اذهبي الى المحتوى
خُـزَامَى

السجين يهــــــــرب ...!

المشاركات التي تم ترشيحها

انتي راحت عليكِ نومة ولا نسيتي زهورة

 

عاوزة أعرف هو هيسجن ويهرب امتى وبعد إيه لما المال يضيع ولا لما يقتل حد

 

مجرد تخمينات منتظرة

 

post-186139-1323266907.gif

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

post-28298-1317032301.gif

الفصل التاسع ..

 

ذات مساء00أوغل الليل في المسير00 وجلس غياث بن عبد المغيث في مجلسه الواقع خارج القصر00وأوقد ناراً وجعل يقلب كفيه فوقها ملتذاً بدفء،ويتأمل تراقص لهيبها00كان كل شيء ساكن والعاملون في البستان قد آووا إلى مساكنهم00ولم يكعكر صفو ليلته تلك سوى أحزانه التي تجددت وفجر الشيخ شرف الدين سدودها،فقد زعزع قناعته بالهناء المحيط به وفضح كآبته السابقة ونشرها كجيفة كان التراب يواريها،فأخرجت من التراب وأنتشرت رائحتها عفنة تعم الأرجاء!

إذاً فهو غير سعيد!00فلوكان سعيداً حقاً فلماذا أغتمَّ لجراحه القديمة التي نكأها شرف الدين00ولماذا أصبح يساهر الليل وحيداً محزوناً!؟

وقذف في النار بع الحطب00

لا00إنه غير سعيد00لقد كان يوهم نفسه بالسعادة!ليعترف بهذه الحقيقه التي كانت تتبدا له فيغمض عينيه عنها00حقاً إنه لم يحس بسعادة سليمة من شوائب المرارة منذ أن أستولى على هذه الأموال!

لقد أوجعه هاذا الإكتشاف الجديد،فعاد يحاول التشبث ببقايا هنائه0وتشبث بكذب لذيذ، وآثر أن ينظر إلى الوجه الساطع في حياته،وأوهم نفسه في تلك الليلة بالبهجة ،وتكلف السرور وطرد الأحزان،فشرف الدين لا يعلم عن دواخله ولا قلبه00وحواسه لايمكن أن تخدعه!!

ولبس ثياباً جديده على جروح قذرة00وتمدد على الفراش الوثير متكاسلاً عن الذهاب إلى حجرته00حتى أخذه النوم0

في الصباح هزته يدٌ رقيقة فأستيقظ ناعساً00 وأبتسم لجاريته التي وقفت على رأسه باسمة وقالت له:

-لقد جاءني والدي لأطلب منك أن تتحثث من جفاف القمح قبل أن يحصد ويدرس0

ونهض وأغتسل وذهب برفقة جاريته متسكعاً ببطء كسعادته بين الخمائل والنخيل وعرائش العنب،وهي تزف إليه روائحها الندية العابقة مع أنسام الصباح0

ولم يسر غير قليل حتى أدهشته عطر بسؤالها:

-هل تعاني من ألم يامولاي؟

فألتفت إليها وهو يقول:

-لا00بل احس بمزيد من العافية!

-أنت مكابر00وتستعلي على أوجاعك00 إن وجهك بائن الصفرة!! لقد لاحظت ذلك بعد قدوم شرف الدين! لقد أصبحت تجلس وحدك،وتظل ساهماً وكنت أراقبك فإذا رأيتك على هذه الحاله تركتك!

-أنت مخدوعة!

-لا00بل لقد رأيتك يوماً تبكي وحيداً فآثرت أن أمضي دون أن تراني00

-أنا أبكي؟!

-نعم00هذا مارأيت!

-لم أعلم بذلك فكيف أبكي وأنا لا أعلم؟!

-أنا من يسأل هذا السؤال؟

لم يجبها بشيء سوى ان طمأنها بسلامته،وأكمل جولته ثم رجع،وأراد أن يتجول في الأنحاء، فأمر سريعاً بتجهيز الخيل وفوجيء به يقول هو الآخر:

-إن شاء مولاي أن يؤخر تجواله ويستريح؟

فقال مدافعاً عن نفسه:

-لكني لاأبدو متعباً؟

-أنت بادي الإرهاق يا سيدي0

وغشيته الكآبه من جديد وقد آثارته هذه الملاحظات، وتأكد له أنه يخادع نفسه ويتوهم أنه على ضفاف النهر من السعادة وهو خلاف ذلك00 لقد أصبح كمن تناول جرعة ماء ليغسل فمه فأكتشف أنه شديد العطش وهو لايدري!

ومضى راكباً فرسه تاركاً عطر ووالدها وقد حيرهم أمره00وحيرتهم تلك التغيرات الجديده في حياته!

خرج غياث ليتخفف من الكدر المطبق عليه00وأمضى يومين كاملين في غيبته لايعلم أحد أين هو00ثم عاد محملاً بالمزيد من الكآبة00 ولم يجرؤ أحد على سؤاله أو محادثته بشيء،فمضى إلى حجرته وأغلقها على نفسه،ولم يخرج بعد ذلك!

