اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

وقفات مع خمس آيات من سورة الأحزاب - عبد الرحمن آل عثمان

المشاركات التي تم ترشيحها


هذه وقفات مع جملة من الآيات الواردة في سورة الأحزاب التي تتصل بتربية القرآن أزواجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم تربيةً رفيعة؛ ذلك أن البيوت الرفيعة والنفوس الشريفة يليق بها نوع خاص من التربية التي تترفع بصاحبها عن سفاسف الأمور ودنيء الخلال إلى أرقى مراتب الكمال البشري الممكن لأمثاله، فتسمو همته، وتزكو نفسه؛ وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء؛ والله ذو الفضل العظيم. وهذه الآيات المشار إليها هي قول الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّـهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّـهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّـهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [سورة الأحزاب، الآيات: 32-36].

الوقفة الأولى: مع قوله {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ} حيث خاطبهن بهذا النداء المقتضي إصغاءَ المخاطَب وتهيُّؤَه لتلقي ما خوطب به.

الوقفة الثانية: أنه أضافهن إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وفي هذا من رفع أقدارهن وتشريفهن ما فيه، إضافة إلى ما يشعر به من سمو التعاليم التي سيوجهها لهن نظراً لعلو مرتبتهن.

الوقفة الثالثة: مع قوله: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ} ذلك أن نفي المشابهة هنا يقتضي نفي المساواة، فكنى به عن الأفضلية على غيرهن، وهذا بالقيد بعده وهو في:

الوقفة الرابعة: مع قوله: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}، فهذا الشرط متعلق بما قبله على الأرجح، وجوابه دل عليه ما قبله في قوله: لستن كأحد من النساء والمعنى والله أعلم: إن اتقيتن فأنتن أفضل من غيركن. ومعلوم أن مجرد كونهن أزواج نبي لا يقتضي تفضيلهن على غيرهن؛ لأن القرآن دل على ذلك كما في آخر سورة التحريم، وهو قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [سورة التحريم، الآية: 10] فمن الغلط جعل صحبة الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف.

الوقفة الخامسة: وهو أن في قوله: {إِنِ اتَّقَيْتُنَّ} دلالة على التحريض كما تشعر به الصيغة، ومعلوم أن فعل الشرط -هنا- مستعمل في الدلالة على الدوام. أي: إن دمتن على التقوى. ومعلوم أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن متقيات قبل نزول هذه الآية.

الوقفة السادسة: مع قوله: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} فهذا النهي عن الخضوع بالقول جاء عقب الإشارة إلى شرفهن وفضلهن على غيرهن إن تحلين بالتقوى، ومجيء هذا النهي بعدما سبق مع دخول الفاء المشعرة بالتعليل يدل على أن خضوع المرأة بكلامها مع الرجال الأجانب أمر يتنافى مع الشرف والتقوى كما لا يخفى.

الوقفة السابعة: أصل معنى الخضوع هو التذلل، وأُطلق هنا على الرقة في الكلام لمشابهتها التذلل، وعليه؛ فما حاجة المرأة المسلمة لذلك؟ الوقفة الثامنة: الباء في قوله: {بِالْقَوْلِ} يجوز أن تكون للتعدية، أي: لا تخضعن القول، أي: لا تجعلنه خاضعاً ذليلاً، أي: رقيقاً مفككاً، وقد أسند الخضوع إليهن أنفسهن؛ لأن التفكك والتميع في القول يؤثر على تفكك القائل كما لا يخفى.

الوقفة التاسعة: في قوله: {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} فالفاء هنا مرتبة على ما سبق من ترتب النتيجة على السبب؛ إذ إن تميع المرأة في كلامها مع الرجل الأجنبي يؤدي إلى انصراف القلوب المريضة إليها وطمعهم بأمر هو من أغلى ما تحافظ عليه المرأة وتتزين به، ألا وهو: عفتها وشرفها. ومن المعلوم أن الطمع أكثر ما يستعمل في كلام العرب في الأمر الذي يقرب حصوله، وقد يستعمل بمعنى الأمل؛ ولهذا يقولون لمن أمَّل أمراً بعيد الوقوع: طمع في غير مطمع. وعليه فإن المرأة التي تخضع في كلامها مع الرجال الأجانب إنما تحرك النفوس المريضة نحوها؛ حيث يأملون تحصيل مطلوباتهم الرخيصة منها؛ فالمرأة بطبيعتها جَبَلَ الله نفوس الرجال على الميل إليها، فإذا صاحب هذه الجِبِلَّة داعٍ آخر من الكلام الرقيق الرخو، أو التزين أمامهم أو غير ذلك؛ فإن ذلك الميل الجِبِلِّيَّ يقوى ويزداد عند من لا يراقب الله عز وجل.

الوقفة العاشرة: أصل المرض: اختلال نظام المزاج البدني من ضعف القوة، والمراد به هنا: اختلال الوازع الديني. والله المستعان.

الوقفة الحادية عشرة: أنه قال: {فَيَطْمَعَ}... فحذف متعلق الفعل، ولم يقل (فيطمع فيكن) مثلاً؛ ذلك لتنزههن وتعظيم شأنهن، وهذا له نظائر في القرآن ليس هذا موضع ذكرها.

الوقفة الثانية عشرة: في قوله: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} أَمَر بعد أن نهى؛ فهو من باب التخلية قبل التحلية، وهو الأكمل؛ ذلك أن المقصود هو الفعل لا الترك، والنفوس خلقت لتفعل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره كما قرر ذلك شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله. والحاصل أنه لما أمرهن بالتقوى التي من شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول، ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف.

الوقفة الثالثة عشرة: في أن قوله: {وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} احتراس لئلا يفهمن أن المراد المبالغة في الخفض حتى يكون كحديث السرار، أو الخشونة في الرد والمخاطبة بالغلظة والجفاء.

الوقفة الرابعة عشرة: القول المعروف يشمل هنا الألفاظ والأسلوب:أما الألفاظ فيراعى فيها ثلاثة أمور:
أ- ألا تكون غليظة منكرة تؤذي السامع.
ب- ألا تكون رقيقة لا تصلح في مخاطبة الرجال الأجانب كقولها مثلاً: (فديتك)، أو (علشاني..) أو نحو ذلك كما يفعل بعض النساء مع الباعة ونحوهم.
ج- أن يكون الكلام قدر الحاجة دون زيادة، والأصل في هذا قول زوج إبراهيم عليه السلام حينما بشرها الملائكة بالولد: {عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [سورة الذاريات، الآية: 29] فذكرت علتين يبعد معهما الولد وهما: كبر السن، والعقم.

