اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

المضامين التربوية في سورة يس

المشاركات التي تم ترشيحها


سر بسم الله الرحمن الرحيم - موضوع


المبحث الأول: المضامين التربوية الإيمانية

 

 

1- النظر في خلق الله تبارك وتعالى

 

 

دعت سورة يس إلى التأمل والتفكر في هذا الخلق وإدراك أنه لا بد له من خالق عليم حكيم، فالأرض وما فيها من زرع ونبات وخير هي آية من الآيات الدالة على عظيم صنع الله {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}.

 

إن تنوع ما على هذه البسيطة من زروع وأنعام وطيور وبهائم ودواب وتسخيرها للإنسان وتذليلها له يسوقها منقادة له مستسلمة لأمره ينتفع بها دليلٌ على وجود الخالق وعظيم صنعه {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ}، وتنوع البشر في أعراقهم ولغاتهم وألوانهم من أعظم الآيات التي تدل على الخالق العظيم {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ}.

 

وتقلب الليل والنهار وطلوع الشمس وغروبها وانتقال القمر بين المنازل وحركة الكواكب بهذا التناغم والتوازن دون أن تصطدم ببعضها أو تتقدم أو تتأخر آيةٌ من آيات الله العظيم {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.

 

وفي البحار وما تحمله من الأثقال والسفن المواخر آية على قدرة الخالق وعظيم صنعه {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ}، فالكون هو الكتاب المنظور الذي ينطق بوجود الخالق وعظيم قدرته: (وفي كل شيء له آية --- تدل على أنه الواحد).

 

 

2- النظر في أصل خلق الإنسان وأطوار نموه

 

 

في خلق الإنسان من نطفة ثم وصوله إلى أرذل العمر دليل واضح على ضعفه أمام خالقه وحاجته له وافتقاره إليه، قال الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} [يس: 77] فمع هذه البداية الضعيفة للإنسان إلا أنه يجادل ويخاصم في وجود الخالق عز وجل، وأشارت السورة إلى حال الإنسان في حال الكبَر: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس: 68] أفلا يرون ضعفهم وقلة حيلتهم وافتقارهم إلى خالقهم؟! فمن أدرك حقيقة ذاته أيقن أن هناك خالقًا منعمًا عظيمًا لا يسع الإنسان إلا أن يؤمن به ويستسلم لأمره، ولا شك أن في عرض أدلة الإيمان بالله -عز وجل- دعوةً إلى إعمال العقل والتفكر في خلق السموات والأرض، فسائر الموجودات تحتاج إلى موجد يوجدها، ولا يمكن أن تكون قد حصلت صدفة أو عبثًا.

 

 

3- القرآن دعوة وإنذار لمن يبحث عن الحق

 

 

جاء القرآن الكريم نذيرًا وداعيًا لمن ينشد الحق ويبحث عنه، فلا ينتفع به المعاندون المصرون على الكفر والباطل {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس:70]، قال ابن كثير: (وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِنِذَارَتِهِ مَنْ هُوَ حَيُّ الْقَلْبِ، مُسْتَنِيرُ الْبَصِيرَةِ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ: حَيُّ الْقَلْبِ حَيُّ الْبَصَرِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي عَاقِلًا)(4) ، وقال ابن عاشور: (الإِنْذَارُ: الْإِعْلَامُ بِأَمْرٍ يَجِبُ التَّوَقِّي مِنْهُ، وَالْحَيُّ مُسْتَعَارٌ لِكَامِلِ الْعَقْلِ وَصَائِبِ الْإِدْرَاكِ، وَهَذَا تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أَيْ مَنْ كَانَ مِثْلَ الْحَيِّ فِي الْفَهْمِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّعْرِيضُ بِالْمُعْرِضِينَ عَنْ دَلَائِلِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمْ كَالْأَمْوَاتِ لَا انْتِفَاعَ لَهُمْ بِعُقُولِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النَّمْل: 80])(5).

 

 

4- الاعتبار بالأمم السابقة

 

 

يذكر الله -عز وجل- أخبار الأمم السابقة للعبرة والموعظة {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ} [يس:31] يقول ابن كثير: (ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفجرتهم من قولهم: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [المؤمنون: 37])(6).

 

 

5- يوم القيامة يأتي على حين غفلة

 

 

لا بد للمؤمن من الاستعداد الدائم وتجديد التوبة ولزوم الاستغفار {فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} [يس:50] يقول ابن عاشور: (أي لا يتمكنون من توصية على أهليهم وأموالهم من بعدهم كما هو شأن المحتضر)(7). وقد وصف النبي-صلى الله عليه وسلم- أحوال الناس وقت قيامها فقال: ((لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها))(8).

 

 

6- يوم القيامة توفَّى كل نفس ما كسبت

 

 

إن يوم القيامة هو يوم الحساب الذي توزن فيه الأعمال وتوفَّى فيه الأجور {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}، يقول ابن عاشور: (أما وقد أيقنتم أن وعد الله حق وأن الرسل صدقوا فاليوم يوم الجزاء كما كان الرسل ينذرونكم)(9). ويوم القيامة هو دار العدل المطلق، قال تعالى: {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر:17] فلا ظلم هناك حيث يقتص من الشاة القرناء للشاة الجلحاء كما قال صلى الله عليه وسلم: ((حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء))(10). وهو اليوم الذي يجازى الناس فيه على أعمالهم، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر كما قال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى} [النجم: 31] وفي هذا دعوة للإنسان أن يحرص على صالح الأعمال ومحاسن الخصال كما قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].


اكبر مجموعة فواصل لتزيين الموضوع2021,فواصل جديد ومختلفه لتزيين موضوعك2021,ا

 

المبحث الثاني: المضامين التربوية الاجتماعية

 

 

1- ظاهرة التطير مذمومة شرعًا

 

 

ذكر القرآن الكريم تطير أهل القرية من المرسلين {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس:18]، يقول ابن عاشور: (والتطير في الأصل تكلف معرفة دلالة الطير على خير أو شر من تعرض نوع الطير ومن صفة اندفاعه أو مجيئه، ثم أطلق على كل حدث يتوهم منه أحد أنه كان سببًا في لحاق شر به، فصار مرادفًا للتشاؤم، وفي الحديث: ((لا عدوى ولا طيرة، وإنما الطيرة على من تطيّر))، وبهذا المعنى أطلق في هذه الآية، أي قالوا: إنا تشاءمنا بكم)(1). والطيرة من معتقدات أهل الجاهلية والأمم السابقة، فجاء الإسلام ونهى عنها لما فيها من سوء الظن بالله؛ لهذا (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره الطيرة ويحب الفأل)؛ لأن الفأل فيه حُسن ظن بالله عز وجل، والمؤمن مأمور أن يحسن الظن بربه عز وجل.

 

 

2- التكافل الاجتماعي مظهر حضاري دعا إليه الإسلام

 

 

ذكر الله عز وجل شماتة المشركين بضعفاء المسلمين فقال: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [يس:47]، فكانوا مع ما هم عليه من الكرم يشحّون على فقراء المسلمين، فيمنعونهم البذل تشفيًا منهم، فإذا سمعوا من القرآن ما فيه الأمر بالإنفاق أو سألهم فقراء المسلمين من فضول أموالهم يتعللون لمنعهم بالاستهزاء فيقولون: لا نطعم من لو يشاء الله لأطعمه، وإذا كان هذا رزقنا من الله فلماذا لم يرزقكم، فلو شاء الله لأطعمكم كما أطعمنا)(2). فعندما يأمر الإسلام بالإنفاق فهو يأمر بتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي، وهو معاونة الفقير والضعيف ودفع حاجته بالمال؛ لذا قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [البقرة:215](3) وعلى رأس الإنفاق الزكاة الواجبة، فهي تنفرد بأنها تحقق مبدأ التكافل الاجتماعي بين الناس، فالغني بحاجة إلى الفقير، والفقير بحاجة إلى الغني(4)، وفي ذلك إسعاد الفرد والجماعة، وإشاعة الرفاه والرخاء للجميع(5).

 

 

3- الحذر من الفتنة وحماية المجتمع من الإلحاد

 

 

أخذ الله عز وجل العهد على بني آدم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس:60] فكل من يعبد غير الله يتبع خطوات الشيطان، فلا سبيل إلى عبادة الله وحده لا شريك له وتطهير المجتمع من أدران الإلحاد وعبادة غير الله إلا بترك عبادة الشيطان، قال تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل:63]. يقول الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: (ما عبدوا الشيطان بأن سجدوا للشيطان ولا ركعوا للشيطان ولا صاموا له ولا صلوا، وإنما عبادتهم للشيطان هي اتباع ما سنّ لهم من النظم والقوانين من الكفر بالله ومعاصي الله))(6). فلا سبيل لوقاية المجتمع المسلم من هذا الإلحاد الذي انتشر عبر وسائل الاتصالات الحديثة والقنوات الفضائية المغرضة إلا عن طريق نشر عقيدة التوحيد وغرس الإيمان في النفوس وتربية المجتمع عليه.