وطالت مدة الحبس الذي أختاره غياث لنفسه00وكان الخدم يطرقون عليه الباب فلا يرد ولا يقبل الطعام00وحاولت عطر إقتحام عزلته فلم تقدر!واستنجدت بأبيها فلم يَلقَ جواباً00وظنَّ الجميع أنه هلك لولا بعض الأصوات المبهمة التي كانت تصدر من جوف الحجرة بين فينة وأخرى00وتثبت لهم أن سيدهم مازال على قيد الحياة0وأخيراً خطرت لسريع فكرة00مضى إلى بيت القيَّم وطرق البا ليستنجد بشرف الدين0

وجاء شرف الدين وأجتمع ببعض الخدم فأمرهم أن يبتعدوا حتى لا يثيروا حفيظة غياث00وطرق باب حجرة غياث بهدوء فلم يرد،فطرقه ثانية بإلحاح فجاء صوت غياث من الداخل ينهر الطارق ويأمره بالابتعاد،فقال شرف الدين:

-أفتح ياغياث00 أفتح يابني أنا شرف الدين0وتكاثر الخدم وجاء بعضهم من الحقول لمشاهدة ما يحدث00وتراصوا في الممر المؤدي إلى الحجرة00ثم سُمع من الداخل صوت يروح ويجيء على عجل ويحرك بعض موجودات الحجرة،ثم فتح غياث الباب محزوناً مدهوشاً ورحب بالشيخ الفلاح وبان على وجهه سرور حقيقي وقال:

-لم أكن أتوقع مجيئك إلى غرفتي!

فأختلق شرف الدين عذراً وقال:

-لقد أردت أن أودعك قبل رحيلي،فقد أنتهى القمح ويجب أن أذهب0

ودخلا إلى الغرفة وأغلق غياث الباب ثم فتحه فجأة وألتفت بصرامة في وجوه الخدم والعبيد الذين كانوا قد تكدسوا في الممر وأرتفع بعضهم على أطراف أصبعه لمشاهدة غياث وهتف بهم:

-أنصرفوا00!

ولم يغلق الباب حتى رآهم ينصرفون مسرعين في شيء من الذعر!

وكان غياث يرتدي ثيابه التي عاد بها من رحلته الغامضة00 وحذاؤه لم يخلعه طوال هذه المدَّة، حتى شكل عمامته لم يتغير00وكان ذابل النرات00 متعباً مكدور الملامح!

ومضت ساعتان كاملتان قبل أن يخرج غياث من الحجرة يتقدمه شرف الدين ولاحظت عطر أن سيدها محمر العينين00 رطب الأجفان!!

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

post-28298-1317032301.gif

الفصل السابع..

 

العمل في البستان في تطور مستمر00اقتلعت الشجيرات الزائدة00وشذبت الأغصان المتهدلة00وقلمت الأشواك من النخيل00وابتكر غياث محجراً لإحراق الأوراق ومخلفات جريد النخل تشبه البركة غير العميقة00وأُجري الماء بغزارة على الساحات الجرداء00وجرت الثيران القوية بالمحاريث عليها00وزاد غياث من أشجار البستان وأسرف في زراعة العنب00وأعتنى بحجرات الخدم والعبيد،وأصلح من شأن القصر الصغير،وزرع حوله أصنافاً من الرياحين والأشجار المتعددة00وأبتنى في ناحية نائية من البستان بيتاً صغيراً بفناء صغير جميل، وأعدّه للقّيم الذي سيشرف على تجارته وزراعته ويقوم على بيع الثمار في أسواق بغداد0

وفي غضون ستة أشهر من وصول غياث إلى بغداد أصبح البستان جنهً لا يملها الناظر0

وقد عمد غياث من تغيير أسم البستان من "شوكة" إلى"المغاث" نسبةً إلى أسمه ونقش ذلك على الباب0

ويدين غياث بكثير من تقدم بستانه إلى كبير عبيده"سريع" الذي كان كما وصفه سيده الأول بطيء الحركة، لكنه لا يتوقف وكان أميناً00طويل الصمت00شديد الطاعة لسيده0

وبرهن سريع لسيده منذ الأيام الأولى أنه خير مؤتمن على السر، وينفذ ما يطلب منه بدقة وبلا أسئلة0

ففي ذلك اليوم الذي أقتتل فيه سعيد وغياث، قام غياث بنقل خصمه الذي أغشي عليه إلى مزرعته وسجنه في غرفة كبيرة مهجورة في مكان معزول من البستان، وعلى تلك الحجرة سور بُني من الحصى وقد أخفت أشجار من السدر طويلة ذلك المبنى عن الأعين0وكانت تلك الحجرة تستخدم مخزناً لأعلاف الماشية فيما مضى0 وقد أستيقظ سعيد ليلاً مشوش الفكر من الضربة التي أصابته ليجد نفسه مجرداً من سيفه ومسجوناً في تلك الغرفة00 ومربوطاً إلى سلسلة طويلة لا يستطيع منها فكاكاً00 وكان غياث هو أول مَنْ رآه فخاطبه في كآبة وهزيمة:

-ماذا صنعت بي؟

فقال غياث في سخرية:

-صنعت بك ما ترى00أسرتك وسأكرمك لأنك ضيفي كما تقول!

-ألا تنوي أن تُريحني؟

-لا00لقد قلت لك أني لا أحب القتل0

-لكنك تقتلني حين تربطني بهذه السلسلة كالكلب!

-إنك شرير ولو كنت آمنك لأطلقت سراحك00وستبقى في هذا الموضع حتى امظر في أمرك0

تقبل سعيد هزيمته بنفس شجاعة فلم يستجدِ ولم يطلب الرحمة مم أثار الإعجاب في نفس غياث بتجلده وصبره00وخرج من عنده،وأوكل رعايته إلى عبده سريع،وأوصاه أن يكتم خبر السجين عن الخدم وعن أي أحد0 وأصبح سريع من ذلك اليوم يحمل الطعام والشراب والفاكهة والنبيذ إليه0 وكان يفعل ذلك بصمت، ولم يسأل عن السجين00 من هو ومن أين جاء ولماذا سجن هنا!!