فالواجب على المرأة المسلمة ألا تطيل في كلامها مع الرجال الأجانب؛ وإنما تقلل الكلام ما أمكن. وأما الأسلوب: فلا تتميع في كلامها، ولا ترقق العبارات، أو تتكلم بكلام ناعم مع رجل أجنبي، وإنما تتكلم بكلام جزل مختصر لا ترخيم فيه؛ فلا تخاطب الرجال الأجانب كما تخاطب زوجها.


الوقفة الخامسة عشرة:  في قوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} حيث قرأه نافع وعاصم: وقرن من الاستقرار وأصله: (اقررن) والمراد: المكث والبقاء في البيت كما يقال: قر الماء في الحوض، وقرأه الباقون (وّقٌرًنّ)، فيحتمل أن يكون من الوقار،أو من القرار، وهاتان القراءتان متواترتان، ومعلوم أن القراءتين إن كان لكل واحدة منهما معنى يغاير المعنى في القراءة الأخرى فهما بمنزلة الآيتين، وتكون المعاني التي دلت عليها هذه القراءات كلها صحيحة معتبرة داخلة في تفسير الآية، لا سيما إذا كان بين هذه المعاني تلازم في المعنى، كما هنا؛ حيث إن المرأة مأمورة بالبقاء في البيت، والمكث فيه الوقار.

ولا يخفى أن هذه الأمور متلازمة؛ حيث إن وقار المرأة يتم لها إن بقيت في بيتها، وكلما كثر خروجها كلما كان ذلك على حساب وقارها؛ فهو أمر يُذهب حشمتها وماء وجهها في الغالب كما هو مُشاهَد. وهذا أصل عظيم، ومطلب شرعي تربوي هام ينشأ من التزامه صيانة المرأة المسلمة وحفظ حشمتها وكرامتها.

ومن نظر في النصوص الشرعية المتعلقة بهذا المعنى حصل له علم جازم بأن الشارع قصد إبقاء المرأة في بيتها قدر الإمكان بعيداً عن أعين الرجال فضلاً عن مخالطتهم.

ومن النصوص الدالة على ما ذكرت ما أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان بإسناد حسن عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما أنها جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: "يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك"، قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي» [1]. قال: "فأمرَتْ فبُني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه وكانت تصلي فيه، حتى لقيت الله عز وجل".

هذا إذا كان سبب خروجها من بيتها الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجده، فكيف إذا كان الخروج إلى الأسواق وأماكن الترفيه ونحوها؟! وأخرج أحمد والطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير مساجد النساء قعر بيوتهن» [2].

وأخرج عنها الطبراني في الأوسط بإسناد حسن أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في حجرتها خير من صلاتها في دارها، وصلاتها في دارها خير من صلاتها في مسجد قومها» [3].

وأخرج أبو داود بإسناد صحيح من حديث ابن عمر مرفوعاً: «لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن» [4].

وأخرج عنه الطبراني في الأوسط بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «المرأة عورة وإنها إذا خرجت استشرفها الشيطان، وإنها لا تكون أقرب إلى الله منها في قعر بيتها» [5]،

وقد أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عند ابن خزيمة والطبراني في الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما صلت امرأة من صلاة أحب إلى الله من أشد مكان في بيتها ظلمة» [6]،

وأخرج ابن خزيمة نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "النساء عورة، وإن المرأة لتخرج من بيتها وما بها بأس، فيستشرفها الشيطان [7]،

فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلا أعجبتِهِ !! وإن المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين ترتدين؟! فتقول: أعود مريضاً، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها" [8].

وثبت عنه مرفوعاً -كما عند أبي داود وابن خزيمة-: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها [9] أفضل من صلاتها في بيتها». وأخرج ابن خزيمة والطبراني في الكبير عن أبي عمرو الشيباني أنه رأى عبد الله -يعني ابن مسعود- يُخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ويقول: "اخرجن إلى بيوتكن خير لكن" (وإسناده حسن) [10].

فهذه النصوص وغيرها مما يدخل في هذا الباب تدور حول معنى واحد ألا وهو إبعاد المرأة عن الرجال ما أمكن، ولهذا نجد الشارع يحثها -إن هي صلت مع الرجال- أن تصلي في آخر الصفوف كما أخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها» [11].

وإذا تقرر هذا المعنى فإننا نقول: أين عامة النساء من العمل على تحقيق ذلك المقصد من مقاصد الشريعة؟ إذ إن واقع كثير منهن يخالف ذلك تماماً؛ حيث يُكثرن الخروج، ويُزاحمن الرجال في الأسواق والمتنزهات، وعلى أبواب المسجد الحرام لحضور الصلاة المفروضة وغير المفروضة. وكثير منهن قد جعلن الحجاب لوناً من الفتنة فأشغلن قلوب الرجال في أطهر بقعة على وجه الأرض!!. وقد قيل لسودة رضي الله عنها لِمَ لا تحجين، ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: "قد حججت واعتمرت وأمرني الله أن أقرَّ في بيتي؛ فوالله! لا أخرج من بيتي حتى أموت". قال الراوي: "فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها". وإذا كان الشارع يعتبر صلاة المرأة في أقصى مكان في دارها خير من صلاتها خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده، مع أن المساجد هي أحب البقاع إلى الله؛ فكيف يقال بأبغض البقاع إلى الله وهي الأسواق؟! وفي النصوص السابقة نجد أن أفضل مكان تصلي به المرأة هو مخدعها، وهو غرفة صغيرة داخل غرفة كبيرة، ويليه في الأفضلية صلاتها في بيتها -أي غرفتها كما يعبرون عنها اليوم- ويلي ذلك صلاتها في حجرتها، أي صحن الدار وهو ما تكون أبواب البيوت -أي الغرف- إليها، ويطلق اليوم على الصالة، ويلي ذلك صلاتها في دارها وهو المنزل عموماً بناؤه وفناؤه.


الوقفة السادسة عشرة: مع قوله: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ} أصل التبرج هنا هو البروز والظهور، ومنه (البُرج)؛ لظهوره وبروزه وانكشافه للعيون، وتبرج المرأة هو إظهارها زينتها وتصنُّعها بها، وذلك بأن تظهر المرأة محاسن ذاتها وثيابها وحليها بمرأى الرجال.

الوقفة السابعة عشرة: تبرج الجاهلية هنا يدخل في معناه كل العبارات التي ذكرها السلف؛ حيث يشمل خروج المرأة تمشي بين يدي الرجال، وتكسُّرَها في مشيتها وتبخترها فيها، كما يشمل ترك التستر؛ حيث تظهر نحرها أو شعرها أو غير ذلك مما هي مطالبة بستره عن أعين الرجال الأجانب.

الوقفة الثامنة عشرة: الجاهلية: مأخوذة من الجهل، والمراد المدة والحال التي كان عليها العرب قبل الإسلام، وهي حالة نفسية شعورية وواقعية بعيدة عن هدي الإسلام. والجاهلية الأولى هنا والله أعلم هي ما كان عليه الناس قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.

