الرخيصة 0 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 7 أغسطس, 2003 اليلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد آخر توقعاتها أن تفترش الرصيف مجلساً، تنثر أحلامها على عتباته لتدوسها أقدام المارة، يمازحها الشتاء بقليل من نفحاته لعلها تعي حواره فتلملم أشياءها وتمضي، لكنها تتجاهل مزاحه وتكمل ما هي مقدمة عليه، فيخاطبها بجدية ريحه وبرودة مطره، ترد كلماته بغمر نفسها في عباءتها ناشدة الدفء من أنفاسها، يغادرها تاركاً جسدها لصيف لا ترحم شمسه المحرقة من يفترش الأرض ويلتحف السماء لعله يقنعها.. لم يعي كل منهما ـ الصيف و الشتاء ـ أن هناك ما هو أقوى من حواراتهما؛ إنه حوار الفقر والحاجة، حوار المادة التي يطغى جدلها على أي حوار. على رصيفها الذي اعتمرت ناصيته كانت تخفي نفسها وراء عباءتها السوداء، تخشى أن يتعرف عليها أحد، تمد قطعة قماش تنثر عليها ما حملته من البضائع وتجلس خلفها تنظر إلى الغادي والقادم، لعلها تجد من يشتري أشياءها، تصبر نفسها وتصبرها نفسها وليتها تسلم، فإن سلمت برد الشتاء وحر الصيف لا تسلم أذى البشر. مرمية هي في الطرقات، لا حول لها ولا قوة اختزلت أحلامها في يد طفل تمتد إليها بقطعة نقدية ليشتري بها كيس بطاطس أو لعبة ما. من أولئك النسوة؟! ولما يفترشن الأرض في حر الصيف وبرد الشتاء، في وهج الشمس وسواد الليل؟! الرصيف الحنون لم يظهر منها إلا كفيها التي تخبرك ببساطة عن عدد سنين عمرها، امرأة عجوز تجلس بسكينة، وأمامها مجموعة من أكياس البطاطس وتسالي للأطفال ومرطبات، تقول: أمضي بخطواتي الثقيلة باحثة عن مكان أجلس فيه مع بضاعتي، تمر الأيام بي دون أن أشعر بها، تأخذني الأفكار هنا وترميني هناك، وحيدة أنا.. مضت سنيني ولم أتزوج، فقدت أبواي، أخوة ناءوا بتحملي فأنصتوا إلى زوجاتهم اللاتي لم يرغبن بوجودي بينهن، رأيت من الذل والإهانة ما دفعني لأبحث عن عمل شريف أسترد فيه كرامتي الضائعة أياً كانت صعوبته.. ولا تستغربي إن أخبرتك أني وجدت الحنان في الشوارع والطرقات في حين فقدتها في بيوتهم. وهذه هي السنة العاشرة من عمري أمضيها على هذه الحال. اعتدت الطريق واعتادتني الأرصفة. همي دراستهم في منتصف العمر هي.. نشيطة في العمل، رحبة الصدر قالت: اسمي أم عبد الله من جيزان، أتيت برفقة زوجي إلى الرياض لكنه رحل وتركني هنا مع أولادي الصغار. ـ إلى أين رحل؟ كان سؤالي المتعجب، وجاء الجواب منها مطرقاً: ـ إلى حيث لا رجعة.. مات. ومن يومها قررت أن أعمل من أجل أن أوفر لأولادي ما يلزمهم، وهكذا أبدأ يومي بإيقاظهم وإرسالهم إلى مدارسهم ومن ثم تحضير طعام الغذاء لهم، وأنتظر عودتهم من المدرسة لأطعمهم ثم أتركهم يذاكرون دروسهم وأمضي في رزقي، همي أن يستمروا في دراستهم، وأنتظر تخرجهم بفارغ الصبر.. لأرتاح. سنموت جوعاً كانت الساعة متأخرة من الليل والبرد شديد حين رأيتها تجمع بضاعتها لتمشي.. استوقفتها وبلهفة التساؤل وبرودة الهواء اللافح سألتها على عجل: ـ لما أنت هنا؟ ـ كان زوجي يعمل سائقاً عند إحدى المدارس، لكنهم طردوه من عمله ظلماً وهو الآن بلا عمل، ملَّ البحث دون جدوى، أتركه في المنزل مع الأولاد وأخرج إلى الطريق لأبيع. ماذا أفعل؟ إذا لم يعمل أحدنا سنموت جوعاً. حتى الرصيف..استكثروه عليَّ رأيتها غاضبة، تسب وتشتم حالها، تقدمت وسألتها ما الخبر، أخذت تشكي لي أصحاب المحلات الذين يزيدون همها هماً: إنهم يأخذون أشيائي ويرمونها بعيداً يقولون أني أسيء بجلوسي هنا إلى مظهر محلاتهم وبالتالي المبيع فيها. ماذا أفعل؟ من قال لهم أني سعيدة بافتراش الرصيف؟! حتى الرصيف استكثروه عليّ. من أين أعيش؟! كيف أعيل أبنائي؟! لا حول ولا قوة إلا بالله. قال أخرجا من هنا في سن الشباب هي، مطلقة.. رمى بها زوجها إلى الطريق دون أن يسأل عنها أو يتكفل بمصروفها، تحمل بين يديها طفلاً رضيعاً لا يظهر منه شيء، تخاف عليه برد الشتاء لكنها مضطرة إلى جلبه معها، تقول: طلقني.. وقال أخرجي، رجوته أن يتمهل.. إلى أين سأمضي؟! لم يسمع توسلاتي، ناولني ابني وقال: أخرجا من هنا لا أريد رؤيتكما.. كان يشرب والعياذ بالله.. وهذا جعله مزاجيّ في التعامل، لقد تحملته كثيراً وبالنهاية رمى بي إلى الشارع. أهل الخير اشتروا لي بضاعة؛ لأستطيع أن أعيل نفسي وابني، الذي أخاف عليه كلما خرجت به وجلست هنا، ولكن ما العمل؟! ليس من بديل. زوجي يريد ربحاً هزت رأسها أسفاً.. يرغمني زوجي للخروج إلى الطريق للبيع، وهو دائم التشكي أن ما يحصل عليه من المال لا يكفي متطلبات عائلتنا الكبيرة، وهو يوصلني إلى هنا بسيارته مع البضاعة ويتركني في الساعة الرابعة عصراً ويأتي لأخذي بعد أن يغلق السوق أبوابه. لا نريد مالاً تقول: ليس لي من طريق آخر، لدي أولاد يحتاجون للحياة قبل كل شيء وواجبي أن أؤمن لهم ما يريدونه. أثناء حديثي معها مر بنا طفل صغير اقترب منها وهمس في أذنها، ربتت على كتفه وقالت: لن أتأخر عد إلى المنزل. عرفت حينها أنه ابنها، لحقت به.. ـ ماذا تريد من ماما؟ ـ أريدها أن تعود إلى المنزل. ـ لماذا؟ ـ أخي الصغير يبكي ولم أستطع إسكاته.. لا أعرف ماذا أفعل له؟ ـ هل تحب أن تبقى ماما إلى جانبك في المنزل؟ ـ أحبها وأشتاق لها وأحتاجها، وقد أخبرتها بذلك كثيراً، لكنها تجيبني دائماً بأنها خارجة لتأتي لنا بالمال.. أنا لا أريد مالاً.. أريدها بجانبي كما هو حال أصدقائي جميعاً. كفا ما مضى فتاة في عمر الورد تمكث جانب أمها.. قالت: لم آتي إلى هنا لمساعدة أمي، فهي لا تدعني أعمل شيئاً، لكني أرغب في مرافقتها؛ فقد مللت المكوث وحدي في المنزل، أمي هنا طوال النهار وأخوتي مع أصدقائهم. كفا ما مضى من أيام وهي بعيدة عني. خوفاً على السمعة واستكمالاً لحيثيات التحقيق أجرت لها أون لاين لقاءات مع بعض أصحاب المحلات اللاتي تجلس أمام أبوابها ـ على الأرصفة ـ البائعات. يقول صاحب محل لبيع الأواني المنزلية في مجمع تجاري بمدينة الرياض: لا أتعرض لهن إذا كن بعيدات عن باب المحل، لكن إذا اقتربن منه وسببن إزعاج بدخول وخروج الزبائن نطلب منهن المغادرة، لكن بالنسبة إلى صاحب المجمع التجاري لا يسمح لهن بالتواجد داخل المجمع خوفاً على سمعة مجمعه التي قد تتأثر بتواجد نساء يبعن على أرصفته. نلجأ للبلدية يقول صاحب محل "ريالين" ندعهن وشأنهن إذا كن بعيدات عن المحل، لكن إذا أثّرن على حركة البيع لدينا نطلب منهن الابتعاد عن المحل، فإذا لم يستجبن لطلبنا نتصل بالبلدية التي تبعدهن تماماً، وقد حدث أن أبعدت أغراض امرأة كانت تبيع قرب المحل وذلك بعد انتهاء أيام عيد الأضحى المبارك. ينافسننا يقول بائع في محل كبير لبيع الألبسة: ليس لدي أي مشكلة من وجود النساء؛ فهن يبحثن عن رزقهن كما نبحث نحن، لكن صاحب المحل لا يقبل وجودهن، وعندما يراهن يباشر بطردهن فوراً، ذلك أنه استأجر محلاً آخر يقع جانب هذا المحل بـ 35 ألف ريال نبيع فيه: المرطبات، البليلة، الذرة وغيرها من تسالي الأطفال. وذات الأشياء تبيعها المرأة التي تجلس قرب المحل مما يؤثر على المبيع لدينا. بشكل مستمر بائع في محل "ريالين" آخر يقول: بشكل مستمر تتواجد امرأة قرب المحل لا نكلمها ولا نتعرض لها، كفاها ما هي به حتى نأتي ونزيد همها هماً، كما أن صاحب المحل يراها دون أن يكلمها أو يطلب منها الرحيل؛ لدرجة أنها تترك أشياءها التي تبيعها عند إغلاق السوق هنا وتعود إليها في اليوم الآخر دون أن يمسها سوء. على مضض يشتكي صاحب محل لبيع الأحذية من وجود أولئك النسوة اللاتي أخذن يتحايلن على الموضوع بالتنقل المستمر بين المحلات حيث يقول: تجلس إحداهن قرب محلنا لمدة ساعة تبيع أو أكثر ثم تنتقل بعدها إلى مكان آخر وهكذا، وذلك ليتلافين أية مشكلة مع أصحاب المحلات ويستطعن متابعة البيع، حيث نتحمل وجودها على مضض ما دامت لن تطيل البقاء من يكفل هؤلاء النسوة؟ ما الذي يجعل هؤلاء النسوة ـ القوارير ـ يتعرضن لكل هذه المهانة ويتحملنها، ينقلن أغراضهن من مكان إلى آخر.. يمكثن هنا ويرحلن إلى هناك، أسئلة توجهنا بها إلى الأستاذ قاسم التركي ـ الباحث في العلوم الإنسانية ـ الذي بيّن لنا أسباب وجود ظاهرة عمل النساء على الأرصفة وأبعادها الاجتماعية والقانونية حيث قال: مما لاشك فيه أن هذه الظاهرة غير حضارية، وترتبط نتائجها بأسبابها، وتكون هذه الأسباب مندرجة في الغالب تحت محورين من محاور الكفاية ومتطلبات الحاجة والعوز، إذ قد تكون الحاجة والفاقة دافعاً وراء عمل المرأة، وخاصة إذا كانت المرأة أرملة أو مطلقة وتعيل أولادها، عند ذلك يمكن أن نقول عن عملها أنه إيجابي؛ لأنها تبتعد بذلك عن طريق الفساد وتحمي أطفالها من التشرد والانحراف، إذ يكون عملها وسيلة لتحصيل الرزق الحلال. وربما يكون الدافع حب النمو والزيادة في الأموال، وهنا نخشى على المرأة ذاتها من ميوعة الأخلاق التي تحل بها نتيجة كثرة اختلاطها بالرجال مما يفقدها فضيلة جوهرية من عنصر جمالها هي الحياء، بحيث يتسلط عليها طلاب المتعة الدنيا. ويتحدث الأستاذ "التركي" عن البعد الاجتماعي لهذه الظاهرة حيث يطرح هذا البعد في نقطتين أساسيتين: ـ إن انصراف المرأة عن البيت يحدث اضطراباً داخله، حيث يحرم الأولاد من حنانها، ويفقد الزوج عنصر السكينة النفسية، إذ يعود إلى بيته ليجد زوجته متعبة ومرهقة؛ فيزداد إرهاقاً وألماً وتفسد تربية الأطفال. ـ إن دافع النمو لدى بعضهن قد يدفعهن إلى بيع أشياء أخرى مضرة، مثل حبوب مخدرة أو أمور مضرة، مما يؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة. وعن البعد القانوني يضيف الأستاذ قاسم التركي: يبدو لي أن هذه