امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 29 يونيو (معدل) (1) أهمية الثبات وجوانبه كتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ الغرض مِن الموعظة: - التحذير مِن ظاهرة التراجع الديني، والخلقي، والعلمي، وغيره، في أوساط كثيرٍ مِن الناس. (1) المقدمة: أهمية الثبات:- المقصود بالثبات: الاستقرار والاستمرار على الحق، والازدياد منه وعدم التراجع والنقصان. - الثبات دليل على استقامة الشخصية وسلامتها مِن التقلب والاضطراب؛ لأن شعار الثابت: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام:153)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمَن سأله: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ؛ قَالَ: (قُلْ رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه أحمد ومسلم وغيرهما). - الثبات دليل على سلامة المنهج: (ثبات خبيب بن عدي كان سببًا في إسلام سعيد بن عامر الجمحي - ذكر قصته باختصارٍ شديدٍ). (2) جوانب الثبات: للثبات على الدين جانبان: أحدهما: الثبات على ملة الإسلام. والثاني: الثبات على التزام تعاليم الإسلام. أولًا: الثبات على ملة الإسلام (والناس فيه على نوعين): - النوع الأول: مؤمنون ثابتون على ملة الإسلام إلى الممات، مهما كانت الفتن والمحن: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (آل عمران:19)، وقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وقال عن يوسف -عليه السلام-: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف:101)، وكان مِن دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم: (يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ) (رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات الكبير، وحسنه الألباني).صور مِن هؤلاء الثابتين على الملة: - أصحاب الأخدود المؤمنين: قال الله -تعالى-: (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ . النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ . إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ . وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ . وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:4-8). - عبد الله بن حذافة السهمي -رضى الله عنه-: ذكر الإمام البيهقي -رحمه الله- قصته: "وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَيْشًا إِلَى الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلا، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسَرَهُ الرُّومُ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَأُشِرِكُكَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ -وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: وَجَمِيعَ مَمْلَكَةِ الْعَرَبِ- عَلَى أَنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا فَعَلْتُ، قَالَ: إِذًا أَقْتُلَكَ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً، حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبْكَاكَ إِذًا؟ قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي تُلْقَى السَّاعَةَ فِي هَذَا الْقِدْرِ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي، نَفْسٌ تُلْقَى فِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-! قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبِّلُ رَأْسَهُ يُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لا أُبَالِي فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عُمَرَ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ خَبَرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ" (شعب الإيمان للبيهقي).- النوع الثانيً: كفار وملحدون تركوا الثبات على ملة الإسلام التي فطرهم الله عليها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال الله: (وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ... ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ... ) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف:103). صور مِن هؤلاء (غير الثابتين على الملة): - بلعام بن باعوراء: قال -تعالى- فيه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ . وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَ?كِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ? فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ? ذَّ?لِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ? فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف:175-176). - عبيد الله بن جحش (هاجر مع زوجته أم حبيبة -رضى الله عنها- إلى الحبشة، فتنصر هناك وارتد عن الإسلام): روي عن أمِّ حبيبة -رضى الله عنها-: "رأيتُ في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلت: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين فلم أرَ دينًا خيرًا مِن النصرانية، وكنتُ قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله! ما خير لك. وأخبرتُه بالرؤيا التي رأيت له فلم يحفل بها، وأكبّ على الخمر حتى مات" (الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري). تنبيه مهم: هذا النوع لا يسقط فيه مَن خالط الإيمان أصول قلبه: ففي حديث أبى سفيان مع هرقل، قال: "وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري). ثانيًا: الثبات على التزام تعاليم الإسلام:والناس فيه كذلك على نوعين: - النوع الأول: ملتزمون بتعاليم الإسلام في الجملة، لا يفرطون في الواجبات، ويتنافسون في المستحبات، ثابتون في مواجهة الفتن والمحن والمعاناة والغربة وإن خالفهم الناس، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني). - هم مستحضرون للسنن الشرعية والكونية على الدوام: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة:208)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142)، قال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2)، قال -تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155). صور مِن هؤلاء الملتزمين بتعاليم الإسلام: - إشارة مجملة إلى ثبات الأنبياء والصحابة والصالحين على مرِّ الزمان، حيث سيأتي الكلام مفصلًا في عوامل الثبات. - النوع الثاني: غير ملتزمين ولا ثابتين على تعاليم الإسلام، فهم يضعفون في الفتن ولا يجاهدون في المحن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم). صور مِن التراجع عن التزام تعاليم الدين: - الإشارة إلى ظاهرة التراجع الديني والأخلاقي والعلمي وغيره في أوساط المتدينين، فضلًا عن عامة المسلمين. - الإشارة إلى بعض الصور الواقعية مِن بيْن ما لا يحصى: يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام: "يقول: شخص كان فقيرًا مجتهدًا في العبادة وطلب العلم، فعمل في التجارة، ومع الوقت صار غنيًّا، فأختفى مِن المسجد تمامًا؛ تقول زوجته: أصبح يسهر الليل كله في متابعة التجارة والتجار وجمع المال، وينام النهار ويجمع الصلوات، فلما كنا فقراء كنا نقوم الليل ونصوم النهار، وأما الآن... ! وآخر كان فقيرًا يكد طوال يومه ثم صار تاجرًا وفتحت عليه الدنيا، فصارت أعماله ملؤها الرياء والسمعة، وغيرهم وغيرهم كثير، وهناك صور كثيرة لا تحصى عندي وعندكم وعند الناس مِن التراجع!".