اذهبي الى المحتوى
رجاء محمد الجاهوش

يـسـارًا.. بـاتّـجـاه الـقـلـب!

المشاركات التي تم ترشيحها

يـسـارًا.. بـاتّـجـاه الـقـلـب!

 

 

رجاء محمد الجاهوش

 

 

cX0XV.jpg

 

 

 

 

عَلى بُعد أمتارٍ، وقفَتْ "حَنان" قُبالتي في مَلْعَبِ حَديقةِ حيِّنا الذي سُيِّجَ بأشجارِ الطَّلحِ، وقد نَمَتْ بين جذوعها نباتاتُ الحنظل!

 

وضعَتْ كُرتها الحمراء الصغيرة أمام قدَمَيْها، ثُمَّ رفعَتْ رأسَها ونظَرَتْ إليَّ بتحدٍّ طفولي مُحَبَّب، قائلة: هل أنتَ مُستعدٌّ؟

 

ابتسمتُ، وأظهرتُ لها مَدى حماستي قائلاً: هيا ارْمي.

 

اسْتَجمعَتْ قواها ثمَّ ركَلَتْ الكُرة بقدمِها الصَّغيرة، فانْعَطفَتْ يَسارًا!

 

لحقتْ بها حتى أمْسَكتْها، ثم عادَتْ إلى مكانها، محاولةً تسديدَ رَمْيتها مِن جديد.

 

وضَعَت الكُرةَ أمام قدمَيْها، حدَّقتْ فيها للحظاتٍ ثمَّ ركَلَتْها، فتدَحْرَجَتْ أمامها قليلاً، ثم انْعَطَفَتْ يسارًا!

 

رَكَضَتْ خلفها وهي حانِقةً، فنَظَرْتُ إليها نَظرةً تحنو على طفولتها المُشرَّدة!

 

"تُرى هلْ أسأتُ الاختيار؟ أمْ هلْ أسأتُ إدارة حياتي!

 

لَمْ أشترطْ جَمالاً أَخَّاذًا، ولا غِنًى فاحشًا، أردتها متعلِّمَةً صاحبةَ نسَبٍ طيب؛ رجاءَ أنْ تكونَ زوجةً واعيةً ناصحةً، وأمًّا قادرةً على تربيةِ نشءٍ صالحٍ قوي.. قويٍّ بإيمانهِ وعِلمهِ وعَملهِ!

 

إيه يا "آمال"، لقد أضاعَتْنا آمالكِ الكِبار!

 

لَمْ أتصوَّر - يومًا - أنْ يطغَى طموحكِ، وتعلو رغبتكِ في إثباتِ ذاتكِ عبرَ قنواتِ العَملِ والدِّراسةِ على مشاعرِ الأمومةِ لديكِ، وأكادُ لا أصدِّقُ أنكِ اخترتِ الانفصالَ، والتَّنازلَ عن حضانةِ ابنتكِ مِن أجلِ الحفاظِ على مَنصبكِ!

 

كيفَ سأنسَى تلك الكلمات التي خرجَتْ مِن فِيكِ مُتسربلةً بلباسِ الأنانيَّةِ والقسوَةِ: هلْ تريدني أنْ أضحِّي؟

 

هل تريد أنْ أشقَى بتربيةِ ابنتكَ فيضيع ربيع عُمري سُدًى؟!

 

لا يا سيِّدي، لنْ أفعل، لنْ أدعكَ تحطِّمُ حياتي، وتسعدَ أنتَ بحياةٍ جديدةٍ تتمتَّع فيها بين زَوجٍ وولدٍ!

 

هذه ابنتكَ، تحملُ اسمكَ، وبعد سنواتٍ ستأتي مُطالبًا إياي بحقِّكَ في حضانتها، فخُذها مِن الآن، وضحِّ أنتَ!"

 

عادَت "حَنان" مِن جديدٍ إلى مكانها مُقَطِّبةَ الجبين، زامَّة شفتَيْها في ضيق، ضَربَت الأرض بكرتها، وبسرعةٍ ركلتها، فاختلَّ توازنها، وراحت تَتَرنَّح لكنَّها استطاعت أنْ تتوازنَ أخيرًا، فلمْ تقعْ!

 

تدحرجَتْ الكرة أمامها بدلالٍ، ثمّ انعطفَتْ يسارًا!

 

وقَفَتْ تنظر إليها والدُّموع على وشكِ الانهمارِ، فصحتُ بها: الْحَقي بها، لا تَدَعيها تهزمكِ!

 

مَشَتْ بتثاقلٍ، أمْسَكَتْ غريمتها، ثمَّ عادَتْ إلى مكانِها، رافضةً اللَّعب!

 

فصحتُ بها مِن جَديد: لا تَيْئسي، حاولي مرَّة، واثنتين، وثلاثًا، فبالصَّبرِ والمُثابرةِ يتجاوزُ المرْءُ العَقباتِ، ويَصلُ إلى ما يُريد.

 

أحرصُ دومًا على مخاطبتِها كالكبارِ، وغرس المعاني السَّامية في فكرها، أخشى عليها مِن زمانٍ شرُّه أكثر مِن خيرِه، وظرفها المختلف يُحمِّلني مسؤوليةً أكبر، فإنْ لمْ تكنْ محصَّنةً منذ طفولتها الأولى بفَهمٍ سليمٍ تاهَتْ مِنها الخُطَا، وضلَّتْ السَّبيلَ!

 

وضَعَت الكرةَ أمامَ قدمَيْها - مُذعنةً لنصيحتي - وقالت بحزمٍ آمرِةً إيَّاها:

 

- إلى الأمامِ باتجاهِ أبي، ثمَّ ركلَتْها، فانْعَطَفَتْ يَسارًا باتجاهِ تلك المرأة التي أطلَّتْ برأسِها مِن خلفِ السِّياجِ الشَّجريِّ، تحجبُ عينَيْها نظارةٌ شمسيَّة، أمسَكَت المرأةُ بالكرةِ وابتسمَتْ لحنان القادمة نحوها، شَعَرْتُ بالقلقِ، فهرولتُ نحوهما.

 

"مَن؟! أيعقل أنْ تكونَ هي؟!"

 

مدَّتْ "حَنان" يدَيْها لتأخذَ الكرَّةَ، فأعطتْها إيّاها، ثمّ احتضَنَتْها بشوقٍ ولوعةٍ، ودمعها الحارق يَسيلُ على الخدَّيْنِ، صرخَتْ "حنان" مذعورةً: بابا!

 

اهتَزَّ قلبي لنداءِ صغيرَتي، إلا أنَّني لمْ أقوَ على الاقترابِ!

 

حاولَتْ "حنان" عبثًا التَّفلُّتَ مِن قبضةِ تلكَ المرأةِ، وهي تصيحُ بها: اتْركيني!

 

- لا لنْ أترككِ ثانيةً، لنْ أترككِ؛ فقد فقدتُ كلَّ مَعنًى للحياةِ عندما فقدتُكِ.. سامحيني ـ يا ابنتي ـ سامحيني!

تم تعديل بواسطة رجاء محمد الجاهوش

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قصة مؤثرة جدا

الله المستعان

 

جزاكِ الله خيرا يا حبيبة ونفع بكِ

عوداً حميداً

أنرتِ المنتدى من جديد : )

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جميل ما خطته أناملكِ أختي الحبيبة

بارك الله فيكِ ونفع ، وعودًا حميدًا .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قصة مؤثرة

بارك الله فيك أختي وفي قلمك المميز الذي افتقدناه من فترة

أنرت المكان من جديد يا حبيبة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

مرحبا بعودتك أختي الحبيبه

هكذا انت تطلين علينا على فترات بهدايا كالبدر تنير ساحتنا

قصه مؤثره ونهايه موفقه لم تحظى بها الكثيرات لأنها من الواقع أيضا ولكن بعضهن فقط الاتي يستجبن لنداء القلب بعد تجربة البعد

أسأل الله أن يهدي نساء المسلمين

جزاك الله خيرا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

رااائعة أنتِ يا حبيبة

 

بورك فيكِ

والحمد لله على النهاية السعيدة

والحمد لله الذي رد هذه المرأة لرشدها

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جميلة القصة

والاجمل الختام !

سلمت الانامل رجاء ..

اتمنى ان تزورينا دائما :blush:

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×