امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 7 يونيو, 2021 (للعلامة الأستاذ الشيخ عبدالكريم الدَّبَان التكريتي (1328-1413) -رحمه الله تعالى- "فتاوى" تبلغ (172) فتوى وهي غير مرتبة على الموضوعات، إنما دوَّنها الشيخُ على حسب ورود الأسئلة إليه، ومنها "فتاوى تفسيرية" تبلغ أربع عشرة فتوى. وكان قد أهدى إليَّ نسخة مصورة منها بخطه -جزاه الله خيراً-. وهذه الأسئلة كانت تحولها إليه إدارةُ مجلة التربية الإسلامية في بغداد، ثم تنشر الإجابات في المجلة المذكورة(الفتاوى الثلاث الأخيرة لم تُنشر). وقد رأيتُ من المفيد استخراجَها، وترتيبَها على حسب تسلسل الآيات المسؤول عنا، ونشرَها، تعميماً للفائدة، وإظهاراً لطريقة الشيخ في الفتوى والكلام على الآيات. وهذه الفتاوى كانت ما بين سنة (1397) وسنة (1401). وهي غير ما جاء في رسالته: "رسالة في التفسير على صورة أسئلة وأجوبة"، وهذه الرسالة متأخرة عن تلك. تلميذه عبدالحكيم الأنيس). السؤال الأول: قال اللهُ تعالى عن القرآن إنه {هدىً للمتقين الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة:2] فما المقصودُ بالغيب في هذه الآية؟ الجـواب: الغيبُ هو الذي لا يتناوله الحسُّ بالمشاهدة ونحوِها، ولا يدركُه العقلُ بالبداهة. وقد يدركُ العقلُ بعضَ ذلك بالاستدلال ولا يدركُ البعضَ الآخر، لأنَّ العقلَ محدود والغيبَ مطلق، ومن البديهي أنَّ المحدود لا يدرِك المطلق. وعدم إدراك الإنسان للأمور التي هي وراء محسوساته لا يدلُّ على عدم وجود تلك الأمور. وليس من الحقِّ القول بأنَّ عدم إدراك المجهول ينفي وجود ذلك المجهول. قسمٌ من الغيب استأثر اللهُ تعالى بعلمه: قال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو}. وقال: {قل لا يعلم من في السموات ومن في الأرض الغيبَ الا الله}. وقسمٌ آخر أخبر اللهُ به بعض رسله: قال تعالى: {عالم الغيب فلا يُظهِر على غيبه أحداً إلا من ارتضى مِنْ رسول}. وقسمٌ آخر لا يُدرك بالحس ولا ببداهة العقل كما قلنا، لكن يُمكن أنْ يُدرك بالاستدلال إدراكاً إجمالياً، كالاستدلال بالموجودات على مُوجدها، وبوحدة التنظيم في أجزاء الكون، مِنْ أكبر جرمٍ الى جزيئاتِ أخفِّ ذرةٍ يُستدل بذلك على أنَّ مُوجدها واحد قادر عالم، إلى غير ذلك من الصفات الثابتة لله عز وجل. والمؤمنُ بل كلُّ عاقل ينبغي أنْ يُؤمن بأنَّ هذا الكون الواسع الشاسع لم يُخلق عبثاً، وأنَّ ما يفعله الإنسانُ لا يذهب سُدىً وضَياعاً، وأنَّ هذه الحياة الدنيا ليستْ آخر المطاف، بل لابد مِنْ دارٍ أخرى فيها تلاقي كلُّ نفس جزاءَ أعمالها. (لها ما كسبتْ وعليها ما اكتسبتْ). (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره). (ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى). وأحوال الآخرة ونحوها كلُّها من الغيب. *** السؤال الثاني: في القرآن الكريم: {في كل سنبلةٍ مائةُ حبة} [البقرة:261]، فما المقصود بذلك، وهل حصل أنْ يكون في سنبلة واحدة مئة حبة؟ الجـواب: قال الله تعالى: {مَثَلُ الذين يُنفقون أموالَهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبعَ سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم}. وهذا مثلٌ لمضاعفة ثواب النفقة في سبيل الله تعالى، وأنَّه يصل إلى سبعمئةِ ضعف. وقد ورد ما يصرح بذلك كما في صحيح مسلم: جاء رجل بناقة فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمئة ناقة. وللترمذي والنسائي: مَنْ أنفقَ نفقة في سبيل الله كُتبتْ له بسبعمئة ضعف. ولا يُشترط في الممثَّل به أنْ يكون موجوداً في الواقع، بل يكفي أنْ يكون مفهوماً مقصوداً عند المخاطِب والمخاطَبين. قالوا في مدح بعض الأسخياء: جفنته جبلٌ مِنْ لحم. وقالوا: هذا كجبلٍ مِنْ زمرد وبحر مِنْ زئبق أو ذهب. ولو لم يكن ذلك موجوداً في الواقع. وقبل مدة رأيتُ في "تفسير" لأحد المعاصرين -وهو أحمد مصطفى المراغي المصري- قال في 3/30 ما خلاصتُه أنَّ أحدَ مفتشي جمعية زراعية بمصر عثر في سنة 1942م على سنبلة فيها سبعٌ ومئةُ حبة، فعرضها على الاختصاصيين في حفلٍ جامعٍ فرأوا تلك السُّنبلة وعدُّوها عدّاً! *** السؤال الثالث: إنَّ الله تعالى ذكر في سورة النساء حصصَ الورثة ثم قال: {مِنْ بعد وصيةٍ يُوصى بها أو دَيْن} [12، فالذي نفهمه مِنْها تنفيذ الوصية أولاً وتسديد الدَّيْن ثانياً والتوزيع على الورثة ثالثاً. فكيف قال العلماءُ إنَّ تسديد الدَّيْن مُقدَّمٌ على الجميع؟ الجـواب: أمّا السؤال فوارد، وقد بحثَ فيه العلماء. وأمّا الترتيب الذي ذكره السائلُ فغير صحيح، ولا يُفهم من الآية الكريمة، إذ ليس فيها إلا ترتيب واحد وهو تأخير الإرث عن الوصية والدَّيْن معاً. أي إنَّ توزيع السهام على الورثة لا يجوز إلا بعد الانتهاء مِنْ أمرين: تنفيذ الوصية إنْ كان الميت قد أوصى بشيء وتسديد الدَّيْن إنْ كان الميت مديوناً. الحق أنَّ هذا الجواب وحده يؤدّي بنا إلى نتيجةٍ وهي جواز تنفيذ الوصية قبل تسديد الدَّيْن، وجواز العكس. وهذا ما تفيدُه كلمة (أو). ولكن المطلوب إثباته هو وجوب تسديد الدَّيْن أولاً. للتدليل على ذلك نقول: أجمع علماءُ المسلمين سلفاً وخلفاً على تقديم تسديد الدَّيْن، لأنَّه حق ثابت ومطلوبٌ تسديده مِنْ مال المدين حياً كان المدين أم ميتاً، وطوعاً أم كرهاً. فإذا مات شخصٌ وتركَ مالاً وعليه دَيْنٌ يستغرقُ جميع ماله وجب دفعُه إلى الدائن. ولو نفذنا الوصية قبله، أو وزعنا على الورثة لأدّى ذلك إلى حرمان صاحب الحق مِنْ حقه، وهذا مخالفٌ لما أمر الله به. وقد استدل بعضُ المفسّرين على تقديم الدَّيْن بما روى الترمذي أنَّ رسول الله قضى بالدَّيْن قبل الوصية. لكنَّ الترمذي نفسَه قال: إنَّ هذا الحديث لا يُعرف إلا مِنْ طريق شخص طعن فيه بعضُ أهل العلم. وابن كثير في "تفسيره" 1/459 ذكرَ الحديث ونقل كلام الترمذي فيه، ثم قال عن الشخص الذي طعنوا فيه: إنَّه كان حافظاً للفرائض مُعتنياً بها وبالحساب اهـ ولا يخفى أنَّ كلام ابن كثير هذا لا يعتبر تعديلاً للشخص. وقال صاحبُ "نيل الأوطار" عن الحديث المذكور: إنه وإن كان إسنادُه ضعيفاً، لكنه معتضد بالاتفاق الذي سلف اهـ 6/168 يقصد اتفاقَ العلماء على تقديم تسديد الدَّيْن. أمّا سببُ ذكر الوصية قبل الدَّيْن في الآية، فالظاهر أنَّ الدَّيْن لما كان مفروغاً مِنْه مِنْ حيث وجوب تسديده، وأنَّ الوصية نوعٌ من التبرع، فلئلا يتساهل الورثةُ في تنفيذها قدَّمها الله سبحانه على الدَّيْن، وعطف الدَّيْن عليها بأو ليدلَّ -والله أعلم- على أنَّها واجبةُ التنفيذ كالدَّيْن. *** السؤال الرابع: قال الله تعالى في سورة النساء: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والذين مِنْ بعده} [163] فلماذا لم يذكر الذين من قبل نوح؟ الجـواب: قال العيني في "عمدة القاري" 1/16: فإنْ قلتَ: لمَ خصص نوحاً عليه السلام ولم يذكر آدم مع أنَّه أول المرسلين؟ قلتُ: أجابَ عنه بعضُ الشرّاح بجوابين: الأول: أنَّه (أي نوحاً) أول مشرّع عند بعض العلماء. الثاني: أنَّه أول نبي عُوقب قومه. فخصصه تهديداً لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وفيهما نظر: أمّا الأول فلا نسلِّمُ أنَّه أول مشرّع، بل أول مشرّع هو آدم عليه السلام ، ثم قام بالأمر بعده شيث عليه السلام. وكان نبياً مرسلاً. وبعده إدريس عليه السلام . وأمّا الثاني فشيث أول مَنْ عُوقب قومه بالقتل. والذي يظهر لي من الجواب الشافي أنَّ نوحاً عليه السلام هو الأب الثاني، وجميع أهل الأرض مِنْ أولاده، لقوله تعالى: {وجعلنا ذريته هم الباقين}. انتهى كلامُ العيني. أقول: إنَّ الذي اختاره العينيُّ فيه نظرٌ كذلك، لأنَّ كون نوح هو الأب الثاني لا يتضح به سببُ عدم ذكر مَنْ قبله. وعلى كلٍّ فالذي بقي للناس بعد الطوفان إنما هو شرع نوح فقط وفي ضمْنِه ما أوحى الله للذين مِنْ قبله، فإنه إنما وصلهم عن طريق ما أوحى الله به إلى نوح. ولهذا خُصّص دون مَنْ كان قبله في قوله تعالى: {شرع لكم من الدِّين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا اليك، وما وصى به إبراهيم وموسى وعيسى أنْ أقيموا الدِّين ولا تتفرقوا فيه}. وليس المرادُ بالآية المذكورة في السؤال وجوبَ الإيمان بما أنزل على نوح ومَنْ بعده دون الإيمان بمن قبله، فإنَّ الإيمانَ بالجميع واجبٌ. قال تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل مِنْ قبلك}. وهذا يشمل ما أنزل على نوح ومَنْ بعده كما يشمل ما أنزل على مَنْ كان قبله. والظاهر مِنْ قوله تعالى {كما أوحينا إلى نوح} هو التشبيه، أي تشبيه الوحي إلى نبيِّنا بالوحي الى نوح ومَنْ بعده من المرسلين صلواتُ الله عليهم أجمعين. ولعل طريقة الوحي إلى نوح ومَنْ بعده لا تشبهُ طريقة الوحي إلى مَنْ قبله، ولم أجدْ مَنْ أشارَ إلى هذا. والله سبحانه أعلم بالصواب. السؤال الخامس: قال الله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أُهِلَّ لغير الله به. فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم} [الأنعام:145]. هذه الآية تنفي تحريمَ غير الأربعة المذكورة فيها وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما ذُكر عليه غير اسم الله. فكيف هذا مع أنَّ هناك محرمات أخرى من المطعومات كالخمر، ولحم الحمار الأهلي، وغير ذلك؟ الجـواب: الآية الكريمة المذكورة في السؤال هي مِنْ سورة الأنعام وهذه السورة مكية، نزلتْ ردّاً على المشركين الذين حرَّموا البحيرة والوصيلة وغيرهما، وزعموا أنَّ الله حرَّمها عليهم. فأمر اللهُ رسوله أنْ يُخبِر بأنَّ الله تعالى إلى حين نزول هذه الآية لم يحرِّمْ شيئاً من المطعومات سوى المذكورات. وأمّا المحرَّمات الأخرى كالخمر ولحم الحمار الأهلي ولحم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور فقد جاء تحريمُها بعد ذلك. ومعلوم أنَّ المحرَّمات لم تُحرَّمْ دفعة واحدة. وكذلك الفرائض لم تُفرضْ دفعة واحدة فالخمر مثلاً لم يُحرَّم إلا في السنة الثانية للهجرة. والصوم والزكاة والحج لم تفرض إلا بعد الهجرة. فلو قِيلَ قبل الهجرة: ليس الخمرُ حراماً وليست الزكاةُ فرضاً لكان ذلك صحيحاً. ومَنْ أراد التوسُّع في هذه المسألة فلينظرْ في كتب التفسير والحديث والفقه. وأمامي الآن: تفسير البيضاوي (بحاشية الكازروني) 2/212 وتفسير ابن كثير 2/183 وروح المعاني 8/45 وعمدة القاري 21/215 ونيل الأوطار 8/185 والمحلى لابن حزم 7/400 والإتقان للسيوطي 1/30. والله أعلم. *** السؤال السادس: قال الله تعالى: {وأذانٌ من الله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة:3]. فما هو يـوم الحـج الأكبر؟ الجـواب: اشتهر عند كثيرين أنَّ يوم الحج الأكبر هو الذي يكون فيه يومُ عرفة يومَ جمعة، فيكون يوم النحر يوم السبت. قال صاحب "الدر المختار": لوقفة الجمعة مزية سبعين حجة. فقال ابنُ عابدين تعليقاً على ذلك: الحديث: (أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة، وهو أفضل مِنْ سبعين حجة)، هو حديث باطل، لكن الغزالي ذكر في "الإحياء" أنَّ بعضَ السلف قال ما يُشبِه ذلك. ثم قال ابنُ عابدين: إن بعض العلماء كتبَ رسالةً في تحقيق الحج الأكبر قال فيها إنه اليوم الذي حجَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: يوم عرفة جمعةً أو غيرها. وقيل: يوم النحر اهـ 2/622 مِنْ حاشية ابن عابدين. مع اختصارٍ وتصرُّف. وقال ابنُ كثير في "تفسيره" 2/332: هو يوم النحر اهـ ثم ذكرَ أقوالاً أخرى. وأصحُّ الأقوال أنَّ العمرة هي الحج الأصغر، والحج هو الحج الأكبر. ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر، أي هو أول يوم مِنْ أيام عيد الاضحى. في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج وقال: هذا يوم الحج الأكبر. قال في "عمدة القاري" 9/82: أي يوم النحر هو يوم الحج الأكبر اهـ. *** السؤال السابع: كيف نوفِّق بين قوله تعالى: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} [يونس:49] وبين الأحاديث الدالة على أنَّ مما يزيدُ في العُمر الصدقة وصلة الرحم؟ الجـواب: العُمر لا يزيد ولا ينقص، والأجل محدود، تدلُّ على ذلك النصوصُ الصريحـةُ القاطعةُ. والآية المذكورة في السؤال هي مِنْ سورة يونس. وكذا ما يقاربها في سورة الأعراف والنحل وسبأ ونوح وغيرها. وكما وردَ في الأحاديث أنَّ الآجال مضروبـة والأرزاق مقسومة، لا يعجل الله ولا يؤخر شيئاً مِنْها. أمّا ما وردَ مِنْ أنَّ العمر يزيد بالصدقة وصلة الرحم فقد أوّلَه المحققون من العلماء بأنَّ الله سبحانه يباركُ لبعض الناس في أعمارهم فيقومون بأعمالٍ كثيرةٍ ممّا لا يقوم بها مَنْ كان عمره مثل أعمارهم أو أطول مِنْها. كما هو مشاهَدٌ في كل زمان. أو أنَّ تأويل ذلك بأنَّ الناس يذكرونهم بالخير بعد موتهم، كما قيل: (الذكر الحسن عمرٌ ثانٍ). وحول هذه المسالة قال الإمامُ النووي في "شرح صحيح مسلم" 16/114: أجاب العلماءُ بأجوبةٍ الصحيح مِنْها أنَّ الزيادة بالبركةِ في عمرهِ والتوفيقِ للطاعات اهـ. وبعض العلماء حاولَ تأويلَ الأحاديث المشار إليها بأنَّ هناك قدراً محتوماً وقدراً معلقاً. وقال: إنَّ الشخص قد يكون عمره أربعين سنة فإذا تصدَّق مثلاً صار عمرُه خمسين سنة. والذي نقوله: إنَّ هذا التأويل غير مقبول عند التحقيق، لأنَّ الله يعلم بصورة قاطعة ثابتة أنَّ هذا الشخص يتصدّق أو لا يتصدّق مثلاً. ولا تردُّدَ في علم الله تعالى. وكذلك يُقال للمعتزلة الذين قالوا : أنَّ المقتول قد اختُرِم أجله، وأنّه لو لم يُقتلْ لعـاشَ مدة أطول، أي لعاش العمر المقدَّر له عند الله تعالى.. وقولُـهم مردودٌ بالنصوص القاطعـة الدالة على أنَّ الله سبحانه عالمٌ بكل شيء. وكما قدّرَ عمرَ الإنسان قدّرَ أسبابَ وفاته مِنْ مرضٍ أو قتلٍ أو سكتةٍ قلبيةٍ أو شيخوخةٍ، فالقتلُ لا يغيّر القضيةَ المقطوع بها. والله سبحانه أعلم. *** السؤال الثامن: في سورة (هود) من القرآن الكريم حول ضيف إبراهيم عليه السلام من الملائكة: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام} [69] لماذا اختلفت اللفظتان ولم تتفقا بأنْ يقول: قالوا سلاماً قال سلاماً، أو يقول: قالوا سلامٌ قال سلامٌ؟ الجـواب: من المعلوم أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنة، وأنَّ الاجابة فرض. والإجابة الجيدة أنْ تكون بالأحسن، قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن مِنْها أو ردوها}، وإبراهيم عليه السلام ردَّ التحيةَ بأحسن مِنْها. قال صاحبُ "الكشاف" 2/320: (سلاماً) أي سلمنا عليك سلاماً. (سلام) أي أمركم سلام اهـ ومعنى هذا أنَّ (سلاماً) مصدر لفعل محذوف فهو إذاً جملة فعلية، و(سلام) خبر لمبتدأ محذوف، فهو إذاً جملة إسمية. والمقرَّر في العربية أنَّ الجملة الفعلية تفيد التجدُّد والحدوث، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار فهي أقوى. وفي "الإتقان" للسيوطي 1/200 عن ابن عطية أنَّه قال: سبيلُ الواجبات الاتيان بالمصدر مرفوعاً كقوله تعالى: {فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان}. وسبيلُ المندوبات الاتيان به منصوباً، كقوله تعالى: فضربَ الرقاب. قال أبو حيان: والأصل في هذه التفرقة قوله تعالى: {قالوا سلاماً قال سلام}، فإنَّ الأول مندوب، والثاني واجب اهـ باختصار. والله أعلم. *** السؤال التاسع: يُرجى توضيح ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي أُوتيها موسى عليه السلام، والتي وردتْ نصّاً أنَّها تسع [الإسراء:101]. الجـواب: في سورة الإسراء: {ولقد آتينا موسى تسع آيات} وفي سورة النمل: {وألقِ عصاك، فلما رآها تهتز