الوقفة التاسعة عشرة: دلت الآية الكريمة على أن التبرج عمل جاهلي، وعليه فإن المرأة المتبرجة فيها خصلة من خصال الجاهلية بقدر تبرجها. وبهذا -أيضاً- يتبين أن السفور والتبرج ومخالطة الرجال وتكسر المرأة في مشيتها أمامهم، وغير ذلك مما يدخل في معنى التبرج ذلك كله ليس من التمدّن في شيء، بل هو تخلف ورجوع إلى عادات العهود المظلمة التي جاء الإسلام فأبطلها من أصلها.

الوقفة العشرون: مع قوله: {وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ} حيث خص هاتين العبادتين بالذكر؛ لأنهما أصل الطاعات البدنية والمالية. وكثيراً ما يقرن الله بينهما؛ لأن سعادة العبد دائرة على أصلين: الأول: إحسانه مع خالقه، والصلاة من أعظم ما يتحقق به ذلك. الثاني: إحسانه إلى الخلق، والزكاةُ من أعظم ما يتحقق به ذلك، والله أعلم.

الوقفة الحادية والعشرون: لما أمرهن بالبقاء في البيوت أرشدهن إلى ما يقضين به أوقاتهن وهو طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم والاشتغال بذلك، لا أن تبقى في بيتها مع انشغالها بما لا فائدة فيه بَلْهَ المحرمات سواء كانت مشاهدة أو مسموعة أو غير ذلك.

الوقفة الثانية والعشرون: مع قوله: {وَأَطِعْنَ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ} حيث عطف العام على الخاص، وهو يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات ومن ذلك الأمر بالبقاء في البيوت والنهي عن التبرج والخضوع بالقول.

الوقفة الثالثة والعشرون: مع قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} الإرادة هنا شرعية، وقد شرع الأمور السابقة ليتحقق هذا المقصد. ومعلوم أن الإرادة الشرعية الدينية مستلزمة للرضا والمحبة، فالله تعالى يحب كل ما يؤدي إلى الحشمة والعفاف، ويكره ما يضاد ذلك.

الوقفة الرابعة والعشرون: الرجس في الأصل كل مستقذر تعافه النفوس، ومن أقذر المستقذرات: معصية الله تعالى فهو يطلق على المستقذرات الحسية والمعنوية: فالحسية مثل النجاسات، والمعنوية كالمعاصي والذنوب وما يترتب عليها من الإثم والعذاب، فاستعار للذنوب: الرجس، وللتقوى: الطهر؛ لأن عِرض المقترف للقبائح يتلوث بها ويتدنس، كما يتدنس بدنه بالأرجاس، أما الحسنات فالعِرض معها نقي مصون كالثوب الطاهر. وقد أذهب الله ذلك كله عن أهل البيت رضي الله عنهم أجمعين. وُيعلم مما سبق أن طهارة المرأة وشرفها وتنزهها عن كل دنس إنما يتم ذلك بالعمل بما أرشد إليه القرآن في هذه الوصايا خاصة، وفي غيرها.

الوقفة الخامسة والعشرون: مع قوله: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّـهِ وَالْحِكْمَةِ}؛ حيث عبر بالتلاوة دون النزول ليعم جميع الآيات النازلة في بيوتهن وفي غيرها، كما لم يعيِّن التالي؛ ليعم: تلاوة جبريل، والنبي صلى الله عليه وسلم، وتلاوتهن، وتلاوة غيرهن.

اسلاميات

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:

1- في قَولِه تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ أنَّ الإنسانَ قد يَشرُفُ بشَرَفِ مَن اتَّصَلَ به؛ تُؤخَذُ مِن شَرَفِ أُمَّهاتِ المؤمنينَ باتِّصالهنَّ بالرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ولهذا حَثَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الجَليسِ الصَّالحِ، وقال: ((مَثَلُ جليسِ الصَّالحِ والسُّوءِ، كحامِلِ المِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ
؛ فحامِلُ المِسكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَك ، وإمَّا أن تَبْتاعَ منه، وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيِّبةً )) ، وحَذَّرَ مِن جليسِ السُّوءِ؛ لأنَّ الإنسانَ بلا شَكٍّ يَشرُفُ بشَرَفِ مَن يَتَّصلُّ به، ويَنزِلُ بنُزولِ مَن يَتَّصلُ به .
2- قَولُ الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ دَلَّ قَولُه تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ مع أمْرِه بحِفظِ الفَرْجِ، وثَنائِه على الحافِظينَ لِفُروجِهم والحافِظاتِ، ونَهْيِه عن قِربانِ الزِّنا: أنَّه ينبغي للعَبدِ إذا رأى مِن نَفْسِه هذه الحالةَ، وأنَّه يَهَشُّ لفِعلِ المحَرَّمِ عندَما يَرى أو يَسمَعُ كَلامَ مَن يهواه، ويجِدُ دَواعيَ طَمَعِه قد انصرَفَت إلى الحرامِ: فلْيَعرِفْ أنَّ ذلك مرَضٌ؛ فلْيَجتهِدْ في إضعافِ هذا المرَضِ، وحَسمِ الخواطِرِ الرَّدِيَّةِ، ومُجاهَدةِ نفْسِه على سَلامتِها مِن هذا المرضِ الخطيرِ، وسُؤالِ اللهِ العِصمةَ والتَّوفيقَ؛ وأنَّ ذلك مِن حِفظِ الفَرْجِ المأمورِ به .
3- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ تحريمُ خُضوعِ المرأةِ في مُخاطَبةِ الرِّجالِ؛ فإذا كان هذا في النِّساءِ الطَّاهِراتِ المُبَرَّءاتِ، فغَيرُهنَّ مِن بابِ أَولى، وإذا كانتِ العِلَّةُ خَوفَ طَمَعِ مَن في قَلبِه مرضٌ، فهذه العلَّةُ لا تَختَصُّ بزَوجاتِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم .
4- في قَولِه تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أنَّ فِتنةَ النِّساءِ مرضٌ في القلبِ يَحتاجُ الإنسانُ فيه إلى مُعالجةٍ وإلى مداواةٍ، وهذا المرضُ مَرضٌ فَتَّاكٌ -نسألُ اللهَ تعالى السَّلامةَ منه-، مرَضٌ في القلبِ كمَرَضِ السَّرطانِ في البدنِ، إذا لم يَتدارَكِ اللهُ العبدَ بعَفوِه وتَوفيقِه وتَسديدِه، فإنَّه يَهلِكُ؛ ولهذا قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما تَرَكْتُ بعدي فِتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ منِ النِّساءِ )) ؛ فالواجِبُ الحذَرُ مِن هذا الأمرِ؛ وألَّا يُمليَ الإنسانُ لنفْسِه ويُمهِلَها في هذا البابِ .
5- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ دَليلٌ على أنَّ على المرأةِ الاحترازَ مِن كلِّ ما دعا إلى شَهوتِها، والفتنةِ بها ، فإنَّ مَن في قَلبِه مَرَضُ الشَّهوةِ وإرادةُ الصُّورةِ متى خضَع المطلوبُ طَمِعَ المريضُ، والطَّمعُ هو الَّذي يقوِّي الإرادةَ والطَّلَبَ، ويقوِّي المرَضَ بذلك، بخِلافِ ما إذا كان آيسًا مِن المطلوبِ؛ فإنَّ اليأسَ يُزيلُ الطَّمَعَ، فتَضعُفُ الإرادةُ، فيَضعُفُ الحُبُّ، فإنَّ الإنسانَ لا يريدُ أن يَطلُبَ ما هو آيسٌ منه، فلا يكونُ مع الإرادةِ عَمَلٌ أصلًا، بل يكونُ حَديثُ نَفْسٍ، إلَّا أن يقتَرِنَ بذلك كلامٌ أو نظَرٌ ونحوُ ذلك، فيأثَمُ بذلك .
6- الإشارةُ إلى أنَّ إقامةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ مِن الموانعِ عن المُحَرَّماتِ؛ لأنَّه سُبحانَه وتعالى قال: وَلَا تَبَرَّجْنَ، ثمَّ قال: وَأَقِمْنَ؛ فدلَّ هذا على أنَّ مِن أسبابِ عدَمِ التَّبرُّجِ: إقامةَ الصَّلاةِ .
7- أنَّ مَن أعطاه اللهُ تعالى عِلمًا كان طلَبُ الاستقامةِ منه أوكَدَ وأوثقَ؛ فإذا آتَى اللهُ تعالى الإنسانَ عِلمًا فإنَّه يُطلَبُ منه مِن الاستقامةِ أكثَرَ ممَّا يُطلَبُ ممَّن لم يُؤتَ عِلْمًا؛ لأنَّه قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فليس عليكُنَّ نَقصٌ في العِلمِ، بل إنَّ العِلمَ يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ

.

الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:

1- في قَولِه تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ دَليلٌ على أنَّ مَن عَظُمَت مَنزلتُه ودَرجتُه عندَ اللهِ، فإنَّ عمَلَه يُضاعَفُ له أجرُه
.
2- قَولُ الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ظاهِرُه تَفضيلٌ لجُملتِهنَّ على نساءِ هذه الأمَّةِ . وقيل: أفضلُ النِّساءِ مطلقًا. وقيل: ظاهرُ الآيةِ أيضًا تفضيلُهنَّ على بناتِه، إلَّا أن يُقالَ بدُخولِهنَّ في اللَّفظِ؛ لأنهنَّ مِن نساءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
3- قَولُ الله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فيه دليلٌ على أنَّ الوسائِلَ لها أحكامُ المقاصِدِ؛ فإنَّ الخُضوعَ بالقَولِ واللِّينَ فيه: في الأصلِ مُباحٌ، ولكنْ لَمَّا كان وسيلةً إلى المحرَّمِ مُنِعَ منه؛ ولهذا ينبغي للمرأةِ في مخاطبةِ الرِّجالِ ألَّا تُلينَ لهم القَولَ .
4- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا أنَّ صَوتَ المرأةِ ليس بعَورةٍ، خِلافًا لِمَن قال: «إنه عورةٌ» مِن أهلِ العلمِ؛ ولهذا كان النِّساءُ يأتينَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَسْأَلْنَه وحوْلَه أصحابُه، ولا يَنهاهُنَّ عن ذلك، ولو كان صوتُ المرأةِ عورةً لَنَهاهُنَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الكَلامِ مع حُضورِ الرِّجالِ .
5- قولُه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فيه دَلالةٌ على أنَّ الأحسَنَ بالمرأةِ ألَّا تَرفَعَ صَوتَها بحيثُ يَسمعُها الرِّجالُ .
6- قَولُ الله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ذُكِر بعْدَه: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ إشارةً إلى أنَّ ذلك ليس أمرًا بالإيذاءِ والمُنكَرِ، بل القَولُ المعروفُ وعندَ الحاجةِ: هو المأمورُ به لا غَيرُه .
7- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا أنَّه إذا أفتى المُفتي للسَّائلِ بشَيءٍ، فينبغي له أنْ يُنبِّهَه على وَجهِ الاحترازِ ممَّا قد يَذهَبُ إليه الوَهمُ منه مِن خِلافِ الصَّوابِ؛ فنَهاهنَّ سُبحانَه عن الخُضوعِ بالقولِ، فرُبَّما ذَهَب الوَهمُ إلى الإذنِ في الإغلاظِ في القَولِ والتَّجاوُزِ، فرَفَعَ هذا التَّوهُّمَ بقَولِه: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا .
8- في قَولِه تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ مَشروعيَّةُ قَرارِ المرأةِ في بيتِها ، فمعنى هذه الآيةِ الأمرُ بلزومِ البيتِ، والخِطابُ وإن كان لنِساءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقد دخَل غيرُهنَّ فيه بالمعنى-على أحدِ القولينِ-، هذا لو لم يَرِدْ دليلٌ يخصُّ جميعَ النِّساءِ، كيف والشَّريعةُ طافحةٌ بلزومِ النساءِ بيوتَهنَّ، والانكفافِ عن الخروجِ منها إلا لحاجةٍ .
9- قَولُ الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يقتضي وُجوبَ مُكثِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بُيُوتِهنَّ، وألَّا يَخرُجْنَ إلَّا لضرورةٍ، وجاء في الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُذِنَ لكُنَّ أن تَخرُجْنَ لحَوائِجِكنَّ )) .
10- قال الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ أشْكَلَ على النَّاسِ خُروجُ أمِّ المؤمِنينَ عائِشةَ -رَضِيَ الله عنها- إلى البَصرةِ في الفِتنةِ الَّتي تُدْعى وَقعةَ الجَمَلِ، فلم يُغَيِّرْ عليها ذلك كثيرٌ مِن جِلَّةِ الصَّحابةِ؛ منهم طَلْحةُ والزُّبَيرُ، وأنكر ذلك عليها بعضُهم؛ مِثلُ: عمَّارِ بنِ ياسرٍ، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، ولكُلٍّ نظَرٌ في الاجتِهادِ، والَّذي عليه المحقِّقونَ أنَّ ذلك كان منها عن اجتهادٍ؛ فإنَّها رأت أنَّ في خروجِها إلى البَصرةِ مَصلحةً للمُسلِمينَ؛ لِتَسعَى بينَ فريقَيِ الفِتنةِ بالصُّلحِ؛ فإنَّ النَّاسَ تعَلَّقوا بها، وشَكَوا إليها ما صاروا إليه مِن عَظيمِ الفِتنةِ، ورَجَوا بَرَكَتَها أن تخرُجَ فتُصلِحَ بينَ الفَريقَينِ، وظنُّوا أنَّ النَّاسَ يَستَحيُونَ منها، فتأوَّلت لخُروجِها مَصلحةً تُفيدُ إطلاقَ القَرارِ المأمورِ به في قَولِه تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يُكافئُ الخُروجَ للحَجِّ، وأخَذَت بقَولِه تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] ، ورأت أنَّ الأمرَ بالإصلاحِ يَشملُها وأمثالَها ممَّن يَرجُونَ سَماعَ الكَلِمةِ، فكان ذلك منها عن اجتِهادٍ، وقد أشار عليها جمْعٌ مِن الصَّحابةِ بذلك، وخرَجوا معها؛ مِثلُ طَلْحةَ والزُّبيرِ، وناهيك بهما! وهذا مِن مواقِعِ اجتِهادِ الصَّحابةِ الَّتي يجِبُ علينا حَملُها على أحسَنِ المَخارجِ، ونظُنُّ بها أحسَنَ المذاهِبِ، وكاد أن يَصلُحَ الأمرُ، ولكِنْ أفسَدَه دُعاةُ الفِتنةِ، ولم تَشعُرْ عائِشةُ إلَّا والمقاتَلةُ قد جرَتْ بيْنَ فريقَينِ مِن الصَّحابةِ يومَ الجَمَلِ، ولا ينبغي تقلُّدُ كلامِ المؤرِّخينَ على عِلَّاتِه؛ فإنَّ فيهم مِن أهلِ الأهواءِ ومَن تلقَّفوا الغَثَّ والسَّمينَ .