وكانت مطالب سريع قليلة وأكثرها من شأن البستان والعاملين فيه،ولم يطلب لنفسه شيئاً إلا مرة واحده،حين قال لغياث في تردد

- إن شاء مولاي أن يكرمني بأعطية من عنده أحفظها له مابقيت حياً00فقال غياث في سرور:

- زوجتك00أعرف ذلك00 تريد أن أشتريها وأحضرها؟

- لا يا مولاي لقد ماتت زوجتي قبل عشر سنوات وأنما أطلب أبنتي عطر00

- ومن يملكها الآن؟

- سيدي الأول00السمسار الذي أشتريت البستان منه0وأشترى غياث"عطر"بعدما غالى سيدها في ثمنها00 وقد تبين لغياث فيما بعد أن عطر تفوق ثمنها عدة مرات00لقد كانت أمها رومية أُسرت في أحدى المعارك، وقد أشتراها السمسار وأنكحها عبده سريع فولدت له عطر وماتت بعد ذلك بعشر سنوات0 وقد مزجت الصبية بين دكنة أبيها وصفرة أمها، فجاء لونها نحاسياً بارقياً0 وورثت عن أبيها الطاعة والصبر على الأسياد0 وكانت مهذبة ظريفة، فملكت على غياث قلبه فأتخذها سرية وسكنت معه في القصر00 وأزداد إكرامه لوالدها، فلم يعد يندبه إلا في الأمور الهامة أو الإشراف على عمل الخدم0

واشترى غياث الأرض الجرداء المجاورة لبستانه ،وأخبر عبده أنه سيزرعها قمحاً في الموسم القريب0فعلق سريع مغتماً:

- أنا لا أعرف زراعة القمح ياسيدي00 وقد أصبحت شيخاً ثقيل الحركة كما ترى0 وسكت ليستجمع أفكاره وأحنى رأسه إلى الأرض وغياث ينظر إليه باسماً ثم قال:

- إن شاء مولاي أن نستأجر لزراعة القمح فلاحاً عارفاً بزراعة القمح وأكون أنا منصرفاً إلى الخدم والأسواق؟

فقال غياث:

- سيكون لك أكثر مما طلبت00 فسنستأجر للقمح من يقوم على زراعته،وبعد موسم القمح سأجعل على الأسواق قيماً وسيسكن في الدار التي ابتنيتها لهذا الغرض0

وتمضي الأيام في حياة غياث بن عبد المغيث حلوة00سعيدة00 فقد أحتوشته الرفاهية00واستلقى على آرائك النعيم00 وتجلى عنه ليل الممرة الكئيب00ومنحته الأيام صباحها0

أصبح لا يأكل إلا الخبز المنخول00واللحوم الفاخرة، وتجلب له الحلوى من بغداد كل يومين00ويشرب النبيذ الطيب والخمر المعتق00 ويلبس ثياباً موشاة بالحرير00 ويتنزه كل صباح وعصر في أنحاء البستان الواسع بصحبة جاريته عطر00 تطرفه وتسليه بأحاديثها00وربما أخذته النشوة أحياناً فيقفز كالأطفال ممسكاً بيدها ويصيح معبراً عن حبوره!!

وأراد أن يمحو كل شيء يذكره بالماضي الكئيب00 فتناسى حنظلة فهو لا يعرفه00 ومروان ضعيف ومفقود وربما قتل00وسعيد في سجنه00 وظفر يوماً في بعض خزانات القصر بصرة ثيابه القديمة وقد وضعنها إحدى الخدم،فأخذها وقلّبها بين يديه ثم قذف بها في بئر يابسة في طرف البستان0

كان دائماً ينظر إلى نفسه في المرآة00 عيناه الحالمتين وفمه الجميل على حالهما أما كفيه فقد غسلت النعمة خشونتهما، فكانا على شيء من الليونة00 أما جسده فما زال على قوته ومتانته00وتضرج وجهه بحمرة النعيم00 وكان يقضي أكثر يومه فائق الحيوية والبشر00مسرفاً في شرب الخمر والنبيذ0

أمتلك السعادة التي ينشدها00 وتحقق له النعيم الذي يطلبه00 وصدقت ظنونه حين وضعت الثروة حداً لشقائه المستديم00 وقرر في نفسه أن الحياة أبتسمت له بعد طول عبوس00 وأن بدره قد أكتمل نموه00

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

post-28298-1317032301.gif

الفصل الثامن..

 

توقف شيخ كبير مسن على باب بستان غياث وقرأ اسم البستان "المغاث" المنحوت عليه، ثم ترجل عن بغلته الهزيلة التي يركبها00 ثم قادها بزمامها إلى الداخل وسار حتى وصل إلى القصر وربط بغلته في مربط الدواب وذهب أحد الخدم ليخبر سيده أن رجلاً يطلبه0

كان الشيخ نحيلاً ومهزولاً كالدابة التي جاء عليها00لكنه كان مهيباً وقوراً00مغضوب اللحية بالحناء00عريض الحاجبين أبيضهما00بعينين بارقتين لامعتين بالفطنة0

وخرج غياث إليه وفي يده كأس النبيذ00فأصطدمت نظراته بهيئة الشيخ، وما أن رآه حتى أعتراه الخجل ووضع الكأس جانباً00ورحب بضيفه ودعاه للجلوس على بساط كبير مفروش تحت ظلال الأشجار القريبة من القصر فجلس وقال:

-لقد ذكر لي الخادم سريع أنكم في حاجة إلى من يقوم على زراعة القمح في الأشهر القادمة0

فقال غياث وهو يشير إلى أرض القمح البعيده التي أُعدت وحرثت:

-نعم نحن بحاجة إلى من يقوم بزراعة تلك الأرض00فلا يوجد عندنا أحد يقوم بذلك،وقد أمرت عبدي أن يستأجر فلاحاً لهذا الشأن:

-وأين صاحب البستان حتى نحدَّثه؟

-أنا صاحب البستان!

