اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

خصائِصُ القُرْآنِ الكريمِ

المشاركات التي تم ترشيحها

من خصائِصِ القُرْآنِ الكريمِ: اشتِمالُه على أخبارٍ غَيبيَّةٍ
 
المطلبُ الأولُ: الأخبارُ الغيبيَّةُ المُتعَلِّقةُ بالماضي

منها: الإخبارُ عن خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ، وآدَمَ عليه السَّلامُ، وقِصَّةِ إبليسَ لعنه اللهُ، وقَصَصِ الأنبياءِ السَّابِقينَ.
ووَجهُ الغَيبِ فيها أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أُمِّيًّا لا يَعرِفُ القراءةَ، فلم يُعهَد عنه أنَّه قرأ في كُتُبِ أهلِ الكِتابِ، أو تلقَّى درسًا عن أحدٍ منهم، أو خالطهم، ولم يكُنْ أحدٌ مِن قَومِه يَعلَمُ شيئًا من تلك الأخبارِ الماضيةِ.
قال اللهُ تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا [هود: 49] .
وقال اللهُ تعالى في قِصَّةِ موسى عليه السَّلامُ: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ... وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ [هود: 44-46] .
وقال اللهُ عَزَّ وجَلَّ في قِصَّةِ مريمَ عليها السَّلامُ: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: 44] .
قال ابنُ كثير: (قال اللهُ تعالى: قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان: 6] أي: أنزله عالمُ الخَفِيَّاتِ، ورَبُّ الأرضِ والسَّمواتِ، الذي يعلَمُ ما كان وما يكونُ، وما لم يكُنْ لو كان كيف يكونُ، فإنَّه تعالى أوحى إلى عَبدِه ورَسولِه النَّبيِّ الأُمِّيِّ الذي كان لا يُحسِنُ الكِتابةَ ولا يَدريها بالكُلِّيةِ، ولا يعلَمُ شيئًا من عِلمِ الأوائِلِ، وأخبارِ الماضين، فقَصَّ اللهُ عليه خَبَر ما كان وما هو كائِنٌ على الوَجهِ الواقِعِ سَواءً بسَواءٍ، وهو في ذلك يَفصِلُ بين الحَقِّ والباطلِ الذي اختلفت في إيرادِه جملةُ الكُتُبِ المتقَدِّمةِ، كما قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود: 49] ، وقال تعالى: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا [طه: 99 - 101] ، وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [العنكبوت: 48 - 52] .
ففي هذا القُرْآنِ من الأخبارِ الصَّادقةِ عن اللهِ ومَلائِكتِه وعَرشِه ومَخلوقاتِه العُلويَّةِ والسُّفليَّةِ -كالسَّمواتِ والأَرَضِينَ، وما بينهما وما فيهنَّ- أمورٌ عظيمةٌ كثيرةٌ مُبرهَنَةٌ بالأدِلَّةِ القَطعيَّةِ المُرشِدةِ إلى العِلمِ بذلك من جِهةِ العَقلِ الصَّحيحِ، كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الإسراء: 89] ، وقال تعالى: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت: 43] ، وقال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 27، 28]، وفي القُرآنِ العظيمِ الإخبارُ عَمَّا مضى على الوَجهِ الحَقِّ، وبُرهانُه ما في كُتُبِ أهلِ الكتابِ من ذلك شاهِدًا له، مع كونِه نزل على رجُلٍ أُمِّيٍّ لا يَعرِفُ الكتابةَ ولم يعانِ يومًا من الدَّهرِ من علومِ الأوائِلِ، ولا أخبارِ الماضِينَ، فلم يَفجَأِ النَّاسَ إلَّا بوَحيٍ إليه عمَّا كان من الأخبارِ النَّافعةِ التي ينبغي أن تُذكَرَ للاعتبارِ بها من أخبارِ الأُمَمِ مع الأنبياءِ، وما كان من أمورِهم معهم، وكيف نجَّى اللهُ المؤمنين وأهلك الكافِرينَ، بعبارةٍ لا يستطيعُ بَشَرٌ أن يأتيَ بمِثْلِها أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدَّاهِرينَ، ففي مكانٍ تُقَصُّ القِصَّةُ مُوجَزةً في غايةِ البيانِ والفصاحةِ، وتارةً تُبْسَطُ، ولا أحلى ولا أجلى ولا أعلى من ذلك السِّياقِ، حتى كأنَّ التَّاليَ والسَّامِعَ مُشاهِدٌ لِما كان، حاضِرٌ له، مُعايِنٌ للخَبرِ بنَفْسِه! كما قال تعالى: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وقال تعالى: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: 44] ، وقال تعالى في سورة يوسف: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ * وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ * وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ [يوسف: 102، 104] إلى أن قال في آخِرِها: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [يوسف: 111]) .
 
 
المطلبُ الثاني: الأخبارُ الغَيبيَّةُ المُتعَلِّقةُ بالحاضِرِ

منها: الآياتُ التي تَكشِفُ حالَ المُنافِقين وما يُخفونَه بينهم أو في صُدورِهم، ومنها قَولُ اللهِ تعالى: وَمِنَ النَّاس مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ [البقرة: 204] .
ومنها قَولُ اللهِ سُبحانَه: يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التوبة: 74] .
ووصفَ اللهُ عزَّ وجلَّ المنافقين لَمَّا شاهدوا بعضَ أخبارِ الغَيبِ التي يجيءُ بها القُرْآنُ الكريمُ، بقَولِه: يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ [التوبة: 64] .

