اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مَشاهد من سورةِ القارعةِ

المشاركات التي تم ترشيحها

الحمد لله القائل: ﴿ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه خيرُ من قرأ القرانَ وتأَّثرَ به، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلم تسليمًا كثيرًا..


وبعد:

فاتقوا الله عباد الله.. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]..

 

أيها الأحبة: ونحن مع المدنية المعاصرة وفي خِضمِّها والركضِ خلف سراب الدنيا، نسينا أنها أقصرُ مما نتصور، إذ في يوم من الأيام سننتقلُ إلى دارٍ لا عمل فيها، بل هي دارُ حسابٍ وجزاءٍ وقرارٍ، إمّا إلى جنَّةٍ وإما إلى نار.. وفي سورة من سور القرآن يُخبرنا اللهُ جل جلاله عن جزءٍ يسير ٍمن مشاهد تلك الدار، فيقول جل شأنه: ﴿ الْقَارِعَةُ ﴾
[القارعة: 1].. القارعة تَقرَعُ القلوب بالفزع...وهذا فقط اسمٌ واحدٌ مهول.. لا ينقصُ هولًا عن غيرِه من أسماءِ القيامة؛ كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية.

 

ثم قال سبحانه وتعالى مرةً أخرى معظمًا أمرَها ومُهّوِلًا لشأنها:
﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ [القارعة: 2] ثم مرةً أخرى مذّكرًا بشدةِ قَرعِها الذي يصيبُ النفوس بالهولِ الشديد فيقول: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾ [القارعة: 3]؟! كلمةُ استفهام على جهة التعظيم والتفخيم لشأنها المخيفِ المرعب.. حقًا إنَّ القلبَ الحيّ ليحتقرُ الركضَ للدنيا حينما تقرَعُ أذنه أمثالَ هذه الآيات..

 

ثم تخيَّل هذا المشهدَ المخيفَ بهذِه الصورةِ البليغةِ.. وتأمل؛
﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوث ﴾ [القارعة: 4]؛ أي في انتشارِهم وتفرَّقهم وذهابِهم ومجيئِهم من حيرتِهم مما هم فيه كأنهم فراشٌ مبثوث.. كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ [القمر: 7]. لاحول ولا قوة إلا بالله..

 

ولماذا عبّر اللهُ تعالى بالفراش؟ الجواب والله أعلم: لأنها حيواناتٌ لا تكون إلا في الليل، يموجُ بعضُها ببعض لا تدري أين تتوجه؟، فإذا أُوقِدَ لها نارٌ تهافتت إليها لضعفِ إدراكها، فهذه حالُ الناسِ أهلِ العقول ... في "صحيح مسلم" عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يَذُبُّهُنَّ عَنْهَا، وَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَفَلَّتُونَ مِنْ يَدِي»[1] وإنا لله وإنا إليه راجعون..
 

وأمَّا الجبالُ الصمُّ الصِّلابُ، فتكون
﴿ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾ [القارعة: 5]؛ أي: كالصوفِ المنفوش، الذي بقي ضعيفًا جدًا، تطيرُ به أدنى ريح، قال تعالى: ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴾ [النمل: 88] ثم بعد ذلك، تكون هباءً منثورًا، فتضمحل ولا يبقى منها شيءٌ يُشاهد، فحينئذ تُنصبُ الموازين، وينقسم الناسُ قسمين: سعداءُ وأشقياءُ، ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾ [القارعة: 6]، أي: رجحت حسناتُه على سيئاته. ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ [القارعة: 7]، مرضيّةٍ في الجنة... ذاتُ رضا يرضاها صاحبُها.

 
فالعيشةُ كلمةٌ تجمعُ النعمَ التي في الجنة، فهي فاعلةٌ للرضا؛ كالفرشِ المرفوعة، وارتفاعُها مقدارُ مائةِ عام، فإذا دنا منها وليُّ الله اتضعت حتى يستوي عليها، ثم ترتفعُ كهيئتِها، ومثلُ الشجرةِ فرعُها،، فإذا اشتهى وليُّ الله ثمرتَها تدَّلت إليه، حتى يتناولُها وليُّ الله قاعدًا وقائمًا، وذلك قولُه تعالى: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 23]. وحيثما مشى أو ينتقل من مكانٍ إلى مكان، جرى معه نهر حيث شاء، علوًا وسُفلا، وذلك قولُه تعالى: ﴿ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴾ [الإنسان: 6].
 

فيُروى في الخبر:
(إنه يشير بقضيبِه فَيَجْرِي مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ حَيْثُ شَاءَ مِنْ قُصُورِهِ وَفِي مَجَالِسِهِ)[2].

 
فهذه الأشياءُ كلُّها عيشةٌ قد أعطت الرِّضا من نفسِها، فهي فاعلةُ للرضا، وهي انذلت وانقادت بذلًا وسماحة.

 


﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ [القارعة: 8]؛ أي: رجحت سيئاتُه على حسناتِه ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ [القارعة: 9]؛ أي: مسكنه النار، سُمَّي المسكنُ أمًا، لأنَّ الأصلَ في السكون إلى الأمهات، والهاوية اسم من أسماء جهنم، وهو المِّهواةُ لا يُدرك قَعرُها، وقيل: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾ أرادَ أمَّ رأسِه.. منحدرةً منكوسةً.. يعني أنهم يهوون في النارِ على رءوسِهم..
 

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ ﴾ [القارعة: 10] وهذا تعظيم لأمرها والعياذ بالله.

﴿ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 11]؛ أي: شديدةُ الحرارة، قويةُ اللهيب والسعير، قد زادت حرارتُها على حرارةِ نارِ الدنيا سبعينَ ضعفًا.

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
«نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا، مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» قَالُوا: وَاللهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهَا مِثْلُ حَرِّهَا» [3] أجارنا الله وإياكم والمسلمين منها[4].


وبعدَ هذه المشاهد التي صورَتها لنا سورةُ القارعة، وهي جزءٌ يسيرٌ مما صورَّه لنا القرآنُ الكريم عن مشاهدِ ذلك اليومِ العظيمِ، أيبقى لمتأملٍ ركضٌ خلفَ سرابِ الدنيا..؟ أم يُتَصور من مسلمٍ أن يترك فريضةً أوَ بعد هذا يقطع مسلمٌ رحِمَه؟ أو يلهث شابٌ خلف شهواته؟ فكيف لمؤمنٍ أن يعصي ربَّه وهو يسمعُ ويقرأُ مثلَ هذه المواعظ.. لكنه الرَّانُ الذي يغشى القلوبَ؟.. والذي سبَبُه الذنوب.. ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]..

 

عباد الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].



[1] صحيح مسلم (2285).

[2] ذكره القرطبي في تفسيره: (20/166).

[3] متفق عليه، أخرجه البخاري (3265)، ومسلم "واللفظ له"(2843)

[4] مراجع الخطبة سورة القارعة في كتب التفسير الآتية:
♦ تفسير ابن كثير.
♦ تفسير القرطبي.
♦ تفسير البغوي.
♦ تفسير السعدي.

د. صغير بن محمد الصغير


شبكة الالوكة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

تفسير سورة القارعة

 

 

الحمدُ لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

وبعدُ:

فمِنْ سُوَر القرآن العظيم التي تَتَكَرَّر على أسماعِنا، وتحتاج منا إلى تأمُّل وتدبُّر، سورةُ القارعة, قال - تعالى -: ﴿ الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ * فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 1 - 11].

 

قوله - تعالى -: ﴿ الْقَارِعَةُ ﴾: المراد التي تفزع القلوبَ وتقرعها، وذلك عند النفْخ في الصور، كما قال - تعالى -: ﴿ وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ [النمل: 87].

فهي تفزع القلوب بعد قرْع الأسماع، وهذه القارعة قارعةٌ عظيمة لا نظير لها قبل ذلك، وهي من أسماء يوم القيامة, كما تسمَّى: الغاشية، والحاقة، والطامَّة الكُبرى، والصَّاخَّة، وغيرها.

 

قوله - تعالى -: ﴿ مَا الْقَارِعَةُ ﴾: استفهام بمعنى التعظيم والتفخيم، يعني: ما هي القارعة التي ينوه عنها؟

 

قوله - تعالى -: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴾: هذا زيادة في التفخيم والتعظيم والتهْويل؛ يعني: أي شيء أعلمك عن هذه القارعة؟ أي: ما أعظمها! وما أشدها! ثم بيَّن متى تكون.

 

قوله - تعالى -:﴿ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴾: أي: إنها تكون في ذلك الوقت، يوم يكون الناسُ كالفَراش المبثوث حين يخرجون مِنْ قبورهم، قال العلماء: يكونون كالفراش المبثوث، والفراش: هي الحشرات الصغيرة التي تتزاحم عند وُجُود النار في الليل، وهي ضعيفة وتكاد تمشي بدون هدى وتتراكم، وربما لطيشها تقع في النار وهي لا تدري, فهم يُشْبِهُون الفَراش في ضعْفه وحيْرته وتراكُمه وسيْره إلى غيْر هدى.

