اذهبي الى المحتوى
امانى يسرى محمد

ابتلاءات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)

المشاركات التي تم ترشيحها

 


أبو إسلام أحمد بن علي

وبعد:
حبيبنا وشفيعنا وسيدنا النبي الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- هو النموذج الأعظم في الابتلاء, ليس فقط للمسلمين ولكن للعالم أجمع, فلو استعرضنا حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ ولادته وحتى وفاته -صلى الله عليه وسلم- نراه قد مرَّت به جميع الابتلاءات التي قد يتعرَّض لها بشر.

قال الله تعالى:
(ولنبلونّكم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) البقرة: 155.



أكثر ابتلاءات الله تعالى تكون في الصالحين, يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) صحيح الجامع – صححه الألباني.


فقد مرَّت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- جميع هذه الابتلاءات:

(1) ابتلاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بكونه ولد يتيم الأب
(2) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بعد ولادته بإعراض المراضع عنه
(3) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بواقعة شق صدره
(4) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بموت أولاده
(5) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بنزول الوحي
(6) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بانقطاع الوحي عنه
(7) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بكيفية نزول الوحي
(8) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بالخوف من إفشاء دعوته
(9) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- عند الجهر بالدعوة
(10) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بقول الكفار فيه بأنه كاهن أو مجنون أو شاعر أو
(11) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بسخرية وتحقير واستهزاء وتكذيب وضحك الكفار منه
(12) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بإثارة الشبهات حوله وتكثيف الدعايات الكاذبة
(13) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- باضطهاد من آمن برسالته
(14) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بقدوم أشراف قريش لعمه أبوطالب لإثنائه عن دعوته للإسلام
(15) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- باعتداء كفار مكة عليه
(16) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بحصار الكفار لبني هاشم وبني عبد المطلب في شعب أبي طالب
(17) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بموت عمه أبو طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها
(18) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بإيذاء أهل الطائف وقذفه بالحجارة عند دعوتهم للإسلام
(19) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بمؤامرة قتله وخروجه من مكة مهاجراً إلى المدينة
(20) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بالمنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول
(21) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بالغزوات التي غزاها لنشر الدعوة الإسلامية
(22) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بمؤامرة لاغتياله
(23) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بكسر رباعيته وشق شفته وجرح وجنته في موقعة أحد
(24) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بمقتل عمه حمزة بن عبد المطلب
(25) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بقتل أصحابه في بئر معونة
(26) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بحصار الكفار واليهود للمدينة المنورة في غزوة الأحزاب
(27) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- لهدم العقائد الفاسدة السائدة في المجتمع
(28) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بحديث الإفك
(29) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية
(30) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بوضع السم في طعامه
(31) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بوضع السيف على رقبته لقتله
(32) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بفتح مكة
(33) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين
(34) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- عند تقسيم غنائم غزوة حنين
(35) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- مع أزواجه
(36) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- وهو في مرض الموت

------------------


ابتلاءات النبي -صلى الله عليه وسلم-
هيا بنا نستعرض الابتلاءات التي مَرَّ بها حبيبنا وسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- من ولادته وحتى وفاته -صلى الله عليه وسلم-.

(1) ابتلاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بكونه وُلِدَ يتيم الأب
وُلِدَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يتيم الأب, فقد مات أبوه عبد الله بن عبد المطلب قبل ولادته -صلى الله عليه وسلم-, وهذا من أعظم الابتلاءات لمن يفتح عينيه على الحياة ويشب وينظر حوله فلم يجد له أب يعينه على مصاعب الحياة, ويخفف عنه ما يلقاه من شرور, ويقف بجانبه ويحميه من مكائد الكائدين, ويصبر على تربيته وتعليمه ولكنها حكمة الله تعالى الذي رباه وعلمه وكلأه وحماه ورعاه, فلم تكن رعاية وتعليم بشر ولكنها رعاية وحماية الله تعالى له.

** فحين حملت به أمه به توفي أبوه عبدالله وهو حمل في بطنها على المشهور.

قال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر -وهو الواقدي- حدثنا موسى بن عبيدة اليزيدي وحدثنا سعيد بن أبي زيد عن أيوب بن عبدالرحمن بن أبي صعصعة قال: خرج عبدالله بن عبدالمطلب إلى الشام إلى غزة في عير من عيران قريش يحملونه تجارات، ففرغوا من تجاراتهم ثم انصرفوا فمروا بالمدينة وعبدالله بن عبدالمطلب يومئذ مريض، فقال: أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار، فأقام عندهم مريضاً شهراً ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم عبدالمطلب عن ابنه عبدالله؟ فقالوا: خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض فبعث إليه عبدالمطلب أكبر ولده الحارث فوجده قد توفي ودفن في دار النابغة فرجع إلى أبيه فأخبره، فوجد عليه عبدالمطلب وأخوته وأخواته وجداً شديداً، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذ حمل ولعبدالله بن عبدالمطلب يوم توفي خمس وعشرون سنة.

قال الواقدي:
هذا هو أثبت الأقاويل في وفاة عبدالله وسنه عندنا.

قال الواقدي:
وحدثني معمر عن الزهري: أن عبدالمطلب بعث عبدالله إلى المدينة يجمع لهم تمراً فمات.

قال محمد بن سعد:
وقد أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه وعن عوانة بن الحكم قالا: توفي عبدالله بن عبد المطلب بعد ما أتى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثمانية وعشرون شهراً، قيل: سبعة أشهر.

وقال محمد بن سعد:
والأول أثبت: أنه توفي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- حمل.

وقال الزبير بن بكار:
حدثني محمد بن حسن عن عبدالسلام عن ابن خربوذ قال: توفي عبدالله ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ابن شهرين، وماتت أمُّه وهو ابن أربع سنين ومات جده وهو ابن ثماني سنين، فأوصى به إلى عمه أبي طالب.

والذي رجحه الواقدي وكاتبه الحافظ محمد بن سعد:
أنه عليه الصلاة والسلام توفي أبوه وهو جنين في بطن أمِّهِ وهذا أبلغ اليُتم وأعلى مراتبه.
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ ؛؛؛؛؛؛؛؛؛


 
(2) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بعد ولادته بإعراض المراضع عنه
توفي والد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد المطلب وهو ابن شهرين وقيل وهو حَمْلٌ وقيل غير ذلك، ثم أرضعته حليمة فكان من قصة رضاعه من حليمة ما يلي قالت حليمة: خرجت في نسوة من بني سعد بن بكر نلتمس الرُّضَعَاء بمكة على أتان لي قَمْرَاء في سنةٍ شَهْبَاء لم تبق شيئًا، ومعي زوجي ومعنا شارف لنا، والله إن تَبِضّ لنا بقطرة من لبن، ومعي صبي لي لا ننام ليلتنا من بكائه ما في ثديي ما يغنيه، فلما قدمنا مكة لم يبق منا امرأة إلا عُرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، وإنما كنا نرجو كرامة الرضاعة من والد المولود، وكان يتيمًا، وكنا نقول يتيمًا ما عسى أن تصنع أمه به، حتى لم يبق من صواحبي امرأة إلا أخذت صبيًّا غيري، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئًا وقد أخذ صواحبي، فقلت لزوجي: والله لأَرجِعَنَّ إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قالت: فأتيته فأخذته ورجعت إلى رحلي، فقال زوجي: قد أخذتيه؟ فقلت: نعم والله، وذلك أني لم أجد غيره، فقال: أصبت فعسى الله أن يجعل فيه خيرًا، فقلت: فوالله ما هو إلا أن جعلته في حِجري فأقبل عليه ثديي بما شاء الله من اللبن فشرب حتى رَوِي وشرب أخوه -تعني ابنها- حتى رَوِيَ، وقام زوجي يلي شارفنا من الليل فإذا بها حافل فحلبنا من اللبن ما شئنا وشرب حتى روي، وشربت حتى رويت، وبتنا ليلتنا تلك شباعًا رواءً وقد نام صبياننا. قالت: قال أبوه "تعني زوجها": والله يا حليمة ما أراك إلا قد أصبحت نَسَمَةً مباركة قد نام صبياننا.