نسأل الله السلامة والعافية، وهنا يأتي السؤال الذي لابد أن يتبادر إلى الأذهان جميعًا: ما هي الأسباب التي تؤدي إلى التراجع وعدم الثبات؟ هذا هو موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-: "أسباب التراجع عن الثبات".فاللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك. صوت السلف تم تعديل 29 يونيو بواسطة امانى يسرى محمد شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 14 يوليو الثبات (2) أسباب التراجع عن الثبات (1)كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى أهمية الثبات مِن خلال مقدمة الموعظة السابقة: (دليل على سلامة الشخصية مِن التقلب والاضطراب - دليل على سلامة المنهج). - التنبيه على أن الثبات على التزام تعاليم الدين أمر شاق في هذا الزمان، ولكن أجره عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي الطبراني، وصححه الألباني).- الإشارة إلى أن أسباب التراجع عن الثبات تتلخص في جانبين: الأول: أسباب داخلية، وهي المتعلقة بالإنسان نفسه (أمراض قلبية ونفسية وسلوكية). الثاني: أسباب خارجية، وهي المؤثرات الخارجية على الإنسان (الفتن والمحن ونحوها). أولًا: الأسباب الداخلية:(1) التخوف على النفس: المقصود بذلك: أن الشيطان يوسوس بأن الثبات على الدين مخاطرة عظيمة، ويلِّبس عليه بأن له أبوابًا مِن الخير يقوم بها؟ (الصلاة - الصدقة - العمرة - ...) فلا تعرض نفسك للخطر بالمشاركة في الأعمال الإصلاحية الأخرى، مِن باب قوله -تعالى-: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة:195)، فيجنح الى الانزواء ثم التراجع. - الأقدار مقدَّرة ولن يغير التخوف شيئًا: قال الله -تعالى-: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ? وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة:51)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). - لا مقارنة بيْن ألم الابتلاء في الدنيا، وألم التقصير والجبن عن العمل لدين الله في الآخرة: قال -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ? أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت:10). - الثابتون الصادقون يتندمون على فوات أجر الشهادة في سبيل الله: عن أبي الزناد: "أن خالد بن الوليد -رضي الله عنه- لما احتضر بكى، وقال: لقيتُ كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".(2) التخوف على الأهل والولد: - هذا خاطر شيطاني يجول بقوةٍ في أذهان كثيرٍ مِن الناس، فيؤدي بهم إلى التراجع، فتجد كثيرًا مِن هؤلاء دائمو الاعتذار عن المشاركة في الأعمال الإصلاحية، بتأويل خاطئ لقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)؛ لأنهم دائمًا يخافون مِن آثارها على الأهل والولد فيما يتصورون مما يوسوس به الشيطان. - تقديم الأهل والولد على العمل للدين، أو البذل لأجله، هو الهلاك والفتنة: قال -تعالى-: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) (الأنفال:28)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). - التراجع عن البذل للدين بظن أنه حفظ للأهل والولد، خلل في فهم قضية الدين: ذكر أبو يعلى في "طبقات الحنابلة" عن أبي سعيد الواسطي قال: "دخلتُ على أحمد الحبس قبْل الضرب، فقلتُ له في بعض كلامي: يا أبا عبد الله: عليك عيال، ولك صبيان، وأنت معذور، كأني أسهِّل عليه الإجابة. فقال لي أحمد بن حنبل: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد، فقد استرحت!".- لا تقلق على أهلك وأولادك إن حفظت دين الله وبذلت مِن أجله: قال -تعالى-: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (النساء:9)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (احفَظِ الله يَحْفَظْكَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -تعالى-: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف:64).- بل الله يحفظ أهلك وولدك بعد موتك بصلاحك في حياتك: قال -تعالى-: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ) (الكهف:82)، وقال -صلى الله عليه وسلم: (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) (رواه البخاري ومسلم). (3) التخوف على الوظيفة والمنصب والمال: - المقصود بذلك: أن الشيطان يسوِّل لكثيرٍ ممَن كانوا بالأمس يعملون ويبذلون لأجل الدين، أن البقاء على ذلك سيكون سببًا في ضياع المال أو الوظيفة المرموقة التي تحصل عليها، لاسيما إذا كان السمت الديني يتعارض مع ذلك فيما يظن ويتوهم. - صورة مؤسفة: (أحدهم كان شعلة مِن الحماس والعمل للدين، فلما ترقى في الوظيفة تغيَّر تغيرًا شديدًا، كل ذلك لأجل انتظاره ترقية أكبر حتى صار يغير مِن ظاهره الكثير، ويترك الصلاة في مساجد السُّنة، الذين كان واحدًا منهم!). - إنها حسبة خاطئة وتقدير مهلك: قال -تعالى-: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى:16-17)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) (متفق عليه). - أين أنت مِن هؤلاء؟!: عن علي بن أبى طالب -رضي الله عنه- قال: (جئت المسجد فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة وأرفه، فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه عليه" (أخرجه أبو يعلى). وعن ابن عبد الرحمن بن عوف قال: "أُتِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَوْمًا بِطَعَامِهِ، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، وَقُتِلَ حَمْزَةُ -أَوْ رَجُلٌ آخَرُ- خَيْرٌ مِنِّي، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا بُرْدَةٌ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُجِّلَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنْيَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي!" (رواه البخاري). الثبات (3) أسباب التراجع عن الثبات (2) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - تكرير التنبيه على أهمية الثبات، والإشارة إلى مشقته على النفوس لا سيما في هذا الزمان.- التنبيه على ما سبق مِن أن الأسباب على قسمين، داخلية وخارجية مع توضيح المقصود بكل منهما.- التنبيه على أنه سبق الكلام عن ثلاثة أسباب داخلية، واليوم نستكمل الكلام عن بقية الأسباب الداخلية(2).(4) الاستعجال:مرض عضال يجعل المتعجل إن لم تتحقق أهدافه بسرعة يتراجع وييأس ولا يثبت؛ لأنه لا صبر له، فتكون النتيجة انحرافًا منهجيًّا أو سلوكيًّا أو الاثنين معًا(3)؛ فيكون كالمستجير مِن الرمضاء بالنار!- الجهل بسنن الله الشرعية والكونية مِن أعظم أسباب شيوع هذا المرض: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214)، وعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري).- الزرع لابد له مِن مراحل قبْل الحصاد، والبِنَاء لابد في بنائه مِن قاعدته قبْل قمته، وأنتَ عليك البذر وقد يحصد غيرك، وتؤسِّس قاعدة البناء ويرفعه ويشيده غيرك؛ فطريق التمكين شاق وطويل ولابد مِن الصبر: قيل للشافعي -رحمه الله-: "أيهما أفضل للرجل: أن يُمكَّن أم يُبتلى؟ فقال الشافعي: لا يُمكَّن حتى يُبتلى" (وسيأتي في عوامل الثبات في عامل الصبر كثير مِن التفصيل).(5) الغلو والتشدد: مرض فتاك يُذهِب الثبات، لاسيما في أول الطريق؛ لأنه يفضي بصاحبه إلى الانقطاع وعدم المواصلة؛ وذلك لأن النفس مِن طبعها الملل، والإنسان ذو طاقة محدودة، فإن صبرَ أيامًا وشهورًا على التشدد والغلو، فإنه لا يصبر أكثر مِن ذلك. "يحكي أحد الدعاة عن صورٍ كثيرةٍ مِن التراجع عن التزام تعاليم الإسلام، يقول: أحدهم شاب كان يؤذن بصوت جميل حتى إنه كان يبكيني أحيانًا يوم الجمعة أثناء التأذين، فإذ به يتراجع دركة بعد دركة، حتى حلق لحيته وصار يشرب الدخان، وآخر حفظ القرآن وجوَّده، حتى قدمته ليصلي بالناس في صلاة التراويح والقيام، فإذا به يتراجع دركة بعد دركة، حتى ترك القرآن والالتزام، وصار يشاهد المسلسلات والأفلام، وآخر كان لا يخرج مِن المسجد إلا للنوم تقريبًا، ولقد رأيت والده ذات يوم وهو يصرخ في وجهه يأمره بالخروج مِن المسجد بعض الوقت لدراسته الجامعية، وهو يصر على عدم الخروج، وإذا به أيضًا يتراجع دركة دركة حتى حلق لحيته وهجر المساجد، وصاحب الشباب العابثين، وإن كان يحافظ على الصلاة، وآخر كان يقرأ في اليوم عشرة أجزاء مِن القرآن، بل كان في الاعتكاف يختم القرآن في يومٍ واحد، فإذا به يتراجع دركة دركة حتى صار لا يأتي المسجد إلا على فتراتٍ طويلةٍ، وقد هجر القرآن"(4).- الشرع ينهى عن الغلو بكل درجاته: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غداه جمع: (هَلُمَّ الْقُطْ لِي)، فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ، هُنْ حَصَى الْخَذْفِ، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَالَ: (نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ) (رواه أحمد والنسائي وابن حبان، وصححه الألباني)، وقال -تعالى- عنهم: (وَرَهْبَانِيَّة ً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (الحديد:27).- شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- جاءت بالتيسير ورفع الحرج والمشقة: قال -تعالى-: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ...) (الأعراف:157)، وقال -تعالى-: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج:78). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا... ) (رواه البخاري). قال ابن المنير -رحمه الله-: "في هذا الحديث علمٌ مِن أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبْلنا أن كل متنطع في الدين منقطع" (فتح الباري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُو نَ) قَالَهَا ثَلَاثًا. (رواه مسلم).- أحوال أعبد الخلق -صلى الله عليه وسلم-: "الاعتدال والوسطية": (نهيهم عن الوصال في الصيام - لا يقوم الليل كله إلا في العشر الأواخر مِن رمضان - ... )، وقال -صلى الله عليه وسلم- لمَن ظنوا الزيادة على طريقته أحسن: (أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَحَبُّ الأَعمَالِ إِلى اللهِ أَدوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) (متفق عليه)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "الاقتصاد فِي السُّنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ" (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني).(6) التساهل والترخص:مرض فتاك يتسرب إلى النفوس غالبًا مِن باب وهم التيسير وترك التشدد، فيتدرج مِن الرخص فيما هو سائغ مِن الخلاف إلى الرخص والزلات فيما هو ليس بسائغٍ مِن الخلاف: (الإسبال - الأخذ مِن اللحية - النمص ونحوه - إلى ما هو مِن جنس المحرمات...)(5).- التساهل والترخص يؤدي إلى الوقوع في الحرام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ... ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني).- كثرة الترخص وتتبع زلات العلماء شر وزندقة عند السلف: قال سليمان التيمي: "لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ" (سير أعلام النبلاء)، وذكر الذهبي كذلك في السير: "عن إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: دخلت على المعتضد فدفع إلى كتابًا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص مِن زلل العلماء وما احتجّ به كلٌ منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن مَن أباح المسكر لم يبح المتعة، ومَن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما مِن عالم إلا وله زلة، ومَن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب" (سير أعلام النبلاء). (7) الكبر والغرور ورفض الحق:مرض عضال فتاك يؤدي إلى التراجع وربما الانتكاس؛ لأن المتكبر يَرى نفسه مقدَّمًا في كل شيء؛ ولذلك يرفض التبعية والتوجيه، وينفر مِن كل محفل يظهره مساويًا لغيره، ويزداد أمره سوءًا إذا عوتب أو عوقب(6).- الكبر عن قبول الحق يؤدي إلى التراجع وريما الانتكاس؛ لأن معايير التفاضل عند المتكبرين فاسدة: قال -تعالى-: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13)، وقال: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (المجادلة:11).- أمثلة سيئة: (إبليس - حيي بن أخطب - جبلة بن الأيهم)، (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) (الأعراف:12)، وقال حيي بن أخطب عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعرفه وأثبته، ولكن عداوته في قلبي ما بقيت" (لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مِن العرب).وذكر أصحاب السِّيَر: "أن عمر لما بلغه إسلام جبلة بن الأيهم آخر ملوك غسان فرح بإسلامه، ثم بعث يستدعيه ليراه بالمدينة. وقيل: بل استأذنه جبلة في القدوم عليه، فأذن له، فركب في خلقٍ كثيرٍ مِن قومه، قيل: مائة وخمسون راكبًا. وقيل: خمسمائة. وتلقته هدايا عمر ونزله قبْل أن يصل إلى المدينة بمراحل، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا، دخلها وقد ألبس خيوله قلائد الذهب والفضة، ولبس هو تاجًا على رأسه، مرصعًا باللآلئ والجواهر... وخرج أهل المدينة رجالهم ونساؤهم ينظرون إليه، فلما سلم على عمر رحب به عمر وأدنى مجلسه، وشهد الحج مع عمر في هذه السنة، فبينما هو يطوف بالكعبة إذ وَطِئَ إزاره رجل من بني فزارة فانحل، فرفع جبلة يده فهشم أنف ذلك الرجل، ومِن الناس مَن يقول: إنه قلع عينه، فاستعدى عليه الفزاري عمر، ومعه خلق كثير من بني فزارة، فاستحضره عمر، فاعترف جبلة فقال له عمر: أقده. فقال جبلة: كيف وأنا ملك وهو سوقة؟ فقال: إن الإسلام جمعك وإياه، فلست تفضله إلا بالتقوى. فقال جبلة قد كنت أظن أن أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. فقال عمر: دع ذا عنك، فإنك إن لم ترضِ الرجل أقدته منك. فقال: إذًا أتنصر. فقال: إن تنصرت ضربت عنقك. فلما رأى الجد قال: سأنظر في أمري هذه الليلة. فانصرف مِن عند عمر، فلما ادلهم الليل ركب في قومه ومَن أطاعه، فسار إلى الشام، ثم دخل بلاد الروم، ودخل على هرقل في مدينة القسطنطينية فرحب به هرقل وأقطعه بلادًا كثيرة، وأجرى عليه أرزاقًا جزيلة" (السير للذهبي - 3/532 - البداية والنهاية حوادث سنة 53).فاللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد.ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــ ـ (1) التنبيه على أن التراجع درجات "آخرها الانتكاس".(2) التنبيه على أن الأسباب أكثر مِن ذلك، ولكننا نركِّز على أبرزها؛ لعدم الإطالة.(3) كل التيارات التكفيرية مصابة بهذا الداء، وأكثر الذين يؤيدون العنف في كل زمان مصابون بهذا، وقد رأينا مِن هؤلاء الكثير ممن حلقوا لحاهم، وتركوا التزام الدين! (4) وآخر في باب الجهاد، حيث كان ينكر على مَن يقول الجهاد فرض كفاية، ولما كانت حرب سوريا جعل قضيته الضغط على نفوس كثيرٍ مِن الشباب بأن الجهاد في سوريا فرض عليهم دون نظر في ضوابط وظروف المسألة، فكانت النتيجة الانزلاق إلى براثن الفرق التكفيرية، ثم ترك كل ذلك وانجرف إلى شهوات الدنيا.(5) مِن التساهل: ما هو حاصل ممَن كانوا أصحاب سمتٍ سلفي، ثم صاروا يلبسون "الكاجوال والبنطلون الضيق"، ويتكلمون العامية المسيئة في مقاطع اليوتيوب! أو مقارفة ما اقترن بالشبهات: كالاختلاط المذموم، وارتياد أماكن اللهو والغفلة، والتوسع في استخدام وسائل الاتصال والإعلام العصرية بلا حاجة (نشرات الأخبار والبرامج التحليلية بإفراط) حتى يصل إلى السقوط في الحرام الصريح. (6) قال بعض السلف: "لأن أكون ذَنبًا في الحق، خير مِن أن أكون رأسًا في الباطل!" الثبات (4) أسباب التراجع عن الثبات (3) كتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - تكرير التنبيه على أهمية الثبات، ومشقته على النفوس في هذا الزمان.- إشارة إلى ما سبق مِن الانتهاء مِن الأسباب الداخلية: (قلبية - نفسية - سلوكية) للتراجع عن الثبات، والشروع في بيان الأسباب الخارجية المؤثِّرة على الثبات، وهي كثيرة نقف على أبرزها، ومِن خلالها التنبيه على البقية.الأسباب الخارجية المؤثرة على الثبات:1- التعرض للاضطهاد والأذى.2- فتنة الفقر والحاجة وضغط الظروف الاقتصادية.3- واقع المسلمين المرير مِن الضعف والاختلاف والانحراف.4- ضغط الأهل والأحباب لترك الطريق اتقاء للأذى.5- الشعور بالغربة بين عامة الناس المؤدي إلى التنازل في السلوك والسمت ثم المنهج.6- وسائل الإعلام الفاسدة المحرِّضة على كراهية الدين والتدين والمتدينين.7- انتشار المعاصي وشيوع الفساد الأخلاقي في المجتمع.تنبيه: سنتعرض للسببين الأوليين بشيءٍ مِن التفصيل، ونكتفي بذكر الأسباب الأخرى كعناوين؛ لورودها في طيات ما سبق، ولاسيما وأننا سنتعرض لها أثناء تناول عوامل الثبات -إن شاء الله-. أولًا: التعرض للاضطهاد والأذى:هذا مِن أكثر الأسباب المؤدية إلى التراجع عن الثبات؛ لأن النفوس تحب الراحة والسعة، وتكره الضيق والتعب، وهو أكثرها فتكًا بالنفوس التي لم تذق حلاوة الإيمان، ولم يهذبها منهج القرآن، وسبيل الأنبياء وأولياء الرحمن، ولم تعرف معالم الطريق.- أول المعالم: (لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ): ففي حديث بدء الوحي: "قال ورقة: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"، فَقَالَ النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ... ) (متفق عليه). ويوم بيعة العقبة: قال ابن إسحاق: "إنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَامَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نَهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَةٌ، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلَى أَسْلَمْتُمُوهُ ، فَمِنَ الآنَ فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ عَلَى نُهْكَةِ الأَمْوَالِ وَقَتْلِ الأَشْرَافِ فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنَّا وَاللَّهِ نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأَمْوَالِ وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ قَالَ: "الْجَنَّةُ"، قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعُوهُ" (سيرة ابن هشام، 1/ 446).- ثاني المعالم: (صَبْرًا... فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ): المرحلة المكية حيث الاضطهاد والتعذيب والتشريد لكل مَن أسلم، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم: (صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، وعن خباب بن الأرت -رضي الله عنه- قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: (قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري).- ثالث المعالم (التربية والتصفية): قال الله -تعالى-: (مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (آل عمران:179)، وقال: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت:2-3)، وقال: (وَلَنَبْلُوَنَّ كُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155).- رابع المعالم (الابتلاء على قدر الدين): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَء، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ، فَلَهُ السُّخْطُ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).- تدابير في مواجهة الاضطهاد والأذى: (الصبر - كثرة التعبد والتنفل - الدعاء - التوكل - الاحتساب - الثقة في وعد الله)، قال -تعالى- لمحمد -صلى الله عليه وسلم-: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17)، وقال: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ . وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:97-99)، وقال عن نوح -عليه السلام-: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ . فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ . وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ . تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (القمر:9-15)، وقال عن موسى -عليه السلام-: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128)، وقال عن المضطهدين في الدنيا اذا دخلوا الجنة: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (فاطر:34-35).ثانيًا: الفقر والحاجة والظروف الاقتصادية:وهو مِن الأسباب والمؤثرات الشديدة على النفوس؛ بسبب السعي في المعايش الذي معه يتراجع الكثير ويقصِّر في الطاعات.- نعم... الفقر والحاجة فتنة شديدة على النفوس، حتى كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر الاستعاذة منه، فكان مِن دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني)، ويُؤثر عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "لو كان الفقر رجلًا لقتلته!".- ولكنه امتحان للمؤمنين لينالوا ثواب الآخرة: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِه، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ، فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ لا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَقَالَ: (أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (متفق عليه). - بل هي سنة عامة أتباع الرسل المتمسكين بطريقته: عن عبد الله بن مغفل قال: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ. فَقَالَ لَهُ: (انْظُرْ مَاذَا تَقُولُ)، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: (إِنْ كُنْتَ تُحِبُّنِي فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، فَإِنَّ الفَقْر أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ودخلت حفصة بنت عمر على عمر بن الخطاب يومًا، وقد أشفقت عليه مِن خشونة عيشه، فقالت: "يا أبتاه، قد فتح الله لك الفتوح، ومصر لك الأمصار، فهلا وسعت على نفسك شيئًا مِن عيشك هذا الخشن؟ فقال: والله، لا أخاصمك إلا إلى نفسك، أنسيت عيش رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أنسيت عيش أبي بكر؟ فوالله، إني لأرجو بعيشي هذا الخشن أن ألحق بهما في عيشهما الرخي، فبكت حفصة".- لا تحزن... فعظيم الأجر مع الفقر والطاعة والصبر: (الفقراء أكثر أتباع الأنبياء - أحب المؤمنين إلى الله ورسوله - أول مَن يرد الحوض - أول مَن يجوز الصراط - أول مَن يدخل الجنة - أكثر أهل الجنة).- آداب تهون عليك فتنة الفقر والحاجة: (حسن التوكل على الله - الرضا بما قسم الله - الاقتصاد في المعايش - النظر إلى مَن هو دونك مِن الفقراء الصالحين - الدعاء والتضرع - التصبر بانتظار الجنة) (انظر سلسلة مواعظ: رسائل المواساة الى أهل الفقر والمعاناة).- احرص على أن تكون بين المقتصدين والسابقين بالخيرات: (صلاة الفرض في جماعة لا سيما صلاة الفجر - صيام الاثنين والخميس - ورد قرآني يومي - تحصيل العلم بالوسائل المتاحة)، قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن:16)، (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة:286).وسيأتي معنا الحديث حول عوامل الثبات على الدين مِن المرة القادمة -إن شاء الله-، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.صوت السلف شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 9 ساعة الثبات (5)عوامل الثبات (1) الإقبال على القرآنكتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - التنبيه على أهمية الثبات، ووجوب العمل على تحصيل الأسباب المؤدية إلى الثبات، وهي كثيرة تأتي معنا تباعًا.- التنبيه على أنه قد جاءت الإشارة لبعض عوامل الثبات في طيات الكلام، وقد حان وقت الشروع في التفصيل.الإقبال على القرآن:1- القرآن أعظم أسباب الثبات:- القرآن العظيم مصدر تثبيت وهداية: وذلك لما فيه مِن قصص الأنبياء مع أقوامهم، ولما فيه مِن ذكر مآل الصالحين، ومصير الكافرين والجاحدين والمعاندين، ولما فيه مِن ذكر تثبيت الله ورسوله وأوليائه بأساليب متعددة، فالقارئ للقرآن بتدبر، يرزقه الله -تعالى- الثبات: قال: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:102).- الغاية التي مِن أجلها أنزل القرآن مفرقًا هي التثبيت للرسول -صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين: قال -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) (الفرقان:32).- لذا كان مِن كيد الكافرين والكارهين لتعاليم القرآن على مرِّ الزمان محاولات صرف المؤمنين عن القرآن: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت:26)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (لقمان:6).2- وجوه تثبيت القرآن:- القرآن سبب الهداية، والهداية نعمة وثبات: قال -تعالى-: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2)، وقال -تعالى-: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء:9).- القرآن يطهِّر القلوب، ويزيل عنها الهموم والمكدرات التي تؤثر على الثبات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم: (أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي) (رواه أحمد، وصححه الألباني).- القرآن سبب لنزول الرحمة والسكينة، والسكينة نعمة وثبات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُون َهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) (رواه مسلم). وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قَرَأَ رَجُلٌ الكَهْفَ، وَفِي الدَّارِ الدَّابَّةُ، فَجَعَلَتْ تَنْفِرُ، فَسَلَّمَ، فَإِذَا ضَبَابَةٌ، أَوْ سَحَابَةٌ غَشِيَتْهُ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: (اقْرَأْ فُلاَنُ، فَإِنَّهَا السَّكِينَةُ نَزَلَتْ لِلْقُرْآنِ، أَوْ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ) (متفق عليه)(1).- القرآن يرهب القلوب ويزجر النفوس، مما يعين على الثبات: قال -تعالى-: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) (الأنعام:19)، وقال: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23)، وقال: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) (ق:45). وذكر ابن هشام في السيرة قصة إيفاد قريش عتبة بن ربيعة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ليفاوضه على التخلي عن دعوته، وجعل يعرض عليه المال والمنصب ونحوه: فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَفَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْمَعْ مِنِّي، قَالَ: أَفْعَلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (حم . تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (فصلت:1-3)، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَهَا عُتْبَةُ أَنْصَتَ لَهَا وَأَلْقَى بِيَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا يَسْمَعُ مِنْهُ، حَتَّى انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟، قَالَ: فَأَنْتَ وَذَاكَ، فَقَامَ عُتْبَةُ إِلَى أَصحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ، فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ، قَالُوا مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟، قَالَ: وَرَائِي أَنِّي وَاللَّهِ سَمِعْتُ قَوْلا مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلا السِّحْرِ، وَلا الْكَهَانَةِ. يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَطِيعُونِي وَاجْعلُوهَا بِي، خَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ نَبَأٌ".وفي رواية: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صار يقرأ حتى وصل لقوله -تعالى-: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ) (فصلت:13)، فوضع عتبه يديه على فم النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلًا: "ناشدتك الله والرحم، هلا سكتّ!"؛ لأنه يعلم صدقه، وأن ما يقوله كائن.3- أهمية تدبر القرآن للثبات:- أرشد الله -عز وجل- إلى تدبر كتابه، والانتفاع بعلومه وهي كثيرة: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29)، وقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ? وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (النساء:82).نبذة حول الإعجاز البياني في القرآن:- في ختام الآيات: قال الأصمعي: "كنتُ أقرأ: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38)، فقرأتها: "والله غفور رحيم"، وبجانبي أعرابي فقال: كلام مَن هذا؟ فقلت: كلام الله. قال: أعد، فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، فقال: أصبتَ، هذا كلام الله، فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا، فقلت: من أين علمت؟ قال الأعرابي: يا هذا عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع" (آيات الأحكام للصابوني 1/ 545).- في فواتح الآيات: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا... ) (النور:1)، (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا... ) (المائدة:38)، بدأ بالمرأة في الزنا ترهيبًا لها لعدم حصوله بغير رضاها، وبدأ بالذكور في السرقة؛ لأنهم فيها أكثر، وهم عليها أجرأ وأجلد. (وجوه الإعجاز القرآني، ص 331).- في متشابه الآيات: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (الإسراء:31)، (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) (الأنعام:151)، فالأولى للأغنياء، والثانية للفقراء.4- خاتمة: - التمسك بالقرآن حصن مِن التراجع عن الثبات: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا، وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا) (رواه الطبراني في المعجم الكبير وابن حبان، وصححه الألباني).فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا.ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ــــ(1) قصة معاصرة: ذكر أحد الدعاة العرب أنه كان ضمن ستة مِن المسلمين على ظهر سفينة مصرية متجهة إلى نيويورك مِن بين 120 راكبًا وراكبة ليس فيهم مسلمون، فاستأذن الداعية قائد السفينة أن يقيموا صلاة الجمعة على ظهر السفينة، فوافق قائد السفينة، وقام الداعية بإلقاء الخطبة ثم الصلاة، وكان أكثر الركاب يقفون حولهم ينظرون ويعجبون، وبعد الانتهاء مِن الصلاة قاموا يهنئون المسلمين على القداس! فأخبرهم المسلمون أنه ليس قداسًا، وإنما هي صلاه الجمعة، ولكن كان مِن بيْن الحشد امرأة أوروبية يظهر عليها التأثر الشديد والانفعال حتى كانت عيناها تفيض بالدمع، وقالت: إن هذه اللغة ذات إيقاع عجيب وإن كنتُ لا أفهمها، ولكن الأعجب أنها جعلت تسأل عن أن بعض الجمل التي كان الخطيب يقولها تختلف عن سائر كلامه، وأنها ذات تأثير شديد على نفسها، وإنها كانت تحدث في نفسها قشعريرة ورعشة، فهي شيء آخر غير سائر كلامه، فتفكروا في مقصودها، فإذا هي تقصد الآيات القرآنية التي كان يذكرها الداعية أثناء الخطبة!" (جريدة الفتح 28 محرم 1435 هـ - مقال للشيخ: شحاتة صقر). شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 9 ساعة عوامل الثبات (2) مطالعة ودراسة قصص الأنبياء المقدمة: قصص الأنبياء من أعظم أسباب الثبات:- ورد في القرآن بكثرة، ليتكرر على مسامع وألسنة وقلوب المؤمنين: قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف: 111)، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام: 90).- فيه مواساة المؤمنين في كل زمان: قال -تعالى-: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120)، وقال: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ . إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ . وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات:171-173).- فيه التبشير بنصر الله لمَن اتبعهم واقتدى بهم: قال الله -تعالى-: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام:34)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).- قصص الأنبياء يحكي أعظم التجارب لأعظم البشر: قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (يوسف:111)، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام:90). - سيد الأنبياء يتأثر بقصص الأنبياء: عن ابن عباس قال: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: (شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالوَاقِعَةُ، وَالمُرْسَلَاتُ ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).(2) وقفات عابرة مع موكب الأنبياء:لقد امتلأت حياة الأنبياء وقصصهم بالمواقف والدروس المعينة على الثبات، وهذه ومضات من موكب النور في حياتهم وثباتهم -عليهم السلام- نمر عليها مرورًا سريعًا للإشارة الى أبرز الجوانب في دعوة كل نبي من المذكورين -عليهم السلام-.أولًا: نبي الله نوح -عليه السلام- وطول زمان الدعوة مع الاستمرار وعدم اليأس: "أول رسول لمواجهة الشرك - تكذيب قومه حتى كانوا يتواصون بذلك - كفر الزوجة والولد - التهديد والوعيد من المكذبين - اللجوء الله والاستنصار به - الأمر ببناء السفينة وسخرية القوم - حلول الطوفان وهلاك القوم الكافرون"، (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) (العنكبوت:14)، (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (نوح:5-6)، (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ . وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (هود:36-37)، (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ . لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) (الحاقة:11-12)، تأمل قوله -تعالى-: (حَمَلْنَاكُمْ) ولم يقل: حملناهم، تبشيرًا للمؤمنين في كل زمان!ثانيًا: نبي الله إبراهيم -عليه السلام- ومواجهة ألوان مِن المشركين مع الابتلاء العظيم: "مواجهة البيئة الشركية المكذبة - محاولة قتله حرقًا - الهجرة فرارًا بالدين والنفس - مواجهة النمرود مدعى الربوبية - مواجهة الملك المصري الظالم وتعرض زوجته لمحنة عظيمة - الأمر بالهجرة الى جبال فاران وترك الولد وأمه هناك - الامتحان بذبح الولد - التكليف ببناء البيت العتيق والنداء لأول حج في العالمين: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) (البقرة:124)، (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِين) (الأنبياء: 68-70)، (وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت:26)، (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (ابراهيم:37)، (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى) (الصافات:102)، (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27). ثالثًا: نبي الله أيوب -عليه السلام- والصبر على البلاء وشدة القضاء: "انتشار المرض في سائر جسده إلا اللسان - موت جميع الأبناء الواحد بعد الآخر- ضياع المال فلم يبقَ منه شيء - خروج زوجة النبي تخدم الناس لتطعمه - تغير الناس منه وهجر الأصحاب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 83-84).رابعًا: نبي الله يوسف -عليه السلام- والصبر على الظلم، والمثل العظيم على العفة: "حسد الأخوة يتسبب في إبعاده عن والديه في الصغر وما تبعه من محن - محنة البئر ثم الرق - محنة القصر وفتنة النسوة - محنة السجن ظلمًا - مرحلة التمكين والسلطان - لقاء الأخوة والصفح الجميل - اجتماع الشمل والنهاية السعيدة - تمنى ما عند الله: (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ) (يوسف:7)، (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف:18)، (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (يوسف:23)، (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف:39)، (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف:87)، (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100).خامسًا: نبي الله موسى -عليه السلام- يواجه طاغية العالم ويعاني خذلان الأتباع: "ظروف الولادة الصعبة - المنشأ في بيت فرعون الذى يحرِّض على قتله - الفرار بالنفس الى مدين - العودة والبعثة - التكذيب والتهديد والوعيد من الفرعون - الفرار ببنى إسرائيل من مصر- هلاك الفرعون والتمكين للمؤمنين - فتنة العافية وتمرد الأتباع وتخاذل الأنصار عن نصرة الدين: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (القصص:4)، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:5-6)، (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) (الشعراء:61-62)، (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (الأعراف:138)، (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ . قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:24-25).سادسًا: سيد الأنبياء محمد -صلى الله عليه وسلم- وجهاد الدعوة والمعاناة حتى التمكين. هذا هو موضوع حديثنا في المرة القادمة -إن شاء الله-، فإن السيرة النبوية مِن أعظم عوامل الثبات.فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك. شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 9 ساعة الثبات (7) عوامل الثبات (3) مطالعة ودراسة السيرة النبويةكتبه/ سعيد محمودالحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - سبق أن سيرة الأنبياء مِن أعظم أسباب الثبات: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (هود:120).- سيرة سيد الرسل أعظم السير وأكثرها إعانة على الثبات: (تفاصيل حياة النبي صلى الله عليه وسلم - انفراد الأمة بعلم الرواية والسند).- سيرة سيد الرسل جاء الأمر الصريح بالاقتداء بما جاء بها: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21)، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) (الحشر:7).- حاجة الأمة ماسة إلى معرفة سيرته واتباع طريقته في زمان كل يدَّعي فيه المحبة والموالاة: قال الشاعر: كل يدَّعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك- مِن أعظم أسباب ضعف الأمة الآن هو الجهل بسيرة نبيها وترك العمل بها: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63).وجوه التثبيت مِن السيرة النبوية:- للسيرة وجوة كثيرة في تثبيت أتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- المطالعين لها والدارسين لمنهجه مِن خلالها، نقف على بعضها.أولًا: مطالعة السيرة ومدارستها تزيد المحبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وزيادة المحبة ثبات:- المطالع للسيرة يجد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شخصيته فريدة تُحب مِن الوجهين: الشرعي والإنساني، فقد جمع الله له أعظم صفات الكمال البشري، حيث بلغ القمة في كل الفضائل والشمائل، من النبل والشرف، والصدق والعفة، وكل الصفات التي تجذب القلوب وتأسرها، قال -تعالى-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، وقالت خديجة -رضي الله عنها-: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ" (متفق عليه)، "وكانت العرب تلقبه قبل البعثة بالصادق الأمين".- بل الجمادات كانت تحبه وتبكي لفراقه: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى جِذْعٍ مَنْصُوبٍ فِي الْمَسْجِدِ فَيَخْطُبُ النَّاسَ، فَجَاءَهُ رُومِيٌّ فَقَالَ: أَلَا أَصْنَعُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ وَكَأَنَّكَ قَائِمٌ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا لَهُ دَرَجَتَانِ وَيَقْعُدُ عَلَى الثَّالِثَةِ، فَلَمَّا قَعَدَ نَبِيُّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى ذَلِكَ الْمِنْبَرِ خَارَ الْجِذْعُ كَخُوَارِ الثَّوْرِ حَتَّى ارْتَجَّ الْمَسْجِدُ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْمِنْبَرِ فَالْتَزَمَهُ وَهُوَ يَخُورُ فَلَمَّا الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَكَنَ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه الدارمي، وقال الألباني: إسناده جيد).ثانيًا: مطالعة السيرة تبعث على الاقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، والاقتداء ثبات:- المطالع للسيرة يجد أنها اشتملت على جميع نواحي حياته -صلى الله عليه وسلم- بأدق التفاصيل، بما لا يعرف لنبي سبق: قال اليهودي لسلمان -رضي الله عنه-: "قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ" (رواه مسلم).- المطالع للسيرة يجد المثال الأعظم والأعلى في كل المجالات متمثلًا في أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الزوج والأب والأخ، والعابد والزاهد، والقائد، والقاضي، والعالم والداعي، والمقاتل والسياسي، إلخ" (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21).- مَن ادَّعى محبته، فضلًا عن محبة الله فعليه بالاتباع والاقتداء ولو خالف هواه: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران:31)، وقال عمر -رضي الله عنه-: "إنِّي لأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ، لا تَضُرُّ وَلا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (متفق عليه).ثالثًا: مطالعة السيرة ودراستها زاد للعلماء والدعاة، والتزود من السيرة ثبات:- المطالع للسيرة يستشعر الجهد العظيم الهائل الذي بذله النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة إلى الله من أول لحظة إلى آخر لحظة: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر:1)، (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3)، وقال في خطبة الوداع: (وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) (رواه مسلم).- مِن السيرة يتزود الدعاة بأساليب الدعوة المناسبة لكل حال وزمان: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (النساء:77)، (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) (البقرة:193).- يتزود الدعاة بما يدلهم على مواضع تنزيل الأحكام في مواضعها الصحيحة: (المكي والمدني - أسباب النزول - تفصيل المجمل من القرآن): "آية مدنية متأخرة وإن كان ظاهرها العكس"، (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) (التوبة:40)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) (متفق عليه)، وقال: (خذوا عنى مناسككم) (رواه مسلم). رابعًا: مطالعة السيرة زاد للقادة والسياسيين:- المطالع للسيرة يرى كيف كان النبي القائد -صلى الله عليه وسلم- يعامِل كلَّ مَن تحته، بحسب ظروف الوقت والمكان والقوة والضعف بما يناسب ذلك: (في فترات الضعف لا يغامر بأصحابه فيهلكهم ولو وصل الأمر إلى الهجرة - وفي فترات القوة يتصرف بحكمه مع أعدائه حيث المعارك والغزوات، والمعاهدات والمصالحات).- المطالع للسيرة يرى كيف أسس النبي -صلى الله عليه وسلم- نظام الخلافة الإسلامية ووجوب اجتماع الأمة والتحذير من الخلاف: قال -صلى الله عليه وسلم-: (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) (رواه البخاري)، (فَعَلَيْكُمْ بسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلُفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ ، عضُّوا عَلَيْهَا بالنَّواجِذِ... ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).خامسًا: السيرة منهج التغيير لسبيل النصر والتمكين:- المطالع للسيرة يجد شبهًا كبيرًا بين الواقع الذي بُعث عنده النبي -صلى الله عليه وسلم- وأحوال زماننا، حيث كان العالم يعيش حياة الجاهلية في كل نواحي الحياة الدينية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) (رواه مسلم).- النبي -صلى الله عليه وسلم- يغير الواقع مبتدئًا بالقاعدة لا الرأس كما هي المناهج الصدامية المتعجلة: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) (النساء:77)، وقال -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في مكة: (وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) (رواه البخاري)، (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد:11).خاتمة:- إن مطالعة السيرة النبوية ومدارستها لهو نوع معايشة للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام، وكل ذلك من أسباب الثبات.نسأل الله أن يثبتنا على طاعته حتى نلقى الأحبة محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وصحبه. شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
