اذهبي الى المحتوى
أم عمر السلفية المصرية

سلسلة : مقتطفات من كتب السلف

المشاركات التي تم ترشيحها

الحلقة السادسة عشر

 

 

الكتاب : حياة عثمان بن عفان

( ثالث الخلفاء الراشدين )

المؤلف : الدكتور عليّ محمد الصلابي

 

أولاً: اسمه ونسبه وكنيته وألقابه:

 

1- هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب, ويلتقي نسبه بنسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في عبد مناف. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي , وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وهي شقيقة عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنهما ولدا توأما (حكاه الزبير بن بكار)، فكان ابن بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ابن خال والدته. وقد أسلمت أم عثمان وماتت في خلافة ابنها عثمان, وكان ممن حملها إلى قبرها، وأما أبوه فهلك في الجاهلية.

2- كنيته: كان يكنى في الجاهلية أبا عمرو، فلما ولد له من رقية بنت رسول الله غلام سماه عبد الله، واكتنى به، فكناه المسلمون أبا عبد الله.

3- لقبه: كان عثمان رضي الله عنه يلقب بذي النورين، وقد ذكر بدر الدين العيني في شرحه على صحيح البخاري، أنه قيل للمهلب بن أبي صفرة , لم قيل لعثمان ذو النورين؟ فقال: لأنا لا نعلم أحدا أرسل سترا على بنتي نبي غيره,وقال عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي: قال لي خالي حسين الجعفي: يا بني، أتدري لِمَ سمي عثمان ذا النورين؟ قلت: لا أدري، قال: لم يجمع بين ابنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذا النورين. وقيل: سمي بذي النورين لأنه كان يكثر من تلاوة القرآن في كل ليلة في صلاته، فالقرآن نور وقيام الليل نور.

4- ولادته: ولد في مكة بعد عام الفيل بست سنين على الصحيح ، وقيل: ولد في الطائف، فهو أصغر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو خمس سنين.

5- صفته الْخَلْقيَّة: كان رجلا ليس بالقصير ولا بالطويل، رقيق البشرة، كث اللحية عظيمها، عظيم الكراديس , عظيم ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، يصفِّر لحيته. وقال الزهري: كان عثمان رجلا مربوعا، حسن الشعر، حسن الوجه، أصلع، أروح الرجلين , وأقنى , خدل الساقين, طويل الذراعين، قد كسا ذراعيه جعد الشعر، أحسن الناس ثغرا، جُمَّته < أسفل من أذنيه، حسن الوجه، والراجح أنه أبيض اللون، وقد قيل:

أسمر اللون .

 

 

ثانيًا: أسرته:

 

تزوج عثمان رضي الله عنه ثماني زوجات كلهن بعد الإسلام وهن: رقية بنت رسول الله وقد أنجبت له عبد الله بن عثمان، ثم تزوج أم كلثوم بنت رسول الله بعد وفاة رقية، وتزوج فاختة بنت غزوان، وهي أخت الأمير عتبة بن غزوان، وأنجبت لعثمان عبد الله الأصغر، وأم عمرو بنت جندب الأزدية، وقد أنجبت لعثمان عمرا وخالدا وأبان وعمر ومريم، وتزوج فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومية، وأنجبت لعثمان: الوليد وسعيدا وأم سعد، وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، وأنجبت لعثمان: عبد الله، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة الأموية، وأنجبت لعثمان: عائشة وأم أبان وأم عمرو، وقد أسلمت رملة، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوج نائلة بنت الفرافصة الكلبية، وكانت على النصرانية وقد أسلمت قبل أن يدخل بها وحسن إسلامها .

 

 

ثالثا: إسلامه:

 

كان عثمان قد ناهز الرابعة والثلاثين من عمره حين دعاه أبو بكر الصديق إلى الإسلام، ولم يعرف عنه تكلؤ أو تلعثم بل كان سباقا أجاب على الفور دعوة الصديق، فكان بذلك من السابقين الأولين حتى قال أبو إسحاق: كان أول الناس إسلاما بعد أبى بكر وعلي وزيد بن حارثة عثمان ,فكان بذلك رابع من أسلم من الرجال، ولعل سبقه هذا إلى الإسلام كان نتيجة لما حدث له عند عودته من الشام، وقد قصه رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل عليه هو وطلحة بن عبيد الله، فعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما القرآن، وأنبأهما بحقوق الإسلام ووعدهما الكرامة من الله فآمنا وصدقا، فقال عثمان: يا رسول الله، قدمت حديثا من الشام، فلما كنا بين معان والزرقاء فنحن كالنيام فإذا منادٍ ينادينا: أيها النيام هبوا، فإن أحمد قد خرج بمكة، فقدمنا فسمعنا بك.

 

 

من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في فضل عثمان بن عفان رضي الله عنه

 

 

1- افتح له وبشِّره بالجنة على بلوى تصيبه:

 

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افتح له، وبشره بالجنة» ففتحت له فإذا هو أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افتح له وبشره بالجنة» ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي صلى الله عليه وسلم

 

2 - حياء عثمان :

 

عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وآله وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع على فراشه لابسٌ مِرْط عائشة فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس، وقال لعائشة: «اجمعي عليك ثيابك»، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، ما لي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إليَّ في حاجته».

سلم فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: «افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه» فإذا هو عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، ثم قال: الله المستعان.

 

3 - اسكن أحد فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان:

 

عن أنس رضي الله عنه قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف، فقال: «اسكن أحد -أظنه ضربه برجله- فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان».

بيعة عثمان رضي الله عنه للخلافة

 

- الاتفاق على بيعة عثمان:

 

وبعد صلاة صبح يوم البيعة (اليوم الأخير من شهر ذي الحجة 23هـ/ 6 نوفمبر 644م) وكان صهيب الرومي الإمام إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف، وقد اعتم بالعمامة التي عممه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان قد اجتمع رجال الشورى عند المنبر، أرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد منهم: معاوية أمير الشام، وعمير بن سعد أمير حمص، وعمرو بن العاص أمير مصر، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر وصاحبوه إلى المدينة.

وجاء في رواية البخاري: فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى كل حاضر من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أراهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون.

 

 

اجتهاداته الفقهية في عهده

 

- قتل اللصوص:

 

إن شبابا من شباب أهل الكوفة في ولاية الوليد بن عقبة نقبوا على ابن الحيسمان الخزاعي وكاثروه، فنذر بهم، فخرج عليهم بالسيف، فلما رأى كثرتهم استصرخ فقالوا له: اسكت، فإنما هي ضربة حتى نريحك من روعة هذه الليلة، وأبو شريح الخزاعي مشرف عليهم، فصاح بهم وضربوه فقتلوه، وأحاط الناس بهم فأخذوهم، وفيهم زهير بن جندب الأزدي ومورع بن أبي مورع الأسدي، وشبيل بن أبي الأزدي في عدة، فشهد عليهم أبو شريح وابنه أنهم دخلوا عليه, فمنع بعضهم بعضا من الناس، فقتله بعضهم، فكتب فيه إلى عثمان فكتب إليه في قتلهم، فقتلهم على باب القصر في الرحبة، وقال في ذلك عمر بن عاصم التميمي:

لا تأكلوا أبدا جيرانكم سَرَفا

 

أهل الزعارة في ملك ابن عفان

 

عقوبة الساحر:

 

حدث في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه أن جارية لحفصة سحرتها، فاعترفت الجارية بذلك، فأمرت حفصة بها عبد الرحمن بن زيد فقتلها، فأنكر ذلك عليها عثمان، فقال ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين امرأة سحرتها واعترفت، فسكت عثمان، وعثمان لم ينكر على حفصة القتل ولكنه أنكر عليها الافتئات على حق الإمام في إقامة الحدود، فإن أمر الحدود إلى الإمام، وهذا ما يدل عليه قول ابن عمر: ما تنكر على أم المؤمنين من امرأة سحرتها واعترفت؛ يعني أن القضاء فيها واضح، وأن استحقاقها القتل لا تدفعه شبهة .

 

- الجناية على الحيوان:

 

إذا وقعت الجناية على الحيوان فالواجب فيها الضمان بالقيمة، فعن عقبة بن عامر قال: قتل رجل في خلافة عثمان بن عفان كلبا لصيد لا يعرف مثله في الكلاب، فقُوِّم بثمانمائة درهم، فألزمه عثمان تلك القيمة، وأغرم رجلا ثمن كلب قتله عشرين بعيرا

 

 

زاد الأذان الثاني يوم الجمعة:

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» ، وهذه الزيادة من سنة الخلفاء الراشدين، ولا شك أن عثمان من الخلفاء الراشدين ورأى مصلحة أن يزاد هذا الأذان لتنبيه الناس عن قرب وقت صلاة الجمعة بعد أن اتسعت رقعة المدينة، فاجتهد في هذا ووافقه جميع الصحابة، واستمر العمل به لم يخالفه أحد حتى في زمن علي وزمن معاوية وزمني بني أمية وبني العباس إلى يومنا هذا، فهي سنة بإجماع المسلمين. ثم هو له أصل في الشرع، وهو الأذان الأول في الفجر، فقاس عثمان هذا الأذان عليه. لقد سن عثمان ذلك أخذا من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وأذانه الذي شرعه في الفجر قبل دخول الوقت لينبه النائم ويستعد اليقظان ومريد الصيام، فهو مستن بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وآخذ من طريقته، وقد اختلف أهل العلم: هل أوقعه قبيل دخول الوقت كما هو الحال في الأذان الأول من الفجر أم أوقعه في الوقت؟ ويميل الحافظ إلى أن وقوعه كان إعلاما بالوقت، قال في فتح الباري: وتبين أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها، وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب، وفيه استنباط معنى من الأصل لا يبطله، وأما ما أحدث الناس قبل وقت الجمعة من الدعاء إليها والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهو في بعض البلاد دون بعض واتباع السلف الصالح أولى . وأما الذين قالوا: إنه أحدث قبيل دخول الوقت، قالوا: لأن الغرض منه الإعلام بالجمعة والسعي إليها على غرار الأذان الأول في الفجر، فلو كان بعد دخول الوقت لما أدى المعنى المطلوب إلا بتأخير الجمعة بعض الشيء وهو خلاف السنة، وبه يُستغنى عما أحدثه في التذكير والذكر وغيرهما مما أشار إليه الحافظ ولم ينكره إلا بقوله: (واتباع السلف الصالح أولى

 

 

- سجود التلاوة:

 

 

كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يرى أن سجود التلاوة يجب على المكلف التالي للقرآن, وعلى الجالس لسماع القرآن، أما من سمعه من غير قصد فليس عليه سجود التلاوة، فقد مر رضي الله عنه بقاص فقرأ القاص سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد. وقوله: على من استمع: يعني على من قصد السماع. وقال رضي الله عنه: إنما السجدة على من جلس لها ، وروى عن عثمان أن الحائض إذا استمعت السجدة تومئ بها إيماء ولا تتركها، ولا تسجد لها سجود الصلاة .

 

 

أهم الفتوحات في عهده رضي الله عنه

 

 

في بلاد المشرق

 

 

1 : فتوحات أهل الكوفة: أذربيجان 24 هـ:

: غزوة سعيد بن العاص طبرستان 30 هـ:

3 : فتوحات عبد الله بن عامر 31 هـ:

4 : غزوة الباب وبلنجر سنة 32هـ:

5 : فتوحات ابن عامر سنة 32 هـ:

 

في الشام 1 :

 

 

فتوحات حبيب بن مسلمة الفهري:

 

2 : غزوة قبرص:

 

في مصر 1 :

 

 

1 فتح بلاد النوبة:

2 : فتح إفريقية:

3 : معركة ذات الصواري:

 

 

جمع القران في عهده

 

جمع عثمان رضي الله عنه المهاجرين والأنصار وشاورهم في الأمر، وفيهم أعيان الأمة وأعلام الأئمة وعلماء الصحابة، وفي طليعتهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وعرض عثمان رضي الله عنه هذه المعضلة على صفوة الأمة وقادتها الهادين المهديين، ودارسهم أمرها ودارسوه، وناقشهم فيها وناقشوه، حتى عرف رأيهم وعرفوا رأيه، فأجابوه إلى رأيه في صراحة لا تجعل للريب إلى قلوب المؤمنين سبيلا، وظهر للناس في أرجاء الأرض ما انعقد عليه إجماعهم، فلم يعرف قط يومئذ لهم مخالف ولا عرف عند أحد نكير، وليس شأن القرآن الذي يخفى على آحاد الأمة فضلا عن علمائها وأئمتها البارزين .

إن عثمان رضي الله عنه لم يبتدع في جمعه المصحف، بل سبقه إلى ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، كما أنه لم يصنع ذلك من قِبَل نفسه، إنما فعله عن مشورة للصحابة -رضي الله عنهم- وأعجبهم هذا الفعل وقالوا: نعم ما رأيت، وقالوا أيضا: قد أحسن (أي في فعله في المصاحف) .

وقد أدرك مصعب بن سعد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم حين مشق ,عثمان رضي الله عنه المصاحف فرآهم قد أعجبوا بهذا الفعل منه ، وكان علي رضي الله عنه ينهى من يعيب على عثمان رضي الله عنه بذلك ويقول: يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرا أو قولوا خيرا, فوالله ما فعل الذي فعل -أي في المصاحف- إلا عن ملإٍ منا جميعا -أي الصحابة-, والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل .

وبعد اتفاق هذا الجمع الفاضل من خيرة الخلق على هذا الأمر المبارك، يتبين لكل متجرد عن الهوى أن الواجب على المسلم الرضا بهذا الصنيع الذي صنعه عثمان رضي الله عنه وحفظ به القرآن الكريم .

 

 

الفرق بين جمع الصديق وجمع عثمان رضي الله عنهما:

 

قال ابن التين: الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان أن جمع أبي بكر كان لخشيته أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم. وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرأوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم البعض، فخشى من تفاقم الأمر في ذلك فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر في سائر اللغات على لغة قريش محتجا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءاته بلغة غيرهم، دفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة.

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: لم يقصد أبو بكر في جمع نفس القرآن بين لوحين، إنما قصد جمعهم على القراءات الثابتة المعروفة عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلغاء ما ليس كذلك، وأخذهم بمصحف لا تقديم فيه ولا تأخير، ولا تأويل أثبت مع تنزيل، ولا منسوخ تلاوته كتب مع مثبت رسمه ومفروض قراءته وحفظه، خشية دخول الفساد والشبهة على من يأتي بعد.

وقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك؛ إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق، وقد قال علي رضي الله عنه: لو وليت لعملت بالمصاحف التي عمل بها عثمان.

 

بعض أسباب فتنة مقتل عثمان

 

 

 

1 - مجيء عثمان بعد عمر رضي الله عنهما:

 

كان مجيء عثمان رضي الله عنه مباشرة بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه واختلاف الطبع بينهما مؤديا إلى تغير أسلوبهما في معاملة الرعية، فبينما كان عمر قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه, ولمن تحت يديه، كان عثمان ألين طبعا وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر حتى يقول عثمان نفسه: يرحم الله عمر، ومن يطيق ما كان عمر يطيق . لكن الناس وإن رغبوا في الشوط الأول من خلافته لأنه لان معهم وكان عمر شديدا عليهم، حتى أصبحت محبته مضرب المثل، فقد أنكروا عليه بعد ذلك، ويرجع هذا إلى نشأة عثمان في لطفه ولين عريكته ورقة طبعه ودماثة خلقه، مما كان له بعض الأثر في مظاهر الفرق عند الأحداث بين عهده وعهد سلفه عمر بن الخطاب، وقد أدرك عثمان ذلك حين قال لأقوام سجنهم: أتدرون ما جرأكم عليَّ؟ ما جرأكم علي إلا حلمي. وحين بدت نوايا الخارجين وقد ألزمهم عثمان الحجة في رده على المآخذ التي أخذوها عليه أمام الملأ من الصحابة والناس، أبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى عثمان إلا تركهم لحلمه ووداعته قائلا: بل نعفو ونقبل، ولنبصرهم بجهدها، ولا نحادّ أحدا حتى يركب حدا أو يبدي كفرا .

 

 

2- - العصبية الجاهلية:

 

يقول ابن خلدون: لما استكمل الفتح واستكمل للملة الملك، ونزل العرب بالأمصار في حدود ما بينهم وبين الأمم من البصرة والكوفة والشام ومصر، وكان المختصون بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهديه وآدابه المهاجرين والأنصار وقريش وأهل الحجاز، ومن ظفر بمثل ذلك من غيرهم، وأما سائر العرب من بني بكر بن وائل وعبد القيس وسائر ربيعة والأزد وكندة وقضاعة وغيرهم، فلم يكونوا في تلك الصحبة بمكان إلا قليل منهم، وكانت لهم في الفتوحات قدم، فكانوا يرون ذلك لأنفسهم مع ما يدين به فضلاؤهم من تفضيل أهل السابقة ومعرفة حقهم، وما كانوا فيه من الذهول والدهش لأمر النبوة وتردد الوحي وتنزل الملائكة، فلما انحصر ذلك العباب، وتنوسى الحال بعض الشيء، وذل العدو واستفحل الملك، كانت عروق الجاهلية تنبض، ووجدوا الرياسة عليهم من المهاجرين والأنصار وقريش وسواهم، فأنفت نفوسهم منه، ووافق ذلك أيام عثمان فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار، والمؤاخذة لهم باللحظات والخطوات، والاستبطاء عليهم الطاعات، والتجني بسؤال الاستبداد منهم والعزل، ويفيضون في النكير على عثمان، وفشت المقالة في ذلك في أتباعهم، وتناولوا بالظلم في جهاتهم، وانتهت الأخبار بذلك إلى الصحابة بالمدينة، فارتابوا وأفاضوا في عزل عثمان وحمله على عزل أمرائه، وبعث إلى الأمصار من يأتيه بالخبر.. فرجعوا إليه فقالوا: ما أنكرنا شيئا ولا أنكره أعيان المسلمين ولا عوامهم .