كأنَّها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقّب} إلى أنْ قال: {وأَدخِل يَدك في جيبك تخرج بيضاءَ مِنْ غير سوءٍ في تسع آيات}. وفي سورة الأعراف: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاءُ للناظرين} وفيها: {ولقد أخذنا آلَ فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات لعلهم يذكرون} وفيها: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم}. إنَّ الله تعالى آتى موسى عليه السلام آيات كثيرة منذ ولادته، ثم عند إرساله إلى فرعون وقومه، ثم بعد خروجه مع بني إسرائيل إلى سيناء. مِنْ ذلك أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى أمه أنْ تضعه في تابوت وتلقيه في النهر لتخلصه من القتل. ومِنْ ذلك تسخيرُ الله للنهر ليدفعَهُ بأمواجه إلى الساحل قربَ منزل فرعون، وإلقاءُ محبته في قلوبهم، وتحريمُ المراضع عليه إلا أمه، ثم بتأييدهِ عند إرسالهِ إلى فرعون بالعصا التي تنقلب ثعباناً، وبيدهِ التي تخرج بيضاء مع أنَّه عليه السلام كان أسمرَ اللون، وبتأييده ببقية الآيات التسع التي سلطها اللهُ على فرعون وقومه. ثم بعد خروجه مع بني اسرائيل إلى سيناء بضرب الحجر بعصاه وانبثاقِ الماء من الحجر، وبإنزالِ المنِّ والسلوى، وتظليلِ الغمام، ورفعِ الطور. تلك آياتٌ كثيرةٌ، لكنَّ الظاهر أنَّ الآيات التسع هي ما أيّد اللهُ بها موسى في مقابلة فرعون وقومه. وممّا يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} وقولُه {فأرسلنا عليهم} أي على آل فرعون {الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم}. فالآياتُ هي على أصحِّ الأقوال: العصا، واليد، وفلق البحر، والسنين، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم. وذكر ابنُ كثير في "تفسيره" 3/66 أنَّ ذلك قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. ثم قال ابنُ كثير: وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي اهـ. أمّا هذه الآيات فبعضها مفسَّر في القرآن الكريم كالعصا، واليد، وفلق البحر حتى اجتازه موسى وبنو اسرائيل. وبعضها واضح كالطوفان الذي جرف مزارعهم وقراهم. والقحط بسبب الجدب ونضوب المياه. وهذا هو المعبَّر عنه بالسنين. وإرسال الجراد الكثير عليهم فأكل مزارعهم وقلل الثمر في أشجارهم. وتكاثر الضفادع تكاثراً هائلاً حتى نغّص عليهم معيشتهم وكـاد يشل حركاتهم. أمّا القمّل فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه السُّوس الذي يكون في الحبوب وغيرها من الأقوات المخزونة فيأكلها حتى لا يكاد يبقى مِنْها إلا القشور. وأمّا الدم فقد يكون رُعافاً مِنْ أنوفهم خاصة أو نزيفاً مِنْ مناطق أخرى مِنْ أجسامهم. وقد نقل ابنُ كثير في "تفسيره" 2/242 عن ابن أبي حاتم أنه رُويَ عن زيد بن أسلم أنَّ المقصود بالدم الرُّعاف. وهناك روايات أخرى قد يكون بعضها صحيحاً وقد يكون من الإسرائيليات. والله أعلم. *** السؤال العاشر: كيف نوفِّقُ بين قوله تعالى في سورة النور: {رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيـع عن ذكر الله} [37] وقوله تعالى في سورة الجمعة: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}[11]؟ الجـواب: الظاهر أنَّهم كانوا يُصلُّون الجمعة قبل الخطبة كما في العيدين، فقد أخرج أبو داود في "مراسيله" أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين. ذكر ذلك صاحبُ "روح المعاني" في 28/105 وكانوا يرون جواز الانصراف بعد الصلاة كما في العيدين ولم يسمعوا نهياً عن ذلك. كما كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزل قولُه تعالى: {وقوموا لله قانتين} انتهوا عن الكلام. يدلُّ على ذلك الحديثُ الثابتُ في الصحيحين. وذات يوم بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب سمعوا ضجيجاً في السُّوق وعلموا أنَّ قافلة وصلت المدينة كانت تحملُ طعاماً كانوا بحاجة شديدة إليه فانصرفَ أكثرُهم فنزل قولُه تعالى: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً} الآية. وجعلَ النبيُّ الخطبة قبل الصلاة كما هي الحال حتى اليوم، فلم ينصرفْ بعد ذلك أحدٌ مِنْهم واستحقوا أنْ يُقال فيهم: {رجالٌ لا تُلهيهم تجارة} الآية. وهناك مصادر كثيرة بحثتْ في ذلك مِنْها: 1. تفسير ابن كثير 4/367 2. روح المعاني 28/105، 107 3. عمدة القاري 6/245 4. نيل الأوطار 3/344 5. فتح العلام 1/198 *** السؤال الحادي عشر: في سورة (الأحقاف) أنَّ الجن لما سمعوا القرآن قالوا: {إنا سمعنا كتاباً أنزِل مِنْ بعد موسى مصدقاً لما بين يديه} [30]. فلماذا قالوا: مِنْ بعد موسى، ولم يقولوا: مِنْ بعد عيسى؟ الجـواب: ذكرَ المفسِّرون وغيرُهم أنَّ السبب في ذلك هو أنَّ الإنجيل أكثره مواعظ، والأحكام فيه قليلة فهو كالتابع للتوراة. قال الله تعالى: {انا أنزلنا التوراة فيها هدى يحكم بها النبيون}. وقد ورد في الصحيحين حول بدء الوحي أنَّ ورقة بن نوفل قال عن جبريل عليه السلام: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى. مع أنَّ ورقة كان ممَّنْ تنصّر في الجاهلية. وكان يقرأ الإنجيل ويكتبه بالسريانية. وهو يعلم أنَّه أنزل على عيسى عليه السلام. وهناك أقوالٌ أخرى ذكرها كثيرون، ومِنْهم ابنُ كثير في "تفسيره" 4/170 وصاحبُ "عمدة القاري" 1/52، 53. السؤال الثاني عشر: كيف نوفّق بين قوله تعالى: (كل مَن عليها فان ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام) [سورة الرحمن:26-27 ] وبين ما ندرسه في الفيزياء من النظرية القائلة أن المادة لا تفنى ولا تُستحدث؟ الجـواب: الحقائقُ ثابتة لا تتغير، أما النظريات فما هي إلا تفسير لبعض الظواهر. وقد يكون هذا التفسير صحيحاً وقد لا يكون، وقد يكون مقبولاً في وقت، ثم يتبين خلله أو عدم شموله في وقت آخر. فالنظريات لا تعارض الحقائق. والنظرية التي ذكرها السائلُ كانت رائجة في وقت ما ثم تبين خللها. ذلك أنهم اعتقدوا أنَّ المادة لا يمكن إيجادها من العدم ولا يمكن إعدامها. وعبروا عن ذلك بقانون حفظ المادة. ثم اعتقدوا ولايزالون يعتقدون أن الطاقة كذلك لا يمكن إيجادها من العدم، ولا يمكن فناؤها ولا إفناؤها، وعبروا عن ذلك بقانون حفظ الطاقة. ثم وجدوا أنَّ بعض المواد يتحول -فعلاً- إلى طاقة، وأنَّ بعض الطاقات يتحول -فعلاً أو نظرياً- إلى مادة. وعلى هذا الأساس صاغوا القانون الذي ينص على أن المجموع الكلي للمادة والطاقة في الكون ثابت. فظهور طاقة جديدة إنما يعني اختفاءَ مادة، وظهـور مادة جديدة إنما يعني اختفاءَ طاقة. ومن المعلوم أن الجسم الصُلب يتحول إلى سائل أو غاز وبالعكس، ولكنه في كل ذلك لايزال مادة، لأن الحالات المذكورة من خواص المادة. أما إذا تلاشت المادة، أي خرجت عن كونها مادة فليس معنى ذلك أنها انعدمت وتلاشت إلى لا شيء، بل إنها تحولت -كما يقولون- إلى طاقة حركية أو حرارية أو كهربائية أو صوتية أو غير ذلك مما عرفه البشر ومما لم يعرفوه بعد. ونحن لا نقول ذلك على سبيل الجزم، ولا نريد أن نتطفل على المختصين بالموضوع، ولا ندّعي الاطلاع على تفاصيله، لأنه ليس من اختصاصنا. أما ما ذكرناه فلا يخرج عن كونه من المعلومات العامة التي قد يعرفها صغارُ طلبة الفيزياء، لكنا اضطررنا إلى عرض المفهوم العام للنظرية الواردة في السؤال لنتمكن من القول بأن اعتقاد ذلك جائز شرعاً أو غير جائز، لأنَّ هذا هو المقصود بالسؤال. أما من الناحية الدينية فإن علماء الكلام بحثوا فيما يتعلق بهذه المسألة في موضوع إثبات حدوث العالم، وفي موضوع إمكان فنائه، وفي موضوع المعاد والبعث بعد الموت. من المقطوع به أن المخلوقات لا بدَّ لها من خالق. وبعض الفلاسفة الأقدمين، مع اعترافهم بذلك، قالوا: إن العالم قديم. أي إن مادته قديمة. وقالوا بالحدوث الذاتي، أي إن العالم مسبوق بوجود الخالق سبقاً