اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

كيف تتلذذ بالصلاة للشيخ مشاري الخراز

المشاركات التي تم ترشيحها

أحلى عبادة في العالم

عن عقيل بن جابر عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في غزوة  .. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم منزلا فقال “من رجل يكلؤنا”، فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار فقال “كونا بفم الشعب”، قال فلما خرج الرجلان إلى فم الشعب اضطجع المهاجري وقام الأنصاري يصلي وأتى رجل من المشركين فلما رأى شخصه عرف أنه ربيئة للقوم فرماه بسهم فوضعه فيه فنزعه حتى رماه بثلاثة أسهم ثم ركع وسجد ثم انتبه صاحبه فلما عرف أنهم قد نذروا به هرب، ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدم قال “سبحان الله ألا انبهتني أول ما رمى”، قال “كنت في سورة أقرأها فلم أحب أن أقطعها [رواه أبو داوود وحسنه الألباني] .. لقد كان الصحابي يتلذذ بالقراءة والصلاة،  فلم يرد أن يقطع تلك اللذة حتى بعد إصابته بثلاثة أسهم ..
فالصلاة هي أحلى عبادة في العالم ..  فما أن تُسلِم وتنتهي منها تشعر براحة وأنك قد ارتويت بالفعل،،

يقول ابن الجوزي عن صلاته “إنا في روضة طعامنا فيها الخشوع وشرابنا فيها الدموع”
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية “إذا كنت ترى جسم الخاشع على كوكب الأرض فروحه في الحقيقة تجول وتسبح في مكان آخر .. روحه تحوم حول عرش الرحمن”
وهذه اللذة ليست للسلف فقط، بل هناك الكثير مثلك وفي مثل عمرك تذوقوها عندما عرفوا أسرار الصلاة وطريق الخشوع ..
ولكي تكون من {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } [المؤمنون:2]، لابد وأن تكون لديك مفاتيح الصلاة .. ومن لم يذق حلاوة الخشوع ولذة الصلاة فهو مسكين ..

فالصلاة تشفي الصدور وتطرد الهموم وتزيل الغموم وتجلب الراحة .. والله ثم والله لن تجد أحدًا يعطيك الراحة إلا الذي يملك الراحة وهو الله جل وعلا.
وقد أخبرنا رسوله صلى الله عليه وسلم أن هذه الراحة في الصلاة، فكان يقول لمؤذنه “أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها” [رواه أبو داود وصححه الألباني]


 
 
بعض أعماق وأسرار الصلاة

1) حضور القلب ..
 يجب أن تعلم أن حضور القلب وعدم السرحان في الصلاة هو فقط أول خطوة وأول معنى من معاني أسرار الصلاة، وإلا فهناك بعدٌ أعمق من مجرد حضور القلب.
والكثير من الناس يجاهد لاستحضار قلبه في الصلاة، وهو لا يحتاج إلى مجاهدة ! .. لأن لذة حضور القلب مع الله جل وعلا في الصلاة أعذب بكثير جدًا من لذة السرحان.
الفرق بين صلاة الخاشع وغيره .. فالذي يعيش أحوال أهل الجنة بالخشوع في صلاته، يأخذ نفس الوقت ويؤدي نفس الحركات التي يؤديها غير الخاشع .. ولكن الفرق بينهما هو حضور القلب ..
ألا تستطيع أن تحضر قلبك لمدة عشر دقائق فقط ؟! ..
فالصلوات الخمس تستغرق من وقتك أقل من ساعة في اليوم، وسيكون أمامك أكثر من ثلاث وعشرين ساعة كي تفكر في الدنيا كما تشاء فيما أباحه الله عز وجل.



2) الفهم ..
بعض الناس قد يكون حاضر القلب لكنه لا يفهم معنى كلامه وأفعاله في الصلاة، ويردد أمورًا لا يعرفها .. ثم نتساءل لماذا لا نخشع؟
فليس أكبر أهدافك مجرد عدم السرحان، فهذا أول عمق فقط .. الأمر الآخر هو أن تفهم وإلا فلا فرق بيننا وبين طيور تتكلم وربما أعمدة أخرى تعبد الله جل جلاله.
سنكشف عن أسرار هذه الكلمات ومعانيها، فإذا انكشفت عليك وعرفت أبعادها سيتغير شعورك ..

ولكن لا تقل لا أستطيع أن أخشع ..
فيستحيل أن يطلب الله عز وجل منك أن تخشع وأنت لا تستطيع ذلك .. وأنت الذي تملك نفسك وذهنك وعقلك وتستطيع أن تتحكم بهم .. وكما أن الطالب لا يترك الإجابة التي يعرفها في الإمتحان بسبب السرحان، وكما أن الكثير من الناس يفهمون ما يشاهدون على التلفاز دون أن يسرحوا .. فبالتأكيد يستطيعون أن لا يسرحوا طوال العشر دقائق، التي هي مدة كل صلاة بحوّل الله وقوته.
أخي الكريم، أدعوك إلى أن تجتهد وأبشر فإن الله تعالى أكرم ما تتصور وأعظم مما تتخيل يعطيك تلك اللذة إذا رآك تريدها فعلاً واستعنت به على ذلك.
قال تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهم سبلَنَا ..} [العنكبوت: 69]
أخي الكريم، بعد معرفتك بهذه الأبعاد ستصل إلى مرحلة تتمنى بعدها ألا تنتهي الصلاة وأن تبقى فيها أكثر  .. ولكن الأمر يحتاج منك إلى عزم ..
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم

 
 

سر الرجاء

بعد أن تحدثنا عن حضور القلب وفهم معانى الكلمات فى الصلاة، سنتحدث عن عمق جديد للذة وفيه عبادة زائدة وطعم ألذ …
وهذا الشعور لابد أن تدخله فى صلاتك؛ لأن كثير من الناس ربما يكون حاضر القلب في صلاته ويفهم المراد من ما يسمع ويفعل، لكنه لا يشعر بشيء أثناء الصلاة . . .
على الرغم من إن كل المشاعر تتولد لديه إذا قابل صديقه أو حبيبه، أما إذا قابل الله فى الصلاة فإنه لا يشعر بشيء وتكون صلاته باردة .. مجرد حركات وكلمات  .. لذلك بعد الصلاة لا يشعر بأي إختلاف فى حياته .. لذا لابد أن تُضيف هذا البُعد الثالث إلى صلاتك وهو:


الشعور الثالث:: شعور الرجاء ..
أي أن ترجو رحمة الله ..
أتيتك يارب وأنا أرجوك أن ترحمني، أن تحبني، أن تعفو عني .. وظنك بالله إنه سيقبلك ويرضيك وسيُقربك عنده …
ومن يستحضر شعور الرجاء مرتبته عند الله أعلى من الذي يصلي بمجرد استحضار القلب والفهم .. وبالتالي سيشعُر بلذة قلبية أكثر ..
وهذا الشعور تحس به إذا عرفت الله، وكلما عرفت الله أكثر كلما زاد رجاؤك فى الصلاة .. لن تجد أحد أرجى لك من الله .. و من شدة قرب رجاء الله منك، فليس عليك سوى أن تظن بالله أي شيء تحبه وهو سيكون لك عند حسن ظنك . . .
تظن أن الله سيرحمك، يرحمك  .. تظن أن الله سيعتقك من النار، يعتقك من النار  .. تظن إن الله سيُدخلك الفردوس الأعلى، يُدخلك الفردوس الأعلى ..
فقد قال الله تعالى في الحديث القدسي “أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء” [صحيح الجامع (4316)]
كيف يمكنك ألا ترجوه بعد هذا؟! ..
سنوات ونحن نُقابل الله في الصلوات، ولا نشعر بهذه المشاعر .. مع أن الله تعالى يُحب منك أن ترجوه ..
جرب أن الله سيرحمك، سيغفر لك، سيرفعك، وأنه سيجعلك من أهل الجنة …
وأبشر .. فإن الله سيعطيك، قال تعالى { َوقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ…..} [غافر : 60]
ادعّ وأنت على يقين تام من الإجابة ..  يقول النبي صلى الله عليه وسلم ادعوا الله تعالى وأنتم موقنون بالإجابة ..” [السلسلة الصحيحة (594)]
إن فعلت ذلك أعطاك أكثر مما ترجوه وتريده منه،
لكن بشرط::  أن يكون رجاءً وليس أمانى،،
 

تمتع بالرجاء

ما الفرق بين الرجاء والأماني؟

الرجاء هو أن تشعر بالمشاعر التى ذكرناها سابقًا ولكن مع عمل .. أما الأمانى فبلا عمل، أن يتمنى من الله أن يغفر له ويرحمه وهو معرض عنه ..
قال تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثمَّ اهتَدَى} [طه : 82]
ووالله إن للرجاء طعم فى الصلاة .. جرب الرجاء، جرب أن تحسن الظن بربك فى الصلاة، سيعطيك أكثر مما تستحق بل وأكثر مما تتوقع، فقط لأنك ترجوه …
قال تعالى {…..وَرَحمَتِي وَسِعَت كلَّ شَيءٍ…} [الأعراف : 156]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخرّ الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة” [متفق عليه]
لقد وسعت رحمة الله عز وجل من هو شر منك، فكيف لا يرحمك؟!
ولتحصل على رحمة الله عز وجل .. عليك أن تطلبها منه وهو يعطيك إياها .. قم الآن فصلِّ وأرجو ربك وهو يعطيك رحمته،،
قال تعالى {قل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفوا عَلَى أَنفسِهِم لَا تَقنَطوا مِن رَّحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِر الذّنوبَ جَمِيعاً إِنَّه هوَ الغَفور الرَّحِيم} [الزمر : 53]
ادعوه وتمتع بالرجاء فى صلاتك،،
 

هيبة الجلال

بعد أن تدرجنا من حضور القلب إلى الفهم ودخلنا في شعور الرجاء .. نريد أن نعادل الرجاء بشعور آخر وهو شعور الهيبة ..
كان علي بن أبى طالب رضي الله عنه إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلوّن وجهه، فيقال له ما بك؟، فيقول “جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملتها أنا” … لقد كانت صلاتهم تختلف عن صلاتنا، لأن مشاعرهم تختلف عن مشاعرنا .. ونحن نريد أن نزيد من عبادتنا القلبية، لنتلذذ بالصلاة أكثر …
فما الفرق بين الخوف والخشية والهيبة؟
فالهيبة نوع من أنواع الخوف ..والفرق بينهم كما ذكر ابن القيم رحمه الله:
الخوف .. هو الهروب من المخوف منه ..
أما الخشية .. هي خوف ولكن مع علم، فإذا زاد علم العبد بربه صار خوفه خشية .. قال تعالى {….إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العلَمَاء…} [فاطر : 28]
أما الهيبة .. فهي خوفٌ مع علم وتعظيم … وهي أعلى مراتب الخوف.
مثلاً: أنت تخاف من النار ولكنك لا تهابها لأن خوفك سببه الإيذاء وليس التعظيم، أما والدك فأنت تهابه لأن شعورك تجاهه عبارة عن خوف مع تعظيم ..


 كيف نجمع بين الخوف والرجاء؟

هذا أمرٌ سهل .. فنحن نجمع بين الخوف والرجاء عندما نتعامل مع المخلوقات، فكيف لا نجمع بينهما في تعاملنا مع الخالق؟؟
ألا ترى أن الرجل عندما يكون مدينًا لرجلٍ آخر، فيقِرّ بأن عليه دين يجب أن يدفعه ولكنه يرجو منه أن يسقط الدين، لطمعه في كرم الدائن.
ولله المثل الأعلى .. أنت تعترف بذنبك، فتخاف منه وتقِر به .. ومع ذلك ترجو كرم الكريم جل جلاله في أن يعفو عنك.
وكل شيء إذا خفته تفر منه إلا الله تعالى، فالله تعالى إذا خفته فررت إليه . . قال تعالى {فَفِرّوا إِلَى اللَّهِ….} [الذاريات :  50]
كان النبي صلى الله عليه و سلم يدعو فيقول “.. لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ..” [رواه أبو داوود وصححه الألباني]
ومن دعائه أيضًا : “اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك”[رواه مسلم] ..
قال ابن القيم “ولا يعلم مافي هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية إلا الراسخون فى العلم، ولو استقصينا شرحها لخرجنا بكتاب ضخم  .. ولكن إن دخلت ـ فى هذا العلم ـ رأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر”
ويقول رحمه الله “هيبة الجلال هي أقصى درجة يشار إليها فى غاية الخوف، وربنا سبحانه له هيبة عظيمة لا يعلمها إلا من هزته تلك الهيبة”
هيبة لا تقاربها هيبة .. والذي يقف بين يديه يشعر بها بوضوح،،



اعرف نفسك اعرف ربك

والخوف من الله يزيد فى قلب العبد لسببين:
1) علم العبد بربه .. بعلمه أن الله عز وجل عظيم وذو كبرياء وجبروت، فلا ينبغي أن يعصى أو يخَالف، فكل شيء تحت قهره وسلطانه ..
فمن أنا وأنت حتى نخالف أمر الله؟!!
ولهذا فإن الله يهز عباده ويقول لهم { مَّا لَكم لَا تَرجونَ لِلَّهِ وَقَاراً }[نوح : 13]، ويقول لهم {….وَيحَذِّركم اللّه نَفسَه…..} [ آل عمران : 28 ]
2) علم العبد بنفسه .. فإن الإنسان أدرى بأفعاله وبما في قلبه، يقول الله عز وجل { بَلِ الإِنسَان عَلَى نَفسِهِ بَصِيرَةٌ } [القيامة : 14] .. وعلى الرغم من درايته بمعاصيه، ففي كل مرة يؤخر التوبة .. وإلى الآن لم يتب بعد ..
والله عز وجل لو أهلك العباد لأهلكهم جميعًا وهو لا يبالي بهم، يقول الله تعالى { يَا أَيّهَا النَّاس أَنتم الفقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّه هوَ الغَنِيّ الحَمِيد (15) إِن يَشَأ يذهِبكم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ (16) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17)} [فاطر]
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “سيكون في آخر الزمان خسف وقذف ومسخ إذا ظهرت المعازف والقينات واستحلت الخمر” [صحيح الجامع (3665)]
أخي الكريم، لا يغرنّك حلم الله عليك وستره لك وعدم عقوبته لك!!
 ولتعلم إن كل الخوف مزعج ومؤلم، إلا الخوف من الله عز وجل .. فإن الحياة لا تطيب إلا به، لأنه يوصلك إلى أحلى مكان فى الكون .. يوصلك إلى الجنة ..
ألا تحب أن تدخل الجنة؟!

قال رجل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنا لنصحب أقوامًا يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تتقطع، قال: “لإن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنًا، خير لك من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تدركك المخاوف”
جرب أن يمتلأ قلبك بالهيبة من الله .. وستشعر بالفرق فى صلاتك،،
 
يتبع

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
لذة حب جمال الله

بما أننا قد استحضرنا قلوبنا وبدأنا نفهم الصلاة وأضفنا شعوري الرجاء والهيبة، بقي علينا أن نأتي بأفضل هذه المشاعر وأعلاها .. وهذا الشعور يُحلّي لك الصلاة ويُجملُها وتحس معه أن الصلاة قد صارت أقصر من المعتاد ..
وقد تكلم ابن القيم عن هذا الشعور، فقال “هو الذي تنافس فيه المتنافسون .. وإليه شمر السابقون .. فهو غذاء الأراوح وقرة العيون .. ومتى خلى القلب منه فهو كالجسد الذي لا روح فيه، فهو النور وهو شفاء وهو اللذة التى من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام”إنه شعور الحب .. حب الله

فأحب شيء إلى قلبك هو الله عز وجل .. وبعض الناس يظن أن علاقته مع الله هي مجرد تنفيذ أوامر واجتناب للمحرمات، لكي ينجو من عذاب النار .. وهذا واجب عليك أن تفعله، ولكن عليك تفعله خوفًا ورجاءًا وحبًا .. وليس خوفًا فقط ..
والله عز وجل هو الأولى بأن تصرف إليه المحبة من أي شخص في حياتك .. يقول تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ..} [البقرة: 165]
يقول ابن القيم في (طريق الهجرتين) “وهو سبحانه يحب رسله وعباده المؤمنين ويحبونه، بل لا شيء أحب إليه منه ولا أشوق إليهم من لقائه ولا أقرّ لعيونهم من رؤيته ولا أحظى عندهم من قربه”
أحلي حب في الوجود هو حب الله .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما …” [متفق عليه] .. فلن تشعر بحلاوة الإيمان إلا بمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أولاً ..
ويقول ابن القيم في (الفوائد) “وكما إنه ليس كمثله شيء، فليس كمحبته شيء”


فكيف نحس بهذا الشعور في الصلاة ؟؟

عليك أن تسأل نفسك لِما تُحب الله .. فما من أحدٍ تحبه إلا لأحد أسبابٍ ثلاثة: إما أن تحبه لجماله، أو لحُسن تعامله معك، أو لفضلاً له عليك .. والله عز وجل قد جمع هذه الأسباب الثلاثة، فنحن نحبه لفضله علينا ولحُسن تعامله معنا ولجماله عز وجل ..
ويكفي في جماله ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم “.. حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه  [رواه ابن ماجه وصححه الألباني] .. فلا يستطيع بشر أن ينظر الي جماله وجلاله في هذه الدار.


جمال خلق الجميل سبحانه

ومن أسماءه الحسنى الجميل .. وهو سبحانه جميل يحب الجمال، ولذلك لم يبعث الله نبيًا إلا جميل الصورة كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ..
وقالوا في وصفه صلي الله عليه وسلم : “كأن الشمس تجري في وجهه”، وقالوا: “لم أره قبله ولا بعده مثله”
وما استدام الجمال والجلال لأحد إلا لله الكبير المتعال، وقد أخبر الله عباده بذلك فقال {كلّ مَن عَلَيهَا فَانٍ، وَيَبقَى وَجه رَبِّكَ ذو الجَلاَلِ وَالإِكرَامِ } [الرحمن: 26,27]
والله عز وجل ينصب إليك هذا الجمال إذا صليت ..
لقوله صلى الله عليه وسلم “فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت” [رواه الترمذي وصححه الألباني]
فهو سبحانه ينصب إليك وجهه ما لم تلتفت، سواء كان الإلتفات بالوجه أو القلب (السرحان).
أخي الكريم، أتدري ستقف بين يدى مَن بعد قليل؟؟
ستقف بين يدي الله …. الله الذي هو  أجمل شيء في الكون،،
هل أزددت حبًا لله الآن؟؟


تأمل تعامل الله مع العباد

إذا زاد حبك لله سيزيد خشوعك في الصلاة ولا شك .. لإنك إذا قابلت من تحب، فلن يكون شعورك كما لو قابلت من لا تشعر بحبه …
وكثيرُ من الناس لا يشعر بمحبة الله أثناء الصلاة، ولهذا فلن يخشع ..
أما محبة الله سبحانه وتعالى لحُسن تعامله
فإنك لن تعامل أحدًا في حياتك أسهل ولا أحنّ ولا ألطف من تعاملك مع الودود الرحيم الكريم الحليم … فأكرم من تعامل هو الله عز وجل ..
قال ابن القيم “ويخاطبهم الله بألطف الخطاب ويُسميهم بأحسن أسمائهم، كقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا}، وفي موضع آخر {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ  }[الزمر :53] .. فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف والتحنن فيقول الله لهم { وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26]”
فإذا استشعرت هذا التعامل الرفيع والخطاب الودود من الله في صلاتك .. أحببته ولا شك، وبالتالي لن تكون الصلاة كما كانت فى السابق،،



تأمل تعاملك مع الله عز وجل ..

