اذهبي الى المحتوى
نبع التفاؤل

التاريخ الهجري

المشاركات التي تم ترشيحها

أيها الناس فإننا في هذا الأسبوع نستقبل عاماً جديداً إسلامياً هجريا ابتداء عقد سنواته من أجل مناسبة في الإسلام الا وهي هجرة النبي صلى الله عليه وسلم التي ابتدأ بها تكوين الأمة الإسلامية في بلد إسلامي مستقل يحكمه المسلمون ألا وهو المدينة طيبة مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن التاريخ السنوي معمولاً به في أول الإسلام حتى كانت خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته رضي الله عنه كتب إليه أبو موسى الأشعري إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ فجمع عمر الصحابة رضي الله عنهم فاستشارهم فقيل إن بعضهم قال أرخوا كما تؤرخ القرطب ملوكها كلما هلك ملك أرخوا بولاية من بعده فكره الصحابة ذلك فقال بعضهم أرخوا بتاريخ الروم فكرهوا ذلك أيضاً فقال بعضهم أرخوا للمولد النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون أرخوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وقال آخرون أرخوا من مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها فأرخوا بها الهجرة واتفقوا على ذلك ثم تشاوروا من أي شهر يكون ابتدأ السنة فقال بعضهم يكون ابتدأ السنة من رمضان لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن وقال بعضهم يكون ابتدأ السنة من ربيع الأول لأنه الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا واختار عمر وعثمان وعلي اختار هؤلاء الثلاثة أن يكون من المحرم لأنه شهر الحرام يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم والذي كانت فيه بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم والعزيمة على الهجرة فكان ابتدأ السنة الإسلامية الهجرية من الشهر المحرم الحرام

 

أيها المسلمون...

 

هكذا كان ابتدأ التاريخ الإسلامي وإن من المؤسف أن يعدل المسلمون أكثرهم اليوم عن التاريخ الإسلامي الهجري إلى تاريخ النصارى الميلادي فإن أكثر المسلمين اليوم مع الأسف الشديد إنما يؤرخون بالتاريخ الميلادي دون الهجري هذا التاريخ الذي لا يمت إلى دينهم بصلة ولا يمت أيضاً إلى عروبتهم إن كانوا صادقين في إتباع العرب بصلة ولئن كان لبعضهم شبهة من العذر حين استعمر بلادهم النصارى وأرغموهم على أن يتناسوا تاريخهم الإسلامي الهجري فليس لهم الآن أي عذر في البقاء على تاريخ النصارى الميلادي نحن لا نشك بأن بعض بلاد المسلمين استعمرها النصارى فأرادوا أن يقلبوا عقائدهم وتاريخهم ومنهاجهم ومجتمعهم عن المجتمع الإسلامي وفعلاً نجحوا في بعض ما يريدون ولكننا نقول اليوم إنه لا عذر لهؤلاء الذين زال عنهم الإستعمار واستقلوا في بلادهم لقد أزال الله عنهم كابوس المستعمرين وظلمهم وغشمهم ولقد سمعتم ما قيل من أن الصحابة رضي الله عنهم كرهوا التاريخ بتاريخ الفرس والروم

 

أيها المسلمون ....

 

إننا نستقبل عاماً جديداً إسلامياً هجرياً شهوره الشهور الهلالية التي هي عند الله في كتابه كما قال الله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ )(التوبة: من الآية36) الشهور التي جعلها الله عز وجل مواقيت للعالم كلهم قال الله عز وجل (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ )(البقرة: من الآية189) مواقيت للناس كلهم بدون تخصيص لا فرق بين عرب وعجم وذلك لأنها علامات محسوسة ظاهرة لكل أحد كل إنسان يعرف بها دخول الشهر وخروجه فمتى رؤي الهلال من أول الليل دخل الشهر الجديد وخرج الشهر السابق إن هذه الشهور الهلالية التي هي الشهور عند الله ليست كالشهور الإفرنجية الشهور الإفرنجية شهور وهمية غير مبنية على أمر مشروع ولا معقول ولا محسوب بل هي شهور اصطلاحية مختلفة يصل بعضها إلى واحد وثلاثين يوماً ويكثر بعضها عن تسعة وعشرين يوما ولا يعلم لهذا الاختلاف لا يعلم له سبب حقيقي معقول أو محسوس ولهذا طرح بعض الأذكياء من النصارى وغيرهم في الآونة الأخيرة طرحوا اقتراحاً لتغيير هذه الأشهر على وجه منضبط ولكن ماذا حصل عورضت هذه الفكرة من قبل الأحبار والرهبان من قبل رجال الدين من اليهود والنصارى ، اليوم وقبل اليوم منذ غير التاريخ الهجري نجدهم سافتين بل مقلين لتغير التوحيد بالأشهر الإسلامية بل العالمية التي جعلها الله لعباده حيث عدل عنها أكثر المسلمين إلى التوقيت بالشهور الإفرنجية وهذا من المؤسف أن تكون غيرة رجال الدين من اليهود والنصارى أشد من غيرة رجال العلم من المسلمين وهذه بلوى إنما أصيب بها المسلمون لأنهم يشعرون بالنقص ولو أنهم شعروا بالعزة والكرامة وكونوا لأنفسهم شخصية إسلامية وحيدة منفردة ما هابوا أن يغيروا ما غرسه المستعمرون من هذا التوقيت الباطل الذي لا أصل له وقد سؤل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فقيل له إن للفرس أياماً وشهوراً يسمونها بأسماءً بأسماءٍ لا تعرف فكره ذلك أشد الكراهة وروي عن مجاهد وهو إمام المفسرين من التابعين روي عنه أنه كان يكره أن يقال آزار وهذا اسم شهر من الشهور الإفرنجية

 

أيها المسلمون ...