فدهش الشيخ لكون هذه الضياع الواسعة لشاب في الثامنة والعشرين وقال:

-أنا أسمي شرف الدين من بغداد وأحسن العناية بالقمح،فإن شئت عملت عندك وأخذت العُشر عند الحصاد0

-لقد قلتُ لسريع أنني أريد أن أستأجر فلاحاً بالأُجرة00يأخذ أجره إذا أنتهت السقيا وقطع الماء عن الزرع!

-أنا أعمل يابني في مزارع الناس كل سنة وكنت أتفق معهم على جزء من الحصاد!

تأمل غياث الرجل فأرتاحت نفسه إليه وقال محاولاً أقناعه:

-سأجزل لك الأجر فذلك خير لك00فقد يأتي الحصاد شحيحاً00

-من أجل هذا طلبت جزءاً من الحصاد فلا أريد أجراً كاملاً عن حصاد شحيح0

-لكني راضٍ وقانع بذلك!

-إذاً فلم نتفق!

وبلا مناقشة ودَّعه الشيخ وقام إلى بغلته ليذهب فقال غياث على الفور:

وافقت00وافقت00

استقرَّ شرف الدين00 فلاح القمح00في الدار التي عدت ليسكنها القيَّم00 وشرع في العمل وأظهر دراية بالزرع وأجرى الماء وتابع السقيا، وبعد مدة بدأت وريقات القمح تشف الأرض ثم تأخذ في الإرتفاع تحت شمس دافئة عجلت بإنباتها0

وزار غياث شرف الدين وتكررت زياراته له00واجتذبه سمته ووقاره وهدؤه،وأصبح يأنس له ولا يخفي عن مودته0وتضاعفت تلك المودة عندما طفق سريع ينقل إليه أخبار شرف الدين في بغداد ويثني على سيرته00فيعرف أنه لم يكن فلاحاً فحسب بل هو على جانب من العلم والتقى والفضل00يتكسب عيشه من العمل بالزراعة عند الناس0

وكان غياث يقول لجاريته عطر أو لسريع في صراحة تامة:

-أنا أحس بالبهجة حين تقع عيني على رجل من الصالحين منذ أن كنت صبياً00لكن شرف الدين مختلفاً كثيراً،فأنا أبتهج لرؤيته وأهابه،وقد فطن إلى ذلك فأصبح ينهاني عن الخمر ويعظني ويناصحني فصرت لا أشربها في حظرته، ولا في الوقت الذي أتوقع حضوره فيه00ولا أخرج إليه إلا إذا فارقني أثرها،وليس أحدٌ يشبهني فأنا سكير منحرف، ويعمل في فلاحة أرضي طالب علم تقي!!

مضت ثلاثة شهور00 وأوشك موسم القمح على الانتهاء ،وكانت سنابل القمح رفيعة متسامقة00تتمايل مع حركات الهواء00ورائحتها زكية00 تزيد السرور في نفس غياث00 وكانت الفترة الأخيرة من العمل تحتم أن يكون الماء متدفقاًً باستمرار على جذور السنابل التي ستصبح بعد مدة قصيرة صفراء ذهبَّية لتقطف بعدما تجف تماماً0

وركضت الأيام سعيدة مبهجة في حياة غياث بن عبد المغيث،وقد زادها تواجد شرف الدين ببشاشته ورحابته أنساً0

وجاء يوم أهتزت فيه قناعة غياث بواقعه00وفقد ثقته في سعادته،وفي الحياة الرغيدة السهلة المحيطة به00

تسللت إليه شمس الحقيقة ساخنة لتحسر عنه ظلال الوهم الذي كان يؤي إليه0

وكان ذلك على يد شرف الدين!

ففي بعض جلساتهما كانا قد فرغا من شؤون الزرع، وكعادته كان شرف الدين يذكره بالآخرة والتقوى00ويعضه00وينبهه إلى الثغرات فيما يظنه سعادته00 وفي معرض حوارهما سأله شرف الدين:

-لماذا أنت حزين يا بني ؟

فقال غياث باستغراب:

-أنا لستُ حزيناً00كيف رأيت أني حزين؟!

-لأنك تعاقر الخمرة بإستمرار00 وهذا دليل حزنك.

-أنا أشرب الخمر لأني أبتليت به،مع أني أحاول جاهداً الفكاك منه0

-لا00بل أنت تهرب إليه00لأنه يذهب بك عن دنياك التي تجدها محزنة!

-لكني أجد دنياي سعيدة!؟

-لو كنت سعيداً لما شربت الخمرة00لأنها دواء المحزونين!

-إن الدنيا قد أحزنت الكثيرين،وأنا قد أستوفيت عِدة السعادة فيها00فما الذي يدعوني إلى الحزن؟!

-وما أدراك فقد يكون هذا سبب شقائك00 فإن في المال خاصية عجيبة، فقد تجد اللذة في تمنيه والحلم به00فإذا حصل شقيت به وتبين لك أنه كالسراب يسرك مظهره ومخبره الظمأ والخداع!