عندما تقع في بلاء وضيق .. يُسخر الله لك عبدًا من عباده لينقذك ويفك ضيقك .. فتشكر هذا العبد الذي بعثه الله ولا تشكر من أرسله .. وهو الله سبحانه وتعالى !!
بل تُقابل هذا العبد بالبِشر والحب والإحترام .. وتُقابل ربك جلّ جلاله في الصلاة، بالسرحان والغفلة والرغبة في الإنتهاء منها سريعًا !!
دائمًا يُرسل إليك الرزق والمال .. فإذا منعك منه إحدى المرات لخيرٍ هو يعلمه، تتسخط وتغضب وتشتكي .. مع إنه خيرٌ لك .. قال تعالى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } [البقرة :216 ]
ولا يزال المتسخِط يتسخط، ولا يزال المُتسخَط عليه يُعطي المُتسخِط  .. وإذا أعترف بخطأه بعد كل هذه السنوات من سوء الأدب مع الله تعالى، يقبل الله منه إعترافه وتوبته ..
قال النبي صلى الله عليه و سلم “التائب من الذنب كمن لا ذنب له” [رواه ابن ماجه وحسنه الألباني]
عجيب أمر العباد مع الله .. هو يخلق، ويُعبد غيره .. هو يرزق، ويُشكر غيره ..
النبي صلى الله عليه وسلم قال “ قال الله تعالى: شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني أما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا وأنا الله الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد وأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته” [صحيح البخاري]
و مع هذا فإنه يطعم الذى شتمه سبحانه، ويسقي الذي سبه، وإذا مرض عافاه، وإذا أحتاج أعطاه .. وهو الغني ذو الرحمة لو شاء لأمر جنديًا من جنوده بأن يُهلك الأرض بمن عليها .. لكنه صبور، غفور، رحيــــم، كريـــــم  …
يقول ابن القيم “مع هذا فلن ييأس العبد من رحمته بل يقول الله : متى جئتني قبلتك، ومتى أتيتني ليلاً قبلتك، وأتيتني نهارًا قبلتك،  إن تقربت مني شبرًا تقربت منك ذراعا ، وإن تقربت مني ذراعًا تقربت منك باعًا، و إن مشيت إلي هرولت إليك، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتنى غفرت لك ولا أبالي”
فهلا أحببتموه إخواني؟؟
إذا إستشعرت ذلك فى صلاتك، فإن صلاتك ستكون شيئًا آخر،،

تأمل هذا المشهد

والله إنا لنستحي من الله تعالى .. وكلما نستحي أكثر  كلما يزيد حبنا لله تعالى ..
يقول ابن القيم “يستحي الله من عبده، حيث لا يستحي العبد منه .. ناداه الله إلى رضوانه فأبى، فأرسل الله فى طلبه الرسل وبعث معهم الكتب، ثم نزل سبحانه فى الثلث الأخير من الليل وقال: من يسألني فأعطيه، من يستغفرنى فأغفر له “
وأنت نـــــــــــائم .. الله المستعان،،
ويقول ابن القيم أيضًا “من عرف الله وعرف الناس  آثر معاملة الله على معاملتهم، ومن عرف الله لم يكن شيءٌ أحب إليه منه، ولم تكن له رغبة فيما سواه، إلا فيما يقربه إليه ويعينه على سفره إليه …
وكيف لا تحب القلوب من لا يأتى بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يجيب الدعوات ويقيل العثرات ويغفر الخطيئات ويستر العورات ويكشف الكربات ويغيث اللهفات ويجيب الطلبات، ســــــــــــــــــــــــواه؟؟ .. فهو أحق من ذُكر، وأحق من شُكِر، وأحق من حُمِد، وأحق من عُبِد، وأنصر من ابتُغي، و أرأف من مَلَك … هو أجود من سُئل، وأوسع من أعطى، وأكرم من قصد، وأرحم بعبده من الوالدة بولدها”
فالله تعالى يُحسن التعامل معنا طوال اليوم .. يُطعمنا ويسقينا ويرزقنا ويعافينا … وبعد ذلك، لو أخطأنا يغفر لنا إن تبنا و رجعنا …
وأنت حين تقف بين يديه عشر دقائق، لا تُحسِن التعامل معه !!
قال تعالى { هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ } [الرحمن :60]
ألا ترحم نفسك وتُحسِن الوقوف بين يدي ربك؟؟
فأنت مع الله لا تحتاج سوى أن تقول الله أكبر .. فإذا أنت بين يديه ..
اسأل الله أن يُحسّن وقوفك بين يديه،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
نعمة جهاز المناعة..الامن الداخلي

معركة حربية .. داخل جسدك
لقد إتفقنا على أننا لابد أن ننتهي عن دخولنا إلى الصلاة بلا مشاعر وعبادات قلبية .. بل يجب علينا أن نخشع باستشعار المحبّة والهيبة والرجــــــاء، فالصلاة ليست مجرد ألفاظ وحركات ..
يقول ابن القيم  “فإن اللذة تتبع الشعور والمحبة، فكلما كان المحب أعرف بالمحبوب وأشد محبة له كان التذاذه بقربه ورؤيته ووصوله إليه أعظم”
ونحن نريد أن نتلذذ بقربه سبحانه وتعالى .. وقد علمتم أن ما من أحد يحب أحد إلا ويحبه لجماله أو لتعامله أو لإنعامه .. بقي لنا أن نتكلم عن ..



حبنا لله سبحانه وتعالى لإنعامه علينا ..

فكل ما حولك، نعمة من الله سبحانه وتعالى عليك .. حتى مجرد تفكُّرك في هذه النعمة، هو نعمة في حد ذاتها .. قال الله تعالى { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ..} [النحل: 53]
وقال عز وجل { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا .. } [النحل: 18] .. ولكننا سنكتفي بذكر نعمتان فقط ..

1) نعمة الإيمان ..
فهذه أعظم نعمة مرت عليك في حياتك .. فلابد أن تفرح لأن الله عز وجل قد مَنّ عليك بالإيمان والتوحيد، فكم غيرك كثير قد ضلّوا ووقعوا في عبادة الأبقار والأحجار والشمس وغيرها الكثيــــر ..
ولكن أنت بعد قليل ستصلي وتسجد لربك الواحد الأحد .. الذي هداك إليه قائلاً { إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } [طه: 14]

2) نعمة الأمن ..
قال تعالى {.. وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ..} [لقمان: 20] .. فالله عز وجل يؤمنّك بنوعين من الأمن، أمنًا داخليًا وخارجيًا ..

أما الأمن الداخلي ..
فيتمثل في جهاز المناعة .. الذي يقوم بتحصين جسمك من الداخل عن طريق منظومة عسكرية متطورة .. مكونة من أسطول من كرات الدم البيضاء، التى لا تتردد في مهاجمة أي جسم ضار يغزو جسدك ..
هذا الأسطول من كرات الدم البيضاء، تم تدريبه عسكريًا عن طريق “الغدة الثيموسية” ليستطيع التفريق بين الأجسام الصديقة والأجسام المُعادية التي تقتحم الجسد ..
ثم تقوم هذه الغُدة بعملية إختبار لكرات الدم البيضاء، بأن تعرض عليها أجسامًا صديقة .. فإن تعرفت عليها ولم تهاجمها، تنجح في الاختبار وتبدأ بممارسة عملها في حراسة جسدك .. أما إن فشلت في الإختبار، تقوم “الغدة الثيموسية” بقتل هذه الكرات الراسبة ..
فسبحـــــانه مُدبر الأمور،،
وما أن تعتاد كرات الدم البيضاء على العمل وتكتسب الكفاءة المطلوبة، تنتهي مهمة “الغدة الثيموسية” وتبدأ في الضمور ..
فسبحان الذي خلق كل شيءٍ فقدره تقديرا،،
أما المعارك القتالية التي تخوضها كرات الدم البيضاء .. فهي تبدأ بإرسال فرق من كرات الدم الإستكشافية، لاستكشاف الأجسام الغريبة التي تتسلل إلى الجسم عن طريق الجروح أو ما شابه .. ثم تُرسِل عينة من هذه الأجسام الغريبة إلى كرات الدم البيضاء، لتقوم بتصنيع المصل المُضاد لهذا العدو .. ثم تتجهز الخلايا المُهاجمة للإنقضاض على هذا الجسم المُعادي .. وبعد القضاء عليه يتم تخزين المصل المضاد الذي تم صنعه، حتى إذا ما تسلل العدو إلى الجسد مرة أخرى يقومون بمهاجمته مباشرةً دون الحاجة لإعادة تصنيع السلاح ..
كل هذا يحدث في جسدك وأنت لا تدري .. وقد يكون يحدث الآن وأنت لا تشعر ..
فسبحــــان من يُحرِّك ويُدبِّر .. ويُنعم على الإنسان بنعمة الأمن،،
 


تذوق مذاق الحياء

أما الأمن الخارجى ..
فقد مَنّ الله عز وجل عليك بحياة آمنة مطمئنة، دون أن تخشى على نفسك أو أولادك القتل أو السرقة .. والكثير من الناس قد حرِموا من هذه النعمة، نعمة العيش في أمـــــان ..
فهلا استشعرت نعمة الله عليك؟!
إذا أحببته وزاد حبك له، لجماله ولحسن تعامله ولإنعامه عليك … ستنتقل إلى شعورٍ آخر دقيق وجميــــــل، وهو ..


شعــور الحيـــــــــــــــــاء

فنحن نستحي من الله تعالى، لإنه سبحانه صبورٌ علينا على كثرة معاصينا …
كان وهيب بن الورد يقول “خفّ الله على قدر قدرته عليك، واستحِّ منه على قدر قربه منك”
وذكر ابن القيم في كتابه (الجواب الكافي) أقوى الأسباب التي تدفعك لمحبة الله عز وجل والحياء منه، فيقول “بل تمكينه عبده من معصيته وإعانته عليه وستره حتى يقضي وطره منها وكلائته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته وهو يعينه ويستعين عليها بنعمه، من أقوى الدواعي إلى محبته .. فلو إن مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته .. فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته؟ .. فخيره إليك نازل وشرك إليه صاعد .. يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه .. فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولومه يقطع إحسان ربه عنه”

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إن الله عز وجل حيي ستير يحب الحياء والستر” [رواه أبو داوود وصححه الألباني]
وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى التي فقدت ابنها، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء .. فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال:
“واسوءتاااااااااااه منك وإن عفوت .. واحياءااااااه منك وإن غفرت”

ويقول ابن القيم “ويسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن لا يشغله سمع عن سمع ولا يغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين بل يجب الملحين في الدعاء ويجب إن يسأل ويغضب إذا لم يسأل فيستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه ويستره حيث لا يستر نفسه وبرحمة حيث لا يرحم نفسه”
الله عز وجل يستحي منك .. فهل تستحي منه؟!!!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إن ربكم تبارك وتعالى حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا” [رواه أبو داوود وصححه الألباني]
ومن نحن حتى يستحي الله عز وجل منا؟!!
تذوق مذاق الحيـــــــاء في الصلاة .. وعشّ لذة الصلاة،،
 

صلاة بلا خشوع .. تعبٌ بلا حسنات

هل تساءلت يومًا، لماذا تهجم عليك الأفكار فور دخولك في الصلاة ولا تهجم عليك قبل ذلك؟!
ذلك لإنك لم تبلغ القمة بعد ولم تستطع حراسة قلبك من همزات الشياطين ..
ومما يعينّك على الخشوع في الصلاة أن تعلم ..
أن صلاتك بلا خشوع .. تعبٌ بلا حسنات !!

النبي صلى الله عليه و سلم قال “إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها” [رواه أبو داوود وحسنه الألباني] .. وكلما خشعت أكثر، حصلت على أجرٍ أكثر .. وإن لم تخشع شيئًا، يخشى أن لا يكتب لك أجر ..
قال ابن عباس رضي الله عنه “ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها”
فتأتي يوم القيامة وقد صليت عمرك كله، ولكن لم يحسب لك سوى عدد قليل جدًا من الصلوات .. بحسب ما خشعت في صلاتك ..

فاحذر أن تكون ممن قال الله تعالى فيهم {.. وَبَدَا لَهم مِنَ اللَّهِ مَا لَم يَكونوا يَحتَسِبونَ} [الزمر: 47]
قد يقول البعض، إذًا نترك الصلاة !! ..
ولماذا يا أخي تترك الخير؟ أليس من الأسهل أن تترك السرحان وتفوز بعظيم الأجر ؟!


 
 
المفتاح السحري للخشوع في الصلاة

ها قد حان الوقت لنكشف عن المفتاح السحري للصلاة .. الذي قد غيَّر صلاة الكثيريــن ..
وهو ليس بمفتاح صعب أو شاق، وإذا ما عرفته تلذذت به .. وهذا المفتاح يتلخص في ثلاث كلمات ..
كلِّم ربّك .. خاطِّب ربّك .. تحدث إليه ..
عندها ستشعر أنك تخاطب الله عز وجل وتنتظر منه الإجابة، مما يُحرِّك قلبك ويُثير إنتباهك .. وحضور القلب هو الذي يوجب الخشوع واللذة،،
قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أحدكم إذا قام يصلي إنما يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه” [صحيح الجامع (1538)]

يقول الشيخ ابن عثيمين رحمة الله “إذا كان يصلي فإنه يناجي الله يعني يخاطبه، والله عزّ وجلّ يرد عليه” .. فإذا دخل فى الصلاة، فقد وقف بين يدي الله عز وجل .. فليستشعر أنه يخاطب الله عز وجل بكامل صفاته.
اجعل صلاتك كلها مناجاة .. ستستمتع بها وتخشع فيها مثلما تفعل في دعاء القنوت في رمضان ..

كان أحد السلف إذا صلى قيام الليل، وقف بين يدي الله وأخذ يهز لحيته ويقول:
“يــــــــا ربِ عبدك هذا في الجنة أم في النار ؟؟ عبدك هذا في الجنة أم في النار ؟؟”
انكسر بين يدي الله تعالى،،
خاطبه في ركوعك وسجودك .. وادعّ بهذا الدعاء الجميل الذي يعجب منه الله تبارك وتعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله ليعجب من العبد إذا قال: لا إله إلا أنت إني قد ظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، قال: عبدي عرف أن له ربًا يغفر ويعاقب [صحيح الجامع (1821)]
أجل يارب، قد عرفنا أنك ربنا وليس لنا غيرك .. آمنا بكتابك وأنخنا مطايانا ببابك، فلا تطردنا عن جنابك .. فإنك إن طردتنا، فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك،،
إخواني، خاطبوا ربكم في الصلاة فإنه يخاطبكم ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  
“قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ..
فإذا قال العبد (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قال الله حمدني عبدي ..
فإذا قال (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قال أثنى عليّ عبدي ..
فإذا قال (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، قال مجدّني عبدي ..
فإذا قال (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ..
فإذا قال (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل” [رواه مسلم]

إذا ناجيت ربك هكذا طوال صلاتك، فسوف ترى عجبًا .. لأن الله سبحانه وتعالى كريـــــــم .. فإذا خاطبته يستجيب لك ويعطيك، قال تعالى {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..} [غافر :60 ]
وأنت طوال الصلاة تعيش فى مناجاة كاملة مع ربك عز وجل، وما أحلاها من مناجاة ..
أرجوك طبِّق المفتاح السحري، وإستمتع بالصلاة …

اللهم أرزقنا الخشوع فى الصلاة،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أسـرار الأذان

تعالوا نتعمق أكثر في أسرار الصلاة ..
فالصلاة لا تبدأ مع تكبيرة الإحرام فقط، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثيــــر ..

فبمجرد انتظارك للصلاة، فأنت في صلاة ..
يقول النبي صلى الله عليه وسلم “.. ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة” [متفق عليه]

بل إنها تبدأ مع وضوءك وذهابك إلى المسجد .. قال صلى الله عليه وسلم “إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة”[صحيح الجامع (442)]



لنبدأ مع كنزٍ من الأسرار، إنه الآذان المليء بالأسرار البديعة التي قلّ من ينتبه لها ..
هل جربّت الأذان يومًا؟!

فمن ارتبط بالأذان قبل الصلاة، زاد خشوعه فيها .. لأن الأذان يطرد الشيطان الذي لا يدعك تخشع فى الصلاة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ..“ ] متفق عليه]… فالشيطان يفرّ من الأذان؛ لشدة غيظه من هذه العبادة .. وأنت عليك أن تزيد في إغاظته، إنتقامًا لما كان يسرقه من صلاتك طوال هذه السنوات.

والأذان فرصة لك لكي تضاعف صلاتك .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم “..
والمؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه من سمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه” [صحيح الجامع (1841)]
وهذا الأجر ليس للمؤذن فقط، فبإمكانك أن تأخذ مثل أجره إذا رددت معه .. 
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رجلا قال يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم 
“قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه” [رواه أبو داود وصححه الألباني]
فتخيل إنك بمجرد ترديدك الأذان مع المؤذن تأخذ مثل أجره، أي أجر كل من صلى معه في المسجد بأكمله .. فياله من عملٍ يسيـــــر وأجرٍ عظيــــم،،
دعونا نخوض مع أول كلمة في الأذان ..


الله أكبــر

ما أن تسمع هذه الكلمة، عليك أن تترك كل شيء وتذهب إليه سبحانه وتعالى ..
فالله أكبر من تجارتك .. والله أكبر من  أهلك وولدك ..والله أكبر من فراش نومك .. والله أكبر من لعبك .. الله أكبر من المسلسلات والفضائيات .. الله أكبر من المباريات .. الله أكبر من عملك ووظيفتك ..
الله أكبر من كل شيء،،


أشهد أنْ لا إله إلا الله

أن توحيدك لله عز وجل، هو الذي يدفعك لترك كل المتع والملذات لكي تُلبي النداء .. فقط لأجل الله عز وجل، يا من لا يستحق العبادة إلا أنت.
ومن يبقى في عمله ولا يريد أن يتركه بعد أن يسمع هذا النداء، فقد صار عبدًا لعمله .. وهو الذي دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً “تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش” [رواه البخاري]

 

استمتع بالأذان

كم للأذان من أسرار جميلة وبديعة .. ولكننا للأسف نسمع هذه الأسرار في كل يوم دون أن نُلقي لها بالاً ..
على الرغم من إن إحياءك للأذان، هو مشاركة منك في نُصرة النبي صلى الله عليه وسلم .. فالأذان ينطلق في مكان مختلف على وجه الكرة الأرضية، في كل دقيقة على مدار الأربعة وعشرون ساعة .. ممجدًا لذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وشاهدًا بإنه رسول الله ..

أشهد أنّ محمدًا رسول الله

والأذان هنا يُذكرك بالشرطان لقبول العمل، وهما:
الشرط الأول: الإخلاص لله عز وجل .. (أشهد أن لا إله إلا الله)
الشرط الثاني: المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم .. (أشهد أن محمدًا رسول الله)
فلابد أن تؤدي الصلاة كما كان يؤديها الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي قال “صلوا كما رأيتموني أصلي ..” [متفق عليه]


حي على الصلاة
وعند سماعك لهذا النداء، تقول لا حول ولا قوة إلا بالله .. أي: إنك تستعين بحوّل الله وقوته، فأنت لن تصلي ولن تخشع إلا إذا أعانك الله عز وجل .. قال تعالى {…وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ..} [النور: 21]
وهنا قد جمع الله عز وجل بين العبادة والإستعانة في الآذان، كما جمع بينهما في سورة الفاتحة .. في قوله تعالى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
فسبحان من ناسق بين عباداته وجعلها مُكمّلة لبعضها البعض .. منسوجة على لوحة فنية لا نشاز فيها .. سبحــــــــــان الله،،



حي على الفلاح

فالصلاة هي فلاحك ونجاتك ..
وهل يعلم أحدٌ أن الفلاح في مكان ثم لا يأتيه؟!
ثم يُختم الأذان بمثل ما ابتُدِيء به، بترك الدنيا والإقبال على الآخرة ..
الله أكبر .. فهو أكبر من الدنيا وكل ما فيها، فاتركها واقبِل على الله عز وجل ..
لا إله إلا الله .. فعبادة الله وحده، هي الآخرة ..
قال ابن القيم رحمه الله “فلله في أحكام العبادات أسرار لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة” .. ومن جملة هذه الأسرار أيضًا ..
أن الآذان يدعوك إلى لقاء أغلى حبيب على قلبك .. ربُّك عز وجل ..

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه “ [متفق عليه]
لذلك تجد المحبون لله عز وجل، يهبّون لتلبية النداء فور سماعهم الأذان ولا ينتظرون إلى آخر الوقت ..
يقول ابن القيم في كتابه (روضة المُحبين) “الشوق يحمل المحب على العجلة في رضا المحبوب والمبادرة إليها على الفور ولو كان فيها تلفه .. قال تعالى {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى، قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 83,84]، قال بعضهم: أراد شوقًا إليك فستره بلفظ الرضا”

ونحن سنُلبي النداء، شوقًا إليه سبحانه وفرحًا بلقاءه ..
جرِّب أن تستمتع بالأذان، وستستمتع حتمًا بالصلاة،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أقسام الناس في الصلاة

إخواني وأخواتي، إننا جميعًا سوف نقف بين يدي الله عز وجل يوم القيامة .. فيسألنا سؤالاً واحدًا يترتب عليه مصيرك، إما إلى جنة وإما إلى نار والعياذ بالله ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح له سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله” [صحيح الجامع (2573)]


وينقسم الناس في الصلاة إلى خمسة أقسام ..