 

إننا نستقبل عاماً جديداً إسلامياً هجريا وليس من السنة أن نحدث عيداً لدخوله أن نعتاد التهاني ببلوغهم فإن بعض الناس يهنئ بعضاً ببلوغ السنة الجديدة وهذا ليس من السنة وإنه ليس من الغبطة بل ليست الغبطة بكثرة السنين وإنما الغبطة بما أمضاه العبد من السنين في طاعة الله فكثرة السنين خير لمن أمضاها في طاعة ربه شر لمن أمضاها في معصية الله وأستمر بها على طاعته وإن شر الناس من طال عمره وساء عمله إن علينا أيها المسلمون أن نستقبل أيامنا وشهورنا وأعوامنا بطاعة ربنا ومحاسبة أنفسنا وإصلاح ما فسد من أعمالنا ومراقبة من ولانا الله عليه من الأهل من زوجات وأولاد بنين وبنات وأقارب فاتقوا الله عباد الله وقوموا بما أنتم به معنيون وعنه يوم القيامة مسؤولون قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة قوموا بذلك على الوجه الأتم الأكمل أو على الأقل قوموا بالواجب من ذلك وأعلموا أيها الناس أن أعضاءكم ستكون عليكم بمنزلة الخصوم يوم القيامة يوم يختم على الأفواه وتكلم الأيدي والأرجل بما كسب الإنسان قال الله تعالى (حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ *وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (فصلت:20-23) عباد الله إن كل عام ميلادي يتم يعد المرء نفسه بالعزيمة الصادقة والجد ولكن تمضي عليه الأيام وتنطوي الساعات وحاله لم تتغير إذا أصبح فيبوء بالخيبة والخسران ثم لا يصبح ولا ينجح فاغتنموا الأوقات عباد الله بطاعة الله وكونوا كل عام أصلح من العام الذي قبله فإن كل عام يمر بكم يقربكم من القبور عاماً ويبعدكم عن القصور عاما يقبركم من الإنفراد بأعمالكم ويبعدكم من التمتع بأهليكم وأولادكم وأموالكم عباد الله والله ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين ولا نال العزة والكرامة والرفعة إلا من خضع لرب العالمين ولا دام الأمن والطمأنينة والرخاء إلا باتباع منهج المرسلين وإني أقول لكم والله لئن استمر الشهر في الدنيا مع المعاصي والانحراف إن ذلك لاستدراج يعقبه الهلاك و الإسلاف فاعتصموا بطاعة الله عن عقوبته وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا بأنا نشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد يا منان يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم نسألك اللهم أن تجعل عامنا هذا وما بعده عام أمن وطمأنينة عام علم نافع وعمل صالح عاماً نسبغ به علينا نعمك وترزقنا شكرها عاماً تصلح به ولاة أمورنا ورعيتنا عاماً تيسرنا فيه للهدى وتسير الهدى لنا إنك جواد كريم رؤوف رحيم اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين …

 

الحمد لله على إحسانه وأشكره على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليما …

 

أما بعد

 

فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم وأخبر صلى الله عليه وسلم أن صيام عاشورا قال أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله وصامه صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه فصيام يوم عاشروا وهو اليوم العاشر من هذا الشهر أمر مشروع أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه مع ذلك قال لئن بقيت إلى قات لأصومن التاسع يعني لأصومن التاسع مع العاشر وذلك مخالفة لليهود الذين كانوا يصومون يوم عاشورا لأنه اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه وأهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً لله عز وجل فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وقال ( نحن أولى بموسى منكم ) ولكنني من أجل مخالفة اليهود أمر أن يصوم الناس يوماً قبله أو يوماً بعده وقد ذكر أهل العلم أن صيام عاشورا له ثلاث مراتب أن يصوم الإنسان العاشر وحده وهذا خلاف السنة التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام بها والتي هم أن يفعلها حيث قال لئن ( بقيت إلى قات لأصومن التاسع ) يعني مع العاشر المرتبة الثانية أن يصوم يوماً معه إما قبله وهو أفضل وإما بعده المرتبة الثالثة أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده أي اليوم التاسع واليوم العاشر واليوم الحادي عشر قالوا وهذا أفضل المراتب وهذه الأيام الثلاثة إذا صامها من كان يعتاد أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فإنها تجزئ عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا يبالي أصامها من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره فاحتسبوا الأجر عباد الله وصوموا اليوم العاشر واليوم التاسع وإن صمتم الحادي عشر معه فهو أفضل وإن اقتصرتم على اليومين فقد حصلت السنة .

 

 

من خطبة للشيخ محمد إبن عثيمين رحمة الله

  • معجبة 1

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×