اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المضامين التربوية في سورة يس

المشاركات التي تم ترشيحها


سر بسم الله الرحمن الرحيم - موضوع


المبحث الأول: المضامين التربوية الإيمانية

 

 

1- النظر في خلق الله تبارك وتعالى

 

 

دعت سورة يس إلى التأمل والتفكر في هذا الخلق وإدراك أنه لا بد له من خالق عليم حكيم، فالأرض وما فيها من زرع ونبات وخير هي آية من الآيات الدالة على عظيم صنع الله {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}.

 

إن تنوع ما على هذه البسيطة من زروع وأنعام وطيور وبهائم ودواب وتسخيرها للإنسان وتذليلها له يسوقها منقادة له مستسلمة لأمره ينتفع بها دليلٌ على وجود الخالق وعظيم صنعه {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}، وتنوع البشر في أعراقهم ولغاتهم وألوانهم من أعظم الآيات التي تدل على الخالق العظيم {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ}.

 

وتقلب الليل والنهار وطلوع الشمس وغروبها وانتقال القمر بين المنازل وحركة الكواكب بهذا التناغم والتوازن دون أن تصطدم ببعضها أو تتقدم أو تتأخر آيةٌ من آيات الله العظيم {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.

 

وفي البحار وما تحمله من الأثقال والسفن المواخر آية على قدرة الخالق وعظيم صنعه {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}، فالكون هو الكتاب المنظور الذي ينطق بوجود الخالق وعظيم قدرته: (وفي كل شيء له آية --- تدل على أنه الواحد).

 

 

2- النظر في أصل خلق الإنسان وأطوار نموه

 

 

في خلق الإنسان من نطفة ثم وصوله إلى أرذل العمر دليل واضح على ضعفه أمام خالقه وحاجته له وافتقاره إليه، قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس: 77] فمع هذه البداية الضعيفة للإنسان إلا أنه يجادل ويخاصم في وجود الخالق عز وجل، وأشارت السورة إلى حال الإنسان في حال الكبَر: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس: 68] أفلا يرون ضعفهم وقلة حيلتهم وافتقارهم إلى خالقهم؟! فمن أدرك حقيقة ذاته أيقن أن هناك خالقًا منعمًا عظيمًا لا يسع الإنسان إلا أن يؤمن به ويستسلم لأمره، ولا شك أن في عرض أدلة الإيمان بالله -عز وجل- دعوةً إلى إعمال العقل والتفكر في خلق السموات والأرض، فسائر الموجودات تحتاج إلى موجد يوجدها، ولا يمكن أن تكون قد حصلت صدفة أو عبثًا.

 

 

3- القرآن دعوة وإنذار لمن يبحث عن الحق

 

 

جاء القرآن الكريم نذيرًا وداعيًا لمن ينشد الحق ويبحث عنه، فلا ينتفع به المعاندون المصرون على الكفر والباطل {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس:70]، قال ابن كثير: (وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِنِذَارَتِهِ مَنْ هُوَ حَيُّ الْقَلْبِ، مُسْتَنِيرُ الْبَصِيرَةِ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: حَيُّ الْقَلْبِ حَيُّ الْبَصَرِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي عَاقِلًا)(4) ، وقال ابن عاشور: (الإِنْذَارُ: الْإِعْلَامُ بِأَمْرٍ يَجِبُ التَّوَقِّي مِنْهُ، وَالْحَيُّ مُسْتَعَارٌ لِكَامِلِ الْعَقْلِ وَصَائِبِ الْإِدْرَاكِ، وَهَذَا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَيْ مَنْ كَانَ مِثْلَ الْحَيِّ فِي الْفَهْمِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّعْرِيضُ بِالْمُعْرِضِينَ عَنْ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمْ كَالْأَمْوَاتِ لَا انْتِفَاعَ لَهُمْ بِعُقُولِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النَّمْل: 80])(5).

 

 

4- الاعتبار بالأمم السابقة

 

 

يذكر الله -عز وجل- أخبار الأمم السابقة للعبرة والموعظة {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} [يس:31] يقول ابن كثير: (ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [المؤمنون: 37])(6).