 
 
 
المطلبُ الثالثُ: الأخبارُ الغَيبيَّةُ المُتعَلِّقةُ بالمُستقبَل

هذا النَّوعُ آياتُه كثيرةٌ، ومِن ذلك وَعدُ اللهِ سُبحانَه للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه رَضِيَ اللهُ عنهم بدُخولِ مَكَّةَ، قال اللهُ تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ [الفتح: 27] ، ثم وقع هذا الحادِثُ كما أخبر اللهُ عَزَّ وجَلَّ.
ومن ذلك قَولُه تعالى مخاطبًا نبيَّه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: 67] ، فلم يستَطِعْ أحَدٌ أن يَصِلَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بقَتلٍ مع كَثرةِ المتربِّصين له.
قال البَزْدَويُّ: (القُرْآنُ مُعجِزةٌ بنَظْمِه وبمعناه؛ فإنَّ فيه أخبارًا عن كوائِنَ لا يَعرِفُها إلَّا اللهُ تعالى، وهي كما أخبر... القُرْآنُ كان مُعْجِزًا، وهو مُعْجِزٌ الآن وفي المستقبَلِ؛ لأنَّ الخَلقَ كانوا عاجزين عن الإتيانِ بمِثْلِه أو مِثْلِ سُورةٍ منه) .
وقال ابنُ كثيرٍ: (بابُ ما أخبر به صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من الكائناتِ المُستقبَلةِ في حياتِه وبَعْدَه، فوقعت طِبْقَ ما أخبر به سواءً بسواءٍ.
وهذا بابٌ عظيمٌ لا يمكِنُ استِقصاءُ جميعِ ما فيه لكَثرتِها، ولكِنْ نحن نشيرُ إلى طَرَفٍ منه، وباللهِ المُستعانُ، وعليه التُّكلانُ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ العزيزِ الحكيمِ، وذلك مُنتَزَعٌ من القُرْآنِ ومِن الأحاديثِ.
أمَّا القُرْآنُ فقال تعالى في سورةِ "المُزَّمِّلِ" وهي من أوائِلِ ما نَزَلْ بِمَكَّةَ: عَلِمَ أَنْ سَيَكونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلونَ في سَبيلِ اللَّهِ [المزمل: 20] ، ومعلومٌ أنَّ الجِهادَ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا بِالمَدينةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
وقالَ تعالى في سورَةِ "اقْتَرَبَتْ"، وهيَ مَكِّيَّةٌ أَمَ يَقولونَ نَحْنُ جَميعٌ مُنْتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القَمَرِ: 45، 44]، ووقَعَ هَذا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ تَلاها رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خارِجٌ مِنَ العَريشِ، ورَماهم بِقَبضَةٍ مِنَ الحَصباءِ، فكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ، وهَذا مِصْداقُ ذاكَ.
وقالَ تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وتَبَّ ما أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ. فأَخبَرَ أَنَّ عَمَّه عَبْدَ العُزَّى بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ المُلَقَّبَ بِأَبي لَهَبٍ سَيَدْخُلُ النَّارَ هو وامْرَأَتُه، فَقَدَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أَنَّهما ماتا على شِرْكِهما لَمْ يُسْلِما، حَتَّى ولا ظاهِرًا، وهَذا مِنْ دَلائِلَ النُّبوَّةِ الباهِرَةِ.
وقال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ والجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيرًا [الإسراء: 88]، وقالَ تعالى في سورَةِ البَقَرَةِ: وإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلَى عَبْدِنا فَأْتوا بِسورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلوا ولَنْ تَفْعَلوا [البَقَرَةِ: 23، 24]، فَأَخْبَرَ أَنَّ جَميعَ الخَليقَةِ لَوِ اجْتَمَعوا وتَعاضَدوا وتَناصَروا وتَعاونوا عَلَى أَنْ يَأْتوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ في فَصاحَتِه وبَلاغَتِه وحَلاوتِه، وإِحْكامِ أَحْكامِه، وبَيانِ حَلالِه وحَرامِه، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجوهِ إِعْجازِه، لَما اسْتَطاعوا ذَلِكَ، ولَما قَدَروا عليه، ولا على عَشْرِ سُوَرٍ منه، بَلْ ولا سورَةٍ، وأخْبَرَ أنَّهم لَنْ يَفْعَلوا ذلك أبَدًا، و "لَنْ" لِنَفْيِ التَّأْبيدِ في المُسْتَقْبَلِ، ومِثْلُ هَذا التَّحَدِّي، وهَذا القَطْعِ، وهَذا الإِخْبارِ الجازِمِ، لا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ واثِقٍ بِما يُخْبِرُ به، عالِمٍ بِما يَقولُه، قاطِعٍ بِأَنَّ أَحَدًا لا يُمْكِنُه أن يُعارِضَه، ولا يَأْتيَ بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ عَنْ رَبِّه عَزَّ وجَلَّ.
وقال تعالى: وعَدَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنْكُمْ وعَمِلوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دينَهُمُ الَّذي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: 55]. وهَكَذا وقَعَ سَواءً بِسَواءٍ، مَكَّنَ اللَّهُ هَذا الدِّينَ وأَظْهَرَه وأَعْلاه ونَشَرَه في سائِرِ الآفاقِ، وأنفَذَه وأَمْضاه، وقَدْ فَسَّرَ كَثيرٌ مِنَ السَّلَفِ هَذِهِ الآيَةَ بِخِلافةِ الصِّدِّيقِ، ولا شَكَّ في دُخولِه فيها، ولكِنْ لا تَخْتَصُّ به، بل تَعُمُّه كما تَعُمُّ غيرَه، كما ثَبتَ في «الصَّحيحِ»: «إِذا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وإذا هَلَكَ كِسْرَى فَلا كِسْرَى بعْدَه، والَّذي نَفْسي بيَدِه لَتُنْفَقَنَّ كُنوزَهُما في سَبيلِ اللَّهِ» . وقَدْ كانَ ذَلِكَ في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ أَبي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، رَضيَ اللَّهُ عَنهم وأَرْضاهم.