قالت: ثم خرجنا قالت: والله لَخرجت أتاني أمام الركب إنهم ليقولون: ويحكِ كُفّي عنا، أليست هذه بأتانك التي خرجت عليها؟ فأقول: بلى والله، وهي قِدَّامُنَا حتى قدمنا منازلنا من حاضر بني سعد بن بكر فقدمنا على أجدب أرض، والذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليُسْرِحونَ أغنامهم إذا أصبحوا، ويُسرّح راعيّ غنمي فتروح بِطانًا لُبَّنًا حُفَّلاً، وتروح أغنامهم جياعًا ما بها من لبن.

قالت: فنشرب ما شئنا من اللَّبن وما في الحاضر أحد يحلب قطرة ولا يجدها فيقولون لرعائهم: ويلكم ألا تُسَرّحُون حيث يُسرح راعي حليمة؟ فيُسَرّحون في الشّعب الذي نُسرح فتروح أغنامهم جياعًا ما بها من لبن، وتروح غنمي لُبَّنا حُفَّلاً.

وكان صلى الله عليه وسلم يشب في اليوم شباب الصبي في الشهر، ويشب في الشهر شباب الصبي في سنة، فبلغ سنة وهو غلام جَفر، قالت: فقدمنا على أمه فقلت لها أو قال لها أبوه: رُدي علينا ابني فلنرجع به فإنا نخشى عليه وباء مكة، قالت: ونحن أضنُّ شيء به مما رأينا من بركته. قالت: فلم نَزَلْ حتى قالت: ارجعا به، فرجعنا به فمكث عندنا شهرين.
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ ؛؛؛؛؛؛؛؛؛


(3) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بواقعة شق صدره
اتفق الشيخان على حديث قتادة، عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة في حديث المعراج في شق بطن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- واستخراج ما أخرج منه، وقد أتى به ثابت البناني، عن أنس دون ذكر مالك بن صعصعة خارج المعراج بزيادات ألفاظ كما حدثناه علي بن حمشاذ العدل، ثنا أبو مسلم، ومحمد بن يحيى القزاز، قالا: ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، أنبأ ثابت البناني، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، أتاه جبريل وهو يلعب مع الصبيان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، قال: فغسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لامه ثم أعاده في مكانه، قال: وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا: إن محمداً قد قتل، فأقبلت ظئره تريده فاستقبلها راجعاً وهو منتقع اللون قال أنس: وقد كنا نرى أثر المخيط في صدره (صحيح الإسناد ولم يخرجاه - المستدرك على الصحيحين).

وفي صحيح ابن حبان في قصة مرضعته حليمة السعدية قالت:
فبينا هو وأخوه يومًا خلف البيوت يرعيان بَهْمًا لنا إذ جاء أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: أدركا أخي القرشي فقد جاءه رجلان فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجنا نشتد فانتهينا إليه وهو قائم منتقع اللون، فاعتنقه أبوه واعتنقته ثم قلنا: أيْ بنيّ، قال: أتاني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني ثم شقا بطني، فوالله ما أدري ما صنعا.

قالت: فاحتملناه ورجعنا به، يقول أبوه: يا حليمة ما أرى هذا الغلام إلا قد أصيب، فانطلقي فلنرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف عليه قالت: فرجعنا به، قالت أمه: فما يردُّكما به وقد كنتما حريصين عليه، قالت: فقلت: لا والله إلا أنَّا قد كفلناه وأدينا الحق الذي يجب علينا فيه ثم تخوفنا الأحداث عليه، فقلنا يكون في أهله، قالت أمه: والله ما ذاك بكما فأخبراني خبركما وخبره، قالت: فوالله ما زالت بنا حتى أخبرناها خبره، قالت: فتخوفتما عليه؟ كلا والله إن لابني هذا شأنًا ألا أخبركما عنه؟ إني حملت به فلم أحمِل حملاً قط كان أخف عليّ ولا أعظم بركة منه ثم رأيت نورًا كأنه شِهاب خرج مني حين وضعته أضاءت له أعناق الإبل ببُصرى ثم وضعته فما وقع كما تقع الصبيان، وقع واضعًا يديه بالأرض رافعًا رأسه إلى السماء، دعاه والحَقا شأنكما.

وفي السلسلة الصحيحة:
أخبرنا نعيم بن حماد حدثنا بقية عن بحير عن خالد بن معدان حدثنا عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن عتبة بن عبد السلمي أنه حدثهم وكان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له رجل كيف كان أول شأنك يا رسول الله قال كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ معنا زادا فقلت يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال الآخر نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين فقال أحدهما لصاحبه ائتني بماء ثلج فغسل به جوفي ثم قال ائتني بماء برد فغسل به قلبي ثم قال ائتني بالسكينة فذره في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه حصه فحاصه وختم عليه بخاتم النبوة ثم قال أحدهما لصاحبه اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم فقال لو أن أمته وزنت به لمال بهم ثم انطلقا وتركاني قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفرقت فرقا شديدا ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت فأشفقت أن يكون قد التبس بي فقالت أعيذك بالله فرحلت بعيرا لها فجعلتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغتنا إلى أمي فقالت أديت أمانتي وذمتي وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك وقالت إني رأيت حين خرج مني يعني نورا أضاءت منه قصور الشام.

شق صدر الرسول قبل رحلة الإسراء والمعراج:
مهد الله تعالى لرحلة الإسراء والمعراج العظيمة بشقِّ صدر النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال أنس بن مالكٍ عن مالك بن صعصعة -رضي الله عنهما- أنَّ نبيَّ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ- مُضْطَجِعًا، إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ -قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ- مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ -فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهْوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ- فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي ثُمَّ حُشِيَ(البخاري: كتاب فضائل الصحابة، باب المعراج).

وفي شَقِّ صدره -صلى الله عليه وسلم- يقول ابن حجر:
وقد استنكر بعضهم وقوعَ شَقِّ الصدر ليلة الإسراء، وقال: إنما كان ذلك وهو صغير في بني سعد، ولا إنكار في ذلك، فقد تواردت الروايات به.

وثبت شقُّ الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في "الدلائل"، ولكل منها حكمة؛ فالأوَّل وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس: "فأخرج علقةً، فقال: هذا حظُّ الشيطانِ منك".

وكان هذا في زمن الطفولة، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع شقُّ الصدر عند البعث زيادة في إكرامه ليتلقَّى ما يُوحَى إليه بقلب قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شقُّ الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهَّب للمناجاة، ويُحْتَمَل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرَّة الثالثة كما تقرَّر في شرعه -صلى الله عليه وسلم-، ويُحتمل أن تكون الحكمة في انفراج سقف بيته الإشارة إلى ما سيقع من شقِّ صدره، وأنه سيلتئم بغير معالجة يتضرَّر بها.

وجميع ما ورد من شقِّ الصدر واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة ممَّا يجب التسليم له دون التعرُّض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك، قال القرطبي في (المفهم): لا يُلْتَفَتْ لإنكار الشقِّ ليلة الإسراء؛ لأن رواته ثقات مشاهير. ثم ذكر نحو ما تقدم (فتح الباري).

 

؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ ؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛ ؛؛؛؛؛؛؛؛؛

(4) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بموت أولاده
من أعظم الابتلاءات التي يبتليها الله تعالى لعباده هو موت الأولاد في أثناء حياة الآباء, وهذا الابتلاء العظيم مر به النبي -صلى الله عليه وسلم- ستة مرات, فقد مات له -صلى الله عليه وسلم- أثناء حياته ستة من الأبناء, ثلاثة من الذكور وثلاثة من الإناث, فمن يطيق من البشر هذا الابتلاء العظيم إلا حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-, فعلى قدر الابتلاء يعطي الله تعالى الدرجة.