-ماأدري هل أنت فلاح أم حكيم!؟

-لا تشغل نفسك بي00 ودعني أفيدك بشيء ربما عقلته أنا لكبر سنّي؟

-ماهو؟

-إن الناس يشتمون الفقر ولو أنصفوه لوجدوه عين الراحة والسلامة في أدواء كثيرة!

-الراحة!!ومن هذا الذي يجد الراحة في الفقر؟!

-يرتاح بالفقر الذي تخفف من طمع الدنيا،وشغلت عليه الآخرة قلبه0

-كثير من الناس زهدوا في الدنيا،وآثروا الآخرة لعجزهم عن الحصول على الدنيا00

-ربما يكون ذلك من حسن تدبير الله لهم ولطفه بهم00فلو تحصل لهم المال لطغوا وانحرفوا0

-حقاً ويكون الفقر بمثابة دليل لهم إلى الآخرة ونجاة لهم0

-الفقر يذمه صاحبه في الدنيا ويحمده في الآخرة0

-لكن النبي صلى الله عليه وسلم قرن الكفر بالفقر ووصف الجوع بأنه بئس الضجيع0

-لقد تيسرت للنبي صلى الله عليه وسلم سبل الغنى00فقد ملك العرب وساد الناس،وأخبر أنه لو شاء لسارت معه الأودية ذهباً وفضة00 ومع ذلك فقد كان بعض أصحابه أطيب عيشاً منه وأسهل حياة00 وهذا إختيار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم0

-إذاً فالأغنياء -على كل حال - في شقاء مستديم!؟

-في شقاء إذا استقر المال في قلوبهم00 أما إذا عمرت الآخرة قلوبهم وتحول المال إلى أيديهم، وقاموا بحق الله فيه فهم خير من الفقراء والمؤمن القوي خير من الضعيف والمال نوع من القوة0

ولسبب لايدريه شرف الدين قال غياث بلهفة:

-لكنني سعيد بما أنا فيه من الغنى الواسع!

فقال شرف الدين ببديهية:

-سبحان الله00هل تثق في حواسك كل الثقة00إذا إستجابت لكل ما تحس به،وحكمت على ماحولك بإحساسك هلكت فالأذن تخدعك والعين تخدعك00والنفس تخدعك وتميل بك إلى ماتشتهي وإن كان ضلالاً!

ألا ترى على كثير من العصاة00 إنهم يفعلون المعصية ويحسون أنهم على صواب فينخدعون ويمضون على أخطائهم!

-إذاً فلن نفعل شيئاً البتة خوفاً من خديعة الحواس؟

-ولهذا أنزل الله الدين حتى يكون مناراً يُهتدى به ويُستدل به على الصواب والفلاح،حفاظاً على الإنسان ورحمة من الله به أن يتبع هواه ورغباته فيضل ويهلك0

كما أن الحلال بين والحرام بين وكل ما أمر تزنه بميزان الله يتبين لك خطأه من صوابه0

-وأين تكون السعادة إذاً؟!

-أنا سأسألك00أين تكون السعادة؟

-أنا أقول إن السعادة في طاعة الله وتقواه،ولكني وجدت سعادتي في الثراء!

-هل جربت سعادة الهدى والتقوى0

-لقد صليت عدة مرات وكنت مع ذلك محزوناً!

-يابني تقوى الله مراتب00 وكلما أقتربت من ربك كرهت الدنيا،وصرت تراها عبئاً ثقيلاً ومرحلة متعبة تشوقك دوماً للفكاك منها0

-ومتى أصل لهذه الحالة؟

-إذا أتهمت نفسك وشككت في حياتك التي تزعم أنك سعيد بها00وأنا الآن أدعوك للتأمل فيما مضى من عمرك،وما بقي وما سيعقب ذلك وأرجو أن تتجه إلى ربك بالعبادة التي يضيء بها القلب ويعمر بها لاتلك التي لا تعدو الجوارح0

وتناهض الشيخ للإنصراف بعدما أوصى غياث أن يبدأ بالشك فيما حوله من حياةٍ وداعةٍ وسعادة مزيَّنة0

وكان هذا اللقاء نقطة البداية في حياة جديدة00قام غياث ذلك اليوم وقد أشتعلت في نفسه جذوة الحزن من جديد،وتسللت إليه كلمات وأفكار شرف الدين التي قلبت حياته رأساً على عقب!

 

 

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

اسفة لتاخري :$

عوضت اللي فات ^__^

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

لا إله إلا الله يبدو أن السجن هو سجن النفس التي تحمل الأوزار

 

فهل يستطيع الهرب فعلًا من هذه الأوزار

 

منتظرة زهورة بارك الله بكِ

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

post-28298-1317032301.gif

الفصل العاشر

رحل شرف الدين إلى بغداد بعد إنتهاء مهمته واتبعه غياث بالجمال التي تحمل نصيبه من القمح..

رحل.. وبقي أثره واضحاً جلياً على غياث فقد أنتهج في حياته أسلوباً جديداً فصار لايضع صلاته ولا يترك فروضه..وامتنع عن شرب الخمور..ولم يعد يحمل السوط إرهاباً وهو يتجول بين الحقول!وأمر عماله أن يهريقوا قدور النبيذ.. وبإستقامته انزاح عنه كثير مما يثقل قلبه..وصار يجد في الصلاة ملاذاً يختبئ فيه عن أحزانه وقتامة أيامه..

ولكنه ظل متشبثاً بحب المال.. يرى أنه سيكون منقوص السعاده بدون ثروة، ولهذا تولَّد لديه صراع..واشتعلت الحيرة في نفسه تجاه هذه الأموال التي يستمتع بها،وهو يعلم أنها ليست له..وحاول إقناع نفسه بأحقيته في ذلك وبجدوى عمله..

وكأنما كان القلق والعذاب له بالمرصاد، فقد جاءه سريع وأخبره بوجود شاب أمين ونشيط من أهل بغداد على جانب كبير من العلم بالحساب وشؤون البيع..

وقال سريع:

-إنه فقير..وقد عرضت عليه أن يعمل لدينا في البيع والتجارة والإشراف على غلات البستان وبيع القمح..

فسأل غياث بلا مبالاة:

-وهل أخبرته بوجوب الإقامة في البستان؟

-نعم ياسيدي.. وقد وافق على الفور لأنه لا يكاد يجد أجرة المنزل الذي يسكن فيه ببغداد..

بعد أيام حضر القَّيم الجديد ليأخذ مكان شرف الدين في البيت، وليقوم بإدارة البستان والزراعة ويذهب بالغلات إلى أسواق بغداد..

مضت عشرة أيام على وصوله.. وفي عدة مرات كان سريع يأتي إلى غياث ويسأله إن كان يرغب في مقابلة الشاب الذي جاء يعمل عنده..فكان غياث يصرفه ويقول:

-لا.. ليس الآن دعه يتعرف على أعمال البستان وصنوف الزرع..

وكان يسأل سريعاً دائماً عن أحوال سعيد المسجون فيخبره أنه بخير وأنه على حاله من الغضب المستديم والتهديد والشتائم فيطمئن غياث لذلك،ويوصي عبده بالمزيد من العناية به..

وطوال هذه المدة كان غياث منصرفاً إلى شؤونه الخاصة مشغولاً بهمومه المتزايدة..ومكابدة نفسه الثائرة.. ولم يكن يفارق القصر إلا حين يقوم بجولته الخارجية وكانت تصحبه عطر في جولاته وكان في ذلك تسلية يومية له..وترك التجوال في الحقول والبستان ونسيها ونسي القَّيم الجديد..ولأول مرة تمنى أن يرزق بغلام يملاء عليه وحدته وحياته بالبهجة..

وذات عصر كان جالساً تحت ظلال الأشجار الوارفة القريبة من القصر، فأقبل إليه رجلٌ يشق عرائش العنب، وما أن وصل إلى بساط غياث حتى سلم بخجل ثم قال:

-أنا القَّيم الجديد على البستان ياسيدي.. هل تأذن لي بالجلوس ؟

فقال غياث:

-لقد توقعت ذلك عندما أقبلت علي..

ورحب به ودعاه للجلوس..

كان الشاب كما وصفه سريع..مهذباً..بائن الحيوية..عليه شارات الجد..وكان طويلاً مضرج الخدين بالصحة.. له هيئة توحي بفقره..

وقال الشاب في بشاشة:

-قيل لي إنك لا ترغب في مقابلة أحد..لكن تجرأت بالقدوم إليك.. فقاطعه غياث في وداعه:

-كان يجب أن أراك ساعة قدومك..لكن حالة دون ذلك أعمال أخرى..

-لقد أضطررت لإقتحام مجلسك لأن اشغال الزرع والبضاعة والسوق تتطلب ذلك..

-كيف وجدت الدار؟لقد أمرت سريعاً بتجهيزها قبل وصولك؟

-إنها خير مما كنت فيه ببغداد..وهي إلى ذلك جديدة البناء..

-لم يمض على بنائها سوى عام!

وابتسم الشاب وهو يقول:

-لقد وسعتنا على كثرتنا!

-وهل أعجبت أسرتك؟

-يجب أن تعجبهم فقد كانوا في أضيق منها في بغداد!

-وهل زوجتك معك يا..أنا لم أعرف أسمك إلى الآن؟

-معبد بن عيسى..

-هل تزوجت يامعبد؟

-لقد أشغلني والدي بالبيع والعمل وكنت أعمد إلى تأجيل الزواج بسبب ذلك..

-إذاً كيف تركت والدك وحيداً وجئت بأسرتك إلى هنا؟

-لقد توفي والدي وترك لي هذه الأسرة الكبيرة..

وأطرق إلى الأرض محزوناً..فقال غياث يلاطفه:

-يجب أن تزيد في حجرات البيت..ألا يوجد من يساعدك على طلب المعيشة؟

-هناك أخ لي في السابعة عشرة.. وقد جاء معي بالإضافة إلى أخواتي فقد علمتهن أمي صناعة السلال والحصر من جريد النخل،فإذا اجتمع لنا شيء من ذلك يذهب أخي موسى لبيعه في بغداد..

-إذاً فقد عانيت من الفقر كثيراً..

ابتسم الشاب وقال:

-لا.. أنا خير ممن هم دوني.. لقد كنا نتحصل على شيء من اللحم إذا أعطاني من أعمل في دكانه أجرتي كل شهر.. أما البر فقد كنا نأكله كل أسبوع.. وسائر الأيام نكتفي بخبز الشعير..وملابسنا وباقي حوائجنا كنا نشتريها إذا باع أخي من السلال والحصر..وكان بعض من يعرفون حالنا يأتون إلينا بدراهم أو طعام لكن أمي كانت ذات جلد وصبر ،فترفض ذلك أنفة،وربما أخذت أنا المال لأدفع أجرة الدار بدون علم أمي!

وأحنى غياث رأسه إلى الأرض، وقد أكتسحه شعور مفاجيء بالحقارة،فأزدرى نفسه ولم يتكلم حتى نهضا لتفقد شؤون البستان والتجول في أنحائه..

وفي تجوالهم مروا على بيت القَّيم الذي كان قريباً من النخيل..فخرج الصغار لمشاهدة صاحب البستان وتوقف غياث يتأملهم.. كانوا ثلاثة صبيان أكبرهم في التاسعة،وثلاث بنات دون الثالثة عشرة..كانت شعورهم منفوشة وثيابهم قذرة وكانوا يتضاحكون ويتخاصمون في حبور على تمرٍ إلتقطوه من أحواض النخيل، فرحين بالأفياء الواسعة التي أنستهم أزقة بغداد الضيقة..وقد جنحوا إلى الصمت لدى وقوف سيد البستان كانوا على شيء من الملاحة والنشاط،لولا يد الفقر التي طالتهم وعبثت بنظراتهم..

والتفت غياث إلى معبد ليقول شيئاً فوجده مطرقاً على الأرض.. خجلاً من هيئة أخوته.. فلزم الصمت وآثر الإنصراف رفقاً بالشاب!

وقد أثبت معبد بن عيسى جدارته في العمل وأستولى على إعجاب غياث بن عبد المغيث في أقل من شهر بإلمامه بالسوق ودقته في الحساب، وعلى صغر سنه فقد كانت سمعته طيبة في أسواق بغداد..

وقد فوض إليه غياث بكل شيء في شؤون الزرع والغلات والمال، وزاد في أجرته وبعد شهر آخر كان قد بعث في البستان دماء جديدة،فزاد في الزروع وأصلح الحوائط وأقترح على غياث تسيير قافلة لبيع بعض الغلات في القرى القريبة من بغداد، ونفذ هذا الإقتراح بقافلة صغيرة أرسلها مع أخيه موسى فعادت بربح طيب..

وزال كثير الكلفة بين غياث ومعبد، وأصبح الحديث بينهما يتعدى شؤون التجارة،وما زاد من ثقة غياث بمعبد كفاحه وقيامه على تربية أخوانه الصغار والمثابرة على تعليمهم القراءة والكتابة وتدريبهم على الأخلاق الحميدة..

ومن جانبه أعجب معبد بهدوء غياث ورزانته وتجنبه الثرثرة..ولم يضجره سوى عزلته الصارمة ووحدته القاسية التي لم يشهد لها مثيلاً..فهو لايتعدى بستانه وقصره ولا يهتم بغير خيوله وتدليلها أو التجوال مع جاريته هنا وهناك..وأضجره تحفظه عن الكلام عن نفسه..فهو لايعرف عنه إلا إسمه،وأنه مالك هذه الضياع وحاول الحصول على شيء من سيرته من العبيد الخدم ومن التجار في بغداد،فلم يجد عندهم أكثر مما عنده! فاقتنع أن صاحبه يطوي نفسه على كثير من الأحزان والغموض..فترك الإلحاح لمعرفة ذلك،وتتبع سيرة غياث خصوصاً عندما نهره ذات يوم بعنف وخشونه وعلى غير عادته وقد رآه يقترب من البيت الصغير المهجور المحاط بسور من الحصى..

وبطبيعة متسامحة نسي معبد هذا الجفاء من غياث ولم تتأثر علاقته به..إلى أن حدث ما عصف بهذه الألفة بينهما عصفاً وأضاف إلى أحزان غياث الهادئة أحزاناً جديدة ثائرة وعنيفة..

ففي مجلسه المعتاد أخر العصر جلس غياث يتناول الفاكهة، ولم يلبث حتى جاءه معبد وفي يده دفاتر البيع وقال بأسلوبه المهذب :

-أتأذن لي في الجلوس؟

فقال غياث:

-نعم تفضل..ماهذا الذي بيدك؟

-دفاتر السوق.. جئت لنراجعها معاً..

فقال غياث مداعباً:

ظننتها أوراق علم أو شعر!

-لم يترك لي طلب المعيشة وقتاً لقول الشعر..

فقال غياث وقد تذكر موهبة الشعر التي ماتت عنده منذ سنوات:

-وهل كنت تقول شعراً يامعبد؟

-أبيات قليلة تعد على الأصابع..

-ولماذا لم تواضب على قوله..فالشعر أداة ليخفف المرء عن قلبه؟

-لقد كنت أقوله في صباي، ولما بلغت العشرين من عمري تركته.. ثم قلت قصيدة صغيرة قبل سنة ولم أكتب بعدها شيئاً..

فأبتسم غياث بسرور وقال:

-هل تحفظ من القصيدة شيئا؟

-أذكر منها مطلعها:

أسامر النجم والأقوام قد رقدوا *أبيت هماً وحولي الناس قد سعدوا

بكيد من كمدٍ من هول فاجعة *سكبت فيه دموعا مالها عدد

أبكي لفقد أبي من بعد رحلته *حتى أرى العين حزناً زارها الرمد

-إنها جميلة إن كانت كلها كهذا المطلع!

-لقد كتبتها عندما قتل والدي رحمه الله ..

-قتل..؟لقد قلت لي أن والدك توفي فظننتها ميتةً في الفراش؟!

-لا..لقد قتل غدراً.. قتله اللصوص قبل عام ونصف!

-وكيف قتل؟!