وقالَ تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ ليُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ [التوبة: 33] . وهَكَذا وقَعَ، وعَمَّ هَذا الدِّينُ، وغَلَبَ وعَلا على سائِرِ الأَدْيانِ، في مَشارِقِ الأَرْضِ ومَغارِبِها، وعَلَتْ كَلِمَتُهُ في زَمَنِ الصَّحابَةِ ومَنْ بَعَدَهم، وذَلَّتْ لَهم سائِرُ البِلادِ، ودانَ لَهم جَميعُ أَهْلِها على اخْتِلافِ أَصْنافِهم، وصارَ النَّاسُ إِمَّا مُؤْمِنًا داخِلًا في الدِّينِ، وإِمَّا مُهادِنًا باذِلًا الطَّاعةَ والمالَ، وإِمَّا مُحارِبًا خائِفًا وجِلًا مِنْ سَطْوةِ الإِسْلامِ وأَهْلِه، وقَدْ ثَبَتَ في الحَديثِ: «إِنَّ اللَّهَ زَوى ليَ الأَرْضَ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسيبلُغُ مُلْكُ أُمَّتي ما زُوِيَ لي مِنْها» .
وقال تعالى: قُلْ لِلْمُخَلَّفينَ مِنَ الأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: 16] ، وسَواءٌ كانَ هَؤُلاءِ هم هَوازِنَ، أَوْ أَصْحابَ مُسَيلِمةَ، أَوِ الرُّومَ، فَقَدْ وقَعَ ذلك.
وقال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وكَفَّ أَيْديَ النَّاسِ عَنْكُمْ ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنينَ ويَهْديَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقيمًا وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِروا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِهَا وكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَديرًا [الفَتْحِ: 20، 21]، وسَواءٌ كانَتْ هَذِهِ الأُخْرَى خَيْبَرَ أَوْ مَكَّةَ فَقَدْ فُتِحَتْ وأُخِذَتْ كَما وقَعَ بِهِ الوعْدُ سَواءً بِسَواءٍ.
وقال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ ومُقَصِّرينَ لَا تَخافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَريبًا [الفتح: 27] ، فَكانَ هَذا الوعْدُ في سَنَةِ الحُدَيْبيَةِ عامَ سِتٍّ، ووقَعَ إِنْجازُهُ في سَنَةِ سَبْعٍ، عامَ عُمْرَةِ القَضاءِ...
وقالَ تعالى: سَيَحْلِفونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ [التوبة: 95] ، وهَكَذا وقَعَ ‌لَمَّا ‌رَجَعَ ‌صَلَّى ‌اللَّهُ ‌عَلَيْهِ ‌وسَلَّمَ ‌مِنْ ‌غَزْوةِ تَبوكَ كانَ قَدْ تَخَلَّفَ عنه طائِفةٌ مِنَ المُنافِقينَ، فَجَعَلوا يَحْلِفونَ بِاللَّهِ لَقَدْ كانوا مَعْذورينَ في تَخَلُّفِهم، وهم في ذلك كاذِبونَ، فأَمَرَ اللهُ رَسولَه أن يُجْريَ أَحْوالَهم على ظاهِرِها، ولا يَفْضَحَهم عِنْدَ النَّاسِ، وقد أطلَعَه اللهُ على أَعْيانِ جَماعَةٍ مِنْهم أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ مِمَّنْ يَعْرِفُهم بِتَعْريفِه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم إيَّاه.
وقالَ تعالى: وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَليلًا [الإسراء: 76] ، وهَكَذا وقَعَ لَمَّا اشْتَوَروا عليه ليُثْبِتوه أو يَقْتُلوه أو يُخْرِجوه مِن بَيْنِ أَظْهُرِهم، ثُمَّ وقَعَ الرَّأْيُ على القَتْلِ، فَعندَ ذلك أمَرَ اللهُ رَسولَه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بالخُروجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهم، فَخَرَجَ هو وصَديقُه أَبو بَكْرٍ رَضيَ اللهُ عنه، فَكَمَنا في غارِ ثَوْرٍ ثَلاثًا، ثُمَّ ارْتَحَلا بَعْدَها،... وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِه: إِلَّا تَنْصُروهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزيزٌ حَكِيمٌ [التوبة: 39] . وهو المُرادُ مِنْ قَوْلِه: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال: 30] ، ولِهَذا قالَ: وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا، وقَدْ وقَعَ كَما أخبرَ؛ فَإِنَّ المَلَأَ الذين اشْتَوَروا على ذلك لَم يَلْبَثوا بِمَكَّةَ بَعدَ هِجْرَتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلَّا رَيثَما استَقَرَّ رِكابُه الشَّريفُ بِالمَدينةِ وتابَعَه المُهاجِرونَ والأنصارُ، ثُمَّ كانت وقْعَةُ بَدْرٍ فَقُتِلَتْ تِلْكَ النُّفوسُ، وكُسِرَتْ تلك الرُّؤوسُ...
وقالَ تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم: 1 - 6] . وهَذا الوعْدُ وقَعَ كما أخبَرَ به، وذلك أنَّه لَمَّا غَلَبت فارِسُ الرُّومَ فَرِحَ المُشْرِكونَ، واغْتَمَّ بذلك المُؤْمِنونَ؛ لأَنَّ النَّصارى أقْرَبُ إلى الإِسلامِ مِنَ المَجوسِ، فأخبَرَ اللهُ رَسولَه صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأنَّ الرُّومَ سَتَغْلِبُ الفُرْسَ بَعدَ هذه المُدَّةِ ببِضْعِ سِنينَ... فوقع الأمرُ كما أخبر به القُرْآنُ، غَلَبت الرُّومُ فارِسَ بعد غَلَبِهم غَلَبًا عَظيمًا جِدًّا...
وقال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [فصلت: 53] ، وكذلك وقَعَ، أظْهر اللهُ مِنْ آياتِه ودَلائِلِه في أنْفُسِ البَشَرِ وفي الآفاقِ بما أوقعَه مِنَ النَّاسِ بأعْداءِ النُّبوَّةِ ومُخالِفي الشَّرْعِ مِمَّنْ كَذَّبَ به مِنْ أهلِ الكِتابَيْنِ والمَجوسِ والمُشْرِكينَ ما دَلَّ ذَوي البَصائِرِ والنُّهَى على أنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّ ما جاء به منَ الوحْيِ عن اللهِ صِدْقٌ)
.