11- في قَولِه تعالى: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ذَمُّ الجهلِ؛ فإنَّ نسبةَ هذا إلى الجهلِ لا شكَّ أنَّه يُرادُ به التَّنفيرُ، وفيه أيضًا مدْحُ ما كان مبنيًّا على العلمِ؛ لأنَّ ذَمَّ الضِّدِّ يدُلُّ على مدحِ ضدِّه، كما قيل: «وبضِدِّها تَتبيَّنُ الأشياءُ» .
12- قَولُ الله تعالى: وَآَتِينَ الزَّكَاةَ فيه بِشارةٌ بالفُتوحِ وتَوسيعِ الدُّنيا على زَوجاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّ العَيشَ وقْتَ نُزولِ هذه الآيةِ كان ضَيِّقًا عن القُوتِ، فضلًا عن الزَّكاةِ .
13- كثيرًا ما يَجمَعُ الله تعالى بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ في القرآنِ؛ وذلك لأنَّ الصَّلاةَ متضَمِّنةٌ للإخلاصِ للمعبودِ، والزَّكاةَ والنَّفقةَ متضمِّنةٌ للإحسانِ إلى عَبيدِه، فعنوانُ سعادةِ العبدِ إخلاصُه للمعبودِ، وسَعْيُه في نفْعِ الخَلْقِ، كما أنَّ عنوانَ شقاوةِ العبدِ عدمُ هذينِ الأمْرَينِ منه، فلا إخلاصَ ولا إحسانَ .
14- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ أنَّ الخُضوعَ بالقَولِ وتبرُّجَ الجاهليَّةِ: مِن الرِّجْسِ، وأنَّ القَرارَ في البُيوتِ، وإقامَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزكاةِ، وطاعةَ اللهِ عزَّ وجلَّ ورَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: مِن أسبابِ زَوالِ الرِّجسِ؛ لأنَّ ما تقدَّمَ أوامِرُ ونَواهٍ، بَيَّن اللهُ تعالى أنَّه إنَّما أمَر بها ونهَى عنها؛ مِن أجْلِ أنْ يُذهِبَ عن هذا البَيتِ الرِّجْسَ .
15- قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، فترَك خِطابَ المؤنَّثاتِ، وخاطَب بخِطابِ المذكَّرينَ؛ بقولِه: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ؛ لِيَدخُلَ فيه نساءُ أهلِ بيتِه ورجالُهم ، وهو يَعُمُّ غيرَ أزواجِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كعَليٍّ، وفاطِمةَ، وحَسَنٍ، وحُسَينٍ -رَضِيَ اللهُ عنهم؛ وذلك لأنَّه ذَكَرَه سُبحانَه بصيغةِ التَّذكيرِ لَمَّا اجتمعَ المُذكَّرُ والمؤنَّثُ ، وقد أجمَع أهلُ اللِّسانِ العربيِّ على تغليبِ الذُّكورِ على الإناثِ في الجموعِ ونحوِها .
16- في قَولِه تعالى: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أراد أنْ يُذهِبَ الرِّجسَ وأثَرَ الرِّجسِ أيضًا، وهذا فوقَ ذَهابِ الرِّجْسِ؛ لأنَّنا لو ضرَبْنا هذا بمثالٍ حِسِّيٍّ وقُلنا: إنَّ هذا الثَّوبَ تَلَطَّخَ بنَجاسةٍ، فحكَكْنا هذه النَّجاسةَ حتَّى زالت عَيْنُها، فهذا يُسمَّى إذهابَ الرِّجسِ، فإذا صَبَبْنا الماءَ حتَّى نَظُفَ المكانُ تمامًا وزال الأثَرُ، صار ذلك تَطهيرًا .
17- إنَّ الله تعالى أمَرَ بطَهارةِ القَلبِ، وأمَرَ بطَهارةِ البَدَنِ، وكِلْتا الطَّهارتَينِ مِن الدِّينِ الَّذي أمَر اللهُ به وأوجَبَه؛ قال تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ [المائدة: 6] ، وقال: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108] ، وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] ، وقال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] ، وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [المائدة: 41] ، وقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28] ، وقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] ، فنَجِدُ كثيرًا مِن المتفَقِّهةِ والمتعَبِّدةِ إنَّما همَّتُه طهارةُ البدَنِ فقط، ويَزيدُ فيها على المشروعِ اهتِمامًا وعمَلًا، ويترُكُ مِن طهارةِ القَلبِ ما أُمِرَ به إيجابًا أو استِحبابًا، ولا يفهَمُ مِن الطَّهارةِ إلَّا ذلك!
ونجدُ كثيرًا مِن المتصَوِّفةِ والمتفَقِّرةِ إنَّما همَّتُه طهارةُ القَلبِ فقط، حتَّى يَزيدَ فيها على المشروعِ اهتمامًا وعملًا، ويترُك مِن طهارةِ البدَنِ ما أُمِرَ به إيجابًا أو استِحبابًا !
18- قَولُه تعالى: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا الطَّهارةُ لها معنيانِ؛ أحدُهما: الطَّهارةُ مِن الذُّنوبِ، كقَولِه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] ، وقَولِه: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف: 82] ، وقَولِه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] .