ذاتياً، لوجوب تقدم العلة على المعلول والمحتاج إليه على المحتاج، كما لو كان بيدك خاتم فإذا حرَّكت يدك تحرك الخاتم. فحركة الخاتم غير متأخرة بالزمان عن حركة اليد. وحركة اليد سابقة لحركة الخاتم سبقاً ذاتياً لا زمانياً. فلذلك قالوا: العالم قديم مع أنه مخلوق لله تعالى. وهذا القول يلائم القول بأن المادة لا تُستحدث، وعلماء الكلام قالوا بالحدوث الزماني، أي إن العالم كان مسبوقاً بالعدم ثم وُجِد. والجدلُ حول ذلك طويلٌ عريضٌ ودقيقٌ عويصٌ. وعلى كل فإن القول بأن المادة لا تستحدث مخالف مخالفةً صريحةً للقول بأن الله تعالى أوجد العالم من العدم. أما القول بأن المادة لا تفنى فهذا أمر آخر. نقول ذلك مع عدم غفلتنا عن أمور مسلّمة عند علماء الكلام، مثل: (ما ثبت قدمُه امتنع عدمُه) ومثل: (ما يجوز عدمُه يمتنع قدمُه). وحول المعاد الجسماني بحث علماءُ الكلام وبعضُ المفسِّرين في أنه هل يكون المعاد بإعادة الاجسام بعد انعدامها، أو يكون بجمع الأجزاء المتفرقة. فعلماء المسلمين بعضهم قال بالأول، وبعضهم قال بالثاني، ولم يعدّوا مَن قال بأحدهما مخالفاً لما ورد في الدين. فالقـول بهذا أو ذاك لا يُعَدّ خروجاً على الدين. وهذا مما يتعلق بالسؤال أيضاً. ويتضح ذلك ممـا يأتي: قال العلامة التفتازاني في "شرح النسفية" حول البعث: هو أن يبعث الله الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويُعيد الأرواح إليها. وأنكره بعض الفلاسفة بناءً على امتناع إعادة المعدوم بعينه، لكن دليلهم على هذا لا يُعتدّ به. ومع ذلك فإن مرادنـا أن الله تعالى يجمع الأجزاء الأصلية للإنسان ويعيد روحه إليه، سواء سُمي ذلك إعادة المعـدوم بعينه أم لا. وقال حول قوله تعالى: كل شىء هالك إلاّ وجهه الهلاك لا يستلزم الفنـاء، بل يكفي الخروج عن حد الانتفاع اهـ 181، 187 مع بعض التصرُّف. وتجد نحو ذلك في "شرح العضدية" لجلال الدين الدواني بحاشية إسماعيل الكلنبوي 1/167. وفي كتاب "المواقف" للعلامة عبد الرحمن الإيجي و"شرحه" للسيد الشريف حول المعاد وإعادة المعدوم: فإن المعاد الجسماني يتوقف عليها (أي على إثبات إعادة المعدوم) عند من يقول بإعدام الأجسام، دون من يقول بأن فناءها عبارة عن تفرق أجزائها واختلاط بعضها ببعض كما تدل عليه قصة إبراهيم عليه السلام في إحياء الطير. ثم قال: هل يُعدِم الله الأجزاء البدنية ثم يعيدها أو يفرقها ثم يعيد تأليفها؟ الحق أنه لم يثبت ذلك، ولا جزم فيه نفياً ولا إثباتاً، لعدم الدليل. وما يُحتَج به على الإعدام من قولـه تعالى: {كل شىء هالك إلاّ وجهه} ضعيف في الدلالة عليه (أي إن القول بأن الآيـة المذكورة تدل على الإعدام قول ضعيف)، لأن التفرق وزوال التأليف خروج للشيء عن صفاته المطلوبة منه، فيكون هلاكاً. ومثله يسمى فناءً عرفاً. ولنفس السبب لا يتم الاستدلال على الإعدام بقوله تعالى: {كل من عليها فانٍ} اهـ 2/440، 445 مع شيء من التوضيح. وقال الشيخ الدواني في "شرح العضدية" 1/165: إن العالم قابل للفناء، أي العدم الطارئ على الوجود اهـ فعلق على ذلك المحقق المرجاني بقوله: الفناء بهذا المعنى مسألة غير مأخوذة من الشرع. ومثلُ قوله تعالى: {كل من عليها فانٍ} قولُه سبحانه: {كل شىء هالك إلاّ وجهه} لا يدل عليه. ثم قال: والإجماع على عدم فناء الجنة والنار وكونهما مخلوقتين الآن، وعدم فناء الأرواح الانسانية يُنافيه، أي ينافي القول بالإعدام. وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله أن اللوح والقلم والعرش والكرسي والجنة والنار لا تفنى. انتهى كلام المرجاني. وفي "تفسير" ابن كثير 3/402 قال في قوله تعالى: {كل شىء هالك إلاّ وجهه}: إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، تموت الخلائق ولا يموت. كما قال تعالى: {كل مَن عليها فان ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والاكرام} اهـ فابن كثير يفسّر الهلاك هنا بالموت لا بالإعدام. وفي 3/581 منه قال في قوله تعالى: {وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيى العظام وهي رميم ؟ قل يحييها الذي أنشأها أولَ مرة وهو بكل خلق عليم} أي إنه يعلم العظام في سائر أقطار الارض وأرجائها أين ذهبت وأين تمزقت. ثم أورد الحديث الصحيح الذي فيه أن رجلاً أوصى أهله إذا هو مات أن يحرقوا جثته ويذروّا رمادها في اليم. ففعلوا فجمعه الله تعالى (رواه مسلم). وتدل آيات كثيرة على جمع الأجزاء، منها عدا ما تقدم: {منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أخرى} (طـه: 55). {أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور} (العاديات: 9). {وإذا القبور بُعثرت} (الانفطار: 4). {أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه} (القيامة: 3). {والله أنبتكم من الأرض نباتاً ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً} (نوح: 17-18). {ويوم يخرجون من الأجداث سراعاً} (المعارج: 43). {ونُفِخَ في الصورِ فإذا هم من الأجداثِ الى ربهم يَنسِلون} (يـس: 51). {يومَ تَشَقَّقُ الأرضُ عنهم سراعاً ذلك حشرٌ علينا يسير} (ق: 44). هذا ما ظهر لنا من الإجابة عن السؤال المذكور الذي بعثه إلينا السيد خالد إبراهيم سعيد (من بغداد). وكان كثيرٌ من الطلبة قد سألوا نفس السؤال، لذلك تبسطنا في الجـواب نوعاً ما وحسب اطلاعنا المحدود. والله أعلم بالصواب. *** السؤال الثالث عشر: ما معنى قوله تعالى: {فإذا نُقِرَ في الناقور} [المدثر:8]؟ الجـواب: ذكر المفسِّرون أنَّ الناقور هوالصُّور أي البوق الذي يُنفخ فيه يوم القيامة. وعلى هذا يكون قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور) مثل قوله: (فإذا نفخ في الصور). وذكر العلماءُ أنَّ إسرافيل عليه السلام ينفخ في الصور ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع، قال تعالى في سورة النمل: {ويوم يُنفخ في الصور ففزع مَن في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله}. والثانية: نفخة الصعق التي يموت فيها الخلائق. والثالثة: نفخة الإحياء بعد الموت، وفي هاتين النفختين قال تعالى: {ونفخ في الصور فصَعِق مَنْ في السموات ومن في الارض إلا مَنْ شاء الله. ثم نفخ فيه أخرى فاذا هم قيام ينظرون}. أمّا حقيقة الصور وكيفية تأثير ذلك على كل ذي روح فذلك ممّا نؤمنُ به ولا نعلم كيف يتم. وعلى كلٍّ فذلك تصوير لأهوال القيامة ممّا إذا تدبَّره الإنسانُ ازداد لله خشيةً وله طاعةً وبه استعاذةً، كما كان سلفنا الصالح. ذكروا أنَّ قاضي البصرة (زرارة بن أوفى) رحمه الله كان يؤمُّ جماعةً في صلاة الفجر فقرأ فيما قرأ: {فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير} فشهق شهقةً وسقط ميتاً. قال راوي الواقعة: كنتُ ممَّنْ حمل جثتَه من المسجد إلى بيته. وردتْ هذه الواقعة في سنن الترمذي 2/232 وذكرها ابنُ كثير في "تفسيره" 4/442 والله سبحانه أعلم. *** السؤال الرابع عشر: في سورة (عَبَس) من القرآن الكريم: {فإذا جاءت الصاخة}[33] فما هي الصاخّة، وما هي القارعة، والغاشية؟ الجـواب: مِنْ معاني الصاخّة في اللغة: الداهية. ويُقال: أصاخ له بمعنى استمع له. ومعنى الصاخة في الآية إمّا يوم القيامة بصورة عامة، وإمّا نفخة الصور الشديدة التي تحصلُ في ذلك اليوم. ووردَ في القرآن الكريم أسماء ليوم القيامة مِنْها: الحاقّة، والطامّة الكبرى، والصاخّة، والغاشية، والقارعة. والمعنى الوصفي في كل مِنْها مرادٌ. سُمِّيتْ بالحاقة لأنَّها لابدَّ أنْ تقع وتتحقق كما يتحققُ فيها غاية الوعد والوعيد، وعدُ الله المؤمنين بالفوز والنجاة والنعيم المقيم، ووعيدُه للكافرين بالخيبة والخسران والهلاك والعذاب المستديم. وسُمِّيتْ بالطامّة الكبرى لأنَّها داهية تطمُّ غيرها، ولقوتها تغلبُ ما سواها، وفيها من الأهوال ظهور جهنم ظهوراً بارزاً للعيان: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى وبرّزت الجحيم لمن يرى}. وسُمِّيتْ بالصاخة لأنَّها صيحة شديدة تكاد تصمّ الآذان وتعقبها أهوال: {يوم يفر المرء مِنْ أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه}. وسُمِّيتْ بالغاشية لأنَّها تغشى الناسَ جميعاً بما فيها مِنْ مواقف مذهلة ومَشاهد مرعبة ومواقف مفرحة مريحة: {وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية، تُسقى مِنْ عين آنية. ليس لهم طعام إلا مِنْ ضريع لا يُسمِن ولا يغني من جوع. ووجوه يومئذ ناعمـة لسعيها راضية في جنة عالية لا تسمع فيها لاغية}. وسُمِّيتْ بالقارعة لأنَّها تأتي بغتةً كمن يطرقُ الباب طرقاً عنيفاً على حين غفلةٍ مِنْ أهل الدار. وتحدثُ عند القارعة أهوال فظيعة: {يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش}. رابطة العلماء السوريين شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة بالأمس الساعة 20:12 أربع مقالات للأستاذ الشيخ عبدالكريم الدَّبَان التكريتي (هذه أربع مقالات نفيسة للعلامة الأستاذ الشيخ عبدالكريم الدبان التكريتي (1328-1413هـ)، كان قد كتبَها ونشرَها في "مجلة التربية الإسلامية" البغدادية أول صدورها سنة (1379 - 1380هـ)، ولم أرَ له سواها[1]، وكنتُ صورتُها لنفسي، ورأيتُ الآنَ أنْ أعيدَ نشرَها لينتفع بها، وقد عزوتُ الآيات، والأحاديث، وضبطتُ كثيراً من الألفاظ، وعلقتُ بعضَ التعليقات، وأسألُ الله أنْ ينفع بها، ويكتب أجرها الممدود لشيخنا رحمات الله عليه) (1) الينبوع الروحي[2] أودع اللهُ سبحانه في قلب كلِّ إنسانٍ ينبوعاً روحياً قدسياً هو ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]، ولكنَّ تلك الفطرة الخفية الداخلية تجابِهُ عواملَ شتّى من المحيط الخارجي، تعملُ أكثرُها دائبة على أنْ ينضبَ معينُ ذلك الينبوع، وتعملُ جاهدةً على أن تطغى أدرانُ المادة على صفاءِ الروحِ بما تُلقيه حولها وعليها مِنْ أقذار الشهوات، وما تزينه لها مِن الموبقات. فإذا جاهدَ الإنسانُ نفسَه، واستطاعَ الصمودَ[3] أمام مغرياتها، والترفُّعَ عن تلك الخسائس، ربحَ ونجا، ونفعَ وانتفعَ. أما مَنْ تنهار مقاومتُه فإنه يتبعُ الشهوات، ويرتكبُ الآثام، حتى تتراكم أقذارُها وأوضارُها على قلبه، فيعمى عن إِدراك الأسرار العلوية، وينطبق عليه قولُ الله تعالى: ﴿ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]، وحينئذ لا يدركون إلا ما تدركهُ الحيواناتُ من المحسوسات القريبة، ولا يُبصرون إلا ما تحت أقدامهم، يُبصرون الصورة ولا يَسألون عن مُصوِّرها، يَعبدون المادة ويَنصرفون عمَّن خلقَهم وخلقَ المادة. إِنَّ ما يُحيط بنا اليومَ مِن تياراتٍ متضادةٍ، وأفكارٍ متباينةٍ، ومذاهبَ مختلفةٍ متضاربةٍ، كل أولئك كوّنَ فينا أزمةً روحيةً خطرةً، أزمةً عنيفةً مخيفةً، نتجَ عنها فتورٌ في الهمم، وخَوَرٌ في العزائم، وانحرافٌ عن الدين القويم، والخلق الحميد، فذهبت التضحية، وتلاشى نكرانُ الذات، وزال الإيثارُ والإحسانُ، حتى أصبحنا في فقرٍ روحي، وانحطاطٍ نفسي، وتفسُّخٍ خلقي، ولم يقف الأمرُ عند هذا الحد، بل وصل إلى أبعد من ذلك وأنكى، وصل إلى أنْ يحاول الملحدون زعزعةَ عقائدنا، بل وصل إلى درجة أنْ يتجرأ الأوباشُ الأسفالُ على الطعن جهراً بالإسلام ونبيِّ الإسلام، فضلاً عن الاستهزاء بعلماء الدين وتسفيه آرائهم، وتكذيب أقوالهم، بوقاحةٍ لم يعهدها الناسُ، بل لم تدر بخَلَد أحد منهم. لا يُفلح الناسُ إلا بالرجوع إلى الينبوع الروحي، إلى دين الفطرة التي فطرهم اللهُ عليها، ولا يتمُّ لهم ذلك إلا بإزالة ما تراكم على ذلك الينبوع مِنْ أدران، وبجهاد النفس لصرْفِها عن الشهوات والمعاصي ومعالجتها لتغيير ما اعتادتْ عليه مِنْ ذلك. إنه جهادٌ صعبٌ عسيرٌ، إنه الجهاد الأكبر، جهادٌ شاقٌّ مستمرٌّ ما استمرت خلجاتُ النفوس ولحظاتُ العيون، وبهذا يَستطيع المرءُ أَنْ يدرك السرَّ في تسمية النبيِّ عليه الصلاة والسلام لهذا الجهاد بالجهاد الأكبر[4]. يَغلب على بني آدم حبُّ الدنيا والجريُ وراء زخرفها ومتاعها، فيتكالبون عليها ليشبعوا شهوات أنفسهم، ولكن النفس لا تشبع ولا تقنع، فإِرخاءُ العنان لها يزيدُها نهماً واسترسالاً في تلكم المتع الزائلة الزائفة، يزيدُها انغماساً في الشهوات، بل يجعلها تتفنن في ذلك وتبتكر، ورحم اللهُ البوصيري حيث يقول: والنفسُ كالطفل إِنْ تهملهُ شبَّ على ♦♦♦ حبِّ الرضاع وإِنْ تفطمْهُ ينفطمِ نعم تزداد النفسُ شراهة، ويزداد شغفُها بالنعيم المادي الدنيوي، والله سبحانه يريدُ لنا النعيم الروحي الأخروي[5]: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الأعلى: 16، 17]. يريد الإنسانُ سعة الرزق ووفرة المال، ولكن ذلك في أكثر الأحيان يعود عليه وعلى غيره بأسوأ النتائج وأوخم العواقب: ﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾ [الشورى: 27]، لذلك كان المؤمنُ مأموراً بكبحِ جماحِ نفسهِ فلا يدعها تزدري نعمة الله، ولا يفسح لها المجال لتجري وراء الأماني، يتمنى ما فضل الله به غيره عليه، وهناك ينشأ الحسد. إِنَّ مكافحة ذلك ضربٌ من ضروب جهاد النفس، وعَوْدٌ بها إلى فطرتِها الطيبة السالمة المسالمة. وبالإمكان أَنْ ندركَ أثرَ جهاد النفس في جميع العبادات التي أوجبها اللهُ على المسلم، يؤديها طلباً لرضوان الله وتقرُّباً إليه، ولا يتمُّ ذلك إلا بالحد من شهوات النفس، وبهجر كثيرٍ ممّا اعتادتْ عليه. ففي الصلاة يتركُ المُصلي تجارته، وعمله، وحديثه، وطعامه وشرابه مدة الصلاة، ثم يُرغم نفسه على الوقوف جنباً إلى جنب مع أي مسلم كان، مع الغني أو الفقير، مع الأمير أو المأمور، مع العربي أو الأعجمي، يقرأ كما يقرأ، ويستمع كما يستمع، يركع معه ويسجد معه، متجهاً نفس الاتجاه، متضرعاً إلى إلهٍ واحدٍ، إلى الذي خلقهم جميعاً، وفي كل ذلك يصرفُ عن نفسه وساوسها، ويردها كلما انصرفتْ عن الموقف العظيم الذي يقفه، وهو صلة القلب بخالق القلب، لتكون صلاته مما ينطبق عليها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]. وإرغامُ النفس في الزكاة واضحٌ كذلك، فإنَّ الإنسان الذي قد حرصَ على جمع المال، وبذلَ الجهد للحصول عليه بعرقِ جبينهِ وإرهاقِ أعصابهِ، ليعدَّه لمعيشته ولمستقبل أيامه، يُرغم نفسَه على صرف بعضهِ بدون مقابلٍ للمحتاجين. أمّا مخالفةُ النفس وإرغامها عند الصوم فالأمرُ فيه أكثر وضوحاً فلا يحتاج إلى إطالة كلام. والحجُّ مِنْ أول يوم التهيؤ له إلى يوم العودة، جهادٌ للنفس، ودفعٌ لها إلى الاستغراق الروحي الذي به تلتفتُ النفسُ إلى فطرتها التي فطرها الله عليها، لتنهل من ذلك الينبوع الصافي. في الحج يبتعدُ المؤمن عن كثيرٍ من المألوفات فلا يتطيبُ بأي طيب (بعد الإحرام) ولا يقص شعراً ولا ظفراً، ولا يلبس المخيط من الثياب، فالحج تصوفٌ وتقشفٌ وروحانيةٌ، ويتجلى ذلك عند الوقوف بعرفات، حيث يقفُ الآلآفُ من المسلمين بزي واحد، وإن اختلفت قومياتُهم وألوانُهم، يدعون رباً واحداً، وإن اختلفت لغاتهم ولهجاتهم، فتسمو الأرواح على الفوارق المادية والحسية، ويتطهرُ ينبوعُ القلب بالتوبة والاستغفار، وبإدراك أنَّ متاع الدنيا زائل فانٍ، وأنَّ ما عند الله خير وأبقى. ♦ ♦ ♦ ♦ (2) آية من كتاب الله[6] ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12]. تلك كلمة وردتْ على لسان الرُّسل، وقد خاطبوا بها أقوامَهم الضالين المُعاندين، ذُكِرَ فيها التوكلُ ثلاث مرات، بُدئت به، وخُتمت به، وذُكِرَ في أثنائها، وهي تشير إلى صبر أولئك الرسل الكرام، وعزمهم على نشر دين الله، وعدم مبالاتهم بالتهديد والوعيد، أو اكتراثهم بالأذى والاضطهاد، أو ميلهم عند الإغراء للانحراف عن الحق، أو الكف عن نشر الدين. تلك كلمة الرُّسل الهُداة مع الكفرة الطغاة. قالوا: كيف لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا؟ هدانا للإيمان، هدى كلاً منا سبيله الذي خُلق مِنْ أجله، والذي يجبُ عليه أن يسلكه في حياته. قالوا: كيف يصرفنا عن ذلك تهديدٌ، أو يصرفنا عنه تعذيبٌ، أو يفتننا عنه إغراءٌ؟ إنها كلمة ملؤها الإيمانُ الراسخُ الذي لا يشوبه شك، واليقينُ الثابت الذي لا يخالجه ارتياب، والثقة الجازمة التي لا يتسرب إليها وهمٌ، ولا يتطرق إليها وهنٌ. كلمة كلها عزمٌ لا ينثني، وقوةٌ لا تضعف، وتصميمٌ لا يضطرب، وصبرٌ ناتجٌ عن علم وخبرة، ناشئٌ عن بصيرة واطمئنان، إنه صبرُ ثقة وعقيدة، لا صبر خور وخوف، ولا صبر هزيمة وانكسار. كلمة لا تصدرُ إلا عن العالم المُجرِّب، والواعي المُحنَّك، يخاطبُ بها الجاهلَ إذا ضل، والمعاندَ إذا ركبَ رأسه، ويخاطبُ بها الظالمَ إذا طغى، والمتجبرَ إذا أخذته العزةُ بالإثم. كلمة المؤمنين الصادقين إذا وقفوا يدافعون عن الحق، لا يزحزحهم تهديدُ الخصوم وإنْ كثروا، ولا يرهبهم وعيدُ الطغاة وإنْ جاروا، ولا يصدُّهم عن عقيدتهم إرهابٌ، ولا يفتنهم عنها تعذيبٌ، ولا يثبِّطهم عن أداء الواجب مثبطٌ، أي مثبط كان، ومِنْ أية جهة جاء. كلمة صادقة وقوية: صادقة لأنها برزت ممّن آمن بالله، وقوية لأنها صدرت عمّن توكل على الله. فقد قالها مَنْ علم أنَّ الله هو الأول والآخر وهو الظاهر والباطن، وهو المُقدِّم والمُؤخِّر، وأنه بيده مقاليد السموات والأرض، وإليه يرجع الأمر كله. إنها التجاءُ الإنسان الضعيف إلى ربه القوي، وأين تتجهُ النفوسُ عند ما تدلهمُّ الخطوبُ وتشتدُّ الأزمات، إنْ لم تتجه إلى خالقها وبارئها؟ وإلى أي ملجأ يلجأ المخلوقُ الضعيفُ الذي دخلَ هذه الدنيا مرغماً، وسيَخرج مرغماً، إلى أي ملجأ إنْ لم يلجأ إلى مَنْ بيده الموت والحياة؟ أيتوكلُ على مخلوقٍ ذي مالٍ وجاهٍ أو سلطةٍ ومنعةٍ؟ إنَّ ذلك المخلوق ضعيفٌ مثله، يخافُ كما يخافُ هو أو أشد خوفاً، ويجهلُ مصيره كما يجهله هو أو أكثر جهلاً، يخافُ الفقر، ويخافُ المرض، ويخافُ مستقبله المجهول، ويخافُ ما تضمره الليالي الحبالى، ويخافُ الموت الذي يجهل ساعته كما يجهلُ مكانه وسببه، وهو بمصيره بعد الموت أكثرُ جهلاً مِنْ كل ذلك. أمّا المهتدون فقد توكلوا على غني قوي قادر، لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وتلك كلمتهم التي صدرنا بها هذا الموضوع، والتي وردتْ على لسانهم في القرآن الكريم كما تقدَّم آنفاً. والله سبحانه أمرَ نبيَّنا أن يقتدي بهداهم: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]. وأمرَه أنْ يصبرَ كما صبروا: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ﴾ [الأحقاف: 35]. والصابرُ هو الجديرُ بتحمُّل الأعباء المشتركة، فهو كفردٍ[7] يسعى ويجالدُ لاجتياز العقبات الخاصة التي تواجهه، وهو كجزءٍ من الأمة[8] يكافحُ ويجاهدُ لاجتياز العقبات العامة التي تواجه أمته. ولم يأمر اللهُ رسوله بالصبر فحسب، بل أمرَه أن لا يعترضَ على ما قدَّر اللهُ عليه، وما يَلحقه مِنْ أذى لا يستطيعُ دفعه: روى البخاريُّ في "صحيحه" عن أنس رضي الله عنه قال: شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟! فنزلت: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]. وكما أمرَه بالصبر على المكاره والشدائد، أمرَه بالثبات والصمود تجاه فتنة الإغراء، ولقد ثبتَ وصمدَ عليه السلام، أقوى ما يكون الثبات، وأرسخ ما يكون الصمود. وقف كبراءُ قريش تلك الوقفة العنيدة في وجه دعوة الرسول، ولمّا لم يفلحوا عمدوا إلى إغرائه بوافر المال، وعريض الجاه، وجميل المتاع، فقال كلمته المدوية الهائلة، كلمته الواضحة الصريحة: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه"[9]. وأمرَه بالثبات والصمود أمام العقبات والأهوال، فامتثل أمرَ ربه في حياته كلها حتى صارت تلك الأهوال تزيدُه قوة وإيماناً بالله، وثقةً بنصره، واطمئناناً إلى عونه ورعايته: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ [آل عمران: 173]. وأمرَه بالتوكل عليه في شأنه كله، صغيره وكبيره، خاصه وعامه، قال تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]. وقال سبحانه: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: 58]. والتوكلُ على الله معناهُ الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب، إذ لا بُدَّ من الدأب والسعي، وإعداد ما يمكن من العُدة، وبذل الوسع للخروج من المأزق، وعند العزم يكون التوكل: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]. ولكيلا يفهم أحدٌ أنَّ التوكل الاتكالُ على المقادير قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني في "معجمه الكبير" عن ابن عباس رضي الله عنهما: "اعملوا فكلٌّ ميسرٌ لما خُلق له"[10]. والتوكلُ مع العزم ومباشرة العمل، يقوّي العزيمة، ويطردُ الهواجس المثبطة، والوساوس الزائفة الكاذبة، والمتوكلُ يعمل جاهداً للوصول إلى ما يهدف، ولا يتراجعُ عند الصدمة الأولى. كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إنَّ المتوكلَ الذي يُلقي حبَّه في الأرض ويتوكل على الله". وكان يقول: "لا يقعد أحدُكم عن طلبِ الرزق، ويقول: اللهمَّ ارزقني، وقد علم أنَّ السماءَ لا تمطر ذهباً ولا فضة، وأنَّ الله تعالى يرزق الناس بعضهم من بعض". وكان يقولُ لمن قعد عن السعي وعاشَ على الصدقات مع قدرته على العمل، كان يقول لأمثال هؤلاء: "يا معشرَ الفقراء، لقد وضحَ الطريق، فاستبقوا الخيرات ولا تكونوا عيالاً على المسلمين". فالقعودُ عن السعي، وانتظارُ ما تأتي به المقادير، والاكتفاءُ بالدعاء، إنْ جاز فإنما يجوزُ للعاجز الذي لا يستطيع غير ذلك، أما مَنْ قدر على عمل، أي عمل كان مِنْ أعمال الخير له أو لغيره فلا عذرَ له إذا ما قعد أو توانى، حتى لو رضي أن يكون مع الخوالف. إنَّ الله سبحانه ربطَ الأسباب بمسبباتها، والغايات بوسائلها، والتوكلُ هو الاعتماد على الله مع مباشرة الأسباب كما تقدّم. أمّا انتظارُ المُسبب بدون سبب، وتوقُّع الغاية دون الوسيلة، فهو عبثٌ وجهلٌ، هذه سُنة الله الذي قال: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105]. ♦ ♦ ♦ ♦ (3) وذلك أضعف الإيمان[11] الإيمانُ يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، هذا مذهبُ السلف، ولغيرهم قولٌ أو أقوالٌ أخرى لستُ بصددها الآن. وفي القرآن الكريم: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [الفتح: 4]. وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما: "مَنْ رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان". يزداد الإيمانُ بالطاعات وينقص بالمعاصي، ويقوى فتقوى الثقةُ بالله بحيث لا يخافُ المؤمنُ أحداً سواه، ويضعفُ فتضعف تلك الثقة بحيث يخشى الناسَ كخشية الله، وقد يشتدُّ الإيمانُ ضعفاً فتكون خشية الرجل للناس أشدَّ مِنْ خشيته لله، وقد يتلاشى - والعياذ بالله - فلا يخشى إلا الناس، ولا يضطربُ إلا إذا أصيب في ماله، أو أهله، أو منصبه، والله سبحانه يقول: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]. والنبيُّ عليه السلام يقول -فيما رواه البيهقيُّ عن ابن عباس-: "لا ينبغي لامرئٍ شهد مقاماً فيه حق إلا تكلم به، فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقاً هو له"[12]. إذا قويَ إيمانُ الرجل جهرَ بالحق فأمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر، وسعى في تغييرهِ بالفعل أو بالقول أو بكليهما، وإذا ضعف إيمانُه لم يستطعْ أنْ يغيِّر المنكر لا بالفعل ولا بالقول، بل بقلبه بأن يكره ويعزم على تغييره متى استطاع "وذلك أضعف الإيمان". وصدقَ رسولُ الله إن ذلك أضعف الايمان، لأنَّ المؤمن قويٌّ بربه عزيزٌ بدينه، لا ينبغي أن يصل به الأمرُ إلى هذه الدرجة من الذل والخوف، وإذا ما حصل له ذلك فلا يعدو أن يكون شيئاً طارئاً وحالة وقتية قد تقعُ لبعض أفراد الأمة في وقتٍ ما وظرفٍ ما، ومع ذلك فيجبُ عليهم أن يعزموا على الخروج إلى الدرجة الثانية أو الأولى. نعم قد يحصلُ ذلك لبعض الأفراد لخطرٍ محدقٍ يصحبه ضعفُ الإيمان. أمّا وقوفُ أكثر أفراد الأمة ذلك الموقف الذليل الضعيف فلا يجوزُ بحال، وإنْ حصلَ ذلك فهم عندئذ لا يستحقون أن يكونوا خير أمة أخرجت للناس. وكيف يقفون ذلك الموقفَ السلبيَّ وهم يتلون قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]. ولا يسلمُ مِنَ الإثم من استطاعَ إزالة المنكر بالفعل إذا اكتفى بالإنكار القولي، كما لا يسلمُ من الإثم من استطاعَ الإنكار القولي إذا سكتَ مكتفياً بالإنكار القلبي. ولا ريبَ أنَّ الطائفة الأولى هي الفُضلى، وأنَّ الثانية أفضل من الثالثة. وليت شعري ماذا نسمِّي الطائفة الرابعة - إنْ صح التعبير - وهي التي سكتَ عنها الحديثُ الشريفُ، وفي سكوته إشعارٌ مخيفٌ إذ قد يدلُّ على أنها خارجة عن دائرة المؤمنين، أو أنها لا يُعتدُّ بها بل هي في عداد الأموات. وأقصدُ بالطائفة الرابعة ما إذا ذهبَ حتى الإنكار القلبي، وذلك عندما تكون المنكراتُ مألوفة، ولعمري إنَّ ذلك في مجتمعنا كثير، إنْ لم يكن كثيراً جداً، والأمر لله. نقل الإمامُ الغزالي في "الإحياء" أنَّ حذيفة رضي الله عنه سُئِلَ عن ميت الأحياء فقال: "الذي لا ينكر المنكر بيده، ولا بلسانه، ولا بقلبه". قال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79]. وفي الحديث الذي رواه الترمذي: "أن أول ما دخل النقصُ على بني اسرائيل أن كان الرجل يلقى الرجلَ فيقول: يا هذا اتقِ الله ودع ما تصنع به فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشربيه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض"[13]. أصابَهم ما أصابَهم لسكوتهم عن المنكر ومخالطتهم لأصحابه، ولم يقتصر الأمر الذي أصابهم على فاعلي المنكر بل عمَّ الجميع. والقرآن الكريم يصرِّح بأن الصالحَ قد يصيبُه ما يصيبُ قومَه الظالمين إذا سكتَ عن صنيعهم: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]. كما يصرّح في آيةٍ أخرى أنه تعالى ينجي مَنْ نهى عن المنكر: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 165]. والمسلمون عنصرُ إصلاح في الأرض، وقوةٌ إيجابية في الحياة، وقد جعلهم الله تعالى خيرَ الأمم، ولكن لماذا؟ أكان ذلك لوفرة أموالهم، وقوة أجسامهم؟ أم كان ذلك لكثرة عَدَدهم، ومضاء عُدَدهم؟ كلا، بل كانوا خيرَ الأمم لسببٍ خاصٍّ عيّنه اللهُ وحدّده في نفس الآية التي سماهم بها خير الأمم: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]. لذلك كلَّفهم اللهُ بنشر الهدى في الأرض. وكيف يتحقَّق ذلك إذا لم يهتدوا هم أنفسهم، وهل بالإمكان أن يصلحوا غيرهم إذا عجزوا عن إصلاح أنفسهم، ولا يمكن أن يكونوا مُصلحين إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، لأنَّ الأمر بالمعروف معناه الإصلاح، والنهي عن المنكر -أي إزالة الفساد- معناه الإصلاح أيضاً. المؤمن مكلفٌ باستخدام مواهبه لإشادة الحياة القوية الرفيعة السامية، ومكلفٌ ببناء المجتمع الفاضل الطاهر النظيف، وإنشاء الجيل الواعي المتضامن المتآلف. فهو مكلفٌ أن يظهرَ فلا ينزوي، ويصارعَ فلا يستسلم، ويعزَّ ولا يستكين. وهو مكلفٌ أن يتعلمَ ولا يبقى جاهلاً، ويتبصرَ ولا يبقى مغفلاً. ومكلفٌ أن يحبَّ لأبناء أمته ما يحبُّ لنفسه، ويكرهَ لهم ما يكرهُ لها. المفروض في المؤمن أن يكون صالحاً مُصلحاً، والإصلاح إذا كان واجباً على أفراد الأمة، فهو على أهلِ العلم أوجب، ولكن أكثرَهم يدعوهم الواجبُ فيفرون، وعن خوض المعركة يُحجمون، والذين أوقفوا[14] أنفسَهم للإصلاح قليلٌ بل أقل من القليل، أمّا الباقون فأكثرُهم يخافون فيختفون، مع أن أهل الباطل يتجاسرون ويتجاهرون، وهم يقلون والمنكرات تزداد، تزداد تنوّعاً وانتشاراً وتغلغلاً وفتكاً. نعم، المفروض في المؤمن أن يكون صالحاً مُصلحاً، والإصلاح كلمة محببة تشعُّ أملاً ونوراً، فيها من الخيرِ بقدرِ ما في الإفساد من الشر. والمصلحون في كل زمان ومكان هم الصفوة الهادية المختارة، والطائفة المنيرة الممتازة، وهم الخالدون: خالدون في الدنيا بحُسنِ الذكر، وجميلِ الأحدوثة على مرِّ السنين، وخالدون في الآخرة في نعيمِ الله ورضوان الله، ذلك النعيم الذي لا يعدلُه نعيمٌ. ♦ ♦ ♦ ♦ (4) ذكراك يا سيدي[15] ذكراكَ يا سيدي تبقى إلى الأبدِ تقتادُ أرواحَنا للواحدِ الصمدِ فالقلبُ تملؤه حباً لخالقهِ والنفسُ تدفعُها للخيرِ والرشدِ تمرُّ في هذا الشهر[16] ذكرى ميلاد الرسول الأعظم عليه أفضل الصلاة والسلام، وإنها لذكرى ليستْ كالذكريات، ذكرى حبيبة إلى قلوب المسلمين، كريمة في نفوسهم، عظيمة عندهم، بل عند الناس جميعاً لو أنصفوا، فقد نبهتْ إلى أنَّ الله كرَّمه[17] فلا ينبغي أنْ يرضى بالهون، وجعله حرّاً فلا ينبغي أنْ يخضع إلا للواحد القهار، لمن خلقه ورزقه، وأنَّه تعالى استخلفه في هذه الأرض ليعمرها بإشاعة الحُب، ومُناصرة العدل، والتواصي بالحق والصبر. وُلِدَ في هذا الشهر مَن اصطفاه الله لرسالته، واختاره لإخراج النَّاس مِنَ الظلمات إلى النور. مِنَ الباطل الزهوق المَقيت، إلى الحق الذي هو أحق أن يُتبع. مِنْ عبادة الأوثان والتمسُّك بالأوهام، إلى توحيد العلي الكبير. مِنْ تعاظمِ الإنسان على أخيه الإنسان، إلى الحُبِّ في الله والأخوة في الدين. مِنْ تنافرِ الآراءِ، وتعدُّد الأهواء، وفوضى النُّظم، وتباين المشاعر، وتشتُّت السُّبل والأهداف، إلى الوحدة في المُعتقد، والوحدة في الاتجاه. مِنْ تحيُّنِ الفرصِ للسلب والنهب، وغزوِ الآمنين، والافتخارِ بالظلم، والانتقامِ، إلى الدأبِ على نشر الهدى والإيمان، والمسارعة إلى إعلاء كلمة الله. كانت كلماتُ الله قد أيقظتْ ضميرَ الإنسان، ومزَّقت الحُجب عن بصيرته، ورفعت الأستارَ عن فطرته التي فطره الله عليها، فرأى أنَّ الله قد هداه النَّجدين ونظرَ أيهما يسلك. دفعته كلماتُ الله إلى أنْ يفكِّر ويتدبَّر ليفهم فيتعظ، ثم يمعن النظر ويرجع البصر كرتين فيجزم بأنَّ لهذا الكون خالقاً، ولهذه الأحياء رازقاً، ولهذا الفلك مدبِّراً. وهكذا كانت الرسالة تحمل الهدى للأرواح بعد ضلالها، وتشيع الثقة في النفوس بعد حيرتها واضطرابها، وتنشر الأمنَ والسلام في النَّاس بعد ذلك الشقاق القاتل، وبعد تلك الحروب المُبيدة، وكانت تبدل الشحناء والبغضاء بالمودة والألفة، والإيثار، والمشاركة في الشعور بالآلام والمسرات بحيث يكونون كالجسم الواحد يتألم بعضُه للبعض الآخر، وكالبنيان المرصوص يشد بعضُه أزرَ بعضه الآخر. وبعد أن طهرت القلوبُ مِنْ فاسد الاعتقاد ودنس الأباطيل ملأتها هدى ويقيناً وعفة وطهارة، حتى أشرق فيها نورُ الإيمان، وجرى في عروقها الاعتزازُ بالله، وحبُّ العمل الخالص في سبيل الله، فكانوا بحقٍّ خيرَ الناس: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾ [البينة: 7]. وقد علمتهم آياتُ الله، وعلمتهم سيرةُ رسول الله، أنْ يتواصوا بالصبر ويتواصوا بالرحمة، بعد أنْ أوجبت على كل مؤمنٍ أن يصبر ويثبت، أمرتهم مجتمعين أن يوصي بعضُهم بعضاً بذلك، ففرضتْ عليهم أن يكونوا مثبتين لا مثبّطين، ومناصرين لا مخذّلين، أوجبتْ عليهم وجوباً حتمياً أنْ يتعاونوا على دفع ما يحلُّ بهم من المصائب والنوازل، ويكونوا يداً واحدة عندما تقعُ على الأمة الكوارث، وتشتدُّ الأزمات، وتدلهم الخطوب. وكانت الرسالة قد أقرَّتْ في نفوسهم أنَّ رأسَ الحكمة مخافة الله، وبمخافة الله استطاعوا أن يسيطروا على نزعاتِ النفوس وهواها، ذلك الهوى العنيفُ الذي استولى على العُصاة فأوردهم النار وبئس الورد المورود، وهكذا كانت الجحيم هي المأوى. أمَّا المؤمنون الصَّادقون فقد نهوا أنفسَهم عن هواها، واستعانوا على إغرائه بالخوف من الله، فأنجاهم سبحانه وأدخلهم في رحمته: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات: 40، 41]. وقد تجمعت الفضائلُ البشرية ومكارمُ الأخلاق فتمثلتْ في خُلق الرسول، وفي سيرة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، فكان المثلَ الأعلى في كل فضيلة، وكان العبقريَّ الفذَّ في كل معرفة، وكان أفضلَ البشر في كل مكرمة، وسبحان مَنْ قال له: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فكان أشجعَ الناس، وأفصحَ النَّاس، وأعلمَ النَّاس، وأسخى الناس، وأعدلَ النَّاس، وأعفَّ النَّاس. غفر اللهُ له ما تقدَّم مِنْ ذنبه وما تأخر، فزاد في عبادته فكان يقوم من الليل ما شاء اللهُ أن يقوم، ولما قيل له في ذلك، قال: "أفلا أكون عبداً شكوراً"[18]؟ كان عشرات المئات من النَّاس عند فتح مكة ينتظرون كلمة مِنْ فمه الشريف، ينتظرون الكلمة التي تقرِّرُ مصيرَهم فقال لهم: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"[19]. كان ذلك النبي العظيم نفسُه يجالسُ الفقراء والمساكين، ويأكلُ مع العبيد، ويبدأ أصحابَه بالسَّلام، فلم يجدِ الكبرُ إلى قلبهِ الشريفِ الكبيرِ سبيلاً. ذلك النبيُّ العظيم الذي ملأتْ هيبتُه القلوبَ تراه عند حفر الخندق يحملُ التراب كواحدٍ من سائر المسلمين، وتراه يساعدُ أهله في شؤون بيته، وتراه يرقعُ ثوبه، ويَخْصِفُ نعله، ويحلبُ شاته. كان يفعلُ ذلك وأكثر من ذلك، ليضربَ للمؤمنين أمثلة عملية في الابتعاد عن الكِبْرِ وعن التعاظمِ على أبناء الأمة، وليعلمهم أنَّ العظيمَ من النَّاس مَنْ كان عظيماً بأفعاله وأخلاقه لا بمنصبه ومركزه. الله أكبر! ما هذا؟ إنَّ مَنْ ينظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه ثم يرجع إلى ما حوله الآن يجد أنَّه كان يتقلبُ في الرؤى الجميلة والأحلام، وإلا فكيف يكون ذلك الدين القيِّم وتلك الرسالة التي سعد بها المسلمون والتي كانت منهلاً لعطشهم الروحي، ومنظماً لكافة أمورهم، ودافعاً لرقيهم السريع المتتالي.. إلى أن جاء دورُنا في الحياة فإذا نحنُ في آخر القوافل. فأين تلك الدولة التي انتظمت الشرقَ والغربَ؟ وأين تلك العلومُ التي يردُ إليها الشرقُ والغربُ؟ وأين! وأين! تلك سُنّة الله في خلقه، لقد بدَّلنا وغيَّرنا، وإنَّ الله لا يغيرُ ما بقومٍ حتَّى يغيروا ما بأنفسهم. لقد نمنا واستيقظ غيرُنا. وقعدنا وسار غيرُنا. إذا كانت السلحفاة قد سبقت الأرنبَ في قصصِ الأطفال، فإنَّا نقول: إنَّ السلحفاة تسبق الحصانَ والغزالَ وو... خذل بعضُنا بعضاً فأكلتنا الأمم، وحاربتنا في عُقر دارنا، وصار غيرُ المسلم يحكمُ المسلمين في بلاد الإسلام، ويتحكَّم في خيرات بلاد المسلمين، ويقرِّرُ مصير المسلمين، وتلك حالة مؤلمة أشدَّ الإيلام، حالٌ مخجلةٌ أمامَ الله، مخجلةٌ أمامَ رسول الله. لقد كان رسولُ الله عليه الصلاة والسلام ينظرُ بنور الغيب حين أوصانا بأننا لا يمكنُ أن نصلح أنفسَنا إلا بما صلح به أولنا[20]. وإنَّ ذلك لممكنٌ قريبٌ بعون الله، ورعاية الله، ومَنْ قالَ غير ذلك فهو المثبِّطُ للعزائم المفتِّرُ للهِمم. فالمسلمون -بحمد الله- كثيرون، وفي بلادهم من الخيرات ما يُغنيهم، وفي كتاب الله ما يُرشدهم ويَهديهم، وفي سُنة رسول الله ما يُوضح لهم الطريق، والله على الأخذ بأيدينا قادرٌ، وما ذلك عليه بعزيزٍ. [1] ثم نُشر له فيها فتاوى كثيرة لما يرد إلى المجلة من أسئلة. [2] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الأولى، العدد (5)، ذو الحجة (1379هـ)، حزيران (1960م). [3] استعمل الشيخ - رحمه الله - لفظ "الصمود" بمعناه الشائع، وهو يريد: الثبات. [4] يُشير الشيخ - رحمه الله - إلى ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “قدمتم خير مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال: مجاهدة العبد هواه”. رواه البيهقي في كتابه “الزهد” (373)، والخطيب في "تاريخ بغداد"، في ترجمة واصل بن حمزة الصوفي (13/ 523)، عن جابر، وقال البيهقي: إسناده ضعيف، وتبعه العراقي. انظر "فيض القدير" (4/ 511). [5] إلى جانب النعيم الجسدي، ولعل الشيخ ذكرَ النعيم الروحي -وهو رؤية الحق سبحانه- لأنه الأعلى والأسمى. أو أنه وصف النعيم بالروحي لعلو شأنه فحسب. [6] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الثانية، العدد (6)، محرم الحرام (1380هـ)، تموز (1960م). [7] أي بصفته فرداً. [8] أي بصفته جزءاً من الأمّة. [9] حديث: "يا عم والله؛ لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، حتى يظهره الله، أو أهلك فيه؛ ما تركته". إسناده ضعيف. رواه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري، والبيهقي في "الدلائل" بإسناد منقطع. ولكن رواه البخاري في "التاريخ"، والطبراني في "الكبير"، وأبو يعلى في "مسنده"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "الدلائل" كلهم من طريق طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة عن عقيل بن أبي طالب مرفوعاً بلفظ: "ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم أن تشعلوا منها (يعني: الشمس) شعلة". وهذا إسناد حسن، فيه يونس بن بكير وطلحة بن يحيى بن عبيد الله، صدوقان. انظر: "السيرة النبوية" (1/ 329)، "المعجم الكبير" (7/ 192)، "مسند أبي يعلى" (12/ 176)، "التاريخ الكبير" (4/ 1/ 51/ رقم230ـ ترجمة ابن عقيل)، "الدلائل" (2/ 186)، "السلسلة الصحيحة" (1/ 147)، "السلسلة الضعيفة" (2/ 310). اهـ مِنْ "تخريج أحاديث وآثار كتاب في ظلال القرآن". [10] أخرجه البخاري (4666)، ومسلم (2647) عن علي. [11] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الثانية، العدد (7)، صفر (1380هـ)، آب (1960م). [12] عزاه العراقي في "المغني" إلى البيهقي في "الشُّعب" وقال: "وروى الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أبي سعيد: "لا يمنعن رجلاً هيبةُ الناس أنْ يقولَ الحقَّ إذا علمه". [13] أخرجه أبو داود (3048)، والترمذي (4338). [14] استعمل الشيخُ اللفظَ الشائعَ لوضوحه، والفصيح: وقفوا. [15] نُشرت في مجلة التربية الإسلامية ببغداد، السنة الثانية، العدد (8)، ربيع الأول (1380هـ)، أيلول (1960م). [16] شهر ربيع الأول الذي نشرت فيه هذه المقالة. [17] أي كرّم الإنسان. [18] أخرجه البخاري (1078)، ومسلم (2819). [19] قال ابن حجر في "فتح الباري" (8/ 18): "وعند ابن إسحاق بإسناد حسن عن صفية بنت شيبة قالت: "لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت فطاف به، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتح له فدخلها، ثم وقف على باب الكعبة فخطب" قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة، فذكر الحديث، وفيه: ثم قال: "يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء...". [20] جاء في "تاريخ المدينة" لابن شبة ضمن خطبة أبي بكر الأخيرة: "...وِإن هذا الأَمر الذي هو أَملك بنا لا يصلح آخره إِلا بما صلح أَوله...". وجاء في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (1/ 263) في كلام لعلي: "...إن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله...". وجاء في "مسند الموطأ" برقم (783): "أخبرنا الحسن بن علي بن شعبان قال: حدثنا أحمد بن مروان قال: حدثنا إبراهيم بن داريل قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: قال مالك: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا ثم لا يقول أبدا حتى يقول لنا: إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أوله. قلت له: يريد ماذا؟ قال يريد التقى". شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك