اذهبي الى المحتوى
ميرفت ابو القاسم

الدرس: 1 علوم البلاغة الثلاثة: أهميتها، والفرق بينها - علم البيان.

المشاركات التي تم ترشيحها

فعندنا مثلًا قول الله تعالى: {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} (الصافات: 48، 49)، قوله: {وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ} (الواقعة: 22، 23)، قوله: {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} (الرحمن: 58)، فالمشبه في كل هذه الآيات هو نساء أهل الجنة، والمشبه به هو بيض النعام، واللؤلؤ المكنون، والياقوت، والمرجان، وكما نرى كلها من المبصرات فهي مدركة بحاسة البصر؛ إذن فهي حسية.

ونتأمل الدقة في هذه الآيات لنرى مدى إبراز جمال الحور، والإبداع في تصوير حسنهن، فهن حور وقاصرات الطرف، وعين يعني: مبالغة في الحسن، وحور أي: شديدات سواد العيون وبياضها، وقاصرات الطرف يعني: حابساتها على أزواجهن، وعِين يعني: ضخام الأعين حسان، وكل هذه الألفاظ كما ترى تبرز معاني الجمال، والحسن في هذه النساء التي يتلذذ بها أهل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

من ذلك أيضًا من المسموعات: ما نقوله مثلًا، أو كما يقول ذو الرمة:

كأن أصوات من إيغالهن بنا أواخر الميس أنقاض الفراريج

هذا تشبيه بالصوت، فهو يشبه الصوت المنبعث من احتكاك الرحل بعضه ببعض نتيجة شدة السير واضطراب الرحال، بصوت الفراريج، وهي صغار الدجاج؛ فوجه الشبه هو الاشتراك في هذه النغمة الخاصة، وطرفا التشبيه من المسموعات. من تشبيه الحسي أيضًا بالحسي تشبيه بعض الفاكهة مثلًا بالعسل في الحلاوة، وتشبيه ريق الحبيب بالخمر في الطعم الجميل المذاق، ومنه قول امرئ القيس:

كَأَنَّ المُدامَ وَصَوبَ الغُمامِ وَريحُ الخُزامى وَنَشرُ القُطُر

يُعِلُّ بِهِ بَردُ أَنيابِها إِذا غرّد الطائِرُ المُستَحِر

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وضمن المشمومات نشبه مثلًا النكهة بالعنبر الملموسات يقول الشاعر:

لها بشر مثل الحرير ومنطق

فهنا يشبه البشرة بالحرير، هذا أمر يدرك باللمس، وكثيرًا ما يلجأ الأديب إلى تأليف واختراع صور خيالية؛ مبديًا براعته الفنية، ومظهرًا المشبه في صورة رائعة، وهذا الطرف الذي يخترعه الأديب ويتخيله يُسمى حسيًّا غير حقيقي، أو يسمى خياليًّا؛ لأن مادته أو أجزاء صورته مدركة بالحس، وإن كان بهيئته التركيبية لا وجود له، من ذلك مثلا قول الصنوبري يصف شقائق النعمان يقول:

وكأن محمرَّ الشقيـ قِ إذا تصوَّبَ أو تَصَعَّدْ

أعلامُ ياقوتٍ نشر ن على رماحٍ من زبرجد

فالمشبه هو شقائق النعمان، والمشبه به الأعلام المركبة من ياقوت منشور على رماح من زبرجد. هذا طبعًا لا وجود له في الواقع، لكن المادة التي تتكون منها هذه الصورة موجودة كالزبرجد، والرماح، والياقوت، والأعلام، كل هذه الأشياء موجودة في الطبيعة، لكن هذه الصورة مركبة إنما هي تخضع للخيال.

فهذه صورة صنعها خيال الشاعر ولا وجود لها في الواقع، ولا تدرك بالحواس الظاهرة، ولكن المواد والأجزاء التي صُنعت منها هذه الأمور ورُكبت منها هي التي تُدرك بالحس، وهي التي تقع تحت دائرة الواقع.