 

 

4- الرأفة والرحمة بأصحاب المعاصي:

 

 

تذكر سورة يس ما كان عليه صاحب يس من قيم وأخلاق حيث دعا قومه بكل لطف فقال: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ}، وبعدما قتلوه قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ}، قال ابن كثير نقلا عن ابن عباس رضي الله عنهما: (نصح قومه في حياته بقوله: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} وبعد مماته في قوله: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}(7). فينبغي على المسلم أن يقف على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع العصاة والمذنبين، جاء في الحديث عن تميم الداري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة)) قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))(8).

 

لقد عامل النبي -صلى الله عليه وسلم- العصاة بكل رفق ورحمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسكران، فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا من يضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم))(9). قال ابن حجر: (وجه عونهم الشيطان بذلك أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي، فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان، ويستفاد من ذلك منع الدعاء على العاصي بالإبعاد عن رحمة الله كاللعن)(10).

 


اكبر مجموعة فواصل لتزيين الموضوع2021,فواصل جديد ومختلفه لتزيين موضوعك2021,ا

 

المبحث الثالث: المضامين التربوية السلوكية

 

 

1- القسم للأمر العظيم

 

 

أقسم الله -عز وجل- في أول سورة يس بالقرآن الكريم على صحة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم {يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} جاء في تفسير البغوي: (أقسم الله بالقرآن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: {لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43](1). والآية تشير إلى تعظيم الأيمان، وألا يحلف المسلم على أتفه الأسباب وأهون الأمور، يقول الشيخ أبو زهرة: (ومن لا يصون يمينه لا يبر بها بل يقع في الحنث الكثير، وقد يكفر وربما لا يكفر، ومن يعرض اليمين في القليل والكثير والعظيم والحقير من الأمور لا يكون متقيًا لله)(2).

 

 

2- التلطف والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة

 

 

خاطب صاحب يس قومه بقوله {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا} يقول الشيخ الطنطاوي: (قال لقومه على سبيل الإرشاد والنصح: يا قوم اتبعوا المرسلين الذين جاؤوا لهدايتكم إلى الصراط المستقيم، ولإنقاذكم من الضلال المبين الذي انغمستم فيه)(3). ولا يخفى ما في قوله {يا قوم} من التلطف في القول واللين في الكلام، وهو أدلُّ على النصح لهم والإشفاق عليهم، وأقرب إلى صرفهم عن طريق الضلال والإضلال، وهو مسلك تربويّ نبوي حكيم لا يرى ألطف ولا أحكم ولا أعدل مدخلا منه إلى النفس، قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب الرفق في الأمر كله))(4).

 

3- الحرص على هداية الناس:

 

{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس:30] قال مجاهد: (يا ندامة عليهم في الآخرة باستهزائهم بالرسل في الدنيا!)(5) والمعنى: يا حسرة الرسل والملائكة على العباد(6)، وسبب التحسر استهزاؤهم بالرسل وتكذيبهم إياهم، وفيه إشارة إلى شفقة الداعية وحرصه على هداية الخلق وإرشاد الحيارى، وأن يطرق كل باب ويبذل كل جهد من أجل هدايتهم، وألا ييأس في سبيل إنقاذهم من عذاب الله في الآخرة، وفي الحديث: ((لأن يهدَى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم))(7).

 

 

4- شكر المنعم على نعمه

 

 

ذكر الله عز وجل نعمه على عباده في موضعين من سورة يس، وأنكر على المشركين عدم شكر الله -عز وجل- على هذه النعم فقال: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (34) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} قال ابن عاشور: (والاستفهام: إنكار وتعجب من عدم رؤيتهم شواهد النعمة)(8) ، والمعنى: (فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم من هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى)(9) ، يقول البيضاوي: ({أَفَلَا يَشْكُرُونَ} أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه)(10). ولا يخفى أن الشكر على ثلاثة أنواع، قال النيسابوري: (وهو على ثلاث منازل: شكر القلب وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها والثناء على مسديها، قال الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11]، وشكر العمل وهو إِدْآبُ النفس بالطاعة، قال الله سبحانه: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: (أفادتكم النعماء مني ثلاثة ...... يدي ولساني والضمير المحجبا)(11).

 

 

5- التوكل على الله والتسليم له

 

 

قال الله عز وجل: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، في هذه الآية (يبين تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: كن -أي مرةً واحدةً- فيكون، أي فيوجد على وفق ما أراد كما قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] وقال تعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، وقال تعالى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50]، وقال الشاعر:

 

(إذا ما أراد الله أمرًا فإنما .... يقول له "كن" قولةً فيكون)(12).

 

فإذا كان أمر الله نافذًا فلا ينافي الأخذ بالأسباب لكوننا أمرنا بالتماسها، فأمر الله فوق كل أمر، فنأخذ بالأسباب ونعتقد اعتقادًا جازمًا أن أمر الله نافذ، وهذا هو التوكل على الله والاعتماد عليه والتسليم له، يقول ابن رجب الحنبلي: (وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه)(13).

 

 

6- كتابة الأثر تدفع الإنسان إلى ترك الأثر الطيب:

 

 

إذا أدرك الإنسان أن أثره يكتب بعده اجتهد في ترك الأثر الصالح، قال ابن كثير عند قوله تعالى {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}: (وفي قوله {وآثارهم} قولان: أحدهما نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أَثَرُوهَا مِن بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر كقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن يَنقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ))(14). والقول الثاني أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية، وقد ورد في هذا المعنى حديث جابر بن عبد الله قال: (خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ((إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد))، قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: ((يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم))(15).

 

وفي الآية إشارة إلى أن الإنسان يستطيع أن يطيل من عمر نفسه وأن تكون له حياة بعد الموت، وذلك بأن يترك بعده أثرًا طيبًا، وقد أرشدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بعض هذه الآثار بقوله: ((إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له))(16).

 

 

7- التسبيح والذكر من العبادات المهمة

 

 

ختم الله عز وجل سورة يس بقوله {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ،} وهذا يناسب ما ذكره الله -عز وجل- في السورة من الآيات الدالة على عظيم صنعه وقدرته، قال في أضواء البيان: (ومن قدرته على كل شيء وتصريفه لأمور ملكه كيف يشاء أن جعل العالم كله يسبح له بحمده تنفيذًا لحكمةٍ فيه كما في قوله: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70]، فجمع الحمد والحكم معًا لجلالة قدرته وكمال صفاته)(17). وقد أخبر أن الملأ الأعلى مشغولون بهذه العبادة العظيمة عبادة التسبيح، قال تعالى: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] وقد أمر الله نبيه بالتسبيح في مواطن متفرقة، منها قوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [الطور: 49] فحريٌّ بالمؤمن أن يكون حريصًا على عبادة التسبيح لما تنطوي عليه من أسرار ولما لها من فوائد في تهذيب النفس وغرس اليقين وتعظيم الخالق عز وجل.

 

 

8- الإصرار على الباطل من شأن الكافرين:

 

 

قال الله عز وجل: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُون} [يس:7] أي (وجب العذاب على أكثرهم)(18) بسبب إصرارهم الاختياري على الكفر والإنكار، وعدم تأثرهم من التذكير والإنذار وغلوهم في العتو والطغيان، وتماديهم في اتباع خطوات الشيطان بحيث لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف(19)، وإنما حق عليهم القول بعد أن عرض عليهم الحق فرفضوه(20)؛ ففي الآية تهديد الكافرين بسوء العاقبة، وأن الله قد مضى حكمه وثبت قضاؤه في أن جعل النار مصيرهم وعاقبة أمرهم، فقد وجدوا آباءهم على الباطل وأصروا على اتباعهم في باطلهم؛ لهذا فإن المسلم مأمور أن يفكر ويعمل عقله ويتبع الحجة والبرهان.

 

 


اكبر مجموعة فواصل لتزيين الموضوع2021,فواصل جديد ومختلفه لتزيين موضوعك2021,ا


أخيرًا لا بُدَّ أن أشير إلى ما يلي:

 

1- على الباحثين في المجال الشرعي والدعاة والعلماء أن يُعنَوا بنشر التحليل التربوي ونتائجه؛ كي ينتقل الناس من مرحلة القراءة المجردة لآيات القرآن الكريم إلى مرحلة الوعي والإدراك لما تحتويه من معانٍ وتربية وأحكام. 

 

2- صياغة المناهج التعليمية على ضوء ما تحتويه العلوم من مضامين تربوية ليظهر أثر العلم في سلوك المتعلم. 

 

3- تقعيد علم التحليل التربوي على ضوء الثوابت في الشرع والتربية واللغة.