والمعنى الثاني: الطَّهارةُ الِحسِّيَّةُ بالماءِ والتُّرابِ، وإنَّما أمَرَ بهذه؛ لتتحَقَّقَ تلك .
19- قولُه تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] ، كقَولِه: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة: 6] ، وكقَولِه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] ، وكقَولِه: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء: 26، 27]؛ فإنَّ إرادةَ اللهِ في هذه الآياتِ متضَمِّنةٌ لمحبَّةِ الله لذلك المرادِ ورِضاه به، وأنَّه شَرَعَه للمؤمِنينَ وأمَرَهم به، ليس في ذلك أنَّه خَلَق هذا المرادَ، ولا أنَّه قضاه وقَدَّره، ولا أنَّه يكونُ لا مَحالةَ، والدَّليلُ على ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعدَ نُزولِ هذه الآيةِ قال: ((اللَّهُمَّ هؤلاء أهلُ بَيْتي، فأذهِبْ عنهم الرِّجْسَ، وطَهِّرْهم تطهيرًا )) . فطلَبَ مِن اللهِ لهم إذهابَ الرِّجسِ، والتَّطهيرَ؛ فلو كانت الآيةُ تتضَمَّنُ إخبارَ اللهِ بأنَّه قد أذهب عنهم الرِّجسَ وطَهَّرهم، لم يحتَجْ إلى الطَّلَبِ والدُّعاءِ.
والإرادةُ في كتابِ اللهِ نوعانِ: إرادةٌ شرعيَّةٌ دينيَّةٌ تتضَمَّنُ محبَّتَه ورِضاه، وإرادةٌ كَوْنيَّةٌ قَدَريَّةٌ تتضَمَّنُ خَلْقَه وتقديرَه؛ الأُولى مِثلُ هؤلاء الآياتِ، والثَّانيةُ مِثلُ قَولِه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: 125] ، فإذا كانت الإرادةُ في آيةِ التَّطهيرِ إرادةً شَرعيَّةً فهي لا تَستلزِمُ وُقوعَ المرادِ من التَّطهيرِ، وإنَّما محبَّته تعالى لأهلِ البيتِ أن يَتطَهَّروا، بخِلافِ ما لو كانت إرادةً كونيَّةً؛ فمعنى ذلك أنَّ تطهيرَهم أمرٌ كائِنٌ لا بدَّ منه، وهو متمَسَّكُ الشِّيعةِ في قَولِهم بعِصمةِ أهلِ البَيتِ .
20- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فيه دَليلٌ بيِّنٌ على أنَّ نِساءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ بَيتِه، فإنَّ السِّياقَ إنَّما هو في مُخاطَبتِهنَّ ، ولأنهنَّ سببُ نزولِ هذه الآيةِ، وسببُ النزولِ داخلٌ في النَّصِّ قولًا واحدًا ، فتَخصيصُ الشِّيعةِ أهلَ البَيتِ بفاطِمةَ وعليٍّ وابنَيهما رَضِيَ اللهُ عنهم: ضَعيفٌ؛ لأنَّ التخَّصيصَ بهم لا يُناسِبُ ما قبْلَ الآيةِ وما بعدَها، والحديثُ يقتضي أنَّهم مِن أهلِ البَيتِ لا أنَّه ليس غيرُهم ، وإذا كان أزواجُه مِن أهلِ بيتِه، فقَرابتُه أحَقُّ بهذه التَّسميةِ .
21- قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فوصَف السُّنَّةَ بالحِكمةِ دونَ القرآنِ؛ لأنَّ السُّنَّةُ مِن كلامِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وهو بشَرٌ، وكلامُ البشرِ قد يَرِدُ عليه احتمالُ ألَّا يكونَ مُشتمِلًا على الحكمةِ؛ فبَيَّنَ اللهُ سُبحانَه وتعالى أنَّ السُّنَّةَ حِكمةٌ -وإنْ كانت مِن كلامِ الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام أو مِن فِعْلِه- لأنها موافقةٌ للصَّوابِ، أمَّا كلامُ الله فاحتمالُ ألَّا يَتضمَّنَ الحكمةَ بعيدٌ جدًّا .
22- في قَولِه تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ رَدٌّ على مُنكِري السُّنَّةِ؛ ورَدٌّ أيضًا على آخَرينَ يُقابِلونَهم يَعتَنونَ بالسُّنَّةِ اعتناءً عظيمًا دونَ أدنَى معرفةٍ بالقرآنِ، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ أوَّلَ ما يجِبُ أنْ نتعلَّمَ القرآنُ، ثمَّ بعدَ ذلك السُّنَّةُ؛ لأنَّ القرآنَ هو الأصلُ .
23- قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، فأمَر أزواجَ رسولِه بأن يخبِرْنَ بما أنزَل الله مِن القرآنِ في بيوتِهنَّ، وما يَرَيْنَ مِن أفعالِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأقوالِه فيهنَّ، حتَّى يبلغَ ذلك إلى النَّاسِ، فيعملوا بما فيه، ويَقْتدوا به، وهذا يدُلُّ على جوازِ قَبولِ خبرِ الواحدِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ في الدِّينِ .
24- قولُه تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، في هذا مسألةٌ بديعةٌ؛ وهي أنَّ الله أمَر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بتبليغِ ما أُنزِلَ عليه مِن القرآنِ، وتعليمِ ما علِمه مِن الدِّينِ؛ فكان إذا قرَأه على واحدٍ، أو ما اتَّفَق، سقَط عنه الفرضُ، وعلى مَن سمِعه أن يُبلِّغَه إلى غيرِه، وليس يَلزَمُه أن يَذكُرَه لجميعِ الصَّحابةِ، ولا كان عليه إذا علِم ذلك أزواجُه أن يخرجَ إلى النَّاسِ فيقولَ لهم: نزَل كذا، وكان كذا