 

3- المفهوم الخاطئ للورع:

 

الورع في الشريعة طيب؛ وهو أن يترك ما لا بأس به مخافة مما فيه بأس. وهو في الأصل: ترفع عن المباحات في الله ولله. والورع شيء شخصي يصح للإنسان أن يطالب به نفسه، ولكن لا يصح أن يطالب به الآخرين. ومن أخطر أنواع الورع: الورع الجاهل الذي يجعل المباح حراما أو مفروضًا، وهذا الذي وقع فيه أصحاب الفتنة()؛ فقد استغل أعداء الإسلام يومها مشاعرهم هذه ونفخوا فيها، فرأوا فيما فعله عثمان من المباحات أو المصالح خروجا على الإسلام وتغييرا لسنة من سبقه، وعظمت هذه المسائل في أعين الجهلة فاستباحوا أو أعانوا من استباح دم الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وفتحوا على المسلمين باب الفتنة إلى اليوم. وهذا الورع الجاهل نلاحظه اليوم في تصرفات بعض المسلمين الذين يصرون على تكييف أحكام الإسلام وفق ما يشتهون أو يكرهون، أو وفق عاداتهم وتقاليدهم .

 

4- طموح الطامحين:

 

وجد في الجيل الثاني من أبناء الصحابة -رضي الله عنهم- من يعتبر نفسه جديرا بالحكم والإدارة، ووجد أمثال هؤلاء أن الطريق أمامهم مغلق، وفي العادة أنه متى

وجد الطامحون الذين لا يجدون لطموحهم متنفسا فإنهم يدخلون في كل عملية تغيير، ومعالجة أمر هؤلاء في غاية الأهمية .

 

5 - تآمر الحاقدين:

 

لقد دخل في الإسلام منافقون موتورون اجتمع لهم من الحقد والذكاء والدهاء ما استطاعوا أن يدركوا نقاط الضعف التي يستطعيون من خلالها أن يوجدوا الفتنة, ووجدوا من يستمع إليهم بآذان مصغية، فكان من آثار ذلك ما كان ؛ فقد عرفنا سابقا وجود يهود ونصارى وفرس، وهؤلاء جميعا معروف باعث غيظهم وحقدهم على الإسلام والدولة الإسلامية، ولكننا هنا نضيف من وقع عليه حد أو تعزير لأمر ارتكبه في وسط الدولة، عاقبه الخليفة أو ولاته في بعض الأمصار وبالذات البصرة والكوفة ومصر والمدينة، فاستغل أولئك الحاقدون من يهود ونصارى وفرس وأصحاب الجرائم مجموعات من الناس كان معظمهم من الأعراب، ممن لا يفقهون هذا الدين على حقيقته, فتكونت لهؤلاء جميعا طائفة وصفت من جميع من قابلهم بأنهم أصحاب شر، فقد وصفوا: بالغوغاء من أهل الأمصار، ونُزَّاع القبائل، وأهل المياه وعبيد المدينة ، وبأنهم ذؤبان العرب , وأنهم حثالة الناس ومتفقون على الشر ، وسفهاء عديمو الفقه, وأراذل من أوباش القبائل ، فهم أهل جفاء وهمج، ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف الأراذل، وأنهم آلة الشيطان. وقد تردد في المصادر اسم عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ضمن هؤلاء الموتورين الحاقدين، وأنه كان من اليهود ثم أسلم، ولم ينقب أحد عن نواياه فتنقل بين البلدان الإسلامية باعتباره أحد أفراد المسلمين ، وسيأتي الحديث عنه في مبحث مستقل بإذن الله.

 

استشهاد عثمان رضي الله عنه:

 

 

1- آخر أيام الحصار وفيه الرؤيا:

 

وفي آخر أيام الحصار - وهو اليوم الذي قتل فيه- نام رضي الله عنه فأصبح يحدِّث الناس: ليقتلني القوم ، ثم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، ومعه أبو بكر وعمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عثمان أفطر عندنا، فأصبح صائما وقتل من يومه .

 

2- صفة قتله:

 

هاجم المتمردون الدار فتصدى لهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص، ومن كان من أبناء الصحابة أقام معهم، فنشب القتال فناداهم عثمان: الله الله، أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ودخل غلمان عثمان لينصروه، فأمرهم ألا يفعلوا؛ بل إنه أعلن أنه من كف يده منهم فهو حر . وقال عثمان في وضوح وإصرار وحسم، وهو الخليفة الذي تجب طاعته: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعا وطاعة إلا كف يده وسلاحه . ولا تبرير لذلك إلا بأن عثمان كان واثقا من استشهاده بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، ولذلك أراد ألا تراق بسببه الدماء، وتقوم بسببه فتنة بين المسلمين . وكان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن حج ثم تعجل في نفر حجوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، ودخل الدار يحمي عنه وقال: ما عذرنا عند الله إن تركناك ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت؟ فأقدم المتمردون على حرق الباب والسقيفة، فثار أهل الدار -وعثمان يصلي- حتى منعوهم، وقاتل المغيرة بن الأخنس والحسن بن علي ومحمد بن طلحة وسعيد بن العاص، ومروان بن الحكم وأبو هريرة، فأبلوا أحسن البلاء وعثمان يرسل إليهم في الانصراف دون قتال، ثم ينتقل إلى صلاته، فاستفتح قوله تعالى: "طه ` مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ` إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَّخْشَى" [طه: 1-3] وكان سريع القراءة، فما أزعجه ما سمع، ومضى في قراءته ما يخطئ وما يتعتع، حتى إذا أتى إلى نهايتها قبل أن يصلوا إليه ثم دعا فجلس وقرأ: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ" [آل عمران: 137].

وأصيب يومئذ أربعة من شبان قريش وهم: الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن الحكم, وقتل المغيرة بن الأخنس، ونيار بن عبد الله الأسلمي . وزياد الفهري، واستطاع عثمان أن يقنع المدافعين عنه، وألزمهم بالخروج من الدار، وخلى بينه وبين المحاصرين، فلم يبق في الدار إلا عثمان وآله، وليس بينه وبين المحاصرين مدافع ولا حام من الناس، وفتح رضي الله عنه باب الدار .

وبعد أن خرج من في الدار ممن كان يريد الدفاع عنه، نشر رضي الله عنه المصحف بين يديه، وأخذ يقرأ منه وكان إذ ذاك صائما، فإذا برجل من المحاصرين لم تسمه الروايات يدخل عليه، فلما رآه عثمان رضي الله عنه قال له: بيني وبينك كتاب الله , فخرج الرجل وتركه، وما إن ولى حتى دخل آخر، وهو رجل من بني سدوس، يقال له: الموت الأسود، فخنقه وخنقه قبل أن يضرب بالسيف، فقال: والله ما رأيت شيئا ألين من خنقه، لقد خنقته حتى رأيت نفسه مثل الجان تردد في جسده، ثم أهوى إليه بالسيف، فاتقاه عثمان رضي الله عنه بيده فقطعها، فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المفصَّل ؛ وذلك أنه كان من كتبة الوحي، وهو أول من كتب المصحف من إملاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل رضي الله عنه والمصحف بين يديه، وعلى أثر قطع اليد انتضح الدم على المصحف الذي كان بين يديه يقرأ منه، وسقط على قوله تعالى:"فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" [البقرة: 137].

وفي رواية: إن أول من ضربه رجل يسمى رومان اليماني، ضربه بصولجان، ولما دخلوا عليه ليقتلوه أنشد قائلا:

أرى الموت لا يبقى عزيزا ولم يدع

 

لعاد ملاذا في البلاد ومرتقى

 

وقال أيضا:

يبيت أهل الحصن والحصن مغلق

 

ويأتي الجبال في شماريخها العلي

 

 

ولما أحاطوا به قالت امرأته نائلة بنت الفرافصة: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيى الليل بركعة يجمع فيها القرآن. وقد دافعت نائلة عن زوجها عثمان وانكبت عليه واتقت السيف بيدها, فتعمدها سودان بن حمران ونضح أصابعها فقطع أصابع يدها، وولت، فغمز أوراكها .

ولما رأى أحد غلمان عثمان الأمر، راعه قتل عثمان، وكان يسمى (نجيح) فهجم نجيح على سودان بن حمران فقتله، ولما رأى قتيرة بن فلان السكوني نجيحا قد قتل سودان، هجم على نجيح فقتله، وهجم غلام آخر لعثمان اسمه (صبيح) على قتيرة بن فلان فقتله، فصار في البيت أربعة قتلى شهيدان، ومجرمان، أما الشهيدان: فعثمان وغلامه نجيح، وأما المجرمان فسودان وقتيرة السكونيان، ولما تم قتل عثمان رضي الله عنه نادى منادٍ القوم السبئيين قائلا: إنه لم يحل لنا دم الرجل ويحرم علينا ماله، ألا إن ماله حلال لنا، فانهبوا ما في البيت، فعاث رعاع السبئيين في البيت فسادا، ونهبوا كل ما في البيت، حتى نهبوا ما على النساء، وهجم أحد السبئيين ويدعى كلثوم التجيبي على امرأة عثمان (نائلة) ونهب الملاءة التي عليها، ثم غمز وركها، وقال لها: ويح أمك من عجيزة ما أتمك، فرآه غلام عثمان (صبيح) وسمعه وهو يتكلم في حق نائلة هذا الكلام الفاحش، فعلاه بالسيف فقتله ، وهجم أحد السبئيين على الغلام فقتله، وبعدما أتم السبئيون نهب دار عثمان، تنادوا وقالوا: أدركوا بيت المال، وإياكم أن يسبقكم أحد إليه، وخذوا ما فيه، وسمع حراس بيت المال أصواتهم، ولم يكن فيه إلا غرارتان من طعام فقالوا: انجوا بأنفسكم، فإن القوم يريدون الدنيا، واقتحم السبئيون بيت المال وانتهبوا ما فيه .

 

 

موقف الصحابة من مقتل عثمان رضي الله عنهم

 

ثناء أهل البيت على عثمان رضي الله عنه وبراءتهم من دمه:

 

 

1- موقف السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:

 

أ- عن فاطمة بنت عبد الرحمن اليشكرية عن أمها، أنها سألت عائشة: وأرسلها عمها فقال: إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان، فإن الناس قد أكثروا فيه، فقالت: لعن الله من لعنه، فوالله لقد كان قاعدا عند نبي الله، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسند ظهره إليَّ، وإن جبريل -عليه السلام- ليوحي إليه القرآن وإنه ليقول: «اكتب عثمان»، فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريما على الله ورسوله.

 

عبد الله بن عباس رضي الله عنه:

 

روى الإمام أحمد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: لو اجتمع الناس على قتل عثمان لرموا بالحجارة كما رمى قوم لوط. وقال رضي الله عنه في مدح عثمان وذم من ينتقصه: رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة، هجَّادا بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهَّاضا عند كل مكرمة، سبَّاقا إلى كل محنة، حبيبًا أبيًّا وفيًّا، صاحب جيش العسرة، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعقب الله على من يلعنه لعنة اللاعنين إلى يوم الدين.

 

- زيد بن علي رحمه الله:

 

روى ابن عساكر بإسناده إلى السدي قال: أتيته -أي زيد- وهو في بارق حي من أحياء الكوفة، فقلت له: أنتم سادتنا وأنتم ولاة أمورنا، فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فقال: تولهما، وكان يقول البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان البراءة من علي، والبراءة من علي البراءة من أبي بكر وعمر وعثمان.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحلقة السابعة عشر

 

 

الكتاب : حياة عليّ بن أبي طالب

( رابع الخلفاء الراشدين )

المؤلف : الدكتور عليّ محمد الصلابي

 

الجزء الأول

 

أولاً: اسمه وكنيته ولقبه:

 

 

اسمه ونسبه:

 

هو على بن أبى طالب (عبد مناف) بن عبد المطلب، ويقال له شيبة الحمد بن هاشم بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان فهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلتقي معه في جده الأول عبد المطلب بن هاشم، وولده أبو طالب شقيق عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان اسم علىٍّ عند مولوده أسد، سمته بذلك أمه رضي الله عنها باسم أبيها أسد بن هاشم، ويدل على ذلك ارتجازه يوم خيبر حيث يقول:

أنا الذي سمتني أمي حيدرة

كليث غابات كريه المنظرة

 

وكان أبو طالب غائبًا فلما عاد، لم يعجبه هذا الأسم وسماه عليًا

 

كنيته:

 

أبو الحسن، نسبه إلى أبنه الأكبر الحسن وهو من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكنى أيضًا بأبى تراب، كنية كناه بها النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يفرح إذا نودي بها، وسبب ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بيت فاطمة رضي الله عنها فلم يجد عليًا في البيت، فقال: أين ابن عمك؟ قالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي، فقال صلى الله عليه وسلم لإنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله هو في المسجد راقد، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع وقد سقط رداءه عن شقه وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه ويقول: قم أبا تراب,

 

لقبه:

 

أمير المؤمنين، ورابع الخلفاء الراشدين

 

 

ثانيًا: مولده:

 

اختلفت الروايات وتعددت في تحديد سنة ولادته، فقد ذكر الحسن البصري أن ولادته قبل البعثة بخمس عشرة أو ست عشرة سنة , وذكر ابن إسحاق أن ولادته قبل البعثة بعشر سنين, ورجح ابن حجر قوله,

 

 

 

- صفاته الخَلقية:-

 

يقول ابن عبد البر رحمه الله: وأحسن ما رأيت في صفة على

رضي الله عنه أنه كان ربعة من الرجال إلى القصر ما هو، أدعج العينين، حسن الوجه، كأنه القمر ليلة البدر حسنًا، ضخم البطن، عريض المنكبين، شئن الكفين (عَتَدًا) أغيد، كان عنقه إبريق فضة، أصلع ليس في رأسه شعر إلا من خلفه، كبير اللحية، لمنكبه مشاش كمشاش السبع الضارى، لا يتبين عضده من ساعده، قد أدمجت دمجًا، إذا مسك بذراع رجل أمسك بنفسه فلم يستطع أن يتنفس، وهو إلى السمن ما هو، شديد الساعد واليد وإذا مشى للحرب هرول، ثابت الجنان، قوى شجاع .

 

 

إسلامه وأهم أعماله في مكة قبل الهجرة

 

 

إسلامه:

 

كان من نعمة الله عز وجل على علىّ بن أبى طالب وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس عمه - وكان من أيسر بنى هاشم-: يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه عياله، آخذ من بيته واحدًا وتأخذ واحدًا، فنكفيهما عنه،فقال العباس: نعم.. فانطلق حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا رضي الله عنه فضمه إليه، فلم يزل على بن أبى طالب رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بعثه الله نبيًا، فاتبعه علىّ، فأقر به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه

 

كيف أسلم على؟

 

روى ابن إسحاق أن على بن أبى طالب رضي الله عنه جاء إلى النبي × بعد إسلام خديجة رضي الله عنها، فوجدهما يصليان، فقال على: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"دين الله الذي اصطفاه لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحد وإلى عبادته، وتكفر باللات والعزى" فقال له على: هذا أمر لم أسمع به من قبل اليوم، فلست بقاض أمرًا حتى أحدث أبا طالب، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشى عليه سره، قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا على إذا لم تسلم فاكتم"، فمكث على تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب على الإسلام، فأصبح غاديًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى جاءه فقال: ما عرضت علىَّ يا محمد؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد، ففعل علىّ وأسلم، ومكث علىّ يأتيه على خوف من أبى طالب، وكتم على إسلامه ولم يظهر به

 

 

 

تقديمه نفسه فداء للنبي صلى الله عليه وسلم :

 

 

عندمات اجتمعت قبيلة قريش في دار الندوة، وأجمعوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم والتخلص منه، أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أحكم خلق الله، فأراد أن يبقى من أراد قتله ينظر إلى فراشه ينتظرونه يخرج عليهم، فأمر على بن أبى طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه تلك الليلة، ومن يجرؤ على البقاء في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم والأعداء أحاطوا بالبيت يتربصون به ليقتلوه؟ من يفعل هذا ويستطيع البقاء في هذا البيت هو يعلم أن الأعداء لا يفرقون بينه وبين الرسول الله صلى الله عليه وسلم في مضجعه؟ إنه لا يفعل ذلك إلا أبطال الرجال وشجعانهم بفضل الله - تعالى-، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم بمكة أيامًا حتى يؤدي أمانة الودائع والوصايا التي كانت عنده إلى أصحابها من أعدائه كاملة غير منقوصة، وهذا من أعظم العدل، وأداء الأمانة , وقد جاء في رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: نم في فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الخضري، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم . وقال ابن حجر، وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: فرقد علىُّ على فراش رسول الله يوارى عنه، وباتت قريش تختلف، وتأتمر، أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه، حتى أصبحوا فإذا هم بعلى، فسألوه، فقال: لا علم لي، فعلموا أنه قد فر , وعن ابن عباس: إن عليًا قد شرى نفسه تلك الليلة حين لبس ثوب النبي، ثم نام مكانه , وفي على وإخوانه من الصحابة المجاهدين الذين يبتغون رضوان الله والدار الآخرة نزل قوله تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ" [البقرة: 207].