 

 

5- يوم القيامة يأتي على حين غفلة

 

 

لا بد للمؤمن من الاستعداد الدائم وتجديد التوبة ولزوم الاستغفار {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس:50] يقول ابن عاشور: (أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحتضر)(7). وقد وصف النبي-صلى الله عليه وسلم- أحوال الناس وقت قيامها فقال: ((لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها))(8).

 

 

6- يوم القيامة توفَّى كل نفس ما كسبت

 

 

إن يوم القيامة هو يوم الحساب الذي توزن فيه الأعمال وتوفَّى فيه الأجور {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، يقول ابن عاشور: (أما وقد أيقنتم أن وعد الله حق وأن الرسل صدقوا فاليوم يوم الجزاء كما كان الرسل ينذرونكم)(9). ويوم القيامة هو دار العدل المطلق، قال تعالى: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر:17] فلا ظلم هناك حيث يقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء كما قال صلى الله عليه وسلم: ((حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء))(10). وهو اليوم الذي يجازى الناس فيه على أعمالهم، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر كما قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] وفي هذا دعوة للإنسان أن يحرص على صالح الأعمال ومحاسن الخصال كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].


اكبر مجموعة فواصل لتزيين الموضوع2021,فواصل جديد ومختلفه لتزيين موضوعك2021,ا

 

المبحث الثاني: المضامين التربوية الاجتماعية

 

 

1- ظاهرة التطير مذمومة شرعًا

 

 

ذكر القرآن الكريم تطير أهل القرية من المرسلين {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس:18]، يقول ابن عاشور: (والتطير في الأصل تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرض نوع الطير ومن صفة اندفاعه أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوهم منه أحد أنه كان سببًا في لحاق شر به، فصار مرادفًا للتشاؤم، وفي الحديث: ((لا عدوى ولا طيرة، وإنما الطيرة على من تطيّر))، وبهذا المعنى أطلق في هذه الآية، أي قالوا: إنا تشاءمنا بكم)(1). والطيرة من معتقدات أهل الجاهلية والأمم السابقة، فجاء الإسلام ونهى عنها لما فيها من سوء الظن بالله؛ لهذا (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الطيرة ويحب الفأل)؛ لأن الفأل فيه حُسن ظن بالله عز وجل، والمؤمن مأمور أن يحسن الظن بربه عز وجل.

 

 

2- التكافل الاجتماعي مظهر حضاري دعا إليه الإسلام

 

 

ذكر الله عز وجل شماتة المشركين بضعفاء المسلمين فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس:47]، فكانوا مع ما هم عليه من الكرم يشحّون على فقراء المسلمين، فيمنعونهم البذل تشفيًا منهم، فإذا سمعوا من القرآن ما فيه الأمر بالإنفاق أو سألهم فقراء المسلمين من فضول أموالهم يتعللون لمنعهم بالاستهزاء فيقولون: لا نطعم من لو يشاء الله لأطعمه، وإذا كان هذا رزقنا من الله فلماذا لم يرزقكم، فلو شاء الله لأطعمكم كما أطعمنا)(2). فعندما يأمر الإسلام بالإنفاق فهو يأمر بتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي، وهو معاونة الفقير والضعيف ودفع حاجته بالمال؛ لذا قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة:215](3) وعلى رأس الإنفاق الزكاة الواجبة، فهي تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني(4)، وفي ذلك إسعاد الفرد والجماعة، وإشاعة الرفاه والرخاء للجميع(5).

 

 

3- الحذر من الفتنة وحماية المجتمع من الإلحاد

 

 

أخذ الله عز وجل العهد على بني آدم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس:60] فكل من يعبد غير الله يتبع خطوات الشيطان، فلا سبيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له وتطهير المجتمع من أدران الإلحاد وعبادة غير الله إلا بترك عبادة الشيطان، قال تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل:63]. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (ما عبدوا الشيطان بأن سجدوا للشيطان ولا ركعوا للشيطان ولا صاموا له ولا صلوا، وإنما عبادتهم للشيطان هي اتباع ما سنّ لهم من النظم والقوانين من الكفر بالله ومعاصي الله))(6). فلا سبيل لوقاية المجتمع المسلم من هذا الإلحاد الذي انتشر عبر وسائل الاتصالات الحديثة والقنوات الفضائية المغرضة إلا عن طريق نشر عقيدة التوحيد وغرس الإيمان في النفوس وتربية المجتمع عليه.