عامر  خطاب
رابطة العلماء السوريين


المضامين التربوية في سورة يس (3)

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:

1- قال الله تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أضاف تنزيلَ القُرآنِ إلى هذينِ الاسمَينِ: الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ إشارةً إلى وُجوبِ العَمَلِ بما جاء في القُرآنِ، وأنَّ مَن لم يَعمَلْ به فإنَّ أمامَه العزيزَ الَّذي يأخُذُ أخْذَ عزيزٍ مُقتَدِرٍ. والرَّحِيمِ إشارةٌ إلى أنَّ هذا القرآنَ إنزالُه مِن مُقتضى رحمتِه سُبحانَه وتعالى بخَلقِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى ما رَحِمَ خَلْقَه رحمةً أعظَمَ مِن إنزالِ القُرآنِ الكريمِ؛ لأنَّ به الحياةَ القَلبيَّةَ والبَدَنيَّةَ، والفَرديَّةَ والاجتماعيَّةَ؛ ففي الآيةِ تهديدٌ لِلَّذين يُخالِفونَ هذا القُرآنَ بأنَّه نَزَل مِن عندِ عزيزٍ يَنتَقِمُ ممَّن خالَفه، وإشارةٌ إلى أنَّ هذا القُرآنَ مِن مُقتضَى رحمتِه سُبحانَه وتعالى
.
2- قال الله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ تقومُ حُجَّةُ اللهِ على العَبدِ أوَّلًا، ويَعمَلُ هو -كاسِبًا ومُكتَسِبًا- باختيارِه ثانيًا، ويَظهَرُ لنا ما سَبَق مِن عِلمِ اللهِ فيه بعدَ أنِ اختار ما اختار ثالثًا؛ ولهذا قُدِّمَت النِّذارةُ وما يَرتَبِطُ بها على هذه الآيةِ: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّتي فيها بيانُ ما سبَقَ مِن عِلمِ اللهِ فيهم؛ فاللهُ سُبحانَه لم يُجازِ الخَلْقَ على مُقتضى عِلمِه فيهم -وهو العِلمُ الَّذي لا يتخلَّفُ- وإنَّما جعَلَ جزاءَهم على أعمالِهم؛ فهذا تعليمٌ لنا كيف تكونُ مُعامَلتُنا بعضِنا لبعضٍ، فلا نُجازي على مُجرَّدِ الظَّنِّ، بل ولا على مُجرَّدِ اليَقينِ، وإنَّما تكونُ المُجازاةُ بعدَ صُدورِ الأعمالِ؛ فرُبَّ شَخصٍ قَدَّرْتَ فيه الخيرَ أو الشَّرَّ، ففعَلَ ضِدَّ ما قدَّرْتَ! فلو جازَيْتَه قبْلَ الفِعلِ لَما طابقَ جزاؤُك مَوضِعَه، ولَنالَ كُلٌّ ما لا يَستحِقُّه؛ فالحِكمةُ والعَدلُ والمصلحةُ في رَبطِ المُجازاةِ بالأعمالِ، وهذا ما كان مِنَ اللهِ في مُجازاةِ خَلقِه، وهذا ما يَنبغي أن نَربِطَ به المُجازاةَ بيْنَنا .
3- في قولِه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا وقولِه: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا ترهيبٌ؛ فإنَّ كُلَّ ما دعا إليه الإسلامُ مِن عقائِدَ وأخلاقٍ وأعمالٍ: فهو ممَّا تَقْبَلُه الفِطَرُ السَّليمةُ، وتُدرِكُه العقولُ بالنَّظَرِ الصَّحيحِ، فمَن قابَلَ دعوةَ الإسلامِ بالإعراضِ والعِنادِ، وخالَف فِطرتَه، وعاكَسَ عقْلَه؛ كان حقيقًا بهذا العِقابِ الشَّديدِ مِن طَمسِ البصيرةِ، والطَّبعِ على القَلبِ؛ فذَكَر اللهُ لنا هذه العُقوبةَ بهذا التَّمثيلِ البَليغِ الَّذي صَوَّرَها في أبشَعِ صُورةٍ وأفْظَعِها -على قولٍ-؛ لِيُحَذِّرَنا مِن الإعراضِ عن الحَقِّ والعِنادِ له، ويُخَوِّفَنا بعاقبةِ ذلك على أهلِه .
4- في قَولِه تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ تحذيرُ الإنسانِ إذا لم يَنفتِحْ له بابُ الهدَى أن يكونَ مِن جِنْسِ أولئك، فإذا رأى الإنسانُ مِن نفْسِه أنَّه قد حِيلَ بيْنَه وبيْنَ الهدى، وصار لا يُبصِرُ الحقَّ؛ فلْيَعْلَمْ أنَّه على خطَرٍ، ولْيَتدارَكِ الأمرَ .
5- في قَولِه تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ يَذكُرُ سُبحانَه وتعالى حالةَ هؤلاء الَّذين استوَى عندَهم الشَّيءُ وضِدُّه؛ يُحَذِّرُنا منها، وممَّا يؤدِّي إليها مِن إهمالِ الفِطرةِ، وتَركِ النَّظَرِ؛ فإنَّ الإنسانَ إنَّما يَمتازُ على بقيَّةِ الحيوانِ بتَمييزِه بينَ الحقائقِ بالفِطرةِ والفِكرةِ، وإدراكِه الفوارِقَ ما بيْنَها؛ فإذا سُلِبَ هذه المَزيَّةَ الْتَحَقَ بالعَجْماواتِ، بل كانت العَجْماواتُ خيرًا منه؛ لِبَقاءِ فِطرتِها سليمةً لإدراكِ ما فيها استِعدادٌ لإدراكِه !
6- في قَولِه تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ بيانُ عُلُوِّ مَرتبةِ الدَّعوةِ إلى اللهِ، والهدايةِ إلى سَبيلِه بكُلِّ وَسيلةٍ وطريقٍ مُوصِلٍ إلى ذلك؛ ونزولِ دَرجةِ الدَّاعي إلى الشَّرِّ؛ الإمامِ فيه، وأنَّه أسفَلُ الخليقةِ، وأشَدُّهم جُرمًا، وأعظَمُهم إثمًا .
7- في قَولِه تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ الحَثُّ على المَشيِ للمساجدِ، وأنَّ الأبعَدَ فالأبعَدَ مِن المسجِدِ أكثرُ أجرًا -كما في حديثِ قِصَّةِ بني سَلِمةَ حينَ أرادوا النُّقلةَ إلى قُربِ المسجدِ - وأنَّ الأجرَ على قَدرِ المشَقَّةِ .
8- قال الله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ على العاقِلِ -وقد عَلِمَ أنَّه محاسَبٌ على أفعالِه وعلى آثارِ أقوالِه- ألَّا يَفعَلَ فِعلًا ولا يقولَ قَولًا حتَّى يَنظُرَ في عواقِبِه؛ فقد تكونُ تلك العواقِبُ أضَرَّ عليه مِن أصلِ القَولِ وأصلِ الفِعلِ؛ فقد يقولُ القَولَ مَرَّةً، ويَفعلُ الفِعلَ مَرَّةً، ثمَّ يَقتدي به فيه آلافٌ عديدةٌ في أزمنةٍ مُتطاوِلةٍ !
9- في قَولِه تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ أنَّه سُبحانَه قد أحاط بكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، فهو غِنيٌّ بعِلمِه عن هذه الكتابةِ، ولكِنَّه جَعَل هذا الكِتابَ إظهارًا لِعَظَمةِ مُلكِه، ولِيَعلمَ عبادُه الضَّبطَ والإحصاءَ في جميعِ أمورِهم، ولِيُبالِغوا في مُحاسَبةِ أنفُسِهم، ولِيَعلَموا أنَّ ما أصابَهم لم يَكُنْ لِيُخطِئَهم، وما أخطأَهم لم يكُنْ لِيُصيبَهم؛ فيَزولَ مِن قُلوبِهم الخَوفُ مِن الحوادِثِ والمخلوقاتِ، وتَعظُمَ ثِقتُهم باللهِ، وفي ذلك أعظَمُ قُوَّةٍ في هذه الحياةِ، وأكبَرُ راحةٍ للقَلبِ مِن صُروفِها
.


الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:


1- هذا القُرآنُ الَّذي أعجَزَ البشَرَ لم يكُنْ بِدْعًا مِن لِسانِهم، وإنَّما مِن الحُروفِ الَّتي يُرَكِّبونَ منها كَلامَهم؛ يُشيرُ إلى هذا قولُه تعالى: يس؛ ولهذا لا تأتي هذه الحُروفُ الهِجائيَّةُ في أوَّلِ السُّورةِ إلَّا وَجَدْتَ بعدَها ذِكرَ القُرآنِ في الغالِبِ
؛ فهذه حروفُ تَعجيزٍ وإفحامٍ وتَقريعٍ؛ لأنَّ القُرآنَ الَّذي عَجَزوا عن مُعارَضتِه مِن هذه الحُروفِ وأخَواتِها؛ فمنه تركَّبَت كَلِماتُه، فكأنَّما يُقالُ لهم: «ما هذا الَّذي عجَزتُم عنه إلَّا كلامٌ مِن جِنسِ كلامِكم، وما رُكِّبَت كَلِماتُه إلَّا مِمَّا رُكِّبَت منه كَلِماتُكم»، وهذا لِعَجزِهم أفضَحُ، ولِتَقريعِهم أوجَعُ .
2- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ عَظَمةُ القرآنِ العظيمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقسَمَ به، ولا يُقسِمُ إلَّا بشيءٍ مُعَظَّمٍ، والقرآنُ الكريمُ عَظيمٌ في نفسِه .
3- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تأكيدُ الخبرِ الهامِّ -وإنْ لم يَكُنِ المخاطَبُ مُنْكِرًا-؛ لأنَّ اللهَ سُبحانَه هنا يُخْبِرُ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ والمؤمنينَ، وهم لا يُنْكِرونَ ذلك؛ لكِنْ لأهمِّيَّتِه أَكَّد .
4- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ اتِّصالٌ لا يخفَى بيْنَ المقسَمِ به -وهو القُرآنُ الحكيمُ-، وبيْن المُقسَمِ عليه -وهو رِسالةُ الرَّسولِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-، وأنَّه لو لم يكُنْ لرِسالتِه دَليلٌ ولا شاهِدٌ إلَّا هذا القرآنُ الحَكيمُ، لَكفَى به دَليلًا وشاهِدًا على رسالةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، بل القُرآنُ العظيمُ أقوى الأدِلَّةِ المتَّصِلةِ المُستَمِرَّةِ على رِسالةِ الرَّسولِ؛ فأدِلَّةُ القُرآنِ كُلُّها أدلَّةٌ لرِسالةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم .
5- في قَولِه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ العنايةُ بإثباتِ رسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ لأنَّ اللهَ تعالى أقسَمَ عليها، وأكَّدها زيادةً على القَسَمِ بـإنَّ واللَّامِ .
6- في قَولِه تعالى: عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ معنًى لطيفٌ يُعلَمُ منه فَسادُ قَولِ المُباحيَّةِ الَّذين يقولون: المكَلَّفُ يصيرُ واصِلًا إلى الحَقِّ، فلا يَبقَى عليه تكليفٌ! وذلك مِن حيثُ إنَّ اللهَ بيَّن أنَّ المُرسَلينَ ما داموا في الدُّنيا فهم سالِكونَ سائِحونَ مُهتَدون مُنتَهِجون إلى السَّبيلِ المُستَقيمِ؛ فكيف ذلك الجاهِلُ العاجِزُ ؟!
7- قال عز وجل: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ أنَّ القرآنَ مُنَزَّلٌ -يعني يَنْزِلُ شيئًا فشيئًا-، كما قال تعالى: وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء: 106] فإنه يَنْزِلُ شيئًا فشيئًا، ويُعَبَّرُ أحيانًا عن القرآنِ بأنه أُنْزِلَ باعتبارِ نهايتِه، فإنَّه باعتبارِ النِّهايةِ يكونُ نَزَل كلُّه؛ وباعتبارِ التَّدريجِ في تنزيلِه يكونُ مُنَزَّلًا .
8- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ إثباتُ عُلُوِّ اللهِ؛ فالنُّزولُ لا يكونُ إلَّا مِن أعلَى .
9- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ تنبيهٌ على أنَّ هذا الدِّينَ الَّذي نزَّله الرَّبُّ الموصوفُ بالعِزَّةِ والرَّحمةِ: هو دينُ عِزَّةٍ ورحمةٍ، ومِن مُقتضى العِزَّةِ: القُوَّةُ والمَنَعةُ والرِّفعةُ، ومِن مُقتضى الرَّحمةِ: الفَضلُ والخيرُ والمصلحةُ، وهذه كُلُّها مُتجلِّيةٌ في أحكامِ الإسلامِ .
10- في قَولِه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أنَّ القُرآنَ، بل الشَّرعَ كلَّه: مِن آثارِ رحمةِ اللهِ .
11- قد دلَّ استِقراءُ القرآنِ العظيمِ على أنَّ اللهَ جلَّ وعلا إذا ذكَرَ تنزيلَه لكِتابِه، أتْبَعَ ذلك ببعضِ أسمائِه الحسنى، المُتَضَمِّنةِ صِفاتِه العُلْيا؛ ففي أوَّلِ سورةِ (الزُّمَرِ) و(الجاثيةِ) و(الأحقافِ) قال تعالى: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الزمر: 1] [الجاثية: 2] [الأحقاف: 2] ، فلمَّا ذكَرَ تنزيلَه كتابَه، بيَّن أنَّ مَبدأَ تنزيلِه كائنٌ منه جلَّ وعلا، وذكَرَ اسمَه اللهَ، واسمَه العزيزَ، والحكيمَ، وقد تكرَّر كثيرًا في القرآنِ ذِكْرُه بعضَ أسمائِه وصِفاتِه بعدَ ذِكرِ تنزيلِ القرآنِ العظيمِ؛ كقولِه في أوَّلِ سورةِ (غافرٍ): حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر: 1 - 3] ، وقولِه تعالى في أوَّلِ (فُصِّلَتْ): حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت: 1، 2]، وقولِه تعالى في أوَّلِ (هُودٍ): الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1]، وقولِه في (فُصِّلَتْ): وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 41، 42]، وقولِه تعالى في صدرِ (يس): تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، وقولِه تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ الآيةَ [الشعراء: 192، 193]، وقولِه تعالى: تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ الآيةَ [الحاقة: 43، 44]. ولا يَخفى أنَّ ذِكْرَه جلَّ وعلا هذه الأسماءَ الحُسْنى العظيمةَ، بعدَ ذِكرِه تنزيلَ هذا القرآنِ العظيمِ، يدُلُّ بإيضاحٍ على عَظَمةِ القرآنِ العظيمِ، وجلالةِ شأنِه، وأهمِّيَّةِ نُزولِه .
12- في قَولِه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ أنَّ الأمَّةَ الَّتي بُعِثَ فيها محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم تكُنْ عندَها نِذارةٌ الْبَتَّةَ مِن أحدٍ ، ولا يُعارِضُ هذا بعْثَ الأنبياءِ المتقدِّمينَ؛ فإنَّ هؤلاءِ القومَ لم يُدرِكوهم ولا آباؤُهم الأقرَبونَ .
13- قولُه تعالَى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ يَعني بهم العربَ، وذِكرُهم وَحْدَهم لا يَنفي إرسالَه إلى مَن عَداهم كما زعَمَه بَعضُ النَّصارى، كما أنَّ ذِكرَ بَعضِ الأفرادِ لا ينفي العُمومَ؛ فقد دلَّتِ الآياتُ والأحاديثُ المتواتِرةُ على عُمومِ بَعثتِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه .
14- في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حُجَّةٌ على المُعتَزلةِ والقَدَريَّةِ، والمرادُ بـ الْقَوْلُ: القولُ الَّذي قال -واللهُ أعلَمُ-: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة: 13]، وقال على إثْرِه ما أزال به كُلَّ رَيبٍ، وكشَفَ كلَّ لُبسةٍ، فقال: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، أفَليس قد أخبَرَ نصًّا أنَّه حالَ بيْنَهم وبيْنَ الإيمانِ والجَنَّةِ بهذه الموانعِ الَّتي ذَكَرها؟! وهل ترَكَ مُتعَلَّقًا للقومِ بعدَ هذا، لولا جَهْلُهم ومُكابَرتُهم! ثمَّ أكَّدَها بتأكيدٍ ثانٍ، فقال: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ !
15- في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أنَّ أكثَرَ النَّاسِ هم مِن أهلِ جَهنَّمَ .
16- في قَولِه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ سؤالٌ: هل لِمَن مات على كُفرِه حُجَّةٌ بما سبَقَ مِن عِلمِ الله فيه؟
الجوابُ: أنَّ حُجَّةَ الله قامَت على خَلقِه بما ركَّب فيهم مِن عَقلٍ، وما مكَّنَهم مِن اختيارٍ، وما نصَبَ لهم مِن آياتٍ مُشاهَداتٍ، وما أرسَل إليهم مِن رُسُلٍ بآياتٍ بَيِّناتٍ، وهذه كُلُّها أمورٌ معلومةٌ لديهم، ضروريَّةٌ عندَهم، لا يَستطيعون أن يُنكِروا شيئًا منها؛ فلا يُمكِنُهم أن يَجحَدوا ما عندَهم مِن عقلٍ ومِن اختيارٍ، ولا أن يَنفُوا ما يُشاهِدونَه مِن الآياتِ في المخلوقاتِ، ولا أن يُنكِروا مجيءَ الرُّسُلِ إليهم وما تَلَوْا عليهم مِن آياتٍ، وبهذه الأشياءِ قامت حُجَّةُ الله عليهم، وكان جزاؤُهم على ما اختاروه بَعْدَها لأنفُسِهم؛ فأمَّا ما سبَق مِن عِلمِ اللهِ فهو أمرٌ مُغَيَّبٌ عنهم، غيرُ مؤثِّرٍ فيهم؛ لأنَّ العِلمَ ليس مِن صفاتِ التَّأثيرِ، ولا دافِعَ لهم؛ فليس لهم أن يَحتجُّوا به لأنفُسِهم؛ لأنَّهم لم يَعمَلوا لأجْلِه، كيف وهو مُغَيَّبٌ منهم؟! وإنَّما عَمِلوا باختيارِهم الَّذي يَجِدونه بالضَّرورةِ مِن أنفُسِهم .
17- في قَولِه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ أنَّ مِن بلاغةِ القرآنِ الكريمِ تمثيلَ المعقولِ بالمحسوسِ ، على أحدِ القولينِ في التَّفسيرِ.
18- قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، إنَّ مانعَ الإيمانِ: إمَّا أنْ يكونَ في النَّفْسِ، وإمَّا أنْ يكونَ خارجًا عنها، ولهمُ المانعانِ جميعًا: أمَّا في النَّفْسِ فالغُلُّ، وأمَّا مِن الخارجِ فالسَّدُّ، فلا يَقَعُ نظَرُهم على أنفُسِهم فيَرَوُا الآياتِ الَّتي في أنفُسِهم -لأنَّ المُقمَحَ لا يَرى نفْسَه-، ولا يقَعُ نظَرُهم على الآفاقِ؛ لأنَّ مَن بيْنَ السَّدَّينِ لا يُبصِرون الآفاقَ، فلا تَتبيَّنُ لهم الآياتُ ، على قولٍ.
19- قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، وقال تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7] ، وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [النحل: 108] هذا الطَّبعُ والخَتمُ على القُلوبِ، وكذلك الأغلالُ في الأعناقِ، والسَّدُّ مِن بيْنِ أيديهم ومِن خَلفِهم، وجميعُ تلك الموانعِ المانِعةِ مِن الإيمانِ ووُصولِ الخَيرِ إلى القُلوبِ: إنَّما جعَلَها اللهُ عليهم بسَبَبِ مُسارَعتِهم لتكذيبِ الرُّسُلِ، والتَّمادي على الكُفرِ؛ فعاقَبَهم اللهُ على ذلك بطَمسِ البصائرِ، والخَتمِ على القُلوبِ، والطَّبعِ عليها، والغِشاوةِ على الأبصارِ؛ لأنَّ مِن شُؤمِ السَّيِّئاتِ أنَّ اللهَ جلَّ وعلا يُعاقِبُ صاحِبَها عليها: بتماديه على الشَّرِّ، والحَيلولةِ بيْنَه وبيْنَ الخَيرِ؛ جزاه اللهُ بذلك على كُفرِه جَزاءً وِفاقًا ، على قولٍ.
20- في قَولِه تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ سؤالٌ: أنَّه إذا كان الإنذارُ وعَدَمُه سواءً؛ فلماذا الإنذارُ؟
الجوابُ مِن جِهتين:
الأُولى: أنَّه تعالى قال: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ وما قال: «سواءٌ عليك»؛ فالإنذارُ بالنِّسبةِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم ليس كعَدَمِ الإنذارِ؛ لأنَّ أحَدَهما مُخرِجٌ له عن العُهدةِ، وسَبَبٌ في زيادةِ سيادتِه عاجِلًا، وسعادتِه آجِلًا، وأمَّا بالنِّسبةِ إليهم فعلى السَّواءِ .
الثَّانية: أنَّ فائدةَ الإنذارِ إقامةُ الحُجَّةِ عليهم حتَّى يُعذَّبوا بذنوبِهم، لا بمُجرَّدِ عِلمِ الله فيهم .
21- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ صِحَّةُ نَفيِ الشَّيءِ إذا كان لا يُنتفَعُ به، وإن كان موجودًا؛ فإنَّ إنذارَه لغيرِهم حاصِلٌ، لكِنْ لَمَّا لم يَنتَفِعوا به صار وُجودُه كالعَدَمِ بالنِّسبةِ لهم، أمَّا المُنذِرُ فقد قام بما يجِبُ عليه .
22- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ سؤالٌ: أنَّ الآيةَ ظاهِرُها خُصوصُ الإنذارِ بالمُنتفِعينَ به، ونظيرُها قَولُه تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا [النازعات: 45] ، وقد جاءت آياتٌ أُخَرُ تدُلُّ على عمومِ الإنذارِ، كقَولِه تعالى: وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا [مريم: 97] ، وقَولِه: لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1] ، وقَولِه: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى [الليل: 14] ، فكيف الجَمْعُ؟
الجوابُ: أنَّ الإنذارَ في الحقيقةِ عامٌّ، وإنَّما خُصَّ في بعضِ الآياتِ بالمؤمِنينَ؛ لبيانِ أنَّهم هم المنتَفِعونَ به دونَ غَيرِهم، كما قال تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55]، وبيَّن أنَّ الإنذارَ وعَدَمَه سواءٌ بالنِّسبةِ إلى إيمانِ الأشقياءِ، بقَولِه: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [البقرة: 6] .
23- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ أنَّه كُلَّما كان الإنسانُ أتْبَعَ للقُرآنِ كان أشَدَّ تأثُّرًا به، وبهذا نَعرِفُ القاعِدةَ الَّتي ذَكَرها بعضُ العُلماءِ: «الطَّاعةُ تَجلِبُ الطَّاعةَ، والمعصيةُ تَجلِبُ المعصيةَ» .
24- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ذُكِرَت الخَشيةُ بعدَ الاتِّباعِ؛ لأنَّها لا تَحصُلُ إلَّا به .
25- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ أنَّه لا يَنتَفِعُ مِن إنذارِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَّا مَنِ اتَّصَفَ بهذَينِ الوصفَينِ .
26- قَولُه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ فيه لطيفةٌ: وهي أنَّ الرَّحمةَ تُورِثُ الاتِّكالَ والرَّجاءَ، فقال: مع أنَّه رحمنٌ ورحيمٌ فالعاقِلُ لا ينبغي أن يَترُكَ الخَشيةَ؛ فإنَّ كُلَّ مَن كانت نِعمتُه بسببِ رحمتِه أكثَرَ، فالخَوفُ منه أتَمُّ؛ مَخافةَ أن يَقطَعَ عنه النِّعَمَ المتواتِرةَ. وتَكملةُ اللَّطيفةِ: هي أنَّ مِن أسماءِ الله اسمَينِ يَختصَّانِ به؛ هما اللهُ والرَّحمنُ، كما قال تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ [الإسراء: 110] ، حتى قال بعضُ الأئِمَّةِ: هما عَلَمانِ. إذا عرَفْتَ هذا فاللهُ اسمٌ يُنبئُ عن الهَيبةِ، والرَّحمنُ يُنبئُ عن الرَّحمةِ، فقال في موضِعٍ: يَرْجُو اللَّهَ [الأحزاب: 21] [الممتحنة: 6] ، وقال هاهنا: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ؛ يعني: مع كَونِه ذا هَيبةٍ لا تَقطَعوا عنه رجاءَكم، ومع كَونِه ذا رحمةٍ لا تأمَنوه .
27- في قَولِه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ التَّعبيرُ بوَصفِ «الرحمن» دونَ اسمِ الجَلالةِ؛ لِوَجهينِ:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ المُشرِكينَ كانوا يُنكِرونَ اسمَ «الرحمن» كما قال تعالى: قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ [الفرقان: 60] .
الوَجهُ الثَّاني: الإشارةُ إلى أنَّ رَحمتَه لا تَقْتَضي عدَمَ خَشيتِه؛ فالمؤمِنُ يخشَى اللهَ مع عِلمِه برَحمتِه؛ فهو يرجو الرَّحمةَ ، وكلَّما عَظُمَتْ خشيتُك للهِ عَظُمَت رحمةُ اللهِ بك؛ لأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ إذا خافه الإنسانُ وخشِيَه فإنَّه يَرحمُه؛ لأنَّه ما مِن إنسانٍ يخشَى اللهَ حقيقةً إلَّا سيَقومُ بأوامِرِه، ويَجتَنِبُ نواهيَه، وحينَئذٍ يكونُ مُتَعَرِّضًا للرَّحمةِ .
28- في قَولِه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ أنَّ الخشيةَ إنَّما تكونُ خشيةً حقيقيَّةً إذا كانت بالغَيبِ، أمَّا مَن خَشِيَ اللهَ تعالى بالعلانيةِ فقد تكونُ خشيتُه مَدخولةً؛ قد يَكونُ خَشِيَ اللهَ عزَّ وجلَّ مِن أجْلِ أنَّ الناسَ يَرَوْنَه! لكنْ إذا كان بالغَيبِ كان أَدَلَّ على الإخلاصِ ، وذلك على قولٍ في التَّفسيرِ.
29- في قَولِه تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ هل تَنطَبِقُ هذه البِشارةُ على كلِّ واحدٍ بعَينِه ممَّنِ اتَّصَفَ بهذَينِ الوصفَينِ: اتِّباعِ الذِّكْرِ، وخشيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالغَيبِ؟
الجوابُ: لا، بل هي على سَبيلِ العمومِ، وكلُّ شَخصٍ اتَّصَفَ بما تَثبُتُ به الجنَّةُ على سبيلِ العُمومِ فإنَّنا لا نَشهَدُ له بعَينِه، ولكن يُرجَى له ذلك؛ لأنَّه في الظَّاهرِ قد انطبَقَ عليه سبَبُ الاستِحقاقِ، لكِنِ الباطِنُ لا نَعلَمُه ، ولا نَدري ما يُختَمُ له به.
30- في قَولِه تعالى: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ أنَّ البِشارةَ تكونُ بانتِفاءِ ما يُكْرَهُ، وبحُصولِ ما يُحَبُّ، سواءٌ حَصَل الأمْران معًا، أو حَصَل أحدُهما؛ فقولُه: بِمَغْفِرَةٍ فيه انتفاءُ ما يُكْرَهُ، وقولُه: وَأَجْرٍ كَرِيمٍ فيه حُصولُ محبوبٍ .
31- قَولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى فيه إشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى يُحيي قَلْبَ مَن يَشاءُ مِنَ الكُفَّارِ الَّذين قد ماتت قُلوبُهم بالضَّلالةِ، فيَهديهم بعدَ ذلك إلى الحَقِّ، كما قال تعالى بعدَ ذِكرِ قَسوةِ القُلوبِ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد: 17] ، ووَجْهُ الدَّلالةِ: أنَّ اللهَ تعالى ذَكَر هذا بعدَ أنْ ذَكَر انقِسامَ النَّاسِ إلى: مَن يَخشَى اللهَ بالغَيبِ ويَتَّبِعُ الذِّكْرَ، ومَن لم يَكُنْ كذلكَ؛ ففيه إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ قادِرٌ على أنْ يَرُدَّ هؤلاء إلى الحَقِّ .
32- في قَولِه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ أنَّ اللهَ تعالى يَذكُرُ نفْسَه أحيانًا بصيغةِ العَظَمةِ، ومِثلُه قَولُه تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر: 1] ، وقولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: 9] ، وأحيانًا يَذكُرُ نَفْسَه بصيغةِ الواحدِ، مِثلُ: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، ووَجهُ ذلك: أنَّه واحدٌ عظيمٌ؛ فباعتبارِ الصِّفةِ يأتي ضميرُ العَظَمةِ، وباعتبارِ الوَحدانيَّةِ يأتي ضميرُ الواحِدِ .
33- في قَولِه تعالى: مَا قَدَّمُوا أنَّ اللهَ تعالى يَكتُبُ كلَّ شيءٍ -القليلَ والكثيرَ-؛ فإنَّ «ما» اسمٌ موصولٌ، والاسمُ الموصولُ يَشْملُ الصَّغيرَ والكبيرَ، ويدُلُّ لذلك قولُه تعالى: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا [الكهف: 49] ، ويدُلُّ عليه أيضًا في آخرِ الآيةِ: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ .
34- في قَولِه تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ حُجَّةٌ على المعتزلةِ والقَدَريَّةِ؛ إذِ الإيمانُ والكفرُ والخَيرُ والشَّرُّ شَيءٌ كلُّه، فإذا كان مُحصًى في كتابِه قبْلَ الفِعلِ، فهل يَجري الفِعلُ إلَّا عليه