وأبناء الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذين توفاهم الله تعالى في حياته هم:
القاسم:
وهو أول أولاده من زوجته خديجة بنت خويلد, ولد له قبل النبوة ومات بعد أن بلغ سنًا تمكنه من المشي.

غير أن رضاعته لم تكن قد اكتملت. ويُقال أنه توفي سنة 605م قبل أن يتم عامه الثاني.

إبراهيم:
وتوفي بعد سبعين يوماً من مولده.

عبد الله:
ويلقب بالطيب والطاهر، وقد مات صغيراً.

وأمَّا بناته -صلى الله عليه وسلم- الذين توفاهن الله تعالى في حياته فهن:
زينب:
وهي أكبر بناته، أدركت الإسلام وأسلمت ثم أسلم زوجها وهو ابن خالتها أبو العاص لقيط الربيع.

رقيّة:
وزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنهما.

أم كلثوم:
تزوجها عثمان أيضاً بعد وفاة أختها رقية.

أمَّا فاطمة الزهراء:
وزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنهما, فهي الوحيدة من أولاده -صلى الله عليه وسلم- التي ماتت بعده بستة أشهر.

وكل أولاده -صلى الله عليه وسلم- من خديجة رضي الله عنها، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.

وأولاده كلهم ولدوا قبل النبوة، إلا فاطمة فبعد النبوة بسنة، وإلا إبراهيم، فإنه ولد في السنة الثامنة من الهجرة.

وقد يسأل سائل لماذا لم يعش لرسول -صلى الله عليه وسلم- ذكوراً بعد وفاته؟
والسبب هو:
إن ابن النبي لا بد وان يكون نبياً ولو عاش ولدٌ من أبنائه -صلى الله عليه وسلم- لكان نبياً بعده ولو كان نبياً بعده ما كان هو -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمُرسلين إنها حكمة الرَّبِّ سبحانه وتعالى البالغة ودقته عز ثناؤه المتناهية في العظمة وسمو الرفعة في التقدير ولذا قرر القرآن العظيم هذه الحكمة وأجاب على المستفسرين وردع الشامتين بقول الحق عز وجل: (إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر) صدق الله العظيم.

والمعنى:
أي كيف تكون الأبتر وقد رفع الله تعالى لك ذكرك يا رسول الله في الأذان والإقامة والصلاة؟ وكيف أبتر وقد أعطيتك الكوثر؟ وهو نهر في الجنة والقرآن وهو معجزتك الخالدة؟ لا يا رسول الله أنت خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد بيَّن القرآن العظيم هذه الحكمة البالغة أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يوجد ليكون أباً لأحَدٍ من الرجال وإنما ليكون خاتم النبيين.

قال تعالى:
(ما كان محمدٌ أبا أحَدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) سورة الأحزاب: 40.

إن الأبتر الحقيقي هو الذي يضايقك بهذا القول لأنه لن ينفعه أولاده ولا أمواله وليس له بعد موته إلا الخلود في العذاب الأليم: (إن شانئك هو الأبتر) إن الذي يغضبك بهذا القول هو المقطوع الذكرى حيث لا عمل صالح له ولا قيمة ولا رجاء ومصيره جهنم وبئس المهاد.

يتبع
 
تم تعديل بواسطة امانى يسرى محمد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(5) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بنزول الوحي


ولَمَّا تكامل للنبي -صلى الله عليه وسلم- أربعون سنة -وهي رأس الكمال، وقيل‏: ولها تبعث الرسل- بدأت طلائع النبوة تلوح وتلمع، فمن ذلك أن حجرًا بمكة كان يسلم عليه، ومنها أنه كان يرى الرؤيا الصادقة؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، حتى مضت على ذلك ستة أشهر -ومدة النبوة ثلاث وعشرون سنة، فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة- فلما كان رمضان من السنة الثالثة من عزلته -صلى الله عليه وسلم- بغار حراء شاء الله أن يفيض من رحمته على أهل الأرض، فأكرمه بالنبوة، وأنزل إليه جبريل بآيات من القرآن‏.
‏
ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي الله عنها تروى لنا قصة هذه الوقعة التي كانت نقطة بداية النبوة، وأخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال حتى غيرت مجرى الحياة، وعدلت خط التاريخ، قالت عائشة رضي الله عنها‏.‏

أول ما بدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيَتَحَنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال‏: اقرأ‏: قال‏: ‏ما أنا بقارئ‏، قال‏: ‏فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني، فقال‏: اقرأ، قلت‏: ما أنا بقارئ، قال‏: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني فقال‏: اقرأ، فقلت‏: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال‏: ‏(‏اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ‏) (‏العلق‏: ‏1‏: 3‏)‏‏، فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال‏: (‏زَمِّلُونى زملونى‏)‏، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة‏: ‏ما لي‏؟‏‏ فأخبرها الخبر،‏لقد خشيت على نفسي‏‏، فقالت خديجة‏: كلا، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة -وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي- فقالت له خديجة‏: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة‏: يابن أخي، ماذا ترى‏؟‏ فأخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبر ما رأي، فقال له ورقة‏: هذا الناموس الذي نزله الله على موسى، ياليتني فيها جَذَعا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏: ‏أو مخرجيّ هم‏؟‏‏ قال‏: ‏نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يَنْشَبْ ورقة أن توفي، وفَتَر الوحي‏.



(6) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بانقطاع الوحي عنه
فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة بدء الوحي وذهاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل أن الوحي فتر مدة ثم تتابع، قال -صلى الله عليه وسلم- وهو يحدث عن فترة الوحي: بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) (المدثر: 1) إلى قوله: (والرجز فاهجر) فحمي الوحي وتتابع.

وقال الزهري -كما في صحيح البخاري-:
وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي -صلى الله عليه وسلم-، -فيما بلغنا- حزنا غدا منه مراراً كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل، فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك.

ونقل عن الإسماعيلي قوله:
ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي، ليتدرج فيه ويمرن عليه، فشق عليه فتوره، إذ لم يكن خوطب عن الله بعدُ أنك رسول الله، ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمر بُدئ به، ثم لم يُرَد استتمامه فحزن لذلك، حتى إذا تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح.

والحكمة في فترة الوحي ليذهب عنه ما كان يجده -صلى الله عليه وسلم- من الرَّوع، وليحصل له التشوُّق إلى العَوْد. كما قال الصالحي في سبل الهدى والرشاد.
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛


 
 
(7) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بكيفية نزول الوحيكيفية نزول الوحي:
1- الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحيه -صلى الله عليه وسلم-‏.‏

2- ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-‏: (‏إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته‏)‏‏.‏

3- إنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتمثل له الملك رجلًا فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، وفي هذه المرتبة كان يراه الصحابة أحيانًا‏.‏

4- أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس:
وكان أشده عليه، فيلتبس به الملك، حتى أن جبينه ليتَفَصَّد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى أن راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها، ولقد جاء الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها‏.‏

5- إنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها:
فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر الله ذلك في سورة النجم‏.‏

6- ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السموات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرها‏.‏

7- كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك:
كما كلم الله موسى بن عمران، وهذه المرتبة هي ثابتة لموسى قطعًا بنص القرآن‏. وثبوتها لنبينا -صلى الله عليه وسلم- هو في حديث الإسراء‏.‏

8- وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة؛ وهي:
تكليم الله له كفاحًا من غير حجاب، وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف‏.‏
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

 
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(8) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بالخوف من إفشاء دعوته
وقد ذكر ابن هشام أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأي أبو طالب النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليّا يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولَمَّا عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات‏.‏