القسم الأول: الذي يصلي في المسجد خاشعًا .. ومن تصلي في أول الوقت وهي خاشعة من النساء ..
وهؤلاء في أعلى المنازل، قال الله عز وجل عن الخاشعين { وَالَّذِينَ هم عَلَى صَلَوَاتِهِم يحَافِظونَ، أولَئِكَ هم الوَارِثونَ، الَّذِينَ يَرِثونَ الفِردَوسَ هم فِيهَا خَالِدونَ} [المؤمنون: 9,11 ]
إن كنت من هؤلاء فاثبَّت ولا تتغيَّر،،

القسم الثاني: الذي يصلي في المسجد ولكن بدون خشوع ..
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال وهو على المنبر “إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام  وما أكمل الله تعالى صلاة”، قيل: وكيف ذلك؟، قال “لايتم ركوعها وسجودها وخشوعها وتواضعه وإقباله على الله فيها”… فينقص من أجره بقدر ما أنقص من خشوعه .
وقد ضرب لنا السابقون أروع الأمثلة في الخشوع ..
يقول سفيان الثوري “لو رأيت المنصور بن المعتمر يصلى لقلت يموت الساعة”.
قال عروة “كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة رضي الله عنها فأسلِّم عليها، فغدوت يوماً فإذا هي قائمة تسبح وتقرأ {فَمَنَّ اللَّه عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمومِ} [الطور: 27] وتدعو وتبكي وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي ثم رجعت، فإذا هي قائمة كما هي تصلي وتبكي”
قال ثابت البناني “كنت أمر بابن الزبير، وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك”.
وقال ميمون بن مهران ‏”ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتاً فى صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفي المسجد يصلي فما التفت، وكان أهل بيته إذا دخل المنزل سكتوا، فإذا قام إلى الصلاة تكلموا وضحكوا‏”.
هكذا كان حال السلف في الصلاة .. أفلا يكون لنا فيهم أسوةٌ حسنة؟‏


القسم الثالث: الذي يصلي أول وقت في المنزل .. وهذا لا يدري الوعيد الشديد الذي قد توَّعد النبي صلى الله عليه وسلم به من يتخلَّف عن صلاة الجماعة ..
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار” [رواه البخاري ومسلم]
ولصلاة الجماعة فضلٌ عظيم، سيجعلك تشتاق إليها .. تابعونا لمعرفته،،
 
فضل صلاة الجماعة

إن لصلاة الجماعة فضلٌ عظيم، لا يُدركه من صلى بالمنزل .. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه” [متفق عليه] … فبمجرد قولك “آمين” في نفس اللحظة التي يُأمِّن فيها أحد ملائكة السماء، غُفر لك ما تقدم من ذنبك .. فيالكرم الله عز وجل ..
وتأمَّل حرص سلفنا الصالح على صلاة الجماعة ..
قال سعيد ابن المُسيب “ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة” .. وكان يقول “ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة، إلا وأنا في المسجد”
وقال ابن سُماعة “مكثت أربعين سنة لم تفتني التكبيرة الأولى، إلا يوم ماتت أمي، فصليت خمسا وعشرين صلاة، أريد التضعيف”
ويقول عبيد الله القواريري:
“لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة (أي صلاة العشاء) في جماعة، فنزل بي ضيف، فشُغِّلت به، فخرجت أطلب الصلاة في قبائل البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي:
يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال “صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة” [متفق عليه]
فانقلبت إلى منزلي، فصليت العتمة سبعا وعشرين مرة، ثم رقدت، فرأيتني مع قوم راكبي أفراس، وأنا راكب، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم، فقال: لا تجهد فرسك، فلست بلاحقنا.
قال: فقلت: ولم؟ .. قال: لأنا صلينا العتمة في جماعة”.
وعن عامر بن عبد الله .. إنه سمع المؤذن وهو يجود بنفسه، فقال: خذوا بيدي، فقيل: إنك عليل، قال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟؟، فأخذوا بيده، فدخل مع الإمام في المغرب، فركع ركعة، ثم مـــــــــات.


 القسم الرابع: الذى يصلي في المنزل ولكن خارج الوقت .. فهذا الذي لا يهتم بوقت الصلاة، ويُصليها بعد خروج وقتها ..
عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه “هل رأى أحد منكم من رؤيا؟”، فيقص عليه ما شاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة “إنه أتاني الليلة آتيان وإنهما ابتعثاني وإنهما قالا لي انطلق وإني انطلقت معهما وإنا أتينا على رجل مضطجع وإذا آخر قائم عليه بصخرة وإذا هو يهوي بالصخرة لرأسه فيثلغ رأسه فيتدهده الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتى يصح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى”، قال “قلت لهما: سبحان الله ما هذا؟، قالا لي: انطلق انطلق”
أتدرون بمَنْ يُفعَّل هذا المنظر البشع؟
قالا “أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة” [رواه البخاري]
وهذا الذي ينام عن صلاته، هل لن يستيقظ إذا كانت طائرته ستُقلِّع في الثالثة صباحًا؟ أم كان سينام عن موعد إختباره؟ .. سبحــــــــان الله !!


القسم الخامس: الذي لا يصلى ..
وهذا الذي يبخل بخمسون دقيقة من يومه لأجل الله عز وجل .. فإليك أخي الكريم هذا الوعيد الشديد من النبي صلى الله عليه وسلم، لكي تُدرِّك مدى خطورة أمر تارك الصلاة ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر” [رواه أحمد وصححه الألباني]
 وعن عبد الله بن شقيق قال “كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة” [رواه الترمذي وصححه الألباني]
وقال صلى الله عليه وسلم ” بين الرجل وبين الشرك والكفر، ترك الصلاة” [رواه مسلم]
فهل ترضى بذلك لنفسك أو لأهلك ؟!
هذه أقســــام الناس في الصلاة ..  نسأل الله أن يجعلنـــا من القسم الأول، أهــــل الخشــوع ..
وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أسرار ونوايا الوضوء

الكثير من الناس لا يشعر بلذة الوضوء، فهو بالنسبة له مجرد وسيلة للصلاة .. وهذا يضيِّع عليه الكثير من الثواب، لأن الأجر لا يقتصر على الإتيان بالواجبات والمستحبات من أعمال الجوارح فحسب بل لابد من أعمال القلوب إلى جانبها ..

يقول ابن القيم “كثرة الثواب عند الله عز وجل ذاك أمرٌ لا يطلَّع عليه إلا بالنص لأنه بحسَّب تفاضل أعمال القلوب لا بمجرد أعمال الجوارح”، وقال أيضًا “فالكيِّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة وعلو الهمة وتجريد القصد وصحة النية مع العمل القليل، أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك مع التعب الكثير والسفر الشاق”

ويحكى أن بعض الصالحين اجتاز بمسجد، فرأَى الشيطان واقفاً ببابه لا يستطيع دخوله فنظر فإذا فيه رجل نائم وآخر قائم يصلى. فقال له: أيمنعك هذا المصلي من دخوله؟ فقال: كلا، إنما يمنعنى ذلك الأسد الرابض، ولولا مكانه لدخلت .. وهذا لإنه قد احتسب العديد من النوايا في نومه، لذا فالقلب له عظيم الشأن.

وأنت عندما تذهب لتتوضأ، ماذا تنوي؟

فكلما زادت نواياك زاد أجرك .. يقول عبد الله بن المبارك “كم من عملٍ قليل عظمته النية، وكم من عملٍ عظيم حقرته النية”

ومن نوايــــا الوضوء: التي يجب أن تستشعرها بقلبك قبل شروعك في كل وضوء ..

1) إستباحة الصلاة .. لإنك لن تستطيع أن تصلي دون وضوء، وهذه هي النية التي يكتفي بها أغلب الناس.

2) الإمتثال لأمر الله عز وجل .. إذ أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالوضوء، قال تعالى {يَا أَيّهَا الَّذِينَ آَمَنوا إِذَا قمتم إِلَى الصَّلَاةِ فَاغسِلوا وجوهَكم وَأَيدِيَكم إِلَى المَرَافِقِ وَامسَحوا بِرءوسِكم وَأَرجلَكم إِلَى الكَعبَينِ ..} [المائدة:6]

3) إتباع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .. فيتبِّع سنته في الوضوء، محبةً وإتباعًا له عليه أفضل الصلاة والسلام.

4) تكفير السيئات .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه فإذا قام إلى الصلاة رفعه الله عز وجل بها درجة وإن قعد قعد سالما “ [صحيح الجامع (2724)]

واعلم أن النية محلها القلب ولا تكون باللسان ..

واحذر من الوسواس .. فإنه سبب لفقدان لذة الصلاة والوضوء، لإنه يظل يعيد وضوئه وصلاته لمجرد الشك.

وعلاج الوسواس .. كما يقول أهل العلم “يسقط الشك إذا ما كان عند الموسوس”، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا” [رواه مسلم] .. فإذا شككت في صلاتك أو وضوءك، لا تعيدهما.

كيفية وضوء النبي

وضوء النبي صلى الله عليه وسلم

بنا نعود 1400 عام إلى الوراء، لنرى كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ..

1) السواك .. فقد كان صلى الله عليه وسلم يبدأ وضوئه بالسواك، وهذه سنةٌ مهجورةٌ .. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة” [رواه الترمذي وصححه الألباني]

2) البسملة .. ثم يقول “بسم الله” قبل أن يتوضأ، وإن كان في الخلاء لا يتلفظها بل يقولها بقلبه.

3) غسل الكفين ثلاثًا .. ويخلل، أي يدخل الماء بين أصابعه.

4) المضمضة والإستنشاق ثلاثًا .. فكان صلى الله عليه وسلم يدخِّل الماء بكفه اليمنى إلى فمه وأنفه معًا، فيستنشق ويستنثر .. ثم يخرجه بالكف اليسرى.

5) غسل الوجه كاملاً .. من أعلى منابت الشعر إلى نهاية الذقن، ومن الأذن إلى الأذن.

6) غسل اليدين ثلاثًا .. فيبدأ من كف اليد اليمنى ثم اليسرى، ويوصل الماء إلى المرفق لأن كثير من الناس لا ينتبه لذلك.

7) مسح الرأس مرة واحدة .. فيبدأ من مقدمة شعر الرأس حتى نهايته، ويكون مسحًا وليس غسلاً.

 مسح الأذنين .. وهو بنفس الماء الذي مسح به رأسه.

9) غسل القدمين .. ويخلل الأصابع، ويصل الماء إلى أعقاب القدم .. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ويلٌ للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء” [رواه مسلم]

أو المسح على الخفين .. بشرط أن تكون قد أدخلتهما وأنت على وضوء.

ثم الدعـــــاء بعد الوضوء ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله” وفي رواية “أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء” [رواه مسلم]

وهناك دعاء آخر منسي .. قال صلى الله عليه وسلم “من توضأ فقال بعد فراغه من وضوئه سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة” [صحيح الجامع (6170)]

والآن استشعر لذة أن يكون وضوءك كوضوء النبي صلى الله عليه وسلم ..

نسأل الله أن يتقبَّل منا ومنكم الوضوء والصلاة وأن يرزقنا لذتها،،

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

الاستعداد للقـاء المـلـك

إن الوضوء هو مقدمة الدخول على الله تعالى، حيث أنه يطهِّر ظاهرك بالماء .. ولكن يبقى عليك أن تطهِّر باطنك كي تستعد للقاء الملك ..

يقول ابن القيم عن لقاء العبد لربه يوم القيامة “فيلقى ربه قبل الطهر التام (من الذنوب)، فلا يؤذن له بالدخول عليه بغير طهارة كما أنه لم يؤذن له في دار التكليف بالدخول عليه للصلاة بغير طهارة”

ونأمَّل الدعــاء الذي يقال بعد الوضوء “اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين” [رواه الترمذي وصححه الألباني] .. فالأولى بالإنسان أن يطهِّر قلبه من الذنوب، قبل أن يطهِّر بدنه بالماء إستعدادًا للقاء الله عز وجل.

تكفيــــر الوضـــوء للخطـــايــــــــــــا

وعندما تتوضأ تأمَّل خروج الذنوب من كل عضو بحسبه مع الماء .. وكأنك تراها بعينك، محسنًا الظن بربك أنه سيغفرها .. راجيًا رحمته عز وجل .. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه دعا بماء فتوضأ ثم ضحك، فقال لأصحابه: ألا تسألوني ما أضحكني؟، فقالوا: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ كما توضأت، ثم ضحك فقال “ألا تسألوني ما أضحكك”، فقالوا: ما أضحكك يا رسول الله؟، فقال “إن العبد إذا دعا بوضوء فغسل وجهه حط الله عنه كل خطيئة أصابها بوجهه، فإذا غسل ذراعيه كان كذلك وإذا طهر قدميه كان كذلك” [رواه أحمد وصححه الألباني]

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟”، قالوا: بلى يا رسول الله، قال “إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط” [رواه مسلم] .. فكلما اشتدت عليك صعوبة الوضوء بالماء لشدة البرد مثلاً، محيت خطاياك وارتقيت في الدرجات.

بل ويصل الإنسان مع الوضوء إلى مرحلة ألا يبقى عليه شيء من الذنوب .. عن عثمان إنه توضأ ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ مثل وضوئي هذا ثم قال “من توضأ هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة”[رواه مسلم] .. أي زيادة في حسناته.

ولكن لا تظن إنه بإمكانك أن تفعل ما يحلو لك من الذنوب وبعد ذلك تمحوها بالوضوء .. لإنك بإصرارك على الذنب تمكر وتخادع الله عز وجل، وقد قال تعالى {.. وَيَمكرونَ وَيَمكر اللَّه وَاللَّه خَير المَاكِرِينَ} [الأنفال: 30]

والوضوء يكفِّر سيئات من يستحق ذلك فقط .. بل ويعطيه الله زيادة، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أتى المقبرة فسلم على المقبرة فقال “السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله تعالى بكم لا حقون”، ثم قال “لوددنا أنا قد رأينا إخواننا”، قالوا: يا رسول الله أو لسنا إخوانك؟، قال “أنتم أصحابي وإخواني الذين يأتون من بعدي، وأنا فرطكم على الحوض”، قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من لم يأت من أمتك؟، قال “أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غرّ محجلة بين ظهراني خيل دهم بهم ألم يكن يعرفها؟”، قالوا: بلى، قال “فإنهم يأتون يوم القيامة غرًا محجلين من أثر الوضوء” [رواه ابن ماجه وصححه الألباني]

فالوضوء هو العلامة التي يتميز بها المؤمنون .. حتى يعرفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بها على الحوض ..

بل الوضوء يوصلَّك إلى مراحل أعلى لم تتخطر ببالك أبدًا .. تابعونا لمعرفتها إن شاء الله،،

فضل الســــواك

 عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما قال: أصبَّح رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بلالاً، فقال “يا بلال بم سبقتني إلى الجنة إني دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي ؟”. قال: يا رسول الله ما أذنت قط إلا صليت ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عنده ورأيت أن لله علي ركعتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “بهذا” [رواه ابن خزيمة وصححه الألباني] .. وإنما أخبره صلى الله عليه وسلم بما رآه ليطيِّب قلبه ويداوم على ذلك العمل ولترغيب السامعين.

وها نحن قد عرفنا الفضائل العظيمة للوضوء، فلو إننا أستشعرنا هذه الفضائل أثناء وضوءنا لوجدنا أن الوضوء قد صار ألذّ وأجمل بكثيــــر .. فاستشعر هذه المعاني، كي لا تكون من المحرومين الذين حرموا لذة الوضوء إما لغفلة أو لعجلة أو لوسواس.

فانشغل بمحبة الله .. حتى تتلذذ بالوضوء والصلاة، يقول ابن القيم رحمه الله “المحبة تقطع الوساوس وتلذ الخدمة وتسلي عن المصائب”

بنـــا ننتقل إلى فضيــلة أخرى، عليـــك أن تحرص عليها ولا تضيعها .. ألا وهي ..

الســـــــــــــــــــــــــــــواك

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء ومع كل وضوء بسواك” [رواه أحمد وحسنه الألباني]

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة” [رواه الترمذي وصححه الألباني]

وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لقد أكثرت عليكم في السواك” [رواه البخاري] .. أكثرت: أي أكثرت حثكم عليه وترغيبكم فيه وذكر فضله.

والسواك يطيِّب الفم .. كما طيَّب النبي صلى الله عليه وسلم فمه قبل أن تفيض روحه الطاهرة الشريفة للقاء الله تعالى ..

عن عائشة أنها قالت: وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم حين رجع من المسجد فاضطجع في حجري فدخل علي رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر، قالت: فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده نظرا فعرفت أنه يريده فقلت يا رسول الله تحب أن أعطيك هذا السواك؟، قال: نعم، قالت: فأخذته فمضغته له حتى ألينه ثم أعطيته إياه، فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قبله ثم وضعه ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه فإذا بصره قد شخّص وهو يقول بل الرفيق الأعلى من الجنة [صححه الألباني، فقة السيرة (470)]

فكان التسوّك آخر فعل يقوم به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تفيض روحه إلى الرفيق الأعلى،،

 

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
غيِّر نظرتك للصلاة

بعد أن تهيأ المرء للصلاة وتطهَّر بالوضوء، عليه أن يتزيَّن ويتجمَّل للقاء الله عز وجلَّ كما يتزيَّن لأي مناسبة هامة .. لأن الحبيــب إذا قام لحبيبه، استعد له أحسن إستعداد ..
ثمَّ يأتي مشهد آخر من مشاهد الصلاة وهو ..


استقبـــــال القبــلة

يقول ابن القيــم “فكيف تصح صلاة من لم يتوجه بقلبه إلى رب القبلة والبدن بل وجه بدنه إلى البيت ووجه قلبه إلى غير رب البيت” .. فنحن نتوجه بأبداننا إلى القبلة، وننشغل بقلوبنا عن رب القبلة .. وهذا هو سبب عدم الخشـــوع.
كل ما مضى من أسرار ولذات للصلاة، كان مجرد إستعداد للدخول على رب الأرض والسماوات .. وقبل دخلونا في تكبيرة الإحرام سنحتـــاج إلى استعداد آخر ..


غيِّر نظرتك للصلاة ..

لأن البعض يؤدي صلاته فقد لإسقاط الفرض عن نفسه، ويعتبر الصلاة كتوقيع الحضور والإنصراف من العمل .. وهؤلاء أبعد ما يكونون عن الخشوع، لأن العبد ينبغي له أن يؤدي صلاته بشوق وحب لله جلَّ وعلا ..
فعليك أن تُغيِّر نظرتك للصلاة، كي تتغيَّر صــلاتـــك بمشيئة الله،،

راحتـــك في صــــلاتــــك

إن الإنسان لا يكتفي أبدًا بالطعـــام الذي يُقيّم صلبه ويجعله يبقى على قيد الحيـــاة، بل إنه دائمًا ما يتلذذ بكل لقمة من طعامه وينوِّع بين الأطعمة ثمَّ يختم بالحلوى .. وكل ذلك من أجل أن يتلذذ بالطعــام!
فمن باب أولى أن يتلذذ المرء بصلاته، ولا تكون تأديته إياها مجرد إسقاط للفرض وكل همَّه أثناء الصلاة هو موعد إنتهائها ..
فإن كان كل همَّك هو إنقضاء الصلاة والراحة منها، فلا تتساءل بعد ذلك لماذا لا تخشع!!
ولكل قوم طريقتهم الخاصة للإسترخاء وجلب الراحة النفسية، أما نحن فقد وهبنــــا الله عز وجلَّ وسيلة أعظم من كل وســائــل الإسترخــــاء الموجودة بالعالم ..

إنهـــــا الصــــــــلاة ..

لذلك كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  يجد راحته في الصلاة، فيقول “أقم الصلاة يا بلال أرحنا بها” [رواه أبو داود وصححه الألباني] .. وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  إذا حزبه أمر  صلى [رواه أبو داوود وحسنه الألباني] .. وحزبه: أي أحزنه وأغمَّه.
وكل شيء تستعين عليه، إلا الصلاة فإنك تستعين بهـــا .. قال تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]
يقول عدي بن حاتم “ما جاء وقت الصلاة إلا وأنا لها بالأشواق” ..


فهل تشتــــاق إلى صلاتك؟!

ولذلك كان السابقون يخشعون في صلاتهم، على خلاف ما نحن عليه الآن .. لإنهم كانوا يحبون الصلاة وينظرون إليها نظرة مختلفة.
لذا عليك أن تُغيِّر نظرتك للصلاة وتتهيأ لها قبل دخولك تكبيرة الإحرام .. كما تتهيأ لأي إختبـــار هــــام في حيـــــاتك ..


استعد لمقــــابلة ملك الملوك جبــــــار السمــــاوات والأرض،،
وقد علَّمنا الله عز وجلَّ كيف نتهيَّأ لصلاتنا .. فعليك أن ..


