اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

هل يجوز طلب الشفاعة أو الدعاء من الميت ؟

المشاركات التي تم ترشيحها

images?q=tbn:ANd9GcRnDOsAFlx5f7E4KUBTugI
 

من يدعو الموتى في القبور او الاضرحة إما أن يشرك بالله شركًا أكبر بالاستغاثة بهم أو الذبح لهم، وهو محرم ومخرج من الملة. أو قد يكون مبتدعًا يدعو الله عند القبور ظنًا منه أنها أفضل، وهو بدعة لكن ليس كفرًا.

لا يجوز طلب الدعاء أو الشفاعة من الميت ، وخاصة عند قبره ؛ لأنه يكون عنده أشد تعلقا به ، وهذا من البدع المنكرة والوسائل المفضية إلى الشرك وسؤال غير الله ، وقد يصل به الحال إلى الشرك الأكبر المخرج عن الملة ، وهو يحصل كثيرا في هؤلاء ؛ لشدة تعلقهم بالميت .

( إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ )
فسمى دعاءهم لهم شركًا مع أنهم لم يدعوهم إلا لأنهم شفعاء، ما دعوهم لأنهم يملكون الضر والنفع، أو يخلقون أو يرزقون، بل قال الله عنهم: إنهم قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] وقالوا: هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18] فكفرهم بذلك،


من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة إتيان القبور والدعاء عندها والاستنجاد بأصحابها، أنه على ثلاث درجات، كما جاء في (مختصر الفتاوى المصرية) و (المستدرك على مجموع الفتاوى) حيث قال رحمه الله:

من يأتي إلى القبر أو إلى رجل صالح ويستنجده فهذا على ثلاث درجات: ـ إحداها: أن يسأل حاجته، مثل أن يقول: اغفر لي ونحوه، فهذا شرك كما تقدم. ـ

الثانية: أن يطلب منه أن يدعو له لأنه؛ أقرب إلى الإجابة، فهذا مشروع في الحي. وأما الميت فلم يشرع لنا أن نقول له: ادع لنا، ولا: اسأل لنا ربك. ولم يفعل ذلك أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد في حديث؛ بل في الصحيح: «أن عمر رضي الله عنه استسقى بالعباس» ولم يأت قبر النبي صلى الله عليه وسلم .... ـ

وأما القسم الثالث: وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك، افعل لي كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء ... اهـ.

وجاء نحو ذلك أيضا في (مجموع الفتاوى) حيث قال الشيخ:
المراتب في هذا الباب ثلاث:

ـ إحداها: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم، فيقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أنا أستجير بك أو أستغيث بك، أو انصرني على عدوي. ونحو ذلك فهذا هو الشرك بالله ...

ـ الثانية: أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين: ادع الله لي، أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا. كما تقول النصارى لمريم وغيرها، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز، وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة ...

ـ الثالثة: أن يقال: أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك، ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه.

وتقدم أيضا أن هذا ليس بمشهور عن الصحابة بل عدلوا عنه إلى التوسل بدعاء العباس وغيره. وقد تبين ما في لفظ " التوسل " من الاشتراك بين ما كانت الصحابة تفعله وبين ما لم يكونوا يفعلونه، فإن لفظ التوسل والتوجه في عرف الصحابة ولغتهم هو التوسل والتوجه بدعائه وشفاعته. ولهذا يجوز أن يتوسل ويتوجه بدعاء كل مؤمن .. اهـ.

ومما يفيد في إيضاح النوع الثاني قوله رحمه الله: قال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء فقال الله تعالى: هؤلاء الذين تدعونهم هم عبادي كما أنتم عبادي يرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي، ويتقربون إلي كما تتقربون إلي.

فنهى سبحانه عن دعاء الملائكة والأنبياء مع إخباره لنا أن الملائكة يدعون لنا ويستغفرون، مع هذا فليس لنا أن نطلب ذلك منهم. وكذلك الأنبياء والصالحون وإن كانوا أحياء في قبورهم ، فليس لأحد أن يطلب منهم ذلك، ولم يفعل ذلك أحد من السلف؛ لأن ذلك ذريعة إلى الشرك بهم وعبادتهم من دون الله تعالى؛ بخلاف الطلب من أحدهم في حياته فإنه لا يفضي إلى الشرك

اسلام ويب
images?q=tbn:ANd9GcTzNY7AoBtJ3NF6gcO-qc_

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
الشَّفاعةُ الثَّابِتةُ
الشَّفاعةُ المُثبَتةُ لها عِدَّةُ أنواعٍ، هيَ:
1- الشَّفاعةُ العُظمى.
2- الشَّفاعةُ في دُخولِ المُؤمِنينَ الجَنَّةَ.
3- الشَّفاعةُ لرَفعِ دَرَجاتِ أهلِ الجَنةِ.
4- الشَّفاعةُ لقَومٍ استَحَقُّوا النَّارَ ألَّا يَدخُلوها.
5- الشَّفاعةُ في أهلِ الكَبائِرِ.
6- شفاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَعَمِّه أبي طالِبٍ في تَخفيفِ العَذابِ عنه.
7- الشَّفاعةُ لأقوامٍ أن يَدخُلوا الجَنَّةَ بغَيرِ حِسابٍ.
8- شَفاعةُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأهلِ المَدينةِ.
ومن هذه الشَّفاعاتِ ما هو خاصٌّ بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ومنها ما يَكونُ له ولِلأنبياءِ الآخَرينَ عليهمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومنها ما يَكونُ لخَواصِّ الخَلقِ


الشَّفاعةُ المنفيَّةُ لها عِدَّةُ أنواعٍ، هيَ:
1- الشَّفاعةُ التي تُطلَبُ من غَيرِ اللهِ فيما لا يَقدِرُ عليه إلَّا اللهُ.
2- الشَّفاعةُ للكُفَّارِ.
3- الشَّفاعةُ بدونِ إذْنِ رَبِّ السَّمَواتِ والأرضِ.
قال ابنُ تَيميَّةَ: (الشَّفاعةُ المَنفيَّةُ في القُرآنِ، كقَولِه تعالى: واتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ، وقَولِه تعالى وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُها شَفَاعَةٌ، وقَولِه: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ، وقَولِه: فَمَا لَنا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ، وقَولِه: مَا للظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ، وقَولِه: يَومَ يَأتِي تَأويلُهُ يَقُولُ الذينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ وأمثالِ ذلك)
.
وقال أيضًا عن المُشرِكينَ: (كانوا مُعتَرِفينَ بأنَّ آلِهَتَهم لَم تُشارِكِ اللهَ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ ولا خَلقِ شَيءٍ، بَل كانوا يَتَّخِذونَهم شُفَعاءَ ووَسائِطَ، كما قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ. وقال عن صاحِبِ يَس: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ [يس: 22، 23]، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51] ، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة: 4] ، وقال: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23-22] ، فنَفى عَمَّا سِواه كُلَّ ما يَتَعَلَّقُ به المُشرِكونَ، فنَفى أن يَكونَ لغَيرِه مُلْكٌ أو قِسْطٌ مِنَ الْمُلكِ، أو يَكونَ عونًا للهِ، ولَم يَبقَ إلَّا الشَّفاعةُ؛ فبيَّنَ أنَّها لا تَنفَعُ إلَّا لِمَن أذِنَ له الرَّبُّ، كما قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وقال تعالى عن المَلائِكةِ: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى، وقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] . فهذه الشَّفاعةُ التي يَظُنُّها المُشرِكونَ هيَ مُنتَفيةٌ يَومَ القيامةِ، كما نَفاها القُرآنُ) .
وقال ابنُ القَيِّمِ: (الذي في قُلوبِ هؤلاء المُشرِكينَ وسَلَفِهم أنَّ آلِهَتَهم تَشفَعُ لهم عِندَ الله، وهذا عَينُ الشِّركِ، وقد أنكَرَ اللهُ عليهم ذلك في كِتابِه وأبطَلَه، وأخبَرَ أنَّ الشَّفاعةَ كُلَّها له، وأنَّه لا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا لِمَن أذِنَ اللهُ أن يَشفَعَ فيه، ورَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، وهم أهلُ التَّوحيدِ الذينَ لَم يَتَّخِذوا من دونِ اللهِ شُفَعاءَ، فإنَّه سُبحانَه يَأذَنُ لِمَن شاءَ في الشَّفاعةِ لهم؛ حَيثُ لَم يَتَّخِذْهم شُفَعاءَ مِن دُونِه، فيَكونُ أسعَدَ النَّاسِ بشفاعةِ مَن يَأَذَنُ اللهُ له صاحِبُ التَّوحيدِ الذي لَم يَتَّخِذ شَفيعًا من دونِ الله رَبِّه ومَولاه.
والشَّفاعةُ التي أثبَتها اللهُ ورَسولُه هيَ الشَّفاعةُ الصَّادِرةُ عن إذْنِه لِمَن وحَّدَه، والتي نَفاها اللهُ هيَ الشَّفاعةُ الشِّرْكيَّةُ التي في قُلوبِ المُشرِكينَ المُتَّخِذينَ من دونِ اللهِ شُفَعاءَ، فيُعامَلونَ بنَقيضِ قَصدِهم من شُفَعائِهم، ويَفوزُ بها الموَحِّدونَ.
وتَأمَّلْ قَولَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأبي هُريرةَ -وقد سَألَه: من أسعَدُ النَّاسِ بشَفاعتِك يا رَسولَ اللهِ؟- قال: ((أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتي من قال: لا إلَهَ إلَّا اللهُ خالِصًا من قَلبِه )) كيفَ جَعَلَ أعظَمَ الأسبابِ التي تُنالُ بها شفاعتُه تَجريدَ التَّوحيدِ، عَكسَ ما عِندَ المُشرِكينَ أنَّ الشَّفاعةَ تُنالُ باتِّخاذِهم أولياءَهم شُفعاءَ، وعِبادَتِهم ومُوالاتِهم من دونِ اللهِ، فقَلبَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ما في زَعمِهمُ الكاذِبِ، وأخبَرَ أنَّ سَبَبَ الشَّفاعةِ هو تَجريدُ التَّوحيدِ، فحينَئِذٍ يَأذَنُ اللهُ للشَّافِعِ أن يَشفَعَ.
ومِن جَهلِ المُشرِكِ اعتِقادُه أنَّ من اتَّخَذَه وَلِيًّا أو شَفيعًا أنَّه يَشفَعُ له، ويَنفَعُه عِندَ اللهِ، كما يَكونُ خَواصُّ المُلوكِ والوُلاةِ تَنفَعُ شفاعتُهم من والاهمِ، ولَم يَعلَموا أنَّ اللهَ لا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا بإذْنِه، ولا يَأذَنُ في الشَّفاعةِ إلَّا لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، كما قال تعالى في الفَصلِ الأوَّلِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَه إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] ، وفي الفَصلِ الثَّاني: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى [الأنبياء: 28] ، وبَقيَ فصلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّه لا يَرضى من القَولِ والعَمَلِ إلَّا التَّوحيدَ، واتِّباعَ الرَّسولِ، وعن هاتينِ الكَلِمَتينِ يَسألُ الأوَّلينَ والآخِرينَ، كما قال أبو العاليةِ: كلِمَتانِ يُسألُ عنهما الأولونُ والآخِرونَ: ماذا كُنتُم تَعْبُدونَ؟ وماذا أجبْتُمُ المُرسَلينَ؟ فهذه ثَلاثةُ أصولٍ، تَقطَعُ شَجَرةَ الشِّرْكِ من قَلبِ مَن وعاها وعَقِلَها: لا شفاعةَ إلَّا بإذْنِه، ولا يَأذَنُ إلَّا لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، ولا يَرضى من القَولِ والعَمَلِ إلَّا تَوحيدَه، واتِّباعَ رَسولِه) .
وقال أيضًا في الشَّفاعةِ: (بهذا السِّرِّ عُبِدَتِ الكَواكِبُ، واتُّخِذَت لها الهياكِلُ، وصُنِّفَت لها الدَّعَواتُ، واتُّخِذَتِ الأصنامُ المُجَسَّدةُ لها، وهذا بعينِه هو الذي أوجَب لعُبَّادِ القُبورِ اتِّخاذَها أعيادًا، وتَعليقَ السُّتورِ عليها، وإيقادَ السُّرُجِ عليها، وبِناءَ المَساجِدِ عليها، وهو الذي قَصَدَ رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إبطالَه ومَحْوَه بالكُلِّيَّةِ، وسَدَّ الذَّرائِعَ المُفْضيَةَ إليه، فوَقَفَ المُشرِكونَ في طَريقِه، وناقَضوه في قَصدِه، وكان صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شِقٍّ، وهؤلاء في شِقٍّ.
وهذا الذي ذَكَرَه هؤلاء المُشرِكونَ في زيارةِ القُبورِ هو الشَّفاعةُ التي ظَنُّوا أنَّ آلِهَتَهم تَنفَعُهم بها، وتَشفَعُ لهم عِندَ اللهِ.
قالوا: فإنَّ العَبدَ إذا تَعَلَّقَت رُوحُه برُوحٍ الوَجيهِ المُقَرَّبِ عِندَ الله، وتوَجَّهَ بهمَّتِه إليه، وعَكَفَ بقَلبِه عليه؛ صارَ بينَه وبينَه اتِّصالٌ يُفيضُ به عليه منه نَصيبٌ مِمَّا يَحصُلُ له من اللهِ، وشَبَّهوا ذلك بمَن يَخدُمُ ذا جاهٍ وحظوةٍ وقُربٍ من السُّلطانِ، فهو شَديدُ التَّعَلُّقِ به، فما يَحصُلُ لذلك من السُّلطانِ من الإنعامِ والإفضالِ، يَنالُ ذلك المُتَعَلِّقَ به بحَسَبِ تَعَلُّقِه به.
فهذا سِرُّ عِبادةِ الأصنامِ، وهو الذي بَعثَ اللهُ رُسُلَه وأنزَلَ كُتُبَه بإبطالِه، وتَكفيرِ أصحابِه ولَعْنِهم، وأباحَ دِماءَهم وأموالَهم، وسَبْيَ ذَرارِيِّهم، وأوجَب لهمُ النَّارَ. والقُرآنُ من أوَّلِه إلى آخِرِه مَملوءٌ من الرَّدِّ على أهلِه، وإبطالِ مَذهَبِهم.
قال تعالى: أمِ اتَّخَذُوا من دونِ اللهِ شُفَعَاءُ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَميعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ [الزمر: 43، 44]. فأخبَرُ أنَّ الشَّفاعةَ لِمَن له مُلكُ السَّمَواتِ والأرضِ، وهو اللهُ وحدَه، فهو الذي يَشفَعُ بنَفسِه إلى نَفسِه ليَرحَمَ عَبدَه، فيَأذَنُ هو لِمَن يَشاءُ أن يَشفَعَ فيه، فصارَتِ الشَّفاعةُ في الحَقيقةِ إنَّما هيَ له، والذي يَشفَعُ عِندَه إنَّما يَشفَعُ بإذْنِه له وأمرِه، بَعدَ شفاعتِه سُبحانَه إلى نَفسِه، وهى إرادَتُه من نَفسِه أن يَرحَمَ عَبدَه.
وهذا ضِدُّ الشَّفاعةِ الشِّركيَّةِ التي أثبَتها هؤلاء المُشرِكونَ ومن وافَقَهم، وهي التي أبطَلَها اللهُ سُبحانَه في كِتابِه، بقَولِه: وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 123]، وقَولُه: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 254] ، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الأنعام: 51] ، وقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ [السجدة: 4] .
فأخبَرَ سُبحانَه أنَّه ليس للعِبادِ شَفيعٌ من دونِه، بَل إذا أرادَ اللهُ سُبحانَه رَحمةَ عَبدِه أَذِنَ هو لمَن يَشفَعُ فيه، كما قال تعالى: مَا مِنْ شَفِيعٍ إلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ [يونس: 3] ، وقال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] .
فالشَّفاعةُ بإذنِه ليست شفاعةً مِن دُونِه، ولا الشَّافِعُ شَفيعٌ مِن دُونِه، بَل شَفيعٌ بإذْنِه.
والفَرقُ بينَ الشَّفيعينِ كالفَرقِ بينَ الشَّريكِ والعَبدِ المَأمورِ.
فالشَّفاعةُ التي أبطَلَها شفاعةُ الشَّريكِ؛ فإنَّه لا شَريكَ له، والتي أثبَتها شفاعةُ العَبدِ المَأمورِ الذي لا يَشفَعُ ولا يَتَقَدَّمُ بينَ يَدَيْ مالِكِه حَتَّى يَأذَنَ له، ويَقولَ: اشفَعْ في فُلانٍ؛ ولِهذا كان أسعَدَ النَّاسِ بشفاعةِ سَيِّدِ الشُّفَعاءِ يَومَ القيامةِ أهلُ التَّوحيدِ، الذينَ جَرَّدوا التَّوحيدَ وخَلَّصوه من تَعَلُّقاتِ الشِّرْكِ وشَوائِبِه، وهمُ الذينَ ارتَضى اللهُ سُبحانَه. قال تعالى: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى [الأنبياء: 28] ، وقال: يَوْمَئِذٍ لَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولًا [طه: 109] .
فأخبَرَ أنَّه لا يَحصُلُ يَومَئِذُ شفاعةٌ تَنفَعُ إلَّا بَعدَ رِضاه قَولَ المَشفوعِ له، وإذْنِه للشَّافِعِ.
فأمَّا المُشرِكُ فإنَّه لا يَرتَضيه، ولا يَرضى قَولَه، فلا يَأذَنُ للشُّفعاءِ أن يَشفَعوا فيه؛ فإنَّه سُبحانَه عَلَّقَها بأمرينِ: رِضاه عن المَشفوعِ له، وإذْنِه للشَّافِعِ، فما لَم يوجَدْ مَجموعُ الأمرينِ لَم توجَدِ الشَّفاعةُ.
وسِرُّ ذلك أنَّ الأمرَ كُلَّه للهِ وَحْدَه، فليس لأحَدٍ مَعَه من الأمرِ شَيءٌ، وأعلى الخَلقِ وأفضَلُهم وأكرَمُهم عِندَه همُ الرُّسُلُ والمَلائِكةُ المُقَرَّبونَ، وهم عَبيدٌ مَحضٌ، لا يَسبِقونَه بالقَولِ، ولا يَتَقَدَّمونَ بينَ يَدَيه، ولا يَفعَلونَ شَيئًا إلَّا بَعدَ إذْنِه لهم وأمرِهم، ولا سيَّما يَومَ لا تَملِكُ نَفسٌ لنَفسٍ شَيئًا، فهم مَملوكونُ مَربوبونَ، أفعالُهم مُقَيَّدةٌ بأمرِه وإذْنِه، فإذا أشرَك بهم المُشرِكُ، واتَّخَذهم شُفَعاءَ من دونِه، ظَنًّا منه أنَّه إذا فعَلَ ذلك تَقَدَّموا وشَفَعوا له عِندَ الله؛ فهو من أجهَلِ النَّاسِ بحَقِّ الرَّبِّ سُبحانَه، وما يَجِبُ له، ويَمتَنِعُ عليه) .
وقال مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ: (الشَّفاعةُ شَفاعتانِ: شفاعةٌ مَنفيَّةٌ، وشفاعةٌ مُثْبَتةٌ.
فالشَّفاعةُ المَنفيَّةُ هيَ التي تُطلَبُ من غَيرِ الله فيما لا يَقْدِرُ عليه إلَّا اللهُ، والدَّليلُ قَولُه تعالى: يا أيُّها الذينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِن قَبْلِ أَنْ يَأتيَ يَومٌ لا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمونَ [البقرة: 254] .
والمُثبَتةُ هيَ التي تُطلَبُ من الله، فيما لا يَقْدِرُ عليه إلَّا اللهُ، والشَّافِعُ مُكَرَّمٌ بالشَّفاعةِ، والمَشفوعُ له مَن رَضِيَ اللهُ قَولَه وعَمَلَه، بَعدَ الإذْنِ، والدَّليلُ قَولُه تعالى: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة: 255] ) .
وقال حَمدُ بنُ ناصِرِ بنِ مَعمَرٍ: (أمَّا الفَرقُ بينَ الشَّفاعةِ المُثْبَتةِ والشَّفاعةِ المَنفيَّةِ، فهيَ مَسألةٌ عَظيمةٌ، ومن لَم يَعرِفْها لَم يَعرِفْ حَقيقةَ التَّوحيدِ والشِّرْكِ، والشَّيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبدِ الوَهَّابِ رَحِمَه اللهُ تعالى عَقدَ لها بابًا في كِتابِ التَّوحيدِ، فقال: بابُ الشَّفاعةِ، وقَولِ اللهِ تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51] ، ثُمَّ ساقَ الآياتِ، وعَقَّبَه بكَلامِ الشَّيخِ تَقي الدِّينِ.
فأنتَ راجِعِ البابَ، وأمعِنِ النَّظَرَ فيه، يَتَبَيَّنْ لَك حَقيقةَ الشَّفاعةِ، والفَرقَ بينَ ما أثبَتَه القُرآنُ وما نَفاه، وإذا تَأمَّلَ الإنسانُ القُرآنَ، وجَدَ فيه آياتٍ كثيرةً في نَفي الشَّفاعةِ، وآياتٍ كثيرةً في إثباتِها؛ فالآياتُ التي فيها نَفيُ الشَّفاعةِ، مِثلُ قَولِه: لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ [الأنعام: 51] ، ومِثلُ قَولِه: أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ [البقرة: 254] ، وقَولُه: مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [السجدة: 4] ، وقَولُه: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر: 44] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ.
وأمَّا الآياتُ التي فيها إثباتُ الشَّفاعةِ، فمِثلُ قَولِه تعالى: وكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضَى [النَّجم: 26] ، وقَولِه: ولا تَنفَعُ الشَّفاعةُ عِندَه إلَّا لِمِن أَذِنَ لَهُ [سبأ: 23] ، وقَولِه: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضى [الأنبياء: 28] ، وقَولِه: يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ إلَّا مَنْ أَذِنَ له الرَّحمَنُ ورَضِيَ له قَولًا [طه: 109] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ.
فالشَّفاعةُ التي نَفاها القُرآنُ هيَ التي يَطلُبُها المُشرِكونَ من غَيرِ الله، فيَأتون إلى قَبرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو إلى قَبرِ مَن يَظنُّونَه من الأولياءِ والصَّالِحينَ، فيَستَغيثُ به، ويَستَشفِعُ به إلى اللهِ، لَظَنِّه أنَّه إذا فعَلَ ذلك شَفَعَ له عِندَ الله، وقَضى اللهُ حاجَتَه، سَواءٌ أرادَ حاجةً دُنيَويَّةً أو حاجةً أُخرَويَّةً، كما حَكى اللهُ عن المُشرِكينَ في قَولِه: ويَقولونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: 18] ، لَكِن كان الكُفَّارُ الأوَّلونَ يَستَشفِعونَ بهم في قَضاءِ الحاجاتِ الدُّنيويَّةِ، وأمَّا المَعادِ فكانوا مُكَذِّبينَ به، جاحِدينَ له، وأمَّا المُشرِكونَ اليَومَ فيَطلُبونَ من غَيرِ الله حَوائِجَ الدُّنيا والآخِرةِ، ويَتَقَرَّبونَ بذلك إلى الله، ويَستَدِلُّونَ عليه بالأدِلَّةِ الباطِلةِ، وحُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الشورى: 16] .
وأمَّا الشَّفاعةُ التي أثبَتها القُرآنُ فقَيَّدَها سُبحانَه بإذنِه للشَّافِعِ، ورِضاه عن المَشفوعِ له، فلا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا بإذْنِه، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبيٌّ مُرسَلٌ، ولا يَأذَنُ للشُّفعاءِ أن يَشفَعوا إلَّا لِمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، وهو سُبحانَه لا يَرضى إلَّا التَّوحيدَ.
وأخبَرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ أسعَدَ النَّاسِ بشفاعتِه أهلُ التَّوحيدِ والإخلاصِ، فمَن طَلَبَها منه اليَومَ حُرِمَها يَومَ القيامةِ، واللهُ سُبحانَه قد أخبَرَ أنَّ المُشرِكينَ لا تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ، وإنَّما تَنفَعُ من جَرَّدَ تَوحيدَه، بحَيثُ أن يَكونَ اللهُ وحدَه هو إلَهَه ومَعبودَه، وهو سُبحانَه لا يَقبَلُ من العَمَلِ إلَّا ما كان خالِصًا، كما قال تعالى: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ [الزُّمَر: 3] .
فإذا تَأمَّلْتَ الآياتِ تَبَيَّنَ لَك أنَّ الشَّفاعةَ المَنفيَّةَ هيَ التي يَظُنُّها المُشرِكونَ، ويَطلُبونَها اليَومُ من غَيرِ الله. وأمَّا الشَّفاعةُ المُثْبَتةُ فهيَ التي لأهلِ التَّوحيدِ والإخلاصِ، كما أخبَرَ الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ شفاعتَه نائِلةٌ من مات من أمَّتِه لا يُشرِكُ باللهِ شَيئًا ، واللهُ أعلَمُ) .
وقال السَّعديُّ: (إنَّ المُشرِكينَ يُبَرِّرونَ شِرْكَهم ودُعاءَهم للمَلائِكةِ والأنبياءِ والأولياءِ بقَولِهم: نَحنُ نَدعوهم مَعَ عَلْمِنا أنَّهم مَخلوقونَ ومَملوكونَ، ولَكِن حَيثُ إنَّ لهم عِندَ الله جاهًا عَظيمًا ومَقاماتٍ عاليةً، نَدعوهم ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفى وليَشفَعوا لَنا عِندَه، كما يُتَقَرَّبُ إلى الوُجهاءِ عِندَ المُلوكِ والسَّلاطينِ، ليَجعَلوهم وسائِطَ لقَضاءِ حاجاتِهم وإدراكِ مَآرِبِهم. وهذا من أبطَلِ الباطِلِ، وهو تَشبيهُ اللهِ العَظيمِ مَلِكِ المُلوكِ الذي يَخافُه كُلُّ أحَدٍ، وتَخضَعُ له المَخلوقاتُ بأسْرِها بالمُلوكِ الفُقَراءِ المُحتاجينَ للوُجَهاءِ والوُزَراءِ في تَكميلِ مُلْكِهم ونُفوذِ قوَّتِهم.
فأبطَلَ اللهُ هذا الزَّعمَ وبيَّنَ أنَّ الشَّفاعةَ كُلَّها له، كما أنَّ المُلكَ كُلَّه له، وأنَّه لا يَشفَعُ عِندَه أحَدٌ إلَّا بإذْنِه، ولا يَأذَنُ إلَّا لمَن رَضِيَ قَولَه وعَمَلَه، ولا يَرضى إلَّا تَوحيدَه وإخلاصَ العَمَلِ له. فبيَّنَ أنَّ المُشرِكَ ليس له حَظٌّ ولا نَصيبٌ من الشَّفاعةِ.
وبيَّنَ أنَّ الشَّفاعةَ المُثْبَتةَ التي تَقَعُ بإذْنِه إنَّما هيَ الشَّفاعةُ لأهلِ الإخلاصِ خاصَّةً، وأنَّها كُلَّها منه؛ رَحمةً منه وكَرامةً للشَّافِعِ، ورَحمةً منه وعَفوًا عن المَشفوعِ له، وأنَّه هو المَحمودُ عليها في الحَقيقةِ، وهو الذي أَذِنَ لمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيها وأنالَه المَقامَ المَحمودَ) .
وقال الشِّنقيطيُّ: (إنَّ الشَّفاعةَ المَنفيَّةَ هيَ الشَّفاعةُ للكُفَّارِ، والشَّفاعةُ لغَيرِهم بدونِ إذْنِ رَبِّ السَّمَواتِ والأرضِ، أمَّا الشَّفاعةُ للمُؤمِنينَ بإذْنِه فهيَ ثابِتةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ. فنَصَّ على عَدَمِ الشَّفاعةِ للكُفَّارِ بقَولِه: وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَنِ ارتَضَى 21 28، وقد قال: (ولا يُرضى لعِبادِه الكَفرَ) 39 7، وقال تعالى عنهم مُقَرَّرًا له: (فما لَنا من شافِعينَ) 26 100 وقال: (فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ) 74 48 إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ. وقال في الشَّفاعةِ بدونِ إذْنه: وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء: 28] ، وقال: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم: 26] ، وقال: يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [طه: 109] ، إلى غَيرِ ذلك من الآياتِ. وادِّعاءُ شُفَعاءَ عِندَ اللهِ للكُفَّارِ أو بغَيرِ إذْنِه: من أنواعِ الكُفرِ به جَلَّ وعلا، كما صَرحَ بذلك في قَولِه: وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس: 18] . تَنبيهٌ: هذا الذي قَرَّرناه من أنَّ الشَّفاعةَ للكُفَّارِ مُستَحيلةٌ شَرعًا مُطلَقًا، يُستَثنى منه شفاعتُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لِعَمِّه أبي طالِبٍ في نَقلِه من مَحَلٍّ من النَّارِ إلى مَحَلٍّ آخَرَ منها، كما ثَبَتَ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الصَّحيحِ، فهذه الصُّورةُ التي ذَكَرنا من تَخصيصِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ) .
وقال ابنُ عُثَيمين: (الشَّفاعةُ نَوعانِ:
النَّوعُ الأوَّلُ: شفاعةٌ ثابِتةٌ صَحيحةٌ، وهيَ التي أثبَتها اللهُ تعالى في كِتابِه، أو أثبَتها رَسولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ولا تَكونُ إلَّا لأهلِ التَّوحيدِ والإخلاصِ؛ لأنَّ أبا هُرَيرةَ رَضِيَ الله عنه قال: يا رَسولَ اللهِ مَن أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتِك؟ قال: ((مَن قال لا إلَه إلَّا اللهُ خالِصًا من قَلبِه)) .
وهذه الشَّفاعةُ لها شُروطٌ ثَلاثةٌ:
الشَّرطُ الأوَّلُ: رِضا اللهِ عن الشَّافِعِ.
الشَّرطُ الثَّاني: رِضا اللهِ عن المَشفوعِ له.
الشَّرطُ الثَّالِثُ: إذْنُ اللهِ تعالى للشَّافِعِ أن يَشفَعَ...
النَّوعُ الثَّاني: الشَّفاعةُ الباطِلةُ التي لا تَنفَعُ أصحابَها، وهيَ ما يَدَّعيه المُشرِكونَ من شفاعةِ آلِهَتِهم لهم عِندَ اللهِ عزَّ وجَلَّ؛ فإنَّ هذه الشَّفاعةَ لا تَنفَعُهم، كما قال اللهُ تعالى: فما تَنفَعُهم شفاعةُ الشَّافِعينَ [المُدَّثِر: 48] ؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى لا يَرضى لهؤلاء المُشرِكينَ شِرْكَهم، ولا يُمكِنُ أن يَأذَنَ بالشَّفاعةِ لهم؛ لأنَّه لا شفاعةَ إلَّا لِمَنِ ارتَضاه اللهُ عزَّ وجَلَّ، واللهُ لا يَرضى لعِبادِه الكُفرَ ولا يُحِبُّ الفَسادَ، فتَعَلُّقُ المُشرِكينَ بآلِهَتِهم يَعبُدونَها ويَقولونَ: هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ [يونس: 18] تَعَلُّقٌ باطِلٌ غَيرُ نافِعٍ، بَل هذا لا يَزيدُهم من اللهِ تعالى إلَّا بُعدًا، على أنَّ المُشرِكينَ يَرجُونَ شفاعةَ أصنامِهم بوسيلةٍ باطِلةٍ، وهيَ عِبادةُ هذه الأصنامِ، وهذا من سَفَهِهم أن يُحاوِلوا التَّقَرُّبَ إلى الله تعالى بما لا يَزيدُهم منه إلَّا بُعدًا!) .

الدرر السنية




 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×