اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

باب الصبر - رياض الصالحين (شرح الشيخ خالد السبت)

المشاركات التي تم ترشيحها

باب الصبر
رياض الصالحين (شرح الشيخ خالد السبت)

مقدمة باب الصبرالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما بعد:



فهذا باب الصبر، والصبر: بمعنى حبس النفس عما ينبغي أن تُحبس عنه، فهذا التعريف يقرب معناه، وتفاسير أهل العلم في ذلك كثيرة: فمنهم من يفسره ببعض معناه، ومنهم من يفسره بشيء من لوازمه، ومنهم من يفسره ببعض آثاره، وقد مضى الكلام على ذلك مفصلًا في الأعمال القلبية، ولكن ما ذكرته يقرب المعنى، حبس النفس عما ينبغي أن تحبس عنه مما يقتضيه الشرع، وحينما نقول: مما يقتضيه الشرع فإنه يدخل في ذلك النقل والعقل الصحيح، وذلك أن العقل الصحيح من جملة أدلة الشرع، وبعضهم يقول: حبسها عما يقتضيه العقل أو الشرع، ولا حاجة لهذه المقابلة، الأفضل أن يقال: حبسها عما ينبغي أن تحبس عنه مما يقتضيه الشرع، وذلك بحبسها على طاعة الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وبالصبر على أقداره المؤلمة، وفي كل حال من أحوال هذا الصبر يكون له معنى، فحبس النفس عن الجزع حال المصيبة يقال له: صبر، وحبسها عند الصدمة يقال له: رباطة جأش، وحبسها في ميدان المعركة عند مصاولة الأعداء يقال له: شجاعة، وحبسها عند تحرك دواعي الشهوة يقال له: ثبات، وما إلى ذلك من الألفاظ والأسماء التي يعبر بها عن معنًى يتصل بالصبر في مقام من المقامات.


قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ ورابِطوا}قا
ل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ [آل عمران: 200]، فهذا أمر بالصبر وبالمصابرة، والأمر للوجوب، فالصبر عما حرم الله واجب، والصبر على طاعته واجب، والصبر على أقداره المؤلمة واجب، وهذه كلها من الواجبات، فالصبر بهذا الاعتبار يكون واجبًا، إلا أنه في بعض صوره ومفرداته وحالاته قد يكونُ مستحبًا، وقد يكون مباحًا، وقد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا.
فالصبر إذا كان على معصية الله  فإنه يكون محرمًا، فقد يصبر الإنسان على أمور لا ترضي الله -تبارك وتعالى، مع ما يلقى من أذى الناس، ومن إنكارهم، ولربما يوصلون إليه أنواعاً من الأذى، ومع ذلك هو ثابت لا يلوي على شيء، فالصبر على المنكر أو على المعصية صبر محرم.
والصبر على الأمور المباحة: كأن يصبر الإنسان حتى يظفر ببغيته من ربح وتجارة، وبيع وشراء، أو تحصيل دين، أو نحو ذلك فهذا من الأمور المباحة، وقد يكون مستحبًا: إذا كان هذا الإنسان يصبر على أمور من محابّ الله  مما لا يجب عليه، أو يصبر عن أمور من الأفعال المكروهة التي لا تحرم، فإذا امتنع عن ذلك وحبس نفسه فإن هذا الصبر يكون مستحبًا، وهكذا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وهذا الأمر للوجوب، ولا شك أن ثمّة قدرًا واجباً من الصبر اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ المصابرة أعظم من الصبر وأبلغ، والأصل أن المفاعلة تكون بين طرفين، ولهذا فُسر اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ صابروا أي: في مجاهدة الأعداء، ومصاولتهم، ومدافعة الباطل وأهله وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ [البقرة: 251]، فالأول أمر بالصبر أن يصبر الإنسان على طاعة ربه، يصبر عن معصيته، يصبر على أقداره المؤلمة، ثم هو مأمور بأن يصابر؛ فإنه قد يلقى الأذى، ولابدّ له من أمر بمعروف ونهي عن منكر، ومدافعة لأهل الشر، فهذا يحتاج معه إلى مصابرة.



اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200]، فهذه أمور أربعة تكون سببًا للفلاح، يعقبها الفلاح، يصبر الإنسان على مبادئه، ويصابر في مدافعته، ويرابط، وذلك بالثبات، فلا يتخلى، ولا يتراجع، ولا ينهزم، ولا ينكسر، مع تقوى الله -تبارك وتعالى، فإن ذلك حريٌّ أن يحقق الفلاح، وهو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
قوله تعالى: {ولنبلونكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ}: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة: 155-157].
وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ هذا مضمن القسم أي والله لنبلونكم، فهذا كما قال الله  وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ من لطفه -تبارك وتعالى- أن ينزل البلاء بحسب أحوال العباد، وقد سئل النبي ﷺ: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يعني: إذا علت مرتبته، وقوي إيمانه، وثباته، ويقينه كان البلاء في حقه أشدّ، فإذا كان فيه ضعف خفف عنه رأفة من الله ورحمة؛ لأنه ما ساق إليه البلاء من أجل أن يكسره، وإنما من أجل أن يمحصه، وأن يرفعه.



قوله: بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ قدم الخوف -والله أعلم- باعتبار أن الإنسان لا يهنأ بالطعام والشراب، ولا تحصل له الطمأنينة واللذة إلا إذا حصل له الأمن؛ فإن الإنسان إذا كان خائفًا لا يستسيغ الأكل ولا الشرب، ولا يهنأ بلذيذ طعام، ولا نوم.
وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ الاختبار والامتحان بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ كما قال الله : وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ نقص الأموال: بكساد التجارات، وقلة ذات اليد، والأنفس: بالموت، بما يقع من الحروب، والآفات، والعلل التي يموت الناس بسببها، والثمرات: تقل هذه بما يصيب الأشجار من الآفات، أو أن الشجر لا يثمر، أو يكون ثمره قليلًا.
قوله: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فهذا هو الأدب الذي يقال عند المصائب أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَف الله -تبارك وتعالى- يذكرهم في الملأ الأعلى، ويسددهم ويهدي قلوبهم.
قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}وقال سبحانه: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10].
فيكمل لهم الأجر لكنه من غير حساب، أي: من غير عد، والعرب يعبرون بذلك ويريدون به الكثرة؛ لأن الشيء إذا كان قليلًا يكون معدودًا، أما الشيء الكثير جداً فإنه يقال: فلان يحثو المال، كما أخبر النبي ﷺ عما يكون في آخر الزمان، حيث قال: يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثواً، لا يعده عدا[2]فهذا يدل على الكثرة، فهنا يوفون أجرهم بغير حساب، يعني من غير أن يحسب ذلك لكثرة هذا الأجر.



وقال تعالى: أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ يعني: أبا بكر  أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِي نَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النــور: 22]، هذا كله في مِسْطَح الذي قذف عرض النبي ﷺ.
قوله تعالى: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} : اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: 153].


فالصبر هو أحد الركنين، وأحد العمودين اللذيْن يستعان بهما على التحمل لكل الأعباء، والتكاليف، والمشاق، سواء كان ذلك في القيام بوظائف العبودية، بفعل المأمورات واجتناب المنهيات، أو الاستعانة على ما يحصل للإنسان ويلاقي ويكابد من الأقدار المؤلمة، أو كان ذلك بسبب المكابدة في هذه الحياة لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: 4]، فهو يكابد دائمًا، ويعاني، يخرج إلى هذه الحياة من بطن أمه باكيًا، ثم بعد ذلك يلقى ما يلقى من حر الصيف، وبرد الشتاء، وما إلى ذلك من أمور كثيرة، سواء في طلب الرزق، أو فيما يلقاه من ألوان الأذى والآلام، هذا كله يحتاج إلى استعانة عليه بهذين الأمرين: الصبر، والصلاة، ولهذا كان النبي ﷺ إذا حزَبَه أمر صلى[3]، وابن عباس لما نُعي إليه أخوه قُثَم وهو في طريقه إلى مكة نزل وقرأ هذه الآية: وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وصلى ركعتين[4]، فالإنسان إذا أصابته شدة، أو بلاء، أو مشكلة، أو ضائقة، أو جاءته مصيبة، أو خبر مفزع، أو كارثة ما عليه إلا أن يتوضأ ويصلي ركعتين، سيجد أن نفسه تهدأ وتسكن، ويخف وقع المصيبة عليه، هذا في صلاة ركعتين أيها الأحبة، وهو شيء مشاهد معلوم، وكان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى، فكيف بمن يحافظ على هذه الصلوات؟ إنه بلا شك يتحمل أكثر من غيره بكثير، يتحمل أعباء الحياة وتكاليفها، وما يحصل فيها من ألوان المتاعب، وأولائك الذين لا يعرفون الله، ولا يعرفون الصلاة سرعان ما ينكسر الواحد منهم، ولذلك تقرأ في التقارير المتنوعة التي تصدر حينًا بعد حين، هناك تقرير صدر في مصر قبل أربع سنوات تقريباً عن المخدرات، وتقرير آخر صدر عن الاكتئاب، فكانت كل هذه التقارير تؤكد أن هؤلاء الذين يبتلون بهذه البلايا لا يكون الواحد منهم من المحافظين على الصلاة، من جهة أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن جهة أخرى أن الصلاة تعين على التحمل والصبر، فالإنسان المحافظ على ذلك مباشرة يقول: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
فأقول: المحافظة على الصلاة دومًا، وأيضًا في لحظة المصيبة يخفف عنه كثيرًا من ذلك، ويجد أن نفسه تستقر، ويتصرف بطريقة صحيحة في هذا الموقف الذي تضطرب فيه الأذهان، وتزل الأقدام، ويصدر عن كثير من الناس ما يستحي العاقل منه، مما يكشف العقول أحيانًا، والناس إنما تُعرف عقولهم غالبًا في مناسباتهم للأفراح والأتراح، كما قال النبي ﷺ: إنما الصبر عند الصدمة الأولى[5] كما أنهم في الأفراح يحتاجون إلى الصبر؛ لأن من الناس من يبدو عند الأفراح -كالزوجة والبنات والأولاد- في حالة من الخفة والطيش والمباهاة، ويتصرفون تصرفات لربما كانوا يعيبونها على الناس، فتظهر الأحلام والعقول في هذه المناسبات.
اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ يؤيدهم، ويسددهم، ويوفقهم، ويعينهم، ويثبتهم، كل ذلك يحصل منه -تبارك وتعالى- لهم.

وقال تعالى: قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب: 22]، هذا الذي وعد اللهُ رسولَه ﷺ، والراجح فيه ما قال ابن كثير -رحمه الله: إن المقصود أن الله وعد بالابتلاء الذي يعقبه التمكين والنصر، كقوله: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ إذن هذا الابتلاء من أجل أن يتبين وينكشف الحال، ويظهر الصابر
من غير الصابر.


نسأل الله  لنا ولكم الثبات واليقين، وأن يرزقنا الصبر، وأن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.



حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (1-4)

قوله تعالى: {ولنبلونّكم حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} :


فإن آخر آية ذكرها الإمام النووي -رحمه الله- في صدر باب الصبر هي قوله -تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، هذا إقسام من الله  وذلك أن هذا الوعد بالابتلاء مؤكد بأمرين اثنين، الأمر الأول: وهو القسم المقدر الذي دلت عليه اللام، قسم محذوف، والتقدير: والله لنبلونكم، أُقسِمُ لنبلونكم، فالله يقسم سيبتلي الناس.


الأمر الثاني: النون المؤكدة الثقيلة وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ، ولم يقل: نبلوكم، أي: أن هذا أمر لابد أن يقع ويتحقق، وهذا البلاء قد يكون بالخير، وقد يكون بالشر، وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]، فالله  تارة يبتلي الناس بإغداق الأرزاق، وسعتها، وبكثرة المعاش، والولد وبسعة هذه العطايا الدنيوية وفسحتها، فيعيش الناس عيشة يكتنفها ويغمرها الرغد والافضال من الله ، فهذا لا شك أنه ابتلاء، وإذا كان الناس على طريقة غير مرضية في العمل فإن ما يغدق عليهم من العطايا والأرزاق يكون من قبيل الاستدراج لهم، فالله يعطيهم ليزدادوا إثماً، وليزدادوا كفراً على كفرهم، وهذه تكاد تكون قاعدة مطردة، إذا رأيت الله يغدق على العبد وهو يزيد إمعاناً في الانحراف والمعاصي فهذا استدراج له ليزداد جرماً على جرمه، فيبقى في سكرته، والإمام أحمد -رحمه الله- ابتُلي بهذا وهذا، وضرب وجلد، وأوذي أمام الخليفة، وسجن مرات ومدة طويلة، ثم بعد ذلك تغيرت الحال، وجاء من الخلفاء من يقرب الإمام أحمد ويدنيه، ويريد مقابلته، فلما كانت تصل الإمام أحمد بعض العطايا من السلطان فإنه كان يردها، ويقول: هذه أشد من تلك، يعني: فتنة إقبال الدنيا أشد من فتنة السياط والحبس، وهذا عند من يفقه ويفهم، ومن الناس من يظن أن هذا التحول عبارة عن كرامة لا ينالها إلا كبار الأولياء، وما علم أنها فتنة أخرى أشد، ومن الناس من يُصغي إلى الأولى، ومن الناس من يصمد في الأولى وينهار في الثانية، فالناس الله يقلبهم بين هذا وهذا.


فالله  يعطيك ويوسع عليك، فينظر إلى عملك ويبتليك، يمرض الولد، تمرض البنت، تمرض الزوجة، تمرض أنت، تخسر التجارة، يحصل لك شيء من المكاره، فينظر كيف عملك.
الإنسان لا يشعر بعافية الله ، فإذا مرض أو جرح بدأ ينظر إلى العالم بمنظار آخر، يتميز عنهم بأشياء يجدها في مشاعره، لا يستطيع التعبير عنها؛ لأنه يشعر بالألم والمرض.
فأقول: هذا وعد من الله حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31]، المجاهد الذي يثبت أمام هذا الابتلاء، ويعالج نفسه مرة بعد مرة، ليحملها على الطريق الصحيحة المستقيمة، ويدخل في ذلك ألوان الجهاد، جهاد النفس، وجهاد أصحاب المنكرات بأمرهم ونهيهم وتعليمهم، والاحتساب عليهم، وجهاد أعداء الله -تبارك وتعالى.
قال: والآيات في الأمر بالصبر، وبيان فضله كثيرة معروفة.


الطُّهور شطر الإيمانثم ذكر حديث أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري ، قال: قال رسول الله ﷺ: الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، رواه مسلم.
وهذا حديث عظيم، وقد أفرده بعض أهل العلم، كالحافظ العلائي -رحمه الله- بشرح في كتاب مستقل، ذكر فيه فوائد هذا الحديث، وما دل عليه من المعاني العظيمة.
ترجمة أبي مالك الأشعريفأبو مالك الحارث بن عاصم الأشعري، هو من أصحاب النبي ﷺ بلا تردد، بلا شك، لكنهم في مثل هؤلاء الصحابة الذين تشتهر كناهم لربما اختلفوا في أسمائهم اختلافاً كثيراً، كأبي هريرة، اختلفوا في اسمه اختلافاً كثيراً، حتى أوصل ذلك بعضهم إلى أربعين قولاً، ومن أشهر ذلك: عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
وأبو مالك هو الحارث بن عاصم الأشعري، وهذا الذي اختاره النووي -رحمه الله- وإلا فقد اختلف في اسمه على عشرة أقوال، فبعضهم يقول: هو الحارث بن كعب، وبعضهم يقول: كعب بن كعب، والذي اختاره الحافظ ابن حجر -رحمه الله- أن أصحاب هذه الكنية ثلاثة:


الأول: الحارث بن الحارث، والثاني: الحارث بن كعب، والثالث: هو المختلف فيه، يعني: أن الاثنين قبله يذكرون عادة بأسمائهم، يقال: الحارث بن الحارث الأشعري، الحارث بن كعب الأشعري، هذا الذي يذكر بالكنية هو شخص ثالث، وهو الذي اختلف في اسمه اختلافاً كثيراً.
وهذا أبو مالك الحارث الأشعري، والأشعريون من أهل اليمن، قدم وفد منهم إلى النبي ﷺ وقد أثنى عليهم النبي ﷺ ومدحهم، وكانت تعرف منازلهم إذا نزلوا بالليل في مكان في السفر من أصواتهم بالقرآن.
فكانوا يُحيون ليلهم بالقراءة والصلاة، فهم أهل عبادة، وقد قال النبي ﷺ: الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية[1]، ودعا النبي ﷺ لليمن، وأخبر أن الرقة في أهل الغنم، وأن الشدة والغلظة والجفاء في الفَدّادين من ربيعة ومضر.


وهكذا قسم الله  هذه الأمور بين خلقه، فهو -سبحانه- يخلق ما يشاء ويختار، فكان لأهل اليمن هذا النصيب الأوفر: الحكمة يمانية، والإيمان يمانٍ، ومن خيار أهل اليمن الأشعريون الذين قدموا على النبي ﷺ.
ولم يكن أبو مالك الأشعري  مكثراً من الرواية، فقد روى سبعة وعشرين حديثاً، أخرج الإمام مسلم منها حديثين، هذا أحدهما، والبخاري أخرج حديثاً واحداً بالتردد، فقال عن أبي مالك، أو أبي عامر، لم يجزم به.


وأبو مالك  مات بسبب طاعون عمواس المشهور في بلاد الشام، وأصابه الطاعون في يوم واحد مع معاذ بن جبل، وأبي عبيدة عامر بن الجراح، وشرحبيل بن عتبة، وهذه خسارة كبيرة جداً، فهؤلاء قادة كبار، وعلماء، أصابهم الطاعون في يوم واحد جميعاً.
بحساباتنا خسارة كبيرة، ولكن عند الله  مقاييس أخرى، وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء [آل عمران:140]، فالموت من الطاعون شهادة، وإلى متى سيبقى الإنسان؟، الذين لم يموتوا بطاعون عمواس أين هم؟ كلهم ماتوا، الذي مات على فراشه، والذي مات على سفر، والذي مات في ساحة المعركة، والذي وقصته دابته فسقط ومات، والذي غرق في الماء، كل الناس ماتوا.
يقول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، كثير من أهل العلم يفرقون بين الطَّهور بالفتح، والطُّهور بالضم، والسَّحور بالفتح، والسُّحور بالضم، والوَضوء بالفتح، والوُضوء بالضم، فكل ما كان بالفتح فهو الشيء المتناول المستعمل، فالوَضوء هو الماء الذي يتطهر به، والطَّهور هو ما يتطهر به، والطُّهور هو نفس العملية، والسُّحور هو نفس الأكل، وهذا الذي عليه كثير من أهل العلم من أهل اللغة، والفقهاء، وغيرهم.


ولكن من أهل العلم -كالخليل بن أحمد الفراهيدي، والأزهري وهو من المتقدمين من الأئمة الكبار- من يقول: لا يقال إلا بالضم، الطُّهور للجميع.
والطهارة يمكن أن نحملها على الطهارة الحسية، والطهارة المعنوية، الطهارة الحسية تكون بالتخلي عن النجاسات، وتكون بالوضوء والغسل من الجنابة، والتيمم، وتطهير الثوب والبدن، فهذا شطر الإيمان، أي: أنه يرقى بمنزلته ومكانته عند الله إلى هذا المقام.
ولا نستغرب هذا، والنبي ﷺ أخبر أن عامة عذاب القبر من البول، وهذه قضية تافهة بالنسبة لبعض الناس، فلا يستبرئ من بوله، ويصيبه رشاش منه.


ويمكن أن يفسر: الطهور شطر الإيمان تفسير آخر، وهو الذي مشى عليه النووي في شرح مسلم، الإيمان بمعنى: الصلاة، والله لمّا حول الصلاة من بيت المقدس إلى الكعبة قال: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، لأنهم تساءلوا قالوا: وصلاتنا السابقة انتهت؟، قال: لا، وما كان الله ليضيع إيمانكم، وهذا المعنى معقول جداً، ما فيه إشكال؛ لأنه لا صلاة إلا بطهارة، فيحمل الإيمان على الصلاة، وهذا قال به جمع من أهل العلم


الكلم الطيب

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (2-4)


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فتحدثنا عن قول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، وذكرنا الاحتمالين في معناه، إما أن يحمل على أن المراد بالإيمان: الصلاة، فتكون الطهارة هي شرطها، ومن ثمّ فإن المناصفة هنا يمكن أن تكون ظاهرة، أو يكون المراد بالإيمان المعنى المتبادر المعروف فتكون الطهارة تشمل الطهارة الحسية والمعنوية، وهذا لا إشكال فيه.
يقول: والحمد لله تملأ الميزان، الحمد لله بمعنى: أنك تضيف المحامد لله ، والأوصاف الكاملة، وتثني عليه -تبارك وتعالى- وتذكره بما هو أهله، فهذا هو الحمد.
تملأ الميزان، الميزان المعروف ذو الكفتين، والله  يزن الأعمال يوم القيامة، ويزن الناس -أيضاً- أصحاب هذه الأعمال، والله  يقول: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 8]، فيؤتى بالرجل -كما أخبر النبي ﷺ السمين فلا يزن عند الله جناح بعوضة[1].
فالناس يوزنون، وكذلك الأعمال توزن، وتعرفون حديث البطاقة التي قد جيء لرجل بسجلات عظيمة في كفة السيئات فيها ذنوبه ومعاصيه وجرائمه، فوضع فيها تلك البطاقة المكتوب عليها كلمة التوحيد، لا إله إلا الله، فطاشت بتلك السجلات جميعاً[2].
وهكذا هذه الكلمة -الحمد لله، والأقرب -والله تعالى أعلم- أن المراد لفظها، مع فهم معناها، وتحقيق مقتضاها، والتحقق من ذلك علماً وعملاً.
وبعض أهل العلم يقول: كل ما يؤدي هذا المعنى من حمد الله وإن لم يكن بالتزام هذه اللفظة، لكن النبي ﷺ أخبرنا: أن الحمد لله تملأ الميزان، فالأظهر -والله تعالى أعلم- أن التعبد لله  بهذه اللفظة باللسان وبالقلب وبالجوارج، بفهم معناها يمتلئ الميزان، وهذه الأذكار إنما يكون أثرها وأجرها أبلغ وأعظم كلما كان الإنسان أكثر فهماً وإدراكاً لمعناها، وتحقيقاً لمقتضاها.
فالذي يقول: الحمد لله بلسانه وقلبه غافل لا يكون كالذي يقول هذه الكلمة ويعرف مراميها ومعانيها، وحاله حال الحامد لله ، فالناس يتفاضلون تفاضلاً عظيماً في هذه الأذكار، ولذلك إذا أراد الإنسان أن ينتفع بهذه الأذكار حتى في الأمور الدنيوية كالرقية، أو التعاويذ التي يقولها في أول نهاره، أو آخره، أو عند نومه فإنه كلما كان أكثر تحققاً، وفهماً لمعانيها، وإحضاراً للقلب كلما كان التأثير، هذا الإنسان يمكن أن يرقي بطرف لسانه، أو يقول هذه الأذكار بطرف لسانه، ولكنه قد لا يحصل له من التأثير ما يحصل لمن كان مستحضراً لمعانيها، فاهماً لها، حاضر القلب عند ذكره إياها، ولذلك نحن بحاجة إلى أننا نفرغ القلوب قليلاً عند أداء هذه الأذكار، فيكون ذلك أثره منعكساً على قلب الإنسان، وعلى نفسه، وهذا من أعظم ما يدنيه، ويقربه ويرفعه عند الله .
وقد ذكر بعض أهل العلم، وهو ابن شيخ الحزّامين أو الحزاميين في رسالة كتبها لتلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، وذكر فيها أشياء مهمة، كان يوصيهم في أول الرسالة أن يفرغوا ساعة من يومهم وليلتهم لذكر الله ، وتكون تلك الساعة بعيدة عن الشواغل والصوارف، يقول: وهذا قليل من كثير، يقول: لكن العبد إذا فرغ قلبه ونفسه من الأشغال والصوارف فإنه يجد أثر ذلك بعد حين، فيتفرغ قلبه لله ، ثم يستطيع أن يسيطر على أحواله الثلاث، وهي حاله في العلم، وحاله في التعبد، وحاله في الكسب وتطلُّب المعاش في الدنيا، فقد يكون فقيهاً معلماً للناس لكنه بعيد عن ذكر الله  وعن الخشوع، وعن التعبد، وعن حضور القلب فلا يؤثر فيه هذا العلم، وكالذي يحمل الدواء، والعلاج النافع لكنه لا ينتفع به، أو يحمل سلاحاً ضارباً ولكنه لا يستعمله، فما الفائدة من هذا ؟
وكذلك في أمور الدنيا كثير من الناس تشغلهم أمور دنياهم عن آخرتهم، فإذا حصل للعبد هذا المقصود استطاع أن يعمل بدنياه وهو في حال تقربه إلى الله  حتى في كسبه وسعيه في الدنيا، وقل مثل ذلك في عمله في تعليم الناس الخير، أو في عمله للآخرة، العمل الآخر الذي هو التعبدي المحض، شعائر التعبد، الصلاة وما أشبه ذلك، فمثل هذه الأمور إذا حصلت يمتلئ الميزان من أثرها.
قوله: وسبحان الله، والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض سبحان الله، التنزيه لله  من كل عيب، ونقص في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله عما يصفه الواصفون، وتنزيهه -تبارك وتعالى- عن كل عيب ونقص يمكن أن يُتصور، أو يلحق بالله ، أسأل الله  أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يلهمنا رشدنا، ويقينا شر أنفسنا، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

 

حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (3-4)



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فكنا نتحدث عن قول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماء والأرض، وكان الحديث في آخر مجلس عن هذه الجملة الأخيرة، وقد تحدثت عن طرف مما يتعلق بها وبمعناها، سبحان الله، والحمد لله تملأن، أو تملأ، يعني: جاء في رواية بالتثنية –تملآن، وفي الرواية الأخرى بالإفراد -تملأ ما بين السماء والأرض، وذلك أعظم وأوفر مما قبله؛ لأن الذي قبله هو قوله: الحمد لله، فإنها تملأ الميزان، فإذا قرن معها التسبيح: سبحان الله، وهو تنزيه الله  عن كل نقص -كما سبق- في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فإن ذلك يكون أعظم؛ لأن ذلك قد اشتمل على ذكرين اثنين، فذلك يملأ ما بين السماء والأرض، ورواية التثنية هذه تملآن ما بين السماء والأرض هي ظاهرة في أن التسبيح والحمد يملآن ما بين السماء والأرض.
وعلى رواية الإفراد: تملأ ما بين السماء والأرض، أي: تلك المقولة وهي قوله: سبحان الله، والحمد لله، وقد فهم بعضهم منها أن المراد الأخيرة، تملأ ما بين السماء والأرض أي: والحمد لله، وهذا بعيد.

وجاء في رواية بالياء، يملأ ما بين السماء والأرض، أي: الأجر والثواب، أو القول أو الذكر المشار إليه يملأ ما بين السماء والأرض، والمراد بكونه يملأ ما بين السماء والأرض يعني: السماوات والأرض، وذلك أنه ثواب لا يُقادَر قدره، هو ثواب عظيم، هذا هو الظاهر المتبارد.

وبعض أهل العلم يقول: إن من قال: سبحان الله والحمد فقد أضاف جميع المحامد لله  ونزهه عن جميع النقائص، فهذا شهادة له بالتفرد بالكمال والوحدانية، وأنه الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌتدلُّ على أنّه واحدُ فهذه الشهادة تملأ ما بين السماء والأرض، وبعضهم يذكر كلاماً قريباً من هذا، فيقولون: إن ذلك يعني تعميم ربوبيته وإلهيته لكل المخلوقات، والمخلوقات تملأ ما بين السماء والأرض، فكأنه قد شهد عليها وأشهدها بأن الله واحد مستحق للعبادة وحده لا شريك له، فكان له من الأجر بهذا المقدار.
وهذا يدل على عظم أجر هذه الكلمات القليلة، ولهذا فإن الذكر له شأن آخر يختلف عن سائر العبادات، ولهذا يقول النبي ﷺ: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم[1]إلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث.
فالذكر لا يكلف شيئاً، فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ[النساء:103]، ويكون الذكر بطهارة، وبغير طهارة، ولا يحتاج إلى استقبال قبلة، وإنما يكون على الجنب والإنسان في فراشه، ويكون وهو يمشي في طريقه، فلو أن الإنسان تفطن لمثل هذه الأمور، ولكننا نغفل كثيراً.

الإنسان الحريص على وقته لربما يرى أن من الغبن الفاحش أنه يقطع مسافة في سيارته، أو على قدمه وليس معه شيء يقرأ به أو يسمعه، محاضرة أو نحو ذلك، لكن لو فكر أن سبحان الله، والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض فإن ذلك لا يعدله شيء مما يسمعه أو مما يقرؤه، فنفرط في هذا كثيراً، تجد الناس في صالة انتظار في مستشفى ويقتلهم الملل، وأحياناً ليس في أيديهم ما يقرءونه، وأوقات تهدر، ولا تجد من يحرك شفته بذكر الله ، يبقى الناس في استراحات، يطاولون الليل، ويجلسون أحياناً هكذا، لا في شغل دنيا، ولا في شغل آخرة، وإنما يقضون الزمان، ولا تكاد تجد من يحرك شفته بذكر الله ، فالموفق أيها الإخوان من كان شغله وديدنه في كل أحواله هو ذكر الله بلسانه وقلبه وجوارحه، فهذا لا يضر الإنسان شيئاً ولا يكلفه، فأنت تعمل صنعة، وأنت تكتب، وأنت ترتب أوراقك، وأنت تصنع شيئاً في بيتك أو نحو ذلك لا يزال اللسان رطباً بذكر الله ، تصل أعلى المراتب دون كلفة تذكر.


ثم قال النبي ﷺ: والصلاة نور، والصدقة برهان، لا شك أنها نور في القلب، ولاشك أن الصلاة تورثه بصيرة، ولا شك أن الصلاة أيضاً يظهر أثرها على وجه المصلي من إشراق الوجه، بقدر إقامته لها، ولهذا قالوا: من طال قيامه بالليل حسن وجهه بالنهار، فتجد في وجوه أهل الصلاة من الإشراق والإضاءة ما لا يوجد في وجوه غيرهم ممن لا يعرفون الصلاة، عفيف الجبهة الذي لا يسجد لله -تبارك وتعالى- سجدة، ففي وجهه من الظلمة والكلوح ما لا يخفى، فالصلاة نور بهذا الاعتبار، نور بالوجه، ونور بالقلب، وهي نور للعبد في سلوكه إلى الله -تبارك وتعالى- في الدنيا، كما قال الله : إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ[العنكبوت:45] فهذا نور، وهي نور معنوي في كل ذلك، وهي نور حسي للعبد في قبره، وهي نور أيضاً في عَرَصات القيامة والمحشر والظلمات التي يتخبط فيها الناس، وهي نور له على الصراط، فكل ذلك متحقق فيها، وقد يراد به بعضه دون بعض، والمقصود أن ذلك يرجع إلى الصلاة جميعاً، وهو من آثارها.

قوله: والصدقة برهان الصدقة يدخل فيها الصدقة الواجبة –الزكاة، والصدقة المستحبة، وقد قيل: إنه قيل لها صدقة؛ لأنها تدل على صدق دعوى الإيمان من هذا الإنسان الذي قال: آمنت بالله، وهي برهان؛ لأنها تبرهن على صحة دعواه الإيمان، فالمال محبوب للنفوس، فإذا بذله فهذا برهان على صدق الدعوى، بخلاف المنافقين، لا يتصدقون، وإذا رأوا أحداً يتصدق بصدقة كبيرة قالوا: هذا مُراءٍ، وإذا رأوا صدقة قليلة قالوا: الله غني عن هذا وعن صدقته، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِين َ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة: 79]، هذا حال أهل النفاق، فهم لا يتصدقون، ولا يدعون الناس يتصدقون، فالصدقة برهان.

قوله: والصبر ضياء الصلاة قال عنها: إنها نور، وإذا فسر الصبر بالصوم، ولا شك أن الصوم من الصبر، ورمضان شهر الصبر، فإذا فسر به فبعض أهل العلم قالوا: الصبر ضياء: الضياء مثل النور السابق في الصلاة، قالوا: حتى لا نغمط شيئاً من هذه الأركان الدينية حقه، إذا قلنا: إن الضياء أعظم من النور، فكيف يكون الصوم أعظم من الصلاة؟ وليس ذلك بلازم؛ لأن النور عام يشمل النور القوي، والنور المتوسط، والنور الضعيف، وأما الضياء فهو ما قوي من النور، كما قال الله -: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا [يونس:5]، ونور الشمس أقوى من نور القمر، لكن النور قد يكون قوياً جداً وقد يضعف، والضياء لا يكون إلا قوياً، فهذا لا إشكال فيه.

والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الصبر محمول على معناه المتبادر الظاهر، الصبر على طاعة الله وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة، على كل ما يصيب الإنسان من الأذى في نفسه وولده وأهله وماله وما أشبه ذلك، فهذا الصبر ضياء، والصلاة نور، فالصبر يدخل فيه الصبر على إقام الصلاة، وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طـه:132]، والله  يقول عن الصلاة: وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ۝ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 45-46] وهذا مشاهد، إذا خرجت من المسجد ورأيت حال كثير من الناس ظننت أنه لا يوجد في المساجد أحد من كثرة الذين لا يشاركون المصلين في صلاتهم؛ لأنها عظمت عليهم وشقت، فهي كبيرة إلا على الخاشعين، ولذلك أخبرنا الله  عن المنافقين بقوله: وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء: 142]، فلا شك أن من الصبر: الصبر على هذه الصلاة، والصبر على الصيام، والصبر على فطام النفس عن شهواتها، كل ذلك من الصبر، فالصبر أمره عظيم، وشأنه كبير، وما أحوجنا إلى التبصر في معاني الصبر، لنرتقي في مراتب الفلاح ومراقيه أعظم الدرجات، ولا يمكن لأحد أن يحصِّل لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بالصبر.


فإذا سألت التاجر، قلت له: من أين لك هذا المال؟ هل جاءك بالنوم والكسل والرقاد؟ قال: إنما ببكور كبكور الغراب، صبر وتعب.

وإذا سألت العالم: من أين جاءك هذا العلم؟، هل هو بالنوم وتكبير الوسادة، وأكل ألوان المطعومات الشهية، والتنزه في البساتين والذهاب هنا وهناك؟ فإنه يقول: لا، إنما بالصبر، وفطام النفس وتسليتها بما عند الله ، حتى صار ذلك العلم لذته وأنسه، فهو يطرب في استنباط المسائل، والوقوف على مكنون العلم وخفيه أعظم مما يطرب له ذلك الإنسان المتنزه في نزهته، وهذا أمر مشاهد، والحديث فيه بقية، أسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

حديث «الطُّهور شطر الإيمان..» (4-4)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فكنا نتحدث عن قول النبي ﷺ: الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، تحدثنا في التعليق على هذا الحديث إلى هذا القدر.

ثم قال النبي ﷺ: والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، رواه مسلم.


قال رسول الله ﷺ: والقرآن حجة لك أو عليك، بمعنى: أنه إما أن تكون أفعالك، وأعمالك، وأقوالك موافقة لما جاء به القرآن، بحيث إن العبد يكون في حال من الاستقامة في سلوكه إلى الله  مهتدياً بنور القرآن، فيكون القرآن حجة له ومدافعاً عنه وشافعاً له، كما ورد: القرآن شافع مشفع، وماحِل مصدَّق[1]، وقد أخبر النبي ﷺ أن سورة من القرآن قدر ثلاثين آية -وهي سورة تبارك- جادلت عن صاحبها، وشفعت له حتى غفر له[2]، فالقرآن يشفع لصاحبه في الآخرة، فهو إما أن يكون حجة لك، أو يكون حجة عليك، ونحن نعرف جميعاً أنه كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه؛ لأنه يقرأ قول الله -تبارك وتعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ۝ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ [المائدة:78 -79]، فكان ذلك سبباً للعنهم، تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ [المائدة:80]، فالقرآن لعنهم على هذه الأعمال الشنيعة، فيقرأ ويقع في نفس ما وقعوا فيه، فهذا وجه.


الوجه الثاني: هو أن يكون هذا الإنسان معرضاً عن القرآن، لا يعظمه حق تعظيمه، ولا يقدره حق قدره، فيكون القرآن بذلك حجة عليه.

وذكر بعض أهل العلم معنى آخر -وهو أبعد من هذا- هو: أن الإنسان حينما يقول قولاً، أو يحكم بحكم فإما أن يكون القرآن موافقاً له فهو حجة له على غيره إذا خالفه، وإما أن يكون القرآن مخالفا له فيكون صاحبه الذي خالفه مصيباً للحق، وذلك مجافياً له، فيكون القرآن بهذا الاعتبار إما حجة لك، أو حجة عليك، لكن الذي يظهر -والله تعالى أعلم- من خلال السياق: أن ذلك ليس هو المراد، وإنما المقصود القرآن إما حجة لك بأن تكون موافقاً لمقتضى القرآن، سائراً على الطريق التي رسمها القرآن فيكون حجة لك، وشافعاً لك، ومنيراً لك في طريقك وفي سيرك إلى الله ، ومنيراً لك في قبرك، وفي محشرك حتى تدخل الجنة، فهو قائدك إلى الجنة.

وإما أن يكون حجة على الإنسان بحيث إنه يقرأ فيه الوعيد، ويقرأ فيه تفاصيل الهدايات وألوانها، ثم هو بعد ذلك يدير ظهره لذلك جميعاً، وقد قامت عليه الحجة فلا عذر له، فالقرآن يكون حجة عليه بهذا الاعتبار.

وإذا عرف المؤمن هذه القضية فإنه ينبغي أن يراعي ذلك، ويجعل هذه الحقيقة نصب عينيه، في كل حالاته، يتذكر جيداً أن اتباع القرآن هو طريق النجاة، وأنه لا يخلو أحد من أن يكون هذا القرآن إما معه، وإما عليه، ولن يستطيع أحد أن يغلبه، فنعرض أعمالنا على القرآن، والسنة تشرح القرآن وتوضحه وتبينه، فكل ما وافق ذلك فهو الصواب والحق، وكل ما خالفه من أقوال القائلين أيًّا كان موقعهم، منتسبين للعلم أو غير منتسبين فإنه لا يعبأ بشيء من ذلك.


وبالتالي لا يُنصب أحدٌ من الناس كائناً من كان يُعارَض بأقواله القرآن والنصوص من الأحاديث، وإنما ينبغي أن تختبر أقوال الناس، وأن تحاكم إلى الكتاب والسنة، لا أن نحاكم الكتاب والسنة إلى قول فلان، وقانون فلان، ورأي فلان، ووجْد فلان، أو ذوقه، هذا أمر لا يجوز، ولن يكون فيه الخلاص لا في الدنيا، ولا في الآخرة، وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى[طـه:124-126]، فلا طريق للنجاة، لن يُترك الإنسان هكذا، لابد له من تحديد واختيار للطريق التي يسلكها، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن.

يقول: كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها الغدو: هو الخروج في أول النهار، حينما يخرج الإنسان باكراً فإنه يغدو، وهؤلاء حينما يخرجون يفترقون في مخرجهم، وقد جاء في الحديث الحسن، عن النبي ﷺ: أن كل خارج من بيته، إما أن يخرج تحت راية ملَك، وإما أن يخرج تحت راية شيطان، فإن خرج لطاعة أو قربة أو شيء من الأمور التي يسوغ له الخروج إليها فهو تحت راية ملك، يذكر الله ، ويستحضر رقابته في قلبه، ولا يقارف شيئاً مما لا يليق، ومن خرج من بيته مخرجاً تلحقه فيه تبعة فإنه يخرج تحت راية شيطان[3]، وما ظنك بإنسان خرج تحت راية شيطان؟


فكل الناس يغدو، ثم بعد ذلك إذا غدا وخرج من صبيحة يومه فإنه يعافس أموراً مختلفة، سواء كانت هذه القضايا من الأمور المالية، أو مما يتعلق باللسان والقيل والقال، أو مما يتعلق بالمطعومات، أو النظر أو غير ذلك مما يفعله الإنسان في يومه وليلته، فهو بهذا الغدو والخروج يكون إما معتقاً لنفسه بفعل الطاعات والقربات، ولزوم حدود الله ، فيعتقها؛ لأنه أسير يحتاج إلى إطلاق، ويحتاج إلى أن يشتري نفسه بفعل الطاعة، فنحن أسرى، ونحتاج أن نفك رقابنا بما نبذله من ألوان الطاعات لله -تبارك وتعالى.


فمعتق نفسه يعني: من رقها وأسرها، أو موبقها أي: أنه يوقعها فيما يدنسها، وما يكون به عذابها وألمها وحسرتها، -فنسأل الله العافية، حينما يكون العبد منفلتاً، لا يرعوي عن شيء، يفعل ما راق له فمثل هذا الهلكة أدنى إليه من اليد للفم.

نسأل الله  أن يحفظنا وإياكم بحفظه، وأن يجعلنا وإياكم من عباده المتقين، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×