 

﴿ الْمَبْثُوثِ ﴾: يعني: المنتشر، فهو كقوله - تعالى -: ﴿ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ﴾ [القمر: 7]؛ يعني: لو تصوَّرتَ هذا المشْهد، يخرج الناس مِن قبورهم على هذا الوجْه، لتصورتَ أمرًا عظيمًا لا نظير له، هؤلاءِ العالم مِن لدن آدمَ إلى أن تقومَ الساعة، كلهم يخرجون خروج رجلٍ واحد، في آنٍ واحدٍ، مِن هذه القبور المبعثرة في مشارق الأرضِ ومغاربها، ومِن غير القبور؛ كالذي ألقي في لُجَّة البحر، أو أكلتْه الحيتان، أو في فلوات الأرض وأكلته السِّباع، أو احترق جسدُه، أو ما أشبه ذلك، كلهم سيخرجون مرَّة واحدة إلى أرض الحشْر.

 

قوله - تعالى -: ﴿ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴾ [المعارج: 9]، فهذه الجبالُ العظيمة الراسية تكون كالعهْن؛ أي: الصُّوف، وقيل: القُطن المنفوش؛ أي: المبعْثَر، سواء نفشته بيدِك أو بالمنداف، فإنه يكون خفيفًا يتطايَر مع أدْنى ريح؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ﴾ [الواقعة: 5، 6]، وكما قال - تعالى -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴾ [طه: 105، 106].

 

قوله - تعالى -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾ [القارعة: 6، 7].

 

﴿ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾: فهو الذي رجحتْ حسناتُه على سيئاته، ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴾؛ أي: حياة طيبة ليس فيها نكد ولا صخب؛ بل هي كاملة من جميع الوجوه، قال - تعالى -: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: 34، 35]، وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾[البينة: 7 - 8].

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾: وهو الذي رجحتْ سيئاته على حسناته، أو الذي ليستْ له حسنات أصلاً كالكافر؛ لأنه يجازَى على حسناته في الدنيا، فإذا أفضى إلى الآخرة، لم يكن له عند الله نصيب؛ روى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناتِ ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة، لم تكن له حسنة يجزى بها))[1].

 

قوله - تعالى -: ﴿ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴾: أي إنَّ مآله إلى نار جهنَّم, والهاوية من أسماء النار، وقيل: المراد بالأمِّ هنا أمُّ الدِّماغ، والمعنى أنه يلقى في النار على أُمِّ رأسه, ولا مانع من اجتماع الأمرين، فيقال: يرمى في النار على أُمِّ رأسِه، وليس له مأوى ولا مقْصد إلا النَّار.

 

قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾: هذا مِنْ باب التفْخيم والتعظيم لهذه الهاوية، يسأل: ما هي؟ ثم يجيب: إنها نار حامية في غاية ما يكون من الحرارة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((إنها فضِّلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل حرِّها)) [2]، وإذا تأملت نار الدنيا كلها، سواء نار الحطب، أو الورق، أو الفرن، أو أشد من ذلك، فإن نار جهنم مفضلة عليها بتسعة وستين جزءًا - نسأل الله السلامة والعافية.

 

ومن فوائد السورة الكريمة:

أولاً: أنه ينبغي للمؤمن أن يقيَ نفسه من عذاب الله، وهذه الوقاية تكون بفِعْل الخير، ولو بأقل القليل؛ روى مسلم في صحيحه من حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما منكم من أحدٍ إلا سيكلِّمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمنَ منه، فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأم منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة)[3].

 

ثانيًا: أن السورة الكريمة سكتتْ عمن تساوتْ حسناتُه وسيئاته، ولكن بيَّن الله - تعالى - في سورة الأعراف أنهم لا يدخلون النار، وإنما يُحبَسون في مكان يقال له: الأعراف, وذكر الله - تعالى - في سورة الأعراف ما يجري بينهم وبين المؤمنين، قال - تعالى -: ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾[الأعراف: 47].

 

ثالثًا: عظم ما أعدَّ الله لأعدائه من العذاب والنَّكال، ففي هذه السورة أخبر عن شدة حرارتها، وفي آية أخرى عن هولها وشدة عذابها، فقال: ﴿ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى * تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴾ [المعارج: 15 - 18].

 

وأخبر في آيةٍ أخرى أنَّ حطب النار التي توقد بها جثث بني آدم هي حجارة من الكبريت الأسود؛ فقال - سبحانه -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6]، وقال - سبحانه -: ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ [ق: 30].

 

روى مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يؤتى بجهنمَ يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمامٍ سبعون ألف مَلَك يجرُّونها))[4][5].

 

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحْبه أجمعين.

 

[1] ص 1129، برقم 2808.

[2] ص 626 - 625، برقم 3265، و"صحيح مسلم" ص 1141، برقم 2843.

[3] ص 392، برقم 1016.

[4] ص 1141، برقم 2842.

[5] انظر: "تفسير الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله" ص 300 - 304.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×