 

 

4- الرأفة والرحمة بأصحاب المعاصي:

 

 

تذكر سورة يس ما كان عليه صاحب يس من قيم وأخلاق حيث دعا قومه بكل لطف فقال: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، وبعدما قتلوه قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}، قال ابن كثير نقلا عن ابن عباس رضي الله عنهما: (نصح قومه في حياته بقوله: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} وبعد مماته في قوله: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}(7). فينبغي على المسلم أن يقف على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع العصاة والمذنبين، جاء في الحديث عن تميم الداري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))(8).

 

لقد عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- العصاة بكل رفق ورحمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسكران، فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم))(9). قال ابن حجر: (وجه عونهم الشيطان بذلك أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي، فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان، ويستفاد من ذلك منع الدعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله كاللعن)(10).

 


اكبر مجموعة فواصل لتزيين الموضوع2021,فواصل جديد ومختلفه لتزيين موضوعك2021,ا

 

المبحث الثالث: المضامين التربوية السلوكية

 

 

1- القسم للأمر العظيم

 

 

أقسم الله -عز وجل- في أول سورة يس بالقرآن الكريم على صحة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} جاء في تفسير البغوي: (أقسم الله بالقرآن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: {لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43](1). والآية تشير إلى تعظيم الأيمان، وألا يحلف المسلم على أتفه الأسباب وأهون الأمور، يقول الشيخ أبو زهرة: (ومن لا يصون يمينه لا يبر بها بل يقع في الحنث الكثير، وقد يكفر وربما لا يكفر، ومن يعرض اليمين في القليل والكثير والعظيم والحقير من الأمور لا يكون متقيًا لله)(2).

 

 

2- التلطف والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة

 

 

خاطب صاحب يس قومه بقوله {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} يقول الشيخ الطنطاوي: (قال لقومه على سبيل الإرشاد والنصح: يا قوم اتبعوا المرسلين الذين جاؤوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم، ولإنقاذكم من الضلال المبين الذي انغمستم فيه)(3). ولا يخفى ما في قوله {يا قوم} من التلطف في القول واللين في الكلام، وهو أدلُّ على النصح لهم والإشفاق عليهم، وأقرب إلى صرفهم عن طريق الضلال والإضلال، وهو مسلك تربويّ نبوي حكيم لا يرى ألطف ولا أحكم ولا أعدل مدخلا منه إلى النفس، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله))(4).

 

3- الحرص على هداية الناس:

 

{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس:30] قال مجاهد: (يا ندامة عليهم في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا!)(5) والمعنى: يا حسرة الرسل والملائكة على العباد(6)، وسبب التحسر استهزاؤهم بالرسل وتكذيبهم إياهم، وفيه إشارة إلى شفقة الداعية وحرصه على هداية الخلق وإرشاد الحيارى، وأن يطرق كل باب ويبذل كل جهد من أجل هدايتهم، وألا ييأس في سبيل إنقاذهم من عذاب الله في الآخرة، وفي الحديث: ((لأن يهدَى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم))(7).

 

 

4- شكر المنعم على نعمه

 

 

ذكر الله عز وجل نعمه على عباده في موضعين من سورة يس، وأنكر على المشركين عدم شكر الله -عز وجل- على هذه النعم فقال: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} قال ابن عاشور: (والاستفهام: إنكار وتعجب من عدم رؤيتهم شواهد النعمة)(8) ، والمعنى: (فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى)(9) ، يقول البيضاوي: ({أَفَلَا يَشْكُرُونَ} أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه)(10). ولا يخفى أن الشكر على ثلاثة أنواع، قال النيسابوري: (وهو على ثلاث منازل: شكر القلب وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها والثناء على مسديها، قال الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، وشكر العمل وهو إِدْآبُ النفس بالطاعة، قال الله سبحانه: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: (أفادتكم النعماء مني ثلاثة ...... يدي ولساني والضمير المحجبا)(11).

 

 

5- التوكل على الله والتسليم له

 

 

قال الله عز وجل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، في هذه الآية (يبين تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: كن -أي مرةً واحدةً- فيكون، أي فيوجد على وفق ما أراد كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وقال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، وقال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50]، وقال الشاعر:

 

(إذا ما أراد الله أمرًا فإنما .... يقول له "كن" قولةً فيكون)(12).