1) تبدأ في الاستعداد مع الآذان ولا تنتظر الإقامة.
2) توضأ لكل صلاة ولو كنت على طهارة .. لكي يستنير وجهك وتتطهَّر من ذنوبك.
3) هيئ صلاتك بركعتين جميلتين .. تقرأ فيهما بغير حفظك المُعتــاد.
4) احرص على مساواة الصفوف في المسجد .. وبالتأكيد الخشوع في الصف الأول يكون أكثر من الخشوع في الصفوف التي تليه.
5) سلّ نفسك مع كل فعل تفعله استعدادًا للصلاة، لمَ فعلته .. فحينها ستُدرك عِظَم الأمر وتختلف مشاعرك، فيزداد يقينك وإيمانك.
6) ابتعد عن الزخارف لإنها تُشتت إنتباهك.
7) ولا تصلي خلف النائم أو المُتحدث .. فقد نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  عن ذلك، فقال ” لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث” [رواه أبو داوود وحسنه الألباني]
😎 أغلِّق هاتفك المحمول .. فإن رنين الهاتف يُشتت إنتباه المُصلين ولا يجوز أن تُسمَّع المعازف في بيوت الله عز وجلَّ، كما إنك لن ترد عليه أثناء الصلاة على كل حال.
تهيَّأ لصلاتـــك أخي الكريــــم، فإن الأمر العظيم ويحتاج إلى استعداد عظيم،،

البداية العظيمة للقـــاء الله تعالى

اليوم موعدنـــا مع البداية العظيمة للقــــاء الله تعالى، التي ستنقلك من حالٍ إلى حــــال ومن عالم إلى عالم آخر .. إنهـــا ..

تكبيـــــرة الإحرام

واعلم إنه لا يوجد أي ألفــــاظ تُقـــال قبل تكبيــرة الإحرام ولا تلفُّظ بالنيـــة .. فلا يجوز أن تقول ألفــاظ مثل: اللهم أحسِّن وقوفنا بين يديك أو نوِّيت أن أصلي صلاة كذا ..
فنحن لا نتبع سوى صلاة الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  .. الذي قال “صلوا كما رأيتموني أصلي..” [متفق عليه]، وقال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .. فلا يجوز أن نزيد على صلاته شيئًا أو ننقُص.


ولمـــاذا نبدأ الصــلاة بالتكبيــــر دون غيــــره؟

لأن التكبيـــر يستحضِّر القلب .. فإذا ذكَّر العبد نفسه بأن الله عز وجلَّ أكبر من كل ما سواه، فلن يُفكِّر في أي شيء سوى الله تعالى ..
والله أكبـــر تعني .. أن الله تعالى أكبر وأولى وأعظم مما تُفكِّر فيه من الدنيـــا .. ومن كبريائه سبحــانه، أن العبادات الصادرة إليه من أهل السموات والأرض مقصودها تكبيره وتعظيمه ..
فالتكبيـــر هو شعار العبادات العظيمة .. كالصــلاة والآذان والحج وتكبيـــرات العيدين، قال تعالى {.. وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]
وهو بدايــة للقــــاء الرحمن جلَّ جلاله .. فالله أكبر  من همومك وجميع ما يشغل بالك .. إن خِفت ظالمًا فالله أكبر .. وإن نازعتك الدنيــا فالله منها أكبر ..
الله أكبـــر إلى أن يخلو قلبـــك من كل شيء سوى ربـــك الأكبــــر،،

ولهذا جُعِّل التكبير تذكيرًا لك في كل موضع من مواضع الصلاة، لكي لا تسهو .. الله أكبر عند الركوع .. الله أكبر عند النزول للسجود، وبين السجدتين، وحين الرفع من السجـــود.


صفة رفع اليــــد في التكبيــر

كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  يرفع يديه ممدودة الأصابع لا يُفرِّج بينها ولا يضمها ضمًا شديدًا .. وتارة يرفع مع التكبير وتارة بعد التكبير وتارة قبله .. وكان يرفعهما حذو منكبيه، ولربما رفعهما حتى يُحاذي بهما فروع أذنيه.
فعليك أن تنوِّع بين جميع الصفـــات الواردة .. لأن التنويع بين الصفات الواردة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سُيعطيك دفعة قوية للخشـــوع .. إنما إن إلتزمت بصفة واحدة على الدوام، فإنك سوف تؤديها بصفة روتينية .. وليس المطلوب منك مجرد تحريك عضلاتك بشكل آلي في الصلاة !!
فسبحان الحكيم الذي علَّم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ   أكثر من صفة لصلاته، لكي تتمتع أمته بأكبر قدر من الخشوع واللذة،،
كما إن التنويع يجعلك تقوم بإحيــــاء سُنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بين الناس .. فيكون لك عظيم الأجر بإذن الله، فقد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  “من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا ..” [رواه ابن ماجه وحسنه الألباني]
تابعونا لنتعمَّق أكثر مع المعاني العظيمة للتكبيـــر،،
وكبِّرهُ تكبيـــــــــــرا
إن الناس في التكبير على قسمين .. أحدهما: يقولها وقلبه مُستشعِّر لمعانيها، والآخر: يقولها وقلبه مُستغرقٌ في الدنيـــا .. فهذا الذي يبدأ صلاته بالكذب!

فإن لله أكبر معاني عظيمة .. فلا يجوز أن تُفكِّر بشيء سوى الله عز وجلَّ ..
فالله: من إله أي مألوه ومعبود وهو لفظ الجلالة الخاص به سبحانه، ولم يتسمى به أحد سواه.
والتكبيـــر: أي التعظيـــم .. وكبرياء الله سبحانه وتعالى وسلطانه المطلق في كل مكان، قال تعالى {وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..} [الجاثية : 37]
فهو الكبير العظيم المستوي على عرشه فوق سابع سماء، أكبر من أن نعرف كيفية ذاته أو أن نعرف كيفية صفاته .. ومن أراد أن يعرف عظمة ربه وكبريائه وصفاته، فلينظر إلى آيات الله الكونية العظيمة التي تُحيط بنا وهي تشهد بعظمة الله عز وجلَّ وتنطق الله أكبر .. لكننا لا نسمع!


ماذا تعني حركة رفع اليد بالتكبير؟

رفع اليد يعني الاستسلام .. فعند رفعك ليدك فإنك تُلقي الدنيا وراء ظهرك وتستسلم لله عز وجلَّ، قال تعالى {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131]
وحين تلَّفُظَك بالتكبير، تحدث حولك تغيرات جذرية كثيرة ..
أولها: أن ذنوبك تبدأ بالصعود على كتفك .. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  “إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه كلها فوضعت على رأسه وعاتقيه فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه” [صحيح الجامع (1671)]
والثاني: أن الله عز وجلَّ ينصِّب وجهه لوجهك .. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  “إن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت” [رواه الترمذي وصححه الألباني]
ثالثًا: يأتي شيطان اسمه خُنزب تخصصه أن يُفسِد عليك صلاتك .. عن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فقال: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  “ذاك شيطان يقال له خنزب فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا”، قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني. [رواه مسلم]
رابعًا: تُحرَّم عليك أشياء كانت في الأصل حلالاً .. فلا يجوز الكلام أو الأكل أو التحرك حركة زائدة أو الضحك أو الإبتسام أو أن يرتفع بصرُك إلى الأعلى ..
فإن رفعت بصرك في الصلاة فقد يذهب .. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  “لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم” [رواه النسائي وصححه الألباني]
ولا تحِّل لك هذه الأشياء مرة أخرى، إلا بعد التسليم .. قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  “مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم” [رواه أبو داود وحسنه الألباني]
فإذا دخلت في التكبير .. فهذه هي اللحظة المُرتقبة التي كنت تتهيأ لها منذ أن ناداك ربك قائلاً: حي على الصلاة .. حي على الفلاح ..

فينبغي أن يختلف شعورك عما كان عليه قبل التكبير .. فتشعر بالهيبة والرهبة، لإنك الآن بين يدي الملك سبحانه وتعالى .. وعندما سُأل الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  عن الإحســان، قال “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك” [رواه مسلم] .. وهكذا ينبغي أن تكون.
أما إذا التفت ..

يقول ابن القيم “ولا يزال الله مقبلاً على عبده ما دام العبد مقبلاً على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره أعرض الله تعالى عنه .. وقد سئل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  عن التفات الرجل في صلاته فقال “إنما هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد” [رواه أبو داوود وصححه الألباني] .. وفي أثر يقول الله تعالى: إلى خير مني؟ إلى خير مني؟”
لا والله ياربِّ لا يوجد من هو خير منك .. سبحـــانك ما عبدنــــاك حق عبــــادتك
أيُّ حياء وأيُّ وجه نلقى الله عز وجلَّ به بعد هذا كله؟
يقول الله جلَّ وعلا {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111]

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ذل العبد لمولاه في الصلاة

بعد أن إنتهينــا من التكبير، بنا نبدأ في الصلاة .. وعليك أن تكون مُطأطأ الرأس في صلاتك، لأن هذه هي الوقفة التي تليق بالعبد بين يدي سيده .. يقول ابن القيم “ينبغي للمصلي أن يقف ناكس الرأس مطرقا إلى الأرض”

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى طأطأ رأسه ورمى ببصره نحو الأرض [صفة الصلاة (89)]

فعليك أن تنظر إلى موضع سجودك .. لأن هذه علامة الإجلال والخضوع للمحبوب، يقول ابن القيم في روضة المحبين “ومن علامات المحبة: إغضاؤه عند نظر محبوبه إليه ورميه بطرفه نحو الأرض وذلك من مهابته له وحيائه منه وعظمته في صدره”

فإن الله تعالى ينظر إليك في الصلاة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت” [رواه الترمذي وصححه الألباني]، وقال صلى الله عليه وسلم “لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه” [رواه أحمد وحسنه الألباني]

والانصراف يكون على نوعين: انصراف البصر وهو الالتفات، وانصراف القلب وهو السرحــــان .. يقول ابن القيم “ولهذا يستهجن الملوك من يخاطبهم وهو يحد النظر إليهم بل يكون خافض الطرف إلى الأرض، قال الله تعالى مخبرًا عن كمال أدب رسوله في ليلة الإسراء {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17] .. وهذا غاية الأدب، فإن البصر لم يزغ يمينا ولا شمالا ولا طمح متجاوزًا إلى ما هو رائيه ومقبل عليه”

والذل لله تعالى هو في الحقيقة عز وشرف للعبد .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من تواضع لله رفعه الله” [صحيح الجامع (6162)]

أما رفع البصر إلى السمـــاء فهو أمرٌ مُحرَّم .. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم “لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم” [رواه مسلم]

والالتفات هو اختلاس للشيطان من صلاتك .. عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة، فقال “هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد” [متفق عليه]


فهل يُغمِّض العبد عينيه أم يفتحهما في الصلاة؟

يقول ابن القيم في (زاد المعاد) “لم يكن من هديه صلى الله عليه وسلم تغميضُ عينيه في الصلاة” .. وقال “إن كان تفتيحُ العين لا يُخِلُ بالخشوع، فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعاً، والقولُ باستحبابه في هذا الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم” .. ولكن الأصل أن يجاهد الإنسان نفسه ويحاول ألا يُغمض عينيه، كما قال الشيخ ابن العثيمين رحمه الله.

ثمَّ تضع يدك اليمنى على اليسرى على الصدر ..

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، بحيث تُغطي اليمنى على ثلاث أماكن وهي: الكف والرسغ (أي: المفصل الذي بين الكف والذراع) والذراع .. وكان أحيانًا يقبض باليمنى على اليسرى .. وعليك أن تنوِّع بين الصفتين، حتى لا تسرَّح أو تمِّل من صلاتك.

ولكن ما هو السر في وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة؟

وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله هذا السؤال، فأجـــاب “هو ذلٌ بين يدي عزيز”

فأنت بين يدى الله عبد وهو الملك سبحانه،،

ثمَّ تشرَّع في دعـــاء الاستفتــــاح ..

ودعــاء الاستفتاح هو التحية التي تدخل بها على الملك سبحانه وتعالى، كما إن أهل الدنيا يدخلون على الملوك ويتفننون في تحيتهم .. والمحبون غالباً يقطعون كل ما يمنع لقاء بعضهم البعض قبل اللقــاء ..

وأنت .. كيف ستُحيّي الملك جلَّ جلاله؟ وكيف ستتفنن في تحيته؟


أسرار دعـــــــاء الاستفتـــــاح

إن التخلية لابد أن تكون قبل التحليَّة .. فمن كان بينه وبين محبوبه نقص، ينقبض حين رؤيته ولن يستطيع أن يقابله إلا عند ذهاب هذا النقص ..

وأنت لابد لك من لقاء الله تعالى، ولكن كم عليك من حقوق ما أديتها؟! وكم عليك من ذنوب ما كفرَّتها؟!

لهذا جعل الله تعالى لك في أول الصلاة ما يُذهب عنك ذلك الحرج، وهو أن تقول بين يديه دعــــاء الاستفتــــاح التالي ..

“اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد” [متفق عليه]

فتسأل الله عز وجلَّ أن يُباعد بينك وبين الخطايــــا التي لم تقع فيها بعد .. وأن يُنقيك من الخطايـــا التي قد وقعت فيها بالفعل، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الثوب الأبيض لأن أي دنس يصيبه يظهر عليه سريعًا بخلاف غيره من الألوان  ..

أما العبارة الثالثة: فهي زيادة على التنقية أكثر وهي التطهير .. فالماء مُنظف، والثلج والبَرَد للتبريد .. فجمع بين التنظيف والبرودة كما يقول أهل العلم: لأن الخطيئة تُسبب للمؤمن الندم، والندم يصيب المرء بحرارة في صدره .. فالماء يُذهب أثر المعصية، ثمَّ تُغسل الحرارة التي في الصدر بالثلج .. ثمَّ يأتي البَرَد زيادة على ذلك، ليُطفيء حرارة الأسى من الخطيئة فتُمحى كليًا ولا يبقى لها أثرًا.

ومن فوائد هذا الاستفتاح: أنه يعطيك معدل ثابت للتوبة وغسل الذنوب لا تهبط عنه يوميًا .. فهو يُذكِّرك بتجديد التوبة كل يوم خمس مرات .. ولا مكان أنسب لك لتجديد التوبة من المحــراب، ولا مقام أرجى لك للعفو من الصلاة إلى الله.


وهناك دعاء آخر للاستفتـــاح، وهو:

“سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك” [رواه الترمذي وأبو داود وصححه الألباني]

وهذا الدعــاء عظيم جدًا، لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول “إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك” [السلسلة الصحيحة (2598)] .. وهو يُقال في صلاة النفل، بعكس الدعــاء الأول الذي يُقال في صلاة الفرض.

والتسبيــــح .. هو تنزيه الله عز وجلَّ عما لا يليق .. والتحميد .. إثبات كمال الأوصاف والأفعال لله الكبير المتعال.

يقول ابن القيم “وإذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك .. شاهد بقلبه ربًا منزهًا عن كل عيب سالمًا من كل نقص محمودًا بكل حمد، فحمده يتضمن وصفه بكل كمال وذلك يستلزم براءته من كل نقص .. تبارك اسمه، فلا يُذكَّر على قليل إلا كثرة ولا على خير إلا أنماه وبارك فيه ولا على آفة إلا أذهبها ولا على شيطان إلا رده خاسئا داحرا”

وجَدُك .. أي عظمتُك .. ولا إله غيرك .. فإن وحدانية الربوبية تقتضي وحدانية الألوهية، ولا إله إلا الله تعني لا معبود حقٌ إلا الله.

ومن فوائد استفتاح العظمة .. أنه يجمع لك قلبك ويفتح لك أبواب التفكُّر بالآيات؛ لأن الاستفتاح به إثبات العظمة والكبرياء لله وحده مما ينزع الكبر من العبد .. فإذا نُزِع الكِبر، ذهبت الغشاوة التي كانت تمنع من فهم الآيات وتدبُرها.

يقول تعالى {سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ..} [الأعراف: 146] .. يقول ابن كثير فى تفسير الآية “أي كما استكبروا بغير الحق أذلَّهم الله بالجهل”.

وهذا الاستفتاح هو تمجيد من العبد لله تعالى، أما الأول فكان مغفرة للعبد من الله سبحانه وتعالى .. وهكذا جعل  الشارع الحكيم للعبد في صلاته تنويعًا شيء من العبد لله وشيء من الله للعبد، فهو يُنوع بينهما.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
غيرة الشيطان من العبد في الصلاة

إن الشيطان ليغار أشد الغيرة من العبد إذا وقف بين يدي ربِّه، فيحاول أن يُشغله ما استطاع لكي يُخرجه من مقام الصلاة العظيم مذمومًا لا ممدوحًا ..
يقول ابن القيم “والعبد إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام وأقربه وأغيظه للشيطان وأشده عليه فهو يحرص ويجتهد أن لا يقيمه فيه” .. ويُقال أن الشيطان في الصلاة كالذبــــاب .. كلما ذُبَّ أي: دُفِع، آب أي: عــــاد مرةً أخرى.
وها نحن قد وصلنا إلى قول::
أعـــوذ بالله من الشيطان الرجيـــــم ..


فمعركة الشيطان مع العبد تشتد أثناء الصلاة .. فهو دائمًا ما يدخر الحلول الممتازة لجميع المشاكل لوقت لصلاة .. فيجعل العبد يُفكر فيها وينشغِل بها عن الخشوع، حتى يخرج من الصلاة بلا إستفادة .. والأدهى إن ينسى هذه الحلول فور إنتهاءه من الصلاة، فيخسر دنيــاه وآخرته ..

يقول ابن القيم “فيذكره في الصلاة مالم يذكر قبل دخوله فيها حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة وآيس منها فيذكره إياها في الصلاة ليشغل قلبه بها ويأخذه عن الله عز وجل فيقوم فيها بلا قلب فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبل على ربه عز وجلَّ الحاضر بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها بخطاياه وذنوبه وأثقاله لم تخف عنه بالصلاة .. فإن الصلاة إنما تكفر سيئات من أدى حقها وأكمل خشوعها ووقف بين يدي الله تعالى بقلبه وقالبه، فهذا إذا إنصرف منها وجد خفة من نفسه وأحس بأثقال قد وضعت عنه فوجد نشاطًا وراحة وروحًا حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها؛ لأنها قرة عينه ونعيم روحه وجنة قلبه ومستراحه في الدنيا”

فكم مرة قد هزمك الشيطان في معركة الصلاة؟
وكم مرة قد ألهاك عنها، ثم ولَّى مدبرًا وهو يضحك ويقهقه فرحًا بإنتصاره عليك ؟!


أما في الآخرة، فيُخبر الله تبارك وتعالى عن تحسُّر العباد يوم القيامة لإتباعهم الشيطان .. فيقول {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]
فاحذر من وعود الشيطان وأمانيه الكاذبة، لإنه سيتبرأ منك يوم القيـــامة،،

عن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها” [رواه أبو داوود وحسنه الألباني]
فالشيطان يُنقِص من أجرك، بقدر ما يأخذ من خشوعك في الصلاة .. وأنت كم تتعب في جمع الحسنـــات، فتتهيأ بالوضوء وترك مشاغلك والذهــاب إلى المسجد .. ثم تُضيِّع ذلك كله، بشرود ذهنك وسرحانك في الصلاة !!
يقول ابن القيم “بإجماع السلف: أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها وحضره بقلبه ” .. فبقدر الوقت والقوة التي خشعت فيها في الصلاة، تحصل على قدر من الحسنات وإن أكثر فأكثر وإن أقل فأقل.
لأنه كأنك قد أُعطيت كمية من الحسنات لحراستها في الصلاة لمدة عشر دقائق، ثمَّ بعد ذلك ستكون ملكًا لك .. فقمت بحراستها لمدة دقيقتين ثمَّ نمت، فإذا الشيطان يسرق من هذه الحسنــات .. ثمَّ استيقظت لحراسة البقية، فبدأت تنام مرة أخرى وبدأ الشيطان يسحب .. وهكذا إلى أن إنتهت العشر دقائق ..
فبعض الناس قد خسر نصف حسناته، والبعض الآخر قد خسر جزء بسيط فقط، وبعضهم لم يتبق له أي حسنة !!