.

بلاغةُ الآياتِ:

1- قوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا
- قولُه: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ أُعِيدَ خِطابُ نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن جانِبِ ربِّهنَّ، وأُعِيدَ نِداؤهنَّ رضِيَ اللهُ عنهنَّ؛ للاهتِمامِ بهذا الخبَرِ اهتِمامًا يَخُصُّه. ونَفْيُ المُشابَهةِ هنا يُرادُ به نَفْيُ المُساواةِ، مُكنًّى به عن الأفضليَّةِ على غيرِهنَّ
.
- قَولُه: كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ قال: كَأَحَدٍ، ولم يقُلْ: (كواحِدةٍ)؛ لأنَّ (الأحدَ) عامٌّ يَصلُحُ للواحِدِ والاثنينِ والجَمعِ، والمذكَّرِ والمؤنَّثِ .
- والتَّقييدُ بقولِه: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ليس لِقَصدِ الاحتِرازِ عن ضِدِّ ذلك، وإنَّما هو إلْهابٌ وتَحريضٌ على الازديادِ مِن التَّقْوى . وفعلُ الشَّرْطِ اتَّقَيْتُنَّ مستعملٌ في الدلالةِ على الدَّوامِ، أي: إنْ دُمْتُنَّ على التَّقوى؛ فإنَّ نساءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتَّقِياتٌ مِن قَبْلُ . وقيل: الشرطُ لبيانِ أنَّ فضيلتَهنَّ إنَّما تكونُ بالتَّقوَى، لا باتِّصالِهنَّ بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كي لا يعتمِدْنَ على ذلك .
- قولُه: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا فُرِّعَ على تَفضيلِهنَّ وتَرفيعِ قَدْرِهنَّ إرشادُهنَّ إلى دَقائقَ مِن الأخلاقِ قد تقَعُ الغَفلةُ عن مُراعاتِها؛ لِخَفاءِ الشُّعورِ بآثارِها، ولأنَّها ذرائعُ خَفيَّةٌ نادرةٌ تُفْضي إلى ما لا يَلِيقُ بحُرْمتِهنَّ في نُفوسِ بعضٍ ممَّن اشتمَلَتْ عليه الأُمَّةُ، وفيها مُنافِقُوها. وابتُدِئَ مِن ذلك بالتَّحذيرِ مِن هَيئةِ الكلامِ؛ فإنَّ النَّاسَ مُتفاوِتونَ في لِينِه، والنِّساءُ في كلامِهنَّ رِقَّةٌ طَبيعيَّةٌ، وقد يكونُ لِبَعضِهنَّ مِن اللَّطافةِ ولِينِ النَّفْسِ ما إذا انضَمَّ إلى لِينِها الجِبِلِّيِّ، قَرُبَت هَيئتُه مِن هيئةِ التَّدلُّلِ؛ لِقِلَّةِ اعتيادِ مِثلِه إلَّا في تلك الحالةِ، فإذا بَدا ذلك على بَعضِ النِّساءِ ظَنَّ بعضُ مَن يُشافِهُها مِن الرِّجالِ أنَّها تَتحبَّبُ إليه، فرُبَّما اجتَرَأَت نفْسُه على الطَّمعِ في المُغازَلةِ، فبدَرَتْ منه بادِرةٌ تكونُ مُنافيةً لحُرْمةِ المرأةِ، بلْهَ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللَّاتي هنَّ أمَّهاتُ المؤمنينَ .
- والباءُ في قولِه: بِالْقَوْلِ يجوزُ أنْ تكونَ للتَّعديةِ بمَنزلةِ هَمزةِ التَّعديةِ، أي: لا تُخضِعْنَ القولَ، أي: تَجعَلْنَه خاضعًا ذليلًا، أي: رقيقًا مُتفكِّكًا. ومَوقعُ الباءِ هنا أحسَنُ مِن مَوقعِ هَمزةِ التَّعديةِ؛ لأنَّ باءَ التَّعديةِ جاءتْ مِن باءِ المُصاحَبةِ؛ فأصْلُ قولِك: ذهَبْتُ بزَيدٍ، أنَّك ذهبْتَ مُصاحبًا له، فأنتَ أذْهَبْتَه معك، ثمَّ تُنوسِيَ معنى المُصاحَبةِ في نَحوِ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: 17] ؛ فلمَّا كان التَّفكُّكُ والتَّزيينُ للقولِ يَتبَعُ تَفكُّكَ القائلِ، أُسنِدَ الخُضوعُ إليهنَّ في صُورةٍ، وأُفِيدَت التَّعديةُ بالباءِ. ويجوزُ أنْ تكونَ الباءُ بمعنى (في)، أي: لا يكُنْ مِنكنَّ لِينٌ في القولِ .
- والنَّهيُ عن الخُضوعِ بالقولِ في قولِه: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ إشارةٌ إلى التَّحذيرِ ممَّا هو زائدٌ على المُعتادِ في كَلامِ النِّساءِ مِن الرِّقَّةِ، وذلك تَرخيمُ الصَّوتِ، أي: لِيَكُنْ كلامُكنَّ جَزْلًا، وحُذِف مُتعلَّقُ فَيَطْمَعَ -أي: فيكُنَّ-؛ تَنزُّهًا وتَعظيمًا لِشَأْنِ نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع قِيامِ القَرينةِ .
- وعَطْفُ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا على فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ بمَنزلةِ الاحتِراسِ؛ لئلَّا يَحسَبْنَ أنَّ اللهَ كلَّفَهُنَّ بخَفْضِ أصواتِهنَّ كحَديثِ السِّرارِ .
- والمَعروفُ: هو الَّذي يَألَفُه النَّاسُ بحسَبِ العُرْفِ العامِّ، ويَشملُ القولُ المعروفُ هَيئةَ الكلامِ، وهي الَّتي سِيقِ لها المَقامُ، ويَشملُ مَدلولاتُه: ألَّا يَنْتَهِرْنَ مَن يُكلِّمُهنَّ، أو يُسْمِعْنَه قولًا بذيئًا، مِن بابِ: فلْيقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ؛ وبذلك تكونُ هذه الجُملةُ بمَنزلةِ التَّذييلِ .
2- قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
- قولُه: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ إضافةُ البُيوتِ إلى نِساءِ النَّبيِّ؛ لأنَّهنَّ ساكناتٌ بها، أسكَنَهنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكانتْ بيوتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُميَّزُ بعضُها عن بعضٍ بالإضافةِ إلى ساكنةِ البيتِ . وفيه إغراءٌ للنِّساءِ على لزومِ البيتِ؛ لأنَّه بيتُها وسِترُها، لذا قال: فِي بُيُوتِكُنَّ، وهي أبلغُ مِن: «وقَرْنَ في البيوتِ»، كأنَّه يقولُ: هذا البيتُ ما بُنِيَ إلَّا لكِ -سِتْرًا لك وصَوْنًا-؛ فالْزَمِي هذا البيتَ الَّذي مِن أجْلِكِ بُنِيَ .