 

فإذا كان أمر الله نافذًا فلا ينافي الأخذ بالأسباب لكوننا أمرنا بالتماسها، فأمر الله فوق كل أمر، فنأخذ بالأسباب ونعتقد اعتقادًا جازمًا أن أمر الله نافذ، وهذا هو التوكل على الله والاعتماد عليه والتسليم له، يقول ابن رجب الحنبلي: (وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه)(13).

 

 

6- كتابة الأثر تدفع الإنسان إلى ترك الأثر الطيب:

 

 

إذا أدرك الإنسان أن أثره يكتب بعده اجتهد في ترك الأثر الصالح، قال ابن كثير عند قوله تعالى {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}: (وفي قوله {وآثارهم} قولان: أحدهما نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أَثَرُوهَا مِن بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر كقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن يَنقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ))(14). والقول الثاني أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، وقد ورد في هذا المعنى حديث جابر بن عبد الله قال: (خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ((إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد))، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: ((يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم))(15).

 

وفي الآية إشارة إلى أن الإنسان يستطيع أن يطيل من عمر نفسه وأن تكون له حياة بعد الموت، وذلك بأن يترك بعده أثرًا طيبًا، وقد أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض هذه الآثار بقوله: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))(16).

 

 

7- التسبيح والذكر من العبادات المهمة

 

 

ختم الله عز وجل سورة يس بقوله {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ،} وهذا يناسب ما ذكره الله -عز وجل- في السورة من الآيات الدالة على عظيم صنعه وقدرته، قال في أضواء البيان: (ومن قدرته على كل شيء وتصريفه لأمور ملكه كيف يشاء أن جعل العالم كله يسبح له بحمده تنفيذًا لحكمةٍ فيه كما في قوله: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70]، فجمع الحمد والحكم معًا لجلالة قدرته وكمال صفاته)(17). وقد أخبر أن الملأ الأعلى مشغولون بهذه العبادة العظيمة عبادة التسبيح، قال تعالى: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وقد أمر الله نبيه بالتسبيح في مواطن متفرقة، منها قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [الطور: 49] فحريٌّ بالمؤمن أن يكون حريصًا على عبادة التسبيح لما تنطوي عليه من أسرار ولما لها من فوائد في تهذيب النفس وغرس اليقين وتعظيم الخالق عز وجل.

 

 

8- الإصرار على الباطل من شأن الكافرين:

 

 

قال الله عز وجل: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُون} [يس:7] أي (وجب العذاب على أكثرهم)(18) بسبب إصرارهم الاختياري على الكفر والإنكار، وعدم تأثرهم من التذكير والإنذار وغلوهم في العتو والطغيان، وتماديهم في اتباع خطوات الشيطان بحيث لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف(19)، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه(20)؛ ففي الآية تهديد الكافرين بسوء العاقبة، وأن الله قد مضى حكمه وثبت قضاؤه في أن جعل النار مصيرهم وعاقبة أمرهم، فقد وجدوا آباءهم على الباطل وأصروا على اتباعهم في باطلهم؛ لهذا فإن المسلم مأمور أن يفكر ويعمل عقله ويتبع الحجة والبرهان.

 

 


اكبر مجموعة فواصل لتزيين الموضوع2021,فواصل جديد ومختلفه لتزيين موضوعك2021,ا


أخيرًا لا بُدَّ أن أشير إلى ما يلي:

 

1- على الباحثين في المجال الشرعي والدعاة والعلماء أن يُعنَوا بنشر التحليل التربوي ونتائجه؛ كي ينتقل الناس من مرحلة القراءة المجردة لآيات القرآن الكريم إلى مرحلة الوعي والإدراك لما تحتويه من معانٍ وتربية وأحكام. 

 

2- صياغة المناهج التعليمية على ضوء ما تحتويه العلوم من مضامين تربوية ليظهر أثر العلم في سلوك المتعلم. 

 

3- تقعيد علم التحليل التربوي على ضوء الثوابت في الشرع والتربية واللغة.

عامر  خطاب
رابطة العلماء السوريين


المضامين التربوية في سورة يس (3)

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×