الظاهرة غير قانونية، لكن المعنيين بالأمر ربما يتغاضون عنها بدافع إنساني، إذ ينظرون إلى المرأة بعين الرحمة، وإلا لماذا تطارد البلدية ـ مثلاً ـ البائعين الشباب. ومن هنا يمكن القول أن الجمعيات الخيرية ودور التكافل الاجتماعي ينبغي أن تقوم بدورها تجاه هؤلاء النساء من دعم ومساعدة؛ لتقوم كل واحدة بدور الأمومة كاملاً تجاه أطفالها، وترفد المجتمع بشباب صالحين قادرين على بناء مستقبل أمتنا الإسلامية. الضرورة مقدرة بقدرها وعن رأي أهل العلم حول هذه الظاهرة، التقت لها أون لاين بالأستاذ الشيخ أحمد الحواس الجاسم الذي قال: لا يوجد مانع شرعي من عمل المرأة إذا التزمت بالشروط الشرعية لعملها وهي: 1-أن لا تعمل في مكان فيه اختلاط مع الرجال (أي يجب أن تعمل أو تبيع ضمن الأسواق النسائية المغلقة). 2-أن تلتزم الحجاب الشرعي، فلا يظهر شيء من مفاتنها أو ما لا يجوز إظهاره. ولعلنا نعرج من كلامنا السابق إلى حالة بيع النساء على الأرصفة أو الأسواق المكشوفة المعرضة للاختلاط، فضمن هذه الحالة لا يجوز أن تشتغل المرأة؛ لما فيه من اختلاط بالرجال وإمكانية التكلم معهم ولو على مرأى من الناس. وذلك حسب القاعدة الفقهية التي تقول: "درء المفاسد أولى من جلب المصالح"، يقول الله تعالى {وقرن في بيوتكن}. أما في حالة عدم وجود معيل لها ولأولادها واضطرارها للعمل يجوز لها أن تبيع ولكن بشرط القاعدة الفقهية التي تقول: "الضرورة مقدرة بقدرها"، ومعناها أنها تعمل بهذا العمل بالقدر الذي يسد حاجتها ويكفي متطلباتها من طعام ولباس ومسكن، ولا يجوز لها أن تتخذ هذه الوسيلة طلباً للغنى أو لرفع مستواها المعيشي، بل بقدر الضرورة فقط. ويشير الشيخ أحمد إلى أنه من حقها أن تشتكي إلى المحكمة الشرعية في حال وجود معيل لها لا يقدم ما يكفيها ويكفي حاجتها وحاجة أولادها أو يجبرها على العمل في البيع، حيث أن المحكمة تقوم بجبر المعيل على إعالة الزوجة والأولاد، أما بحالة وجود معيل ولكنه لا يستطيع سد حاجة العائلة فلها أن تساعده بأن تعمل وفق الشروط الشرعية السابقة الذكر. همسة أخيرة أخيراً ستبقى دائماً واقفة.. بعيداً خلف النافذة الأمامية.. تلاحقها نظراتنا ويجتر حالها الموجعة حزننا، تقف الإشارة بنا، نراقبها من خلف نافذة السيارة تعاني البرد والحر، الإهانة والخوف.. بينما ينسينا ملطف الهواء في أي الفصول نحن، تعلن الإشارة المضي، نمشي و ننساها وكأننا لم نراها! لم يكن هذا أبداً ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين تجاه المرأة "استوصوا بالنساء خيراً" "رفقاً بالقوارير".. فأين عين الرقيب، وأين قلب الرحمة وأين تقع تلك النساء من اهتمامات التأمينات الاجتماعية ورعاية الأسر والجمعيات الخيرية؟!! أتمنى أن تأخذين العبرة أختي الكريمة والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين 0 شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك
الجمانة 3 أرسلي تقرير عن المشاركة قامت بالمشاركة 6 يوليو, 2007 جزاك الله خيراً موضوع جميل ورائع وهذه ظاهرة علينا التساعد لمعالجتها بأن تفتح أبواب لأعمال لمثل هذه الفئة شارك هذه المشاركه رابط المشاركه شارك