الدرر السنية
 
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
من خصائِصِ القُرْآنِ الكريمِ: اشتِمالُه على أخبارٍ غَيبيَّةٍ
 
من خصائِصِ القُرْآنِ الكَريمِ إعجازُه
 
 
القُرْآنُ الكريمُ هو الحُجَّةُ التي أظهرها اللهُ سُبحانَه وتعالى على يَدِ نبيِّه مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وتحدى النَّاسَ أن يأتوا بمِثْلِه، أو بشَيءٍ منه، فما استطاعوا ولن يَستطيعوا.
 
وجاءت المُعْجِزةُ قُرْآنًا يَقرَؤُه العَرَبُ بألسِنَتِهم، ويَسمَعونه بآذانِهم، ويَزِنونَه بموازينِ كَلامِهم، فإذا به أبلَغُ من بليغِ الكَلامِ، وأفصَحُ مِن فَصيحِه، لا يرتقي إليه بيانٌ، ولا يُدرِكُه لسانٌ، فمَلَك البلاغةَ بألوانِها، وحاز الفصاحةَ بأركانِها. وجاءهم بما لا قِبَلَ لهم برَدِّه، ولا قُدرةَ لهم في دَفْعِه.
 
ثمَّ هذا الكلامُ لم يأخُذْ من اللُّغةِ صَنْعَتَها، ومن الأسلوبِ جمالَه، ومن الفصاحةِ رَونَقَها، ومن البلاغةِ سُمُوَّها فحَسْبُ، بل أخذ مع هذا كُلِّه من المعاني أسماها، ومن المقاصِدِ أعلاها، فجاء بالدِّينِ بأصولِه وحُجَجِه، وبراهِينِه وشريعتِه وآدابِه، على أكمَلِ وَجهٍ وأحسَنِه، فهو إعجازٌ في إعجازٍ !
 
قال عِياضٌ في ذِكْرِه المكَفِّراتِ المجمَعِ عليها: (وكذلك من أنكر القُرْآنَ أو حرفًا منه، أو غَيَّرَ شيئًا منه، أو زاد فيه -كفِعلِ الباطنيَّةِ والإسماعيليَّةِ- أو زعم أنَّه ليس بحُجَّةٍ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو ليس فيه حُجَّةٌ ولا مُعْجِزةٌ) .
وقال ابنُ تيميَّةَ: (القُرْآنُ مُعْجِزٌ بلَفْظِه ونَظْمِه ومَعناه) .
 
وقال ابنُ كثيرٍ: (القُرْآنُ العَظيمُ مُعجِزٌ مِن وُجوهٍ كثيرةٍ؛ من فصاحتِه، وبلاغتِه، ونَظْمِه، وتراكيبِه، وأساليبِه، وما تضَمَّنه من الإخبارِ بالغُيوبِ الماضيةِ والمُستقبَلةِ، وما اشتمل عليه من الأحكامِ المُحْكَمةِ الجَلِيَّة؛ فالتحدِّي ببلاغةِ ألفاظِه يخُصُّ فُصَحاءَ العَرَبِ، والتحَدِّي بما اشتمل عليه من المعاني الصحيحةِ الكاملةِ -وهي أعظَمُ في التحدِّي عند كثيرٍ من العُلَماءِ- يعُمُّ جميعَ أهلِ الأرضِ مِن المِلَّتينِ؛ أهلِ الكِتابَينِ وغَيرِهم من عُقَلاءِ اليونانِ والهندِ والفُرسِ والقِبطِ وغَيرِهم من أصنافِ بني آدمَ في سائرِ الأقطارِ والأعصارِ) .
 
وقال ابنُ رجب: (قَولُه تعالى: يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [آل عمران: 164] يعني: يتلو عليهم ما أنزله اللهُ عليه من آياتِه المتلُوَّةِ، وهو القُرْآنُ، وهو أعظَمُ الكُتُبِ السَّماويَّةِ، وقد تضمَّن من العلومِ والحِكَمِ والمواعِظِ والقَصَصِ والترغيبِ والترهيبِ، وذِكْرِ أخبارِ من سبق وأخبارِ ما يأتي من البَعثِ والنُّشورِ والجنَّةِ والنَّارِ؛ ما لم يشتَمِلْ عليه كِتابٌ غيرُه، حتى قال بعضُ العُلَماءِ: لو أنَّ هذا الكِتابَ وُجِد مكتوبًا في مُصحَفٍ في فلاةٍ مِن الأرضِ ولم يُعلَمْ من وضعه هناك، لشهدت العقولُ السليمةُ أنَّه مُنَزَّلٌ من عند اللهِ، وأنَّ البشَرَ لا قُدرةَ لهم على تأليفِ ذلك، فكيف إذا جاء على يدَيْ أصدَقِ الخَلقِ وأبَرِّهم وأتقاهم، وقال: إنَّه كلامُ اللهِ، وتحدى الخَلْقَ كُلَّهم أن يأتوا بسورةٍ مِثْلِه فعجزوا فيه؟! فكيف مع هذا شَكٌّ؟! ولهذا قال تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] ، وقال: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ [العنكبوت: 51] فلو لم يكن لمُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من المعجزاتِ الدَّالَّةِ على صِدْقِه غيرُ هذا الكِتابِ لكفاه) .
 
وقال ابنُ حَجَرٍ: (قد جمع بعضُهم إعجازَ القُرْآنِ في أربعةِ أشياءَ:
 
أحَدُها: حُسنُ تأليفِه والتئامُ كَلِمِه، مع الإيجازِ والبلاغةِ.
 
ثانيها: صورةُ سِياقِه وأسلوبُه المخالِفُ لأساليبِ كَلامِ أهلِ البلاغةِ مِنَ العَرَبِ نَظمًا ونثرًا، حتى حارت فيه عقولُهم، ولم يَهْتَدُوا إلى الإتيانِ بشَيءٍ مِثْلِه، مع توفُّرِ دواعيهم على تحصيلِ ذلك، وتقريعِه لهم على العَجزِ عنه.
 
ثالِثُها: ما اشتمل عليه من الإخبارِ عمَّا مضى من أحوالِ الأُمَمِ السَّالِفةِ والشَّرائعِ الدَّاثِرةِ، ممَّا كان لا يَعلَمُ منه بَعْضَه إلَّا النَّادِرُ من أهلِ الكِتابِ.
 
رابعُها: الإخبارُ بما سيأتي من الكوائِنِ التي وقع بعضُها في العَصرِ النَّبَويِّ وبَعضُها بَعْدَه.
ومن غَيرِ هذه الأربعةِ آياتٌ وردت بتعجيزِ قَومٍ في قضايا أنَّهم لا يفعَلونها فعَجَزوا عنها، مع توفُّرِ دواعيهم على تكذيبِه، كتمَنِّي اليهودِ الموتَ.
ومنها: الرَّوعةُ التي تحصُلُ لسَماعِه.
ومنها: أنَّ قارِئَه لا يَمَلُّ مِن تَردادِه، وسامِعَه لا يَمجُّه، ولا يزدادُ بكثرةِ التَّكرارِ إلَّا طراوةً ولذاذةً.
ومنها: أنَّه آيةٌ باقيةٌ لا تَعدَمُ ما بَقِيَت الدُّنيا.
ومنها: جَمعُه لعلومٍ ومعارِفَ لا تنقضي عجائِبُها، ولا تنتهي فوائِدُها) .
وقال السيوطيُّ: (أخبر أنَّ الكِتابَ آيةٌ مِن آياتِه كافٍ في الدَّلالةِ قائِمٌ مَقامَ مُعْجِزاتِ غَيرِه وآياتِ مَن سِواه من الأنبياءِ، ولَمَّا جاء به النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليهم وكانوا أفصَحَ الفُصَحاءِ ومصاقِعَ الخُطَباءِ وتحَدَّاهم على أن يأتوا بمِثْلِه وأمهلَهم طولَ السِّنينَ، فلم يَقدِروا، كما قال تعالى: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ [الطور: 34]، ثمَّ تحَدَّاهم بعَشرِ سُوَرٍ منه في قَولِه تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود: 13، 14]، ثمَّ تحَدَّاهم بسورةٍ في قَولِه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: 38] الآية، ثمَّ كَرَّر في قَولِه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] الآية، فلمَّا عجزوا عن معارضتِه والإتيانِ بسُورةٍ تُشبِهُه على كثرةِ الخُطَباءِ فيهم والبُلَغاءِ، نادى عليهم بإظهارِ العَجزِ وإعجازِ القُرْآنِ، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88] ، هذا وهم الفُصَحاءُ اللُّدُّ، وقد كانوا أحرَصَ شَيءٍ على إطفاءِ نُورِه وإخفاءِ أَمْرِه، فلو كان في مَقدِرَتِهم معارضَتُه لعَدَلوا إليها قَطعًا للحُجَّةِ، ولم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم أنَّه حَدَّث نَفْسَه بشيءٍ من ذلك ولا رامه، بل عدلوا إلى العِنادِ تارةً، وإلى الاستهزاءِ أُخرى؛ فتارةً قالوا: (سِحْرٌ)، وتارةً قالوا: (شِعْرٌ)، وتارةً قالوا: (أَسَاطِيرُ الأوَّلينَ)، كُلُّ ذلك من التحَيُّرِ والانقطاعِ، ثمَّ رَضُوا بتحكيمِ السَّيفِ في أعناقِهم، وسَبْيِ ذرارِيِّهم وحُرَمِهم، واستباحةِ أموالِهم، وقد كانوا آنَفَ شَيءٍ وأشَدَّه حَمِيَّةً، فلو عَلِموا أنَّ الإتيانَ بمِثْلِه في قُدرَتِهم لبادَروا إليه؛ لأنَّه كان أهوَنَ عليهم) .
 
وقال حافِظٌ الحَكَميُّ: (هذا القُرْآنُ مُعْجِزةٌ خالِدةٌ أبَدَ الآبِدِينَ ودَهْرَ الدَّاهِرينَ، لا تفنى عجائبُه، ولا يُدرَكُ غايةُ إعجازِه، ولا يندَرِسُ بمرورِ الأعصارِ، ولا يُمَلُّ مع التَّكرارِ، بل يُجلى مع ذلك ويتجَلَّى، ويعلو على غيرِه ولا يُعلى، وكُلُّ مُعْجِزةٍ قَبْلَه انقضت بانقضاءِ زَمانِها ولم يَبْقَ إلَّا تَذْكارُها، وهو كُلَّ يومٍ براهينُه في مَزيدٍ، ومُعْجِزاتُه في تجديدٍ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: 42] ) .
 
وقال مُحَمَّد دِرَاز: (ما جاء في التحَدِّي بهذا القُرْآنِ وتعجيزِ العالَمِ كُلِّه عن الإتيانِ بمِثْلِه قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء: 88] ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة: 24] .
فانظر هذا النَّفيَ المؤكَّد، بل الحُكمَ المُؤَبَّد! هل يستطيعُ عَرَبيٌّ يدري ما يقولُ أن يُصدِرَ هذا الحُكمَ وهو يعلَمُ أنَّ مجالَ المُساجَلاتِ بين العَرَبِ مفتوحٌ على مِصراعَيه، وأنَّ الناقِدَ المتأخِّرَ متى أعمَلَ الرَّوِيَّةَ في تعَقُّبِ قَولِ القائِلِ المتقَدِّمِ لا يُعْيِيه أن يجِدَ فيه فائِتًا لِيُستدرَك، أو ناقِصًا ليُكمَل، أو كلامًا ليزدادَ كَمالًا؟! ألم يكُنْ يخشى بهذا التحَدِّي أن يُثيرَ حَمِيَّتَهم الأدبيَّةَ فيَهُبُّوا لمنافَستِه وهم جميعٌ حَذِرونَ؟! وماذا عساه يصنَعُ لو أنَّ جماعةً من بُلَغائِهم تعاقدوا على أن يضَعَ أحَدُهم صيغةَ المعارضةِ، ثمَّ يتناوَلَها سائِرُهم بالإصلاحِ والتهذيبِ، كما كانوا يصنعون في نَقدِ الشِّعرِ، فيُكمِل ثانيهم ما نَقَصَه أوَّلُهم، وهكذا، حتى يُخرِجوا كلامًا إنْ لم يَبُزَّه فلا أقَلَّ من أن يُسامِيَه ولو في بَعضِ نواحيه؟ ثمَّ لو طَوَّعت له نَفْسُه أن يُصدِرَ هذا الُحكمَ على أهلِ عَصْرِه فكيف يُصدِرُه على الأجيالِ القادِمةِ إلى يومِ القيامةِ، بل على الإنسِ والجِنِّ؟! إنَّ هذه مُغامَرةٌ لا يتقَدَّمُ إليها رجُلٌ يَعرِفُ قَدْرَ نَفْسِه إلَّا وهو مالِئٌ يَدَيه من تصاريفِ القَضاءِ، وخَبَرِ السَّماءِ، وهكذا رماها بين أظهُرِ العالَمِ، فكانت هي القَضاءَ المُبْرَمَ سُلِّط على العُقولِ والأفواه، فلم يَهُمَّ بمعارضتِه إلَّا باءَ بالعَجزِ الواضِحِ، والفَشَلِ الفاضِحِ، على مَرِّ العُصورِ والدُّهورِ!)

الدرر السنية


من خصائِصِ القُرْآنِ الكريمِ: اشتِمالُه على أخبارٍ غَيبيَّةٍ

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
مِن خصائِصِ القُرْآنِ الكريمِ تعَدُّدُ أسمائِه وصِفاتِه

وردت للقُرْآنِ الكريمِ أسماءٌ وصِفاتٌ كثيرةٌ في عَدَدٍ مِن الآياتِ والأحاديثِ النَّبَويَّةِ، ولكثرةِ هذه الأسماءِ والصِّفاتِ أفرَدَها بعضُ العُلَماءِ بمؤَلَّفاتٍ مُستَقِلَّةٍ .
 