 
الحل لعداوة الشيــطـــان

بعد أن علمنا العداوة الضارية التي بين العبد والشيطان ..
إذًا، ما هو الحل لعداوة الشيـــطــان؟؟
عليك باللجوء إلى ربِّك سبحانه وتعالى .. يقول تعالى {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36]
وللشيــطان طرق ووسائل للدخول على العبد في الصلاة .. فإذا أُغلقت هذه الأبواب، لن يتمكن من الدخول ..
يقول ابن القيم في (الوابل الصيب) “وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله عز وجل: ارفعوا الحجب، فإذا التفت قال: ارخوها .. وقد فُسِّر هذا الإلتفات بإلتفات القلب عن الله عز وجل إلى غيره، فاذا إلتفت إلى غيره أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياها، وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب .. وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب فإن فرَّ إلى الله تعالى وأحضر قلبه، فرَّ الشيطان فإن إلتفت حضر الشيطان .. فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة”

فعليك أن تستحضِر قلبك في الصلاة .. لكي لا تدع للشيطان فرصة لكي يسرق من خشوعك وبالتالي حسناتـــك.
واعلم أن عداوة الشيطان ليس لها حد، فهو لا يقنَّع منك بالمعصية فقط .. بل إن غايته الكبرى هي أن تكفر، لأنه قد طُرِد من الجنة بسببك .. ولذلك يريد أن يحرمك من دخولها بأن يوقعك في الكفر والعياذ بالله، يقول تعالى {.. إِنَّهُ ُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة: 72]
فإن لم يستطع أن يوقعك في الشرك، أوقعك في البدعة .. فإن لم يستطع أن يوقعك في البدعة، حاول معك حتى تخوض في كبائر الذنوب .. فإن كنت متوقي الحذر من الكبائر، رضي منك بالصغائر وصغيرة على صغيرة حتى تصل إلى الكبائر .. فإن كان الإنسان موفقًا ولا يقع حتى في الصغائر، فإنه يحاول أن يجعله يغوص في بحر المباحات حتى لا يصل إلى المستحبات .. فإن كنت ترتع في حدائق المستحبات وتركت المباحات، فإنه يحاول أن ينقلك من المستحب الأعلى إلى المستحب الأدنى.
قال تعالى {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..} [فاطر: 6]

بدائـــع البسملة

وصلنا إلى اسمٍ جميل، فاسم الله سبحانه وتعالى أحلى ما يكون على قلوب المؤمنين وأقرُّ شيء لقلوبهم .. فلا تطيِّب الدنيــا إلا بذكره سبحانه، ولا تطيِّب الآخرة إلا برؤيته ..
وصلنا إلى البسملة .. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بسم الله نبدأ وبسم الله ننتهي .. فلا يُذكر اسمه على القليل إلا كثَّره ولا على الكثير إلا بارك فيه .. ولا على آفة إلا أذهبها .. ولا على شيطان إلا رده خاسئًا داحرًا ..
واسم الله يحفظك في مكانك .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا نزل أحدكم منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل عنه” [صحيح الجامع (805)]
ويحفظك في زمانــك .. عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فيضره شيء” .. فكان أبان قد أصابه طرف فالج (وهو مرض) فجعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر إلي؟ أما إن الحديث كما حدثتك ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله علي قدره. [رواه الترمذي وصححه الألباني]

يقول ابن القيم “وكمال الاسم من كمال مسماه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء فشأن المسمى أعلى وأجل”
والمحب إذا أحب شيئًا، أحب ذكر اسمه .. ولا شيء أطيَّب لقلوب المؤمنين من ذكرهم لربِّهم .. يقول ابن القيم “ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون، فقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45] .. والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ مني        وبيض الهند تقطُّر من دمي
فوددت تقبيــــل السيــوف لأنـها       برقت كبارق ثغرك المتبسم”

ويقول ابن القيم في روضة المحبين “أقر شيء لعيون المحب خلوته بسره مع محبوبه، حدثني من رأى شيخنا (أي: شيخ الإسلام ابن تيمية) في عنفوان أمره خرج إلى البرية بكرة (أي: في الصباح الباكر) فلما أصحر (أي: بلغ الصحراء) تنفس الصعداء ثم تمثل بقول الشاعر:
وأخرج من بين البيوت لعلني   أحدث عنك القلب بالسر خاليا”

فأنت إذا ذكرت اسم الله عزَّ وجلَّ، تفرح بذكر اسم محبوبك .. إلهك الواحد الأحد، الذي ليس لديك سواه ..
فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها بداية الحوار الذي سيكون بينك وبين الله عزَّ وجلَّ .. لإنه سبحانه وتعالى يرد عليك أثناء قرائتك للفاتحة ..

يقول ابن جرير “إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله وتفسيره، كيف يتلذذ بقراءته؟!”
فأنت لا تعلم ما يحدث عند قرائتك للفـــاتحة وما بها من أسرار ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

أن السورة الوحيدة التي قد بلَّغنا أن الله تعالى يرد فيها على عبده هي الفـــاتحـــة ..
والتي تبدأ بـــ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .. والْحَمْدُ: هو إثبـــات الكمـــال لله تعالى مع المحبــة ..
والحمــد عظيمٌ جدًا، لدرجة أنه يملأ ميـــزانك بالحسنـــات .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم “.. والحمد لله تملأ الميزان..” [رواه مسلم]

وإن وفقك الله عز وجلَّ لقول الحمد لله .. فإنك بحاجة لأن تحمده على هذه النعمة؛ لأن الله تعالى هو الذي ألهمَّك نعمة الحمد، يقول تعالى {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] .. وما أعطاك الله في الدنيا عطاءً إلا وهو نعمة منه سبحانه، فإن حمدته على هذا العطاء كانت نعمته عليك بأن حمدته أعظم من نعمته عليك بالعطاء.
والرَبَّ: هو الرازق المالك المُدبِّر ..

والْعَالَمِينَ: جمع عالم وهي كل ما سوى الله تعالى .. فالملائكة والإنس والجن والحيوانات والحشرات وحتى البكتريا والخلايا عالم .. والله تعالى هو رب كل هذه العوالم، يُدبِّر كل صغيرة وكبيرة فيها .. حتى دقائق الأمور التي لا تُرى بالعين المجردة، جعل الله تعالى تدبيرها إليه.
ولتدرِّك مدى عظمة تدبير الله تعالى للأمور .. يكفيك أن تُشاهد العملية الدقيقة التي تحدث داخل خلية واحدة لكرة دم بيضاء، لكي تنزلق وتخرج من شُعيرة دموية إلى أخرى .. ولتعلَّم أن جسم الإنسان مكوَّن من مليارات من الخلايا، وأن المللي الواحد من الدم به عشرة آلاف خلية من كرات الدم البيضـــاء ..
فالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ..

 
رحلة عبر الكون

بنـــا نتعمــق أكثر مع أبعـــاد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .. ولقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن ننظر ونتفكَّر في خلق السماوات والأرض، فقال تعالى {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..} [يونس:101]
وبعد أن غُصنَّا المرة السابقة بداخل الخلية وأدركنا مدى صغرها .. فلنسبح اليوم في رحلة عجيــبة جميـــلة، تأخذنا إلى أبعــــاد أكبر وأبعد بكثيــــر ..
ستنطلق رحلتنا من مدينة البُندقية بإيطاليـــا، ثمَّ نبتعد أكثر فأكثر  إلى أن نخرج خارج كوكب الأرض .. ويبدأ الكوكب في الابتعاد والتقلُص إلى أن يصير كالقمر في السمــــاء .. ثمَّ نمُّر بجانب القمر الحقيقي .. وكلما ابتعدنا أكثر، صار منظر الأرض كإنها نجمة من النجوم التي نراها في السمـــاء ..
وأثنــاء تجولنا في المجموعة الشمسية، تمر علينا مسارات لكواكب المجموعة المختلفة .. وسنقطع المجموعة الشمسية بأكملها في أكثر من خمس ساعات ضوئية ..
وسنخرج خارج المجموعة الشمسية، إلى أن تصير الشمس وتوابعها كالنجم المُعلَّق في الفضـــاء .. فلربما إذا رأيت نجمة في السماء، تكون لمجموعة كاملة كما هو الحال مع المجموعة الشمسية ..
وأقرب النجوم إلى مجموعتنا الشمسية تُسمى: سنتوري أ وسنتوري ب .. وتبعُد عنا بمسافة أربع سنوات وربع ضوئية ..
وعدد النجوم بمجرة درب التبانة وحدها = 10,000000,000000,000000,0000 نجم !!
فلنخرج خارج مجرتنا (درب التبانة)، وسنُلاحظ أن مجموعتنا الشمسية تقع بطرف المجرة .. وأقرب المجرات إلينا، هي مجرة المرأة المُسلسلة (Andromeda) ..
ولقد انتقلنا خلال رحلتنا من مرحلة الكواكب إلى النجوم، إلى المجرات التي تحتوي على مجموعات من النجوم .. وكلما ابتعدنا أكثر، صارت المجرات كالنقطة في السمـــاء ..

ونبتعد أكثر فأكثر إلى أن نصل إلى مرحلة التجمعـــات، التي هي مجموعة من المجرات ..
وبعد أن ابتعدنا بمليارت السنين الضوئية، وصلنا إلى المرحلة التي لا نستطيع أن نرى معها شيئًا من كثرة التجمعــــات التي في السمــــــاء ..
والآن، هل أدركت كم هو حجمك مقارنة بالمجرات الموجودة حولك؟
وكم هو البُعد بينك وبين السمـــــــاء؟
{.. أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام: 50]


شرف العبودية لله عزَّ وجلَّ

إن السمـــاء التي شاهدناها في رحلتنا السابقة هي مجرد جزء من السمـــاء الدنيـــا، وهو الجزء الذي توصَّل العلماء لتقديره حتى الآن .. والله أعلم بقدر ما لم نستطع أن نصل إليه بعد.
وفوق هذه السمــاء الدنيـــا توجد سمـــاء أخرى أعظم منها، وفوقها سماء ثالثة أعظم .. إلى أن نصل إلى السمــاء السابعــة، وهي أعظم السمــاوات وفوقها عرش الرحمن وكرسيه ..
ولتدرك عِظَم كرسي عرش الملك جلَّ جلاله .. فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة” [السلسلة الصحيحة (109)] .. فالسماوات السبع بما فيها بالنسبة للكرسي، كإنها حلقة أُلقيَّت في الصحراء .. والكرسي بالنسبة للعرش، كإنه حلقة أُلقيَّت في الصحراء أيضًا ..
قال تعالى {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ..} [لقمان: 11] ..
فمن أنا؟ ومن أنت؟ ومن نحن جميعًا مقارنة بخلق الله عزَّ وجلَّ؟؟
بالله عليك، أي وقوف هذا الذي نقفه بين يدي الله عزَّ وجلَّ؟!!
—————–

وبعد هذا التدبُّر والتفكُّر في خلق الله .. يحق لنا أن نستحي من قول النبي صلى الله عليه وسلم “إن الله أمركم بالصلاة فإذا صليتم فلا تلتفتوا، فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ..” [رواه الترمذي وصححه الألباني] .. فلك أن تشعر بالهيبة ..
فكل هذه الخلائق تعمل كل لحظة دون كلل أو ملل أو كسل .. فالنجوم تسبح في مجرَّاتها والكواكب تسير في مداراتها والخلايا تؤدي وظائفها في جميع أماكنها والنباتات تكبُر والحيوانات تفترس والنيازك تسقط والشمس تُشرِّق والمد والجزر يتبادلان والبدر ينكمش .. {.. وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40]
والذي يُدبِّر أمرها كله، هو الله رَبُّ العالميـــــن .. {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64]
فالحمدُ لله الذي جعل الربوبية عنده .. {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
والعجيب في الأمر، إنك عندما تقف بين يدي هذا الإله العظيـــم وتحمده على ربوبيته فتقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
فإن الله عزَّ وجلَّ يرد عليك قائلاً: حمدني عبدي ..

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}،قال الله تعالى: حمدني عبدي .. وإذا قال {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي .. وإذا قال {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}، قال: مجدني عبدي .. فإذا قال {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل .. فإذا قال {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل” [رواه مسلم]

يقول ابن القيم “فيا لذة قلبه وقرة عينه وسرور نفسه بقول ربِّه: عبدي ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات وغيم النفوس لاستطيرت فرحًا وسرورًا بقول ربِّها وفاطرها ومعبودها: حمدني عبدني وأثنى علي عبدي ومجدني عبدي”
ومما زادني شرفًا وفخرًا وكدت بأخمصي أطأ الثريا     دخولي تحت قولك يا عبادي وأن صيَّرت أحمدَ لي نبيا
لذلك عندما شرَّف الله تعالى نبيه بالقُرب منه في رحلة الإسراء، قال {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ ..} [الإسراء: 1] .. فوصفه بالعبودية دون غيرها لأنها أشرف المواطن، وعلى الرغم أن العبودية ذُل ولكن الذل لله عزَّ وجلَّ مع المحبة هو كمال الشرف.
فهل يوجد أحلى من أن تُناجي الله عزَّ وجلَّ، فتُكلمه ويكلمك وهو رَبُّ الْعَالَمِينَ؟
استشعر هذه المعاني الرائعة، وسيزيد خشوعك إن شـــــاء الله تعالى،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
تلذذ برحمة الله التي وسعت كل شيء

في أعظم سورة على الإطلاق نقلنا الله تعالى من حمده على ربوبيته للعالمين إلى رحمته بالعالمين،
وبين كل آية وآية يرد الله عزَّ وجلَّ علينا ويخاطبنا كما أخبر بذلك الصادق المصدوق ..
فما أحلى الفاتحة، ووالله إنها لأكثر سورة يجب أن يخشع العبد فيها ..
ولكن للأسف بعض الناس لا يبدأ بالتركيز إلا بعد إنتهاءه من الفاتحة ويستبعد أن يكون هناك ما يشدهُ فيها ..
مع أن الذي يطلِّع على أسرارها، يجد لها طعمًا آخر.
والسبب في أن قول الله تعالى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} أتى عقب قوله {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .. 
كما يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله “إن ربوبية الله عزَّ وجلَّ مبنية على الرحمة الواسعة للخلق، لأنه تعالى لما قال {.. رَبِّ الْعَالَمِينَ} كأن سائلاً يسأل ما نوع هذه الربوبية؟ هل هي ربوبية أخذ وانتقام أم ربوبية رحمة وإنعام؟ فقال بعدها ربي {الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ }
————


والرحمن والرحيم يدلان على الرحمة ..
ولكن بينهما فرق ..


فالرحمن .. 
أي ذو الرحمة الواسعة ولذلك جاء على وزن فعلان الدال على السعة، ويدُل على أن صفة الرحمة قائمة به سبحانه.
أما الرحيـــــم .. فهو الذي يوصل الرحمة إلى من يشاء من عباده، ولهذا جاءت على وزن فعيل الدال على وقوع الفعل.
يقول ابن القيم ” ألا ترى أنهم يقولون: غضبان للممتليء غضبا وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن ملىء بذلك، فبناء فعلان للسعة والشمول .. ولهذا يقرن استواءه على العرش بهذا الاسم كثيرا كقوله تعالى { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}[طه: 5]، و{.. ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] .. فاستوى على عرشه باسم الرحمن لأن العرش محيط بالمخلوقات قد وسعها والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم، كما قال تعالى {.. وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ..} [الأعراف: 156] .. فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، فلذلك وسعت رحمته كل شيء”
ويقول “والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم فكان الأول للوصف والثاني للفعل .. فالأول: دال أن الرحمة صفته، والثاني: دال على أنه يرحم خلقه برحمته .. وإذا أردت فهم هذا فتأمَّل قوله: { .. وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}[الأحزاب: 43] وقوله تعالى {.. إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117] ولم يجيء قط رحمن بهم، فعُلِّم أن الرحمن: هو الموصوف بالرحمة ورحيم: هو الراحم برحمته”

ورحمة الله تكون في ما منعك، كما تكون في ما منحك .. فإذا منعك الله تعالى من شيءٍ تحبه وتريده، فهذا هو عين العطاء لك .. لإنه إن كان هذا الشيء في الظاهر محبباً لك، فإن فيه مفاسد هي أعظم من منافعه والله تعالى يراها وأنت لا تراها .. فهو الخالق سبحانه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .. فيكون منعك منه فيه منفعة لك أكثر من حصوله لك سواء في العاجل أم في الآجل، قال تعالى {.. وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216]

فالأمر كله رحمةً للعبد، ولكنه يقف بين يدي الله تعالى مُتسخطًا في الصلاة بدلاً من أن يقف فرحًا متلذذًا برحمة الله التي وسعت كل شيء،،

——–
والسبب في أن قول الله تعالى {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} تقدَّم على قوله {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .. 
يقول الغرناطي في (ملاك التأويل) “الله عز وجل يخاطب عباده بخطاب الرحمة والتلطف والاعتناء، فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة : 43] .. فقدَّم العفو على ما ظاهره العتاب، لكي لا ينصدع قلب النبي صلى الله عليه وسلم.. وكذلك تلطَّف على عباده من أمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم  {الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} ليؤنسهم في ذلك اليوم الشديد”
فكما آنس الله عز وجلَّ نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقد قدَّم قوله الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ لكي يؤنس أمته في هذا اليوم العصيب لما فيه من أهوال،،
 
 – سعة رحمة الله عزَّ وجلَّ

إن الله تعالى لا يُخيِّب أحدًا رجاه ولا يطرد أحدًا من رحمته .. بل إن بعض الناس هم الذين يطردون أنفسهم من رحمة الله، بأن يرى طريق الرحمة فيتركه ويرى طريق العذاب فيسلكه .. قال تعالى {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]
ورحمة الله تعالى بعباده عظيمة جدًا .. عن عمر بن الخطاب قال: قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم “أترون هذه طارحة ولدها في النار ؟”، فقلنا: لا وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال “لله أرحم بعباده من هذه بولدها” [متفق عليه] .. فرحمة الله بعباده يوم القيامة كبيرة جدًا، وسيرون منها ما لم يخطر لهم على بال من العفو والصفح والمغفرة والتجاوز والتغاضي عن بعض الهفوات والزلات.
ولكن بشرط أن يعملوا لاستحقاق هذه الرحمة .. يقول تعالى {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى}[طه: 82] .. فعليك أن تُريَّ الله أنك تريد رحمته، لأن الله تعالى يحب أن يرى من عبده سعيًا إليه.
ولقد امتلأ الكون كله من أوله إلى آخره برحمة الله تعالى، كامتلاء البحر بالماء وامتلاء الجو بالهواء ..
حتى إنه قد أوضع الرحمة في قلوب الحيوانات المُفترسة ..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة” [متفق عليه]
وكما مُليء الكون بالرحمة، فقد مُليء بذكر الله عز وجلَّ وشكره أيضًا .. يقول تعالى {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}[الإسراء: 44] ..

فهلَّ كنا جزءًا من هذا الكون الذي يسبح بحمد ربه ولا ننشز عنه؟
وإذا قلت الرحمن الرحيم في الصلاة، قال الله عزَّ وجلَّ لك: أثنى علي عبدي ..
فتذكَّر أن المفتاح السحري للخشـــوع هو أن تُخاطب ربَّك عز وجلَّ في الصــلاة،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
لحظة الاحتضـــار ومشهد يومٍ عظيــــم

بعد ذكر رحمة الله سبحانه وتعالى، نقلتنا آيــــات سورة الفاتحة إلى ذكر يومٍ عظيــــم من أيـــــام الله تعالى .. في قوله تعالى:
{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]
إنه يـــــوم القيــــامة .. وذكر الله تعالى رحمته قبلها؛ ليُبيِن أن رحمته سبقت غضبه وأنه كتب على نفسه الرحمة سبحــــانه وتعالى ..
وأضاف الملك ليوم الدين خاصة .. وهو يوم الحساب، يوم يدان الناس فيه بأعمالهم، خيرها وشرها؛ لأن في ذلك اليوم يظهر للخلق تمام الظهور، كمال ملكه وعدله وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق. حتى إنه يستوي في ذلك اليوم، الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.
يوم يزول كل مُلكٍ إلا مُلك المَلِك سبحانه وتعالى ..