؟! وذلك على القولِ بأنَّ الإمامَ هو اللَّوحُ المحفوظُ.


بلاغةُ الآياتِ:


1- قولُه تعالى: وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ القَسَمُ بالقُرآنِ كِنايةٌ عن شَرَفِ قَدْرِه وتَعظيمِه عندَ اللهِ تعالى، وذلك هو المقصودُ مِن الآياتِ الأُوَلِ مِن هذه السُّورةِ، والمقصودُ مِن هذا القسَمِ تأْكيدُ الخبَرِ مع ذلك التَّنويهِ
.
- وفي تَخصيصِ القُرآنِ بالإقسامِ به أوَّلًا، وبوَصفِه بـ الْحَكِيمِ ثانيًا: تَنويهٌ بشَأْنِه، وتَنبيهٌ على أنَّه كما يَشهَدُ برِسالةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن حيثُ نَظْمُه المعجِزُ المُنطوي على بَدائعِ الحِكَمِ، يَشهَدُ بها مِن هذه الحيثيَّةِ أيضًا؛ لِمَا أنَّ الإقسامَ بالشَّيءِ استِشهادٌ به على تَحقُّقِ مَضمونِ الجُملةِ القَسَميَّةِ، وتَقويةٌ لِثُبوتِه؛ فيَكونُ شاهدًا به، ودَليلًا عليه قَطْعًا .
2- قولُه تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ تَأْكيدُ هذا الخبَرِ بالقسَمِ وحَرْفِ التَّأكيدِ، ولامِ الابتِداءِ: باعتبارِ كَونِه مُرادًا به التَّعريضُ بالمشركينَ الَّذين كذَّبوا بالرِّسالةِ؛ فهو تأْنيسٌ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتَعريضٌ بالمشركينَ؛ فالتَّأكيدُ بالنِّسبةِ إليه زِيادةُ تَقريرٍ، وبالنِّسبةِ للمعنى الكِنائيِّ لِرَدِّ إنكارِهم .
3- قولُه تعالى: عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ المقصودُ منه الإيقاظُ إلى عَظَمةِ الشَّريعةِ، وبَيانُ أنَّها أقوَمُ الشَّرائعِ وأعدَلُها، كما يُعرِبُ عنه التَّنكيرُ التَّفخيميُّ، والوَصفُ بعدَ إثباتِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُرسَلٌ كغَيرِه مِن الرُّسلِ. وعَلَى للاستِعلاءِ الَّذي هو بمَعنى التَّمكُّنِ، وليس الغرَضُ مِن الإخبارِ به عن المخاطَبِ إفادةَ كَونِه على صِراطٍ مُستقيمٍ؛ لأنَّ ذلك مَعلومٌ حُصولُه مِن الأخبارِ مِن كَونِه أحَدَ المرسَلينَ، ولكنَّ الغرَضَ الجمْعُ بيْنَ حالِ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وبيْنَ حالِ دِينِه؛ لِيَكونَ العِلمُ بأنَّ دِينَه صِراطٌ مُستقيمٌ عِلمًا مُستقلًّا لا ضِمْنيًّا .
4- قولُه تعالى: تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
- قولُه: تَنْزِيلَ مَصدرٌ بمَعنى المفعولِ؛ وعُبِّر بالتَّنزيلِ عن القُرآنِ بَيانًا لِكَمالِ عَراقتِه في كَونِه مُنزَّلًا مِن عندِ اللهِ عزَّ وجلَّ كأنَّه نفْسُ التَّنزيلِ، وإظهارًا لِفَخامتِه الإضافيَّةِ بعدَ بَيانِ فَخامتِه الذَّاتيَّةِ بوَصفِه بالحِكمةِ. وقيل: مَصدرٌ مُؤكِّدٌ لِفِعلِه المُضمَرِ، أي: نُزِّلَ تَنزيلَ العزيزِ الرَّحيمِ، على أنَّه استِئنافٌ مَسوقٌ لِبَيانِ ما ذُكِرَ مِن فَخامةِ شأْنِ القُرآنِ، وعلى كلِّ تَقديرٍ ففيهِ فَضْلُ تأْكيدٍ لِمَضمونِ الجُملةِ القَسَميَّةِ .
- وأيضًا قولُه: تَنْزِيلَ قُرِئَ بالرَّفعِ تَنْزِيلُ على أنَّه خبَرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ؛ للعِلمِ به، وهذا مِن مَواقعِ حَذْفِ المُسنَدِ إليه المُسمَّى الحذْفَ الجاريَ على مُتابَعةِ الاستِعمالِ في أمثالِه؛ وذلك أنَّ العرَبَ إذا أجْرَوا حَديثًا على شَيءٍ، ثمَّ أخبَروا عنه، الْتَزَموا حَذْفَ ضَميرِه الَّذي هو مُسنَدٌ إليه؛ إشارةً إلى التَّنويهِ به كأنَّه لا يَخْفى. وعلى قِراءةِ تَنْزِيلَ بالنَّصبِ على تَقديرِ: أعني -على وجهٍ-؛ فيَكونُ المعنى: أعني مِن قَسَمي قُرآنًا نَزَّلتُه، وتلك العِنايةُ زِيادةٌ في التَّنويهِ بشَأْنِه، وهي تُعادِلُ حَذْفَ المُسنَدِ إليه الَّذي في قِراءةِ الرَّفعِ .
- وأُضِيفَ التَّنزيلُ إلى اللهِ بعُنوانِ صِفَتيِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ لأنَّ ما اشتمَلَ عليه القرآنُ لا يَعْدو أنْ يكونَ مِن آثارِ عِزَّةِ اللهِ تعالى؛ وهو ما فيه مِن حمْلِ النَّاسِ على الحقِّ، وسُلوكِ طَريقِ الهُدى دونَ مُصانَعةٍ ولا ضَعْفٍ، مع ما فيه مِن الإنذارِ والوعيدِ على العِصيانِ والكُفرانِ، أو أنْ يكونَ مِن آثارِ رَحمتِه؛ وهو ما في القُرآنِ مِن نَصْبِ الأدلَّةِ، وتَقريبِ البعيدِ، وكَشفِ الحقائقِ للنَّاظرينَ، مع ما فيه مِن البِشارةِ للَّذين يَكونونَ عندَ مَرْضاةِ اللهِ تعالى، وذلك هو ما ورَدَ بَيانُه بعدُ إجمالًا مِن قولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس: 6] ، ثمَّ تَفصيلًا بقولِه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ [يس: 7] ، وبقولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس: 11] .
- وأيضًا في تَخصيصِ الاسمَينِ الكَريمَينِ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ المُعرِبَينِ عن الغَلَبةِ التَّامَّةِ، والرَّأفةِ العامَّةِ: حَثٌّ على الإيمانِ تَرْهيبًا وتَرْغيبًا، وإشعارٌ بأنَّ تَنزيلَه ناشئٌ عن غايةِ الرَّحمةِ، حسبَما نطَقَ به قولُه تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء: 107] .
5- قولُه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
- قولُه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ اقتُصِرَ على الإنذارِ؛ لأنَّ أوَّلَ ما ابتُدِئَ به القومُ مِن التَّبليغِ إنذارُهم جَميعًا بما تَضمَّنَته أوَّلُ سُورةٍ نَزَلَت مِن قولِه: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6، 7] الآيةَ، وما تَضمَّنَته سُورةُ (المُدثِّرِ)؛ لأنَّ القومَ جميعًا كانوا على حالةٍ لا تُرضِي اللهَ تعالى؛ فكان حالُهم يَقْتضي الإنذارَ؛ لِيُسْرِعوا إلى الإقلاعِ عن ذلك .
- وفُرِّعَ على قولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ قولُه: فَهُمْ غَافِلُونَ، أي: فتَسبَّبَ على عَدَمِ إنذارِ آبائِهم أنَّهم مُتَّصِفون بالغَفلةِ وَصْفًا ثابتًا، والغفلةُ هنا كِنايةٌ عن الإهمالِ والإعراضِ عمَّا يَحِقُّ التَّنبُّهُ إليه. وقيل: مُتعلِّقٌ بقولِه تعالى: لِتُنْذِرَ، أو بما يُفِيدُه إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس: 3]، واردٌ لِتَعليلِ إنذارِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو إرسالِه بغَفْلَتِهم المُحْوِجةِ إليهما، على أنَّ الضَّميرَ للقومِ خاصَّةً، فالمعنى: فهُمْ غافلُون عنه، أي: عمَّا أُنذِرَ آباؤهم الأقدَمونَ؛ لامتِدادِ المُدَّةِ .