امانى يسرى محمد 329 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة منذ 9 ساعة الثبات (8)عوامل الثبات (4) الرفقة الصالحةكتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الصالحون يراقب ويتعاهد بعضهم بعضًا، فإذا ضعف أحدهم أو انحرف، أو تعرض لفتنةٍ، هبُّوا لمساعدته والوقوف بجانبه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). - الصالحون إذا نسيتَ ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك: قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إخواننا أحب إلينا مِن أهلينا وأولادنا؛ لأن أهلنا يذكروننا الدنيا، وإخواننا يذكروننا الآخرة" (قوت القلوب لأبي طالب المكي).- الصالحون قوة وعون على فعل الطاعات، ومواجهة المحن والأزمات: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا) (طه:29-35). (1) فضل الرفقة الصالحة وخطر الرفقة الفاسدة: - وجوب الحرص على مرافقة الصالحين، واجتناب الغافلين والفاسدين: قال -تعالى-: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28). - الرفقة الصالحة نفع وخير وصلاح، والرفقة الفاسدة ضرر وشر وفساد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) (متفق عليه)، وفي حديث قاتل المائة نفس: (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ) (رواه مسلم). - احذر الرفقة الفاسدة، وإلا كان الندم: قال -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان:27-29). - كثرة المخالطة تجلب المشابهة؛ فاحذر التأويلات الفاسدة في مرافقة الفاسدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني). وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "رفيق التقوى صادق، ورفيق المعاصي غادر"(1).وقال الشاعر: فـلا تـصاحـب أخـا الـجـهـل وإيـاك وإيـاه فكم مِن جاهل أردى حليمًا حين أخاه(2)(2) أثر الرفقة الصالحة في التثبيت: - سبق أن الصالحين يراقب بعضهم بعضًا، ويتفقد بعضهم بعضًا؛ فإذا تعرض أحدهم لفتنة هبوا لمساعدته بالتثبيت والإعانة بما يستطيعون، وإليك بعض الصور والأحداث الدالة على أهمية تثبيت المسلم لأخيه. 1- تثبيت عمر بن الخطاب لرجلٍ مِن أهل الشام قد فُتن بشرب الخمر: - قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله -تعالى-: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (غافر:3): "عن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، يتابع في هذا الشراب. قال: فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب: مِن عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير، ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه، وأن يتوب الله عليه. فلما بلغ الرجل كتاب عمر جعل يقرؤه ويردده، ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي. ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر -رضي الله عنه- خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه" (تفسير ابن كثير).2- تثبيت العلماء والصالحين الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن: - ذكر الذهبي -رحمه الله- في السير: "أن أحمد بن حنبل لما حُمل إلى المأمون، كان معه محمد بن نوح، وكان قد مات في الطريق، وكان مِن كلامه لأحمد: "يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لستَ مثلي، أنت رجل يُقتدى بك، قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتقِ الله، واثبت لأمر الله".- وقال الذهبي -رحمه الله- أيضًا: "قال أبو جعفر الأنباري: لما حُمل أحمد إلى المأمون، أخبرت فعبرت الفرات، فإذا هو جالس في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر، تعنيت. فقلت: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن، ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب، ليمتنعن خلق من الناس كثير. ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لا بد مِن الموت، فاتقِ الله ولا تجب. فجعل أحمد يبكي، ويقول: ما شاء الله. ثم قال: يا أبا جعفر، أعد علي فأعدت عليه، وهو يقول: ما شاء الله". - ولما وضع الإمام أحمد في السجن قال: "لست أُبالي بالحبس ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلًا بالسيف، إنما أخاف فتنة السَّوط، فسمعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله، فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سري عنه". 3- تثبيت القاضي الفاضل صلاح الدين الأيوبي في حرب الصليبيين: كان صلاح الدين محاصرًا الصليبيين في عكا ثلاث سنوات متصلة، في أحوال عصيبة، وقوارع مخيفة، وقد أستبطأ النصر، فجعل وزيره ومستشاره القاضي الفاضل يرسل إليه مِن مصر رسائل التثبيت المعينة على الصبر وانتظار النصر من الله -عز وجل-، وهذا مقطع مِن إحداها، قال: ... يا مولانا، أليس الله -تعالى- اطلع على قلوب أهل الأرض فلم يؤهّل ولم يستصلح، ولم يختر ولم يُسهل، ولم يستعمل، ولم يستخدم في إقامة دينه وإعلاء كلمته وتمهيد سلطانه وحماية شعاره وحفظ قبلة موحديه، إلا أنت، هذا وفي الأرض مَن هو للنبوة قرابة، ومَن له المملكة وراثة، ومَن له في المال كثرة، ومَن له في العدد ثروة، فأقعدهم وأقامك، وكسَّلهم ونشَّطك، وقبضهم وبسطك، وحبب الدنيا إليهم وبغَّضها إليك، وصعّبها عليهم وهونها عليك، وأمسك أيديهم وأطلق يدك، وأغمد سيوفهم وجرّد سيفك، وأشقاهم وأنعم عليك، وثبطهم وسيرك: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) (التوبة:46)، وجعل يبشِّره بالنصر القريب" (انظر: البداية والنهاية، وسير أعلام النبلاء). - العلماء والدعاة أعظم رفقة تعين على الثبات: قال ابن القيم -رحمه الله- وهو يتكلم عن شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله: "وكُنَّا إذا اشتَدَّ بنا الخَوفُ، وساءَتْ مِنَّا الظُّنونُ، وضاقَتْ بنا الأرضُ؛ أتَيْناه، فما هو إلَّا أنْ نراه ونَسمَعَ كَلامَه؛ فيَذهَبَ ذلك كُّله، ويَنقَلبَ انشراحًا وقوَّةً ويقينًا وطُمَأْنينةً!" (الوابل الصيب من الكلم الطيب).خاتمة: عاقبة مرافقة الصالحين: - أنت بينهم سالم رابح، ولو كنت مِن المقصِّرين: ففي حديث الملائكة السيارة: (فَيَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمْ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (متفق عليه). - مرافقة الصالحين ومحبتهم تجعلك معهم في الجنة ولو كنت دونهم في الأعمال: عن أنس -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلا قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قَالَ: لا، إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: (فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ)، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ بَعْدَ الإِسْلامِ فَرَحَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ: (إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ). قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ وَإِنْ كُنْتُ لا أَعْمَلُ بِأَعْمَالِهِمْ. (متفق عليه). فاللهم إنا نسألك مرافقة الأنبياء، والصحابة، والصديقين والصالحين والشهداء في جنات النعيم.ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(1) كثير مِن رفقاء السوء عند الاختلاف يتحول الى عدوٍّ لدودٍ، ويحمل راية الحرب على مَن كان صاحبًا له. (2) لا منافاة بين اجتناب الفاسدين وعدم مصاحبتهم، وبين جعلهم محلًّا لدعوتنا. شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك