اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

مراحل خلق الإنسان في سورة المؤمنون

المشاركات التي تم ترشيحها

صور بسملة وسلام مقدمات ونهايات للمواضيع متحركة

 
مراحل خلق الإنسان في سورة المؤمنون
 
( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون )

قوله تعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون )


[ ص: 74 ]

اعلم أنه سبحانه لما أمر بالعبادات في الآية المتقدمة، والاشتغال بعبادة الله لا يصح إلا بعد معرفة الإله الخالق، لا جرم عقبها بذكر ما يدل على وجوده واتصافه بصفات الجلال والوحدانية فذكر من الدلائل أنواعا:

النوع الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أدوار الخلقة وأكوان الفطرة  وهي تسعة:

المرتبة الأولى: قوله سبحانه وتعالى : ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ) والسلالة : الخلاصة; لأنها تسل من بين الكدر، فعالة ، وهو بناء يدل على القلة كالقلامة والقمامة، واختلف أهل التفسير في ( الإنسان ) فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومقاتل : المراد منه آدم عليه السلام ، فآدم سل من الطين, وخلقت ذريته من ماء مهين، ثم جعلنا الكناية راجعة إلى الإنسان الذي هو ولد آدم، والإنسان شامل لآدم عليه السلام ولولده، وقال آخرون: الإنسان هاهنا ولد آدم، والطين هاهنا اسم آدم عليه السلام ، والسلالة هي الأجزاء الطينية المبثوثة في أعضائه التي لما اجتمعت وحصلت في أوعية المني صارت منيا، وهذا التفسير مطابق لقوله تعالى : ( وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ) [ السجدة: 7 ، 8 ] وفيه وجه آخر، وهو أن الإنسان إنما يتولد من النطفة وهي إنما تتولد من فضل الهضم الرابع، وذلك إنما يتولد من الأغذية، وهي إما حيوانية وإما نباتية، والحيوانية تنتهي إلى النباتية، والنبات إنما يتولد من صفو الأرض والماء، فالإنسان بالحقيقة يكون متولدا من سلالة من طين، ثم إن تلك السلالة بعد أن تواردت على أطوار الخلقة وأدوار الفطرة صارت منيا، وهذا التأويل مطابق للفظ ولا يحتاج فيه إلى التكلفات.

المرتبة الثانية: قوله تعالى : ( ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ) ومعنى جعل الإنسان نطفة  أنه خلق جوهر الإنسان أولا طينا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في أصلاب الآباء فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم المرأة فصار الرحم قرارا مكينا لهذه النطفة، والمراد بالقرار موضع القرار وهو المستقر, فسماه بالمصدر ثم وصف الرحم بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها; كقولك: طريق سائر ، أو لمكانتها في نفسها; لأنها تمكنت من حيث هي وأحرزت.

المرتبة الثالثة: قوله تعالى : ( ثم خلقنا النطفة علقة ) أي: حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفات العلقة وهي الدم الجامد.

المرتبة الرابعة: قوله تعالى : ( فخلقنا العلقة مضغة ) أي: جعلنا ذلك الدم الجامد مضغة ؛ أي: قطعة لحم كأنها مقدار ما يمضغ كالغرفة وهي مقدار ما يغترف، وسمي التحويل خلقا; لأنه سبحانه يفني بعض أعراضها ويخلق أعراضا غيرها، فسمى خلق الأعراض خلقا وكأنه سبحانه وتعالى يخلق فيها أجزاء زائدة.

المرتبة الخامسة: قوله : ( فخلقنا المضغة عظاما ) أي: صيرناها كذلك، وقرأ ابن عامر (عظما) والمراد منه الجمع كقوله: ( والملك صفا صفا ) [الفجر: 22].

المرتبة السادسة: قوله تعالى : ( فكسونا العظام لحما ) وذلك لأن اللحم يستر العظم فجعله كالكسوة لها.

المرتبة السابعة: قوله تعالى : ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) أي: خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها ، حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره [ ص: 75 ] بل كل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب فطرة وغرائب حكمة لا يحيط بها وصف الواصفين، ولا شرح الشارحين، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: هو تصريف الله إياه بعد الولادة في أطواره في زمن الطفولية وما بعدها إلى استواء الشباب، وخلق الفهم والعقل وما بعده إلى أن يموت، ودليل هذا القول أنه عقبه بقوله: ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ) وهذا المعنى مروي أيضا عن ابن عباس وابن عمر ، وإنما قال: ( أنشأناه ) لأنه جعل إنشاء الروح فيه، وإتمام خلقه إنشاء له. قالوا : في الآية دلالة على بطلان قول النظام في أن الإنسان هو الروح لا البدن، فإنه سبحانه بين أن الإنسان هو المركب من هذه الصفات، وفيها دلالة أيضا على بطلان قول الفلاسفة الذين يقولون: إن الإنسان شيء لا ينقسم، وإنه ليس بجسم.

أما قوله : ( فتبارك الله ) أي: فتعالى الله ؛ فإن البركة يرجع معناها إلى الامتداد والزيادة، وكل ما زاد على الشيء فقد علاه، ويجوز أن يكون المعنى : والبركات والخيرات كلها من الله تعالى ، وقيل: أصله من البروك وهو الثبات، فكأنه قال: والبقاء والدوام والبركات كلها منه فهو المستحق للتعظيم والثناء، وقوله: ( أحسن الخالقين ) أي: أحسن المقدرين تقديرا ، فترك ذكر المميز لدلالة ( الخالقين ) عليه.
 
 وهاهنا مسائل :

المسألة الأولى: قالت المعتزلة : لولا أن الله تعالى قد يكون خالقا لفعله إذا قدره لما جاز القول بأنه أحسن الخالقين، كما لو لم يكن في عباده من يحكم ويرحم لم يجز أن يقال فيه : أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، والخلق في اللغة  هو كل فعل وجد من فاعله مقدرا لا على سهو وغفلة، والعباد قد يفعلون ذلك على هذا الوجه، قال الكعبي : هذه الآية وإن دلت على أن العبد خالق إلا أن اسم الخالق لا يطلق على العبد إلا مع القيد، كما أنه يجوز أن يقال: رب الدار، ولا يجوز أن يقال: رب ، بلا إضافة، ولا يقول العبد لسيده: هو ربي، ولا يقال: إنما قال الله تعالى ذلك; لأنه سبحانه وصف عيسى عليه السلام بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير; لأنا نجيب عنه من وجهين.

أحدهما: أن ظاهر الآية يقتضي أنه سبحانه ( أحسن الخالقين ) الذين هم جمع فحمله على عيسى خاصة لا يصح.

الثاني: أنه إذا صح وصف عيسى بأنه يخلق صح وصف غيره من المصورين أيضا بأنه يخلق، وأجاب أصحابنا بأن هذه الآية معارضة بقول الله تعالى : ( الله خالق كل شيء ) [ الرعد: 16 ] فوجب حمل هذه الآية على أنه ( أحسن الخالقين ) في اعتقادكم وظنكم، كقوله تعالى : ( وهو أهون عليه ) [الروم: 27] أي: هو أهون عليه في اعتقادكم وظنكم. والجواب الثاني: هو أن الخالق هو المقدر; لأن الخلق هو التقدير والآية تدل على أنه سبحانه أحسن المقدرين، والتقدير يرجع معناه إلى الظن والحسبان، وذلك في حق الله سبحانه محال، فتكون الآية من المتشابهات. والجواب الثالث: أن الآية تقتضي كون العبد خالقا بمعنى كونه مقدرا، لكن لم قلت بأنه خالق بمعنى كونه موجدا؟!

المسألة الثانية: قالت المعتزلة : الآية تدل على أن كل ما خلقه حسن وحكمة وصواب وإلا لما جاز وصفه بأنه أحسن الخالقين، وإذا كان كذلك وجب أن لا يكون خالقا للكفر والمعصية، فوجب أن يكون العبد هو الموجد لهما. والجواب: من الناس من حمل الحسن على الإحكام والإتقان في التركيب والتأليف. ثم لو حملناه على ما قالوه فعندنا أنه يحسن من الله تعالى كل الأشياء; لأنه ليس فوقه آمر وناه حتى يكون ذلك مانعا له عن فعل شيء.

المسألة الثالثة: روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان [ ص: 76 ] يكتب هذه الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انتهى إلى قوله تعالى : ( خلقا آخر ) عجب من ذلك فقال: فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اكتب ، فهكذا نزلت " فشك عبد الله وقال: إن كان محمد صادقا فيما يقول فإنه يوحى إلي كما يوحى إليه، وإن كان كاذبا فلا خير في دينه، فهرب إلى مكة، فقيل: إنه مات على الكفر ، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قال عمر بن الخطاب : فتبارك الله أحسن الخالقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هكذا نزلت يا عمر . وكان عمر يقول: وافقني ربي في أربع   : في الصلاة خلف المقام، وفي ضرب الحجاب على النسوة، وقولي لهن: لتنتهن أو ليبدلنه الله خيرا منكن، فنزل قوله تعالى : ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن ) [التحريم: 5] والرابع قلت: ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) فقال: هكذا نزلت . قال العارفون: هذه الواقعة كانت سبب السعادة لعمر، وسبب الشقاوة لعبد الله ، كما قال تعالى : ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) [البقرة: 26] فإن قيل: فعلى كل الروايات قد تكلم البشر ابتداء بمثل نظم القرآن، وذلك يقدح في كونه معجزا كما ظنه عبد الله. والجواب: هذا غير مستبعد إذا كان قدره القدر الذي لا يظهر فيه الإعجاز ، فسقطت شبهة عبد الله .

المرتبة الثامنة: قوله : ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ) قرأ ابن أبي عبلة وابن محيصن (لمائتون) والفرق بين الميت والمائت،  أن الميت كالحي صفة ثابتة، وأما المائت فيدل على الحدوث، تقول: زيد ميت الآن ومائت غدا، وكقولك: يموت ، ونحوهما ضيق وضائق في قوله : ( وضائق به صدرك ) [هود: 12].

المرتبة التاسعة: قوله : ( ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) فالله سبحانه جعل الإماتة التي هي إعدام الحياة والبعث الذي هو إعادة ما يفنيه ويعدمه دليلين أيضا على اقتدار عظيم بعد الإنشاء والاختراع .
 
إسلام ويب
 
رد  صور بسملة وسلام مقدمات ونهايات للمواضيع متحركة



 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وقفات وتأملات في سورة الإنسان

وقفات وتأملات في سورة الإنسان
قراءة سورتي السجدة والإنسان كل جمعة سنة ثابتة

 


- أنَّ رسولَ اللَّهِ كانَ يقرأُ في صلاةِ الصُّبحِ يومَ الجمعةِ الم. تَنزيلُ ، وَ هَلْ أَتَى
خلاصة حكم المحدث : صحيح
الراوي : أبو هريرة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي | الصفحة أو الرقم : 954
| التخريج : أخرجه النسائي (955) واللفظ له، والبخاري (1068)، ومسلم (880) باختلاف يسير

فينبغي المداومةُ على قراءتهما صبيحةَ الجمعةِ، ولا بأسَ بترك قراءتهما في بعضِ الأحيانِ؛ ليُعْلَمَ الناسُ أنَّ قراءتِهما غيرُ واجبةٍ، وهذا دليلٌ على أنَّ هاتينِ السورتينِ لَهما فضلٌ عظيمٌ؛ لما فيهما من العِبَرِ والفوائدِ والتوجيهاتِ.

وقفات وتأملات في سورة الإنسان
 



وقفات وتأملات في سورة الإنسان


عبادَ اللهِ: ولنا مع سورةِ الإنسانِ وقفاتٌ وتأملاتٌ؛ عسى اللهُ -تعالى- أن ينفعَنا وإياكم بها، ومن ذلك:

الأولى: مداومةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- على قراءتِها في صلاةِ الفجرِ يومَ الجمعةِ مع سورةِ السجدةِ؛ لما فيهما من التنبيهاتِ والتوجيهاتِ التي يجبُ على المسلمِ أن ينتبهَ لها وألا يغفلَ عنها.

الثانية: أنّها تتحدثُ عن الإنسانِ، وعن بدايةِ خلقهِ، وأنَّه لم يكنْ شيئًا مذكورًا، ثمَّ أوجدَه اللهُ -جل وعلا- من نطفةٍ أمشاجٍ ثم جعلَه إنسانًا سويًّا، وفي ذلك بيانُ عظيمُ قدرةِ اللهِ -جل وعلا-، وأنَّه كما خَلَقه من عدمٍ؛ فهو قادرٌ على إعادتِه إلى الحياةِ بعد موتِه ومجازاتِه.

الثالثة: أنَّ هذا الإنسانَ لم يُخلق عبثًا ولا جزافًا، بل خَلقَهُ ليبتليَهِ ويمتحنَه بالتكاليفِ الشرعيةِ التي يأمرُه بها، حتى يعلمَ الصَّادقَ في إيمانِهِ من الكاذِبِ.

الرابعة: أنَّ اللهَ -جل وعلا- بيّن لهذا الإنسانِ طريقَ الخيرِ وطريقَ الشرِّ، (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)[الإنسان:3].

الخامسة: إخبارُ اللهِ -جل وعلا- عمَّا أعدَّه للكافرينَ من العقوبةِ والنكالِ والسلاسلِ والأغلالِ والسعيرِ في نارِ جهنَّم (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلاً وَأَغْلالاً وَسَعِيرًا) [الإنسان:4]؛ جزاءً وفاقًا على كُفْرِهم وإعراضهِم واستكبارِهم عن طاعةِ ربِّهِم.

السادسة: أنَّ أهلَ الإيمانِ والطاعةِ والإخلاصِ الذين أدَّوا حقَّ ربِّهم واستجابوا لأمرهِ يُجازونَ بالشربِ من كأسٍ فيها خمرٌ ممزوجةٌ بأحسنِ أنواعِ الطيبِ، وهو ماءُ الكافورِ.

السابعة: أنَّ هؤلاءِ الأبرارَ المخلصينَ لمَّا تشوفتْ نفوسُهم واشرأبتْ أعناقهُم وتعلقتْ مهجُهم وهاجت أشواقهُم لتحصيلِ تلك الملذاتِ والفوزِ بالنعيمِ المقيمِ في جناتِ الخلدِ، بادروا إلى الأعمالِ التي توصلُهم إلى نيلِ هذه الكرامةِ.

الثامنة: أنِّ من صفاتِ هؤلاءِ الأبرارِ أنَّهم يؤثرونَ على أنفسِهم، ويعرفونَ الحقَّ الذي عليهم للسائلِ والمحرومِ، ويبذلون ذلك ابتغاءَ وجهِ ربِّهم (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)[المنافقون:9]، لا يريدونَ من أحدٍ جزاءً ولا ثناءً ولا شكورًا، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الخيرَ لا يزال في أمةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ما دامَ فيها أبرارٌ أمثالُهم.

التاسعة: أنَّ من صفاتِ هؤلاءِ الأبرار أنَّهم يخافونَ من يومٍ طويلٍ شديدِ الضيِّق، تعبسُ فيه الوجوهُ من هولِه وشدّته.

العاشرة: أنَّ اللهَ -جل وعلا- برحمتِهِ أمَّن هؤلاءِ الأبرارَ مما خافوا وأعطاهم حُسنًا ونورًا في وجوهِهم، وبهجةً وفرحًا في قلوبِهم، وجزاهم بصبرِهم على طاعتِه وترْكهم لما حرَّم عليهم جنًّةً عرضُها السماواتُ والأرضُ، يتمتعونَ فيها بجميعِ أنواعِ النَّعيم، من لبسِ الحريرِ، والاتكاءِ على الأَسِرَّةِ المزينةِ بفاخرِ الثيابِ والستورِ، لا يرونَ فيها حَرَّ شمسٍ ولا شدةَ بردٍ. قرأَ رجلٌ على أبي سليمانَ الداراني سورةَ الإنسانَ، فلما بلغ: (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا)[الإنسان:12]، قال أبو سليمان: "بما صبروا على تركِ الشهواتِ في الدنيا".

قال ابنُ القيَّم -رحمهُ اللهُ-: "فلما كانَ في الصبرِ -الذي هو حبسُ النفسِ عن الهوى- خشونةٌ وتضييقٌ؛ جازاهم على ذلكَ نعومةَ الحريرِ وسعةَ الجنةِ".


الحاديةَ عشرة: أنَّ قطوفَ الجنةِ مُذلَّلة لأهلِها؛ بحيثُ إذا نظرَ العبدُ المؤمنُ إلى غصنٍ يريدُ أن يأخذَ منه ثمرةً أو فاكهةً في الجنةِ تدلَّى فوقَ رأسِهِ فيأخذُ منه ما يريدُ، وإذا كان مضطجعًا يتدلَّى إليه، وإذا كان جالسًا يأتيه، لا يُمنعونَ من شيءٍ يريدونَه. قال مجاهدُ -رحمه اللهُ- في تفسيرِ هذه الآية: "أُدنيتْ منهم يتناولُونهَا، إن قامَ ارتفعتْ بقدرِه، وإن قعدَ تدلَّتْ حتى يتناولَها، وإن اضْطجعَ تدلَّتْ حتى يتناولَها، فذلكَ تذليلُها".

الثانيةَ عشرةَ: أنَّ من كرامةِ أهلِ الجنةِ أنْ جعلَ اللهُ لهم غلمانًا يدورونَ عليهم لخدمتِهم، إذا أبْصروهم ظنُّوا -من شدةِ حسنِهم وجمالِهم وصفاءِ ألوانِهم وإشراقِ وجوهِهم- أنَّهم اللؤلؤُ المفرَّقُ المضيءُ. وهذا من التشبيهِ العجيبِ؛ لأنَّ اللؤلؤَ إذا كانَ متفرِّقًا كان أحسنَ في المنظرِ؛ لوقوعِ شعاعِ بعضهِ على بعضِ.

الثالثةَ عشرةَ: إذا نظرَ العبدُ المؤمنُ إلى أيِّ مكانٍ في الجنةِ رأى فيه نعيمًا لا يُدْركهُ الوصفُ، ومُلْكًا عظيمًا واسعًا لا غايةَ له، وهذا يزيدُ يقينَ كلِّ واحدٍ منَّا أنَّه مهما عاشَ في هذهِ الدنيا في ترفٍ ونعيمٍ فليسَ يساوي شيئًا من نعيمِ الجنَّة ومُلكِها العظيمِ، فيزيدهُ ذلك شوقًا لنيلِ هذهِ الكرامةِ من الربِّ -جل وعلا-.

أعوذُ باللهِ منَ الشيطانِ الرجيم: (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا* عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا* وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا)[الإنسان:5-10].


الرابعةَ عشرةَ: أنَّ المؤمنينَ في الجنةِ يكسُوهمْ ويُجمِّلُ أبدانَهم ثيابٌ بطائنُها من الحريرِ الرقيقِ الأخضرِ، وظاهرُها من الحريرِ الغليظِ، ويُحَلَّون من الحُليِّ بأساورَ من الفضةِ، ويسقيهم ربُّهم شرابًا لا رجسَ فيه ولا دَنَسَ، وهذا من إكرامِ اللهِ لهم، وفيه أيضًا دلالةٌ على عِظمِ نعيمهِم.

الخامسة عشرة: أنَّ اللهَ -جل وعلا- بعدَ أن يرضى عن عبادِهِ المؤمنينَ ويجازِيهم، يَشكرُ لهم سعيَهم وهو الغنيُّ عنهم، كما قال -جل وعلا- (إِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ)[البقرة:158]؛ لِيُشعرَ السَّاعينَ إليه أنَّ في انتظارِهم مقامًا كريمًا لهم عندَه.

السادسةَ عشرة: أنَّ اللهَ -جل وعلا- أنزلَ القرآنَ على رسولهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ لتذكيرِ العبادِ بما فيه من الثوابِ والعقابِ، والوعدِ والوعيدِ، والتبشيرِ والتحذيرِ، وليكونَ عاملاً قويًّا في الثباتِ على الدينِ، والصبرِ على المصائبِ والمحنِ والابتلاءاتِ.

السابعةَ عشرةَ: أنَّ من أسبابِ الثباتِ على الحقِّ بعدَ القرآنِ هو كثرةُ ذكرِ اللهِ -جل وعلا-؛ فهو يُزيدُ الإيمانَ واليقينَ ويبعثُ في النفوسِ الطمأنينةَ والسكينةَ.

الثامنةَ عشرةَ: ومن أسبابِ الثباتِ أيضًا: الحرصُ على قيامِ اللّيلِ، وقد كانَ -صلى الله عليه وسلم- أحرصَ الناسِ على القيامِ؛ لما فيه من نعيمِ القربِ من الربِّ، والتلذُّذِ بمناجاتِهِ، وتلاوةِ كلامِه، ودعائِه.

التاسعةَ عشرةَ: يتذكرُ المسلمُ متى ثقُل جسدُه عن طاعةِ ربِّهِ، ولسانُه عن ذكرِهِ وشكرِهِ وتلاوةِ كتابهِ شدةَ ذلك اليوم الثقيلِ، وهو يومُ القيامة.

العشرون: هذه السورةُ فيها الكثيرُ من العظاتِ والتنبيهاتِ للعالمين؛ فمنْ أرادَ الخيرَ لنفسهِ في الدنيا والآخرةِ فليتخذْ الإيمانَ والتقوى طريقًا يوصلُه إلى مغفرةِ اللهِ ورضوانِهِ. وما يريدُ الناسُ أمرًا من الأمورِ إلا بتقديرِ اللهِ ومشيئتِه. إنَّ اللهَ كان عليمًا بأحوالِ خلقِهِ، حكيمًا في تدبيرِهِ وصُنعِهِ. يُدْخل مَن يشاءُ مِن عبادِهِ في رحمتِهِ ورضوانِهِ، وهم المؤمنونَ، وأعدَّ للظالمينَ المتجاوزينَ حدودَه عذابًا موجعًا.

أسألُ اللهَ -جل وعلا- أنْ ينفعَنَا بما سمِعنَا، وأنْ يجعلَه حجّةً لنا لا علينا.

هذا وصلّوا وسلّموا على الحبيبِ المصطفى؛ فقدْ أمركم اللهُ بذلكَ؛ فقالَ -جلّ مِنْ قائلٍ عليمًا-: (إِنَّ اللَّه وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:٥٦].

الشيخ أ.د عبدالله بن محمد الطيار
ملتقى الخطباء


وقفات وتأملات في سورة الإنسان
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×