تلك هي العبادة التي أمر بها المؤمنون، ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواه أخرى غير ما يتعلق بالصلاة، وإنما كان الوحي يبين لهم جوانب شتى من التوحيد، ويرغبهم في تزكية النفوس، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويصف لهم الجنة والنار كأنهما رأي عين، ويعظهم بمواعظ بليغة تشرح الصدور وتغذى الأرواح، وتحدو بهم إلى جو آخر غير الذي كان فيه المجتمع البشرى آنذاك‏.‏

وهكذا مرت ثلاثة أعوام، والدعوة لم تزل مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجامع والنوادي،إلا أنها عرفت لدى قريش، وفشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدث به الناس، وقد تنكر له بعضهم أحيانًا، واعتدوا على بعض المؤمنين، إلا أنهم لم يهتموا به كثيرًا حيث لم يتعرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لدينهم، ولم يتكلم في آلهتهم‏.‏
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

 



 

(9) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- عند الجهر بالدعوة
عندما تكونت جماعة من المؤمنين تقوم على الأخوة والتعاون، وتتحمل عبء تبليغ الرسالة وتمكينها من مقامها نزل الوحي يكلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإعلان الدعوة، ومجابهة الباطل بالحسنى‏.‏

وأول ما نزل بهذا الصدد قوله تعالى‏:
‏ ‏(‏وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏)‏ ‏(‏الشعراء‏: 214‏).

ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلًا‏.

فلما أراد أن يتكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بادره أبو لهب وقال‏: ‏
هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصبأة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتكلم في ذلك المجلس‏.‏

ثم دعاهم ثانية وقال‏: ‏
‏‏الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه‏، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له‏، ثم قال‏: ‏إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدًا أو النار أبدًا‏‏‏.‏

فقال أبو طالب‏: ‏
ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقًا لحديثك‏، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تُحب، فامض لِمَا أمرت به‏، فوالله، لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب‏.‏

فقال أبو لهب‏: ‏
هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.

فقال أبو طالب‏: والله لنمنعه ما بقينا‏.‏

وبعد تأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه، صعد النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم على الصفا، فعلا أعلاها حجرًا، ثم هتف‏: ‏(‏يا صباحاه‏)‏ وكانت كلمة إنذار تخبر عن هجوم جيش أو وقوع أمر عظيم‏.

ثم جعل ينادى بطون قريش، ويدعوهم قبائل قبائل‏: ‏‏يا بني فهر، يا بني عدى، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب‏‏‏. فلما سمعوا قالوا‏: من هذا الذي يهتف‏؟‏

قالوا‏: محمد، فأسرع الناس إليه، حتى إن الرجل إذا لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش‏.‏

فلما اجتمعوا قال‏: ‏أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي بسَفْح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصَدِّقِي‏؟‏‏.‏

قالوا‏: نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا‏ً.‏

قال‏: ‏(‏إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأي العَدُوّ فانطلق يَرْبَأ أهله-‏ أي يتطلع وينظر لهم من مكان مرتفع لئلا يدهمهم العدو-خشي أن يسبقوه فجعل ينادى‏: يا صباحاه‏.

ثم دعاهم إلى الحق، وأنذرهم من عذاب الله، فخص وعم فقال‏: ‏
‏يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا‏.‏

يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏.‏

يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏

يا معشر بني قصي، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا‏.‏

يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا‏.‏

يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏

يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار‏.‏

يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ماشئتم، لا أملك لكم من الله شيئًا‏.‏

يا عباس بن عبد المطلب، لا أغنى عنك من الله شيئًا‏.‏

يا صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله، لا أغنى عنك من الله شيئًا‏.‏

يا فاطمة بنت محمد رسول الله، سليني ما شئت من مالي، أنقذى نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنك من الله شيئًا‏.‏

غير أن لكم رحمًا سأبُلُّها بِبلاَلها‏- أي أصلها حسب حقها‏.‏

ولما تم هذا الإنذار انفض الناس وتفرقوا، ولا يذكر عنهم أي ردة فعل، سوى أن أبا لهب واجه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسوء.

وقال‏: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا‏؟‏ فنزلت‏: ‏(‏تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ‏)‏ ‏(‏سورة المسد‏: ‏1‏)‏‏.
‏
كانت هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلات بينه وبينهم، وأن عصبة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله‏.‏

ولم يزل هذا الصوت يرتج دويه في أرجاء مكة حتى نزل قوله تعالى‏: ‏(‏فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ‏)‏ ‏(‏الحجر‏: ‏94‏)‏، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مجامع المشركين ونواديهم، يتلو عليهم كتاب الله، ويقول لهم ما قالته الرسل لأقوامهم‏: ‏(‏يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ‏)‏ ‏(‏الأعراف‏: ‏59‏)‏، وبدء يعبد الله تعالى أمام أعينهم، فكان يصلى بفناء الكعبة نهارًا جهارًا وعلى رءوس الأشهاد‏.‏

وقد نالت دعوته مزيدًا من القبول، ودخل الناس في دين الله واحدًا بعد واحد‏. وحصل بينهم وبين من لم يسلم من أهل بيتهم تباغض وتباعد وعناد واشمأزت قريش من كل ذلك، وساءهم ما كانوا يبصرون‏.‏


 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(10) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بقول الكفار فيه بأنه كاهن أو مجنون أو شاعر أو ساحر أو كذاب
عندما جاء موعد الحج, وكان الجهر بالدعوة لم يمض عليه إلا أيام أو أشهر معدودة، وعرفت قريش أن وفود العرب ستقدم عليهم، فرأت أنه لابد من كلمة يقولونها للعرب، في شأن محمد -صلى الله عليه وسلم- حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوس العرب، فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة يتداولون في تلك الكلمة...

فقال لهم الوليد‏: أجمعوا فيه رأيا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا‏: فأنت فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به‏.‏

قال‏: بل أنتم فقولوا أسمع‏.‏

قالوا‏: نقول‏: كاهن‏.‏

قال‏: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه‏.‏

قالوا‏: فنقول‏: مجنون.

قال‏: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولا وسوسته‏.‏

قالوا‏: فنقول‏: شاعر‏.‏

قال‏: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجَه وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه، فما هو بالشعر.

قالوا‏: فنقول‏: ساحر‏.‏

قال‏: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم‏.‏

قالوا‏: فما نقول‏؟‏

قال‏: والله إن لقوله لحلاوة، ‏وإن عليه لطلاوة‏ وإن أصله لعَذَق، وإن فَرْعَه لجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا‏: ساحر‏.

جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك‏.‏

وتفيد بعض الروايات أن الوليد لَمَّا رَدَّ عليهم كل ما عرضوا له.

قالوا‏: أرنا رأيك الذي لا غضاضة فيه.

فقال لهم‏: أمهلوني حتى أفكر في ذلك، فظل الوليد يفكر ويفكر حتى أبدى لهم رأيه الذي ذكر آنفًا‏.‏

وفي الوليد أنزل الله تعالى ست عشرة آية من سورة المدثر:
‏(‏ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ‏)‏.

وفي خلالها صور كيفية تفكيره، فقال‏: ‏(‏إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ‏).

وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه، فجلسوا بسبل الناس حين قدموا للموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره‏.‏

أمَّا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخرج يتبع الناس في منازلهم وفي عُكَاظ ومَجَنَّة وذي المَجَاز، يدعوهم إلى الله، وأبو لهب وراءه يقول‏: لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب‏.‏

وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها‏.‏

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(11) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بسخرية وتحقير واستهزاء وتكذيب وضحك الكفار منه ولَمَّا فرغت قريش من الحج فكَّرت في أساليب تقضى بها على هذه الدعوة في مهدها‏.