 

 

 

هجرته:

 

لما أصبح على، رضي الله عنه، قام عن فراشه، فعرفه القوم وتأكدوا من نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا لعلى: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، أو رقيبًا كنت عليه؟ أمرتموه بالخروج فخرج. وضاق القوم بتلك الإجابة الجريئة وغاظهم خروج رسول الله من بين أظهرهم، وقد عموا عنه فلم يروه، فانتهروا عليًا وضربوه، وأخذوه إلى المسجد فحبسوه هناك ساعة، ثم تركوه , وتحمل على ما نزل به في سبيل الله، وكان فرحه بنجاة رسول الله أعظم عنده من كل أذى نزل به، ولم يضعف ولم يخبر عن مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانطلق على في مكة يجوب شوارعها باحثًا عن أصحاب الودائع التي خلفه رسول الله من أجلها، وردها إلى أصحابها، وظل يرد هذه الأمانات حتى برئت منها ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهناك تأهب للخروج ليلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ليال قضاهن في مكة .

وكان على في أثناء هجرته يكمن بالنهار فإذا جن عليه الليل سار حتى قدم المدينة، وقد تفطرت قدماه , وهكذا يكون على رضي الله عنه، قد لاقى في هجرته من الشدة ما لاقى، فلم تكن له راحلة يمتطيها، ولم يستطع السير في النهار لشدة حرارة الشمس وفي مشي الليل ما فيه من الظلمة المفجعة والوحدة المفزعة، ولو أضفنا إلى ذلك أنه - رضي الله عنه - قد قطع الطريق على قدميه دون أن يكون معه رفيق يؤنسه، لعلمنا مقدار ما تحمله من قسوة الطريق ووعثاء السفر ابتغاء مرضاة الله - عز وجل - وأنه في نهاية المطاف سيلحق برسول الله - صلى الله عليه و سلم - ، ويستمتع بجواره أمنًا مطمئنًا في المدينة، ولم يكد علىّ يقطع الطريق ويصل إلى المدينة حتى نزل في بنى عمرو بن عوف على كلثوم بن الهدم، حيث كان ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم , وهكذا كانت هجرة أمير المؤمنين على بن أبى طالب - رضي الله عنه - تضحية وفداء وتحملاً وشجاعة وإقدامًا.

 

 

 

معايشة أمير المؤمنين على للقرآن الكريم وأثرها عليه في حياته

 

 

 

ما نزل فيه من القرآن الكريم:

 

 

1- منها قول تعالى: " هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ` يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ` وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ `كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ` إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ" [الحج: 19- 23].

روى البخاري بسنده عن على بن أبى طالب أنه قال: "أنا أول من يجثو بين يدى الرحمن للخصومة يوم القيامة"، وقال قيس بن عبادة: فيهم نزلت +هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ" قال: هم الذين تبارزا يوم بدر، حمزة وعلى وأبو عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة .

2- وهو أحد من نزل فيهم قول الله تعالى: + فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ" [آل عمران: 61]. وذلك في وفد نجران حينما جادلهم النبي - صلى الله عليه و سلم- في عيسى ابن مريم، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى أمه الطاهرة، فأجابته، وكذبهم في أنه الله أو ابن الله أو ثالث ثلاثة، ودعاهم إلى الإسلام، فأبوها فدعاهم إلى المباهلة، فعن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: ولما نزلت: " فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ" دعا رسول الله عليًا، وفاطمة، وحسنًا وحسينًا رضي الله عنهم فقال: اللهم هؤلاء أهلي .

 

3- مواقفة القرآن له في كون الجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام:ففي الصحيح أن رجلاً قال: لا أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، فقال على بن أبى طالب: "الجهاد في سبيل الله أفضل من هذا كله"، فقال عمر بن الخطاب "لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن إذا قضيت الصلاة سألته عن ذلك، فسأله، فأنزل الله هذه الآية: " أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ` الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ` يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ ` خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ" [التوبة: 19-22]. فبين لهم أن الإيمان والجهاد أفضل من عمارة المسجد الحرام والحج والطواف ومن الإحسان إلى الحجاج .

4- شفقته على أمة محمد - صلى الله عليه و سلم- : عن على رضي الله عنه، قال: لما نزلت هذه الآية: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً" [المجادلة:12] قال النبي - صلى الله عليه و سلم- لعلى: مرهم أن يتصدقوا، قال: يا رسول الله، بكم؟ قال: بدينار، قال: لا يطيقونه. قال: بنصف دينار.قال: لا يطيقونه، قال: فبكم؟ قال: بشعيرة ، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلى: إنك لزهيد, قال: فأنزل الله: " أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ" [المجادلة:12]. قال: فكان على يقول: فبي خفف الله عن هذه الأمة .

 

 

تفسير أمير المؤمنين على لبعض الآيات الكريمة:

 

1- الذاريات: عن الثوري عن حبيب بن أبى صابت عن أبى الطفيل قال: سمعت ابن الكواء يسأل على بن أبى طالب عن الذاريات ذروًا قال: الرياح، وعن الحاملات وقرًا، قال: السحاب، وعن الجاريات يسرًا، قال: السفن، وعن المدبرات أمرًا قال: الملائكة، وصححه الحاكم من وجه آخر عن أبى الطفيل.

وقد أطنب الطبري في تخريج طرقه إلى على ، وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن أبى الطفيل قال: شهدت عليًا وهو يخطب وهو يقول: سلوني..وسلوني عن كتاب الله، فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار أم في سهل أم في جبل. فقال ابن الكواء- وأنا بينه وبين على وهو خلفي - فقال: ما الذاريات ذروًا؟ فذكر مثله وقال فيه: ويلك سل تفقهًا ولا تسأل تعنتًا وفيه سؤال عن أشياء غير هذا.

 

 

2- قوله تعالى: " فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ" [التكوير:15]: روى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن على قال: هن الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى.

3- الصالح بكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء والأرض، ثم قرأ " فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ" [الدخان:29].

الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم:سئل أمير المؤمنين على رضي الله عنه عن قوله تعالى: " الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ" [المؤمنون:2]، قال: الخشوع في القلب، وأن تُلين كنفك للمرء المسلم ولا تلتفت في صلاتك.

 

 

4- خليلان مؤمنان، وخليلان كافران:سئل أمير المؤمنين رضي الله عنه عن قول الله تعالى: "الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ" [الزخرف:67]. قال: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين، فبشر بالجنة فذكر خليله المؤمن، قال: فيقول: يا رب! إنَّ خليلي فلانًا كان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر، فيأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويخبرني أني ملاقيك، فلا تُضله بعدي واهده كما هداني، وأكرمه كما أكرمني، فإذا مات جمع بينهما في الجنة، ويقال لهما: لِيُثْنِ كل واحد منكما على صاحبه فيقول: اللهم كان يأمرني بالخير وينهاني عن الشر، فيأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويُخبرني أني ملاقيك، فنعم الأخ والخليل والصاحب، قال: ثم يموت أحد الكافرين، فُيبشر بالنار، فيذكر خليله، فيقول: اللهمّ خليلي فلان كان يأمرني بالشر، وينهاني عن الخير، ويأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللهمّ فأضله كما أضلَّني، فإذا مات جمع بينهما في النار، فيقال لُيْثن كل واحد منكما على صاحبه قال فيقول: اللهمّ كان يأمرني بالشر وينهاني عن الخير ويأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويخبرني أني غير ملاقيك، فبئس الأخ والخليل والصاحب.

 

 

نماذج من اتباع أمير المؤمنين للسنة:

 

 

دعاء الركوب على الدواب: عن عبد الرزاق: أخبرني من شهد عليًا حين ركب، فلما وضع رجله في الركاب، قال: بسم الله، فلما استوى قال: الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، ثم حمد ثلاثًا وكبر ثلاثًا، ثم قال: اللهم لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك، قال، فقيل: ما يضحكك يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت النبي × فعل مثل ما فعلت، وقال مثل ما قلت، ثم ضحك، فقلنا: ما يضحك يا نبي الله؟ قال: العبد - أو قال: عجبت للعبد- إذا قال: لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا هو.

 

 

- الشرب قائمًا، وقاعدًا:عن عطاء بن السائب عن زادان: أن على بن أبى طالب شرب قائمًا، فنظر إليه الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما تنظرون؟ إن أشرب قائمًا، فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشرب قائمًا، وإن أشرب قاعدًا، فقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشرب قاعدًا.

 

 

- تعليم وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم : عن عبد خير: علمنا علىّ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصب الغلام على يديه حتى أنقاهما، ثم أدخل يده في الركوة، فمضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثًا ثلاثًا، وذراعيه إلى المرفقين ثلاثًا ثلاثًا، ثم أدخل يده في الركوة فغمز أسفلها بيده ثم أخرجها فمسح بها الأخرى، ثم مسح بكفيه رأسه مرة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثًا ثلاثًا، ثم اغترف هُنّية من ماء بكفه فشربه، ثم قال: هكذا كان رسول الله يتوضًا.

 

- * نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي عن أشياء:

 

 

عن عبد الله بن حنين عن أبيه، قال: سمعت على ابن أبى طالب يقول: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تختم الذهب، وعن لُبس القَسِّ والمعصفر، وقراءة القرآن وأنا راكع، وكساني حلة من سيراء فخرجت فيها، فقال: يا على، إني لم أكسكها لتلبسها، قال: فرجعت بها إلى فاطمة، فأعطيتها ناحيتها فأخذت بها لتطويها معي، فشققتها بثنتين قال: فقالت: تربت يداك يا ابن أبى طالب، ماذا صنعت؟ قال: فقلت لها: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبسها، فالبسي واكسي نساءك.

 

 

 

- معيشة على وفاطمة رضي الله عنهما:

 

 

كانت معيشة على وفاطمة، وهما أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، معيشة زهد وتقشف، وصبر وجهد، فقد أخرج هناد من عطاء، وقال: نبئت أن عليًا رضي الله عنه قال: مكثنا أيامًا ليس عندنا شيء، ولا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فخرجت فإذا أن بدينار مطروح على الطريق، فمكثت هنيهة أؤامر نفسي في أخذه أو تركه، ثم أخذته لما بنا من الجهد، فأعطيت به الضفاطين صلى الله عليه وسلم , فاشتريت به دقيقًا، ثم أتيت به فاطمة فقلت: اعجني واخبزي، فجعلت تعجن وإن قصتها لتضرب حرف الجفنة من الجهد الذي بها- ثم خبزت، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: "كلوه فإنه رزق رزقكموه الله عز وجل", وعن الشعبي، قال: قال على رضي الله عنه: تزوجت فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومالي ولها فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل، ونعلف عليه ناضحنا بالنهار، ومالي خادم غيرها, وعن مجاهد قال على: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بلَه, فأيتتها فقاطعتها كل ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبًا، حتى مجلت يداي ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هذا بين يديها, فعدت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته، فأكل معي منها. في هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها أمير المؤمنين على رضي الله عنه في المدينة، ونأخذ منه صورة من السلوك المشروع في مواجهة الشدائد، حيث خرج على رضي الله عنه وعمل بيديه للكسب المشروع، ولم يجلس منتظرًا ما تجود به أيدي المحسنين، وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو يعاني من شدة الجوع ما يضعف قوته، وصورة أخرى من إيثار الأحبة والوفاء لهم، فهو على ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من ذلك العمل الشاق قد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي صلى الله عليه وسلم فأكل معه.

 

 

زهد السيدة فاطمة وصبرها:

 

كانت حياتها في غاية البساطة بعيدة عن التعقيد، وهى إلى شظف العيش أقرب منها إلى رغده, وهذه القصة تصور لنا حال السيدة فاطمة من التعب وموقف رسول الله صلى الله عليه وسلم منها عندما طلبت منه أن يعطيها خادمًا من السبى، قال على لفاطمة ذات يوم: والله لقد سنوت، حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وجاء الله أباك بسبى فاذهبي فاستخدميه, فقالت: أنا والله طحنت حتى مجلت يداي، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما جاء بك أي بنية. قالت: جئت لأسلم عليك واستحيت أن تسأله ورجعت فقال على: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتينا جميعًا، فقال على: يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي, وقد جاءك الله بسبى وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم، فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتها إذا غطت رءوسهما تكشف أقدامهما، وإذا غطيا أقدامهما تكشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما،، ثم قال: ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ قالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، فقال: "تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا، وتكبران عشرًا، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين وكبرا أربعًا وثلاثين.

 

 

بيعة على رضي الله عنه

 

كيف تمت بيعة على رضي الله عنه:

 

تمت بيعة على رضي الله عنه بالخلافة بطريقة الاختيار وذلك بعد أن استشهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضي الله عنه، على أيدي الخارجين المارقين الشذاذ الذين جاءوا من الآفاق، ومن أمصار مختلفة، وقبائل متباينة لا سابقة لهم، ولا أثر خير في الدنيا، فبعد أن قتلوه رضي الله عنه ظلمًا وزورًا وعدوانًا، يوم الجمعة لثماني عشرة ليلة مضت من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين. قام كل من بقى بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمبايعة على رضي الله عنه بالخلافة، وذلك لأنه لم يكن أحد أفضل منه على الإطلاق في ذلك الوقت، فلم يدع الإمامة لنفسه أحد بعد عثمان، رضي الله عنه، ولم يكن أبو السبطين، رضي الله عنه، حريصًا عليها، ولذلك لم يقبلها إلا بعد إلحاح شديد ممن بقى من الصحابة بالمدينة، وخوفًا من ازدياد الفتن وانشارها، ومع ذلك لم يسلم من نقد بعض الجهال إثر تلك الفتن كموقعة الجمل وصفين التي أوقد نارها وأنشبها الحاقدون على الإسلام كابن سبأ وأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه، لفسقهم ولزيغ قلوبهم عن الحق والهدى، وقد روى الكيفية التي تم بها اختيار على رضي الله عنه للخلافة بعض أهل العلم, فقد روى أبو بكر الخلال بإسناده إلى محمد ابن الحنفية قال: كنت مع على رحمه الله وعثمان محصر قال: فأتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول الساعة، قال: فقام على رحمه الله، قال محمد: فأخذت بوسطه تخوفًا عليه فقال: خلَّ لا أم لك، قال: فأتى على الدار، وقد قتل الرجل رحمه الله، فأتى داره فدخلها فأغلق بابه، فأتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا قد قتل، ولابد للناس من خليفة ولا نعلم أحدًا أحق بها منك، فقال لهم على: لا تريدوني فإني لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا، فقالوا: لا والله لا نعلم أحدًا أحق بها منك، قال: فإن أبيتم علىَّ فإن بيعتي لا تكون سرًا، ولكن أخرج إلى المسجد, فبايعه الناس, وفي رواية أخرى عن سالم ابن أبي الجعد عن محمد ابن الحنفية: فأتاه أصحاب رسول الله فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام ولا نجد أحدًا أحق بها منك أقدم مشاهد، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال على: لا تفعلوا فإني لكم وزيرًا خير مني أميرًا، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإنه ينبغي لبيعتي ألا تكون خفيا ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، قال: فقال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد كراهية أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل المسجد جاء المهاجرون والأنصار فبايعوا وبايع الناس.

 

 

 

أحقية على بالخلافة:

 

إن أحق الناس بالخلافة بعد أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، هو على بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، وهذا ما يجب على المسلم اعتقاده والديانة لله به في شأن ترتيب الخلافة الراشدة، وقد ورد الإيماء إلى أحقية خلافة على رضي الله عنه في كثير من النصوص الشرعية منها:

1- قال تعالى: " وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا" [النور:55]، ووجه الاستدلال بها على حقيقة خلافة على رضي الله عنه أنه أحد المستخلفين في الأرض الذين مكن الله لهم دينهم.

 

أيهما أصح عند ذكر أمير المؤمنين على: هل نقول رضي الله عنه أم كرم الله وجهه أم عليه السلام؟ إن الأصل عند ذكر الصحابة الترضي عنهم جميعًا كما قال تعالى: "وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" [التوبة:100].

 

وقال تعالى: " لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" [الفتح:18] لذلك اصطلح أهل السنة على الترضي على كل صحابي يجري ذكره أو يروى عنه الحديث، فيُقال مثلاً: عن أبي بكر - رضي الله عنه - ولم يستعمل السلام - فيما أعلم - عند ذكر أحد منهم، مع أن السلام تحية المسلمين فيما بينهم، كما تعالى: " فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً" [النور:61]، على هذا فالترضي أفضل من السلام، قال تعالى "وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ" [التوبة:72]، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: "أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدًا"، ولكن اصطلح العلماء على أن السلام يختص بالأنبياء لقوله تعالى: "وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ" [الصافات:181]، ولقوله: "وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ" [مريم:15]، ولما ورد في حق على "أنت منى بمنزلة هارون من موسى"، أخذ الغلاة كالرافضة يستعملون في حق أمير المؤمنين على: عليه السلام، أو كرم الله وجهه، ولا شك أنه أهل لذلك، لكن يشركه في ذلك جميع الصحابة, وقد وقع هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب ومن بعض علماء أهل السنة أن يفرد على - رضي الله عنه- بأن يقال: عليه السلام من دون سائر الصحابة، أو كرم الله وجهه، وهذا وإن كان معناه صحيحًا لكن ينبغي أن يساوى بين الصحابة في ذلك.

 

حرص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على محو آثار الجاهلية

 

 

 

1- إحراق أمير المؤمنين على رضي الله عنه لمن غلوا فيه وادعوا فيه الألوهية: عن عبد الله بن شريك العامرى عن أبيه قال: قيل لعلي: إن هنا قومًا على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم، ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابنى إن شاء الله، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر، فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم فقالوا كذلك. فلما كان اليوم الثالث، قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، فخد لهم أخدودًا بين المسجد والقصر، وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها، حتى إذا احترقوا قال:

إني إذا رأيت الأمر أمـرًا منكرًا أوقدت نـاري ودعـوت قنـبرًا

كما أخرج البخاري في صحيحة خبر الإحراق من حديث عكرمة، قال: أتى على رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من بدل دينه فاقتلوه" , وقال ابن تيمية: وثبت عنه أنه حرق غالبية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية.

 

 

 

 

ومن الأشعار التي نسبت إلى أمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه:

 

في الفَرَج والشدة:1-

 

 

إذا اشتملت على اليأس القلوب

وضاق بما به الصدر الرحيب

 

وأوطنت المكاره واطمأنت

وأرست في أماكنها الخطوب

 

 

 

ولم تر لانكشاف الضر وجهًا

ولا أغنى بحيلته الأريب

 

أتاك على قنوط منك غوث

يمن به القريب المستجيب

 

وكل الحادثات إذا تناهت

فموصول بها الفرج القريب

 

 

 

2- في الصبر

 

ألا فاصبر على الحدث الجليل

وداو جواك بالصبر الجميل

 

ولا تجزع فإن أعسرت يومًا

فقد أيسرت في الدهر الطويل

 

ولا تظنن بربك ظن سوء

فإن الله أولى بالجميل

 

فإن العسر يتبعه يسار

وقول الله أصدق كل قيل

 

فلو أن العقول تجر رزقًا

لكان الرزق عند ذوى العقول

 

فكم من مؤمن قد جاع يومًا

سيروى من رحيق السلسبيل

 

 

 

 

 

 

 

بعض الأحكام المتعلقة بالحدود في عصره

 

 

أ- ضرب العنق بالسيف: كما في جواب على بن أبي طالب رضي الله عنه لمحمد بن أبي بكر عندما سأله عن مسلمين تزندقا؟ فقال: فأما اللذان تزندقا، فإن تابا، وإلا فاضرب أعناقهما.

ب- الضرب حتى الموت: ففي مصنف ابن أبي شيبة أن عليًا أُتى برجل نصراني أسلم ثم تنصر، فسأله عن كلمة فقال له، فقام إليه علىّ فرفسه برجله، فقام الناس إليه فضربوه حتى قتلوه.

 

 

جـ - المستكرهة على الزنا: لا حد على المستكرهة على الزنا عند على ولها مهر المثل بذلك, فقد قال في البكر تستكره على نفسها أن للبكر مثل صداق إحدى نسائها وللثيب مثل صداق مثلها".

د- زنا المضطرة:إذا اضطرت امرأة على الزنا لإنقاذ حياتها من الموت فلم يدفع إلا به سقط عنها الحد عند على, فقد جاء في رواية: أن امرأة أتت عمر فقالت: إني زنيت فارجمني فردها حتى شهدت أربع شهادات فأمر برجمها، فقال على: يا أمير المؤمنين، ردها فاسألها ما زناها لعل لها عذرًا؟ فردها فقال: ما زناك؟ قالت: كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي فكان لنا خليط, فخرج في إبله فحملت معي ماء ولم يكن في إبلي لبن، وحمل خليطنا ماء وكان في إبله لبن، فنفد مائي فاستسقيت فأبى أن يسقيني، حتى أمكنه من نفسي، فأبيت حتى كادت نفسي تخرج أعطيته، فقال على: الله أكبر، فمن اضطر غير باغ ولا عاد، أرى لها عذرًا, وزيد في رواية: فأعطاها عمر شيئًا وتركها, وقد ذكر الفقهاء هذه الحادثة ضمن الإكراه على الزنا فلم يختلفوا في سقوط الحد بالإكراه, ولكن الإكراه غير الاضطرار لأن الاضطرار فيه الإقدام على الفعل اختيارًا، أما الإكراه فلا إقدام فيه وإنما يساق إلى الفعل جبرًا، بدليل أن الله تعالى ذكر الإكراه مستقلا عن الاضطرار كما في قوله تعالى: " إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ" [النحل:106] وقوله تعالى: " وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ" [النور:33]، وقوله تعالى: " فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ" [البقرة:173].

 

 

 

هـ - المقتول في الزحام: من قتل في الزحام ولم يعلم قاتله، فإن ديته على بيت مال المسلمين عند على, وعن يزيد بن مذكور الهمداني أن رجلا قتل يوم الجمعة في المسجد في الزحام، فجعل على ديته من بيت المال.

 

 

 

 

و - جناية الطبيب: إذا خالف الطبيب أو البيطري شروط المعالجة، فعطب الإنسان أو الحيوان فهو ضامن, فعن الضحاك بن مزاحم قال: خطب علىٌّ الناس فقال: يا معشر الأطباء البياطرة والمطببين من عالج منكم إنسانًا أو دابة فليأخذ لنفسه البراءة، فإنه إن عالج شيئًا ولم يأخذ لنفسه البراءة فعطب فهو ضامن, وعن مجاهد أن عليًا قال في الطبيب: إن لم يُشهد على ما يعالج فلا يلومن إلا نفسه، يقول: يضمن.

 

 

 

ز - امرأة قتلت زوجها يوم زفافها بحضور صديقها: حدث في عهد علىّ رضي الله عنه أن امرأة قتلت زوجها يوم زفافها بحضور صديقها، فكانت العقوبة القتل قصاصًا من الجناة

تم تعديل بواسطة أم عمر السلفية المصرية

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحلقة الثامنة عشر

 

 

الكتاب : حياة عليّ بن أبي طالب

( رابع الخلفاء الراشدين )

المؤلف : الدكتور عليّ محمد الصلابي

 

الجزء الثاني

 

 

 

 

موقعة الجمل

 

نشوب القتال:

 

1- دور السبئية في نشوب الحرب: كان في عسكر على رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره, وحرص أتباع ابن سبأ على إشعال الفتنة وتأجيج نيرانها حتى يفلتوا من القصاص. فلما نزل الناس منازلهم واطمأنوا، خرج على وخرج طلحة والزبير، فتوافقوا وتكلموا فيما اختلفوا فيه فلم يجدوا أمرًا، هو أمثل من الصلح وترك الحرب حين رأوا أن الأمر أخذ في الانقشاع، فافترقوا على ذلك، ورجع علىّ إلى عسكره، ورجع طلحة والزبير إلى عسكرهما، وأرسل طلحة والزبير إلى رؤساء أصحابهما، وأرسل على إلى رؤساء أصحابه، ماعدا أولئك الذين حاصروا عثمان - رضي الله عنه - فبات الناس على نية الصلح والعافية وهم لا يشكون في الصلح، فكان بعضهم بحيال بعض، وبعضهم يخرج إلى بعض، لا يذكرون ولا ينوون إلاّ الصّّلح. وبات الذين أثاروا الفتنة بشر ليلة باتوها قط؛ إذ أشرفوا على الهلاك وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، وقال قائلهم: أما طلحة والزبير فقد عرفنا أمرهما، وأما على فلم نعرف أمره حتى كان اليوم؛ وذلك حين طلب من الناس أن يرتحلوا في الغد ولا يرتحل معه أحد أعان على عثمان بشيء، ورأى الناس فينا - والله - واحد، وإن يصطلحوا مع على فعلى دمائنا. وتكلم ابن السوداء عبد الله بن سبأ - وهو المشير فيهم - فقال: يا قوم إن عزّكم في خلطة الناس فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدًا فانشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر، فإذا من أنتم معه لا يجد بدًا من أن يمتنع، ويشغل الله عليًا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عما تكرهوه، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه والناس لا يشعرون. فاجتمعوا على هذا الرأي بإنشاب الحرب في السّر، فغدوا في الغلس وعليهم ظلمة، وما يشعر بهم جيرانهم، فخرج مضريّهم إلى مضريهم، وربيعيهم إلى ربيعيّهم، ويمانيهم إلى يمانّيهم،

فوضعوا فيهم السيوف، فثار أهل البصرة، وثار كل قوم في وجوه الذين باغتوهم، وخرج الزبير وطلحة في وجوه الناس من مصر، فبعثا إلى الميمنة، وهم ربيعة يرأسها عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والميسرة، يرأسها عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد وثبتا في القلب، فقالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلاً، فقالا: ما علمنا أن عليًا غير منته حتى يسفك الدّماء ويستحل الحرمة، وإنه لن يطاوعنا، ثم رجعا بأهل البصرة، وقصف أهل البصرة أولئك حتى ردّوهم إلى عسكرهم, فسمع على وأهل الكوفة الصوت، وقد وضع السبئية رجلاً قريبًا من على ليخبره بما يريدون،

 

فلما قال: ما هذا؟ قال ذلك الرجل: ما فجئنا إلا وقوم منهم بيتونا فرددناهم، وقال علىّ لصاحب ميمنته: ائت الميمنة، وقال لصاحب ميسرته: ائت الميسرة، والسبئية لا تفتر إنشابًا. وعلى الرغم من تلك البداية للمعركة فإن الطرفين ما لبثا يملكان الرويّة حتى تتضح الحقيقة، فعلى ومن معه يتفقون على ألا يبدءوا بالقتال حتى يبدءوا طلبًا للحجة واستحقاقًا على الآخرين بها، وهم مع ذلك لا يقتلون مدبرًا، ولا يجهزون على جريح، ولكن السبئية لا تفتر إنشابًا, وفي الجانب الآخر ينادى طلحة وهو على دابته وقد غشيه الناس فيقول: يا أيها الناس أتنصتون؟ فجعلوا يركبونه ولا ينصتون، فما زاد أن قال: أف أف فراش نار وذبان طمع, وهل يكون فراش النار وذبان الطمع غير أولئك السبئية؟ بل إن محاولات الصلح لتجرى حتى آخر لحظة من لحظات المعركة.

ومن خلال هذا العرض يتبين أثر ابن سبأ وأعوانه "السبئية" في المعركة ويتضح - بما لا يدع مجالاً للشك - حرص الصحابة - رضي الله عنهم - على الإصلاح وجمع الكلمة؛ وهذا هو الحق الذي تثبته النصوص وتطمئن إليه النفوس. وقبل الحديث عن جولات المعركة نشير إلى أن أثر السبئية في معركة الجمل مما يكاد يجمع عليه العلماء سواء أسموهم بالمفسدين، أو بأوباش الطائفتين، أو أسماهم البعض بقتلة عثمان، أو نبزوهم بالسفهاء، أو بالغوغاء، أو أطلقوا عليهم صراحة السبئية.. وإليك بعض النصوص التي تؤكد ذلك:

أ- جاء في أخبار البصرة لعمر بن شبَّة أن الذين نسب إليهم قتل عثمان خشوا أن يصطلح الفريقان على قتلهم، فأنشبوا الحرب بينهم حتى كان ما كان.

 

الجولة الأولى في معركة الجمل:

 

زاد السبئيوّن في الجيشين من جهودهم في إنشاب القتال، ومهاجمة الفريق الآخر، وإغراء كل فريق بخصمه، وتهييجه على قتاله، ونشبت المعركة عنيفة قاسية حامية شرسة، وهي معركة الجمل، وسميت بذلك لأنَّ أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، كانت في المعركة في الجولة الثانية وسط جيش البصرة، تركب الجمل الذي قدمه لها يعلى بن أمية في مكة، حيث اشتراه من اليمن، وخرجت على هذا الجمل من مكة إلى البصرة، ثم ركبته أثناء المعركة، وكانت المعركة يوم الجمعة في السادس عشر من جمادى الثانية، سنة ست وثلاثين، في منطقة "الزابوقة" قرب البصرة، حزن علىّ لما جرى، ونادى مناديه: كفوا عن القتال أيها الناس: ولم يسمع نداءه أحد، فالكل كان مشغولاً بقتال خصمه, كانت معركة الجمل على جولتين: الجولة الأولى كان قائدا جيش البصرة فيها طلحة والزبير، واستمرت من الفجر حتى قبيل الظهيرة, ونادى على في جيشه،كما نادى طلحة والزبير في جيشهما: لا تقتلوا مدبرًا، ولا تُجهزوا على جريح، ولا تلحقوا خارجًا من المعركة تاركًا لها. وقد كان الزبير، رضي الله عنه، وصى ابنه عبد الله بقضاء دينه فقال: إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم، وإني لا أراني إلا سأقتل مظلومًا، وإن أكبر همي ديَنْي. وأثناء ذلك جاء رجل إلى الزبير، وعرض عليه أن يقتل عليًا،

 

وذلك بأن يندس مع جيشه، ثم يفتك به، فأنكر عليه بشدة، وقال: لا؛ لا يفتك مؤمن بمؤمن، أو أن الإيمان قيَّد الفتك, فالزبير، رضي الله عنه، ليس له غرض في قتل على أو أي شخص آخر بريء من دم عثمان، وقد دعا أمير المؤمنين علىٌّ الزبير، فكلمه بألطف العبارة، وأجمل الحديث، وقيل ذكره بحديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له - أي الزبير - "لتقاتلنه وأنت له ظالم "- وهذا الحديث ليس له إسناد صحيح. وبعض الروايات ترجع السبب في انصراف الزبير - رضي الله عنه - قبيل المعركة لما علم بوجود عمار بن ياسر في الصف الآخر وهو وإن لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "تقتل عمار الفئة الباغية", فلعله سمعه من بعض إخوانه من الصحابة لشهرته, وبعضها يرجع السبب في انصرافه إلى شكه في صحة موقفه, من هذه الفتنة - كما يسميها -،

 

وفي رواية ترجع السبب في انصرافه إلى أن ابن عباس، رضي الله عنهما، ذكره بالقرابة القوية من على؛ إذ قال له: أين صفية بنت عبد المطلب حيث تقاتل بسيفك على بن أبى طالب بن عبد المطلب. فخرج الزبير من المعركة، فلقيه ابن جرموز فقتله كما سيأتي تفصيله بإذن الله. فالزبير، رضي الله عنه، كان على وعى لهدفه - وهو الإصلاح - ولكنه لما رأى حلول السلاح مكان الإصلاح رجع، ولم يقاتل، وقول ابن عباس: تقاتل بسيفك على بن أبى طالب؟ فيه حذف مفهومه: أم جئت للإصلاح وجمع الشمل؟ وعلى إثر هذا الحديث انصرف الزبير وترك الساحة، وربما كانت عوامل متعدة ومتداخلة أسهمت في خروج الزبير من ساحة المعركة، وأما طلحة بن عبيد الله القائد الثاني لجيش البصرة، فقد أصيب في بداية المعركة، إذ جاءه سهم غرب لا يعرف من رماه، فأصابه إصابة مباشرة، ونزف دمه بغزاره فقالوا له: يا أبا محمد، إنك لجريح، فاذهب وادخل البيوت لتعالج فيها، فقال طلحة لغلامه: احملني، وابحث لي عن مكان مناسب، فأدخل البصرة، ووضع في دار فيها ليعالج، ولكن جرحه ما زال ينزف حتى توفى في البيت، ثم دفن في البصرة، رضي الله عنه,

 

وأما الرواية التي تشير إلى تحريض الزبير وطلحة على القتال وأن الزبير لما رأى الهزيمة على أهل البصرة ترك المعركة ومضى، فهذه الرواية لا تصح، وهذا الخبر يعارضه ما ثبت من عدالة الصحابة، رضوان الله عليهم، كما أنه يخالف الروايات الصحيحة التي تنص على أن أصحاب الجمل ما خرجوا إلا للإصلاح، فكيف ينسجم هذا الفعل من الزبير، رضي الله عنه، مع الهدف الذي خرج من مكة إلى البصرة من أجله ألا وهو الإصلاح بين الناس؟! وبالفعل فإن موقف الزبير، رضي الله عنه، كان السعي في الإصلاح حتى آخر لحظة، وهذا ما أخرجه الحاكم من طريق أبى حرب بن أبى الأسود الدؤلى، وفيه أن الزبير، رضي الله عنه، سعى في الصلح بين الناس ولكن قامت المعركة واختلف أمر الناس ومضى الزبير وترك القتال, وكذلك طلحة؛ فقد جاء من أجل الإصلاح وليس من أجل إراقة الدماء، وأما عن مقتل طلحة - رضي الله عنه - فقد كان عند بدء القتال كما صرح بذلك الأحنف بن قيس.

 

 

ويخرج الزبير من ميدان المعركة، ويموت طلحة، رضي الله عنهما، وبسقوط القتلى والجرحى من الجانبين تكون قد انتهت الجولة الأولى من معركة الجمل، وكانت الغلبة فيها لجيش على، وكان على رضي الله عنه يراقب سير المعركة ويرى القتلى والجرحى في الجانبين، فيتألم ويحزن، وأقبل علىٌّ على ابنه الحسن، وضمّه إلى صدره، وصار يبكى ويقول له: يا بُنى، ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عامًا. فقال الحسن: يا أبت، لقد كنت نهيتك عن هذا، فقال على: ما كنت أظن أن الأمر سيصل إلى هذا الحد، وما طعمُ الحياة بعد هذا؟ وأيُّ خير يُرجى بعد هذا؟ .

 

 

 

الجولة الثانية:

 

 

وصل الخبر إلى أم المؤمنين بما حدث من القتال، فخرجت على جملها تحيط بها القبائل الأزدية، ومعها كعب الذي دفعت إليه مصحفًا يدع الناس إلى وقف الحرب، تقدمت أم المؤمنين وكلها أمل أن يسمع الناس كلامها لمكانتها في قلوب الناس؛ فتحجز بينهم وتطفئ هذه الفتنة التي بدأت تشتعل, وحمل كعب بن سور المصحف، وتقدم أمام جيش البصرة، ونادى جيش على قائلاً: يا قوم، أنا كعب بن سور، قاضي البصرة، أدعوكم إلى كتاب الله، والعمل بما فيه، والصلح على أساسه.

 

وخشي السبئيون في مقدمة جيش على أن تنجح محاولة كعب فرشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد، فلقي وجه الله، ومات والمصحف في يده، وأصابت سهام السبئيين ونبالهم جمل عائشة وهودجها، فصارت تنادي، وتقول: يا بنى، الله، الله، اذكروا الله ويوم الحساب، وكفوا عن القتال. والسبئيون لا يستجيبون لها، وهم مستمرون في ضرب جيش البصرة، وكان على من الخلف يأمر بالكف عن القتال، وعدم الهجوم على البصريين، لكن السبئيين في مقدمة جيشه لا يستجيبون له، ويأبون إلا إقدامًا وهجومًا وقتالاً، ولما رأت عائشة عدم استجابتهم لدعوتها، ومقتل كعب بن سور أمامها، قالت: أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم. وصارت عائشة تدعو على قتلة عثمان وتلعنهم، وضج أهل البصرة بالدعاء على قتلة عثمان وأشياعهم، ولعنهم، وسمع علىٌّ الدعاء عاليًا في جيش البصرة فقال: ما هذا؟ قالوا: عائشة تدعو على قتلة عثمان، والناس يدعون معها. قال على: ادعوا معي على قتلة عثمان وأشياعهم والعنوهم. وضجّ جيش على بلعن قتل عثمان والدعاء عليهم, وقال على: اللهم لعن قتلة عثمان في السهل والجبل. اشتدت الحرب واشتعلت وتشابك القوم وتشاجروا بالرماح، وبعد تقصف الرماح، استلوا السيوف فتضاربوا بها حتى تقصفت, ودنا الناس بعضهم من بعض, ووجّه السبئيون جهودهم لعقر الجمل وقتل عائشة أم المؤمنين، فسارع جيش البصرة لحماية عائشة وجملها، وقاتلوا أمام الجمل، وكان لا يأخذ أحد بخطام الجمل إلا قُتل، حيث كانت المعركة أمام الجمل في غاية الشدة والقوة والعنف والسخونة، حتى أصبح الهودج كأنه قنفذ مما رمى فيه من النبل, وقتل حول الجمل كثير من المسلمين من الأزد وبنى ضبة وأبناء وفتيان قريش بعد أن أظهروا شجاعة منقطعة النظير, وقد أصيبت عائشة بحيرة شديدة وحرج فهي لا تريد القتال ولكنه وقع رغمًا عنهـا، وأصبحت في وسط المعمعة، وصارت تنادي بالكف، فلا مجيب، وكان كل من أخذ بخطام الجمل قتل،

 

فجاء محمد بن طلحة (السجاد) وأخذ بخطامة وقال لأمه أم المؤمنين: يا أماه ما تأمرين؟ فقالت: كن كخيري ابني آدم - أي كف يدك - فأغمد سيفه بعد أن سلة فُقتل رحمه الله, كما قتل عبد الرحمن ابن عتاب بن أسيد، الذي حاول أن يقتل الأشتر حتى لو قتل معه؛ وذلك أنه صارعه فسقطا على الأرض جميعًا، فقال ابن عتاب لمن حوله: اقتلوني ومالكًا، لحنقه عليه لما كان له من دور بارز في تحريض الناس على عثمان، رضي الله عنه، ولكن الأشتر لم يكن معروفًا بمالك، ولم يك قد حان أجله ولو قال الأشتر لابتدرته سيوف كثيرة, وأما عبد الله بن الزبير، فقد قاتل قتالاً منقطع النظير، ورمى بنفسه بين السيوف، فقد استخرج من بين القتلى وبه بضع وأربعون ضربة وطعنة، كان أشدها وآخرها ضربة الأشتر؛ إذ من حنقه على ابن الزبير لم يرض أن يضربه وهو جالس على فرسه بل وقف في الركابين فضربه على رأسه ظانًا أنه قتله, واستحر القتل أيضًا في بنى عدى وبنى ضبة والأزد، وقد أبدى بنو ضبة حماسة وشجاعة وفداء لأم المؤمنين، وقد عبر أحد رؤسائهم وهو عمر بن يثربى الضبي برجزه.

 

 

نحن بنى ضبة أصحاب الجمل

> ننازل الموت إذا الموت نزل

 

الموت عندنا أحلى من العسل

ننعى ابن عفان بأطراف الأسل

 

أدرك أمير المؤمنين على - رضي الله عنه - بما أوتى من حنكة وقوة ومهارة عسكرية فذة - أن في بقاء الجمل استمرارًا للحرب، وهلاكًا للناس، وأن أصحاب الجمل لن ينهزموا أو يكفوا عن الحرب ما بقيت أم المؤمنين في الميدان، كما أن في بقائها خطرًا على حياتها؛ فالهودج الذي هي فيه أصبح كالقنفذ من السهام, فأمر على نفرًا من جنده منهم محمد بن أبى بكر "أخو أم المؤمنين" وعبد الله بن بديل أن يعرقبا الجمل ويخرجا عائشة من هودجها إلى الساحة -، أي يضربا قوائم الجمل بالسيف - فعقروا الجمل, واحتمل أخوها محمد وعبد الله بن بديل الهودج حتى وضعاه أمام على، فأمر به على، فأدخل في منزل عبد الله بن بديل, وصدق حدس على - رضي الله عنه - العسكري، فما إن زال السبب أو الدافع الذي دفع البصريين إلى الإقبال على الموت بشغف، وأخرجت أم المؤمنين من الميدان، حتى ولوا الأدبار منهزمين. ولو لم يتخذ هذا الإجراء لاستمرت الحرب إلى أن يفنى جيش البصرة أصحاب الجمل، أو ينهزم جيش على، وعندما بدأت الهزيمة نادى على أو مناديه في جيشه أن لا يتبعوا مدبرًا ولا يجهزوا على جريح، ولا يغنموا إلا ما حمل إلى الميدان أو المعسكر من عتاد أو سلاح فقط، وليس لهم ما وراء ذلك من شيء، ونهاهم أن يدخلوا الدور، ليس هذا فحسب، بل قال لمن حاربه من أهل البصرة: من وجد له شيئًا من متاع عند أحد من أصحابه، فله أن يسترده، فجاء رجل إلى جماعة من جيش على وهم يطبخون لحمًا في قدر له فأخذ منهم القدر وكفأ ما فيها حنقًا عليهم.

 

 

- عدد القتلى:

 

 

أسفرت هذه الحرب الضروس عن عدد من القتلى اختلفت في تقديره الروايات, وذكر المسعودي أن هذا الاختلاف في تقدير عدد القتلى مرجعه إلى أهواء الرواة.

 

 

 

- ليلة الهرير يوم الجمعة:

 

عادت الحرب في نفس الليلة بشدة واندفاع لم تشهدها الأيام السابقة، وكان اندفاع أهل العراق بحماس وروح عالية حتى أزالوا أهل الشام عن أماكنهم، وقاتل أمير المؤمنين على قتالاً شديدًا وبايع على الموت, وذكر أن عليًا رضي الله عنه صلى بجيشه المغرب صلاة الخوف, وقال الشافعي: وحفظ عن على أنه صلى صلاة الخوف ليلة الهرير, يقول شاهد عيان: اقتتلنا ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى تكسرت الرماح ونفدت السهام ثم صرنا إلى المسايفة فاجتلدنا بها إلى نصف الليل حتى صرنا نعانق بعضنا بعضًا، ولما صارت السيوف كالمناجل تضاربنا بعمد الحديد، فلا تسمع إلا غمغمة وهمهمة القوم، ثم ترامينا بالحجارة وتحاثينا بالتراب وتعاضينا بالأسنان وتكادمنا بالأفواه إلى أن أصبحوا في يوم الجمعة وارتفعت الشمس وإن كانت لا ترى من غبار المعركة وسقطت الألوية والرايات، وأنهك الجيش التعب وكلت الأيدي وجفت الحلوق.

ويقول ابن كثير في وصف ليلة الهرير ويوم الجمعة: وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما ليهمر على الآخر، ويهمر عليه، ثم يقومون فيقتتلان كما كانا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك، وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام

 

الدعوة إلى التحكيم:

 

إن ما وصل إليه حال الجيشين بعد ليلة الهرير لم يكن يحتمل مزيد قتال، وجاءت خطبة الأشعت بن قيس زعيم كندة في أصحابه ليلة الهرير فقال: قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكم هذا الماضي، وما قد فني فيه من العرب، فوالله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ؛ فما رأيت مثل هذا قط، ألا فليبلغ الشاهد الغائب، إن نحن تواقفنا غدًا إنه لفناء العرب، وضيعة الحرمات، أما والله ما أقول هذه المقالة جزعًا من الحرب، ولكني رجل مسن، وأخاف على النساء والذرارى غدًا، إذا نحن فنينا، اللهم إنك تعلم أني قد نظرت لقومي ولأهل ديني فلم آلُ.

وجاء خبر ذلك إلى معاوية فقال: أصاب ورب الكعبة، لئن نحن التقينا غدًا لتميلن الروم على ذرارينا ونسائنا، ولتميلن أهل فارس على أهل العراق وذراريهم، وإنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهي، ثم قال لأصحابه: اربطوا المصاحف على أطراف القنا, وهذه رواية عراقية لا ذكر فيها لعمرو بن العاص ولا للمخادعة والاحتيال، وإنما كانت رغبة كلا الفريقين، ولن يضير معاوية أو عمرًا شيء أن تأتي أحدهم الشجاعة فيبادر بذلك وينقذ ما تبقى من قوى الأمة المتصارعة، إنما يزعج ذلك السبئية الذين أشعلوا نيران هذه الفتنة، وتركوا لنا ركامًا من الروايات المضللة بشأنها، تحيل الحق باطلاً، وتجعل الفضل - كالمناداة لتحكيم القرآن لصون الدماء المسلمة - جريمة ومؤامرة وحيلة، ونسبوا لأمير المؤمنين على أقوالاً مكذوبة تعارض ما في الصحيح، على أنه قال: ما رفعوها ثم لا يرفعونها، ولا يعملون بما فيها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهنًا ومكيدة. ومن الشتائم قولهم عن رفع المصاحف: إنها مشورة ابن العاهرة, ووسّعوا دائرة الدعاية المضادة على عمرو بن العاص - رضي الله عنه - حتى لم تعد تجد كتابًا من كتب التاريخ إلا فيه انتقاص لعمرو بن العاص وأنه مخادع وماكر بسبب الروايات الموضوعة التي لفقها أعداء الصحابة الكرام، ونقلها الطبري، وابن الأثير وغيرهما، فوقع فيها كثير من المؤرخين المعاصرين مثل حسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام، ومحمد الخضري بك في تاريخ الدولة الأموية، وعبد الوهاب النجار في تاريخ الخلفاء الراشدين وغيرهم كثير، مما ساهم في تشويه الحقائق

التاريخية الناصعة.

 

 

 

 

بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي يستدلون بها في الإمامة:

 

1- حديث الطائر: ومن أهم أدلةالشيعة الإمامية كذلك: حديث الطائر المشوي, روى الحاكم في المستدرك عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أخدم رسول الله - صلى الله عليه و سلم- , فقدم لرسول الله فرخ مشوي فقال: اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير, قال: فقلت: اللهم اجعله رجلاً من الأنصار, فجاء علي رضي الله عنه فقلت: إن رسول الله على حاجة, ثم جاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : افتح, فدخل, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما حبسك يا علي؟, فقال: إن هذه آخر ثلاث كرات يَرُدُّني أنس, يزعم أنك على حاجة, فقال: ما حملك على ما صنعت؟, فقلت: يا رسول الله, سمعت دعاءك, فأحببت أن يكون رجلاً من قومي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الرجل قد يحب قومه. روى هذا الحديث بأسانيد لا تخلو من ضعف, بالإضافة إلى أن كثرة الروايات المسندة إلى أنس بن مالك رضي الله عنه وعدم صحة سند واحد منها أمر يدعو للعجب والدهشة, فأين أصحاب أنس من هذا الحديث وقد صحبوه السنين الطوال؟ لم نر أي واحد منهم قد روى هذا الحديث, وهو حديث ضعيف

 

 

.

2- حديث الدار: ومن الأحاديث التي يستدل بها الشيعة الاثنى عشرية على نصية الإمامة حديث الدار, حيث يرى الشيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على إمامة علي منذ بداية البعثة, وأثناء عرضه الإسلام على كفار مكة, ومنذ مطالبته إياهم بترك الأوثان وإفراد الواحد القهار بالعبادة, لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ" [الشعراء:214] دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين فضقت بذلك ذرعًا وعرفت أني متى أبادئهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره, فصمت علي حتى جاء جبرائيل, فقال: يا محمد إنك إلا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك, فاصنع لنا صاعًا من الطعام واجعل عليه رجل شاة, واملأ لنا عسًا من لبن, ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به, ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه, فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب, فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله خدية من اللحم فشقها بأسنانه ثم ألقاها في نواحي الصحفة, ثم قال: خذوا باسم الله, فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة, وما أرى إلا موضع أيديهم وايم الله الذي نفسي بيده, وإن كان الرجل الواحد منهم يأكل ما قدمت لجميعهم, ثم قال: اسق القوم, فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا, وايم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله, فلما أراد رسول الله أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم, فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله, فقال: الغد يا علي, إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول فتفرق القوم قبل أن أكلمهم فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت, ثم اجمعهم إليّ. فقال: ففعلت, ثم جمعتهم ثم دعاني بالطعام فقربته لهم ففعل كما فعل بالأمس فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة, ثم قال: أسقهم فجئتهم بذلك العس فشربوا حتى رووا منه جميعًا, ثم تكلم رسول الله - صلى الله عليه و سلم- , فقال: يا بني عبد المطلب, إني والله ما أعلم شابًا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به, إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة, وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم. قال: فأحجم القوم عنها جميعًا وقلت -وإني لأحدثهم سنًا وأرمصهم عينًا وأعظمهم بطنًا وأحمشهم ساقًا-: أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه, فأخذ برقبتي, ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا, فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع, وفي سياق آخر.. فلم يجبه أحد منهم فقام علي وقال: أنا يا رسول الله قال: أجلس ثم أعاد القول على القوم ثانيًا, فصمتوا, فقام علي وقال: أنا يا رسول الله, قال: أجلس ثم أعاد القول على القوم ثالثًا فلم يجبه أحد منهم, فقام علي فقال: أنا يا رسول الله, فقال: اجلس أنت أخي .

 

وهذا الحديث باطل سندًا ومتنًا:

 

أما سندًا: ففي سنده عبد الغفار بن القاسم وعبد الله بن عبد القدوس, فأما عبد الغفار ابن القاسم فهو متروك لا يُحتج به,

وأما من ناحية المتن فالحديث واضح البطلان لأسباب وهي:

 

هذه الرواية معارضة لرواية أخرى اتفق أهل الحديث على صحتها وثبوتها, فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما نزلت +وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ" [الشعراء:214], صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا, فجعل ينادي: "يا بني فهر, يا بني عدي", لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو, فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرأيتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ", قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا, قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد", فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم, ألهذا جمعتنا, فنزلت " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ` مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ" [المسد:2،1].

 

 

استشهاد أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه- وما فيه من دروس وعبر وفوائد:

 

 

لقد تركت معركة النهروان في نفوس الخوارج جرحا غائرا لم تزده الأيام والليالي إلا إيلاما وحسرة، فاتفق نفر منهم على أن يفتكوا بعلي -رضي الله عنه-، ويثأروا لمن قتل من إخوانهم في النهروان، وأجمع أهل السير والمؤرخون على ذكر رواية مشهورة لا تسلم من انتقادات لاحتوائها على عناصر متضاربة وأخرى مختلفة، ولا نستبعد بدورنا أن تكون هذه الحادثة المهمة قد تعرضت مثل غيرها إلى إضافات وزيادات في الفترات المتأخرة، ويبدو من خلال المصادر والدراسات أن هناك إجماعًا على أن عملية قتل علي تمت علي أيدي عناصر خارجية انتقاما لضحايا معركة النهروان، أما بقية المعلومات الخاصة بالعملية مثل قصة الحب بين ابن ملجم و قطام والدور المزعوم للأشعث الكندي -سيأتي بيان براءته بإذن الله لاحقا- وغيرها فيصعب قبولها والتصديق بها وإليك تفصيل مقتله -رضي الله عنه

-.

1- اجتماع المتآمرين:

 

كان من حديث ابن ملجم وأصحابه أن ابن ملجم والبُرك بن عبد الله وعمرو بن بكر التيمي اجتمعوا، فتذاكروا أمر الناس، وعابوا على ولاتهم، ثم ذكروا أهل النهر، فترحموا عليهم، وقالوا: ما نصنع بالبقاء بعدهم شيئا، إخواننا الذين كانوا دعاة الناس لعبادة ربهم، والذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسهم فأتينا أئمة الضلالة فالتمسنا قتلهم فأرحنا منهم البلاد، وثأرنا بهم إخواننا، فقال ابن ملجم: أنا أكفيكم علي بن أبي طالب -وكان من أهل مصر- وقال البرك بن عبد الله: وأنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن أبي بكر: وأنا أكفيكم عمرو بن العاص، فتعاهدوا وتواثقوا بالله لا ينكص رجل منا عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه، فأخذوا أسيافهم، فسموها واتعدوا لسبع عشرة تخلو من رمضان أن يثب كل واحد منهم على صاحبه الذي توجه إليه، وأقبل كل رجل منهم إلى المصر الذي صاحبه فيه يطلب

 

.

2- خروج ابن ملجم ولقاؤه بقطام ابنة الشجنة:

 

فأما ابن ملجم المرادي فكان عداده في كندة، فخرج فلقي أصحابه بالكوفة وكاتمهم أمره كراهة أن يظهروا شيئا من أمره، فإنه رأى ذات يوم أصحابا من تيم الرباب -وكان علي قتل منهم يوم النهر عشرة- فذكروا قتلاهم، ولقي من يومه ذلك امرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام ابنة الشجنة - وقد قتل أبوها وأخوها يوم النهر، وكانت فائقة الجمال، فلما رآها التبست بعقله، ونسى حاجته التي جاء لها، ثم خطبها، فقالت: لا أتزوجك حتى تشفي لي، قال: وما يشفيك؟ قالت: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب، قال: هو مهر لك، فأما قتل علي فلا أراك ذكرته لي وأنت تريديني، قالت: بلى التمس غرته، فإن أصبت شفيت نفسك ونفسي، ويهنئك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا وزينة أهلها، قال فوالله ما جاء بي إلى هذا المصر إلا قتل علي، فلك ما سألت، قالت: إني أطلب لك من يسند ظهرك، ويساعدك على أمرك، فبعثت إلى رجل من قومها من تيم الرباب يقال له: وردان، فكلمته فأجابها، وأتى ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ قال: وما ذاك؟ قال: قتل علي بن أبي طالب، قال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدا، كيف تقدر على علي، قال: أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فإن نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا وما فيها، قال: ويحك لو كان غير علي لكان أهون علي، قد عرفت بلاءه في الإسلام، وسابقته مع النبي صلى الله عليه وسلم وما أجدني أنشرح لقتله، قال: أما تعلم أنه قتل أهل النهر العباد الصالحين؟ قال: بلى، قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا، فأجابه، فجاءوا قطام وهي في المسجد الأعظم معتكفة -فقالوا لها- قد أجمع رأينا على قتل علي، قالت: فإذا أردتم فأتوني، ثم عاد إليها ابن ملجم في ليلة الجمعة- التي قتل في صبيحتها علي سنة 40- فقال: هذه الليلة التي وعدت فيها صاحبي أن يقتل كل منا صاحبه، فدعت لهم بالحرير فعصبتهم به، وأخذوا أسيافهم وجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها علي، فلما خرج ضربه شبيب بالسيف، فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطاق، وضربه ابن ملجم في قرنه بالسيف وهرب وردان حتى دخل منزله فدخل عليه رجل من بني أبيه وهو ينزع الحرير عن صدره، فقال: ما هذا الحرير والسيف؟ فأخبره لما كان وانصرف، فجاء بسيفه فعلا به وردان حتى قتله، وخرج شبيب نحو أبواب كندة في الغلس، وصاح الناس، فلحقه رجل من حضرموت يقال له عويمر، وفي يد شبيب السيف، فأخذه وجثم عليه الحضرمي فلما رأى الناس قد أقبلوا في طلبه، وسيف شبيب في يده، خشي على نفسه، فتركه، ونجا شبيب في غمار الناس فشدوا على ابن ملجم، فأخذوه، إلا أن رجلا من همدان يكنى أبا أدماء أخذ سيفه فضرب به رجله، فصرعه، وتأخر علي، ورفع في ظهره جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، فصلى بالناس الغداة قال علي: علي بالرجل، فأدخل عليه، ثم قال: أي عدو الله، الم أحسن إليك؟، قال: بلى، قال: ما حملك على هذا؟ قال: شحذته أربعين صباحا، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال علي -رضي الله عنه- لا أراك إلا مقتولا به،ولا أراك إلا من شر خلقه .

 

 

3- محمد ابن الحنفية يروى قصة مقتل أمير المؤمنين علي:

 

 

قال ابن الحنفية: كنت والله إني لأصلي تلك الليلة التي ضرب فيها علي في المسجد الأعظم في رجال كثير من أهل المصر، يصلون قريبا من السدة، ما هم إلا قيام وركوع وسجود، وما يسأمون من أول الليل إلى آخره، إذا خرج علي لصلاة الغداة، فجعل ينادي: أيها الناس الصلاة الصلاة، فما أدري أخرج من السدة، فتكلم بهذه الكلمات أم لا، فنظرت إلى بريق، وسمعت: الحكم لله يا علي لا لك ولا لأصحابك، فرأيت سيفا، ثم رأيت ثانيا، ثم سمعت عليا يقول: لا يفوتنكم الرجل، وشد الناس عليه من كل جانب، قال: فلم أبرح حتى أخذ ابن ملجم وأدخل على علي، فدخلت فيمن دخل من الناس، فسمعت عليا يقول: النفس بالنفس، أنا إن مت فاقتلوه كما قتلني، وإن بقيت رأيت فيه رأيي ، وذكر أن الناس دخلوا على الحسن فزعين لما حدث من أمر علي، فبينما هم عنده وابن ملجم مكتوف بين يديه، إذا نادته أم كلثوم بنت علي وهي تبكي: أي عدو الله، لا بأس على أبي، والله مخزيك، قال: فعلى من تبكين؟ والله لقد اشتريته بألف، وسممته بألف، ولو كانت هذه الضربة على جميع أهل المصر ما بقي منهم أحد .

 

 

4- وصية الطبيب لعلي وميل أمير المؤمنين للشورى:

 

 

عن عبد الله بن مالك، قال جمع الأطباء لعلي -رضي الله عنه- يوم جرح، وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكوني، وكان صاحب كسرى يتطبب، فأخذ أثير رئة شاة حارة، فتتبع عرقا منها، فاستخرجه فأدخله في جراحة علي، ثم نفخ العرق فاستخرجه فإذا عليه بياض الدماغ، وإذا الضربة قد وصلت إلى أم رأسه، فقال: يا أمير المؤمنين، اعهد عهدك فإنك ميت ، وذكر أن جندب بن عبد الله دخل على علي فسأله، فقال يا أمير المؤمنين إن فقدناك - ولا نفقدك- فنبايع الحسن؟ قال: ما آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر .

 

 

فلما حضرته الوفاة أوصى، فكانت وصيته:

 

 

"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر على الدين كله ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم أوصيك يا حسن وجميع ولدي وأهلي بتقوى الله ربكم، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم يقول: إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام، انظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، الله الله في الأيتام، فلا تُعنوا أفواههم، ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ×، مازال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه، والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا تخلوه ما بقيتم، فإنه إن ترك لم يناظر، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة، فإنها تطفيء غضب الرب، والله الله فيما ملكت أيمانكم، الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم، أستودعكم الله، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله" ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض -رضي الله عنه- في شهر رمضان سنة أربعين ، وجاء في رواية أنه قتل في صبيحة إحدى وعشرين من رمضان ، وتحمل هذه الرواية على اليوم الذي فارق فيه الدنيا، لأنه بقي ثلاثة أيام بعد ضربة الشقي .

 

 

 

- مدة خلافة أمير المؤمنين علي،

 

وموضع قبره وسنه يوم قتل: كانت مدة خلافته على قول خليفة بن خياط، أربع سنين وتسعة أشهر وستة أيام، ويقال ثلاثة أيام، ويقال أربعة عشر يوما ، والذي يظهر أنها أربع سنين وتسعة أشهر وثلاثة أيام، وذلك لأنه بويع بالخلافة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عام خمس وثلاثين، وكانت وفاته شهيدا في اليوم الحادي والعشرين من شهر رمضان عام أربعين للهجرة .

 

 

وقد تولى غسل أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، رضوان الله عليهم، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ، وصلى عليه الحسن ابن علي، -رضي الله عنهما-، فكبر عليه أربع تكبيرات ، وفي رواية دون إسناد كبر عليه تسع تكبيرات.

 

 

وأما موضع قبره فقد اختلف فيه وذكر ابن الجوزي عددا من الروايات في ذلك ثم قال: والله أعلم أي الأقوال أصح ، ومن الروايات التي جاءت في هذا الشأن ما يلي:

أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- دفنه عند مسجد الجماعة في الرحبة مما يلي أبواب كندة قبل أن ينصرف الناس من صلاة الفجر .

رواية مثلها أنه دفن بالكوفة عند قصر الإمارة عند المسجد الجامع ليلا وعمى موضع قبره .

 

 

 

 

-استقبال معاوية خبر مقتل علي:

 

ولما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم ، وكان معاوية يكتب فيما ينزل به يسأل له علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب، فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام، فقال له: دعني عنك ، وقد طلب معاوية، -رضي الله عنه- في خلافته من ضرار الصدائي أن يصف له عليا، فقال: اعفني يا أمير المؤمنين قال: لتصفنه، قالك أما إذ لابد من وصفه فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلا ، ويحكم عدلا، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله - مع تقريبه إيانا وقربه منا- لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين ويقرب المساكين، لا يطمع القوى في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، وأشهد أني قد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه، قابضا على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، إلى تعرضت أم إلى تشوفت! هيهات هيهات، قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك قليل، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق، فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها .

وعن عمر بن عبد العزيز قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول قضى لي ورب الكعبة، فما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول غفر لي ورب الكعبة .

 

 

 

وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فإيش دخولك أنت بينهما؟ -رضي الله عنهما- .

 

 

 

- براءة الأشعث بن قيس من دم علي -رضي الله عنه-: ذهبت بعض الروايات إلى اتهام الأشعث بن قيس، قال اليعقوبي: إن عبد الرحمن بن ملجم نزل على الأشعث بن قيس، فأقام عنده شهرًا يستحد سيفه ، وذكر ابن سعد في الطبقات، قال: وبات عبد الرحمن ابن ملجم تلك الليلة التي عزم فيها أن يقتل عليا صبيحتها يناجي الأشعث بن قيس في مسجده حتى كاد أن يطلع الفجر، فقال له الأشعث: فضحك الصبح، فقام عبد الرحمن ابن ملجم وشبيب بن بجرة فأخذا أسيافهما ثم جاءا حتى جلسا مقابل السدة التي يخرج منها علي، وهذه روايات ضعيفة .

 

ما قيل في أمير المؤمنين علي - رضي الله عنه- من رثاء:

 

1- ما قاله أبو الأسود الدؤلي: وقال ابن عبد البر: وأكثرهم يرويها لأم الهيثم بنت العريان النخعية أولها:

 

 

ألا يا عين ويحك أسعدينا

ألا تبكي أمير المؤمنينا

 

تبكي أم كلثوم عليه

بعبرتها وقد رأيت اليقينا

 

الا قل للخوارج حيث كانوا

 

 

فلا قرت عيون الشامتينا

 

أفي شهر الصيام فجعتمونا

بخير الناس طرًّا أجمعينا

 

قتلتم خير من ركب المطايا

وذللها ومن ركب السفينا

 

ومن لبس النعال ومن حذاها

ومن قرأ المثاني والمئينا

 

فكل مناقب الخيرات فيه

وحب رسول رب العالمينا

 

لقد علمت قريش حيث كانت

بأنك خيرها حسبا ودينا

 

وإذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر فوق الناظرينا

 

وكنا قبل مقتله بخير

نرى مولى رسول الله فينا

 

يقيم الحق لا يرتاب فيه

ويعدل في العدا والأقربينا

 

وليس بكاتم علما لديه

ولم يخلق من المتجبرينا

 

كأن الناس إذا فقدوا عليا

نعم حار في بلد سنينا

 

 

 

 

وهكذا خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من هذه الدنيا بعد جهاد عظيم، وقد طويت بوفاته صفحة من أنصع صفحات التاريخ وأنقاها، فقد عرف فيه التاريخ رجل فذا من طراز فريد، كانت همته في رضا الله تعالى، وكان همة انتصار الإسلام، وأعظم أمانيه سيادة أحكام الله في دنيا الناس، وأقصى غايته تحقيق العدالة بين أفراد رعيته

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك
ماشاء الله

زادك الله علما وبارك الله لكى فى علمك

أحبك فى الله

 

 

بوركتِ يا حبيبة على مروركِ الطيّب

 

و أحبكِ الله الذي أحببتيني من أجله

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

الحلقة التاسعة عشر

 

 

الكتاب : الحسن بن عليّ

( خامس الخلفاء الرشدين )

المؤلف : الدكتور علي محمد الصلابي

 

 

 

مقدمة.

 

إن الباحث ليستغرب من ضعف وجود فقه الحسن في ذاكرة الأمة ، كما أنه يتعجب من اختزل فقهه ومشروعه الإصلاحي العظيم في ثقافتنا ، فنهضة الشعوب من عوامل نجاحها الالتفاف إلى ماضيها لخدمة حاضرها واستشراف مستقبلها ، فالتاريخ ـ كما هو معروف ـ ذاكرة الأمة ، ومستودع تجاربها ومعارفها

هذا وقد حرصت بقدر الاستطاعة على تناول شخصية أمير المؤمنين الحسن من جوانبها المتنوعة ، فحياته ، صفحة مشرقة في تاريخ الأمة وهو من الأئمة الذين يتأسى الناس بهديهم وبأقوالهم وأفعالهم في هذه الحياة ، فسيرته من أقوى مصادر الإيمان والعاطفة الإسلامية الصحيحة والفهم السليم لهذا الدين فنتعلم من سيرته ، فقه الخلاف ، والمصالح والمفاسد ومقاصد الشريعة ، والاستعلاء على حظوظ النفوس ، وكيف نعيش مع القرآن الكريم ، ونهتدي بهديه ونقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعمق في قلوبنا فقه القدوم على الله من خلال أقواله وأفعاله وأثر هذه العلوم في حياة الأمة .

 

 

 

 

أولاً : اسمه ونسبه وكنيته :

 

هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي القرشي ، المدني الشهيد ، فهو سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا وهو سيد شباب أهل الجنة ، فهو ابن السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبوه أمير المؤمنين علي رصي الله عنه ، وحفيد أم المؤمنين خديجة وخامس الخلفاء الراشدين .

 

ثانياً : مولده وتسميته ولقبه : وفقه النبي في تسمية المواليد :

 

ولد رضي الله عنه وأرضاه في رمضان سنة ثلاث من الهجرة النبوية على الصحيح ، وقيل : ولد في شعبان ، وقيل : ولد بعد ذلك قال الليث بن سعد : ولدت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي في شهر رمضان من ثلاث ، وولدت الحسين في ليال خلون من شعبان سنة أربع ، وقال البرقي أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم : ولد الحسن في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة النبوية ، ومثله قاله ابن سعد في طبقاته ، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، لما ولد الحسن سميته حرباً فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا ، بل هو حسن ، فلما ولد الحسين سميته حرباً ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ ، قلنا : حرباً قال : بل هو حسين . فلما ولد الثالث سميته حرباً ، فقال : بل هو محسّن ، ثم قال : إني سميتهم بولد هارون : شبر وشبير ومشبّر ، وقد فرح رسول الله بهذا المولود الجديد وسارع الناس بتهنئة الأبوين بهذا السبط المبارك .

 

 

 

 

زواج الحسن وزوجاته والروايات التي حولهن :

 

وقد ذكر المؤرخون أن من زوجاته ، خولة الفزازية ، وجعدة بنت الأشعث ، وعائشة الخثعمية ، وأم اسحاق بنت طلحة بنت عبيد الله التميمي ، أم بشير بنت أبي مسعود الأنصاري ، وهند بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأم عبد الله وهي بنت الشليل بن عبد الله أخو جرير البجلي وامرأة من بني ثقيف وامرأة من بني عمرو بن أهيم المنقري ، وامرأة من بني شيبان من آل همام بن مرة وربما تجاوز هذا العدد بقليل ، وهو كما ترى لا يمت إلى الكثرة المزعومة بصلة بعرف ذلك العصر وأما ما رواه رواة الأثر ، في كونه تزوج سبعين وفي بعض الروايات تسعين والبعض الآخر مائتين وخمسين والبعض الآخر ثلاثمائة وروي غير هذا إلا أنه من الشذوذ بمكان وهذه الكثرة المزعومة موضوعة :

 

 

 

 

وقد جاءت قصص في أسانيدها ضعف شديد تتعلق بزواج الحسن منها :

 

1 ـ عن الهذلي ، عن ابن سيرين قال : كانت هند بنت سهيل بن عمرو عند عبد الرحمن بن

عتاب بن أسيد وكان أبا عُذرتها ، فطلقها فتزوجها عبد الله بن عامر بن كريز ، ثم طلقها ، فكتب معاوية إلى أبي هريرة أن يخطبها على يزيد بن معاوية ، فلقيه الحسن بن علي فقال : أين تريد ؟ قال : أخطب هند بنت سهيل بن عمرو على يزيد بن معاوية ، قال أذكرني لها ، فأتاها أبو هريرة ، فأخبرها الخبر فقالت : خِرْلي ، قال : أختار لك الحسن . فتزوجها ، فقدم عبد الله بن عامر المدينة ، فقال للحسن : إن لي عندها وديعة فدخل إليهـا والحسن معه وجلست بين يديه فَرَقّ ابن عامر فقال الحسن : ألا أنزل لك عنها ، فلا أراك تجد محللاً خيراً لكما مني فقال : وديعتي ، فأخرجت سفطين فيهما جواهر ففتحهما ، فأخذ من واحد قبضة وترك الباقي فكانت تقول : سيدهم جميعاً الحسن وأسخاهم ابن عامر ، وأحبهم إليّ عبد الرحمن بن عتاب ، وهذه القصة في إسنادها الهذلي وهو أخباري متروك الحديث وقال الذهبي مجمع على ضعفه .

 

أولاده :

 

وأما ذريته الشريفة ، فهم : الحسن ، وزيد ، وطلحة ، والقاسم ، وأبو بكر ، وعبد الله ، وقد قتل هؤلاء مع عمهم الحسين الشهيد بكربلاء ، وعمرو ، وعبد الرحمن ، والحسين ، ومحمد ، ويعقوب ، وإسماعيل ، وحمزة ، وجعفر ، وعقيل ، وأم الحسين ، ولم يعقب من ذريته إلا الحسن ، وزيد ، فللحسن المثنى خمسة أولاد أعقبوا وفيه العدد والبيت ، وأمه خولة بنت منظور الفزارية ، ولزيد ابن هو الحسن بن زيد ، فلا عقب له إلا منه ، وأم زيد أم بشر بنت أبي مسعود الأنصاري البدري . وقـد ولى إمرة المدينة لأبي جعفر المنصور وهو والد السيدة نفيسة ، وله : القاسم ، وإسماعيل ، وعبد الله ، وإبراهيم ، وزيد ، وإسحاق ، وعلي ، رضي الله عنهم أجمعين ، وهذه سيرة مختصرة لبعض أولاد الحسن .

 

 

مكانة الحسن عند جده الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم :

 

أولاً : محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمته بالحسن وملاعبته له :

 

ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب الحسن والحسين فقد أحبَّني ومن أبغضهما فقد أبغضني

ـ وعن عبد الله بن مسعود قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي والحسن والحسين يثبان على ظهره ، فيباعدهما الناس فقال دعوهما ، بأبي هما وأمي ، من أحبني فليحب هذين .

 

ـ وعن عليَّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين وقال : من أحبَّني وأحبَّ هذين وأباهما وأمَّهما كان معي في درجتي يوم القيامة أخرجه أحمد والترمذي وقال : كان معي في الجنَّة وقال حديث غريب

 

 

 

ثانياً : شبه الحسن بن علي رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم :

 

1 ـ عن أبي خالد ، قال : قلت لأبي جُحَيْفَة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم : كان أشبه الناس به الحسن بن علي .

2 ـ عن عقبة بن الحارث ، قال : إني لمع أبي بكر إذ مرَّ على الحسن بن علي فوضعه على عنقه ثم قال : بأبي شِبْهَ النبي لا شبيهاً بعلي قال : وعلي معه فجعل علي يضحك ، وفي رواية أخرى عن عقبة بن الحارث ، قال : خرجت مع أبي بكر من صلاة العصر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بليال وعلي يمشي إلى جنبه فمر بحسن بن علي وهو يلعب مع غلمان فاحتمله على رقبته وهو يقول : وبأبي شبه النبي ليس بشبه بعلي وعلي يضحك ، ونرى حقيقة المحبة والانسجام بين أبي بكر وعلي وهذا ما تؤكده هذه الرواية الصحيحة ليس كما يدعي بعض الناس .

3 ـ عن هانئ بن هانئ ، عن علي قال : الحسن أشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس والحسين أشبه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل ذلك .

 

 

ثالثاً : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة :

 

1 ـ عن حذيفة قال : سألتني أُمِّي منذ متى عهدك بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؟ قال : فقلت لها : منذ كذا وكذا . قال : فنالت منِّي وسبَّتني . قال : فقلت لها : دَعيني فإنِّي آتي النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ فأُصلي معه المغرب ، ثمَّ لا أدعه حتّى يستغفر لي ولك ، قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فصليت معه المغرب ، فصَلَّى النبي العشاء ثم انفتل فتبعته فعرض له عارض فناجاه ثم ذهب ، فاتبعته فسمع صوتي : فقال : : من هذا ؟ فقلت : حذيفة . قال : ما لك ؟ فحدثته بالأمر ، فقال : غفر الله لك ولأُمِّك ـ ثم قال : أمّا رأيت العارض الذي عرض لي قُبْيلُ ؟ قال : قلت : بليى . قال : فهو ملك من الملائكة لم يهبط الأرض قبل هذه الليلة ، فاستأذن ربَّه أن يُسلم عليَّ ويبشرني أن الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة وأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة .

 

فصل في :

 

الأحاديث التي رواها الحسن بن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 

 

 

1 ـ عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي قال : علمني رسول الله صلي الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر : اللهمَّ أهـدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيمن أعطيت وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضي عليك ، إنه لا يذل من واليت ، تباركت ربنا وتعاليت . ونرى هنا كيف حرص سيد البشر على تعليم الحسن محبة الله سبحانه وتعالى وعبوديته ودعاؤه والتعلق بالله وحده لا شريك له وهذه هي حقيقة التوحيد الخالص الذي يجب أن يحققه المسلم في حياته ويربي عليه أبنائه .

 

2 ـ عن هبيرة قال : خطبنا الحسن بن عليّ ، فقال : لقد فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأوّلون بعلم ، ولا يدركه الآخرون ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعثه بالراية ، جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، لا ينصرف حتى يُفتح له .

 

3 ـ عن عمرو بن حبشي قال : خطبنا الحسن بن علي بعد قتل علي فقال : لقد فارقكم رجل بالأمس ، ما سبقه الأوّلون بعلم ، ولا أدركه الآخرون ، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه ويعطيه الراية ، فلا ينصرف حتى يفتح له ، وما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه ، كان يرصدها لخادم لأهله .

4 ـ عن محمد بن علي عن الحسن بن علي : أنـه مرّ بهم جنازة ، فقام القوم ولم يَقُمْ ، فقال الحسن : ما صنعتم ؟ إنما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تأذِياً بريح اليهودي . .

 

5 ـ عن أبي الحوراء السعدي قال : قلت للحسن بن علي ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أذكر إني أخذت تمرة من تمر الصدقة ، فألقيتها في فمي ، فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعُابها فألقاها في التمر ، فقال له رجل : ما عليك لو أكل هذه التمرة ؟ قال : إنا لا نأكل الصدقة ، قال : وكان يقول : دع ما يَرِيبك إلى ما لا يَرِيبك ، فإن الصدق طُمأنينة ، وإن الكذب ريبة ، قال : وكان يعلمنا هذا الدعاء : اللهم أهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شرت ما قضيت ، إنه لا يَذِلّ من واليت ، وربما قال : تباركت ربنا وتعاليت .

 

 

 

6 ـ حدثنا ربيعة بن شيبان أنه قال للحسن بن علي : ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال " أدخلني غرفة الصدقة ، فأخذت منها تمرة فألقيتها في فمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلقها فإنها لا تحل لرسول الله ولا لأحد من أهل بيته صلى الله عليه وسلم

 

فصل في : نصيحة الحسن بن علي لوالده عند خروجه من المدينة ( في موقعة الجمل):

 

خرج أمير المؤمنين من المدينة ، وعندما بلغ الربذة عسكر فيها بمن معه ، ووفد عليه عدد من المسلمين بلغوا المائتين ، وفي الربذة قام إليه ابنه الحسن رضي الله عنهما وهو باك لا يخفي حزنه وتأثره على ما أصاب المسلمين من تفرق واختلاف ، وقال الحسن لوالده : قد أمرتني فعصيتك ، فتقتل غداً بمضيعة لا ناصر لك ، فقال علي : إنك لا تزال تخن خنين الجارية ، وما الذي أمرته فعصيته ؟ ، قال : أمرتك يوم أحيط بعثمان رضي الله عنه أن تخرج من المدينة ، فيقتل ولست بها ، ثم أمرتك يوم قتل أن لا تبايع حتى يأتيك وفود أهل الأمصار والعرب وبيعة كل مصر ، ثم أمرتك حين فعلا هذان الرجلان ، ما فعلا أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا ، فإن كان الفساد كان على يدي غيرك ، فعصيتني في ذلك كله . قال : أي بني ، أما قولك : لو خرجت من المدينة حين أحيط بعثمان ، فوا الله لقد أحيط بنا كما أحيط به ، وأما قولك : لا تبايع حتى تأتي بيعة الأمصار ، فإن الأمر أمر أهل المدينة وكرهنا أن يضيع هذا الأمر ، وأما قولك حين خرج طلحة و الزبير ، فإن ذلك كان وهناً على أهل الإسلام ، والله ما زلت مقهوراً مذ وليت ، منقوصاً لا أصل إلى شئ مما ينبغي ، وأما قولك : اجلس في بيتك فكيف لي بما قد لزمني أو مِنُ تريدني ؟ أتريدني أن أكون مثل الضبع التي يحاط بها ، ويقال : دباب دباب ، ليست هاهنا حتى يحل عرقوباها ثم نخرج ، وإذا لم أنظر فيما لزمني من هذا الأمر ويعنيني فمن ينظر فيه ، فكف عنك أي بني . ومن هذه الحادثة نلاحظ حسن تربية أمير المؤمنين علي لأبنه ، وكيف أعطاه مجالاً ليعبر عن ما في نفسه بدون ضغوط ثم رد أمير المؤمنين على كل اعتراض ، كما تبين ميل الحسن رضي الله عنه المبكر للسلم والابتعاد عن استخدام القوة مهما كلف الأمر ، أما أمير المؤمنين علي ،فقد كان حازماً ـ والحق معه ـ في هذه المشكلة وواضح ولم يستطيع أحد أن يثنيه عن عزمه وكان متريثاً في تنفيذ القصاص على قتلة عثمان فقد كان ينتظر حتى يستتب له الأمر ، ثم ينظر في شأن قتلة عثمان فحين طالب الزبير وطلحة ومن معهم بإقامة حد القصاص عليهم اعتذر لهم بأنهم كثير وأنهم قوة لا يستهان بها ، وطلب منهم أن يصبروا حتى تستقر الأوضاع وتهدأ الأمور ، فتؤخذ الحقوق ،لئن الظروف لم تكن مواتية من جلب المصالح وقد ألمح أمير المؤمنين علي رضي الله عنه إلى اختيار أهون الشرين حين قال : هذا الذي ندعوكم إليه من إقرار ـ قتلة عثمان ـ وهو خير من شر منه ـ القتال والفرقة ، لقد رأى أمير المؤمنين أن المصلحة تقتضي تأخير القصاص لا تركه ، فأخر القصاص من أجل هذا ،وكان رضي الله عنه ينتظر بقتلة عثمان أن يستوثق الأمن وتجتمع الكلمة ويرفع الطلب من أولياء الدم ، فيحضر الطالب للدم والمطلوب ، وتقع الدعوة ويكون الجواب ، وتقوم البينة ويجري القضاء في مجلس الحكم ،ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة وتشتيت الكلمة ، وأما ما أثير عن وجود قتلة عثمان في جيش أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكيف يرضى أن يكون هؤلاء في جيشه ، فقد أجاب الإمام الطحاوي عن ذلك بقوله : وكان في عسكر علي رضي الله عنه من أولئك الطغاة الخوارج الذين قتلوا عثمان من لم يعرف بعينه ومن تنتصر له قبيلته ومن لم تقم عليه حجة بما فعله ، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله ، وعلى كل حال ، كان موقفه منهم موقف المحتاط منهم ،المتبرئ من فعلهم ، وكان راغباً في الإستغناء عنهم بل الإقتصاص منهم ، لو وجد إلى ذلك سبيلاً وقد فصلت ذلك في كتابي أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

 

 

وصية أمير المؤمنين علي للحسن والحسين رضي الله عنهم :

 

 

دعا أمير المؤمنين حسن وحسيناً ، فقال : أوصيكما بتقوى الله ، وألا تبغيا الدنيا وإن بغتكما ، ولا تبكيا على شئ زُوِي عنكما ، وقولا الحق ، وأرحما اليتيم وأغيثا الملهوف ، واصنعا للآخرة وكونا للظالم خصماً وللمظلوم ناصراً ، واعملا بما في الكتاب ولا تأخذكما في الله لومة لائم ، ثم نظر إلى محمد بن الحنفية ، فقال : هل حفظت ما أوصيت به أخويك ، قال : نعم ، قال : فإني أوصيك بمثله وأوصيك بتوقير أخويك ، لعظيم حقهما عليك ، فاتبع أمرهما ، فلا تقطع أمراً دونهما ثم قـال : أوصيكما به ، فإنه ابن أبيكما ، وقد علمتما أن أبيكما كان يحبه ، وقال للحسن : أوصيك أي بني بتقوى الله واقام الصلاة لوقتها ، وإيتاء الزكاة عند محلها ، وحسن الوضوء فإنه لا صلاة إلا بطهور ، ولا تقبل صلاة من مانع زكاة ، وأوصيك بغفر الذنب ، وكظم الغيظ ، وصلة الرحم ، والحلم عند الجهل ، والتفقه في الدين ، والتثبت في الأمر ، والتعهد للقرآن ، وحسن الجوار ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجتناب الفواحش ، فلما حضرته الوفاة أوصى فكانت وصيته : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب ، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون . ثم أن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ، ثم أوصيك يا حسن وجميع أهلي وولدي وأهلي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون فاعتصموا بحبل الله جميعاً ، ولا تفرقوا ، فإني سمعت أبا القاسم يقول : إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام انظروا إلـى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب ، الله الله في الأيتام ، فلا تعنوا أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم الله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم صلى الله عليه وسلم ما زال يوصي به حتى ظننا أنه سيورثه ، الله الله في القرآن ، فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم ، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم ، والله الله في بيت ربكم فلا تخلّوه ما بقيتم ، فإنه إن ترك لم يناظر ، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، والله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب ، والله الله في ذمة نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم ، والله الله في أصحاب نبيكم فإن الله أوصى بهم ، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم ، والله في ما ملكت أيمانكم . الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم ، يكفيكم من أرادكم وبغى عليكم وقولوا لله حسناً كما أمركم الله ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى الأمر شراركم ، ثم تدعون فلا يستجاب لكم . وعليكم بالتواصل والتباذل ، وإياكم والتدابر والتقاطع والتفرق ، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ، حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم . استودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض رضي الله عنـه ،

 

وجاء في رواية أخرى : .. يا بَنَّي : أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضا والغضب ، والقصد في الغنى والفقر والعدل على الصديق والعدو ، والعمل في النشاط والكسل ، والرضى عن الله في الشدة والرخاء يا بني ما شر بعده الجنة بشر ، ولا خير بعده نار بخير ، وكل نعيم دون الجنة حقير ، وكل بلاء دون النار عافية ، يا بني من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره ، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته ومـن سل سيف بغي قتل به ، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها ، ومن هتك حجاب أخيه كشف عورات نفسه ، ونسي خطيئته استعظم خطيئة غيره ، ومن أعجب برأيه ضل ، ومن استغنى بعقله زل ، ومن تكبر على الناس ذل ومن خالط الأنذال احتقر ، ومن دخل مداخل السوء اتهم ، ومن جالس العلماء وقّر ، ومن مزح استخف به ، ومن أكثر من شئ عرف به ، ومن كثر كلامه كثر خطأه ، ومن كثر خطأه قل حياؤه ، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه ، ومن قلّ ورعه مات قلبه ، ومن مات قلبه دخل النار . يا بني ، الأدب خير ميراث ، وحسن الخلق خير قرين ، يا بني العافية عشرة أجزاء : تسعة منها في الصمت إلا من ذكر الله ، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء يا بني زينة الفقر الصبر ، وزينة الغنى الشكر ، يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ، ولا كرم أعز من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، الحرص مفتاح التعب ومطية النصب التدبير قبل العمل يؤمنك الندم ، فبئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد ، طوبى لمن أخلص لله علمه وعمله وحبه وبغضه وأخذه وتركه ، وكلامه وصمته وقوله وفعله .

 

خطبة الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد مقتل أبيه :

 

 

عن عمر بن حُبشي قال : خطبنا الحسن بن علي بعد قتل علي رضي الله عنه ، فقال : لقد فارقكم رجل أمس ما سبقه الأولون بعلم ولا أدركه الآخرون ، إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبعثه ويعطيه الراية فلا ينصرف ، حتى يُفتح له ما ترك من صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم من عطائه كان يرصدها لخادم أهله .

 

 

بيعة الحسن بن علي رضي الله عنهما :

 

 

كانت بيعة الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر رمضان من سنة 40هـ وذلك بعد استشهاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على يد الخارجي عبد الرحمن بن ملجم المرادي ، وقد اختار الناس الحسن بعد والده ولم يعين أمير المؤمنين أحداً من بعده ، فعن عبد الله بن سبع قال : سمعت علياً يقول : لتخضبن هذه من هذا فما ينتظر بي الأشقى . قالوا : يا أمير المؤمنين ، فأخبرنا به نبير عترته ، قال : إذن تالله تقتلون بي غير قاتلي . قالوا : فاستخلف علينا قال : لا ، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : فما تقول لربك إذا أتيته ، قال وكيع مرة : إذا لقيته قال : أقول : اللهم تركتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني إليك وأنت فيهم ، فإن شئت أصلحتهم ، وإن شئت أفسدتهم ، وفي رواية : أقول : اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ، ثم قبضتني وتركتك فيهم ، وبعد مقتل علي صلى عليه الحسن بن علي وكبر عليه أربع تكبيرات ، ودفن بالكوفة ، وكان أول ما بايعه قيس بن سعد ، قال له : أبسط يدك أبايعك على كتاب الله عز وجل ، وسنة نبيه ، وقتال المُحلِّين ،

 

فقال له الحسن رضي الله عنه : على كتاب الله وسنة نبيه ، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط : فبايعه وسكت ، وبايعه الناس ، وقد اشترط الحسن بن علي على أهل العراق عندما أرادوا بيعته فقال لهم : إنكم سامعون مطيعون ، تسالمون من سالمت ، وتحاربون من حاربت ، وفي رواية قال لهم : والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم قالوا : ما هو ؟ قال : تسالمون من سالمت ، وتحاربون من حاربت ، وفي رواية ابن سعد : إن الحسن بن علي أبي طالب بايع أهل العراق بعـد علي على بيعتين ، بايعهم على الإمرة ، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه ، ويرضوا بما رضي به ، ويستفاد من الروايات السابقة ابتداء الحسن رضي الله عنه في التمهيد للصلح فور استخلافه والذي سيأتي تفصيله لاحقاً بإذن الله تعالي ، ومن دراستنا لبيعة الحسن نستنبط دروساً وعبراً وفوائد منها :

 

 

 

ثالثاً : مدة خلافة أمير المؤمنين الحسن ومعتقد أهل السنة في خلافته :

 

استمر أمير المؤمنين الحسن بن علي بعد بيعته خليفة على الحجاز واليمن والعراق وغير ذلك نحو سبعة أشهر ، وقيل ثمانية أشهر ، وقيل ستة أشهر وكانت خلافته هذه المدة خلافة راشدة حقة لأن تلك المدة كانت تتمة لمدة الخلافة الراشدة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مدتها ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً ، فقد روي الترمذي بإسناده إلى مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك .

 

وقد علق ابن كثير على هذا الحديث فقال : وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي ، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ، وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة ، وهذا من دلائل النبوة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليما ، وبذلك يكون الحسن بن علي رضي الله عنه خامس الخلفاء الراشدين وعند الإمام أحمد من حديث سفينة أيضاً بلفظ : الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون بعد ذلك الملك . وعند أبي داود بلفظ : خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك من يشاء أو ملكه ما يشاء ، ولم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن وقد قرر جمع من أهل العلم عند شرحهم لقوله صلى الله عليه وسلم الخلافة في أمتي ثلاثون سنة . أن الأشهر التي تولى فيها الحسن بن علي بعد موت أبيه كانت داخلة في خلافة النبوة ومكملة لها فقد قال كل من :

 

1 ـ أبو بكر بن العربي رحمه الله : فنفذ الوعد الصادق في قوله صلى الله عليه وسلم ـ : الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم تعود ملكاً . فكانت لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وللحسن منها ثمانية أشهر لا تزيد ولا تنقص يوماً فسبحان المحيط لا رب غيره .

 

3 ـ وقال الحافظ بن كثير ـ رحمه الله ـ : والدليل على أنه أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قـال : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ، وإنما كملت الثلاثون بخلافة الحسن بن علي .

 

 

 

أهم صفاته :

 

 

1 ـ العلم :

 

تربى الحسن في بيت النبوة ، فتأثر بجده صلى الله عليه وسلم ووالدته السيدة فاطمة في طفولته واستفاد من والده العلم الغزير ، فقد اهتم به اهتماماً كبيراً ، وكان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يعلم الناس كتاب الله ومن بينهم أبنائه ومنهم أمير المؤمنين الحسن والحسين فتعلموا منه منهجه لبيان الحكم الشرعي وطريقته في الاستنباط والتي كانت ملامحها ، الالتزام بظاهر القرآن الكريم ، حمل المطلق على المقيد ، وحمل المجمل على المفسر ، والعلم بالناسخ والمنسوخ ، والنظر في لغة العرب ، وفهم النص بنص آخـر ، والسؤال عن مشكله ، والعلم بمناسبة الآيات ، وتخصيص العام ، ومعرفة عادات العرب وأحوالهم ، وقوة الفهم وسعة الإدراك ، وكان القرآن الكريم لذلك الجيل ومنهم الحسن بن علي هو المنهج التربوي ومع هدي النبي صلى الله عليه وسلم فكانت للآيات القرآنية الكريمة التي سمعها من والده أمير المؤمنين علي أثرها في علمه وصياغة شخصيته ، فقد تطهر قلبه وزكت نفسه ، وتفاعلت معه روحه ، فأبصر الحقائق الكبرى في عالم الوجود ، وكان من شيوخه الذين حفظ عليهم القرآن الكريم عبد الله بن حبيب بن ربيعة أبو عبد الرحمن السلُّمي ، مقري الكوفة وكان لأبيه صحبة روى عن علي رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود وعثمان بن عفان وقد أخذ القراءة عنه عاصم وعطاء والحسن والحسين رضي الله عنهم وكان يقرئ عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي وكان فقيهاً وتوفي في الكوفة في خلافة عبد الملك بن مروان وكان ثقة كثير الحديث ، وعن عبد الله بن المبارك عن عطاء بن السائب قال : دخلنا على أبي عبد الرحمن السُّلمي ـ وهو يقضي أي ينزع في المسجد ، فقلنا له : لو تحولت إلى الفرش فإنه أوثر . قال : حدثني فلان أن النبي صلى الله عليه وسلم قـال : لا يزال أحدكم في صلاة ما دام في مصلآّه ينتظر الصلاة ، وفي رواية ابن سعد : الملائكة تقول : اللهم اغفر له ، اللهم أرحمه . قال أبو عبد الرحمن السُّلمي : فأريد أن أموت وأنا في مسجدي ، وكان منهجه رحمه الله في تعليم القرآن الكريم منهج الصحابة الكرام ، فعن أبي عبد الرحمن السُّلمي قال : حدّثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن ـ كعثمان بن عفّان ، وعبد الله بن مسعود ، وغيرهما : أنَّهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات ، لـم يتجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم ، والعمل ، قالوا : فتعلَّمنا القرآن والعلم ، والعمل جميعاً ، ولهذا كانوا يبقون مدّة في حفظ السُّورة ، ويعتبر أبو عبد الرحمن السُّلمي شيخ الحسن بن علي في القرآن الكريم من أشهر تلاميذ عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد سار الحسن بن علي على نفس الطريقة في حفظ وفهم والعمل بالقرآن الكريم .

 

ـ عبادته :

 

 

كان الحسن بن علي رضي الله عنه من المجتهدين في العبادة ومارس مفهوم العبادة الشامل في حياته ، فقد رضع لبان العبادة مع ما رضعه من معدن النبوة ، وتربية الزهراء التي جاءت إلى أبيها عليه الصلاة والسلام لتطلب خادماً ، فدلها على ما هو أفضل من ذلك ألا وهو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ، وقال لها ولزوجها في الليل وهما في الفراش : ألا تقومان تصليان؟ فأطل على الحياة في بيت الزهد والعبادة ، والورع والتقى ، والحلم والصبر ، وانغمس في هذه المفاهيم والمثل والمبادئ حتى غدا مثالاً من مثلها ، ومثالاً بها يضرب ، يشهد له بذلك معاصروه من الصحابة الأبرار .

 

 

وكان الحسن بن علي رضي الله عنه إذا صَلَّى الغَداةَ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسـلم يجلس في مصلاَّه يذكر الله حتى ترتفع الشمس ، ويجلس إليه من يجلس من سادات الناس يتحدّثون عنده ، ثم يقوم فيدخل على أمهات المؤمنين فيُسلِّم عليهن ، وربما أتحفنه ، ثم ينصرف إلى منزله

 

 

وكان الحسن بن علي رضي الله عنه يقول إذا طلعت الشمس: سمع سامع بحمد الله الأعظم لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، سمع سامع بحمد الله الأمجد لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير ، وقد لازم الحسن بن علي ما ثبت عن رسول الله من أوراد وأذكار وأدعية ، وكان يحث الناس على الصلوات في المساجد وكان يقول من أدمن الاختلاف إلى المساجد رزقه الله احدى خصال : أخاً مستفاداً ورحمة مستترة له أو علماًَ مستطرفاً أو كلمة تدل على هدى أو يترك الذنوب خشية أو حياء ، وكان رضي الله عنه من أهل القيام ، فقد كان رضي الله عنه يأخذ نصيبه من القيام في أول الليل وكان الحسين رضي الله عنه يأخذه من آخر الليل ، فقيام الليل من الوسائل المهمة في إيقاظ الإيمان ، جربها الصالحون فوجدوا لها أبلغ الأثر في إحياء القلوب ، وقـال ابن الحاج في المدخل : وفي قيام الليل من الفوائد جملة ، فمنها : أنه يحط الذنوب كما يحط الريح العاصف الورق اليابس من الشجرة ، ومنها أنه ينور القلب ، ومنها أن موضعه تراه الملائكة من السماء يتراءى مثل الكوكب الدري لأهل الأرض ، ونفحه من نفحات قيام الليل تعود على صاحبها بالبركات والأنوار والتحف التي يعجز عنها الوصف

 

 

وكان الحسن بن علي رضي الله عنه كثير الحج ، فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه : ما ندمت على شئ فاتني في شبابي إلا إني لم أحج ماشياً ، ولقد حج الحسن بن علي خمسـاً وعشرية حجة ماشياً ، وإن النجائب لتُقاد معه ، ولقد قاسم الله ماله ثلاث مرات ، حتى أنه يعطي الخف ويُمسك النعل ، فهذا مثل من لزوم ما لا يلزم شرعاً يقوم به الحسن بن علي رضي الله عنهما ، حيث لازم الحج ماشياً خمساً وعشرين حجَّة ، وهذا يدل على فضيلة المشي في الحج ، كما يؤيد ذلك ندم ابن عباس رضي الله عنهما على عدم قيامه بذلك أيام شبابه ومداومة الحسن على ذلك على ما فيه من مشقة تدل على قوة إيمانه ورغبته الصادقة في المزيد من الأعمال الصالحة ، والمقصود بالمشي من الحج من مكة إلى عرفة ثم من عرفة إلى مكة ، وليس المقصود أن يحج الحاج ماشياً من بلده , ومن سيرة الحسن بن علي رضي الله عنه نتعلم أهمية السياحة إلى البيت الحرام ، كلما سمحت ظروفنا وتيسر حالنا قال صلى الله عليه وسلم : تابعوا بين الحج والعمرة ، فإن متابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد ، ولذلك حج الحسن ماشياً ونجائبه تقاد إلى جانبه خمساً وعشرين مرة في بعض الروايات وقال : إني استحيي من ربي عز وجل أن ألقاه ولم أمشي إلى بيته ، وكان رضي الله عنه كثير الصمت ، متعبداً على منهج جده صلى الله عليه وسلم .

 

صفاته الخَلْقية :

 

كان الحسن بن علي رضي الله عنه سيداً وسيماً جميلاً أبيض اللون مشرباً بحمرة أدعج العينيين سهل الخدين كث اللحية كأن عنقه أبريق فضة ، عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ليس بالطويل ولا بالقصير من أحسن الناس وجهاً جعد الشعر حسن البدن ، ومن بركات الله سبحانه وتعالى على الحسن أنه كان أشبه الناس بجده صلى الله عليه وسلم ؟

 

 

ورعه رضي الله عنه .

 

لا يرى أمهات المؤمنين :

كان الحسن والحسين لا يريان أمهات المؤمنين . فقال ابن عباس : إنَّ رؤيتهن حلال لهما وعلق الذهبي فقال : الحل متيقن . وهذا يدل على شدة حياءه .

 

من أدبه في المجالس :

 

 

كان ذات يوم جالساً في مكان ، فأراد الانصراف ، فجاءه فقير فرحب به ولاطفه وقال له : إنك جلست على حين قيام منا أفتأذن لي بالانصراف ؟ قال : نعم يا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . .

 

 

ملاعبته بالمداحي :

 

قال سليمان بن شديد : كنت ألاعب الحسن والحسين بالمداحي فكنت إذا أصبت مدحاته فكان يقول لي : يحل لك أن تركب بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وإذا أصاب مدحاتي قال : أما تحمد ربك أن يركبك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

 

 

مرضه ووفاته رضي الله عنه

 

تنويه هذا الباب : نقلته للعلم وليس من كتاب الدكتور الصلابي

 

 

مرضه

 

قال عبد الله بن الحسين: إن الحسن كان سُقِيَ، ثم أفلتَ، ثم سُقِيَ فأفلتَ، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلمّا حضرته الوفاة، قال الطبيب وهو يختلف إليه: (هذا رجلٌ قد قطع السُّمُّ أمعاءه)... فقال الحسين: (يا أبا محمد خبّرني من سقاك؟)... قال: (ولِمَ يا أخي؟)...

قال: (اقتله، والله قبل أن أدفنـك، أولا أقدرُ عليه؟ أو يكون بأرضٍ أتكلّف الشخـوص إليه؟)... فقـال: (يا أخـي، إنما هذه الدنيا ليالٍ فانية، دَعْهُ حتى ألتقـي أنا وهو عنـد الله)... فأبى أن يُسمّيَهُ، قال: (فقد سمعتُ بعضَ من يقول: كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيَهُ سُمّاً)...

 

بكاؤه عند موته رضي الله عنه

 

 

لمّا أن حَضَرَ الحسن بن علي الموتُ بكى بكاءً شديداً، فقال له الحسين: (ما يبكيك يا أخي؟ وإنّما تَقْدُمُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى عليّ وفاطمة وخديجة، وهم وُلِدوك، وقد أجرى الله لك على لسان النبي -صلى الله عليه سلم-: (أنك سيّدُ شباب أهل الجنة)... وقاسمت الله مالَكَ ثلاث مرات، ومشيتَ الى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرّةً حاجّاً)... وإنما أراد أن يُطيّب نفسه، فوالله ما زاده إلا بكاءً وانتحاباً، وقال: (يا أخي إني أقدِمُ على أمرٍ عظيم مهول، لم أقدم على مثله قط)...

 

وفاته

 

>توفي الحسن رضي الله عنه بالمدينه مسموما، سمته زوجته جعده بنت الاشعث بن قيس، دس اليها يزيد بن معاويه ان تسمه فيتزوجها، ففعلت، فلما مات الحسن بعثت الى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها، فقال : اننا لم نرضك للحسن افنرضاك لأنفسنا !

وجهذ به اخوه ان يخبره بمن سقاه السم، فلم يخبره، وقال: الله اشد نقمة ان كان الذي اظن، والا فلا يقتل بي والله بريء، وقال لأخيه الحسين كنت طلبت عائشة رضي الله عنها ان ادفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: نعم، فاذا مت فاطلب ذلك اليها، وما اظن القوم الا سيمنعونك، فان فعلوا فلا ترجعهم، فلما مات اتى الحسين الى ام المؤمنين عائشه رضي الله عنها فقالت : نعم وكرامه، فمنعهم مروان، فلبس الحسين ومن معه السلاح حتى رده ابوهريره، ثم دفن بالقيع الى جنب امه رضي الله عنهما.

" من كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي "

 

وتوفي الحسن -رضي الله عنه- في سنة (50هـ)، وقد دُفِنَ في البقيع، وبكاه الناس سبعة أيام: نساءً وصبياناً ورجالاً، رضي الله عنه وأرضاه...

 

وقد وقف على قبره أخوه محمد بن عليّ وقال: (يرحمك الله أبا محمد، فإن عزّت حياتك لقد هَدَتْ وفاتك، ولنعم الروحُ روحٌ تضمنه بدنك، ولنعم البدن بدن تضمنه كفنك، وكيف لا يكون هكذا وأنت سليل الهدى، وحليف أهل التقى، وخامس أصحاب الكساء، غذتك أكف الحق، وربيت في حجر الإسلام ورضعت ثدي الإيمان، وطبت حيّاً وميتاً، وإن كانت أنفسنا غير طيبة بفراقك فلا نشك في الخيرة لك، رحمك الله)...

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته,,

 

جزاك الله خيرًا أختنا الكريمة على الطرح المميز

 

ولي عودة بإذن الله لإكمال القراءة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×