- قولُه: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى فيه تَعريضٌ بنَهْيِ غَيرِهنَّ مِن المُسلماتِ عن التَّبرُّجِ؛ فإنَّ المدينةَ أيَّامَئذٍ قد بقِيَ فيها نِساءُ المنافقينَ، ورُبَّما كُنَّ على بَقيَّةٍ مِن سِيرتِهنَّ في الجاهليَّةِ؛ فأُرِيدَ النِّداءُ على إبطالِ ذلك في سِيرةِ المُسلماتِ، فنُسِبَ إلى أهْلِ الجاهليَّةِ؛ إذ كان قد تَقرَّرَ بيْنَ المسلمينَ تَحقيرُ ما كان عليه أمْرُ الجاهليَّةِ إلَّا ما أقَرَّه الإسلامُ .
- والمقصودُ مِن النَّهيِ الدَّوامُ على الانكِفافِ عن التَّبرُّجِ، وأنَّهنَّ مَنهيَّاتٌ عنه .
- وأُرِيدَ بهذه الأوامرِ الدَّوامُ عليها؛ لأنَّهنَّ مُتلبِّساتٌ بمَضمونِها مِن قبْلُ، ولِيَعلَمَ النَّاسُ أنَّ المُقرَّبينَ والصَّالحينَ لا تَرتفِعُ دَرجاتُهم عندَ اللهِ تعالى عن حَقِّ تَوجُّهِ التَّكليفِ عليهم .
- قولُه: وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ بالأمْرِ، ثمَّ جاء الأمْرُ عامًّا بالطَّاعةِ؛ لإنافَتِهما -أي: لشَرفِهما وعُلوِّهما- على غيرِهما، ولأنَّ هاتَينِ الطَّاعتينِ البَدنيَّةَ والماليَّةَ هما أصْلُ سائرِ الطَّاعاتِ، فمَنِ اعْتَنى بهما حقَّ العِنايةِ جرَّتاهُ إلى ما وراءَهما .
- قولُه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ تَعليلٌ لِمَا تَضمَّنَتْه الآياتُ السَّابقةُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ على الاستِئنافِ؛ ولذلك عُمِّمَ الحُكمُ بتَعميمِ الخِطابِ لِغَيرِهنَّ، وصَرَّحَ بالمَقصودِ حيثُ قِيل بطَريقِ النِّداءِ أو المَدْحِ: أَهْلَ الْبَيْتِ، مُرادًا بهمْ مَن حَواهم بَيتُ النُّبوَّةِ .
- قولُه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الرِّجسُ في الأصْلِ: القذَرُ الَّذي يُلوِّثُ الأبدانَ، وعُبِّرَ به هنا عن الذُّنوبِ والنَّقائصِ الدِّينيَّةِ؛ لأنَّها تَجعَلُ عِرضَ الإنسانِ في الدُّنيا والآخرةِ مَرْذولًا مَكروهًا كالجِسمِ المُلوَّثِ بالقذَرِ، وعُبِّر بالتَّطهيرِ عن تَجنيبِ الذُّنوبِ والنَّقائصِ؛ لِمَزيدِ التَّنفيرِ عنها، وعُبِّر بالإذهابِ عن الإنجاءِ والإبعادِ .
- وفي التَّعبيرِ بالفِعلِ المُضارعِ يُرِيدُ دَلالةٌ على تَجدُّدِ الإرادةِ واستِمرارِها .
- والقَصرُ في قولِه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قَصرُ قلْبٍ ، أي: ما يُرِيدُ اللهُ لَكُنَّ ممَّا أمَرَكنَّ ونَهاكُنَّ إلَّا عِصمتَكُنَّ مِن النَّقائصِ، وتَحليتَكُنَّ بالكَمالاتِ، ودوامَ ذلك، أي: لا يُرِيدُ مِن ذلك مَقْتًا لَكُنَّ ولا نِكايةً. وهذا وَجهُ مَجِيءِ صِيغَةِ القَصرِ بـ (إنَّما) .
- قولُه: أَهْلَ الْبَيْتِ «أل» للعهدِ الذِّهنيِّ، كأنَّ هذا البيتَ معهودٌ معلومٌ بأذهانِ الناسِ، لا يَغيبُ عنها؛ لِمَا لهذا البيتِ مِن المكانةِ الرفيعةِ، والخَصْلةِ الحميدةِ، ففيه تفخيمُ هذا البيتِ وتعظيمُه .
3- قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
- قولُه: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فِعلُ (اذْكُرْنَ) يَجوزُ أنْ يكونَ مِن الذُّكرِ -بضَمِّ الذَّالِ- وهو التَّذكُّرُ، وهذه كلِمةٌ جامعةٌ تَشملُ المعنى الصَّريحَ منه، وهو ألَّا يَنْسَيْنَ ما جاء في القُرآنِ، ولا يَغفُلْنَ عن العملِ به، ويَشملُ المَعنى الكِنائيَّ؛ وهو أنْ يُرادَ مُراعاةُ العَملِ بما يُتْلى في بُيوتِهنَّ ممَّا يَنزِلُ فيها، وما يَقرَؤُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيها، وما يُبيِّنُ فيها مِن الدِّينِ، ويَشملُ معنًى كِنائيًّا ثانيًا؛ وهو تَذكُّرُ تلك النِّعمةِ العظيمةِ أنْ كانتْ بُيوتُهنَّ مَوقعَ تِلاوةِ القرآنِ. ويجوزُ أنْ يَكونَ مِن الذِّكرِ -بكَسرِ الذَّالِ-، وهو إجراءُ الكلامِ على اللِّسانِ، أي: بلِّغْنَه للنَّاسِ؛ بأنْ يَقرَأْنَ القرآنَ، ويُبلِّغْنَ أقوالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وسِيرتَه. وفيه كِنايةٌ عن العَملِ به. ومَوقعُ مادَّةِ الذكرِ هنا مَوقعٌ شَريفٌ؛ لِتَحمُّلِها هذه المحاملَ مما لا يَتحمَّلُه غيرُها إلَّا بإطنابٍ .
- والتَّعرُّضُ للتِّلاوةِ في البُيوتِ دونَ النُّزولِ فيها، مع أنَّه الأنسَبُ لِكَونِها مَهبِطَ الوحْيِ؛ لِعُمومِها لِجَميعِ الآياتِ، ووُقوعِها في كلِّ البيوتِ، وتَكرُّرِها المُوجِبِ لِتَمكُّنِهنَّ مِن الذِّكرِ والتَّذكيرِ، بخِلافِ النُّزولِ. وعدَمُ تَعيينِ التَّالي؛ لِتَعُمَّ تِلاوةَ جِبريلَ، وتِلاوةَ النَّبيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتِلاوتَهنَّ، وتِلاوةَ غيرِهنَّ؛ تَعليمًا وتَعلُّمًا .
- وعَطْفُ وَالْحِكْمَةِ عطْفُ خاصٍّ على عامٍّ، وهو ما كان مِن القُرآنِ مَواعظَ وأحكامًا شرعيَّةً، على قولٍ في التَّفسيرِ .
- وجُملةُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا تَعليلٌ للأمْرِ، وتَذييلٌ للجُمَلِ السَّابقةِ؛ فمَعنى الجُملةِ: أنَّه تعالى مَوصوفٌ باللُّطفِ والعِلمِ، كما دلَّ عليه فِعلُ (كان)؛ فيَشملُ عُمومُ لُطفِه وعِلْمِه لُطفَه بِهنَّ، وعِلْمَه بما فيه نفعُهنَّ .


الدرر السنية

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×