وتتلخص هذه الأساليب فيما يلي‏: ‏
قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي -صلى الله عليه وسلم- بتهم هازلة، وشتائم سفيهة
فكانوا ينادونه بالمجنون:
‏(‏وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ‏)‏ ‏(‏الحجر‏: ‏6‏)‏.

ويصمونه بالسحر والكذب:
‏(‏وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ‏)‏ ‏(‏ص‏: ‏4)‏.
وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة:
‏(‏وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ‏)‏ ‏(‏القلم‏: ‏51)‏.

وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزأوا بهم وقالوا‏: ‏
هؤلاء جلساؤه ‏(‏مَنَّ الله ُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا‏)‏ ‏(‏الأنعام‏: 53‏)‏، قال تعالى‏: ‏(‏أَلَيْسَ الله ُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ‏)‏ ‏(‏الأنعام‏: ‏53)‏.

وكانوا كما قص الله علينا:
‏(‏إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ‏)‏ ‏(‏المطففين‏: 29‏: 33)‏‏.

وقد أكثروا من السخرية والاستهزاء وزادوا من الطعن والتضحيك شيئًا فشيئًا حتى أثر ذلك في نفس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما قال الله تعالى‏: ‏(‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ‏)‏ ‏(‏الحجر‏: ‏97‏)‏.

ثم ثبته الله وأمره بما يذهب بهذا الضيق فقال‏: ‏
‏(‏فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ‏) (‏الحجر‏: ‏98، 99‏)‏.

وقد أخبره من قبل أنه يكفيه هؤلاء المستهزئين حيث قال‏: ‏
‏(‏إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِ ينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ الله ِ إِل-هًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ‏)‏ ‏(‏الحجر‏: 95، 96‏)‏.

وأخبره أن فعلهم هذا سوف ينقلب وبالًا عليهم فقال‏: ‏
‏(‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ ‏)‏ ‏(‏الأنعام‏: ‏10‏)‏‏.‏

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(12) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بإثارة الشبهات حوله وتكثيف الدعايات الكاذبة
وقد أكثروا من ذلك وتفنَّنُوا فيه بحيث لا يبقى لعامَّة الناس مجال للتدبُّر في دعوته والتفكير فيها، فكانوا يقولون عن القرآن‏: ‏(‏أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ‏)‏ ‏(‏الأنبياء‏: ‏5‏)‏ يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار.

ويقولون‏: ‏(‏بَلِ افْتَرَاهُ‏)‏ من عند نفسه.

ويقولون‏: ‏(‏إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏)‏.

وقالوا‏: ‏(‏إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏)‏ ‏(‏الفرقان‏: 4‏)‏ أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه‏.‏

‏(‏وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا‏)‏ ‏(‏الفرقان‏: ‏5‏)‏.

وأحياناً قالوا‏:
إن له جنًا أو شيطانًا يتنزل عليه كما ينزل الجن والشياطين على الكهان‏.

قال تعالى ردًا عليهم‏: ‏
(‏هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ‏)‏ ‏(‏الشعراء‏: ‏221، 222‏)‏، أي إنها تنزل على الكذاب الفاجر المتلطخ بالذنوب، وما جرّبتم علىّ كذبًا، وما وجدتم في فسقًا، فكيف تجعلون القرآن من تنزيل الشيطان‏؟‏

وأحيانًا قالوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-‏: إنه مصاب بنوع من الجنون، فهو يتخيل المعاني، ثم يصوغها في كلمات بديعة رائعة كما يصوغ الشعراء، فهو شاعر وكلامه شعر‏.

قال تعالى ردًا عليهم‏:
‏(‏وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ‏)‏ ‏(‏الشعراء‏: ‏225‏: 226‏)‏ فهذه ثلاث خصائص يتصف بها الشعراء ليست واحدة منها في النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالذين اتبعوه هداة مهتدون، متقون صالحون في دينهم وخلقهم وأعمالهم وتصرفاتهم، وليست عليهم مسحة من الغواية في أي شأن من شئونهم، ثم النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يهيم في كل واد كما يهيم الشعراء، بل هو يدعو إلى رب واحد، ودين واحد، وصراط واحد، وهو لا يقول إلا ما يفعل، ولا يفعل إلا ما يقول، فأين هو من الشعر والشعراء‏؟‏ وأين الشعر والشعراء منه‏.‏

هكذا كان يرد عليهم بجواب مقنع حول كل شبهة كانوا يثيرونها ضد النبي -صلى الله عليه وسلم- والقرآن والإسلام‏.‏

ومعظم شبهتهم كانت تدور حول التوحيد، ثم رسالة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ثم بعث الأموات ونشرهم وحشرهم يوم القيامة، وقد رد القرآن على كل شبهة من شبهاتهم حول التوحيد، بل زاد عليها زيادات أوضح بها هذه القضية من كل ناحية، وبين عجز آلهتهم عجزًا لا مزيد عليه، ولعل هذا كان مثار غضبهم واستنكارهم الذي أدى إلى ما أدى إليه‏.‏

أما شبهاتهم في رسالة النبي -صلى الله عليه وسلم-:
فإنهم مع اعترافهم بصدق النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمانته وغاية صلاحه وتقواه، كانوا يعتقدون أن منصب النبوة والرسالة أجل وأعظم من أن يعطى لبشر، فالبشر لا يكون رسولًا، والرسول لا يكون بشرًا حسب عقيدتهم‏. فلما أعلن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن نبوته، ودعا إلى الإيمان به تحيروا وقالوا‏: ‏(‏مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ‏)‏ ‏(‏الفرقان‏: 7‏)‏.

وقالوا‏:
إن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بشر،و ‏(‏مَا أَنزَلَ الله ُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ‏)‏ ‏(‏الأنعام‏: 19‏)‏.

فقال تعالى ردًا عليهم‏:
‏‏(‏قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ‏)‏، وكانوا يعرفون ويعترفون بأن موسى بشر‏.‏

ورد عليهم أيضًا بأن كل قوم قالوا لرسلهم إنكارًا على رسالتهم‏: ‏
(‏إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا‏)‏ ‏(‏إبراهيم‏: ‏10‏)‏، ‏(‏قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ الله يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ‏)‏ ‏(‏إبراهيم‏: 11‏)‏‏.

فالأنبياء والرسل لا يكونون إلا بشرًا، ولا منافاة بين البشرية والرسالة‏.‏

وحيث إنهم كانوا يعترفون بأن إبراهيم و إسماعيل وموسى -عليهم السلام- كانوا رسلًا وكانوا بشرًا، فإنهم لم يجدوا مجالًا للإصرار على شبهتهم هذه.

فقالوا‏:
‏ألم يجد الله لحمل رسالته إلا هذا اليتيم المسكين، ما كان الله ليترك كبار أهل مكة والطائف ويتخذ هذا المسكين رسولًا‏: (‏وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ‏)‏ ‏(‏الزخرف‏: ‏31‏)‏.

قال تعالى ردًا عليهم‏:
‏‏(‏أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ‏)‏ ‏(‏الزخرف‏: ‏32‏)‏، يعنى أن الوحي والرسالة رحمة من الله و‏: (‏الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ‏)‏ ‏(‏الأنعام‏: ‏124‏)‏‏.‏

وانتقلوا بعد ذلك إلى شبهة أخرى، قالوا‏: ‏
إن رسل ملوك الدنيا يمشون في موكب من الخدم والحشم، ويتمتعون بالأبهة والجلال، ويوفر لهم كل أسباب الحياة، فما بال محمد يدفع في الأسواق للقمة عيش وهو يدعى أنه رسول الله‏؟‏

(‏وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا‏)‏ ‏(‏الفرقان‏: ‏7‏: 8‏)‏.

ورد على شبهتهم هذه بأن محمدًا رسول:
يعنى أن مهمته هو إبلاغ رسالة الله إلى كل صغير وكبير، وضعيف وقوى، وشريف ووضيع، وحر وعبد، فلو لبث في الأبهة والجلال والخدم والحشم والحرس والمواكبين مثل رسل الملوك، لم يكن يصل إليه ضعفاء الناس وصغارهم حتى يستفيدوا به، وهم جمهور البشر، وإذن فاتت مصلحة الرسالة، ولم تعد لها فائدة تذكر‏.‏

أمَّا إنكارهم البعث بعد الموت فلم يكن عندهم في ذلك إلا التعجب والاستغراب والاستبعاد العقلي.
فكانوا يقولون‏:
‏(‏أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ‏)‏ ‏(‏الصافات‏: ‏16، 17‏)‏.

وكانوا يقولون‏: ‏
(‏ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ‏)‏ ‏(‏ق‏: ‏3‏)‏ وكانوا يقولون على سبيل الاستغراب‏: ‏(‏هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أَفْتَرَى عَلَى الله ِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ‏)‏ ‏(‏سبأ‏: 7، 8‏)‏‏.‏

وقد رَدَّ عليهم بتبصيرهم ما يجرى في الدنيا، فالظالم يموت دون أن يلقى جزاء ظلمه، والمظلوم يموت دون أن يأخذ حقه من ظالمه، والمُحسن الصالح يموت قبل أن يلقى جزاء إحسانه وصلاحه، والفاجر المُسِيء يموت قبل أن يُعاقب على سوء عمله، فإن لم يكن بعث ولا حياة ولا جزاء بعد الموت لاستوى الفريقان، بل لكان الظالم والفاجر أسعد من المظلوم والصالح، وهذا غير معقول إطلاقاً‏.

ولا يُتَصَوَّرُ من الله أن يبني نظام خلقه على مثل هذا الفساد‏.‏
قال تعالى‏:
‏(‏أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏)‏ ‏(‏القلم‏: ‏35، 36‏)‏.

وقال تعالى‏:
‏(‏أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏)‏ ‏(‏ص‏: ‏28‏)‏.

وقال‏ تعالى: ‏
(‏أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ‏)‏ ‏(‏الجاثية‏: ‏21‏)‏‏.‏

وأمَّا الاستبعاد العقلي فقال تعالى ردًا عليه‏:
‏(‏أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا‏)‏ ‏(‏النازعات‏: ‏27‏)‏.

وقال‏ تعالى:
‏(‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏)‏ ‏(‏الأحقاف‏: ‏33‏)‏.

وقال تعالى‏:
‏(‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ‏)‏ ‏(‏الواقعة‏: ‏62‏)‏، وبَيَّنَ ما هو معروف عقلًا وعرفًا، وهو أن الإعادة: ‏(‏أَهْوَنُ عَلَيْهِ‏)‏ ‏(‏الروم‏: ‏27‏)‏.

وقال‏ تعالى:
‏(‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ‏)‏ ‏(‏الأنبياء‏: ‏104‏)‏.

وقال‏ تعالى:
‏(‏أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ‏)‏ ‏(‏ق‏: 15‏)‏‏.‏

وهكذا رَدَّ على كل ما أثاروا من الشبهات رَدًّا مُفحمًا يُقنع كل ذي عقل ولُبٍ، ولكنهم كانوا مشاغبين مستكبرين يريدون عُلواً في الأرض وفرض رأيهم على الخلق، فبقوا في طغيانهم يعمهون‏.‏
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
(13) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- باضطهاد من آمن برسالته

أعمل المشركون أساليبهم شيئًا فشيئًا لإحباط الدعوة بعد ظهورها في بداية السنة الرابعة من النبوة، ومضت على ذلك أسابيع وشهور وهم مقتصرون على هذه الأساليب لا يتجاوزونها إلى طريق الاضطهاد والتعذيب، ولكنهم لما رأوا أن هذه الأساليب لم تجد نفعًا في إحباط الدعوة الإسلامية استشاروا فيما بينهم، فقرروا القيام بتعذيب المسلمين وفتنتهم عن دينهم، فأخذ كل رئيس يعذب من دان من قبيلته بالإسلام، وانقض كل سيد على من اختار من عبيده طريق الإيمان‏.
‏
وكان من الطبيعي أن يهرول الأذناب والأوباش خلف ساداتهم وكبرائهم، ويتحركوا حسب مرضاتهم وأهوائهم، فجروا على المسلمين -ولاسيما الضعفاء منهم- ويلات تقشعر منها الجلود، وأخذوهم بنقمات تتفطر لسماعها القلوب‏.‏

كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال، والجاه، وإن كان ضعيفًا ضربه وأغرى به‏.‏

وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من ورق النخيل ثم يدخنه من تحته‏.‏

ولَمَّا علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه منعته الطعام والشراب، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية‏.‏

وكان صهيب بن سنان الرومي يُعذَّب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏

وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلًا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، ويجرونه حتى كان الحبل يؤثر في عنقه، وهو يقول‏: أحَدٌ أحَدٌ، وكان أمية يشده شدًا ثم يضربه بالعصا، ويُلجئه إلى الجلوس في حَرِّ الشمس، كما كان يُكرهه على الجوع‏.

وأشَدَّ من ذلك كله أنه كان يُخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في الرمضاء في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول‏: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك‏: أحَدٌ، أحَدٌ، ويقول‏: لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها‏.

ومَرَّ به أبو بكر يوماً وهم يصنعون ذلك به فاشتراه بغلام أسود، وقيل‏: بسبع أواق أو بخمس من الفضة، وأعتقه‏.‏

وكان عمَّار بن ياسر -رضي الله عنه- مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون -وعلى رأسهم أبو جهل- يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها‏.

ومَرَّ بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يعذبون فقال‏: ‏(‏صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة‏)‏، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية -أم عمار- في قبلها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وهي سمية بنت خياط مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت عجوزًا كبيرة ضعيفة‏.

وشَدَّدُوا العذاب على عمَّار بالحر تارة، وبوضع الصخر الأحمر على صدره أخرى، وبغطه في الماء حتى كان يفقد وعيه‏.

وقالوا له‏:
لا نتركك حتى تَسُبَّ مُحَمَّدًا، أو تقول في اللات والعزى خيرًا، فوافقهم على ذلك مُكْرَهًا، وجاء باكيًا مُعتذرًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-‏.

فأنزل الله‏:
‏(‏مَن كَفَرَ بِالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ‏...) ‏الآية ‏(النحل‏: 106‏)‏‏.‏

وكان أبو فُكَيْهَةَ -واسمه أفلح- مولى لبني عبد الدار، وكان من الأزد‏، فكانوا يخرجونه في نصف النهار في حر شديد، وفي رجليه قيد من حديد، فيجردونه من الثياب، ويبطحونه في الرمضاء، ثم يضعون على ظهره صخرة حتى لا يتحرك، فكان يبقى كذلك حتى لا يعقل، فلم يزل يُعَذَّبْ كذلك حتى هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وكانوا مرة قد ربطوا رجله بحبل، ثم جروه وألقوه في الرمضاء وخنقوه حتى ظنوا أنه قد مات، فمر به أبو بكر فاشتراه وأعتقه لله‏.‏

وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سِباع الخزاعية، وكان حدادًا، فلما أسلم عذبته مولاته بالنار، كانت تأتى بالحديدة المحماة فتجعلها على ظهره أو رأسه، ليكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فلم يكن يزيده ذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، وكان المشركون أيضًا يعذبونه فيلوون عنقه، ويجذبون شعره، وقد ألقوه على النار، ثم سحبوه عليها، فما أطفأها إلا وَدَكَ ظهره‏.‏

وكانت زِنِّيرَةُ أمَةً رومية قد أسلمت فعذبت في الله، وأصيبت في بصرها حتى عميت، فقيل لها‏: أصابتك اللات و العزى، فقالت‏: لا والله ما أصابتني، وهذا من الله، وإن شاء كشفه، فأصبحت من الغد وقد رَدَّ اللهُ بصرها، فقالت قريش‏: هذا بعض سحر محمد‏.‏

وأسلمت أم عُبَيْس، جارية لبني زهرة، فكان يعذبها المشركون، وبخاصة مولاها الأسود بن عبد يغوث، وكان من أشد أعداء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن المستهزئين به‏.‏

وأسلمت جارية عمر بن مؤمل من بني عدى، فكان عمر بن الخطاب يعذبها -وهو يومئذ على الشرك- فكان يضربها حتى يفتر، ثم يدعها ويقول‏: والله ما أدعك إلا سآمة، فتقول‏: كذلك يفعل بك ربك‏.‏

ومِمَّنْ أسلمن وعُذِّبْنَ من الجواري‏:
النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار‏.‏

ومِمَّنْ عُذِّبَ من العبيد‏:
عامر بن فُهَيْرَة، كان يُعَذَّبُ حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏

وطيء أبو بكر بن أبي قحافة يومًا بمكة، وضرب ضربًا شديدًا، دنا منه عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال‏: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏؟‏ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير‏: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول‏: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏؟‏ فقالت‏: والله لا علم لي بصاحبك، فقال‏: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت‏: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، قالت‏: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت، قالت‏: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت‏: والله إن قومًا نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال‏: فما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏؟‏ قالت‏: هذه أمك تسمع، قال‏: فلا شيء عليك منها، قالت‏: سالم صالح، فقال‏: أين هو‏؟‏ قالت‏: في دار ابن الأرقم، قال‏: فإن لله على ألا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا أو آتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجْل، وسكن الناس خرجتا به، يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏.‏

وأوذي أبو بكر الصديق رضي الله عنه أيضًا‏:
فقد أخذه نوفل بن خويلد العدوى، وأخذ معه طلحة بن عبيد الله فشدهما في حبل واحد، ليمنعهما عن الصلاة وعن الدين فلم يجيباه، فلم يروعاه إلا وهما مطلقان يصليان؛ ولذلك سُمِّيَا بالقرينين، وقيل‏: إنما فعل ذلك عثمان بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه‏.‏

والحاصل أنهم لم يعلموا بأحَدٍ دخل في الإسلام إلا وتصدُّوا له بالأذى والنَّكال، وكان ذلك سهلًا ميسورًا بالنسبة لضعفاء المسلمين، ولاسيما العبيد والإماء منهم، فلم يكن من يغضب لهم ويحميهم، بل كانت السادة والرؤساء هم أنفسهم يقومون بالتعذيب ويغرون الأوباش، ولكن بالنسبة لمن أسلم من الكبار والأشراف كان ذلك صعبًا جدًا؛ إذ كانوا في عز ومنعة من قومهم، ولذلك قلّما كان يجترئ عليهم إلا أشراف قومهم، مع شيء كبير من الحيطة والحذر‏.‏


 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

(14) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- بقدوم أشراف قريش لعمه أبوطالب لإثنائه عن دعوته للإسلام
جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا له‏: ‏يا أبا طالب، إن لك سنًا وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين‏.‏

عَظُم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال له‏: ‏يا بن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن عمه خاذله، وأنه ضعُف عن نصرته، فقال‏: ‏‏(يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر -حتى يظهره الله أو أهلك فيه- ما تركته)‏.

ثم استعبر وبكى، وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قال له‏: اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أُسْلِمُك لشيء أبدًا وأنشد‏: ‏
والله لــن يصــلـوا إلـيـك بجَمْعهِم ** حتى أُوَسَّدَ في التراب دفينًا
فاصدع بأمرك ما عليك غَضَاضَة ** وابْشِرْ وقَرَّ بذاك منك عيونًا


ولَمَّا رأت قريش أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ماض في عمله عرفت أن أبا طالب قد أبي خذلان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه مجمع لفراقهم وعداوتهم في ذلك، فذهبوا إليه بعمارة ابن الوليد بن المغيرة وقالوا له‏: يا أبا طالب، إن هذا الفتى أنْهَدَ فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدًا فهو لك، وأسْلِمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك، وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل، فقال‏: والله لبئس ما تسومونني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه‏؟‏ هذا والله ما لا يكون أبدًا‏.

فقال المطعم بن عدى بن نوفل ابن عبد مناف‏:
والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكره، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئًا، فقال‏: والله ما أنصفتموني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علىّ، فاصنع ما بدا لك‏.‏

ولَمَّا فشلت قريش في هذه المفاوضات، ولم توفق في إقناع أبي طالب بمنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكفه عن الدعوة إلى الله، قررت أن يختار سبيلا قد حاولت تجنبه والابتعاد منه مخافة مغبته وما يؤول إليه، وهو سبيل الاعتداء على ذات الرسول -صلى الله عليه وسلم-‏.‏

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

(15) ابتلاؤه -صلى الله عليه وسلم- باعتداء كفار مكة عليه
كانت امرأة أبي لهب -أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان- لا تقل عن زوجها في عداوة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد كانت تحمل الشوك، وتضعه في طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى بابه ليلًا، وكانت امرأة سليطة تبسط فيه لسانها، وتطيل عليه الافتراء والدَّس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربًا شعواء على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك وصفها القرآن بحمالة الحطب‏.‏

ولَمَّا سمعت ما نزل فيها وفي زوجها من القرآن أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها فِهْرٌ: ‏(‏أي بمقدار ملء الكف‏)‏ من حجارة، فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلا ترى إلا أبا بكر، فقالت‏: يا أبا بكر، أين صاحبك‏؟‏ قد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، أما والله إني لشاعرة‏.

ثم قالت: مُذَمَّما عصينا * وأمره أبينا * ودينه قَلَيْنا.

ثم انصرفت، فقال أبو بكر‏: يا رسول الله، أما تراها رأتك‏؟‏

فقال -صلى الله عليه وسلم-‏: ‏(‏ما رأتني، لقد أخذ اللهُ ببصرها عني‏)‏‏.‏

كان أبو لهب يفعل كل ذلك وهو عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجاره، كان بيته مُلصقاً ببيته، كما كان غيره من جيران رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤذونه.

قال ابن إسحاق‏:
كان النَّفر الذين يؤذون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيته أبا لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدى بن حمراء الثقفي، وابن الأصداء الهذلي -وكانوا جيرانه- لم يسلم منهم أحَدٌ إلا الحكم بن أبي العاص، فكان أحدهم يطرح عليه -صلى الله عليه وسلم- رحم الشاة وهو يُصَلِّى، وكان أحدهم يطرحها في برمته إذا نصبت له، حتى اتخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجرًا ليستتر به منهم إذا صلى فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا طرحوا عليه ذلك الأذى يخرج به على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول‏: ‏(‏يا بني عبد مناف، أي جوار هذا‏؟‏‏)‏ ثم يلقيه في الطريق‏.‏

- وازداد عقبة بن أبي مُعَيْط في شقاوته وخبثه، فقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه‏: ‏أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلى عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس؛ إذ قال بعضهم لبعض‏: أيكم يجيء بسَلاَ جَزُور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد، فانبعث أشقى القوم ‏‏وهو عقبة بن أبي معيط‏ فجاء به فنظر، حتى إذا سجد النبي وضع على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر، لا أغنى شيئًا، لو كانت لي منعة، قال‏: فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعضهم ‏أي يتمايل بعضهم على بعض مرحًا وبطرًا‏ ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساجد، لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال‏: ‏‏اللهم عليك بقريش‏ ثلاث مرات، فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم، قال‏: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مُستجابة، ثم سمَّى‏: ‏‏اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط‏ -وعَدَّ السابع فلم نحفظه- فوالذي نفسي بيده لقد رأيت الذين عدّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صرعى في القَلِيب، قليب بدر‏.‏

وكان أمية بن خلف إذا رأي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- همزه ولمزه‏، وفيه نزل‏: ‏(‏وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏)‏ ‏(‏سورة الهمزة‏: ‏1)‏ قال ابن هشام‏: الهمزة‏: الذي يشتم الرجل علانية، ويكسر عينيه، ويغمز به‏، واللمزة‏: الذي يعيب الناس سرًا، ويؤذيهم‏.
‏
أمَّا أخوه أبي بن خلف فكان هو وعقبة بن أبي معيط متصافيين‏، وجلس عقبة مرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمع منه، فلمَّا بلغ ذلك أبيًا أنبه وعاتبه، وطلب منه أن يتفل في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ففعل، وأبي بن خلف نفسه فت عظمًا رميمًا ثم نفخه في الريح نحو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏.‏

وكان الأخنس بن شَرِيق الثقفي ممن ينال من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه، وهي في قوله تعالى‏: ‏‏(‏وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ‏)‏ ‏(‏القلم‏: ‏10‏: 13‏)‏‏.

وكان أبو جهل يجيء أحيانًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدَّب ولا يخشى، ويؤذى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقول، ويصد عن سبيل الله، ثم يذهب مختالًاً بما فعل، فخورًا بما ارتكب من الشر، كأن ما فعل شيئًا يذكر، وفيه نزل‏: ‏(‏فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى‏)‏ ‏(‏القيامة‏: ‏31‏)‏.

وكان يمنع النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلى في الحرم، ومرة مَرَّ به وهو يصلى عند المقام فقال‏: يا محمد، ألم أنهك عن هذا، وتوعده، فأغلظ له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وانتهره، فقال‏: يا محمد، بأي شيء تهددني‏؟‏ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا‏.

فأنزل الله تعالى: ‏(‏فَلْيَدْعُ نَادِيَه سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ‏)‏ ‏(‏العلق‏: ‏17، 18‏)‏‏، وفي رواية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ بخناقه وهزه، وهو يقول له‏: ‏‏(‏أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى‏)‏ ‏(‏القيامة‏: ‏34، 35‏)‏، فقال عدو الله‏: أتوعدني يا محمد‏؟‏ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإني لأعز من مشى بين جبليها‏.‏

ولم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار، بل ازداد شقاوة فيما بعد‏.

أخرج مسلم عن أبي هريرة قال‏:
قال أبو جهل‏: يعفر محمد وجهه بين أظهركم‏؟‏ فقيل‏: نعم، فقال‏: واللات والعزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلى، زعم ليطأ رقبته، فما جاءهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقى بيديه، فقالوا‏: ما لك يا أبا الحكم‏؟‏ قال‏: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحةً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-‏: ‏(‏لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا‏)‏‏.‏

وقد أتى عتيبة بن أبي لهب يومًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال‏:
أنا أكفر بـ: ‏(‏وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى‏)‏ ‏(‏النجم‏: ‏1)‏ وبالذي ‏(‏ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى‏)‏ ‏(‏النجم‏: ‏8‏)‏ ثم تسلط عليه بالأذى، وشق قميصه، وتفل في وجهه -صلى الله عليه وسلم-، إلا أن البزاق لم يقع عليه، وحينئذ دعا عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال‏: ‏(‏اللهم سلِّط عليه كلبًا من كلابك‏)‏، وقد استجيب دعاؤه -صلى الله عليه وسلم-، فقد خرج عتيبة إثر ذلك في نفر من قريش، فلما نزلوا بالزرقاء من الشام طاف بهم الأسد تلك الليلة، فجعل عتيبة يقول‏: يا ويل أخي هو والله آكلي كما دعا محمد علىّ، قتلني وهو بمكة، وأنا بالشام، ثم جعلوه بينهم، وناموا من حوله، ولكن جاء الأسد وتخطاهم إليه، فضغم رأسه‏.‏

ومنها‏:
ما ذكر أن عقبة بن أبي مُعَيْط وطئ على رقبته الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان‏.‏

ومما يدل على أن طغاتهم كانوا يريدون قتله -صلى الله عليه وسلم- ما رواه ابن إسحاق عن عبد الله ابن عمرو بن العاص قال‏:
حضرتهم وقد اجتمعوا في الحِجْر، فذكروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالوا‏: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، فبينا هم كذلك إذ طلع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفًا بالبيت فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما مَرَّ بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مَرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها‏.

فوقف ثم قال -صلى الله عليه وسلم-‏:
‏(‏أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح‏)‏، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم فيه ليرفؤه بأحسن ما يجد، ويقول‏: انصرف يا أبا القاسم، فو الله ما كنت جهولًا‏.

فلَمَّا كان الغد اجتمعوا كذلك يذكرون أمره إذ طلع عليهم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به، فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، وقام أبو بكر دونه، وهو يبكى ويقول‏: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟‏ ثم انصرفوا عنه، قال ابن عمرو‏: فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا نالوا منه قط‏.‏

وفي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال‏:
سألت ابن عمرو بن العاص‏: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، قال‏: بينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا؛ فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال‏: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟‏‏

مَرَّ أبو جهل برسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا عند الصفا فآذاه ونال منه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساكت لا يكلمه، ثم ضربه أبو جهل بحجر في رأسه فَشَجَّهُ حتى نزف منه الدم، ثم انصرف عنه إلى نادى قريش عند الكعبة، فجلس معهم، وكانت مولاة لعبد الله بن جُدْعَان في مسكن لها على الصفا ترى ذلك، وأقبل حمزة من القَنَص مُتَوَشِّحًا قوسه، فأخبرته المولاة بما رأت من أبي جهل، فغضب حمزة -وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة- فخرج يسعى، لم يقف لأحد؛ مُعدًا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد قام على رأسه، وقال له‏: يا مُصَفِّرَ اسْتَه، تشتم ابن أخي وأنا على دينه؟‏ ثم ضربه بالقوس فشجه شجة منكرة، فثار رجال من بني مخزوم -حي أبي جهل- وثار بنو هاشم -حي حمزة- فقال أبو جهل‏: دعوا أبا عمارة، فإني سببتُ ابن أخيه سبًا قبيحًا‏.‏

قال أبو جهل لقومه:
يا معشر قريش، إن محمدًا قد أبي إلا ما ترون من عيب ديننا، وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وشتم آلهتنا، وأني أعاهد الله لأجلسن له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته فضخت به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم.

قالوا‏:
والله لا نُسلمك لشيءٍ أبدًا، فامض لِمَا تريد‏.‏

فلَمَّا أصبح أبو جهل، أخذ حجرًا كما وصف، ثم جلس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينتظره، وغدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما كان يغدو، فقام يصلي، وقد غدت قريش فجلسوا في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلمَّا سجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا ممتقعًا لونه، مرعوبًا قد يبست يداه على حجره، حتى قذف الحجر من يده، وقامت إليه رجال قريش.

فقالوا له‏:
ما لك يا أبا الحكم‏؟
‏

قال‏:
قمتُ إليه لأفعل به ما قلتُ لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فَحْلٌ من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هَامَتِه، ولا مثل قَصَرَتِه ولا أنيابه لفحل قط، فَهَمَّ بى أن يأكلني‏.

قال ابن إسحاق‏:
فذكر لي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال‏: ‏(‏ذلك جبريل عليه السلام لو دنا لأخذه‏)‏.

هذه صورة مصغرة جدًا لِمَا كان يتلقَّاهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون من الظلم والخسف والجور على أيدي طغاة المشركين، الذين كانوا يزعمون أنهم أهل الله وسكان حرمه‏.‏
؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×