فلا يتكلم أحد إلا بإذنه، يقول تعالى { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] .. ولا يشفع أحد إلا بإذنه سبحانه وتعالى، يقول الله جلَّ وعلا {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109]
وليس يوم القيـــامة هو اليوم الذي تزول فيه الدنيـــا فقط،
بل لكل إنسانٍ منـــا قيـــامته الخـــاصة ..
فمن مــات فقد قامت قيــــامته، لكنها قيـــامة صغرى بخروج روحه .. وما أصعب هذا الموقف، حتى إن الله عزَّ وجلَّ قد وصفه بالمصيبة .. يقول تعالى {.. فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ ..} [المائدة: 106]
ولو كان ينجو من ذلك الموقف أحد، لنجـــا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. تذكر عائشة رضي الله عنها لحظات وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: .. فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول “لا إله إلا الله، إن للموت سكرات” [رواه البخاري]
كما يقول الله جلَّ وعلا { وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]

————-


وبعد وفــــاة الإنســـان …

يأخذوه ويوسدوه قبرهِ، ثمَّ يتركوه ……. ويبقى هنـــاك إما مُعذبًا وإما مُنعمًا .. الله أعلم كيف يكون حاله وكم سيبقى هنـــــاك ..
إلا إنه في يومٍ مــا سينشق عنه هذا القبر، فيخرج منه ليشهد مشهدٍ عظيـــم ..
يقول تعالى { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (*) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (*) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ} [التكوير: 1,3]  .. ويقول الله عزَّ وجلَّ { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (*) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (*) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا} [الزلزلة: 1,3]
إنه يومٌ مهولٌ أمره، عظيمٌ قدره .. يومٌ تشيب له الولدان، وتذوب له الجمادات العظام، وتتفطر السماء وتنتثر كواكبها وتنفجر نجومها ..
{يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (*) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (*) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (*) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34,37]
{.. وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: 2]
الشمس تدنو من رؤوس العبــــاد، ويظلون تحت لهيبها لمدة 50 ألف عــــام .. إلا من شاء الله أن يظله تحت ظل عرش الرحمن ..
عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه” [متفق عليه]
 

أهوال يوم القيـــامة .. كيف النجـــاة؟

وبينما النـــاس في مشهد يوم القيامة، إذ ظهر نورٌ عظيـــم وأشرقت الأرض بنور ربها ..
{ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]
فسكت النــــاس .. {.. وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108]
ونكَّس المجرمون رؤوسهم .. { وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض ؟” [متفق عليه]
ذكر ابن كثير في تفسيره “أن الله تعالى يأمر إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء ملك الموت إلى الجبار عَزَّ وجل، فيقول: يا رب، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت. فيقول الله ـ وهو أعلم بمن بقي ـ : فمن بقي؟، فيقول: يا رب، بقيتَ أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، وبقيت أنا. فيقول الله عَزَّ وجلَّ: ليمت جبريل وميكائيل .. فيموتان. ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار عَزَّ وجلَّ فيقول: يا رب، قد مات جبريل وميكائيل. فيقول الله عَزَّ وجلَّ ـ وهو أعلم بمن بقي ـ: فمن تبقي؟، فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت حملة عرشك، وبقيت أنا. فيقول الله عَزَّ وجل: ليمت حملة عَرْشي. فيموتوا .. ثم يأتي ملك الموت، فيقول: يا رب، قد مات حملة عرشك. فيقول الله ـ وهو أعلم بمن بقي ــ : فمن بقي؟ فيقول: يا رب، بقيت أنت الحي الذي لا تموت، وبقيت أنا. فيقول الله عَزَّ وجلَّ: أنت خَلْق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمِت. فيموت.
فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، كان آخرًا كما كان أولاً طوى السموات والأرض طي السجل للكتب .. ثم يقول: أنا الجبار، أنا الجبار، أنا الجبار ثلاثًا.
ثم هتف بصوته: { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } ثلاث مرات، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر: 16]” [تفسير ابن كثير (3:284)]
{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17]

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 احذر من الشهوة الخفية للريـــــاء ! ..
ما هي تلك الشهوة الخفية؟ .

 
اغسل قلبك بــــ:: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
بعض الناس يغفلون عن متابعة إخلاصهم، فيُخشَى عليهم أن يتفاجئوا بأن حسناتهم قد بُدِلَت سيئـــات يوم القيامة، ويصدق فيهم قول الله تبارك وتعالى {.. وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47]
الريــــاء يطحن الحسنـــات طحنًا .. فبعد أن تتعب في عمل الحسنة، تجدها يوم القيامة في ميزان سيئاتك والعياذ بالله .. يقول الله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (*) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103,104]
فعليك أن تغسل قلبك بــــ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

———-
والمشكلة أننا قد تربينا على مراءاة الناس منذ الصِغَر .. فدائمًا ما يُقال للصغار: لا تفعل كذا أو كذا حتى لا يقول الناس عليك …
والمُفترض أن يُنهي الصغار عن فعل المخالفات؛ خشيةً لله تعالى وليس الناس .. بأن يُقال لهم: لا تفعل هذا الفعل؛ لأن الله لا يحبه ولأن ديننا ينهانا عن فعله .. أما إذا تربى على ترك المخالفات خشية الناس، فلن يؤجر على تركها وسيقع فيها من وراء الناس طالما إنهم لا يروه.
ومن العجيب أن المرء قد يرائي حتى نفسه .. فقد يقوم بعبادة في السر ويُعجَب بها، ويتمنى لو أن الناس رأوه وهو يفعلها .. وقد لا يتحمَّل حتى يخبرهم بها!
———


الإخلاص يُغيِّر حيـــاتك ..

فعندما تبدأ في متابعة نفسك في الإخلاص، ستشعر كأنك قد دخلت في الإسلام من جديد .. ولقد كان ل{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تأثيرًا عجيبًا على السلف الصالح، حتى إنهم كانوا يبكون عند تلاوتها.
عن مزاحم بن زفر، قال: صلى بنا سفيان الثوري المغرب فقرأ حتى بلغ { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، بكى حتى انقطعت قراءته، ثم عاد فقرأ {الحَمْدُ للهِ}. [حلية الأولياء (3:154)]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَوْفٍ الحِمْصِيُّ: رَأَيْتُ أَحْمَدَ بنَ أَبِي الحَوَارِيِّ عِنْدَنَا بِأَنْطَرْسُوْسَ، فَلَمَّا صَلَّى العَتَمَةَ، قَامَ يُصَلِّي، فَاسْتَفْتَحَ بِـ {الحَمْدُ للهِ} إِلَى {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ}، فَطُفْتُ الحَائِطَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ لاَ يُجَاوِزُهَا، ثُمَّ نُمْتُ، وَمَرَرْتُ فِي السَّحَرِ وَهُوَ يَقْرَأُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}. فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا إِلَى الصُّبْحِ. [سير أعلام النبلاء (23:81)]
وهذا ليس بمبالغة، فالفاتحة هي أعظم سور القرآن؛ لذا كان لها أعظم التأثير على النفوس.
———-


والآن، أتريد أن تعرف كيف تُخلِّص عبادتك لربِّ العالمين؟!

أعلم إنك لن تستطيع أن تُخلِّصَ إلا إذا أعانك الله عز وجل.. لذلك جاءت “إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ” بعد “إِيَّاكَ نَعْبُدُ” .. وكما قال تعالى {.. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21]
فاطلب منه الهداية، وهو يهديك .. يقول الله تعالى في الحديث القدسي “يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم” [رواه مسلم]
لذلك كانت الآية التالية هي::
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]
أرأيت التركيب البديع والاختيار الرباني العجيب لأعظم سورة في القرآن؟
نسأل الله أن يرزقنا الصدق والإخلاص في القول والعمل، وأن يهدنا برحمته إلى صراطه المستقيم،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
كيف أنجو من أهوال يوم القيـــامة؟

لقد أخبرنا الله عزَّ وجلَّ كيف ننجو من أهوال ذلك اليوم في سورة الفاتحة .. فإذا ما قرأت الآية التي تلي قوله تعالى {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] .. لوجدت سبيل النجـــاة في قوله تبارك وتعالى:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]
فعبادة الله وحده هي النجــــاة ..

كما قال نوح عليه السلام لقومه {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] .. وكذا كان قول الأنبيـــاء من بعده ..
أما الإعراض عن الله تعالى وعصيانه فهو الهلاك يوم القيــــامة ..
تابعوا معنا المزيد من أسرار الفاتحة وكيفية النجـــاة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى،،
 
دواء الريـــــاء والعُجب
لازلنا مع عجائب وأسرار الفاتحة، ووصلنا إلى قوله تعالى { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية كلامًا عجيبًا في شأن تلك الآية العظيمة، قال “رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِائَةَ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ جَمَعَ مَعَانِيَهَا فِي الْقُرْآنِ وَمَعَانِيَ الْقُرْآنِ فِي الْمُفَصَّلِ، وَمَعَانِيَ الْمُفَصَّلِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَمَعَانِيَ أُمِّ الْكِتَابِ فِي هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ : { إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ }” [مجموع الفتاوي (2:455)]
إيَّاكَ نَعْبُدُ .. أي لا أعبد أحدًا سواك
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .. أي لا أستعين إلا بك

———-


لكن، لماذا قَدَّم العبادة على الاستعانة؟

أولاً: من باب تقديم الغايــــات على الوسائل .. فالغاية: هي العبادة، والوسيلة التي توصل إليها: هي الاستعـــانة .. فأنا أستعين بك؛ لكي أعبدك يــــا ربَّ.
ثانيًا: العبادة لله والاستعانة من الله للعبد، فما كان لله أولى مما كان للعبد لا شك.
ولذا كانت أهم عبادات القلب:: الإخلاص، وأسوء ذنوبه:: الشرك ..
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه” وفي رواية “فأنا منه بريء هو للذي عمله” [رواه مسلم]
يقول ابن القيم ” العمل بغير إخلاص ولا اقتداء، كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه” [الفوائد (1:48)]
———-

فأول سبيل للإخلاص:: ألا يرى القلب في العبادة إلا الله ..
إذا أردت أن يكون عملك خالصًا لله، يجب ألا تلتفت إلى البشر .. لا تهتم وأنت تتصدق من الذي سيعلم عنك .. لا تهتم وأنت تصلي من الذي يسمعك .. لا تهتم بالانتصار إذا ناقشت مسألة ما، بل اهتم بأن تجد الحق فتتبعه سواءً كنت مصيبًا أم مخطئًا .. فغاية همَّك هو رضا الله عز وجل عنك ولا أهمية لأي شيءٍ آخر أبدًا ..

———
فَلَيْتَكَ تَحْلُوْ وَالْحَيَاةُ مَرِيْرَةٌ … وَلَيْتَكَ تَرْضَىَ وَالْأَنَامُ غِضَابُ
وَلَيْتَ الَّذِيْ بَيْنِيْ وَبَيْنَكَ عَامِرٌ … وَبَيْنِيْ وَبَيْنَ الْعَالَمِيْنَ خَرَابُ
إِذَا صَحَّ مِنْكَ الْوُدِّ فَالكُلُّ هَيّنٌ … وَكُلُّ الَّذِيْ فَوْقَ الْتُّرَابِ تُرَابُ

———-
وعلاج حب المدح، يتلخص في معرفتك بأنه ليس أحد ينفعك مدحه أو ذمه إلا الله عز وجل.. فلو أنك كُتِبت عند الله صديقًا، ووصفك جميع الناس بأنك كاذب .. هل يضرك وصفهم؟
ولو أنك – والعياذ بالله – كُتِبت عند الله منافقًا، ووصفك جميع الناس بالصدق والصلاح .. هل سيدخلونك الجنة حينها؟!
فالناس لا ينفعونك بشيء إذا أراد الله عز وجل خلافه، فلا تُضيِع آخرتك لأجل لا شيء!
قال بعض السلف “جاهد نفسك في دفع أسباب الرياء عنك، وأحرص على أن يكون الناس عندك كالبهائم والصبيان، ولا تفرق في عبادتك بين وجودهم من عدمه واقنع بعلم الله وحده”
ولو عَلِم الناس أنك ترائي وتفعل العبادة لأجلهم، لَكَرِهوك ولسقطت من أعينهم ..
فكيف تعمل لمن لو عَلِمَ أنك ترائي له لأبغضك؟! .. وتترك من لو عَلِمَ أنك تعمل له لأحبك ؟؟!!
كن مع الله .. واجعل { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} في قلبك وقصدك الوحيد،،
———


وشر أنواع الريـــاء::

أن يرائي الإنسان بما لا يعمل .. فيوحي للناس أنه صلى الفجر في المسجد وهو لم يصلي، أو يفرح بمدح الناس له على عملٍ لم يفعله ولا يُنكر ذلك.
وهؤلاء الذين قال الله تعالى عنهم {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188]

———–


والحل:: أن تُصحح النيــــة ..
فقبل أن تشرع في أي عبادة، عليك أن تتوقف وتسل نفسك: لماذا تفعل هذا العمل؟
لأجل أن ترضى يــــــا ربِّ وفقط .. ليس لأجل أي شيءٍ آخر.
{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}:: تشفيـــك من مرض الريــــاء ومرض العُجب ..
يقول ابن القيم ” وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إياك نعبد تدفع الرياء، وإياك نستعين تدفع الكبرياء” [مدارج السالكين (1:54)]

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
دعــــاء الفاتحـة .. لماذا نطلب الهداية؟

{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (*) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6,7]
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية “أَنْفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعْظَمُهُ وَأَحْكَمُهُ: دُعَاءَ الْفَاتِحَةِ {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (*) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فَإِنَّهُ إذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ : أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ. فَلَمْ يُصِبْهُ شَرٌّ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ” [مجموع الفتاوي (14:320)]
والإنسان مُحتاجٌ إلى الهداية في كل لحظة، مهما كانت درجة إيمانه ..

يقول ابن القيم “ولذلك اشتدت حاجة العبد، بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع له منها. فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالاً وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت، فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو من الصراط المستقيم وإن عجز عنه .. وما يقدر عليه قد لا تريده (أي: نفسه) كسلاً وتهاونًا، أو لقيام مانع وغير ذلك .. وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله .. وما يفعله قد يقوم بشروط الإخلاص وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم .. وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد صرف قلبه عنه .. وهذا كله واقع سارٍ في الخلق، فمستقلٌ ومستكثر” [الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (2:145,146)]
———

فطريق الله عزَّ وجلَّ وهو الصراط المستقيم يتضمن علومًا أبعد مما تتصور ..
1) قد يعلمها العبد وقد لا يعلمها .. من أمور الحلال والحرام، والطاعة والمعصية.
2) وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه .. فيطلب من الله تعالى الهداية؛ ليزداد علمه.
3) وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه .. فقد يعلم أحدًا فضائل الصيـــام أو الصدقة أو الحج أو غيرها من الطاعات، ولكن لا يقدر على القيـــام بها .. فيطلب من الله الهداية؛ لكي يُعينه عليها.
4) وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده .. فقد يُصاب الإنسان بالكسل .. ومع مقدرته على القيام لصلاة  الفجر مثلاً، لا تشتهي نفسه ذلك ويتكاسل حتى يصليها بعد شروق الشمس .. وآخر قد يكون قادرًا على الصلاة في المسجد، لكن تتكاسل نفسه ويُصلي في البيت .. لذلك ندعو الله أن يهدنا الصراط المستقيم؛ حتى تتطاوعنا أنفسنا على فعل العبادات التي نقدر عليها.
5) حتى لو طاوعته نفسه وقام بفعل العبادة، قد يأتي بالإخلاص وقد لا يأتي بالإخلاص .. فاهدنا الصراط المستقيم؛ لكي نُخلِّص.
6) حتى لو أخلصت في عملك، قد تفعله متابعًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم أو خلافه .. والإخلاص والمتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم هما شرطا قبول العمل، وبدون أحدهما لا يُقبل.
7) حتى لو فعلت العمل وأتيت بجميع شروط قبوله من الإخلاص والمتابعة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، تحتاج أن تطلب من الله أن يُثبتك على العمل .. فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلبها كيف يشاء.
فما أشد حاجتنا إلى طلب الهداية من الله سبحانه وتعالى في كل وقتٍ وحين ..
اللهم اهدنــــا الصراط المستقيم،،
——–

والصراط مضروبٌ على متن جهنم .. عن أُمُّ مُبَشِّرٍ: أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ “لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ، الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا”، قَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْتَهَرَهَا. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}.
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم “قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}“ [صحيح مسلم]
وصفة الصراط: أنه دَحْضٌ مَزِلَّةٌ .. أي تنزلق الأقدام إذا وقفت عليه، فما أصعب تلك الصفة.
ويمر النــاس عليه بحسب نورهم .. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم “.. فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يعطى مثل النخلة بيده، ومنهم من يعطى أصغر من ذلك، حتى يكون آخرهم رجلاً يعطى نوره على إبهام قدميه يضيء مرة ويطفأ مرة فإذا أضاء قدم قدمه وإذا أطفىء قام ..” [صحيح الترغيب والترهيب (3704)]


كيف يعبر النـــاس هذا الصراط الرهيـــب؟
 
عبــــــور الصراط المستقيـــم

يوزع النور على الناس بقدر أعمالهم في الدنيــــا، والنبي صلى الله عليه وسلم قائمٌ على الصراط يقول: يـــــــا ربِّ سَلِّمْ سَلِّمْ ..
وتأتي لحظة الاختبـــار الصعب لعبور الصراط .. يقول النبي صلى الله عليه وسلم “.. فيمرون على قدر نورهم منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرجل، حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف عليها فقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدًا إذ نجاني منها بعد إذ رأيتها” [صحيح الترغيب والترهيب (3704)]
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “.. وَفِي حَافَتَيْ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ ..” [صحيح مسلم] .. فبقدر معاصي العبد يُخدش بتلك الكلاليب المُعلقة على طرفي الصراط، والبعض تأخذه تلك الكلاليب إلى قعر جهنم والعياذ بالله .. نسأل العافية والسلامة.

يقول ابن القيم: إن الله تعالى “نصب لعباده من أمره صراطًا مستقيمًا دعاهم جميعًا إليه حُجةً منه وعدلاً، وهدى من يشاء منهم إلى سلوكه نعمةً منه وفضلاً .. فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطًا مستقيمًا يوصلهم إلى جنته، ثم صرف عنه من صرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من أقام عليه في الدنيا، وجعل نور المؤمنين به وبرسوله وما جاء به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نورًا ظاهرًا لهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر، وحفظ عليهم نورهم حتى يقطعوه، كما حفظ عليهم الإيمان حتى لقوه” [الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي (2:147)]
 قال تعالى {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [الحديد: 12]
———


هل استشعرت الآن عِظَم الدعــاء الذي ندعو به في كل صلاة .. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ؟!

فعند تأمينك بعد قراءة الفاتحة، عليك أن تستحضر تلك المشاهد العظيمة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم عن صراط الله المستقيم .. فإذا قلت “آمين” (أي: اللهم استجب) من قلبك بصدق، سيستجيب الله تعالى لك ويهديك صراطه المستقيم.
أما إن كنت غافلاً لاهيًا، فلن يُستجاب لك .. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه” [رواه الترمذي وصححه الألباني]
وينبغي عليك أن تقف بعد كل آية من الفاتحة وقفة يسيرة، تنتظر فيها جواب ربِّك عزَّ وجلَّ .. يقول ابن القيم “فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقف هنيهة يسيرة ينتظر جواب ربِّه له بقوله: “حمدني عبدي”. فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، انتظر الجواب بقوله: “اثنى علي عبدي”، فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} انتظر جوابه: “يمجدني عبدي”” [الصلاة وأحكام تاركها (11:36)]
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ثم يقف، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ثم يقف .. [رواه الترمذي وصححه الألباني]
فهنيئًا لك وأنت تسكت انتظارًا لجواب إلهٍ عظيـــــم، يُجيب عليك في الصلاة ..
من مثلُك؟!

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
سلوى قلب المؤمن

وصلنا إلى المحطة الأخيرة مع أسرار الفاتحة البديعة، التي نود لو لم ننتهي منها أبدًا ..
مع قول الله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ..} [الفاتحة: 7]
فإن الإنسان إذا سلك الصراط المستقيم إلى ربِّه عزَّ وجلَّ، لابد أن يؤذى ويُعادى بسبب سلوكه طريق الحق .. ولذلك ذكر الله تعالى التواصي بالصبر لكل من سلك طريق الحق، في قوله تعالى {.. وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3]
وإذا تسليت بذكر الذين أنعم الله عليهم بسلوك الصراط من قبلك، خفف ذلك عنك وحشة الطريق .. وقد علم الله تعالى أنك تحتاج إلى من يعينك على الهداية والحق، وأنك تحتاج إلى من تستأنس بهم .. فذكَّرك في الفاتحة بـــ {.. الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء: 69] .. وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
فيتسلى قلبك وتهدأ نفسك ..
عندما تتذكر محن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، فيسلوا قلبك عمن يستهزأ بك بسبب تدينك وصلاتك .. وتتذكرين أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فتستأنسين بذكرهن عندما يستهزيء أحدهم بحجابك ..

————–
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسلى بذكر الأنبيـــاء من قبله .. لذلك تجد القرآن الكريم عامرًا بقصص الأنبيــاء والمرسلين، قال تعالى {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..} [هود: 120] .. وأمره بالاقتداء بهديهم، قال تعالى {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ..} [الأنعام: 90]
وأنت أيضًا عليك أن تقتدي بالذين أنعم الله عليهم ..
فتقول في صلاتك {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (*) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ..} [الفاتحة: 6,7]
——-

وبعدها تقول {.. غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]
والمغضوب عليهم: هم الذين يعلمون الحق ولا يعملون به.
أما الضالين: فهم الذين يعملون ولكن بلا علم.
ولن يضل ضال إلا بأحد هذين الأمرين أو اجتماعهما، فالإنسان إما أن يعلم الحق وإما أن لا يعلمه .. فإن علمه فإما أن يعمل به وإما أن لا يعمل ..
وإن ابتعد عنك ذاك الضلال، ما بقي إلا أن ينعم الله عليك ..
ومثال ذلك: شخص يعلم بوجوب الصلاة وكيفية أدائها، لكنه لا يصلي .. فهذا قد باء بغضب الله تعالى ..
وآخر يصلي، لكن يقع في أخطاء تُبطِل الصلاة لإنه لا يعلم الطريقة الصحيحة لأدائها .. فهذا قد ضلَّ عن الهدى ..
لذا عليك أن تتعلم ظاهر الصلاة من الكيفية الصحيحة لأدائها .. وباطنها من الخشوع وأعمال القلب ..
فتكمُل صلاتك وتكون من الذين أنعم الله عليهم،،
يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إن اليهود مغضوب عليهم وإن النصارى ضُلَّال” [رواه الترمذي وحسنه الألباني] .. فهؤلاء يدخلون ضمن الآية؛ لأن اليهود يعلمون ولا يعملون بينما النصارى يعملون لكن على جهل.
———


لماذا أضاف الله سبحانه وتعالى النعمة إليه ولم يُضيف الغضب؟

أولاً: لأن النعمة هي الخير والفضل، أما الغضب فمن باب الانتقام والعدل .. فأضاف الله سبحانه وتعالى إلى نفسه أكمل الصفتين وهي صفة الرحمة؛ لأن رحمته سبقت غضبه سبحانه وتعالى.
ثانيًا: أن الله سبحانه وتعالى وحده هو المُتسبب في حصول النعمة .. كما قال تعالى {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ..} [النحل: 53] .. فلا أحد يُنعم عليك سوى الله تعالى.
أما إذا غَضِبَ الله عزَّ وجلَّ، فالجميع يغضب لغضبه .. فملائكته ورسله وأنبيائه وأولياؤه وأحبابه يغضبون لغضبه سبحانه.


ومن جماليـــات الفاتحـــة ..

أنها بدأت بالحمد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .. فيقول الله تعالى: حمدني عبدي.
ثم الثنــــاء: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .. فيقول الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي.
والتمجيــد: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .. فيقول تعالى: مجدني عبدي.
وبعد ذلك الدعـــاء: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} .. فيقول تعالى: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
وهذا من آداب الدعاء: فيُستحب للإنسان عند دعـــاء ربِّه أن يبدأ بالثنــــاء والتمجيد ثمَّ يسأل الله حاجته.
فما أروع تنــــاسق آيــــــات الفاتحة ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
تأمين الملائكة وقاعدة التعايش مع القرآن

أتدري ما يحدث عند قولك “آميـــن”؟

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ “إِذَا قَالَ الْإِمَامُ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ }، فَقُولُوا: آمِينَ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” [صحيح البخاري]
وآمين تعني: اللهم استجب ..
فأنت حين تقول: آمين في الأرض، تقول الملائكة: آمين في السماء ..
فإذا توافق قولك مع قول أحد الملائكة، غُفِرَت لك جميع ذنوبك ..
فعليك أن تقولها وأنت مُستشعرٌ لمدى حـــاجتك .. فأنت تطلب من الله تعالى أن يهدك الصراط المستقيم، وهو أمرٌ عظيـــم وليس بهين يوم القيامة ..

ولا تقولها وأنت مُستغنٍ وغير مبالٍ هل يُستجاب لك أم لا .. فلو أن رجلٌ حُكِمَ عليه بالإعدام، ووقت تنفيذ الحُكم طُلِبَ منه أن يُكلم أوليـــاء القتيل ليعفو عنه .. فإن عفو عنه نجى، وإلا قُتِل ..
هل سيكلمهم بلا مبالاة ولا يهتم إن استجابوا له أو لا؟!
فما بــــالك وأنت تطلب العفو من ربِّ العالمين؟
فعليك أن تُظهر لله تعالى حاجتك، واعلم أنه لا يستجيب من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ..
———–


ثم بعد ذلك تشرع في قراءة القرآن ..

وقد شُرِعَت قراءة القرآن في القيــام؛ لأنه أشرف الأذكار والقيـــام هو أشرف الهيئات ..
بينما قد نُهينا عن قراءته أثناء الركوع والسجود؛ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا ..” [رواه مسلم]
يقول ابن القيم “ولما كان أشرف أذكار الصلاة: القرآن، شُرِعَ في أشرف أحوال الإنسان وهي هيئة القيام التي قد انتصب فيها قائمًا على أحسن هيئة” [شفاء العليل (24:46)]
———-
والبعض يقرأ القرآن دون أن يستشعر معانيه أو يشعر بشيءٍ تجاهه، كأنه يقرأ صحيفة أو مجلة !
وهذا لا يصح مع كلام الله تعالى .. يقول ابن الجوزي “والله لو أن مؤمنًا عاقلاً قرأ سورة الحديد وآخر سورة الحشر وآية الكرسي وسورة الإخلاص بتفكير وتدبر، لتصدَّع من خشية الله قلبه وتحيَّر في عظمة الله لُبَّه” [التذكرة في الوعظ (1:73)].
يقول تعالى { أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]
وأمرنا سبحانه وتعالى بترتيل القرآن .. {.. وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4]
———-
وليس المهم الكم الذي تقرأه من الآيات، بل كيفية قرائتك لها ومدى تأثرك بها ..
فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بآية واحدة، يظل يرددها طوال الليل .. عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح بآية، والآية هي: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118]. [رواه النسائي وابن ماجه وصححه الألباني]
يقول ابن القيم “إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وأَلْقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه وإليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله” [الفوائد (1:1)]
وتذكَّر المفتـــاح السحري للخشوع في الصلاة:
كَلِّم ربَّك .. خاطبه .. ناجي ربَّك .
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
قاعدة التعايش مع القرآن

لقد أعطانا الإمام ابن القيم القاعدة التي نستطيع استشعار آيـــات القرآن بها، حتى دون أن نقرأ التفسيـر ..
يقول “فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التى فيها الأَسماءُ والصفات، والآيات التى تعرَّف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإِحسانه إِليهم، وتطيب له السير آيات الرجاءِ والرحمة وسعة البر والمغفرة، فتكون له بمنزلة الحادى الذى يطيب له السير ويهونه [عليه]، وتقلقه آيات الخوف والعدل والانتقام وإِحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه” [طريق الهجرتين (23:54)].

1) فأنت تشعر بالحب .. عند مرورك بآيـــات الأسماء والصفات والتي تتحدث عن الذات الإلهية وإنعام الله عزَّ وجلَّ عليك .. فينشرح صدرك بالمحبة، لعل الله تعالى أن يحبك.
2) وتشعر بطيب القلب والسعادة والراحة .. عند مرورك بآيـــات الرحمة والمغفرة.
3) وتشعر بالخوف والقلق، وينجذب قلبك للقرآن فلا تشرد عنه .. عند مرورك بالآيات التي فيها ذكر الخوف والعدل والانتقام من الأمم السابقة.
فتعيش بين الحب والخوف الرجـــــاء ..

يقول ابن القيم “فتأَمَّل هذه الثلاثة وتفقه فيها، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله” [طريق الهجرتين (23:54)]
هكذا ينبغي أن تكون علاقتك بالقرآن العظيم وليس كما نرى أحيانًا أن الإمام يقرأ آيــــــات في وصف الجنة والنار، والمصلي يُفكر في الطعام والشراب!!
قال تعالى {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]
نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإيــــاكم الخشية،،
 

أجمل ركـــوع

إننا عندما نصلي في الأرض يرانا الله سبحـــانه وتعالى من فوق سبع سماوات، فعلينا أن نحرص على تأديـــة الصلاة على أجمل وجه أمام ربِّ العالمين؛ لأنه سبحـــانه جميــــل يُحب الجمـــال ..
وأجمل صلاة في الدنيــــا هي صلاة نبينــا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ الذي كان يحرص على جمال باطنه وظـــاهره أثنـــاء الصلاة ..
فكيـــف نركع ركوعًا جميلاً كركوع النبي صلى الله عليه وسلم ؟

أولاً: لا تتعجــل في إنــزال يديـــك .. بل انتظر حتى تفرُغ من القراءة ثم ترفع يديك وتُكَبِّر، وبعدها أنزِل يديــــك إلى ركبتيـــك .. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فَرُغ من القراءة سكت سكتة خفيفة وبعدها يرفع يديه للتكبيـــر.
ثانيـــًا: التكبيـــر يكون في طريقك إلى الركوع .. أي أثنــاء نزولك للركوع، وليس قبله أو بعده.
والتكبيـــرات بين حركـــات الصلاة بمثابـــة التنبيــة ..
فشرع الله عزَّ وجلَّ لنا بين كل حركة من حركــات الصلاة تكبيـــر؛ لكي ننتبه ونُفيــق من الغفلة وشــرود الذهن ..
فالله أكبـــر من كل ما تُفَكِر فيــه،،
———
ثالثًا: رفع اليديـــن يكون إلى المنكبين أو إلى فروع الأذنين .. كشأن تكبيــرة الإحرام.
رابعًا: وضع اليديـــن على الركبتيــن مع التفريج بين الأصابــع .. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُمكِّن يديـــه من ركبتيه كأنه قابضٌ عليهما ويُفرج بين الأصابع، فهذا أدعى لحصول الظهر على وضعه الصحيح .. ومن الخطأ أن تضع أطراف أصابعك فقط على الركبة.
————
خامسًا: المجافــاة بين المرفقين والجســد .. فتجعل مسافة بين مرفقيك وجسدك، ولا تلصقهما ببعض.
سادسًا: بســط الظهر وتسويتــه أثنــاء الركوع .. حتى لو صُب الماء على ظهره لاستقر عليه.
سابعًا: جعل الرأس في مستوى الظهــر .. فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع رأسه عن مستوى ظهره أثنــاء الركوع ولا يُخفِضها عنه.
وعليك أن تمكث راكعًا حتى يأخذ كل عضوٍ مأخذه ولا تتعجَّل في الرفع من الركوع،،
أتدري ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى رجلاً لا يُتِم ركوعه ويتعجَّل في صلاته؟!

تابعوا الإجـــابة في المقالة القادمة إن شاء الله تعالى،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ســــارق الصلاة .. وتذوُّق أذكـــار الركــوع

الكثير من النــاس يتعجلون في صلاتهم؛ يؤدونها بسرعة شديدة جدًا كأنها تمرينٌ رياضي ..  يسرقون من حركاتها ولا يتمون ركوعها أو سجودهــا ..
تُرى لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتهم، ماذا سيقول عنها؟!
عن أبي عبد الله الأشعري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لو مات هذا على حاله هذه مات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم “، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “مثل الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده، مثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين لا تغنيان عنه شيئًا” [رواه الطبراني وحسنه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (528)]
فإذا كنت تشعر بشدة الجوع، ثم أكلت تمرة أو تمرتين .. هل ستشبع حينها؟!

———–

وأنت في شدة العطش لقطرة من راحة البــال في ظل هموم الدنيـــا وضيقها ..
دارٌ متى ما أضْحَكَتْ في يومِها *** أبْكَتْ غداً تبًا لهـا مـنْ دارِ
طُبِعَـتْ علـى كَــدَرٍ وأنــت تريـدهـا *** صـفــواً مـــن الأقـــذاءِ والأكـــدارِ
ومـكـلِّـفُ الأيَّـــامِ ضــــدَّ طـبـاعـهـا ***متطـلِّـبٌ فــي الـمــاءِ جَـــذوةَ نـــارِ
وإذا رجـــوتَ المسـتـحـيـلَ فـإنَّـمــا *** تبـنـي الـرجـاءَ عـلـى شفـيـرٍ هـــارِ

————–

ولن يُخفف عنك آلام الدنيـــا إلا الصلاة ..
فلماذا تسرق من ركوعك وسجودك؟!
عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته”. قالوا: يا رسول الله، وكيف يسرق من صلاته؟، قال “لا يتم ركوعها ولا سجودها” [رواه أحمد وصححه الألباني، مشكاة المصابيح (885)]

————–

تخيَّل لو أنك أهديــت صلاتك لأحد البشر .. هل يقبلها منك على ما تسرقه منها؟
فما بــــالك وأنت تُقدِّم صــلاتك لربِّ البــشر ؟!
أعظم من تُنـــاجي في هذا الكون بأسرِه ..
فلابد أن تُقدِّم صلاة تليـــق بالله عزَّ وجلَّ ..

كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل ركوعه وقيــامه من الركوع وسجوده وجلسته بين السجدتين قريبًا من السواء .. فإذا كان قيامه يستغرق خمس دقائق أو أكثر، فإن ركوعه وسجوده يستغرق قريبًا من هذا الوقت ..
فمَنْ منا يركع لمدة دقيقتين فضلاً عن خمس دقائق؟!
اشبــــع من الركـــوع؛ فإن له طعمٌ وجمالٌ خــــاص،،

————


تذوَّق جمـــال الركوع

ومما يُعينك على تذوق جمـــال الركـــوع أن تتدبَّر في معانى الأذكــار الواردة فيه .. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أذكار للركوع، كان يقول كل ذكرٍ منها على حِدة ولم يكن يجمع بينهم .. منها:
1) سبحــــان ربِّي العظيــــم .. عن حذيفة رضي الله عنه: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم .. [رواه الترمذي وصححه الألباني (262)] .. يكررها ثلاث مرات، وأحيانًا يكررها أكثر من ذلك.

ومعنى التسبيــــح: التنزيــــه .. أي أن أُبعِد عن الله عزَّ وجلَّ كل ما لا ينبغي أَن يوصف به؛ ولذلك ورد التسبيح في القرآن عند ذكر ما لا يليق نسبته إلى الله جلَّ وعلا .. مثل قوله تعالى {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100]، وقوله جلَّ وعلا {.. وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]
وتقول: سُبْحَانَ رَبِّي .. بدلاً من قول: سبحــان الربِّ؛ لأن الإضافة فيها مزيدٌ من المحبة والمشاعر .. حتى يستشعر الإنسان قُربه من الله عزَّ وجلَّ بهذه الكلمات ذات المدلول العظيم.
———
2) سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ .. عن عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ. [صحيح مسلم (752)]
سُبُّوحٌ: صيغة مبالغة من سبحان، وهو تنزيه الله عزَّ وجلَّ عن كل نقص .. قُدُّوسٌ: أي طاهر، فالقداسة هي الطاهرة .. وَالرُّوحِ: قيل مَلَكٌ عظيم، وقيل يحتمل أن يكون جبريل عليه السلام، وقيل خلقٌ لا تراه الملائكة كما لا نرى نحن الملائكة والله سبحانه وتعالى أعلم.
3) سبحان ربي العظيم وبحمده .. ثلاثًا. [صححه الألباني، صفة الصلاة (1:133)]
———–
4) سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي .. كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدع هذا الذكر بعد نزول سورة النصر، يتأول القرآن.
والتسبيح .. دائمًا يرد في الركوع والسجود؛ لأنه تنزيهٌ وبراءةٌ لله عزَّ وجلَّ من كل نقصٍ ..
أما وبحمدك .. أي: إنما سَبَحْتُكَ بتوفيقٍ منك لي، وهدايةٌ وفضلٌ عليَّ .. وإلا فأنا وحدي بدون توفيقك، ليس لي قدرة على عبادتك .. فهذا فيه شكرٌ لله تعالى على هذه النعمة، والاعتراف والتفويض لله تبــارك وتعالى.
هذا بعضٌ من الجمال الظــاهر الذي في الركوع ..
أما جماله الباطني ..

فتابعونا في المقالة القادمة إن شاء الله تعالى؛ لنستشعر جمال الركـــوع بقلوبنــا،،

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
أعظم رغبــات الإنسان

كثيرٌ من الناس يخشع في السجود وتدمع عينه عند تلاوة القرآن، لكنه لا يستطيع أن يتصوَّر ما يحرك قلبه للخشــوع في الركــوع ..
ولو فَهِم الواحد منَّــا مدى عظمة الركــوع، لعَرِفَ مذاقهُ ..
وكل إنسانٍ لديه رغبــات وحاجــات يومية لابد أن يشبعها .. فمنهم من يحب الجلوس مع أسرته لفترات ومنهم من يحتــاج إلى أن يجلس وحيدًا أحيــانًا، والبعض الآخر يحتــاج لمن يهتم به ويُشعره بأنه محبوبًا .. وإذا لم يُشبِع الإنسان رغبته في يومٍ من الأيـــام، يجد نفسه متوترًا ومنزعجًا ويغضب لأتفه الأسبـــاب ..
أتدري ما هي أعظم رغبة تحتاجها روحك؟

———-

إنها العبـــادة؛ أعطش حاجةٍ لديــــك ..

فكما إن للإنسان رغبة في التعزز بمنصب أو سلطان، فإن بداخله رغبة أخرى للتذلل إلى من يحب .. ولكن الناس يأنفون من عبادة بعضهم لبعض؛ لذلك صرفوا حاجتهم إلى العبادة إلى ما حولهم من المخلوقـــات ..
ولقد عبَّد الناس على مدى الأزمـــان أعجب الأشيــاء؛ ليشبعوا تلك الرغبـــة .. فهناك من يعبُد المــاء أو الأصنــام وحتى الأفاعي عبدوها، يبذلون الجهد والتضحيــات ويخشعون ويخضعون لعبادة أشيـــاء ما أنزل الله بها من سلطان .. كل ذلك من أجل إشبــاع رغبــة العبــادة في نفوسهم.
ولن يشبع أحدٌ من تلك الرغبة إلا بعبادة الله الواحد القهَّار، ولن يرتوي عطشه إلا بالصلاة الحقِّ لله الواحد الأحد ..
وأنت أخي الكريـــم، يــــا من مَنَّ الله عزَّ وجلَّ عليك بنعمة الإسلام والتوحيـــد ..
تحتـــاج لإشبـــاع رغبتك من العبــادة، والركــوع يُشْبِع تلك الرغبــة؛ لأن فيه تذلل عجيــب لله ربِّ العالمين ..


 
لذة الركوع وتعظيــم الربُّ جلَّ وعلا

إنك بحـــاجة لإشبــاع رغبتك من عبادة الله عزَّ وجلَّ، حتى لا تصاب بالقلق والتوتر .. والركــوع يُشبع تلك الرغبة لما فيه من التذلل لله ربِّ العالمين ..
فاشبع نفسك من الركوع حتى ترتوي ..
فما الذي ينبغي علينا أن نستشعرهُ أثنــاء الركـــوع؟
استشعر لذة الركوع وأنت تقول: سبحـــان ربِّي العظيـــم ..
سبحـــان .. فإنك حين تُسبِح تنزه ربَّك سبحانه وتعالى عن جميع النقائص والعيــوب، ولا ترضى أن يعصيه أحد ..
ربِّـــي .. ربَّك الذي ربَّــاك فأحسن تربيتك، تربية لم يربِّها لك والديــك أو أي أحد غيرهما .. فهو سبحــانه الذي ألبسك وأطعمك وسقــاك وآواك، وزرع فيك الأخلاق الحميــدة ..
والربُّ .. هو السيـــد المُطــاع الرازق المُتكفِّل ..
فمن الذي يتكفَّل بحاجاتك سوى ربُّك عزَّ وجلَّ؟ .. ومن الذي يُحقق آمــالك سواه سبحــانه وتعالى؟!

————

فأنت تُعَظِم ربَّك، وقلبـــك ينطق: كم أنت عظيــــــــم يــــا ربِّي،،

يصف ابن القيم المُصلي حــال ركوعه .. فيقول “يرجع جاثيًا له ظهره خضوعًا لعظمته، وتذللاً لعزته واستكانة لجبروته مسبحًا له بذكر اسمه العظيم .. فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه، وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع قد تطامن (أي: انخفض) وطأطأ رأسه وطوى ظهره وربَّه فوقه يرى خضوعه وذلة ويسمع كلامه .. فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم “فأما الركوع فعظموا فيه الربَّ” [رواه مسلم]” [شفاء العليل (1:228)]
فمن عَرَفَ الله عزَّ وجلَّ، عظمَّهُ بقلبه،،

———-

وكلما امتلأ القلب محبةً لله عزَّ وجلَّ، امتلأ تعظيمًا له سبحانه .. حتى إنه يُعَظِّم كل ما يحبه الله جلَّ وعلا .. قال تعالى {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]
يقول ابن القيم “وأدبه في الركوع: أن يستوي ويعظِّم الله تعالى حتى لا يكون في قلبه شيء أعظم منه ويتضاءل ويتصاغر في نفسه حتى يكون أقل من الهباء” [مدارج السالكين (2:387)]
وكل ما سبق بمثابة استعدادات للسجــود الذي هو محل الدعــاء؛ لأن الركوع لا دعــاء فيه، فقط تسبيــح وتعظيـــم ..
يقول ابن القيم “وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له (أي: التمهيد)، فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه وأرفع شأنًا” [شفاء العليل (1:229)]

———-

وإذا استشعرت هذه المعاني حينما تركع في اليوم أكثر من 17 مرة، لابد أن تزيد محبتك لله .. وتأكد إنك إذا أحببت الله عزَّ وجلَّ؛ فإنه سيحبُكَ أكثر من حبك له بكثيــر .. كما يقول الله جلَّ وعلا في الحديث القدسي “.. وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” [متفق عليه]
وإذا أحبَك الله عزَّ وجلَّ، من ذا الذي يقدر أن يؤذيـــك؟!
وما حاجتك إلى الخلق أصلاً، إذ أنت تمسي وتُصْبِح والخالق يُحبُك؟!
ولهذا كان السلف – رحمهم الله – يطيلون هذا الركن شديدًا، حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يركع لمدة مقاربة للوقت الذي يستغرقه في قراءة خمسة أجزاء من القرآن ..
يذكر ابن الجوزي في (صفة الصفوة): أن أحد العُبَّاد وكان يُدعى (أبو مالك العابد) صلى نهاره أجمع وليله حتى بقى راكعًا لايقدر أن يسجد، ثمَّ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: قرة عينى، ثمَّ خرَّ ساجدًا فقال وهو ساجد:
“إلهي، كيف عزفت قلوب الخليقة عنك؟!!”
فمن تذوَّق طعم الركـــوع، عَرِفَ أنه أعظم مما يتصوَّر أي أحد ..
نسأل الله تعالى أن يُذيقنا لذة الركـــوع التي غَفَل عنها الكثيــر من النـــاس،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الرفع من الركوع وأذكـــاره
انتهينا من ركن جميل من أركــان الصلاة؛ وهو الركـــوع .. بنـــا نتذوق ركن آخر ممتع وهو:
الرفع من الركوع
كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صلبه من الركوع قائلاً “سمع الله لمن حمده” حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه.

