اذهبي الى المحتوى
المشرفة

الإفراط في النشيد

المشاركات التي تم ترشيحها

http://islamlight.net/index.php?option=con...3&Itemid=25

 

card_cat_3.jpg

د.عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

 

 

يُحكى أنَّ مُغنياً عزمَ على التَّوبة، فقيل له: عليك بصُحبة الصُّوفيَّة! فإنَّهم يعملون على

 

إرادة الآخرة، والزُّهد في الدنيا، فصحبهم، فصاروا يستعملونه في السماع والإنشاد، ولا تكاد التوبة تنتهي إليه لتزاحمهم عليه، فترك ذاك المغني صحبتهم، وقال: أنا كنتُ تائباً ولا أدري(1).

 

هذه واقعة سطّرها يراع ابن القيم ـ رحمه الله ـ، وهي تذكّرنا بالإغراق والمبالغة في النشيد هذه الأيام، والذي استحوذ على فئام من أهل النشيد، حتَّى أفضى الأمر عند بعضهم إلى محاكاة الغناء الماجن.

 

فصاحَب بعض الإنشاد التكسّرُ والتأوه في الإلقاء، ومشابهة لحون الغناء المتهتك، واعتناء بعض المنشدين بجمال الصورة، وتنميق المظهر، وحلق شعر الوجه؛ بل أفضى الأمر إلى استعمال المعازف في ذاك النشيد المتفلت، ويضاف إلى ذلك تقنيات الصوت ومؤثراته، والتي جعلت الأسماع لا تكاد تميّز بين غناء المجون وهذا النشيد.

 

وقد ألمح ابن الجوزي إلى ذلك وحذّر من مغبة هذا الصنيع فقال: «ولمَّا يَئِسَ إبليس، أنْ يسمع من المتعبدين شيئاً من الأصوات المُحرَّمة كالعُود، نظر إلى المعنى الحاصل بالعود، فدرجه في ضمن الغِناء بغير العود وحسّنه لهم، وإنما مراده التدريج من شيء إلى شيء. والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج، وتأمّل المقاصد»(2).

 

ـ والإنهماك في كثير من هذه الأناشيد يورث عاطفة وانفعالاً عند بعض الناس، لكن دون بصيرة أو فقه، فهو يحِّرك المشاعر، ويُؤجج العواطف. وقد استخوذ على الصوفية سماع القصائد فقلّ علمهم وعزّ فقههم، حتى قال سفيان الثوري: «أعزّ الخلق خمسة أنفس ـ وذكر منهم ـ: فقيه صوفي»(3).

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا غلب على منحرفة المتصوفة الإعتياض بسماع القصائد عن سماع القرآن، فإنَّه يُعطيهم حركة حبّ من غير أن يكون ذلك تابعاً لعلم وتصديق.. وله تأثير من جهة التَّحريك والإزعَاج لا من جِهة العلم»(4).

 

فالأجيال العاكفة على سماع النَّشيد لا تنال بذلك فقــهاً، ولا تحقق علماً بدين الله ـ تعالى ـ، وإنما هو ترنّم وتواجد، وانفعال عاطفي.

 

ـ والولع بسماع النشيد يزهّد في سماع القرآن العظيم، «ولِذا تجد مَنْ أكثر مِنْ سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقُص رغبته في سماع القرآن، حتَّى رُبَّما كرِهه»(5).

 

وقـد قال الإمام الشــافعي: «خلّفت ببغداد شيئاً أحدثته الـزنـادقة يسمونه التغبير(6)، يصــدون به الناس عن القرآن»(7).

 

قال ابن تيمية ـ معلقاً على كلام الشافعي ـ: «وهذا من كمال معرفة الشافعي وعلمه بالدين، فإن القلب إذا تعوّد سماع القصائد والأبيات والتذَّ بها، حصل له نفور عن سماع القرآن والآيات، فيستغني بسماع الشيطان عن سماع الرحمن»(8).

 

ويقول ـ في موطن آخر ـ: « فإنّ السُّكر بالأصوات المطربة قد يصير من جِنس السُّكر بالأشربة المُسكِرة، فيصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة، ويمنع قلوبهم حلاوة القرآن، وفهم معانيه، واتباعه، فيصيرون مضارعين للذين يشترون لهو الحديث ليضلوا عن سبيل الله...»(9).

 

فالقلوب أوعية، فإن كان الوعاء مملوءاً بحبّ القصائد والأناشيد، فأين يقع حبّ القرآن وذكر الله ـ تعالى ـ في ذلك الوعاء؟!

 

وقال ابن الجوزي ـ في نقده الصوفية ـ: «وقد نشب حبّ السماع بقلوب خلق منهم، فآثروه على قراءة القرآن، ورقت قلوبهم عنده مما لا ترق عند القرآن، وما ذاك إلا لتمكن هوى باطن تمكن منه، وغلبة طبع...»(10).

 

ـ إن النشيد المنضبط بالضوابط الشرعية بديل محمود عن الأغاني الماجنة، لكن إذا وضع بتوازن في موضعه الصحيح، أما إذا أردنا أن نعرف الحكم الشرعي في ذلك النشيد المتفلت، فعلينا أن ننظر إلى مآلاته وعواقبه، وقد حرر شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم قاعدة في ذلك، وأعملاها على السماع المحدث، فكان مما قاله ابن القيم:

 

«إذا أشكل على الناظر أو السالك حكم شيء: هل هو الإباحة أو التحريم؟ فلينظر إلى مفسدته وثمرته وغايته، فإن كان مشتملاً على مفسدة راجحة ظاهرة، فإنه يستحيل على الشارع الأمر بـه أو إباحته، بل العلم بتحريمه من شرعه قطعي. ولا سيما إذا كان طريقاً مفضياً إلى ما يغضب الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-موصلاً إليه.

 

فكيف يظن بالحكيم الخبير أن يحرم مثل رأس الإبرة من المسكر؛ لأنَّه يسوق النَّفس إلى السكر الذي يسوقها إلى المحرمات، ثم يبيح ما هو أعظم منه سَوْقاً للنفوس إلى الحرام بكثير؟...» ـ إلى أن قال ـ: «... والذي شاهدناه ـ نحن وغيرنا ـ وعرفناه بالتجارب أن ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم، وفشت فيهم، واشتغلوا بها؛ إلا سلط الله عليهم العدو، وبُلوا بالقحط والجدب وولاة السوء. والعاقل يتأمل أحوال العالم وينظر، والله المستعان»(11).

 

ـ هـذا النشيد المُتهتك أنموذج من الترخص المتفلت في واقعِـنا الحاضر، فقد ظهرت في الآونة الأخيرة توجهات ومؤلفات في التفـلت عن ضوابط الشرع، والتواثب على حرمات ـ الله عز وجل ـ مثل: حلق اللحية، وإباحة سماع الغناء، والتوسع في أنواع من المناكح والمكاسب والمطعومات دون التحقق من أحكام الشرع.

 

إضافة إلى ما هو أطم من ذلك كالتساهل في وسائل الشرك وذرائعه، وتهوين عقيدة الولاء والبراء، وغير ذلك.

 

وهذا الواقع يوجب على العلماء والدعاة أنْ يُربّوا الأمة على أخذ الدِّين بقوة، والدعوة إلى التَّمسك بالسُّنة والعض عليها بالنَّواجذ، والحذَر من تتبُّع الرُّخص والحِيل المحرَّمة والأقوال الشَّاذّة، وإحياء واعظ الله في قلوب أهل الإسلام، والتذكير بالوقوف بين يدي الجبار جل جلاله، الذي يعلم السر وأخفى، قال ـ عزَّ وجلَّ ـ: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ {14} وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ {15} } [القيامة: 14 - 15].

 

 

 

________________________________________

(1) انظر: الكلام على مسألة السماع، ص (342).

(2) تلبيس إبليس، ص (249).

(3) مدارج السالكين (330/2).

(4) مجموع الفتاوى (2/42).

(5) اقتضاء الصراط المستقيم (1/484).

(6) التغبير: هو الضرب بالقضيب، وهو آلة من الآلات التي تقرن بتلحين الغناء، انظر: الاستقامة (1/38).

(7) أخرجه ابن الجوزي في تلبيس إبليس، ص (257). (8) مجموع الفتاوى (10/532)، وانظر: الاستقامة (1/238).

(9) مجموع الفتاوى (10/43). (10) تلبيس إبليس، ص (276).

(11) مدارج السالكين: (1/496، 497، 500)، وانظر: مجموعة الرسائل الكبرى لابن تيمية (2/308).

العدد 232

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

بارك الله فيك

مشرفتي الغالية

على هذا الموضوع القيم الذي وفى وغطى تساؤلات عديدة

جزاك الله عنا كل خير

زادك الله علما ورفع قدرك

ورزقك الفردوس الاعلى

 

محبتك في الله :biggrin:

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بارك الله فيك مشرفتنا الغالية

 

كنت أفكر في هذا الموضوع وفعلا إذا أفرطنا في سماع النشيد المنضبط سيليهينا عن سماع القرآن

 

فاذا استمعنا الى الاناشيد الى ساعة يجب ان نستمع إلى القران ساعتين المهم أن يكون للقرآن نصيب الأسد

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

 

جزاك الله الجنان مشرفتي الحبيبة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

بارك الله فيكن أخواتي الحبيبات، وسلمكن من كل سوء.

وأسأل الله سبحانه أن يهدينا جميعا ويعيذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

 

بوركتِ يا حبيبة ،

حقاً أنتِ صائدةٌ للفوائد : )

 

نفع الله بكِ وبما تُقدمين .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

وإياك محبة الرحمن :)

الله يسعدك.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

مشرفتي الغالية

جزاك الله خيراعلي ما تقومين به من مجهود لتفقهيننا في ديننا دون إفراط ولا تفريط

والله يا اختي انا اري أيضا أن الأناشيد التي يحفظونها لأطفالنا يكون مندس بداخلها بعض العقائد الدخيلة التي تفسد علي أطفالنا عقيدتهم السليمة لكن أخبريني ماذا نفعل نحو هذا التيار لأن هذه الأناشيد تلاحق اطفالتا في مدارسهم

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

وإياك أخيتي الحبيبة أم فايق.

يمكن عمل عدة أمور:

- تحصين الطفل من البيت بتعريفه الصح من الخطأ

- مراجعة المدرسات باستمرار وتوضيح أنك لا ترضين لأبنائك سماع ما فيه مخالفات

- مراجعة إدارة المدرسة

- متابعة الطفل باستمرار لمعرفة ما يأخذ، ومن ثم توجيهه

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم

بارك الله فيكي مشرفتي الغالية والله كان بدي مواضيع على الغفراط في الأناشيد سلمت يمناك غاليتي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

بارك الله فيك مشرفتي الغالية

على هذا الموضوع القيم الذي وفى وغطى تساؤلات عديدة

جزاك الله عنا كل خير

زادك الله علما ورفع قدرك

ورزقك الفردوس الاعلى

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

.:.

 

أخيتي الغالية

الإفراط ظاهرة لم تجد ذلك الإهتمام والتنبيه بالرغم من أهميتها خاصة في يومِنا هـذا مع كثرة الأناشيد و المنشدين

جنّبني رب العـزة واياكن الفتن ما ظهر منها وما بطن

أســأله عز وجل أن يُثقل بهذا النقل الطيب ميزان حسناتك

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جزاك الله خيرا مشرفتي الغالية فلقد إنتشر أمر الأناشيد بشكل كبير وهناك من لا ينام الا عليها بحجة أنها خالية من الموسيقى

لا حرمنا الله منك يا غالية :wub:

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

بارك الله فيكن أخواتي الحبيبات على مروركن الكريم، وجزاكن خيرا.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×