النوع الثاني من أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، هو تشبيه المعقول بالمعقول: كتشبيه الجهل مثلًا بالموت، والعلم بالحياة، وتشبيه العشق بالموت، كما يقول الشاعر:

العشق كالموت يأتي لا مرد له ما فيه للعاشق المسكين تدبير

فوجه الشبه بين العشق والموت عدم القدرة على دفعه ورده، نسأل الله العافية، أو يدخل في هذا تشبيه السفر بالعذاب، كما في الحديث ((السفر قطعة من العذاب))، وكذلك تشبيه الضلال عن الحق بالعمى، وتشبيه الاهتداء إلى الحق

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بالإبصار، كثير من الآيات جاءت تتحدث عن مثل هذا من ذلك قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} (فصلت: 17)، {هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: 50)، {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} (هود: 24)، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ} (الرعد: 16)، {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} (الرعد: 19)، وقوله كذلك: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} (فاطر: 19)، وقوله: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ} (النمل: 81)، فكل هذه التشبيهات إنما هي أمور عقلية، وقُصد منها المبالغة، ولم يقصد بها العمل حقيقي؛ فإنما هو أشبه ما يكون بالعمى الذي هو عمى البصيرة.

النوع الثالث من التشبيه: هو تشبيه المعقول بالمحسوس: كتشبيه أخلاق الكرام مثلًا بالأرض الواسعة الممتدة، وبالعطر، الرائحة الطيبة، وتشبيه المنية مثلًا بالسبع؛ فالمشبه وهو أخلاق الكرام، أو المنية من المعقولات، والمشبه به وهو الأرض الواسعة والعطر والسبع كل هذه من الأمور المحسوسة، من ذلك أيضًا تشبيه الرأي بالليل كما جاء في قول الشاعر:

الرأي كالليل مسودٌّ جوانبه والليل لا ينجلي إلا بإصباح

وتشبيه الغيظ بالنار، كما جاء في قول المتنبي:

وغيظ على الأيام كالنار في الحشا ولكنه غيظ الأسير في القيد

وتشبيه الصبر على مضض الحسود بالنار إلى غير ذلك،فتشبيه المعقول بالمحسوس ورد كثيرًا في كلام البشر، كما جاء كثيرًا في أساليب القرآن، ومن ذلك تصوير أعمال الكفار برماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، وبسراب بقيعة يحسبه الظمآن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، وتمثيل اعتقادات المنافقين واضطراباتهم وتخبطهم بالذي استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، إلى غير ذلك مما يعمد إليه القرآن كثيرًا، والسنة؛ حتى يقرب المعنى إلى الأذهان.

الضرب الرابع من ضروب التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، تشبيه المحسوس بالمعقول: وهذا القسم على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في التشبيه أن يلحق بشيء يحسه الإنسان، ويكون أقوى في وجه الشبه، لكن أن يشبه محسوس بمعقول فهذا جاء على خلاف الأصل؛ لأن المشبه -كما قلنا- شأنه أن يكون أظهر وأوضح من المشبه، فأولى به أن يكون حسيًّا، ولا يكون عقليًّا إلا بعد أن ينزل منزلة المحسوس، ويدعى أنه فاق المحسوس في الوضوح والظهور، كما جاء في قولنا مثلًا، أو في تشبيه الأرض الواسعة بخلق الكريم، كما في قول الشاعر:

وأرض كأخلاق الكرام قطعتها وقد كحَّل الليل السماك فأبصر

فشبه الأرض في السعة والرحابة بأخلاق الكرام، وكان الأصل أن يعكس، فإن يشبه أخلاق الكرام بالأرض، لكنه أراد أن يبالغ، وأن يبين أن الصفة صفة وجه الشبه موجودة في المشبه به أكثر من المشبه، ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:

ولقد ذكرتك والظلام كأنه يوم النوى وفؤاد من لم يعشق

فكل هذا هو من قبيل تشبيه المحسوس بالمعقول، من ذلك كذلك تشبيه النجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع كما جاء في قول الشاعر:

وكأن النجوم بين دجاها سنن لاح بينهن ابتداع

فيأتي تفصيل هذا إن شاء الله في الكلام عن وجه الشبه المتخيل، وعلى نحو ما ذكرنا أن المركبات الخيالية تدخل في التشبيهات الحسية، فنقول، ونكرر: إن المركبات الوهمية تدخل في دائرة التشبيهات العقلية، فقول الشاعر وامرئ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

هنا شبه السنان

بأنياب الأغوال

، فالمشبه به في البيت وهو أنياب الأغوال من المعاني الوهمية، التي لا دخل للحس في إدراكها، لكن الشاعر

استغلها لتهويل شأن الأسنة

التي يحملها، ويدافع بها عن نفسه،

وإبرازها كذلك في صورة مرعبة مفزعة

، البلاغيون ذكروا أو أدرجوا تحت هذا اللون قول الله تعالى: {

طَلْعُهَا كَأَنَّهُ

رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65)، فرءوس الشياطين من المعاني الوهمية، وقد أبرزت قبح هذا الطلع وفظاعته، لكن في الحقيقة هذا كلام لا يليق بحال من الأحوال. فما جاء في القرآن الكريم لا يجوز لنا أن نسميه بحال من الأحوال أمور وهمية؛ فالآية الكريمة {طَلْعُهَا

كَأَنَّهُ رُءُوسُ

الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65) اعتمدوا البيانيون فيها على بيان حالتها، وعلى ما تتخيله النفوس للشيطان من رأس قبيحة جدًّا،

وبالغة في النفرة والكراهية

، والشجرة كما نعلم شجرة غريبة

لم توجد على أساس القانون الطبيعي

؛ لوجود الشجر من تربة فيها حياة وماء، وإنما هي شجرة تخرج في أصل الجحيم، وهي شجرة شاذة وغريبة،

فنسبتها هذه الرءوس الغريبة

رءوس الشياطين طبعًا، هذا كلام يقوله البيانيون، لكن مؤدَّاه في النهاية إنكار مثل هذا في يوم القيامة؛ لأن هذا غيب.

وما ذكره القرآن الكريم عن جهنم، وما فيها من زقوم، وما فيها من طعام لأهل الجحيم شبهه بأن طلعها، طلع شجرة الزقوم كأنه رءوس الشياطين،

كل هذا غيب لا نستطيع إدراكه بحال

من الأحوال، ولو أن جعلنا المشبه به وهو رءوس الشياطين من الأمور المتوهمة التي لا حقيقة لها في الواقع؛ إذن فهذا يستلزم أن نجعل النار كذلك، فإذا كان رب العزة قد أخبر عن أن النار هكذا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

حالها، وأن زقومها طلعه كأنه رءوس الشياطين. إذن فالأمر كما ذكر القرآن وكما جاء في كتاب الله -سبحانه وتعالى، طبعًا الزمخشري يربط بين هذه التشبيهات وبين تشبيهات مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة: 275)، فيربط بين هذا وبين الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران إلى غير ذلك، ولا يرى بأسًا من أن تكون صورة المشبه به في الأمرين منتزعًا من معتقدات العرب من غير نظر إلى أن ذلك واقع، أو غير واقع، لكن أهل السنة يرون أن هذا مرفوض، ويقررون أن هذه الصورة مستمدة من الواقع، وأن القرآن في بناء تراكيبه وصوره لم يعول على خرافة من خرافات العرب؛ لأن في ميدان الحقائق الصادقة ما يفي بالأغراض، بل ويزيد المعنى عمقًا وتأثيرًا؛ فالشياطين تستهوي، وتخبط، وتمس إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات، والمهم عندنا أنهم يقولون: إن المراد بهذا التصوير، هو تصوير المرابي الذي يتخبطه الشيطان من المس حين يقوم يوم القيامة أنه يتخبط في قيامه؛ لأن الربا يربو في بطونهم حتى يتلفها، وفي هذا إهانة لهم، وتشهير بهم.

وهذا يعني: أن التشبيه لا يصف أحوالًا نفسية، وإنما يصف مشهدًا بمشهد، فهذا كله يدلنا على أن ما جاء في قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65) يقاس على مثل هذا، وأن فيه تصوير لعذاب أهل النار، ومن أنهم يأكلون الزقوم الذي طلع شجرها، كما وصف ربنا في كتابه العزيز، هذا كلام يسوقه الدكتور محمد أبو موسى في كتابه (تصوير البيان) وأنا أرى ترجيح ما يراه، أو ما عليه أهل السنة والجماعة؛ حتى لا نخالف ما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية

نذكر بعد هذا التطواف حول أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، نذكر أقسام التشبيه باعتبار إفراد الطرفين، وتقييدهما، وتركيبهما، ينقسم التشبيه باعتبار إفراد الطرفين وتقييدهما وتركيبهما إلى سبعة أقسام:

فهناك تشبيه مفرد بمفرد، هناك مقيد بمقيد، هناك مفرد بمقيد، هناك مقيد بمفرد، وهناك مركب بمركب، وهناك مفرد بمركب، ومركب بمفرد. معنى إفراد الطرف: أن يكون شيئًا واحدًا متميزًا بذاته، وليس مقيدًا بقيد يؤثر في صورة التشبيه، وليس على هيئة مركبة من عدة أمور مثل: أن نشبه بالقمر، أو نشبه بالبحر، أو نشبه بالنجوم، إلى غير ذلك.

معنى تقييد: أن يرتبط الطرف، ويقيد بوصف، أو بإضافة، أو بحال، أو بجار ومجرور؛ تقييدًا لا يبلغ حد التركيب، شريطة أن يكون لهذا القيد أثر في تحقيق وجه الشبه مثل قولنا مثلًا: الراقم على الماء، والمرآة في كف أشل، إلى غير ذلك.

معنى أن يكون الطرف مركبًا يعني: أن يكون هيئة مؤلفة من أمرين، أو من عدة أمور، قد امتزجت امتزاجًا يجعلها في حكم الشيء الواحد. كما سنذكر ذلك في هذه الأمثلة التالي ذكرها، فنتناول:

أولًا معنى أن يتشبه طرف مفرد بطرف مفرد آخر، نذكر مثلًا من الأمثلة ما جاء في قول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} (النبأ: 10)، فهنا يشبه الله -سبحانه وتعالى- الليل باللباس بجامع الستر في كل فكل من الليل، واللباس يستر الناس منه قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} (البقرة: 187)، فشبه المرأة أيضًا باللباس للرجل، والرجل باللباس للمرأة، فالطرفان مفردان مجردان، وجه الشبه فيما

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إما أن يكون حسيًّا يدل على الإحاطة والاشتمال، وإما أن يكون أمرًا عقليًّا مراد به أن يستر كل الآخر؛ بحيث يصونه من الوقوع في فضيحة الفاحشة كاللباس الساتر للعورة، مما جاء في تشبيه المفرد بالمفرد قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} (البقرة: 74). فهو تشبيه قلوب أهل الكفر وهم من اليهود بالحجارة بجامع القسوة والصلابة، وأنه لا ينفذ إليها شيء من الخير، والحق -والعياذ بالله- من هذا أيضًا تشبيه الوجه بالبدر، تشبيه الشعر بالليل، تشبيه الرجل بالأسد، وتشبيه الخد بالورد، إلى غير ذلك مما نلحظ فيه أن المشبه والمشبه به مفردان كل منهما غير مقيد.

الضرب الثاني من ضروب أقسام التشبيه باعتبار إفراد الطرفين، وتقييدهما، وتركيبهما المقيد بالمقيد كما نقول مثلًا: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، فالمشبه هنا هو التعليم مقيدًا بكونه في الصغر، وليس مطلق التعليم، والمشبه به النقش مقيدًا بكونه في الحجر، وليس مطلق النقش؛ فلا بد من مراعاة هذا القيد، وإلا فسد التشبيه وجه الشبه هو الثبات ودوام الأثر، فطرفا التشبيه مفردان مقيدان.

من ذلك أيضًا تشبيهنا من لا يحصل من سعيه على شيء بالقابض على الماء، فالوجه هو التسوية بين الفعل وعدمه في عدم الفائدة، وخيبة ما سعى صاحبه، وهذا لا يتحقق إلا بمراعاة القيدين إلى غير ذلك فيما جاء مثلًا في قول ابن الرومي:

إني وتزييني بمدحي معشر كمعلق درًا على خنزير

فالمشبه هو المتكلم مقيدًا باتصافه بتزيينه بمدحه معشرًا، والمشبه به من يعلق درًا مقيدًا بكون تعليقه على خنزير؛ فلا بد أن يتحقق هذان القيدان حتى يتمَّ وجه

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الشبه الذي هو أن كلًّا منهما وضع موضع الزينة في موضع لا يظهر له فيه أثر، هذا هو الضرب الثاني من ضروب التشبيه باعتبار الإفراد، والتقييد، والتركيب.

من ضمن هذه الأنواع تشبيه المفرد بالمقيد مثل قول الله تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} (القمر: 7)، فالمشبه هو الخلائق في هذا اليوم العصيب يوم القيامة، والمشبه به هو الجراد مقيدًا بكونه منتشر، وجه الشبه الكثرة، والتدافع، وجولان بعضهم في بعض، هذا موجود في المشبه، وموجود في المشبه به.

مثاله كذلك قول الله تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} (القارعة: 5، 6) فالمشبه هنا المفرد وهو الناس، والمشبه به الفراش مقيدًا بكونه مبثوثًا، فانظر كيف أن تعلم البلاغة يجعلنا نفهم ما جاء في القرآن الكريم، يعني: لو أن واحدًا جاء مثلًا، وقال: كأنهم جراد منتشر، وأن الله شبههم بالجراد فقط، وانتهى الأمر على هذا، أو قال: بأن الناس يكون يوم القيامة كالفراش دون أن يذكر كلمة المبثوث، أو يراعي هذا القيد نقول: إن هذا التشبيه ناقص، فلا بد من وجود هذه القيود، ولا بد من مراعاتها.

ولا بد أولًا من فهم البلاغة التي تجعلنا نفهم كلام الله على هذا النحو، فالمشبه به الفراش كما قلنا في آية القارعة، مقيدًا بكونه مبثوثًا، وجه الشبه في الآية الأولى هي آية سورة القمر- {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} وجه الشبه هو ضعف وزوال التماسك، وفي الآية القارعة زوال القوة، وتفرق الأجزاء، ولا يخفى علينا أثر هذا القيد كما قلنا، ونقول مرارًا وتكرارًا ومدى دقة التعبير القرآني بإيثار هذه الألفاظ التي أبرزت، وجلت حال الناس يوم القيامة فالفراش كما نعلم مثال للخفة والحماقة والتهافت حتى أنه جاء في كلام العرب، وفي أمثالهم "أطيش من فراشة" أينما كان مبثوثًا؛ فقد تم ضعفه واكتمل زوال تماسكه، والعهن كذلك هو الصوف المصبوغ ألوانًا شتَّى، فإذا ما كان من منفوشًا؛ فقد تفرقت أجزاؤه، وزال كل ما به من قوة وتماسك، ثم إيثار لفظ العهن دون الصوف يعمُّ كل الجبال التي هي جُدَد بيض، وحمر مختلف ألوانها،

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
وغرابيب سود، هكذا أبان القيد عن كل هذه المعاني، وبغير مراعاة هذه القيود يفسد التشبيه، ومن ثَمَّ يبطل تفسير القرآن بغير، أو على غير وجهه.
الصورة الرابعة من صور أقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب هو تشبيه المقيد بالمفرد: عكس الصورة
الماضية كما نقول مثلًا: العين الزرقاء كالسنان، المشبه هي العين مقيدة بكونها زرقاء، والمشبه به السنان، نقول مثلًا: الأمل بل عمل كالسراب، فالمشبه هو الأمل مقيدًا بكونه بدون عمل، والمشبه به هو السراب في جامع بينهما، وعدم الوصول إلى شيء، إلى غير ذلك من أمثلة عديدة جاءت في كلام العرب.
الصورة الخامسة
من صور أقسام التشبيه باعتبار الإفراد، والتقييد، والتركيب للطرفين تشبيه المركب بالمركب: كما جاء مثلًا في قول بشار يصف معركة:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه
فشبه هنا الهيئة المركبة من الغبار المثار والسيوف المتحركة حركات سريعة مضطربة،
وإلى جهات مختلفة، هذا كله هو صورة المشبه هيئة مكونة من كل هذا، شبه هذا كله بالهيئة المكونة من الظلام والكواكب تتهاوى وسطه، وقد تداخلت واستطارت أشكالها، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من سقوط أجرام مشرقة مستطيلة متناسبة المقدار في جوانب شيء مظلم. هذا أمر متحقق في المشبه والمشبه به في بيت بشار. مثاله أيضًا قول البحتري عندما يصف فرسًا يقول:
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام
فالأحجال هي البياض في رجل الفرس،
والغيم الجهام هو الغيم الذي لا ماء فيه، فهنا شبه الهيئة الحاصلة من ارتفاع البياض في قوائم الفرس وانتشاره،
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نقل قيم

جزاك الله خيرا يا حبيبة ، ونفع بك🌹

لي عودة بمشيئة الله لإتمام القراءة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
في ١٤‏/٣‏/١٤٤٠ هـ at 20:52, قالت الوفاء و الإخلاص:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نقل قيم

جزاك الله خيرا يا حبيبة ، ونفع بك🌹

لي عودة بمشيئة الله لإتمام القراءة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

والله يجزيك خير ويجعله في ميزان حسناتك

ونفع الله بك الإسلام يا غالية  ❤️ ... 

تسلمين

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ومخالطته السواد شبه ذلك بالهيئة الحاصلة من انتشار شعاع البرق في وسط الغيم، فالطرفان مركبان، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من اختلاط البياض بالسواد.
سؤال هل يتأتَّى تحويل
التشبيه المركب إلى متعدد، أو بعبارة أخرى هل يمكن للمركب أن تفكك وتفصل أجزاؤه عن بعضها البعض؟ إذا نظرنا إلى التشبيهات المركبة وجدنا أن بعضها لا يمكن فعل ذلك معه، لا يمكن فصل أجزائه، وأن بعضها الآخر يمكن فمثلًا عندما يقول الشاعر، وهو ابن المعتز: غدا أي: الليل.
غدا والصبح تحت الليل بادي ... كطرف أشهب ملقي الجلالة
غدا: وهو الليل، طرف أشهب يعني: الفرس الأبيض، ملقي الجلال: غطاء يوضع على الفرس، ويبدو أنه كان يتخذ من قماش أسود.

فهنا يشبه ظهور الفجر وإضاءته في بقايا الليل المدبر بفرس أشهب، مال عنه غطاؤه الأسود، فبدا بياض الفرس في سواد الغطاء، ووجه الشبه اجتماع سواد قليل في بياض كثير، فطرفا التشبيه مركبان، ولو حاولنا فصل الأجزاء في الطرفين، فلربما استقام تشبيه مثلًا الصبح بالفرس الأبيض، وتشبيه أيضًا الليل بالجلال، لكن هذا لا يستقيم لغثاثته، وفقدان ثمرته. هناك ضرب من التشبيه يمكن فك أجزائه كما جاء مثلًا في البيت الذي ذكرناه بيت بشار:
كأن مثار النقع فوق رءوسنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كوكبه
فلو فضضنا أجزاء هذه الصورة
فشبهنا النقع مثلًا بالليل، وشبهنا السيوف بالكواكب؛ لصحت هذه التشبيهات من حيث تحقق وجه الشبه بين الأجزاء، ولكن يضيع جمال التشبيه الذي أحدثه التركيب، ويضيع غرض الشاعر الذي رمى إليه، وقصده بهذه الصورة المركبة. إذن فليس كل تشبيه مركب بمركب
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
يصلح فك أجزائه، حتى وإن صح، فإن ذلك يضيع جمال التشبيه الذي أحدثه الشاعر، وأحدثه هذا التركيب الذي صاغه في هذا الشعر الذي صاغه هو، وقاله بنفسه.
هناك ضرب سادس من ضمن
أقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب، وهو تشبيه المفرد بالمركب، ولننظر مثلًا إلى قول ابن المعتز حينما يقول:
انظر إليه كزورق من فضة ...
 قد أثقلته حمولة من عنبر
فهنا شبه الهلال، وقد امتلأ قوسه المضيء بظلام الليل، شبهه بزورق من فضة قد أثقل بحمولة من عنبر، فالمشبه مفرد، المشبه به مركب، وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من وجود جسم مضيء متقوس يملأ فراغ تقوسه أشياء سوداء قاتمة، من ذلك أيضًا قول الخنساء تصف
 
صخرًا أخاها:

أغر أبلج تأتمُّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار

فالمشبه هو صخر مفرد، والمشبه به مركب، وهو الهيئة الحاصلة من الجبل، والنار المشتعلة في قمته.
القسم الأخير: وهو السابع تشبيه
المركب بالمفرد، وهذا يكون قليلًا، نذكر من ذلك قول أبي تمام:
يا صاحبي تقصيا نظريكما ... 
تريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهارًا مشمسًا قد شابه
شابه يعني: خالطه

تريا نهارًا مشمسا قد شابه ... زهر الربا -الربا هي الأرض المرتفعة- فكأنما هو مقمر
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
 
فهنا يشبه الهيئة الحاصلة من الشمس الساطعة على الروابي المزهرة المخضرة، وقد اختلطت الأشعة المشرقة بالخضرة القاتمة؛ فانكسرت بهذا الاختلاط حدة الضوء حتى صار يضرب إلى السواد، كل هذا صورة المشبه، لو أنك حذفت جزء منه؛ اختلَّ التشبيه يشبه، كل هذه الصورة أو الهيئة بليل مقمر، فالمشبه به مفرد مقيد، والمشبه كما ذكرنا مركب.
بعد أن ذكرنا أقسام التشبيه باعتبار الحسية والعقلية، وأقسام التشبيه باعتبار الإفراد والتقييد والتركيب،
بقي أن نذكر أقسام التشبيه باعتبار وحدة الطرفين أو تعددهما.
معنى وحدة الطرف أن يكون أمرًا واحدًا مثل مثلًا: محمد كالأسد، فمحمد مفرد، أو أمر واحد، وليس متعدد الأسد كذلك، فهو شبه شيئًا واحدًا بشيء آخر واحد، معنى أن يكون الطرف متعدد أن يكون أمرين، أو عدة أمور، لكن لا يمزج بينها، بل يظل كل أمر منها على حدة، وإلا لصار طرفًا مركبًا؛ فالمتعدد هناك فرق بينه وبين المركب المتعدد أجزاء عبارة عن أمرين، أو عدة أمور، لا يمزج بينها.
هذا هو الفرق بينه وبين المركب،
وبالمثال يتضح المقال فعندنا مثلًا صور التشبيه باعتبار وحدة الطرفين، وتعددهما، كما تقتضيها القسمة العقلية، عندنا تشبيه واحد بواحد، وعندنا تشبيه واحد بمتعدد، وتشبيه متعدد بواحد، وتشبيه متعدد بمتعدد، نذكر لكل بعض الأمثلة حتى تتضح صورة كل في الأذهان.
الأول:
أن يكون المشبه واحدًا والمشبه به كذلك، فقول الله تعالى مثلًا {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} (الفيل: 5) المشبه هنا أصحاب الفيل المشبه به العصف المأكول كلاهما واحد، فلا تعدد في أي منهما.
تعال مثلًا عندما يصف الله هلاك قوم ثمود ثم قوم صالح يقول: {إِنَّا
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} (القمر: 31) فشبه القوم بالهشيم، وكلاهما واحد لا تعدد فيه، لكن انظر إلى دقة التعبير في كلا الموضعين تجد مثلًا استخدام الألفاظ
 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

والإيحاءات في كل يختلف عن الآخر تمامًا؛ لقد عبر مثلًا عن هلاك ثمود بأنهم صاروا كالهشيم، وهو شجر اليابس، وهذا يكفي في إفادة هلاكهم، لكنه يضيف إلى المشبه به هذا القيد كلمة {الْمُحْتَظِرِ} أي: الذي يعمل الحظيرة لمواشيه من يابس الشجر، فما سقط منها داسته فهو الهشيم؛ ولذا أفاد هذا القيد حقارتهم وازدراءهم، فهم كالهشيم الذي تطؤه الدواب، وتبول عليه، وتروث؛ بينما نجد الهلاك مثلًا مع أصحاب الفيل، فقد جعلوا كالعصف، وورق الزرع، وهذا كافٍ في إفادة الهلاك.
لكنه قيَّد العصف هنا بهذا الوصف كلمة {مَأْكُولٌ} أي: أكلته الدواب، وراثت عليه، وبالت،
فهم قد صاروا إلى حال أخرى في أجسادهم، بخلاف الصورة الأولى التي تصور هلاك ثمود، فثمود قد تهشم، وبقيت أوصاف أجسامهم.
أما هؤلاء فقد أصبحوا أثرًا بعد عين،
فنجد أن القرآن أبرز هلاك أصحاب الفيل في صورة أشد وأفظع من هلاك ثمود، ويرجع ذلك إلى الحال الذي اقتضى هلاك كلٍّ، فثمود عقروا الناقة وأعرضوا عن آيات ربهم، لكن أصحاب الفيل قصدوا الكعبة، وأرادوا هدم البيت، واقتلاع أسسه، وأرادوا إزالة أول بيت وضع للناس؛ لذا كان هلاكهم أشد.
ثاني هذه الأقسام التي
تدخل في أقسام التشبيه باعتبار وحدة الطرفين، أو التعدد: ما جاء من قبيل تشبيه الواحد بالمتعدد، فمثلًا عندما يقول الشاعر، وهو عمران بن حطان يذم الحجاج بالجبن يقول:
أسد عليَّ وفي الحروف نعامة ... فرخاء تنفر من صفير الصافر
فشبه مخاطبه بالأسد، ثم بالنعامة،
فالمشبه واحد، لكن المشبه به متعدد، من ذلك أيضًا قول امرئ القيس:

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما أُعطيَ العبد بعد الإسلام نعمة خيراً من أخ صالح فإذا وجد أحدكم وداً من أخيه فليتمسك به".

×