6- قولُه تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ هذا تَفصيلٌ لحالِ القومِ الَّذين أُرسِلَ محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِيُنذِرَهم، فهُمْ قِسْمانِ: قِسْمٌ لم تَنفَعْ فيهم النِّذارةُ، وقِسْمٌ اتَّبَعوا الذِّكْرَ، وخافُوا اللهَ، فانْتَفَعوا بالنِّذارةِ .
- وقولُه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ جَوابُ القَسَمِ المحذوفِ، أيْ: واللهِ لقدْ ثبَتَ وتَحقَّقَ عليهم القولُ الْبَتَّةَ بسَببِ إصرارِهم على الكُفرِ والإنكارِ .
- والفاءُ في قولِه: فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ لِتَفريعِ انتفاءِ إيمانِ أكثَرِهم على القولِ الَّذي حقَّ على أكثَرِهم، والمَقولُ مَحذوفٌ؛ لِدَلالةِ تَفريعِه عليه، والتَّقديرُ: لقدْ حقَّ القولُ أنَّهم لا يُؤمِنون فهمْ لا يُؤمِنون .
7- قولُه تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
- قولُه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ يَجوزُ أنْ يكونَ تَمثيلًا؛ بأنْ شُبِّهَت حالةُ إعراضِهم عن التَّدبُّرِ في القُرآنِ ودَعوةِ الإسلامِ، والتَّأمُّلِ في حُجَجِه الواضحةِ: بحالِ قَومٍ جُعِلَت في أعناقِهم أغلالٌ غَليظةٌ تَرتفِعُ إلى أذقانِهم، فيَكونونَ كالمُقْمَحينَ، أي: الرَّافِعينَ رُؤوسَهم، الغاضِّينَ أبصارَهم، لا يَلتفِتون يَمينًا ولا شِمالًا، فلا يَنظُرون إلى شَيءٍ ممَّا حَوْلَهم؛ فتَكونَ تمثيليَّةً، وذِكرُ فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ؛ لِتَحقيقِ كَونِ الأغلالِ مَلْزوزةً -أي: واصلةً- إلى عِظامِ الأذقانِ، بحيثُ إذا أراد المغلولُ منهم الالتِفاتَ أو أنْ يُطأطِئَ رأْسَه، وجَعَه ذَقَنُه، فلازَمَ السُّكونَ، وهذه حالةُ تَخييلِ هذه الأغلالِ، وليس كلُّ الأغلالِ مِثلَ هذه الحالةِ. وهذا التَّمثيلُ قابلٌ لِتَوزيعِ أجزاءِ المُركَّبِ التَّمثيليِّ إلى تَشبيهِ كلِّ جُزءٍ مِن الحالَينِ بجُزءٍ مِن الحالةِ الأُخرى؛ بأنْ يُشبَّهَ ما في نُفوسِهم مِن النُّفورِ عن الخَيرِ بالأغلالِ، ويُشَبَّهَ إعراضُهم عن التَّأمُّلِ والإنصافِ بالإقماحِ. ويجوزُ أنْ يكونَ قولُه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا ... إلخ وَعيدًا بما سيَحُلُّ بهم يومَ القِيامةِ حينَ يُساقُون إلى جَهنَّمَ في الأغلالِ، كما أشار إليه قولُه تعالى: إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ في سُورةِ (غافرٍ) [71، 72]؛ فيَكونَ فِعلُ جَعَلْنَا مُستقبَلًا، وعُبِّرَ عنه بصِيغةِ الماضي لِتَحقيقِ وُقوعِه، كقولِه تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: 1]، أي: سنَجْعَلُ في أعناقِهم أغلالًا .
- قولُه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا في تَنكيرِ أَغْلَالًا مُبالَغةٌ في تَعظيمِها، وتَهويلِ أمْرِها .
8- قولُه تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هذا إمَّا تَتِمَّةٌ للتَّمثيلِ وتَكميلٌ له أيَّ تَكميلٍ، أي: وجَعَلْنا مع ما ذُكِرَ مِن أمامِهم سَدًّا عظيمًا، ومِن ورائِهم سَدًّا كذلك، فغطَّيْنا بها أبصارَهم؛ فهمْ بسَببِ ذلك لا يَقدِرونَ على إبصارِ شَيءٍ ما أصلًا. وإمَّا تَمثيلٌ مُستقِلٌّ؛ فإنَّ ما ذُكِرَ مِن جَعلِهم مَحصورينَ بيْنَ سَدَّينِ هائلَينِ قد غطَّيَا أبصارَهم بحيث لا يُبصِرون شيئًا قطعًا؛ كافٍ في الكَشفِ عن كَمالِ فَظاعةِ حالِهم، وكونِهم مَحبوسينَ في ظُلُماتِ الغَيِّ والجَهالاتِ، مَحرومينَ عن النَّظرِ في الأدلَّةِ والآياتِ .
- وإعادةُ فِعلِ وَجَعَلْنَا -إذا كان معنى قولِه: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا [يس: 8] ، أي: جَعَلنا حالَهم كحالِ مَن في أعناقِهم أغلالٌ، فهي إلى الأذقانِ فهمْ مُقْمَحون- تأْكيدٌ لهذا الجَعْلِ. وأمَّا إذا كانت وَعيدًا بما سيَحُلُّ بهم يومَ القِيامةِ حينَ يُساقونَ إلى جهنَّمَ في الأغلالِ: فإعادةُ فِعلِ وَجَعَلْنَا لأنَّه جَعْلٌ حاصلٌ في الدُّنيا، فهو مُغايِرٌ للجَعلِ الحاصلِ يومَ القيامةِ؛ فيكونُ فِعلُ (جَعَلْنا) مُستقبَلًا، وعُبِّرَ عنه بصِيغةِ الماضي لِتَحقيقِ وُقوعِه .
- قولُه: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ تَفريعٌ على كِلا الفِعلَينِ: جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا [يس: 8] وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا؛ لأنَّ في كِلا الفِعلَينِ مانعًا مِن أحوالِ النَّظرِ، وفي الكلامِ اكتِفاءٌ عن ذِكرِ ما يَتفرَّعُ ثانيًا على تَمثيلِهم بمَن جُعِلوا بيْنَ سَدَّينِ مِن عَدَمِ استطاعةِ التَّحوُّلِ عمَّا همْ عليه .
- قولُه: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ الإغشاءُ: وَضْعُ الغِشاءِ، وهو ما يُغطِّي الشَّيءَ، والمرادُ: أغشَيْنا أبصارَهم؛ ففي الكلامِ حَذْفُ مُضافٍ دلَّ عليه السِّياقُ، وأكَّدَه التَّفريعُ بقولِه: فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ، وتَقديمُ المُسنَدِ إليه على المُسنَدِ الفِعليِّ؛ لإفادةِ تَقَوِّي الحُكمِ، أي: تَحقيقِ عدَمِ إبصارِهم .
9- قولُه تعالى: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بَيانٌ لِشَأنِهم بطَريقِ التَّصريحِ والتَّوبيخِ، إثْرَ بَيانِه بطَريقِ التَّمثيلِ، أي: مُستَوٍ عندَهم إنذارُك إيَّاهم وعدَمُه .
- وقولُه: لَا يُؤْمِنُونَ استِئنافٌ مُؤكِّدٌ لِمَا قبْلَه، مُبيِّنٌ لِمَا فيه مِن إجمالِ ما فيه الاستِواءُ، أو حالٌ مُؤكِّدةٌ له .
10- قولُه تعالى: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