فمن أسماءِ القُرْآنِ التي استمدَّها العُلَماءُ من القُرْآنِ نَفْسِه: التنزيلُ، الكِتابُ، القُرْآنُ، الحَقُّ، الوَحيُ، النُّورُ، كلامُ اللهِ، الفُرقانُ، الرُّوحُ، البَلاغُ، حَبلُ اللهِ، البُرهانُ، وغيرُ ذلك .
 
قال الفيروز آبادي: (اعلَمْ أنَّ كَثرةَ الأسماءِ تدُلُّ على شَرَفِ المسَمَّى أو كمالِه في أمرٍ مِن الأمورِ، أمَا ترى أنَّ كثرةَ أسماءِ الأَسَدِ دَلَّت على كَمالِ قُوَّتِه، وكثرةَ أسماءِ القيامةِ دَلَّت على كَمالِ شِدَّتِه وصُعوبتِه، وكثرةَ أسماءِ الدَّاهِيةِ دَلَّت على شِدَّةِ نكايتِها؟!، وكذلك كثرةُ أسماءِ اللهِ تعالى دَلَّت على كمالِ جَلالِ عَظَمتِه، وكثرةُ أسماءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَلَّت على عُلُوِّ رُتبتِه وسُمُوِّ دَرَجتِه، وكذلك كثرةُ أسماءِ القُرْآنِ دَلَّت على شَرَفِه وفَضيلتِه) .
 
وأسماءُ القُرْآنِ تشترِكُ في دلالتِها على ذاتٍ واحِدةٍ هي القُرْآنُ الكريمُ نَفْسُه، ويمتازُ كُلُّ واحدٍ منها عن الآخَرِ بدَلالتِه على معنًى خاصٍّ؛ فكُلُّ اسمٍ للقُرْآنِ يَدُلُّ على حُصولِ معناه فيه، فتسميتُه مثلًا بالهُدى يَدُلُّ على أنَّ الهدايةَ فيه، وتسميتُه بالتَّذكِرةِ يَدُلُّ على أنَّ فيه ذِكْرى.
 
قال ابنُ تيميَّةَ عن لَفظِ السَّيفِ والصَّارمِ والمُهَنَّدِ: (... فإنها تشترِكُ في دَلالتِها على الذَّاتِ، فهي من هذا الوَجهِ كالمتواطِئةِ، ويمتازُ كُلٌّ منها بدَلالتِه على معنًى خاصٍّ، فتُشبِهُ المتبايِنةَ، وأسماءُ اللهِ وأسماءُ رَسولِه وكِتابِه من هذا البابِ) .
 
وقال أيضًا: (كُلُّ اسمٍ مِن أسمائِه تعالى يدُلُّ على ذاتِه وعلى ما في الاسمِ مِن صِفاتِه، ويدُلُّ أيضًا على الصِّفةِ التي في الاسمِ الآخَرِ بطَريقِ اللُّزومِ، وكذلك أسماءُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ مِثلُ: مُحَمَّدٍ، وأحمَدَ، والماحي، والحاشِرِ، والعاقِبِ، وكذلك أسماءُ القُرْآنِ؛ مِثلُ: القُرْآنِ، والفُرقانِ، والهُدى، والشِّفاءِ، والبَيانِ، والكِتابِ، وأمثالِ ذلك) .
 
وقال مُحَمَّد دِراز: (رُوعِيَ في تسميتِه قُرْآنًا كونُه مَتلوًّا بالألسُنِ، كما رُوعِيَ في تسميتِه كِتابًا كونُه مُدَوَّنًا بالأقلامِ؛ فكِلْتا التسمِيَتينِ من تسميةِ الشَّيءِ بالمعنى الواقِعِ عليه.
وفي تِسمِيَتِه بهذينِ الاسمَينِ إشارةٌ إلى أنَّ مِن حَقِّه العنايةَ بحِفْظِه في موضِعَينِ لا في موضعٍ واحدٍ، أعني أنَّه يجِبُ حِفْظُه في الصُّدورِ والسُّطورِ جميعًا؛ أن تَضِلَّ إحداهما فتُذَكِّرَ إحداهما الأخرى، فلا ثِقةَ لنا بحِفظِ حافظٍ حتى يوافِقَ الرَّسْمَ المجتَمَعَ عليه من الأصحابِ، المنقولَ إلينا جيلًا بعد جيلٍ على هيئتِه التي وُضِعَ عليها أوَّلَ مَرَّةٍ، ولا ثِقةَ لنا بكِتابةِ كاتبٍ حتى يوافِقَ ما هو عند الحافِظِ بالإسنادِ الصَّحيحِ المتواتِرِ.
وبهذه العنايةِ المُزدَوَجةِ التي بعثها اللهُ في نفوسِ الأُمَّةِ المُحَمَّديةِ؛ اقتداءً بنَبِيِّها، بَقِيَ القُرْآنُ محفوظًا في حِرزٍ حَريزٍ) .
 
وقال ابنُ عُثَيمين: (إنَّ هذا القُرْآنَ الذي بين أيديكم تَتْلونَه وتَسْمَعونه وتحفَظونَه وتَكتُبونَه، هو كلامُ رَبِّكم رَبِّ العالَمين، وإلهِ الأوَّلِينَ والآخِرينَ، وهو حَبلُه المتينُ، وصِراطُه المستقيمُ، وهو الذِّكرُ المبارَكُ والنُّورُ المُبِينُ، تكلَّم اللهُ به حقيقةً على الوَصفِ الذي يليقُ بجَلالِه وعَظَمتِه، وألقاه على جِبريلَ الأمينِ أحَدِ المَلائِكةِ الكِرامِ المُقَرَّبينَ؛ فنَزَل به على قَلبِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليكونَ مِن المُنذِرينَ بلِسانٍ عَربيٍّ مُبِينٍ، وصفه اللهُ بأوصافٍ عَظيمةٍ لِتُعَظِّموه وتحتَرِموه...)، وذكر آياتٍ كثيرةً تتضَمَّنُ صِفاتٍ عديدةً للقُرْآنِ، ثمَّ قال: (فهذه الأوصافُ العظيمةُ الكثيرةُ التي نقَلْناها وغَيرُها ممَّا لم ننقُلْه؛ تدُلُّ كُلُّها على عَظَمةِ هذا القُرْآنِ، ووُجوبِ تَعظيمِه والتأدُّبِ عند تلاوتِه، والبُعدِ حالَ قِراءتِه عن الْهُزْءِ واللَّعِبِ) .
 
ومن صِفاتِه: الشَّهادةُ له بالسَّلامةِ من العِوَجِ:
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: قُرْآَنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزُّمر: 28] .
قال النَّسَفيُّ: (غَيْرَ ذِي عِوَجٍ مستقيمًا بريئًا من التناقُضِ والاختلافِ، ولم يَقُلْ مستقيمًا؛ للإشعارِ بألَّا يكونَ فيه عِوَجٌ قَطُّ، وقيل: المرادُ بالعِوَجِ الشَّكُّ) .
 
وقال السَّعديُّ: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: جعلناه قُرْآنا عربيًّا، واضِحَ الألفاظِ، سَهْلَ المعاني، خصوصًا على العَرَبِ. غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: ليس فيه خَلَلٌ ولا نَقْصٌ بوَجهٍ من الوُجوهِ؛ لا في ألفاظِه ولا في معانيه، وهذا يستلزِمُ كَمالَ اعتِدالِه واستقامتِه) .
وقال اللهُ تعالى: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: 1] .
 
قال الشِّنقيطيُّ: (قَولُه تعالى في هذه الآيةِ الكريمةِ: وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، أي: لم يجعَلْ في القُرْآنِ عِوَجًا، أي: لا اعوجاجَ فيه ألبتَّةَ، لا من جِهةِ الألفاظِ، ولا من جِهةِ المعاني، أخبارُه كُلُّها صِدْقٌ، وأحكامُه عَدلٌ، سالمٌ من جميعِ العُيوبِ في ألفاظِه ومعانيه، وأخبارِه وأحكامِه؛ لأنَّ قَولَه: «عِوَجًا» نكرةٌ في سياقِ النَّفيِ، فهي تَعُمُّ نَفْيَ جميعِ أنواعِ العِوَجِ.
وما ذكَره جَلَّ وعلا هنا من أنَّه لا اعوِجاجَ فيه، بَيَّنه في مواضِعَ أُخَرَ كثيرةٍ، كقَولِه: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 27، 28]، وقَولِه: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: 115]، فقَولُه: «صِدْقًا» أي: في الأخبارِ، وقَولُه: «عَدْلًا» أي: في الأحكامِ، وكقَولِه تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82] ، والآياتُ بمِثْلِ هذا كثيرةٌ جِدًّا) .


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
من خصائِصِ القُرْآنِ الكريمِ أنَّه لا يُنسَبُ إلَّا إلى اللهِ تعالى لفظًا ومعنًى

ما جاء به رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ليس مِن عِندِ نَفْسِه، بل هو مِن عِندِ رَبِّه سُبحانَه.
قال اللهُ تعالى: وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم: 3-4] .
قال ابنُ جَريرٍ: (يقول تعالى ذِكْرُه: وما ينطِقُ مُحَمَّدٌ بهذا القُرْآنِ عن هواه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى يقولُ: ما هذا القُرْآنُ إلَّا وَحيٌ من اللهِ يوحيه إليه) .
وقال ابنُ كثيرٍ: (أي: إنَّما يقولُ ما أُمِرَ به، يُبَلِّغُه إلى النَّاسِ كامِلًا مُوَفَّرًا مِن غَيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ) .
فالقُرْآنُ الكريمُ لا تجوزُ نِسبتُه لغيرِ اللهِ، فلَفْظُه ومعناه مِن عِندِ اللهِ.
قال ابن حجر الهيتمي عن الأحاديثِ القُدُسِيَّةِ: (هي ما نُقِل إلينا آحادًا عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع إسنادِه لها عن رَبِّه، فهي من كلامِه تعالى، فتُضافُ إليه وهو الأغلَبُ، ونِسْبَتُها إليه حينئذٍ نِسبةُ إنشاءٍ؛ لأنَّه المتكَلِّمُ بها أولًا، وقد تضافُ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لأنَّه المخبِرُ بها عن اللهِ تعالى، بخلافِ القُرْآنِ فإنَّه لا يُضافُ إلَّا إليه تعالى، فيُقالُ فيه: (قال اللهُ تعالى)، وفيها: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما يروي عن رَبِّه تعالى) .
وقال ابنُ عُثَيمين: (القُرْآنُ لا تجوزُ قراءتُه بالمعنى بإجماعِ المُسلِمين) .

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×