اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

تدبر سورة التحريم (وقفات أسرية مع سورة التحريم )

المشاركات التي تم ترشيحها

مقصد السورة:
إعداد وتربية البيت النبوي وتكميله ليكون أسوة وقدوة للمسلمين ولبيوت الأمة كلها.
د. محمد الربيعة
 
 
وقفات أسرية مع سورة التحريم 
 

 

هناك سورة من القرآن الكريم تناولت شؤون خير بيتٍ على الأرض، وهو بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي سورة التحريم، وجَّهت رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يدير بيته، ووجَّهت المسلمين في كيفية التعامل مع أسرهم، فلنقف مع هذه السورة الكريمة بعض الوقفات:

الوقفة الأولى: أن هذه السورة سُمِّيت بسورة التحريم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم على نفسه شيئًا لم يكن له أن يحرِّمه، ولم يأذن الله له في تحريمه، فعاتب الله رسوله صلى الله عليه وسلم في بداية السورة، وقال له جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ﴾ [التحريم: 1، 2]، فتبيَّن أن سبب التحريم هو إرضاء أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا قد يقع المسلم في مخالفة أمر الله بسبب أزواجه وأولاده، فلنكن حذرين من أن نقع فيما حرَّم الله بسبب رغبات الأهل، فقد بيَّن لنا القرآن أن تلك عداوة لله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ﴾ [التغابن: 14]، فأمر الله مقدَّم رضي الأهل أم لم يرضوا


 

الوقفة الثانية: أن سبب التحريم في السورة هو الغيرة بين نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، والغيرة فطرة في النساء غالبًا، وقد تصل إلى المعصية والجريمة، وإذا كان خير نساء الدنيا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقعت بينهنَّ الغيرة، فغيرهنَّ من النساء من باب أولى، وقد روى أنس رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: (غارت أُمُّكم)، ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت.

وواجب الزوج هنا التعامل الذكي مع الغيرة، بحيث يخفِّفها ولا يسمح لها بالتجاوز الشرعي.

 

الوقفة الثالثة: يجب على الزوجين حفظ أسرار بعضهما، فإنها من الأمانة، وقد أمر الله تعالى بحفظ الأسرار، خصوصًا أسرار الزوجين أمرًا عامًّا وخاصًّا، فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، وقال عز وجل: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هو مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ [التحريم: 3، 4]، فأوجب الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة من إفشاء سر النبي صلى الله عليه وسلم، وأكَّد النبي ذلك بقوله: (إن من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة: الرجل يفضي إلى المرأة، والمرأة تفضي إلى الرجل، ثم ينشر سرَّها)؛ رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

فالله اللهَ في حفظ سر الزوجة أن يذاع بلا إذنها لأمك أو أختك أو قريبك، فإن ذلك قد يدمِّر بيوتًا


 

الوقفة الرابعة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع، وخيرُ متاعها المرأة الصالحة)؛ رواه مسلم.

وقد ذكر الله تعالى صفات المرأة الصالحة في هذه السورة، وهي المرأة المسلمة في الظاهر، المؤمنة في الباطن، القانتة الخاشعة المتذللة لله ولزوجها، المجددة التوبة، العابدة لله في كل أمرها، السائحة المكثرة من الصيام.

 

الوقفة الخامسة: يحرص المسلم على وقاية نفسه وأهله من النار والمعاصي، فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [التحريم: 6].

والوقاية تكون بإبعادهم عن وسائل الحرام، وسد ذرائع الفساد في البيت، فإن المسلم المتقي لله لا يترك الحبل على الغارب للأولاد والبنات يسرحون ويمرحون بلا رقيب ولا حسيب، يشاهدون الأفلام الهابطة، ويصاحبون رفقاء السوء، ويشترون ما هب ودبَّ، لا أحد يعرف شيئًا عن خصوصياتهم وربما عمومياتهم، يظن الأب أنه بذلك يُشعرهم بالمسؤولية، ويُورثهم الثقة، وذلك عين الإهمال والتخلي عن المسؤولية؛ قال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، الرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها)؛ متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفِظ أم ضيَّع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته)؛ رواه النسائي وابن حبان.


د. عصام بن عبدالمحسن الحميدان
شبكة الالوكة

 

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


تدبر سورة التحريم 

 

﴿وإذ أسرالنبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ ليكن للزوجين وقت يبث كل واحد للآخر مايختلج صدره من هموم وأسرار؛وليكونا حافظين لها


{تبتغي مرضات أزواجك} لو قيل لرجل أمام الحضور أنه يبحث عن رضى زوجته لوجد حرجاً كبيرا فتأمل ماذا يبتغي نبينا ﷺ؟!!


(عرف بعضه وأعرض عن بعض) التغاضي عن بعض الأخطاء من أسرار نجاح الحياة الزوجية.


المواصفات القرآنية للمرأة الصالحة:مسلمات، مؤمناتٍ قانتات تائبات عابدات سائحات


بغض الكفار للمؤمنين يفوق كل وصف، عذب فرعون زوجته عذابا شديدا ولم يشفع لها طول عشرتها له. ﴿.. ونجني من فرعون وعمله﴾


(ياأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا )التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته،وأن تستغفر ﷲ كلماذكرته الحسن البصري


مسؤولية المؤمن لا تتوقف عند حدود نفسه، بل تتعداها إلى أهله. ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا …﴾


(ضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون…) درس في الصبر والثبات والإيمان لكل زوجة ابتليت بزوج ظالم ، فأسوأ زوج مسلم لن يكون كفرعون.


من حسن خلقه ﷺ مع زوجاته أنه كان لا يتوسع في العتاب، بل يعرض عن بعض الأخطاء إبقاءً على المودة.


{ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين } إياك أن تعتمد على صلاح من حولك وتنسى نفسك !!! بل : {قُواْ أَنفُسَكُمْ}


من علامات صلاح المؤمن .. نصرته لرسوله ﷺ ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ..)


(فلما نبأها به) فلا بد من المكاشفة والمناصحة لعلاج اﻷخطاء .. ولكن دون سرف وإنما بقدر الحاجة ( عرف بعضه)


﴿إذ قالت رب ابن لى عندك بيتافى الجنة﴾ كانت في قصر لكن لـما أبصر قلبها نعيم الآخرة تحطمت في عينها قصور الدنيا الزائلة

 

(امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا )

خيانة امرأة لوط وامرأة نوح لم تكن خيانة عرض ولكن كانت خيانة دين وهذا أعظم عند الله.
قال السعدي *فَخَانَتَاهُمَا*في الدين، بأن كانتا على غير دين زوجيهماوهذا هو المراد بالخيانة لاخيانة النسب والفراش

في حياةالعظماء مواقف يخفونهاعن الناس أما حياةالنبي فهي كتاب مفتوح للناس ليس فيها ما يخجل من إظهاره ولا ما يحجبه عنهم


(عرّف بعضه وأعرض عن بعض) ما أحوج بيوتنا لسنّة التغافل! لو تعلمنا هذا الخُلُق النبوي لعمرت بيوتنا بالود وحسن العشرة

 

﴿مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا﴾ لا يجتمع في امرأة واحدة وصف [ ثيبات وأبكرا] لهذا جاء بالواو بينهما


لاتقل[المجتمع ما يساعد]انظر إلى امرأة فرعون كانت مؤمنة وهي تحت الطاغية فرعون﴿ وضرب الله مثلا للذين آمنوا …﴾ ولم يصرّح باسمها


“يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم” وحتى المؤمن المقصر والله لن يجد عذرا يعتذر به لربه مع كل وسائل المعرفة.


﴿ رب ابن لي عندك بيتا في الجنه﴾ طلبت المنزله قبل المنزل


﴿كانتا تحت عبدين﴾ لم يقلها عند الحديث عن امرأة فرعون لانه لا ولاية لكافر على مسلمة ..؟!


﴿وقودها الناس والحجارة﴾ فى المساواة بين الناس والحجارة هنا دليل على الإهانة والذلة لاصحاب النار


(ربِّ ابن لي عندك بيتًا في الجنة) عندما دخل الإيمان في قلبها ايقنت أن الراحة ليست في قصر فرعون وانما بالقرب من الله

 

* ما الحكمة من قرن الناس بالحجارة ؟

الجواب:

لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصنامًا وجعلوها لله أندادا وعبدوها من دونه قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ} [الأنبياء: 98]

ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء التي يستشفعون بها ويستدفعون المضار بها جعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغًا وإغرابًا في تحسرهم.

الحاوي في التفسير

 

* (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا )

* من شروط التوبة تدارك ما يمكن تداركه مما وقع التفريط فيه مثل المظالم للقادر على ردّها .

روي عن علي رضي الله عنه : يجمع التوبة ستة أشياء :

- الندامة على الماضي من الذنوب.

- وإعادة الفرائض.

- واستحلال الخصوم.

- وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية.

- وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي.

- ورد المظالم.

التحرير والتنوير

 

 

* في ختام سورة التحريم ذكر 3أصناف من النساء :

فالأولى: لا تنفعها صلتها وسببها.

والثانية: لا تضرها صلتها وسببها.

والثالثة: لا يضرها عدم الصلة شيئا.

ثم في هذه الأمثال من الأسرار البديعة ما يناسب سياق السورة. فإنها سيقت في

ذكر أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتحذيرهن من التظاهر عليه، وأنهن إن لم يطعن اللّه ورسوله، ويردن الدار الآخرة:

لم ينفعهن اتصالهن برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط اتصالهما بهما.

قال يحيى بن سلام: ضرب اللّه المثل الأول يحذر عائشة وحفصة، ثم ضرب لهما

المثل الثاني يحرضهما على التمسك بالطاعة.

(ابن القيم )

 

* في سورة الأنبياء لم يذكر اسم مريم عليها السلام بينما ذكره في سورة التحريم. والسبب في ذلك هو أنه أولاً في سورة الأنبياء كان السياق في ذكر الأنبياء (إبراهيم، لوط، موسى، وزكريا ويحيى) ثم قال (والتي أحصنت فرجها) ولم يُصرّح القرآن باسمها في سورة الأنبياء لأن السياق في ذكر الأنبياء وهي ليست نبية

أما في سورة التحريم فذكر اسمها لأن السياق كان في ذكر النساء ومنهم (امرأة فرعون، امرأة لوط وامرأة نوح) فناسب ذكر اسمها حيث ذكر النساء.

ونلاحظ في سورة التحريم أنها من أعلى المذكورات في سياق النساء ولهذا ذكر اسمها من باب المدح. أما في سورة الأنبياء فهي أقلّ المذكورين في السورة منزلة أي الأنبياء فلم يذكر اسمها .

د/ فاضل السامرائي

 

المصدر مجالس التدبر وصيد الفوائد

 

,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,

 

 
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَعْتَذِرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٧﴾ ] ولما كان النبي ﷺ أعظم من أريد بأمر الأمة بالتأدب معه، فكان تعمد الإخلال بالأدب معه كفرا، علم أن هذه النار لأولئك، فعلم أن التقدير: يقولون: (يا أيها الذين كفروا) أي بالإخلال بالأدب في النبي صلى الله عليه وسلم، فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع سائر خلقه. البقاعي: 20/199.
 
 
﴿ نَارًا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٦﴾ ] وصف الله النار بهذه الأوصاف ليزجر عباده عن التهاون بأمره. السعدي: 874.
 
 
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٦﴾ ] عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي بالانتهاء عما نهاكم الله تعالى عنه، والعمل بطاعته ... يعني: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر وعلموهم وأدبوهم. البغوي: 4/430.
 
 
﴿ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٣﴾ ] وإعراض الرسول ﷺ عن تعريف زوجه ببعض الحديث الذي أفشته من كرم خلقه؛ قال سفيان: ما زَال التغافل من فعل الكرام ، وقال الحسن: ما استقصى كريمٌ قط ، وما زاد على المقصود يَقْلِب العتاب من عتاب إلى تقريع. ابن عاشور: 28/353.
 
 
﴿ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِۦ وَأَظْهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُۥ وَأَعْرَضَ عَنۢ بَعْضٍ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٣﴾ ] الكف عن بعض العتب أبعث على حياء المعتوب، وأعون على توبته وعدم عودته إلى فعل مثله، (وأعرض عن بعض) وهو أمر السرية والعسل؛ تكرما منه أن يستقصي في العتاب، وحياء وحسن عشرة، قال الحسن: ما استقصى كريم قط. وقال سفيان الثوري: ما زال التغافل من فعل الكبراء. البقاعي: 20/186.
 
 
﴿ وَإِذْ أَسَرَّ ٱلنَّبِىُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَٰجِهِۦ حَدِيثًا ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٣﴾ ] واستدل بالآية على أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يركن إليه من زوجة أو صديق، وأنه يلزمه كتمه. الألوسي: 14/346.
 
 
﴿ قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٢﴾ ] (الْعَلِيمُ) فيعلم ما يصلحكم، فيشرعه سبحانه لكم، (الْحَكِيمُ) المتقن أفعاله وأحكامه؛ فلا يأمركم ولا ينهاكم إلا حسبما تقتضيه الحكمة. الألوسي: 14/345.
 
 
﴿ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿١١﴾ ] في الآية دليل على أن الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه عز وجل، ومسألة الخلاص منه تعالى عند المحن والنوازل من سير الصالحين وسنن الأنبياء، وهو في القرآن كثير. الألوسي: 14/358.
 
 
﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿١١﴾ ] قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. ابن كثير: 4/394.
 
 
﴿ وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ وَنَجِّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِى مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿١١﴾ ] ووجه المثل: أن اتصال المؤمن بالكافر لا يضره شيئاً إذا فارقه في كفره وعمله، فمعصية الغير لا تضر المؤمن المطيع شيئاً في الآخرة، وإن تضرر بها في الدنيا بسبب العقوبة التي تحل بأهل الأرض إذا أضاعوا أمر الله، فتأتي عامة، فلم يضر امرأة فرعون اتصالها به وهو من أكفر الكافرين. ابن القيم: 3/170.
 
 
﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَٰلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا وَقِيلَ ٱدْخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿١٠﴾ ] ضرب هذا المثل تنبيهاً على أنه لا يغني أحد في الآخرة عن قريب ولا نسيب إذا فرق بينهما الدين. القرطبي: 21/102.
 
 
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٩﴾ ] ومعلوم أن المنافقين كافرون، فكان جهاده ﷺ للكفار بالسيف، ومع المنافقين بالقرآن، كما جاء عنه ﷺ في عدم قتلهم: (لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، ولكن كان جهادهم بالقرآن لا يقل شدة عليهم من السيف؛ لأنهم أصبحوا في خوف وذعر؛ يحسبون كل صيحة عليهم، وأصبحت قلوبهم خاوية كأنهم خشب مسندة، وهذا أشد عليهم من الملاقاة بالسيف، والعلم عند الله تعالى. الشنقيطي: 8/223.
 
 
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَٰهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٩﴾ ] فإن الغلظة عليهم من اللين لله، كما أن اللين لأهل الله من خشية الله، وقد أمره سبحانه باللين لهم في أول الأمر لإزالة أعذارهم وبيان إصرارهم، فلما بلغ الرفق أقصى مداه جازه إلى الغلظة وتعداه. البقاعي: 20/206.
 
 
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا ﴾ [ سورة التحريم آية:﴿٨﴾ ] قال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيء الإخوان. البغوي: 4/430-431.
 
المصدر الكلم الطيب
 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بفضله ورحمته من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، إنه سميع مجيب الدعاء.

مقدمة حول أهمية المرأة في القرآن

اليوم تدبرنا في سورة عظيمة من سور القرآن الكريم. وما أعظم سور القرآن الكريم! سور الحديث فيها جاء عن النساء، وكثير من سور القرآن جاء الحديث بها وفيها حول النساء، وذلك كما نعلم أن المرأة تشكل جزءاً كبيراً ومهم جداً في الحياة الأسرية، في الحياة الاجتماعية، في حياة الأمم والدول والشعوب. ولذلك هذه الحفاوة بالمرأة ومكانتها والتركيز على أثرها ودورها له مكانته. ما يستطيع أن يفهم منه الإنسان ما هو موقع المرأة في كتاب الله عز وجل وفي الإسلام.

السورة التي بين أيدينا ذكرت بشكل مباشر أربعاً من النساء كن لهن هؤلاء النسوة أثر كبير في المجتمعات، ولكن ممكن أن يكون الأثر سلبياً وممكن أن يكون أثراً إيجابياً كما سنتعلم في هذه الوقفات. هذا بشكل مباشر أربعة، ثم هناك من النساء من أشارت إليهن السورة ومن بعدهن نساء المؤمنين في كل زمان ومكان.

سورة التحريم وأثر النساء فيها

السورة جاءت ونزلت في السنة الخامسة أو بعدها بقليل من الهجرة النبوية، يعني وقت بناء المجتمع المسلم. ودائماً السور التي نزلت في تلك الفترة تركز على الأساسيات التي بها تبنى وتعرف المجتمعات. أي مجتمع من المجتمعات، أي بيت من البيوت والأسر المسلمة لا يُبنى فقط بطوب أو حجارة وإسمنت، يُبنى بالعناصر الفاعلة فيه، العناصر المؤثرة والتي تأتي على قمتها ورأسها المرأة.

السورة العظيمة نزلت وهي تحكي لنا طرفاً مما كان يدور في بيت الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم. وبيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيت عظيم كريم شريف، ولكن القرآن كعادته لا يذهب بنا نحو المثالية ويبتعد عن الواقعية. بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم كغيره من بيوت المسلمين، كغيره من بيوت البشر، تمر عليه حالات، تمر عليه ظروف صعبة، تمر عليه إشكاليات أسرية. شيء طبيعي لأن القرآن يعالج ويخاطب واقعاً لا يخاطب مثالاً، يخاطب شيء واقعي. والشيء الواقع الذي يخاطبه ويصلحه القرآن لا بد أن يأتي وهو يتناول مشاكل أسرية واجتماعية حقيقية.

سورة التحريم وموقعها بعد سورة الطلاق

السورة موقعها في كتاب الله عز وجل جاءت بعد سورة الطلاق. نحن ذكرنا في مرات سابقة وتدبر سورة الطلاق أن سورة الطلاق على غير ما يظن أول من يسمع باسمها حوت بشائر، حوت العديد من الأخبار السارة التي ينبغي أن تكون موجودة في فكر الإنسان وحياته مهما تأزمت به الظروف، فظروف ممكن تتغير. ولذلك سميت سورة الطلاق. الطلاق من أصعب المواقف التي يمر بها الإنسان، امرأة أو رجل. والسورة جاءت تتحدث عن البشائر وجاءت توصي بالمرأة خيراً في أكثر من موقع.

وإذا بسورة التحريم، القرآن من قواعد التدبر أنك تقرأ السورة مع السورة مع التي تليها مع التي قبلها لتشكل عندك البناء الحقيقي. سورة التحريم جاءت تركز على دور المرأة وتؤكد للمرأة أنه صحيح يا نساء القرآن وصى بكن خيراً وأعطاكن هذه المكانة والمنزلة الرفيعة العظيمة، ولكن أن تكون أهلاً لتلك المنزلة. الله سبحانه وتعالى له المثل الأعلى حين يعطي الإنسان منزلة أو دور مهم ومكانة معينة، لا بد أن يكون ذلك الإنسان على قدر تلك المسؤولية والمكانة. ولله المثل الأعلى. نحن في حياتنا الإنسانية ومجتمعاتنا حين توكل مهمة لإنسان ودور مهم واستراتيجي، لا بد أن يكون ذلك الإنسان على قدر ذلك الدور وتلك المهمة، أليس كذلك؟

والقرآن العظيم نزل ليقول للمرأة في سورة التحريم: كوني على قدر المسؤولية. القرآن أعطاك مكانة ومنزلة، كوني على قدر تلك المسؤولية والموقع الذي أعطاك القرآن.

الخطاب النبوي في سورة التحريم

ثم ابتدأت السورة بذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخطاب والتودد إليه كما بدأت بها سورة الطلاق: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك". وهنا لفتة عظيمة جداً. النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن كله لم يخاطب باسمه مجرداً. هذا اللقب أنت حين تعطي اللقب هذا تكريم، ونبينا صلى الله عليه وآله وسلم فضل على الرسل وفضل على بني آدم جميعاً. فربي سبحانه وتعالى في هذا الكتاب الكريم لا يخاطبه باسمه يا محمد، على الرغم من أنه قد خاطب غيره من الأنبياء. قال: "يا موسى"، قال: "يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا". ولكن حين يأتي الحديث إلى النبي الكريم عليه الصلاة والسلام يأتي ومعه اللقب: "يا أيها النبي".

وهذا يدل على أي شيء؟ يدل على ضرورة توقير واحترام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حياته كما بعد حياته عليه الصلاة والسلام. وهناك جملة من سلسلة في الاحترام للنبي عليه الصلاة والسلام. فمن احترامه وتوقيره وتعزيره عليه الصلاة والسلام تحترم سنته وآدابه وكل ما جاء به. الاحترام ليس فقط احترام لفظ أو شكل، وإنما الاحترام المعنوي الذي جاء به القرآن بالتمسك بما جاء فيه وفي سنته عليه الصلاة والسلام.

قصة نزول الآيات: حادثة العسل

قال: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك". ونحن حين نأتي عند النص القرآني نراه يذهب بنا في عمق بيت النبي عليه الصلاة والسلام لينقل لنا الحدث وما دار بينه وبين زوجاته رضوان الله عليهم. هذا الحدث لما نأتي إلى كتب التفاسير، كثير من كتب التفاسير نجد تفاصيل، القرآن ما وقف بها عندنا. واحدة من كثير من تلك التفاسير تذهب بروعة ونقاوة الآيات العظيمة وسموها التي جاءت لتحدثنا أن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كان نبياً محباً للسلام، كما هو معروف عنه هو رسول السلام الرحمن، وكان من الأشياء التي يهتم بها كثيراً في بيته. تدبر مع السورة العظيمة تتحدث عن البيت هنا، لا تتحدث عن مجتمع ولا عن أمة.

نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام رسول سلام، فكان يحب أن يشيع ويستقر السلام السكينة في بيته ومنزله. ومن منا لا يحب؟ ولكن كثير ممن يرفعون شعارات السلام والتسامح والرحمة اليوم والاحترام، تراه يرفعها خارج بيته ولكن في بيته تراه شيئاً آخر. كثيراً هادئاً متزناً عقلانياً جداً خارج بيته، ولكن داخل بيته شيء آخر. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب أروع الأمثلة أن السلام يبدأ بذاتك وبيتك ومدرستك ومجتمعك ليخرج بعد ذلك إلى الأمة. فأقر رسول سلام.

ولأنه رسول سلام عليه الصلاة والسلام، بعض النساء زوجاته يحدث بينهن ما يحدث بين الضرائر كما يقال، في تنافس على المنزلة التي تكون أقرب إلى قلب النبي عليه الصلاة والسلام. وتعددت الروايات وبعضها لا تليق بمقامه عليه الصلاة والسلام في كتب التفاسير، من أين جاءت؟ نقل الكثير منها من الإسرائيليات. ولذلك أعظم قاعدة من قواعد التدبر ونحن نتدبر في كتاب الله أني لا أحمل النص ما لا يحتمله.

نص القرآن جاء، ما جاءني بتفاصيل، جاءني: "لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك". تريد أن ترضيهن. لماذا أراد رضاهم عليه الصلاة والسلام؟ ليستتب الأمن والسلام وتختفي النزاعات والمعارك ووجود شيء من ما يمكن أن يعتري الحياة الزوجية التي فيها -ونحن نعلم ونحن حتى في البيوت التي فيها زوجة واحدة في مشاكل- فكيف لما تكون هناك تسع نسوة أو ثمانية أو أكثر أو… إذن هناك إشكاليات، فهو أراد أن يكون هناك سلام. وجاء القرآن الكريم معاتباً بأجمل عبارات التحبب والعتاب والود. المنزلة منزلتها صلى الله عليه وسلم.

إذن، القصة أكثر ما كانت تدور عليه: النبي عليه الصلاة والسلام كان قد ذهب إلى بيت واحدة من زوجاته، القرآن ما ذكرها ولكن في بعض أسباب النزول ذكرت أنها السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها. أعطته شيئاً من العسل، وكان نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم يحب العسل، فتناول شيئاً منه وطال به المقام عند تلك الزوجة رضي الله عنها. الزوجات الأخريات وقد جاءت الآيات بسبب النزول فيهن السيدة عائشة رضي الله عنها والسيدة حفصة رضي الله عنها. فهن لما رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام قد تأخر بعض الشيء عند السيدة زينب، وقعت -القرآن الذي يحدثني القرآن عنه- فاتفقنا فيما بينهن وكنا صديقات وصاحبات، فاتفقت السيدة الكريمة عائشة رضي الله عنها مع السيدة الكريمة حفصة رضي الله عنها أن إذا جاء بعد ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، دعينا نقول له أن فيك رائحة مغافير، مادة معينة تشبه العسل ولكنها ليست كرائحة العسل الطيبة الزكية. وكنا يعرفن بحكم الزوجية أن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام يحب الرائحة الطيبة، يحب هذا. حبب إليه الزينة والتعطر والرائحة الجميلة الزكية. فإذا ما قلنا له ذلك، شيء طبيعي أنه لن يعود إلى زينب مرة أخرى ليأكل عندها العسل.

قضية تحصل، قضية تحدث في الحياة الزوجية، نوع من التنافس. لحد الآن المسألة ماشية في هذا الإطار. ولكن النبي عليه الصلاة والسلام حين جاء إليهن وقالت إحداهن هذا الكلام، هو وصى قال: "لا أنا لن أكل هذا العسل مرة أخرى". فقط: "أنتِ اكتمي الموضوع، خليه بيني وبينك". بطبيعة الحال إذا انتشر الخبر سيحدث هناك لغط في الموضوع ولغط ومشاكل. والنبي الكريم كما قلنا عليه الصلاة والسلام يريد السلام بين البيوت، في بيته بين أزواجه. ولكن هذه المرأة الكريمة رضي الله عنها أخذت الخبر ونقلته إلى السيدة الأخرى الكريمة رضي الله عنها السيدة عائشة.

معالجة القرآن للمشاكل الأسرية

فنزلت الآيات تؤدب، تعلم، تربي، تصحح، تبين أن القرآن يعالج واقعاً لا مثالاً. وفي نفس الوقت ترسل رسالة لكل الأجيال التي تتعامل مع كتاب الله عز وجل أن يا ناس يا نساء يا رجال يا أمم، حين يحدث هناك من المشاكل، صححها بالقرآن. أنت تريد أن تصحح واقعك صححه بالقرآن. تعدل أوضاعك الأسرية والزوجية والمجتمعية بهذا الكتاب العظيم.

فبدأ الخطاب العظيم: "يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك". شيء حلال لأجل أن يستقر البيت عندك وتستقر الأوضاع فيه، لا تحرم على نفسك شيئاً أباحه الله لك. طيب المشكلة، المشكلة حلها من جذورها، لا تحلها عن طريق تحرم ما أحل الله لك. رسالة عظيمة جداً لكل الأسر، لكل البيوت. صحيح السلام في بيوتنا والاستقرار والسكينة شيء مهم جداً وضروري، ولكن هذه الضرورة لا تدفع بك إلى أن تعالج القضية معالجة سطحية ليست من الجذور والأعماق. عالجها بعمق من الأساس، لا تعالج فقط الشكلية. نريد الاستقرار في بيوتنا وحياتنا الأسرية، لكن المعالجات السطحية عن طريق الطبطبة فقط دون المعالجات الجذرية لن تأتي بنتيجة. وإذا جاءت بنتيجة فيك المسكن تأخذه يبعد عنك الصداع ساعات وربما كم يوم، ولكن لا يعالج ولا يشفي جرحاً ولا يرمم بيتاً. والقرآن يريد أن يشفي الجرح ويرمم البيوت.

"يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ". طبعاً هنا الرضا كما قلنا مرتبط بأي شيء؟ استقرار، استقرار سكن. النبي عليه الصلاة والسلام يريد حياة مستقرة في البيت، لا يريد إشكاليات، لا يريد مشاكل، لا يريد نوع من أنواع النزاعات التي يمكن أن تحدث. فعليه الصلاة والسلام اجتهد فيما لا إثم له فيه. هنا الوحي فيه إثم، ولكن هنا اجتهد أنه يعالج الموضوع بهذه الطريقة. فنزل القرآن معاتباً بهذا النداء الجميل الحبيب لشخصه صلى الله عليه وسلم.

قضية اليمين وضرورة حل المشاكل من جذورها

ثم إن القرآن قال وأعطى لكل المؤمنين والمسلمين: "قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَـٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ". ولنا أن نتوقف. القرآن حين تقرأ آياته لا بد أن تتوقف عند كل آية. لماذا القرآن العظيم في سورة التحريم بدأ بقضية اليمين؟ وقد ورد في أكثر الأسباب في النزول أن النبي عليه الصلاة والسلام حلف اليمين أن لا يأكل من هذا العسل أو ما شابه. اليوم لو نظرنا إلى أسرنا وبيوتنا لوجدنا أن قضية حلف اليمين من الأزواج أو الزوجات وخاصة من الأزواج أخذت حيزاً واسعاً كبيراً حتى باتت مشكلة حقيقية. فترى أن بعض الأزواج بسرعة أو بغضب يلقي ويحلف باليمين ويرمي باليمين على أبسط الأشياء، وتحدث هناك مشاكل ولا يستطيع أن يعالجها إلا بالأسهل ألا وهو اليمين.

فنزل القرآن ليصحح وضعاً وليبني ويؤكد حقيقة وقاعدة أن الأمور لا تحل بالأيمان. الأيمان أنه يحلف بالله على شيء: "بالله كذا أنا ما أفعل، بالله كذا ما تخرج". هذه لا تحل مشكلة، لا تعالج لا من قبل الرجل ولا من قبل المرأة. وإذا خوطب بها نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام وعوتب فيها، فالعتاب لغيره أولى. إذن بيتك صحح وعالج وعالج أوضاعه، ولكن ليس عن طريق الأيمان. ولذلك قال: "قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم". تحلل اليمين. والإنسان يمكن أن يحلل اليمين يعني يترك ما أقسم عليه حين يرى ما هو أفضل منه. والكفارة موجودة.

والله سبحانه وتعالى مولاكم، لماذا جاء بمولاكم؟ لأنه هو الذي يتولى إصلاح الشؤون، شؤون حياتي وحياتك. نحن لا نتولى إصلاح شؤون حياتنا إلا حين نجعل هذا الكتاب العظيم يتولى زمام القيادة في حياتنا في صغيرها وكبيرها، في البيوت وخارجها، في النساء وفي الرجال، في القلوب وفي الأعمال، في الظواهر وفي البواطن. إذن هو القرآن قال: "والله مولاكم".

متدبر في نهاية الكلمة قال: "وهو العليم الحكيم". الذي يتولى شؤون حياتك من صفته عز وجل أنه عالم بخطرات ذاتك، عالم بخلجات مشاعرك وأحاسيسك. حكيم في تشريعاته وأوامره. حين يشرع ويمنعك ويحرم عليك هو حكيم له حكمة، وحين يبيح لك وحين يعاتبك أنك قد حرمت شيئاً أباحه لك، في ذلك حكمة. تدبروا معي هذه المعاني العظيمة من بدايات السورة: "لم تحرم ما أحل الله لك". المشاكل لا تحل بالأيمان ولا بالتحريم. إذن كيف تحل؟ بما سيأتي عليه.

أدب العتاب والتغاضي في العلاقات الأسرية

ثم جاءت تفاصيل القصة: "وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعضه". الآية كلها تعاليم وتوجه تربوي. "عرف بعضه وأعرض عن بعضه". نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام كما تروى الأحاديث الصحيحة جاء إلى السيدة حفصة رضي الله عنها فعاتبها عتاباً محبباً. وتدبروا معي في عتاب محمود وفي عتاب مذموم. هذا الأدب الرفيع نحن بحاجة إليه في تعاملاتنا وخاصة التعاملات الأسرية. العتاب بين الزوجين لا يكون بالصراخ والعويل والتأنيب والتعنيف والشدة، وكأن الرجل يربي المرأة والمرأة تربي الرجل. لا أحد فيكم يربي الآخر، لا الرجل يربي المرأة ولا المرأة تربي الرجل، كل يربي نفسه، هذا توجيه القرآن.

العتاب حين يتحول إلى عملية تأنيب وتقريع وتربية يحدث مشكلة هو في حد ذاته بأسلوبه الفج الغليظ بنبرة الصوت العالية بالطريقة بالكلمات بالدخول في التفاصيل. أهلكتنا التفاصيل في علاقاتنا الاجتماعية وما عدنا نعرف كيف نعظم أنفسنا بالتغاضي ولا نعطي لأنفسنا قدر من الاحترام لنا ولغيرنا بالتغاضي. بمعنى آخر كأنك ما سمعت، كأنك ما شفت، كأنك ما أبصرت، كأنك ما دريت، كأنك ما عرفت. ليس لأنك تريد أن تتصنع ذلك، ولكن لأنك تريد أن تحمي بيتاً وتريد أن تحمي علاقة عظيمة فيما بينك وبين هذا الزوج، فيما بينك وبين الأهل، فيما بينك وبين الأصدقاء، فيما بينك وبين معارفك.

بعض الناس الآن خاصة في زماننا لا بد أن يأتي في عتابه على كل التفاصيل ليبين ويبرهن ويؤكد أنه ذكي جداً. هذا لا يدل على ذكاء، هذا يدل على شيء آخر. لأن الذكاء أنك تعرف الشيء بتفاصيله وتتغاضى عنه. ليس لأنك ضعيف ولا لأنك لا تمتلك الرد ولا لأنك لا تعرف كيف تسوق وتقول الكلمات، لا ولكن لأنك أكبر من هذا. ما الذي كبرك؟ تعاليم القرآن. ما الذي أعطاك هذه القوة في الشخصية؟ هذا القرآن الذي يربينا. من الذي علمك أن الكلمة ليست بالعشرة ولا ترد بالعشرة وأن هناك العديد من الكلمات والأوصاف والعبارات يحتاج أنك أنت تمشيها؟ هذا القرآن من الله.

تدبروا معي توجيه يعرض لنا أي شيء؟ عمل من أعمال النبي عليه الصلاة والسلام الذي ينبغي أن نوقره، ومن احترامه وتوقيره أنك تعرف بعضاً وتعرض عن بعض. حتى حين تعاتب، حتى حين تعاتب لا تدخل في التفاصيل، لا تدخل في التفاصيل. ولو رأينا إلى معظم المشاكل الأسرية في حياتنا، رقم واحد في حياتنا يتصدرها التفاصيل. "أنت فعلت في يوم كذا وكذا بالساعة باليوم". وكأنه دفتر حساب. ما هكذا تؤتى ولا هكذا تحل المشاكل التربوية ولا الزوجية ولا العلاقات التي حطمت بسبب التفاصيل والدقة في التفاصيل. تدبروا معي في هذا النمط من التربية، نمط عظيم جداً مجتمعي وتربوي.

 

د.رقية العلواني

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الرد على التأويلات الخاطئة لقول السيدة حفصة

قال: "عرف بعضه وأعرض عن بعض". "فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا؟". وهنا شيء خطير جداً ونحن نتعامل مع الكثير من الكتب وخاصة في بعض كتب التفاسير، ملئت كما قلت بالإسرائيليات والانتقاص من شخص زوجات النبي صلى الله عليه وسلم والطعن بهن رضي الله عنهم. فقال البعض منهم وقد تجرأ -وهذا من أين جاء؟ من الإسرائيليات. لماذا من بني إسرائيل؟- بني إسرائيل لديهم عقدة نفسية كثير من الأحيان نقلها القرآن. حبب إليهم النيل من أنبيائهم ورسلهم وتحطيم تلك الرموز العظيمة التي شرفها الله واصطفاها وكرمها. يا ترى لأجل أي شيء؟ لأنك حين تحطم ذلك الرمز المتمثل في شخص النبي وزوجاته وتنال منهم، إن تتبرر لنفسك نقصاً. فهم أرادوا هذا والقرآن نقل عنهم هذا.

فلما جاءوا إلى نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام أرادوا النيل منه فما استطاعوا، حماه الله. "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم". فلما حماه الله وحمى زوجاته كذلك، أرادوا النيل عن طريق التأويلات المنحرفة والآراء الفاسدة التي سربت إلى بعض من كتب التفسير وكتب علوم القرآن. فقالوا هذه الزوجة وهي حفصة رضي الله عنها لا تعرف أن الله يعلم. حاشا. ولذلك قالت: "من أنبأك هذا؟". لا تقصد هذا سياق الكلام. هي خشيت أن الزوجة الأخرى السيدة عائشة التي أخبرتها بالقصة، هي الوحيدة من البشر التي كانت تعرف القضية قد وشَت بها عند نبينا عليه الصلاة والسلام، ولا كيف وهي من هي ابنة عمر الفاروق رضي الله عنهما لا تعرف أن الله يعلم كل شيء وسينبئ نبيه الكريم؟ قال: "نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ".

العليم الخبير وأدب عدم التجسس

"نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ". وتدبروا في الألفاظ والأوصاف. "عليم" علم بما كنتما تتناجان فيه. فانتبه حين نناجي أحداً، صديقة، أخت، زميل، أخ، قريب. اعلم أن الله يسمع ويرى. "وخبير"، عليم وخبير. الخبرة أكثر من العلم وأشد إحاطة ومعرفة وإدراك بكل التفاصيل وتفاصيل ما قد دخل في النفس البشرية وهي تتكلم وتتحدث وتأخذ وتعطي بالكلام. فما بين العليم الحكيم والعليم الخبير. تدبروا معي في الآيتين. الأولى انتهت: "العليم الحكيم"، والثانية انتهت: "العليم الخبير". فما بين العليم الحكيم والعليم الخبير أقم علاقاتك الاجتماعية والأسرية. بمعنى آخر أنت حين في حياتنا اليوم الزوجية والأسرية، المرأة والرجل، من الشاهد على هذه العلاقات إحساناً أو إساءة؟ العليم الحكيم، العليم الخبير.

ولذلك من الممارسات، الآية فيها إشارة لأدب تربوي آخر في الزواج للمرأة. لا تتجسس على الرجل ولا الرجل يتجسس على المرأة وتدخل تحت عشرات التفاصيل تفتيش في الموبايلات والإيميلات والرسائل والأصدقاء. لا، هذا ليس بالأدب النبوي ولا بالأدب التربوي. بدليل أن نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام لم يفتش وراء زوجاته. هو: "نَبَّأَنِىَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْخَبِيرُ"، ولكنه لم يفتش ولم يبحث لم يسأل. لماذا؟ هذا الأدب ليس تغافل أو تغابي أبداً. هذا الأدب كفيل بإصلاح ما خرب من البيوت. في خراب في دمار يتسلل إلى البيوت وإلى الأسر والعلاقات الزوجية. لا يصلحه كثرة التفتيش والتنقيب. بعض النساء تعتبر أن هذا استغباء. هذا ليس غباء. هذا ليس تغاضي. هذا التغافل والتغاضي هذا أدب نبوي.

وأنت كلما شيدت في علاقتك مع زوجك أو العلاقة الزوج مع الزوجة على أساس الأمانة. الزواج ما هو غير الأمانة، هو عقد والقرآن العظيم سماه ميثاقاً غليظاً. اشهد الله عليه لأنه الشاهد عليه. فإشهديه فيما تبقى من هذه السلسلة من العلاقات في كل حياتك الزوجية. سيحميك، سيكفيك، سيدافع عنك، سيفعل كل ما يمكن أن يحفظ لك بيتك وأسرتك بقدر إيمانك وثقتك بالله سبحانه وتعالى وركونك إليه، لا تركن إلى شيء آخر ولكن اركن إلى العليم الخبير. تدبروا في النهاية والعلاقة بينها وبين ما نقول: ما زاد إيمانك باسمه سبحانه أنه العليم الخبير واطمأننت إليه، كلما زادك الله سبحانه وتعالى طمأنينة وهدوء وسكينة وحسن تصرف في التعامل مع أحداث الحياة ومع الإشكاليات التي قد تأتي إلى زوجك وتعترضك في الحياة الزوجية كغيرها من أشياء.

أهمية العمل الصالح وتوبة نساء النبي

ثم إن الله سبحانه وتعالى وجه الخطاب إلى النساء، نساء النبي عليه الصلاة والسلام تأديباً ورفعة لشأن نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام، وخطاباً لكل المؤمنين ولكل البشر أن ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى ليست العلاقة بينك وبين نبي أو أحد من البشر صالح من الصالحين، الذي يقربك حقيقة إلى الله سبحانه وتعالى وليس شيئاً آخر. فاحرص على العمل، ولذلك من أبطأ به عمله لم يسر به نسبه. قاعدة عظيمة من القواعد. ما يقربك إلى الله سبحانه وتعالى ليس صلاتك، ليس معارفك، ليس أن تكوني حتى زوجة لنبي ما. هذه العدالة القرآنية العظيمة التي جعلت الناس سواسية أمام الله سبحانه، لا يميزهم إلا تقواهم وأعمالهم وصلاحهم وصلاح السرائر فيهم، وما يقربهم حقاً إلى الله سبحانه وتعالى. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

تدبروا معي في هذا الخطأ. حتى الزوجية هي علاقة قوية لا تقربك إلى الله. الذي يقربك عملك. قال: "إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا". نداء بالتوبة ولكن بشدة إلى من؟ إلى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لأن القلوب قد مالت. كيف مالت؟ مالت بأن رغبت في شيء لا يرغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. تدبروا ما أعظم منزلتهن عليه الصلاة والسلام وما أكرمهن وما أشرفها وما أرفعها. والخطاب ليس هنا صح الخطاب للزوجات، زوجات النبي عليه الصلاة والسلام وبالمثنى أنهما السيدة عائشة رضي الله عنها والسيدة حفصة: "إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا". ولكن العبرة في اللفظ بأي شيء؟ لكل نساء العالمين: اتقوا الله في الأزواج، اتقوا الله في الرجال. لا تضيق عليه الخناق وتحاصره من كل جهة. البيوت لا تنالها كذا. والحب والمكانة الرفيعة التي تبتغي لأن السيدة عائشة والسيدة حفصة ماذا كانتا تريدان سوى التقرب أكثر لنبينا عليه الصلاة والسلام؟ الغيرة. لماذا؟ الغيرة على قلب الرجل، على قلبه عليه الصلاة والسلام. فهذه الغيرة لا تجعلك تتصرف تصرفات ما كان الأولى أن تفعليها. تتوجه بالتوبة.

إذن لكل النساء: ما يقربك ويدنيك إلى قلب زوجك ليس الغيرة المفرطة ولا هذا النوع من التصرفات والتنافس. ما يقربك شيء آخر. ما هو؟ تتوبان إلى الله. توبة قول علاقة مع الله سبحانه وتعالى فعليها خيراً وصالحاً، لأن الله سيكون لك ظهيراً. معنى عظيم. ولذلك بدأت السورة تدبر قال: "والله مولاكم". أنت كلما وليت الله سبحانه وتعالى طاعة وخضوعاً في حياتك واستسلاماً لأوامره، كلما تولى شؤونك وأمورك بما فيها حياتك الزوجية. يعني بمعنى آخر تريد الزوج يصير عشرة على عشرة أو كما يقال في الأحاديث أحياناً خاتم في إصبعه. وما هذا خاتم في إصبع، هذا كلام فارغ. ولكن تريد فعلاً أن يكون لك بكله لا ببعضه؟ كوني لله بكلك. هذا الضمان، هذا الضمان.

ثم إن كل شؤون حياتك بما فيها هذا الزوج وكل من مر به من أشخاص، ولا يجب أي شيء إلا لله سبحانه وتعالى. فترتفع عن صغائر الأمور. قال: "إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وإن تظاهرا عليه" شايفين لما تسوون أي نوع من أنواع المؤامرات التي هو لا يعلم بها والله عالم بها، "فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير". يا الله! فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك. من يقف في وجه هؤلاء؟

هذا المعنى العظيم الذي يعطي إشارة صريحة واضحة إلى منزلة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. علماً بأن بين قوسين ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه رفع صوته لا بالصاد ولا بالسين في يوم من الأيام في بيته. نبينا الكريم لم يرفع صوتاً بالصاد ولم يرفع صوتاً بالسين في بيته أو منزله. كيف نال هذه المكانة العظيمة؟ فقط لأنه نبي عليه الصلاة والسلام؟ لأنه إنسان في أخلاقه: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". البيوت لا تقوى ولا يشتد بناؤها برفع الصوت ولا بالصوت ولا بالشدة ولا بالغلظة ولا بسوء التعامل ولا بالكلام الجارح. البيوت تبنى وتقوى وتؤسس ويعاد بناؤها بالأخلاق الكريمة في حق نبينا عليه الصلاة والسلام.

ولكن لكل مؤمن سار على دربه وسنته: الله مولاك، ناصرك، يؤازرك، يدافع عنك، يحميك، والكافرين لا مولى لهم. كلما زادت ولايتك لله رب العز وجل أعطاك من الولاية وفتح لك فيها فتح. وإذا تولاك الله فماذا تريد بعد ذلك؟ معنى عظيم جداً. ولذلك جاءت الآية في نفس السياق للتأديب وبيان أن هذا البيت النبوي كان بيتاً واقعياً كما قلنا، ليس ضارباً في مثال ولا خيال، حتى نستطيع أن نقتدي به. لو كان مثالياً والنبي عليه الصلاة والسلام عنده تسعة من النسوة مات عنهن رضي الله عنهن جميعاً، وتصورنا أو تخيلنا أنه لم يحدث فيه مشكلة ولا يوماً من الأيام، هذا خيال، هذا مثال ليس بواقع. الواقع أنه كان في مشاكل نعم، واقع، ولكن كانوا يعرفون كيف يحلون تلك المشاكل ويتجاوزونها. وبالتالي أنا أتعلم منهم وأقتدي بهم في حل أزماتي ومشاكلي ونزاعات وخلافاتي التي لا يمكن أن يخلو منها بيت مهما كان عظيماً ومهما كان الزوج عظيماً فيه كنبينا عليه الصلاة والسلام ولا أحد. وكما كن نساء المؤمنين وهن من أخيار النساء وأفاضل النساء. إذن المسألة أن هناك واقعية في القضية عرضها القرآن.

قوة الإيمان والجهاد لحماية البيوت

قال: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن". وتدبروا معي قاعدة عظيمة. قاعدة عظيمة ضيعناها من فترة طويلة، أسس اختيار الزوجات. الآية السورة التحريم تكلمني وتحدثني عن أي شيء؟ عن بيوت بتؤسس بتبنى. ما هي العوامل التي ينبغي أن يختار بها الرجل زوجته؟ ابتدأ بالأعظم قال: "مسلمات". الأفضلية لمن؟ لمن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. تدبروا معه. لأن الأفضلية والأفضلية بترتيبها كما جاءت في السورة: "مسلمات". لازم تكون تريد أن تبني بيتاً حقيقياً صالحاً قوية الأساس. "مؤمنات". الإيمان أعلى من درجة الإسلام. إيمان تطبيق، الإيمان سلوك. "الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". الإيمان يدخل ويخرج يقوى ويضعف يزداد وينقص، وعليك أن تتعهده بأي شيء؟ بالطاعة.

فجاء بعدها: "قانتات". قانتات ومداومات على الطاعة بكل أشكالها وصورها. بمعنى آخر: منغمسات في أعمال الخير، أعمال الخير وأشكال المعروف والصالحات. طبعاً تدبروا معي. نحن لما نعد نشوف هذا العدد من الصفات للمؤمنات: مسلمات، مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات، سائحات. هذه كلها صفات أي شيء؟ كسبية. يعني أي شيء؟ يعني تزداد وتنقص. يعني أستطيع أن أكتسبها. أستطيع أن أكتسبها. أشياء تكتسب، أشياء تؤخذ، أشياء تنمى، أشياء تستثمر. بالله عليكم المرأة التي هي مسلمة مؤمنة قانتة تائبة عابدة سائحة عندها وقت للكلام الفاضي الفارغ؟ لا. مشغولة، مشغولة بأي شيء؟ بالإسلام ورفعته والدفاع عنه، بالإيمان وزيادته في نفسها وفي غيرها، بالقنوت ودوام الطاعات. وطبعاً شيء طبيعي أن الطاعة فعل متعدي. يعني إيش فعل متعدي؟ يعني أنا لا أطيع الله وحدي. أنا لما أطيع الله عز وجل أدعو معي جمع من الناس لأجل أن يدخلوا معي في طاعة الله.

"قانتات تائبات". لأن التوبة دائماً مفروضة علينا. "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً". توبة ملاحظة. لأن عملي عمل بشر يستوجب التوبة بسبب التقصير، بسبب الضعف في الأداء، بسبب أشياء كثيرة تعترضني أنا كبشر كإنسان أخطئ وأصيب. أنا محتاج للتوبة. فهؤلاء مداومات على التوبة. "تائبات عابدات سائحات". سائحات من السياحة، من السير في الأرض بالخير والمعروف والعلم والتعليم. نساء هذه صفاتهن يا ترى كيف يكن في بيوتهن؟ كيف يكن تعامل هذه المرأة في بيتها؟ أين الصفات؟ ولكن أن تفهم ماذا خسر العالم اليوم، ماذا خسرت مجتمعاتنا المسلمة حين لم تعط هذه الصفات والمميزات دورها وأهميتها في اختيار الزوجات وكذلك في اختيار الأزواج بطبيعة الحال، ولكن السياق عن الزوجات لأن الرجل غالباً ما هو يختار زوجته. كيف يختارها على أساس؟

وتدبروا معي في نهاية الآية قال: "ثيبات وأبكاراً". الثيوبة والبكارة أشياء لا تختار. ظروف اللي هي تصير فيها المرأة. وقدم الثيبات على الأبكار ليبين أن ليس هذا ما يرفعك عند الله. ما يرفعك الصفات الأولى: مسلمات، مؤمنات، قانتات، تائبات، عابدات. أما الأشياء الأخرى ليست هي التي ترفعك. أين الحديث عن جمال الجسد الذي نحن اليوم فتنا به وفتن به الشباب؟ أين الحديث عن هذا الجمال؟ أين موضع في الآيات؟ لماذا؟ لأنه ليس شيئاً كسبياً. هو شيء يحصل وشيء يعطى. وبالتالي انشغالك ينبغي أن يتركز على تلك الصفات الكسبية التي تكتسب، وليست الأشياء الخلقية التي خلقنا عليها. هذا لا يعني أن الإسلام لا يعتني بالجمال، ولكن الإسلام يعتني ويرتقي ويسامى بجمال الروح والأخلاق هي الميزان الحقيقي، هي الجمال الحقيقي. هذا الجمال الذي هو الذي يزين البيوت. ولنا أن نقارن بينما يدور في مجتمعاتنا اليوم مع الأسف الشديد. كثير من النساء اليوم لا تشتغل ولا ربع ولا ثلث ولا معشار الاشتغال بقضايا الجمال المتعلقة بالخلقة قدر الاشتغال بالجمال المتعلق بهذه الأخلاق السامية. أبداً. كل الانصراف متركز حول أي شيء؟ حول الجمال الشكلي. وهي تظن واهمة أن هذا ما يحببها أكثر إلى زوجها ويقربها إليه ويجعلها ذات حظوة عنده. وغفلت عن الجمال الحقيقي الذي جاء به القرآن في هذه الآية الكريمة.

تدبروا معاني الخيرية اللي جاءت في الآية. خيرية زوجات النبي عليه الصلاة والسلام تتمثل في أي شيء؟ في هذه الصفات العظيمة. وخيرية كل النساء، كل نساء البشر تتأتى من التمسك بهذه الصفات. أنت تزدادين جمالاً بإيمانك. آية حقيقة على فكرة. وما دام ذكر القرآن في حقيقة كيف تصبح امرأة مثلاً تقدم بها العمر سبعين ثمانين سنة كيف تصبح جميلة في مفهوم القرآن بهذا الشكل؟ حين تزداد في الطاعة وفي العمل وفي الخير وفي الصدق وفي الصلاة. والله تزداد جمالاً. هذا كلام القرآن. إيمانك بالله يزيدك جمالاً. جمال القلب والنور والبصر والعين وتلاوة الكتاب العظيم وقيام الليل والوقوف بين يديه وتنقية السرائر ينقي الوجه ويصفيه. وصفة عظيمة علينا باتباعها. ذهبت أرواحنا وأوقاتنا وأعمارنا وأموالنا سدى في الجري والركض المحموم خلف الوصفات السحرية لتنقية الوجوه. وغبنا عن هذا الكتاب العظيم الذي ينقي ويعلمني كيف أنقى. لأنه ومن الذي خلق الوجه بالله عليكم؟ الوجه من الذي خلقه؟ أليس الله؟ الجمال من الذي خلقه؟ أليس الله؟ الجمال الحقيقي هو الذي يبقى، الجمال الحقيقي الفطري وليس الجمال الصناعي المصطنع المزيف.

إذا سبحانه وتعالى يصف لك هذه الوصفة لديمومة بيتك واستقرار أسرتك، لا تأخذين بها واذهب نفسك تروح سدى وأوقات سدى وراء هذه الوصفات اللي من هنا ومن هناك.

ثم جاء القرآن العظيم ليعطي المسؤولية حجمها. الآن أعطانا المواصفات والتي تعزز في البيوت هذه الصفات اللي ذكرت ليس فقط على أساسها أن أختار الزوج أو الزوجة وانتهينا. تبنى، تقوى، تستثمر، تعطى حقها من الاهتمام والعناية والتربية لأجل أن تقوم البيوت وتشتد وتسعد وتوسع. تدبروا معي في الآية التي بعدها قال: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً". إذن حماية للبيت في وقاية. والعنصر الأكبر في عناصر الحماية للبيوت المرأة بالصفات التي ذكرها في الآية التي قبلها.

ثم جاء الخطاب بعد ذلك: "قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون". بيتك أنت أمين عليه، امرأة أو رجل. ترمي الحمل أو المسؤولية على الزوج والزوج قد يكون إنسان قليل تحمل المسؤولية، وتقول إنه مسؤوليتي ليست مسؤوليتي ويضيع الأبناء ما بين زوجة لا تريد أن تتحمل عبء المسؤولية وما بين زوج غير مسؤول ولا يفهم طعم المسؤولية. لا، البيت بيتك احمي، دافعي عنه. "قوا أنفسكم وأهليكم". شوفوا الوقاية النفس كيف أقيها؟ والصفات التي ذكرها في الآية التي قبلها حماية. ثم إذا ما وقيت تلك النفس وراعيتها بالتقوى والإيمان والعبادة. العبادة تحمي بيوت. لا شيء يحمي بيوت كالعبادة. تلاوة القرآن، دوام الصلاة والصيام فيها والقيام والذكر والطاعة. هذه البيوت. البيوت اللي خربت لا تعمر فقط بكثرة زينتها، يزينها القرآن، يزينها القيام والصلاة والذكر والطاعات. هذه زينتها الحقيقية. ثم بعد الزينة عليك أن تحمي تلك البيوت بطاعة الله سبحانه وتعالى.

لماذا القرآن العظيم بعد هذه الآية مباشرة في سورة التحريم قال: "يا أيها الذين كفروا" بعد: "يا أيها الذين آمنوا" قال: "يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون". من أعظم الأعمال التي ينبغي للإنسان ألا يقصر فيها حماية بيته وأسرته. والحماية لا تكون فقط بالمال ولا تأمين مستقبل الأولاد بالأموال. يؤمنهم حقيقة ذلك التركيز على الجانب العبادي والإيماني فيهم. هذا البناء، هذا التأمين. عشرات الآيات في كتاب الله في سورة الكهف وغيرها بينت وأكدت أن الأمان الحقيقي التأمين على الأبناء ليس بالتأمين من خلال الأموال والأولاد أو مراكز ومسؤوليات ومصانع مناصب وشهادات. صح هذا جانب فيه شيء كسب لا بد أن نهتم ونعتني به، ولكن العناية الأكبر والأهم بالتقوى والإيمان.

"قوا أنفسكم وأهليكم ناراً". الكافرون الذين وجهت الآيات لهم الخطاب قال: "لا تعتذروا اليوم". لماذا؟ لأن الكافر من صفاته أن أبواب بيته مشرعة أمام الفساد. ضيعها فضاعت، أهملها فانتهت وخربت. ولنا أن نتخيل خطورة اليوم ما نحن فيه. بعض المسلمين أبواب بيته مشرعة مفتوحة للرائح والجاي والمغادر. لا يسأل لا ابناً عن صديق ولا بنتاً عن صديقة ولا رفيقة. فتحت الأبواب. وأبواب البيوت لا ينبغي أن تفتح إلا بالإيمان والتقوى والخير والصلاح. وتدبروا في الربط والتناسب حين قال في وصف النار: "عليها ملائكة غلاظ شداد". وحين جاء في بداية الآية قال: "قوا أنفسكم وأهليكم ناراً". في صفات. بمعنى آخر أنك في حماية بيتك والدفاع عنه ينبغي أن تكون فيك شدة وقوة. الشدة لا تعني بالضرورة العنف أبداً. الشدة تعني الحزم هنا في كتاب الله سبحانه. إذن أنا أحتاج إلى الحزم، أحتاج إلى الحزم وليس إلى الميوعة في التربية والحماية والوقاية. وسيلة من وسائل الوقاية والحماية للبيوت تعزيز ذلك الجانب الإيماني العظيم في النفوس وفي القلوب قبل أن يذهب ويروح أوان ووقت الاعتذار. "لا تعتذروا اليوم".

تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أمثلة للنساء في القرآن: امرأة نوح وامرأة لوط

طيب المؤمن قال: "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً". اعتذار المؤمن توبته. والتوبة ملازمة له في كل أحواله وأزمانه. طيب ليش توبة؟ ما هو دائم يقوم بأعماله وواجباته وكل شيء؟ حاجتنا إلى التوبة في كل وقت وحين أشد من حاجتنا إلى الهواء والماء. حياة البشرية التي لا تستقيم إلا بالهواء والماء والنفس المادية. حياة القلوب تحتاج إلى التوبة كحاجتنا إلى الماء والنفس. "توبوا إلى الله توبة نصوحاً". فيه جوانب تقصير في حياتهم. توبة المؤمن اعتذاره. ولها وقت محدد. طالما نحن على وجه هذه الأرض هذا الاعتذار. تريد أن تعتذر، كلنا لا بد أن يعتذر. كلنا لا بد أن نعتذر إلى الله عن أي شيء؟ عن تقصيرنا في جنب الله سبحانه، عن تقصيرنا في تربية أبنائنا. كلنا مقصرون. كلنا مقصرون. وكلنا قصرنا. وكلنا أسرفنا على أنفسنا. وكلنا قصرنا في جوانب الحياة الزوجية ومراعاة حقوق الأزواج والزوجات. وكلنا قصرنا في مراعاة حقوق الآخرين. كلنا مقصرون وأخذ بنا التقصير مبلغه. وحده. طب الحل؟ هذا أوان الاعتذار.

وعلى فكرة الآية فيها أدب تربوي عظيم جداً، جمال الاعتذار في العلاقات الأسرية وفي البيوت. نحن نسينا أن نعتذر. يعني خليني أسأل سؤال، كثير مننا يمكن صار له عشر سنوات متزوج، خمسة عشر، خمسة عشر، ثلاثين، أربعين، خمسين ما شاء الله. متى آخر مرة اعتذرت من الزوج؟ متى آخر مرة؟ طبعاً بعض النساء قد تقول، قد تقول: "أنا أعتذر عليه الصراحة هو اللي المفروض إنه يعتذر مني". الشيء المهم اللي احنا ينبغي أن نلتفت إليه أنه الحديث هنا عن الاعتذار مقصود والحديث عن التوبة مقصود. وثم التوجه للتوبة يتعلق بالاعتذار إلى الآخرين. لأن التوبة في توبة من أعمال بينك وبين الله عز وجل، هذه فقط بالتوبة تروح بالتوبة والمغفرة من الله لأنها بينك وبين الله. وهناك أعمال تحتاج فيها التوبة إلى عدد من التصرفات التي هي بينك وبين الناس واستغفار إلى الله سبحانه وتعالى، ثم تصحيح ما بينك وبين الآخرين، واللي هو لا يصحح إلا من خلال الاعتذار ورد الحقوق إلى أصحابها.

بمعنى آخر، أعظم ما نحتاج إليه في حياتنا الأسرية والمجتمعية شيء من الاعتذار. يا جماعة سامحني يا فلان، يمكن قصرت. طب فرض أبو فلان، يعني ربي سبحانه وتعالى أخذ أمانتك. كثرة الدعاء له، الصدق عنه، الاستغفار، أعمال البر والخير. أنت لو تعرفين كم كلمة اعتذار ممكن أن تنزل من غبار العلاقات التي قد تأزمت بيننا وبين الأزواج وغير الأزواج، والله لتمسك فيها الناس ليل نهار. كلمة الاعتذار: "سامحني أنا آسف قصرت". ماذا فيها؟ هل تنقص من قدري؟ هذه الثقافة غابت عن زماننا على فكرة. كثير من المسلمين اليوم يؤمن ويصلي وكل شيء ويترفع عن الاعتذار لأنه توهم أن الاعتذار ضعف ونقص وعدم ثقة في النفس. وهذا كله غير صحيح. بالعكس، الاعتذار قوة في الشخصية. أنت حين تعتذر أنت واثق من نفسك وتعرف أن الاعتذار لا ينقص من قدرك شيء. وأنت حين تعتذر قد تصحح عشرات الأشياء التي ما كان لها أن تصحح بينك أو بين زوج أو أي أحد إلا بالاعتذار. تعرفون كلمة "أنا آسف وقد أكون قصرت، سامحني لكون قصرت" كم ممكن أن تنعش الحياة الزوجية والأسرية؟ سامحني ليس فقط مع الأزواج حتى مع الأبناء. هذه الثقافة غابت عن حياتنا.

القرآن يجددها. ولذلك القرآن لا يقبل باعتذار الكافر لأن الاعتذار جاء متأخراً. الاعتذار محله هنا. نسينا أن نعتذر، أخذتنا الدنيا فنسينا أن نعتذر. نحتاج أن نجدد الاعتذار في حياتنا وأن نعيد الأمور إلى نصابها. لأن من مقتضيات التوبة فيما يتعلق بعلاقتك مع الآخرين أن تعتذر. ولا تعتقد أو تتوهم أن باعتذارك الناس سيستغلونك ويستغلون ضعفك. لأنك لا تتعامل مع الناس هنا قدر تعاملك في العلاقة بين الله سبحانه وتعالى خالقك وبين البشر. هذه العلاقة شاهد عليها الله سبحانه وتعالى. وذلك ربي سبحانه ختم هذه الآية العظيمة بقوله: "يوم لا يخزي الله سبحانه وتعالى النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم". من أين جاء النور؟ نور التوبة في الدنيا، نور الأعمال الصالحة الطيبة، نور الكلمة الحلوة الطيبة التي أعطيتها هكذا دون أن تنتظر لها مقابلاً. أعظم الأعمال التي تزيد لك في النور. "يسعى الذين آمنوا معه نورهم والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا".

كيف يتم النور؟ النفاق يطفئ النور. ولذلك جاء في كثير من الأحاديث الصحيحة أن كل إنسان يوم القيامة له نور. كل إنسان له حظ من النور. وهذا النور البصيص من النور يسعى معه إلى باب الجنة وحتى على الصراط. والصراط من أصعب المواقف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من تلك المواقف بما ينجي به عباده الصالحين. من أصعب المواقف يوم القيامة فيه نور. كل إنسان له نور يزيد وينقص بحسب أعماله في الدنيا. أين المشكلة؟ أن حاجة الإنسان لأن النور هو ما حاجتك إلى النور. النور يضيء، ينير لك الطريق حتى تمشي على هدى. أشد المواقف صعوبة التي تحتاج فيها إلى النور هي في الصراط. على الصراط هذا الجسر الممتد الذي سيمر هكذا مروراً على نار جهنم والعياذ بالله. فلما كما أوضحته آيات أخرى في سور أخرى، فالمؤمن يسعى نوره بين يديه حتى ينير له الطريق فيمشي. ماذا لو انطفأ النور في تلك الأثناء؟ كما هو حال المنافقين والعياذ بالله، خلص الشحن، خلص في عز الحاجة إليه. ما الذي يتمم النور؟ تدبروا في الآية: "يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير". لا شيء يتمم لك النور كأعمالك الصحيحة، ككثرة التصالح مع نفسك وغيرك. الأعمال التي تعظم لك النور سيعظم الله لك النور. هي كثرة التصافي والتصالح بينك وبين الآخرين. في أعمال التوبة والمغفرة تنهي الموضوع بينك وبين الله وثم أعمال القائمة على علاقاتك مع الآخرين لا يمكن أن تصحح إلا تصحيح العلاقة بينك وبين الآخرين. صحح. لأن إذا ما صححت الحين ما ستصحح. "لا تعتذروا اليوم". هذا الخطاب العظيم الذي فيه تحذير: اعتذر اليوم، هذا أوان الاعتذار لمن أسأت إليه ولمن لم تسئ إليه. الاعتذار ليس فقط لمن أسأت إليه، لمن قصرت، لمن ممكن أن يكون صدر في حق شيء، لمن لمن لمن، كل القوائم. بمعنى آخر تخرج القوائم وأرسل اعتذار مفتوح لكل البشر. هذا الذي يعظم لك النور ويتمم لك النور.

ثم تدبروا معي في الآية العظيمة التي جاءت بعدها: "يا أيها النبي" مرة أخرى "جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم". شيء عجيب في موضعين في سورة التحريم والكلام والسياق عن الأسرة المسلمة وبناء البيت المسلم، ويأتي الحديث عن الغلظة. البيوت تبنى بالحزم. الغلظة هنا بمعنى الحزم والشدة في معالجة الأمور. في أمور تحتاج إلى الحزم والشدة وليس إلى العنف لأن هناك فرق كبير بينهما.

طيب المؤمنين والتوبة. لماذا قال: "يا أيها النبي جاهد الكفار" ما دخل الجهاد والكفار والمنافقين هنا؟ من أعظم الأشياء التي تهجم من خلالها وتخرب وتدمر البيوت المسلمة هي ما يستعمله الكفار والمنافقون عبر الأزمنة وعبر التاريخ. وأكثر ما يسدد إلى العالم الإسلامي من سهام من قبل الكفار والمنافقين هي تلك السهام المصوبة نحو البيوت المسلمة. فجاء الحديث هنا عن الجهاد. الحديث هنا ليس عن قتال، ليس عن قتال بالسيف. الحديث هنا عن الجهاد يعني الدفاع يعني الحماية. لا تنسوا الآية التي قبلها: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم". فمن أساليب الوقاية أن تدافع عن بيتك المسلم والبيوتات المسلمة مما يسد ويسدد إليها من سهام ويصوب إليها من قبل الكفار والمنافقين في كل زمان ومكان. الإعلام على سبيل المثال بوسائله المختلفة اليوم. يعني البيت صحيح الباب مغلق فيه، ولكن كل الأبواب فيه مشرعة أمام وسائل الإعلام المختلفة. يدخل فيها الغث والسليم. يدخل فيها الفاسد والصالح. يدخل فيها كل شيء. إذن "قوا أنفسكم". وتحتاج إلى القضية إلى جهاد ودفاع. قال: "يا أيها النبي جاهد". والخطاب لكل المؤمنين، المسألة جهاد. وعلى فكرة الجهاد هو ليس فقط وسيلة دفاع فحسب، لا الجهاد يشمل عدة وسائل دفاع وهجوم في نفس الوقت.

قد يقول قائل وسائل الإعلام كيف يكون الهجوم الدفاع فيها؟ نحن بحاجة إلى إعلام نزيه نظيف راقي سامي في أخلاقه ومثله وقيمه يواجه الهجمات التي تأتي من قبل من أشار إليه القرآن هنا. تدبروا معي في عظمة القرآن، القرآن خاطب كل زمان ومكان. "وأنفسكم وأهليكم" يخاطبنا اليوم ونحن نواجه هذا الإعصار الدامي الآتي إلينا من كل مكان. كيف تواجه؟ "جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم". كن شديداً حازماً صارماً في مواجهة وسائلهم المتلونة المختلفة للهجوم على البيوتات المسلمة. وهذا واقع في حياتنا وفي زماننا من كل النواحي بكل الأشكال والسبل. ماذا فعلت لأجل حماية البيوت المسلمة؟ ماذا فعلت؟ وتدبروا معي وفي ذلك الربط في مواصفات النساء اللواتي يقمن على أكتافهن بناء الحياة المسلمة والبيت المسلم. نحن بحاجة إلى أعداد العدة. بمعنى آخر الطاعات لا يفعلون ويقومون منها فقط الصلاة والصيام وإن كان ذلك جزء لا يتجزأ من الطاعة، ولكن من الطاعة كذلك أن يكون عندنا إعلام ووسائل إعلامية هادفة ذات قيمة ومعنى. أن يكون عندنا إحنا اليوم دراما أخلاقية هادفة. أن يكون عندنا ولدينا برامج للأطفال موجهة للنساء. أن يكون لدينا كذلك وجوه إعلامية لها قيمة وهادفة. أن يسمع لنا صوت من المرأة المسلمة. أن تفهم إذا فهمت فقط أن حماية البيت أن تكون فقط جالسة في بيتها دون أن يكون لها دور إيجابي في بناء المجتمع، ليس المهم أن تجلسي أو تخرجي. المهم أن يكون لك دور. القضية ليست الجلوس أو الخروج. القضية مرتهنة بالدور الذي تقومين به. افرضي أن امرأة لا تقعد مقعدة، لا تقوم ولا تخرج بالبيت، لا يكون لها دور في بناء المجتمع، لا يكون لها إيجابية في بناء هذا المجتمع وحمايته في بيتها. لا المسألة ليست مرتهنة بالخروج والدخول، المهم أن يكون لك دور إيجابي ولا بد أن تقوم بهذا الدور الإيجابي.

وتدبروا معي في الربط الذي جاء بعدها قال: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح". الآن جاءت النساء التصريح بنساء كن لهن أبلغ الأثر في حياة مجتمعاتهن وبيوتهن وأسرهن سلبي أو إيجابي. هذا الضرب للمثل ليقرب لي المعاني البعيدة التي قد لا تكون قريبة من الذهن ومن بعدي. قال: "ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما". طيب هنا ضرب المثل في هذا السياق يجي شيء عوداً على بدء. المرأة ما يقربها ليست هي زوجة من ولا ابنة من ولا أخت من. ما يعلي منزلتي ويقربني إلى الله عملي، إيماني، دخولي في هذه الأعمال العظيمة التي تكلمت عنها الآيات قبل قليل. وإلا هذا المثل الذي ضربه القرآن امرأة نوح امرأة نبي، وامرأة لوط امرأة نبي. هل هناك علاقة أقوى وأعظم من علاقة الزوجية بينها وبين نبي؟ القرآن عنها قال في النهاية: "فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً".

عن أن أكون زوجة من وابنة من وأخت من. ما الذي يغني عني؟ عملي. ما أقوم به في الحياة. ما أتركه من عمل الخير والتوبة والنفع العام. هذا الذي يقربني. ثم إن الخيانة التي أيضاً آثر فيها من آثر في الكتب المختلفة طبعاً هنا الخيانة ليست خيانة فراش لا. لأن هذه ليست للأنبياء ولا مع الأنبياء. وإنما في أي شيء؟ والخيانة طبعاً نحن نعرف أن ألفاظ القرآن تفهم من لسان القرآن. القرآن العظيم ذكر في أكثر من موضع: "خان الله ورسوله". خيانة بالمعنى العام نقض العهد والميثاق. وهي جاءت هنا بهذا المعنى. فالخيانة التي يحدثني القرآن عنها مع نساء هؤلاء من الأنبياء نقض الميثاق والعهد. لأن الزوجية وعقد الزوجية يفرض علي التزام اتجاه زوجي أن أناصره، أن أكون له ولياً، أن أدافع عنه، أن أحميه، أن أسانده، أن أعاونه. هذا ما كان لا من امرأة نوح ولا كان من امرأة لوط. امرأة نوح لم تكن على قدر المسؤولية. والتحذير شديد لكل النساء عبر التاريخ اللواتي يكون أزواجهن على قدر كبير من المسؤولية والموقع في المجتمع، كوني سنداً، كوني عوناً. لأنك ستشاركينه في ذات العمل الذي يعمل به.

وامرأة نوح وامرأة لوط لم تكونا على قدر المسؤولية. امرأة نوح ما كانت تؤمن بما يؤمن به ويدعو إليه نوح عليه السلام الذي أعطى حياته وعمره. وكانت النتائج مختلفة ذكرتها بعض الآيات في سور أخرى مختلفة، ولكن سياق الكلام هنا عن المرأة ودور المرأة. ممكن أن تكون شيئاً فتصلح كل شيء. وممكن أن تكون لا شيء فيخرب معها كل شيء. المرأة حين يكون لها صلاح في نفسها وذاتها ودورها يصلح معها كل شيء. امرأة نوح وامرأة لوط. وتدبروا معي في سياق الكلمات والمفردات: "كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين". أين ذكر الأنبياء؟ النبوة وهي منزلة عظيمة شريفة. السياق سياق صلاح الكلام أن الصلاح هنا أعظم ما يرفع قدر الإنسان عند الله سبحانه. الصلاح. ماذا كانت النتيجة وهي في بيت نبوة؟ ما منع ذلك من الإنسان أنه يكون غاوياً أو منغمساً في الانحراف.

والآية فيها عشرات الدروس والعبر لو أردنا أن نقف عندها. واحدة منها: وفي كثير من الأحيان نحن نقع في مغالطات خاصة في هذا الزمان. ننظر إلى الدعاة وإلى الخطباء وإلى الصالحين وإلى من نتوسم فيهم الصلاح، فنتصور أنهم مثل خارج عن سياقات البشر. ننظر إلى أبنائهم أو إلى بناتهم فقد نجد ما نجد فيه من أبناء كل البشر والناس. ممكن يكون لا سمح الله في انحراف، ممكن يكون في عدم صلاح، ممكن أن يكون لا الابن يشابه أباه ولا البنت تشبه أمها في شيء. فتتوجه سهام النقد اللاذع والتجريح. وبعض الناس يتجرأ على هؤلاء فيقول على سبيل المثال: "لو كان فيه خيراً لعرف كيف يربي ابنه". والقرآن العظيم يربينا بالكلمة بطرق مختلفة. من أكثر من نوح عليه السلام ممكن أن يكون خيراً وعطاءً وصلاحاً وزوجته طلعت كما ترون ويصفها القرآن ضربها مثلاً للذين كفروا. وابنه كما نعلم ما آمن بما دعا الناس إليه نوح عليه السلام. فهل يتهم مثل أمثال هؤلاء؟ لا. إذن القرآن العظيم في هذا التوجيه ماذا يريد مني؟ يريد أن يبقى نظري معلقاً ببيتي وبنفسي وبذاتي وبحياتي فيما يتعلق بالتربية. بمعنى آخر: "المسلمون من ألسنتكم". هذا الذي يوجهه القرآن. بعض الناس لا يرحمون وهذا جانب من جانب إعطاء العذر للآخرين. كثير منا اليوم يتهاون في هذه الأشياء الصغيرة. فلان من الناس ما تترك درس إلا وحضرت وتعطي دروس وتعلم الناس، وانظر إلى ابنها وبنتها وأبنائها. لماذا نحن نسلق الناس بألسنة حداد؟ لماذا؟ لماذا كلما رأينا شراً أردنا أن نذيعه؟ وكلما أردنا خيراً كأننا ندفنه؟ لماذا؟ لماذا نسلق المسلمين والمسلمات بألسنة حداد؟ لماذا؟ هذا السؤال في لب الإيمان. هذا سؤال تحدي في عمق الإيمان والتقوى. ما الذي يمنعك أن تنال الناس بألسنتك بلسانك وتنال منهم؟ ما الذي يمنعك؟ إيمانك، تقواك، حمايتك لنفسك. الرب سبحانه وتعالى الذي يضرب الأمثال في هذه الآيات العظيمة. وإلا ما جاء بنبي نبيين من الأنبياء امرأة نوح وامرأة لوط. ارحموا الناس. هذه رسالة واضحة لأن البيوت قد يحدث فيها ما يحدث. قد يحدث أن يكون الزوج صالحاً والمرأة شيء آخر. قد يحدث أن تكون المرأة صالحة والرجل شيء آخر. والحل لا بد من أن يكون هناك سقف نقف عنده جميعاً ولا نلوك الناس بألسنتنا ولا نتطاول عليهم ولا على ما يدور. ونعذر الناس. هذا عذر. ومن أعظم أشكال التوبة أن تعذر الناس. شايف التوبة التي هي علاقة محضة بينك وبين الله، من أعظم الأشياء فيها أن تعذر الناس. أعذر الناس، أعطهم العذر. لا تلوم ولا تكون قاضياً على الآخرين ولا تكون حاكماً عليهم.

أمثلة للنساء في القرآن: امرأة فرعون

ثم قال: "وضرب الله مثلاً للذين آمنوا". آه امرأة فرعون في بيت الطاغية فرعون، ولكن طغيان فرعون راح وذهب أدراج الرياح أمام قوة إيمانها. الإيمان حين يكون قوياً في قلب المرأة في قلب الإنسان بشكل عام، تتساقط أمامه كل أشكال الأعاصير. كل الأعاصير تقف عنده وتنكسه. امرأة فرعون امرأة إن بعض الناس يقول أو يدعي: "النساء ضعيفات". وبعض النساء تعتذر تقول لك: "أنا زوجي لا يصلي فصرت لا أصلي مثله، زوجي لا يزكي صرت لا أزكي مثله، زوجي يفعل كذا فصرت مثله". لا عذر اليوم. عاشت في بيت الطاغية فرعون الذي يقول: "أنا ربكم الأعلى". وهي تسبح وتهلل وتشهد أن لا إله إلا الله. وما من طغيان فرعون ولا علاقتها بفرعون واللي هي الزوجية من أن تشهد أن لا إله إلا الله بقلبها وجوارحها وأحاسيسها وأفعالها وتصرفاتها. ما منعها. تساقط فرعون أمام إيمانها. المرأة قوية ولكن مصدر القوة في المرأة إيمانها بالله عز وجل.

وتدبروا معه إذ قالت: "رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة". خلد القرآن قول ودعاء امرأة فرعون. قالتها في جوف الليل، قالتها في الغيب. ما سمعها أحد. واليوم نحن نسمعها وكل البشر يسمعها. من الذي سمعها للعالم؟ الرب الذي آمنت به. وكلنا يقولها ويرددها مرة بعد مرة. تدبر الإيمان كيف يرفع شأن الإنسان. كيف يجعل له لسان صدق علياً. "ابن لي عندك بيتاً في الجنة". طبيعة. شوف قصر وقصر فرعون شيء لا يوصف. نرى في حياتنا بعضاً من آثاره وما تبقى لك. ونفسها تاقت إلى بيت عند الله في الجنة. رأت في بيت فرعون وقصر فرعون سجناً. لماذا تحول قصر فرعون إلى سجن؟ البيوت تتحول إلى سجن وتضيق بأهلها حين لا يكون فيها إيمان ولا سعة صدر ولا انشراح روح بالإقبال على الله سبحانه وتعالى. وما أجمل دعاها حين قالت: "ابن لي عندك بيتاً في الجنة". حددت عندك، أنا لا أريد عند أحد إلا الله سبحانه وتعالى. عندك. هذا المعنى والدعاء الرخيم الندي العظيم الجميل يشي بعمق إحساسها ونداوة وطراوة وحلاوة عمق الإيمان وتقربها إلى الله سبحانه وتعالى وتعلقها به. أنا أريد عندك. تاقت نفسها إلى ما عند الله: "ما عندكم ينفد وما عند الله باق". أدركت هذه المرأة التي ضرب الله بها مثلاً لكل المؤمنين عبر التاريخ أن ما عند فرعون ينفد وقد نفد. وأن ما عند الله باق. ولذلك حين طلبت تاقت نفسها إلى بيت عند الله عز وجل: "رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة عندك". ما عند الله سبحانه وتعالى.

قالت: "ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين". ورغم كل ما قد أحيط بها من ظروف صعبة شديدة أسيرة، إلا أن ذلك لم يوقف إيمانها أبداً ولا في لحظة. إذن القرآن العظيم رفع ذكرى امرأة فرعون ليجعل منها مثلاً لكل النساء، نساء العالمين والمؤمنين، ليس فقط النساء. أن مهما كانت الظروف صعبة ومهما اشتدت بكل نحن وصعب امتحان وابتلاء شديد جداً أن يعيش الإنسان في بيئة لا يؤمن من حوله بالله سبحانه وتعالى كما هو الإيمان في قلبه ونفسه. ولنا أن نتخيل امرأة فرعون وفرعون الطاغية ماذا كان سيكون في بيته؟ كفر، عناد، ظلم، طغيان، صباح مساء. وكل أشكال المحرمات والموبقات. بمعنى آخر أن امرأة فرعون كانت تعاني كل تلك الأشكال من الأعمال القبيحة التي تبغضها وتكرهها نفسها صباح مساء. ورغم ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى الذي آمنت هي به وبقوة ذلك الإيمان واليقين الذي كان في قلبها ونفسها وذاتها، تعالت على كل هذا. ما عادت تسمع ولا ترى كل ما يدور حولها. فصلت نفسها عن كل هذا. وفي هذا تنبيه عظيم وإشارة إلى تربية حقيقية أن الإنسان حين يكون في بيئة شديدة أو صعبة فيها مفاسد، فيها انحرافات، فيها غيبة، في أشكال من الفساد وربما قد فرض عليه لا يستطيع أن يفارقه لأنه أهل أو زوج أو عشرات الأسباب، يستطيع أن يفصل نفسه نفسياً فصلاً عظيماً عميقاً فيتعالى على ذلك كله فلا يرى ولا يسمع ولا يشاهد. هذه هي صورة امرأة فرعون. "رب ابن لي عندك بيتاً في الجنة". شيء آخر مغريات الحياة من حولها ما حركت فيها ساكناً. إن هي عاشت في قصر، قصر فرعون الذي هو قال: "أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟". الدنيا كلها تحت أقدامه. أي إيمان هذا الذي في قلبها؟ الذي استحقت به أن نضرب بها المثل للإيمان وللذين آمنوا. تعالت على مغريات الحياة ما حركت فيها ساكناً، وجعلتها تدرك تماماً الحقيقة التي قد تغيب عن أذهان بعض البشر أن كل هذا الذي هو فيه فرعون ليس بشيء أمام قدرة الله سبحانه وتعالى. "ما عندكم ينفد وما عند الله باق". فلما أدركت هذه الحقيقة دعت دعوة صادقة فيه من أعماق القلب سجلها القرآن لها وجعلها دعوة تدعو بها ويدعو بها كل مؤمن. وما أجملها من دعوة: "ابن لي عندك بيتاً في الجنة". وتدبر معي في النهاية قالت: "ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين". المرأة كانت تعاني هذا الأمر. ختام الآية: المرأة كانت في معاناة. كيف خرجت من المعاناة؟ مناجاة الله سبحانه. أعظم وسائل الخلاص من العذاب والظروف الشديدة الصعبة أن تناجي الخالق الذي يسمع دعائك، يسمع الهمس ويسمع الخاطر ويسمع ما يختلج في قلبك من ألم وحزن ويرى دموعك ولو كان لا يراها الآخر ويسمع صوت قلبك ونفسك ولو ما كان يسمعه أحد. فسمعها وسجلها دعوة ضرب بها مثلاً للذين آمنوا.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 

أمثلة للنساء في القرآن: مريم ابنة عمران

معاني عظيمة في هذه الآيات الكريمة تجعل من الإنسان المؤمن يستشعر بقوة الله وهو في جنبه وكنفه ويركن إليه. كيف استطاعت امرأة أن توحد الله وهي تعيش في بيت هذا الطاغية الذي كان قد أفزع بني إسرائيل وملأ قلوبهم رعباً؟ كيف لم يمتلئ قلب هذا الرعب والخوف من فرعون وبطش فرعون وجبروت فرعون؟ القلب حين يملأ بعظمة الله وتوحيده سبحانه لا يمكن أبداً لإعصار الخوف من البشر أن يهدم فيه شيئاً. أبداً. لا يوقفه شيء ولا يهزه إعصار ولا يحركه خوف. ما عاد فرعون أمام هذه المرأة هو فرعون الطاغي الذي يخاف منه كل أحد. لماذا؟ لأنها خافت من الله الواحد.

قال: "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وزيغ بكلام الله سبحانه". يرفع منزلة الإنسان، لا يهم امرأة، رجل، ثيب، بكر. لا يهم كل هذه الأوصاف. الأهم أن تصدق بكلمات الله سبحانه. قال: "وكانت من القانتين". لا يرفعنا شيء عند الله سبحانه وتعالى كالطاعة والتصديق والإيمان إلا وكلما ازددت إيماناً ويقيناً وطاعة وقنوت وخضوعاً لأمر الله سبحانه وتعالى، زادك الله رفعاً ورفع شأنك وعلا اسمك وذكرك. الأسماء لا ترفع عند الله سبحانه وتعالى والشأن لا يرتفع وهو ذو الشأن سبحانه لا بنسب ولا بحسب ولا بمال ولا بمنصب ولا بشيء من متاع الدنيا الفاني. أبداً. ما يرفعك حقاً إيمانك بالله سبحانه وتعالى. الطاعة هي التي تزيدك عزاً إلى عزك. ركونك إلى جنب الله العزيز الحكيم يزيدك قوة ومنعة. لا تقل أنا ضعيف، التحديات من حولي قوية وشديدة وصعبة. عليك. الله يقويك، الله يمنعك، الله يساندك، الله مولاك. هو مولاه.

خاتمة: بناء البيوت المسلمة

هذه المعاني العظيمة التي جاءت في هذه السورة، سورة التحريم، لتؤكد وتبين مقصود السورة. كيف تبنى البيوت المسلمة. أعظم من يبنى على أكتافه البيت المرأة. بصلاحها يصلح البيت، بعمارها تعمر البيوت، بعمار الإيمان في قلبها واليقين في ذاتها وروحها ونفسها تعمر البيوت. وإذا البيوت والعياذ بالله خربت وفسدت فسد معها المجتمع والأمة بأسرها والعالم. فالله الله في البيوت، الله الله في القلوب، الله الله في النفوس التي تاقت إلى أن تتجمل وتتزين بزي الإيمان.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×