- لَمَّا كان الإقبالُ على سَماعِ القُرآنِ مُفْضيًا إلى الإيمانِ بما فيه؛ لأنَّه يُداخِلُ القلْبَ؛ أُتبِعَت صِلةُ اتَّبَعَ الذِّكْرَ بجُملةِ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ؛ فكان المرادُ مِنِ اتِّباعِ الذِّكرِ أكمَلَ أنواعِه الَّذي لا يَعقُبُه إعراضٌ، فهو مُؤَدٍّ إلى امتثالِ المتَّبِعينَ ما يَدْعوهم إليه، وهؤلاء همُ المؤمنونَ؛ تَنويهًا بشَأْنِهم وبشأنِ الإنذارِ، فهذا قَسيمُ قولِه: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ [يس: 7] ، وهو بَقيَّةُ تَفصيلِ قولِه: لِتُنْذِرَ قَوْمًا [يس: 6] ، والغرَضُ تَقويةُ داعيةِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الإنذارِ، والثَّناءُ على الَّذين قَبِلوا نِذارتَه فآمَنوا .
- والتَّعبيرُ بفِعلِ المُضِي (اتَّبَعَ - وَخَشِيَ)؛ للدَّلالةِ على تَحقيقِ الاتِّباعِ والخَشيةِ، والمرادُ: ابتِداءُ الاتِّباعِ .
- وفي قَولِه تعالى: وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ دَلَّ لَفْتُ الكلامِ عن مَظهَرِ العَظَمةِ إلى الوَصفِ بالرَّحمانيَّةِ على أنَّ أهلَ الخَشيةِ يَكفيهم في الاتِّعاظِ التَّذكيرُ بالإحسانِ .
- والقَصرُ المُستفادُ مِن قولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ -وهو قَصرُ الإنذارِ على التَّعلُّقِ بمَن اتَّبَع الذِّكرَ وخشِيَ اللهَ- هو بالتَّأويلِ الَّذي تُؤُوِّلَ به معنى فِعلِ تُنْذِرُ -أي: حُصولُ فائدةِ الإنذارِ- يكونُ قَصرًا حقيقيًّا، وإنْ كان فِعلُ تُنْذِرُ على ظاهرِ استِعمالِ الأفعالِ -وهو الدَّلالةُ على وُقوعِ مَصادرِها- فالقَصرُ ادِّعائيٌّ ، بتَنزيلِ إنذارِ الَّذين لم يَتَّبِعوا الذِّكرَ ولم يَخْشَوا مَنزِلةَ عدَمِ الإنذارِ في انتفاءِ فائدتِه، وفي ذلك كِنايةٌ تَعريضيَّةٌ بأنَّ الَّذينَ لم يَنتَفِعوا بالإنذارِ بمَنزلةِ الأمواتِ؛ لِعَدَمِ انتفاعِهم بما يَنفَعُ كلَّ عاقلٍ .
- قولُه: تُنْذِرُ بصيغةِ المضارعِ أفاد تجديدَ الإنذارِ للمتَّبِعينَ .
- والفاءُ في قولِه: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ؛ لِتَرتيبِ البِشارةِ أو الأمْرِ بها على ما قبْلَها مِنِ اتِّباعِ الذِّكرِ والخَشيةِ .
- والجمْعُ بيْن تُنْذِرُ وفَبَشِّرْهُ فيه طِباقٌ ، مع بَيانِ أنَّ أوَّلَ أمْرِهم الإنذارُ، وعاقبتَهُ التَّبشيرُ .
- قَولُه: وَأَجْرٍ كَرِيمٍ الأجْرُ: هو الثَّوابُ على الإيمانِ والطَّاعاتِ، ووَصْفُه بالكريمِ؛ لأنَّه الأفضلُ في نَوعِه .
- وذَكَر الأجرَ بعدَ المغفرةِ؛ لأنَّ التَّحليةَ بعدَ التَّخليةِ، والتَّزَيُّنَ بعدَ إزالةِ الأدْرانِ .
11- قولُه تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ
- لَمَّا اقْتَضى القصرُ في قولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ [يس: 11] نفْيَ أنْ يَتعلَّقَ الإنذارُ بالَّذين لم يَتَّبِعوا الذِّكرَ ولم يَخْشَوُا الرَّحمنَ، وكان في ذلك كِنايةٌ تَعريضيَّةٌ بأنَّ الَّذين لم يَنتفِعوا بالإنذارِ بمَنزِلةِ الأمواتِ؛ لِعَدمِ انتفاعِهم بما يَنفَعُ كلَّ عاقلٍ- استُطْرِدَ عقِبَ ذلك بالتَّخلُّصِ إلى إثباتِ البعثِ؛ فإنَّ التَّوفيقَ الَّذي حُفَّ بمَن اتَّبَعَ الذِّكرَ وخشِيَ الرَّحمنَ هو كإحياءِ الميِّتِ؛ لأنَّ حالةَ الشِّركِ حالةُ ضَلالٍ يُشبِهُ الموتَ، والإخراجَ منه كإحياءِ الميِّتِ . وقولُه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ على ذلك استِئنافٌ ابتدائيٌّ لِقَصدِ إنذارِ الَّذين لم يَتَّبِعوا الذِّكرَ، ولم يَخْشَوُا الرَّحمنَ، وهمُ الَّذين اقْتَضاهم جانبُ النَّفيِ في صِيغةِ القصْرِ في قولِه: إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ. ويجوزُ أنْ يكونَ إحياءُ الموتَى تَوفيقَ مَن آمَنَ مِن الناسِ إلى الإيمانِ، كما قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ [الأنعام: 122] الآيةَ؛ فتَكونَ الجُملةُ امتِنانًا على المؤمنينَ بتَيسيرِ الإيمانِ لهم، ومَوقعُ الجُملةِ مَوقعُ التَّعليلِ لِقَولِه: فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس: 11] .
- وفي قولِه: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ التَّأكيدُ بحَرفِ (إنَّ)، وضَميرُ الفصلِ (نحن) للتَّقويةِ، وهو زِيادةُ تأْكيدٍ، والمعنى: نُحْييهم للجزاءِ؛ فلذلك عُطِفَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا، أي: نُحْصي لهم أعمالَهم مِن خَيرٍ وشرٍّ قدَّموها في الدُّنيا لِنُجازِيَهم، وعَطْفُ ذلك إدماجٌ للإنذارِ والتَّهديدِ بأنَّهم مُحاسَبون على أعمالِهم، ومُجازَون عليها .
- والمُرادُ بكِتابةِ ما قدَّموا في قولِه: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ الكِنايةُ عن الوعدِ بالثَّوابِ على أعمالِهم الصَّالحةِ، والثَّوابِ على آثارِهم، وكِنايةٌ عن الإحصاءِ، وعدَمِ إفلاتِ شَيءٍ مِن أعمالِهم أو إغفالِه، وهذا الاعتبارُ يُناسِبُه الاستِئنافُ الابتِدائيُّ؛ لِيَكونَ الانتقالُ بابتداءِ كلامٍ مُنبِّهًا السَّامعَ إلى ما اعتبَرَه المُتكلِّمُ في مَطاوي كَلامِه .
- وأخَّرَ الكِتابةَ في الذِّكرِ مع أنَّ الكِتابةَ قبْلَ الإحياءِ، فلم يَقُلْ: «نكتُبُ ما قَدَّموا ونُحييهم»؛ وذلك لأنَّ الكتابةَ مُعظِّمةٌ لأمرِ الإحياءِ؛ لأنَّ الإحياءَ إن لم يكُنْ للحِسابِ لا يُعَظَّمُ، والكِتابةُ في نَفْسِها إنْ لم تكُنْ إحياءً وإعادةً لا يبقَى لها أثَرٌ أصلًا؛ فالإحياءُ هو المُعتبَرُ، والكِتابةُ مُؤكِّدةٌ مُعظِّمةٌ لأمرِه؛ فلهذا قدَّم الإحياءَ، ولأنَّه لَمَّا قال: إِنَّا نَحْنُ وذلك يفيدُ العَظَمةَ والجَبَروتَ، والإحياءُ عَظيمٌ يختَصُّ باللهِ، والكتابةُ دُونَه؛ فقَرَن بالتَّعريفِ الأمرَ العَظيمَ، وذكَرَ ما يُعظِّمُ ذلك العظيمَ .
- والإحصاءُ: حَقيقتُه العدُّ والحسابُ، وهو هنا كِنايةٌ عن الإحاطةِ والضَّبطِ، وعدَمِ تَخلُّفِ شَيءٍ عن الذِّكرِ والتَّعيينِ؛ لأنَّ الإحصاءَ والحسابَ يَستلزِمُ ألَّا يَفوتَ واحدٌ مِن المحسوباتِ


الدرر السنية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×