عليه مستحقة، وطالما أنه عبد فهو مملوك لربه ،يضعه حيث شاء ، ويأمره بما يريد .
وقد يُبتلى العبد بالسراء تارة ،وبالضراء أخرى ،فلا السراء علامة على رضا الله ،ولا الضراء كذلك ، قال الله تعالى:
(فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا.. ) الفجر 15: 17


ولكن للابتلاء حكم عظيمة ، ومقاصد جليلة ، ومنها :

أولا: تحقيق العبودية لله رب العالمين : فإن كثيراً من الناس عبدٌ لهواه ،وليس عبداً لله ، نعم هو يعلن أنه عبد لله ، ولكن إذا ابتلي ،نكص على عقبيه ،خسر الدنيا والآخرة ،ذلك هو الخسران المبين , قال تعالى :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ) الحج 11 .
ثانيا : في الابتلاء إعداد للمؤمنين للتمكين في الأرض ، فقد قيل للإمام الشافعي رحمه الله : أَيّهما أَفضل : الصَّبر أو المِحنة أو التَّمكين ؟ فقال : التَّمكين درجة الأنبياء ، ولا يكون التَّمكين إلا بعد المحنة ، فإذا امتحن صبر ، وإذا صبر مكن .
ثالثا : في الابتلاء كفارة للذنوب ، فقد روى الترمذي (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ».
وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . رواه الترمذي
رابعا : في الابتلاء حصول الأجر ورفعة الدرجات روى مسلم (عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
(مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً ، أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً )
خامسا : الابتلاء فرصة للتفكير في العيوب ، عيوب النفس وأخطاء المرحلة الماضية لأنه إن كان عقوبة فأين الخطأ ؟
سادسا : البلاء درسٌ من دروس التوحيد والإيمان والتوكل ،يطلعك عمليّاً على حقيقة نفسك، لتعلم أنك عبد ضعيف ، لا حول لك ولا قوة إلا بربك ، فتتوكل عليه حق التوكل ، وتلجأ إليه حق اللجوء ، حينها يسقط الجاه والتيه والخيلاء ، والعجب والغرور والغفلة ، وتفهم أنك مسكين يلوذ بمولاه ، وضعيف يلجأ إلى القوي العزيز سبحانه .

قال ابن القيم في” زاد المعاد “: ” فلولا أنه سبحانه يداوي عباده بأدوية المحن والابتلاء لطغوا وبغوا وعتوا ، والله سبحانه إذا أراد بعبد خيراً سقاه دواء من الابتلاء والامتحان على قدر حاله ، يستفرغ به من الأدواء المهلكة ، حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه : أهَّله لأشرف مراتب الدنيا ، وهي عبوديته ، وأرفع ثواب الآخرة وهو رؤيته وقربه ”

أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية


(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون
ومازال حديثنا موصولا عن حكمة الابتلاء :
سابعا : فمن حكمة الابتلاء : أنه يخرج العجب من النفوس ويجعلها أقرب إلى الله .
قال ابن حجر : ” قَوْله : ( وَيَوْم حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتكُمْ ) رَوَى يُونُس بْن بُكَيْر فِي ” زِيَادَات الْمَغَازِي ” عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : قَالَ رَجُل يَوْم حُنَيْنٍ :
لَنْ نُغْلَب الْيَوْم مِنْ قِلَّة , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ الْهَزِيمَة ..”
وقال ابن القيم زاد المعاد : ” واقتضت حكمته سبحانه :أن أذاق المسلمين أولاً مرارة الهزيمة والكسرة ،مع كثرة عَدَدِهم وعُدَدِهم ،وقوة شوكتهم ،ليضع رؤوسا رفعت بالفتح ، ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله واضعا رأسه منحنيا على فرسه ،حتى إن ذقنه تكاد تمس سرجه تواضعا لربه ،وخضوعا لعظمته ، واستكانة لعزته ” .
وقال الله تعالى : ( وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) آل عمران 141 .
قال القاسمي : ” أي لينقّيهم ويخلّصهم من الذنوب ، ومن آفات النفوس . وأيضاً فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين ، فتميزوا منهم.
ثم ذكر حكمة أخرى وهي (وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) أي يهلكهم ، فإنهم إذا ظفروا بَغَوا وبطروا ، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ، إذ جرت سنّة الله تعالى إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم ، ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم .
ثامنا : ومن حكمة الابتلاء : إظهار حقائق الناس ومعادنهم ،فهناك ناس لا يعرف فضلهم إلا في المحن . قال الفضيل بن عياض :
” الناس ما داموا في عافية مستورون ، فإذا نزل بهم بلاء صاروا إلى حقائقهم ؛ فصار المؤمن إلى إيمانه ، وصار المنافق إلى نفاقه ” .
ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي “الدَّلائِل” عَنْ أَبِي سَلَمَة قَالَ : اُفْتُتِنَ نَاس كَثِير – يَعْنِي عَقِب الإِسْرَاء – فَجَاءَ نَاس إِلَى أَبِي بَكْر فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ : أَشْهَد أَنَّهُ صَادِق . فَقَالُوا : وَتُصَدِّقهُ بِأَنَّهُ أَتَى الشَّام فِي لَيْلَة وَاحِدَة ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة ؟
قَالَ نَعَمْ , إِنِّي أُصَدِّقهُ بِأَبْعَد مِنْ ذَلِكَ , أُصَدِّقهُ بِخَبَرِ السَّمَاء , قَالَ : فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الصِّدِّيق .
تاسعا : الابتلاء يربي الرجال ويعدهم : فلقد اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم العيش الشديد الذي تتخلله الشدائد ، منذ صغره ليعده للمهمة العظمى التي تنتظره ،والتي لا يمكن أن يصبر عليها إلا أشداء الرجال ، الذين عركتهم الشدائد فصمدوا لها ، وابتلوا بالمصائب فصبروا عليها .
عاشرا : ومن حكم هذه الابتلاءات والشدائد : أن الإنسان يميز بين الأصدقاء الحقيقيين وأصدقاء المصلحة
الحادي عشر : أن الابتلاء يذكرك بذنوبك لتتوب منها ، والله عز وجل يقول :
( وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيئَةٍ فَمِن نفسِكَ ) النساء 79 ،
ويقول سبحانه : ( وَمَا أَصابَكُم من مصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَت أَيدِيكُم وَيَعفُوا عَن كَثِيرٍ ) الشورى 30 .
فالبلاء فرصة للتوبة قبل أن يحل العذاب الأكبر يوم القيامة ؛ وإذا استمرت الحياة هانئة ، فسوف يصل الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر ،ويظن نفسه مستغنياً عن الله ، فمن رحمته سبحانه أن يبتلي الإنسان حتى يعود إليه .
الثاني عشر : أن الابتلاء يكشف لك حقيقة الدنيا وزيفها وأنها متاع الغرور ،وأن الحياة الحقيقية الكاملة وراء هذه الدنيا ، قال الله تعالى:
( وَإِن الدارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الحَيَوَانُ لَو كَانُوا يَعلَمُونَ ) العنكبوت 64 ،
أما هذه الدنيا فنكد وتعب وهمٌّ قال الله تعالى : ( لَقَد خَلَقنَا الإِنسانَ في كَبَدٍ ) البلد 4 .
الثالث عشر : الابتلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك بالصحة والعافية ،فإنَّ هذه المصيبة تشرح لك بأبلغ بيان ،معنى الصحة والعافية التي كنت تمتعت بهما سنين طويلة ، ولم تتذوق حلاوتهما ، ولم تقدِّرهما حق قدرهما ، فالمصائب تذكرك بالمنعِم والنعم ، فتكون سبباً في شكر الله سبحانه على نعمته وحمده .
الرابع عشر : بالابتلاء تتشوق إلى الجنة ، فلن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا , فكيف تشتاق للجنة وأنت هانئ في الدنيا ؟

الشيخ حامد إبراهيم

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 



26167902_532286870457937_787479382217830
 

دعوات تدفع الابتلاءات


لما كانت الدنيا دار ابتلاء واختبار، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم عبادات تدفع بلاءها، ونحن اليوم مع عبادة الدعاء؛ يقول أبو ذر: "لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكَّرنا منه علمًا"، فعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أدعية تدفع البلاء؛ أخرج الحاكم عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة))؛ الحديث حسنه الألباني في الجامع (3409)، ومعنى "يعتلجان": يصطرعان.



دعاءٌ من واظب عليه، لم يصبه فجأة بلاء: في سنن أبي داود عن أبان بن عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات، لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأةُ بلاء حتى يمسي))، وقال: فأصاب أبان بن عثمان الفالجُ، فجعل الرجل الذي سمع منه الحديث ينظر إليه، فقال له: "ما لك تنظر إلي؟ فوالله ما كذبت على عثمان، ولا كذب عثمان على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن اليوم الذي أصابني فيه ما أصابني، غضبت؛ فنسيت أن أقولها"[1].


قال القرطبي رحمه الله عن هذا الحديث: "هذا خبر صحيح، وقول صادق علمناه دليله دليلًا وتجربة، فإني منذ سمعته عملت به؛ فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمدينة ليلًا، فتفكرت، فإذا أنا قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"[2].


ومن الأذكار التي تقي من السوء وتدفع الضرر بإذن الله، ما رواه عبدالله بن خبيب رضي الله عنه قال: ((خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال: أصليتم؟ فلم أقل شيئًا، فقال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فلم أقل شيئًا، ثم قال: قل، فقلت: يا رسول الله، ما أقول؟ قال: قل:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، تكفيك من كل شيء))[3].



ومن الأذكار التي تقي العبد من لدغ الحيات والعقارب: ما جاء في صحيح مسلم عن أبى هريرة أنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، ما لقيتُ من عقرب لدغتني البارحة، قال: (
(أما لو قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم تضرك))[4]، وفي رواية للترمذي: ((من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره حُمَّة تلك الليلة))، والحمة: لدغة كل ذي سُمٍّ كالعقرب ونحوها، وقد أورد الترمذي عقب الحديث عن سهيل بن أبي صالح - أحد رواته - أنه قال: " كان أهلنا تعلموها، فكانوا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم؛ فلم تجد لها وجعًا".


دعاء ذي النون عليه السلام يقال عند الكرب: قال الله عز وجل: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88]، وعن سعد رضي الله عنه قال: ((كنا جلوسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
ألا أخبركم بشيء إذا نزل برجل منكم كرب، أو بلاء من بلايا الدنيا دعا به، يفرج عنه؟ فقيل له: بلى، فقال: دعاء ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين))[5]، وفي رواية الترمذي ولفظه: ((دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قطُّ إلا استجاب الله له))[6].


دعاء يقضي عنك الدين ولو كان دينك كجبل أحد: أخرج الطبراني في معجمه الصغير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ:
ألا أعلمك دعاءً تدعو به، لو كان عليك مثل جبل أحد دينًا، لأداه الله عنك، قل يا معاذ: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطيهما من تشاء، وتمنع منهما من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك))[7].


أخرج الترمذي عن علي رضي الله عنه أن مكاتبًا جاءه فقال: إني قد عجزت عن كتابتي فأعني، قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مثل جبل صِيرٍ دينًا أداه الله عنك، قال: قل: ((
اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك))[8]، والمكاتبة: تعهد العبد بدفع مال لسيده حتى يعتقه.



دعاء يحمي من الأمراض والأوبئة: في مسند الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((
اللهم إني أعوذ بك من البرص والجنون والجذام ومن سيئ الأسقام))[9]. قال الطيبي: "وإنما لم يتعوذ من الأسقام مطلقًا؛ فإن بعضها مما يخف مؤنته، وتكثر مثوبته عند الصبر عليه مع عدم إزمانه؛ كالحمى، والصداع، والرمد، وإنما استعاذ من السقم المزمن؛ فينتهي بصاحبه إلى حالة يفر منها الحميم، ويقل دونها المؤانس والمداوي، مع ما يورث من الشَّين"[10].



والحاصل أن الأدعية والأذكار السابقة تحفظ المسلم من الضر والأذى بجميع أنواعه بإذن الله تعالى، ولكن ليس على وجه اللزوم، فمن أصابه من البلاء مع محافظته على هذه الأذكار، فذلك بقدر الله تعالى، وله سبحانه الحكمة البالغة في أمره وقدره؛ قال الله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: "﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خلوا عنه"، وقال مجاهد: "ما من عبد إلا له مَلَكٌ موكل، يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما منها شيء يأتيه يريده، إلا قال الملك: وراءك، إلا شيء يأذن الله فيه فيصيبه"[11].



26165651_532287013791256_434515540398930

[1] رواه أبو داود (5088)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2/ 6426).

[2] الفتوحات الربانية، لابن علان (3/ 100).

[3] أخرجه أبو داود (5082)، والترمذي (3575)، وقال: حسن صحيح غريب، وقال النووي في "الأذكار" (ص/ 107): إسناده صحيح.

[4] صحيح مسلم (2/ 7055).

[5] أخرجه الحاكم (1864)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (1744).

[6] أخرجه الترمذي (3505)، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".

[7] حسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1821).

[8] أخرجه الترمذي (3563)، وحسنه الألباني في "التعليق الرغيب" (40/ 2)، و"الكلم الطيب" (99/ 143).

[9] رواه أحمد (12592)، وأبو داود (1554)، والنسائي (5493)، وصححه الألباني.

[10] نقله العظيم آبادي في "عون المعبود".

[11] تفسير ابن كثير (4/ 438).

شبكة الألوكة
ابو زيد السيد عبد السلام رزق


26167955_532286967124594_309678975330667

 
  •  

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×