————–


إطالة القيام من الركوع ووجوب الاطمئنان فيه

كثيرٌ من الناس إذا رفع من الركوع لا يكاد يستقر ثمَّ يُكبِّر ويخر ساجدًا، ويجعل هذا الركن من أسرع المواضع في صلاته!!
مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل قيامه من الركوع قريبًا من ركوعه، الذي كان قريبًا من قيــامه .. بل كان يقوم أحيانًا حتى يقول القائل: قد نسي!، من طول ما يقوم.
وكان يأمر بالاطمئنان فيه .. فقال صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته “.. ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ..” [متفق عليه]، وفي رواية “.. فإذا رفعت فأقم صلبك وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها ..” [رواه أحمد وحسنه الألباني، صحيح الجامع (324)] .. فيأخذ كل عظمٍ مأخذه وحتى ترجع العظام لمفاصلها.
ولا تتم صلاة لأحد من الناس إذا لم يفعل ذلك .. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا ينظر الله إلى عبد لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده” [رواه أحمد وصححه الألباني، صحيح الترغيب والترهيب (531)]

———-


أذكــــار الرفع من الركـــوع

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند الاعتدال من الركوع على الوجوه المتقدمة في تكبيرة الإحرام (إما عند المنكب وإما عند فروع الأذنين)، ويقول وهو قائم:
1) ربنا ولك الحمد ..
2) وتارة يقول: ربنا لك الحمد ..
 وتارة يضيف إلى هذين اللفظين قوله: اللهمَّ ..
3) فيقول: اللهمَّ ربنا ولك الحمد ..
4) أو: اللهمَّ ربنا لك الحمد ..
5) ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه .. عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ، قَالَ “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ”، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ “مَنْ الْمُتَكَلِّمُ”، قَالَ: أَنَا، قَالَ “رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ” [صحيح البخاري]

————

والحمد: هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، وقد يكون مقابل نعمة أو لا ..
أما الشكر فلا يكون إلا مقابل نعمة ..
وعليك أن تنوِّع بين هذه الأذكار؛ حتى يكون القلب حاضرًا،،

———-

وكان النبي صلى الله عليه وسلم تارة يزيد على هذه الأذكار قول:
ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ..
أي: ملء السماوات حمدًا وهي العالم العلوي، وملء الأرض وهي العالم السفلي، وملء الفضاء الذي بينهما ..
هل تتخيـــل حجم السماوات التي تملأها حمدًا لله عزَّ وجلَّ؟؟



سر الحمد بعد الرفع من الركـــوع

إن سرعة الضوء هائلة جدًا .. بإمكان شعاع من الضوء أن يدور حول الكرة الأرضية ثمان مرات في ثانية الواحدة، ويستغرق ثمان دقائق ونصف تقريبًا حتي يصل الضوء من الأرض إلى الشمس .. ويقطع المجموعة الشمسة بأكملها في خمس ساعات ..
ومع هذه السرعة الهائلة والمسافات الشاسعة التي يقطعها الضوء في وقت قصير جدًا، فإن أقرب نجم للمجموعة الشمسية يقع على بُعد أربع سنوات ضوئية !!
فلك أن تتخيـــل مدى سعة وعظمة السماوات .. ومقدار الحمد الذي تذكره حين الرفع من الركوع:
ربنــا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض ..

————

وملء ما شئت من شيء بعد ..

لأنه يوجد عوالم وأشياء أخرى غير السماوات والأرض، لا يمكن لعقولنا أن تحيط بها علمًا .. ومنها عالم الملكوت؛ كالكرسي والعرش وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وفي إحالة الحمد على المشيئة، اعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد .. فإنه لم يثني أحدًا من الخلق على الله سبحانه وتعالى بما  يستحقه قط ..
فالله جلَّ جلاله وحده هو الذي أثنى على نفسه بما يستحقه .. وإلا فكل من أثنى عليه سبحانه وإن كان محسنًا بثنائه إلا أنه غير مكافيء له.

————

يقول الإمام ابن القيم “وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى سجوده: “أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِكِ” [صحيح مسلم] ، فلا يحصى أَحد من خلقه ثناءً عليه البتة، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل ..
ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور فى بحر [طريق الهجرتين (19:37)]

————-

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية “المخلوق إذا أنعم عليك بنعمة أمكنك أن تكافئه، ونعمه لا تدوم عليك، بل لا بد أن يودعك ويقطعها عنك، ويمكنك أن تستغني عنه، والله عزَّ وجلَّ لا يمكن أن تكافئه على نعمه، وإذا أنعم عليك أدام نعمه، فإنه أغنى وأقنى، ولا يستغني عنه طرفة عين”

————


لماذا لا نُكبِر عند الرفع من الركوع؟

لأن الركوع والرفع منه بمثابة المقدمة للسجـــود، والسجود هو موضع الدعــاء حيث يكون العبد أقرب ما يكون من ربِّه ويُستجاب فيه دعائه ..
وأنت تقول عند الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده ..
أي: استجــاب الله لمن يحمده .. فيكون الذكر التالي مشتملاً على الحمد: ربنـــا ولك الحمد .. ثمَّ تسجد لتدعو الملك جلَّ جلاله ..

————-

فكان الثنـــاء والحمد مقدمة للدعاء؛
لكي يُستجـــاب ..

فإن الملوك يجب أن يُثنى عليهم قبل الطلب منهم؛ لهذا يُثني العبد على الله عزَّ وجلَّ بما هو أهله ثمَّ يسجد ليطلب من ربِّه ويدعوه ..
فما أجمل الصلاة التي رتبها الله عزَّ وجلَّ ترتيبًا عجيبًا، لا يمكن أن يؤتى بمثله ..
فتمتعوا بالصلاة،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
كيفية سجــود النبي صلى الله عليه وسلم

هيا بنــا لنتمتع بأعظم ركنٍ في الصلاة؛ ركن السجـــود .. لنقترب أكثر من سجود النبي صلى الله عليه وسلم وكأننا نراه يسجـــد سجـــوده الجميــــل ..
كان صلى الله عليه وسلم يكبر في طريقه إلى السجـــود، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله .. وكان يجافي يديه عن جنبيه قبل أن يسجد.


الخرور إلى السجود على اليدين

وكان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه .. وإن كانت المسألة يسعها الخلاف، إلا إن الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقَدِم يديه على ركبتيه وكان يأمر بذلك فيقول إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه” [رواه أبو داوود وصححه الألباني، صحيح الجامع (595)]
وعن نافع عن ابن عمر رفعه قال 
“إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه وإذا رفع فليرفعهما” [رواه أبو داوود وصححه الألباني (892)]
وكان يعتمد على كفيه ويبسطهما، ويضم أصابعهما، ويوجهها قِبَل القبلة .. وكان يجعلهما حذو منكبيه، وأحيانًا حذو أذنيه.
———-
وكان يمكن أنفه وجبهته من الأرض .. فمن الخطأ أن لا تلامس الأنف الأرض أثناء السجود.
وكان يُمَكِن أيضًا ركبتيه وأطراف قدميه .. ويستقبل بصدور قدميه وبأطراف أصابعهما القبلة ويرص عقبيه، وينصب رجليه وأمر به وكان يفتح أصابعهما.
—————-


 فهذه سبعة أعضاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يسجد عليها:

1) الكفان .. 2) والركبتان .. 3) والقدمان .. 4) والجبهة والأنف.
وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم العضوين الأخيرين كعضوٍ واحد في السجود، حيث قال صلى الله عليه وسلم
 “أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى: الْجَبْهَةِ (وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ)، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ” [متفق عليه]
—————-
وكان لا يفترش ذراعيه، بل كان يرفعهما عن الأرض ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إبطيه من ورائه .. وحتى لو أن بهمة (أي: دابة صغيرة) أرادت أن تمر تحت يديه مرت.
 وكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه: ” إن كنا لنأوي (أي: نرق) لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجافي بيديه عن جنبيه إذا سجد” [رواه ابن ماجه وقال الألباني: حسن صحيح]
وكان يأمر بذلك فيقول صلى الله عليه وسلم 
” إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ” [رواه مسلم] .. ويقول “اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ” [متفق عليه]
أذكار السجود ومناجـاة الربِّ جلَّ وعلا
كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن تلاوة القرآن في الركوع والسجود، ويأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ 
“أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ” [صحيح مسلم]


إطالة السجود

وكان صلى الله عليه وسلم يجعل سجوده قريبًا من الركوع في الطول، وربما بالغ في الإطالة لأمرٍ عارض .. كما قال بعض الصحابة: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء (الظهر أو العصر) وهو حامل حسنًا أو حسينًا، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ثم كبر للصلاة فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها، قال: فرفعت رأسي وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر أو أنه يوحى إليك، قال “كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته” [رواه النسائي وصححه الألباني]
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره، وقال “من أحبني فليحب هذين” [حسنه الألباني، السلسلة الصحيحة (312)]

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 أذكــــار السجــــود

وكان صلى الله عليه وسلم يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية تارة هذا وتارة هذا :
1) سبحـــان ربي الأعلى، ثلاث مرات .. و كان أحيانًا يكررها أكثر من ذلك.
2) سبحان ربي الأعلى وبحمده، ثلاثًا ..
3) سبـــوح قدوس رب الملائكة والروح ..

4) سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك اللهم اغفر لي .. وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده يتأول القرآن، كما ورد في قوله تعالى {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]
5) اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين ..
6) اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك ..

7) اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره ..
دقه وجله، أي: صغيره وكبيره .. وقدَّم الصغير على الكبير؛ لأن الكبائر عادةً تنشأ من عدم المبالاة بالصغائر، والإصرار عليها .. والإصرار على الصغيرة كبيرة.
وأوله وآخره: ما تقدم من ذنبه وما تأخر .. أي: اللهمَّ اغفر لي الذنوب التي فعلتها في السابق، والتي سأقع فيها في المستقبل.
وعلانيته وسره، أي: ظاهره وخفيه .. وهو ما أظهره أمام الناس، وما أخفاه عنهم فلم يطلِع عليه سوى الله عزَّ وجلَّ.
وفي هذا اللفظ تأكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه وإن أغنى بعضه عن بعض .. فإن اكتفى بقوله “ذنبي كله” لشمل جميــع ذنوبــه ..
لكن إطالة الدعاء دلالة على محبة الداعي؛ لأن الإنسان إذا أحب شيئًا أحب طول منــاجاته ..
وما أجمل مناجـــاة ربِّ العالمين،،

،،

 
السجــود سر السعادة

بعض الناس يسجد لأن السجود مجرد ركنٌ من أركان الصلاة وقد حان وقته، أو لأنه يريد أن يدعو ربَّه فحسب .. ولكن لن تشعر بمدى جمال السجود إلا إذا تحرَّك قلبك وبذلت أفضل ما عندك لاستشعار ذلك الركن العظيم من أركان الصلاة ..
يقول ابن القيم “والسجود سر الصلاة وركنها الأعظم وخاتمة الركعة وما قبله من الأركان كالمقدمات له .. فهو شبه طواف الزيارة في الحج فإنه مقصود الحج ومحل الدخول على الله وزيارته وما قبله كالمقدمات له؛ ولهذا أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد، وأفضل الأحوال له حال يكون فيها أقرب إلى الله، ولهذا كان الدعاء في هذا المحل أقرب إلى الإجابة” [الصلاة وأحكام تاركها (11:45)]

———


السجـــود بـــاب السعادة

إن السعادة لا توجد إلا عند اقتراب الروح من خالقها عزَّ وجلَّ، وكلما ارتفعت الروح واقتربت أكثر من الملك سبحانه وتعالى كانت أسعد ..
ولهذا حين تخرج أرواح المؤمنين من أجسادهم، فإنها تصعد إلى أعلى وتقترب من الله تعالى .. أما أرواح العصاة، فلا تُفْتَح لهم أبواب السماء ولا يدخلون إلى السعادة ..
وحينما اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من موعد سعادته حين وفاته صلى الله عليه وسلم ، جعل ينصب يده ويقول “اللهم الرفيق الأعلى“ [متفق عليه] حتى قُبِضَ ومالت يده صلى الله عليه وسلم..


فإذا أردت أن تصل إلى السعادة، يجب أن تصعد بروحك إلى أعلى .. وهذا لن يحدُث إلا إذا نزلت بجسدك إلى أسفل ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ” [صحيح مسلم]
وكلما سجدت وتذللت لربِّك أكثر، أزددت قُربًا وارتفعت مكانتك أكثر ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من تواضع لله رفعه الله” [صحيح الجامع (6162)]


فالسجود هو سر الفرح والسعادة .. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه أمر يُسَرُ به، خرَّ ساجدًا شكرًا لله تعالى. [صحيح الجامع (4701)]
فإنك حين تسجد لا تنزل إلى أسفل، بل تسبح إلى أعلى فتقترب أكثر من ربِّك جلَّ جلاله ..
ولذلك تقول في سجــودك:
سبحـــــان ربِّي الأعلى



فما أحلى السجــــود

حين يلتصق جسدك بالأرض، وتقترب روحك من فاطر السماوات والأرض .. فتحس بالسعادة تتسلل إلى شِغاف قلبك وتسكن فيها ..
ولا تزال تسجد أكثر، فترتفع درجتك في الجنة أكثر ..
إلى أن تصل إلى قمة السعادة .. إلى الفردوس الأعلى من الجنة ..
والتي سقفها عرش الرحمن جلَّ جلاله، فأهلها جارهم هو الله عزَّ وجلَّ ..
عَن رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي “سَلْ”، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ “أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟”، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ “فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ” [صحيح مسلم]


هل علمت الآن ما الذي كنت تفعله طوال سنوات عمرك؟
أرأيت مدى خسارتك لعدم استشعارك لجمال السجــود طوال الفترة الماضية؟
وليس جسدك فقط هو الذي يسجد، بل قلبك أيضًا وهو الأهم ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
سجـــــود القلب

إن أجمل مذاق قد يتذوقه المرء في حياته، وأسمى المشاعر تكون لحظة سجــــوده لله تبــــارك وتعالى .. وحين يكون العبد مهمومًا فيسجد، لا يتمالك نفسه حتى يبكي .. فإذا سقطت دمعته وأخذ يبُث شكواه لربِّه، يجد إن صدره قد انشرح وانفرجت أساريره ..
فكم خفف السجود من هموم .. وكم نفَّس عن مكروب .. وكم من حاجةٍ ما انقضت إلا بالسجود .. وكم من دعوة ما استجيبت إلا في السجود ..

—————-


وحين يسجد الجسد، يسجد معه القلب ..

وبعد أن يرفع رأسه، يجد نورًا في وجهه من أثر السجود .. وهذا النور يزداد يوم القيامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال “أمتي يوم القيامة غرٌ من السجود، محجلون من الوضوء” [رواه الترمذي وصححه الألباني] .. والغرة: بياض في ناصية الخيل، والتحجيل: بياض في أقدامه.


يقول ابن القيم “وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدى ربِّه؟!، قال: أي والله، بسجدة لا يرفع رأْسه منها إلى يوم القيامة.
فشتان بين قلب يبيت عنه ربِّه قد قطع في سفره إليه بيداءَ الأَكوان وخرق حجب الطبيعة، ولم يقف عند رسم، ولا سكن إلى علم حتى دخل على ربِّه في داره فشاهد عز سلطانه وعظمة جلاله وعلو شأْنه وبهاءَ كماله، وهو مستوٍ على عرشه يدبِّر أمر عباده وتصعد إليه شؤون العباد وتُعْرَض عليه حوائجهم وأعمالهم، فيأْمر فيها بما يشاءُ، فينزل الأمر من عنده نافداً [كما أمر]، فيشاهد الملك الحق قيومًا بنفسه، مَقِّيمًَا لكل ما سواه، غنيًا عن كل من سواه، وكل من سواه فقيرٌ إِليه ..
{يَسْأَلُهُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ} [الرحمن:29]،
يغفر ذنبًا .. ويفرج كربًا .. ويفك عانيًا .. وينصر ضعيفًا .. ويجبر كسيرًا .. ويغني فقيرًا .. ويُميت .. ويُحيي ويُسعِد .. ويُشقى ويُضل .. ويهدي ويٌنْعِم على قوم، ويسلب نعمته عن آخرين .. ويعز أَقوامًا، ويذل آخرين .. ويرفع أَقوامًا، ويضع آخرين” [طريق الهجرتين وباب السعادتين (23:46)]


ويُكْمِل ابن القيم وصفه لسجود القلب، فيقول “فهذا سجود القلب، فقلبٌ لا تباشره هذه الكسرة فهو غير ساجد السجود المراد منه .. إذا سجد القلب لله هذه السجدة العظمى، سجدت معه جميع الجوارح وعنا الوجه حينئذ للحي القيوم وخشع الصوت والجوارح كلها وذلَّ العبد وخضع” [مدارج السالكين (1:429)]
فيا لها من سجدة، لا يرفع القلب رأسه منها إلى يوم لقاء ربِّه ..

حتى إن عدوك يبكي حسرةً، من شدة غيرته منك على سجودك لربِّك ..
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم “إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلِي، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ” [صحيح مسلم]
ونحن نسجد يوميًا دون أن ندرك مدى عظمة السجــود !!



جرِّب لذة السجود بصدق ..

اسجد بين يدي ربِّك، وقلبك وروحك ووجدانك وعقلك وذهنك لا يفكر إلا في أن تقترب من الله سبحانه وتعالى ..
{.. وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]
نسأل الله تبارك وتعالى أن يبارك لنا في طاعاتنا وصلاتنا،،


جلسة ذُلَّ وخضــوع
ما أعجب الصلاة! ..
فكلما انتقلت بداخلها من حالٍ إلى أخرى، تجد أن لها معانيها ومذاقها وأداؤها الخاص بها .. وبعد انتهائنا من السجـــود، ننتقل إلى ركنٍ آخر من أركان الصلاة الجميلة ..


الرفع من السجود

كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه من السجود مكبرًا .. وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانًا ..
ثمَّ يفرش رجله اليسرى، فيقعد عليها مطمئنًا .. وكان ينصب رجله اليمنى، ويستقبل بأصابعها القبلة ..
الإقعاء بين السجدتين .. وكان أحيانًا يقعي، أي: ينتصب على عقبيه وصدور قدميه.
ثمَّ كان يكبر ويسجد السجدة الثانية ..



وجوب الاطمئنان بين السجدتين

كان صلى الله عليه وسلم يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، وكان يطيلها حتى تكون قريبًا من سجدته .. وأحيانًا يمكث حتى يقول القائل: قد نسي!.
فلا تتعجل في جلستك، وكن مطمئنًا،،



من أذكار بين السجدتين

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في جلوسه بين السجدتين “ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي” [رواه أبو داوود وصححه الألباني (874)]


فما هي المغفرة؟

يجيب ابن القيم -رحمه الله – بأن المغفرة هي: محو الذنب وإزالة أثره ووقاية شره. [مدارج السالكين (1:307)]
ومنها المغفر لما يقي الرأس من الأذى والستر لازم لهذا المعنى، والمغفر هو الخوذة التي تحمي رأس المحارب من ضربات السيوف ..
فكما أن المغفر يحمي رأس صاحبه من أثر الضرب ويستره،
فإن المغفرة تحمي صاحبها من أثر الذنب ويستره الله عزَّ وجلَّ .. فلا يُفْضَح،،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×