-قتلوه عنوةً..فقد كان مسافراً إلى فلسطين بقافلة صغيرة، ومعه أموال طائلة وحرس كثير، ففاجأه لصوص قبعوا له ولرجاله على مسافة نصف نهار من بغداد وقاتلهم لكن اللصوص استطاعوا قتل رجاله وتعقب من فر منهم حتى أجهزوا عليهم جميعاً ونهبوا المال!

-وهل علم الناس بذلك..وهل عرفوا أحداً من اللصوص؟

-نعم.. فقد علمت أن أعرابياً أخبر الناس..فقد كان قريباً من موقع القتال، وقد جاء موافقة ليجد عشرات القتلى وآثار القتال،فأسرع إلى بغداد وأخبر الوالي والشرطة، لكن أحداً لم يعرف من قام بهذه الجريمة!

-هل كان المال كثيراً؟

-لم يخبر والدي أحداً برحلته هذه ولا بمقدار ماله حتى الرجال الذين معه..لكنه قال لنا أنه سيبيع كل ما يملك من عقار وضياع وأنه سيحمل ماله إلى فلسطين بلادنا الأصلية..

-وأين كنتم؟

-كنا قد سبقناه قبل مقتله إلى فلسطين.. وشاء الله ألا نحمل معنا إلا القليل من المال..

واستقامت شعرات من غياث بن عبد المغيث وتصبب العرق غزيراً من جسمه واعتراه الوجوم،ولاحظ ذلك معبد وقال بأسى:

-لقد أثقلت عليك وعلى نفسي يا سيدي بهذه القصة الحزينة..

فقال غياث محاولاً استدراجه للكلام:

-كلا..فقد سمعت بمقتل رجل بالغ الثراء من أهل بغداد أسمه ذاهب المقدسي..وقصته شبيهة بقصة مقتل والدك غاية الشبه!!

-ذلك أبي..ذاهب المقدسي هو أبي وقد تناقل أهل الأقطار قصته لغرابتها وكثرة من قتل فيها من الرجال!

-لكنك ذكرت لي أن أسمك معبد بن عيسى؟!

-نعم.. فقد أعتادت جماعتنا أن ينسب الرجل إلى جده خصوصاً عندما يكون ذائع الصيت.. وبهذا يكون أسمي معبد بن ذاهب بن عيسى المقدسي..

فقال غياث مناوراً لمعرفة كامل القصة:

-لقد ظننت والدك من أهل بغداد.. فكيف جاء إليها؟

-لقد قدم والدي إلى بغداد تاجراً قبل ستة عشر عاماً..وكنت صغيراً حينها..وعمل بجد في تجارات كثيرة منها القماش.. وصارت له قوافل تروح وتجيء ببضائعه من فارس والشام وغيرها.. وقادته التجاره إلى أكابر الناس وتوصل إلى الخليفة وصار من جلسائه.. وكان مقبولاً حسن الحديث فقربه الخليفة وأدناه ،وصرت أجلس في دكانه عندما يكون غائباً وتعلمت الحساب والبيع..وأحببت بغداد حباً فاق حبي لبلادي فلسطين..وصار الخليفة يستعمل والدي في بعض شؤونه،ويغدق عليه المكافآت فأثرى،وتحصلت له عنده بعض الضياع والدور والعقار..ولكن بعض جلساء الخليفة حسدوا والدي على حظوته ومكانه من الخليفة وظنوا أنه سيجعله والياً على بعض المدن مما يطمحون هم إليه، فسعوا بالوشاية والمكيدة بينه وبين الخليفة حتى جفاه وأغلظ له القول وطرده من مجلسه، فتأثر والدي لذلك غاية التأثر، وعاف بغداد والعراق كله وعزم على الإنتقال إلى فلسطين بأمواله وأسرته.. ولقد حزنت لذلك كثيراً.. وحَمَلنا مع بعض المتاع والمال إلى فلسطين وطفق يبيع ضياعه وعقاره..ووصلنا إلى فلسطين وأكترينا بيتاً قريباً من أخوالي ومكثنا بضعة أشهر،وجاءنا رسول من والدي برقعة مختومة أخبرنا فيها أنه باع ضياعه وكل عقاره وبضاعاته وأشترى بها ذهباً وأنه سيحمله على بعض الجمال وسيحرسهم فرسان استأجرهم لذلك، وأنه سيخرج متخفياً وسيصل إلينا في أقل من شهر،وأخبرنا ألا نعلم أحداً بمسيره..ومكثنا بعد ذلك شهرين، وساورنا القلق وطفقت أتلقى كل قادم من بغداد فلم أسمع عن والدي شيئاً، حتى جاء ذلك اليوم الذي قدم فيه أحد أقربائنا من بغداد ليخبرنا بمقتل والي وسرقة أمواله، وقتل عبيده وكل رجاله على يد جماعة من الفتاك، وقال لنا أنه تولى بنفسه غسل والدي ودفنه..

ولست في حاجة إلى أن أخبرك أي حزن وأسى حل بنا وكيف أنقلبنا في شهر واحد من الغنى الواسع والثراء الطائل إلى حال من الفقر والمسكنة؟ورجعت أنا إلى بغداد مع أهلي الذين ما وسعهم إلا الإتيان معي فلا عائل لهم غيري..واستفدت من معرفتي بأمور البيع فعملت عند صاحب أقمشة..

-وهل تعرف أحداً ممن قتل والدك أو سرقه؟

-لو كنت أعرف منهم أحداً لقتلته قتلاً!

قالها بحماس ظاهر..مما دعا غياث إلى أن يسأل بمكر:

-وهل تجيد القتال؟

-لقد تدربت على المبارزة..

-وكيف علم اللصوص بخروج والدك وأنه يحمل ذهباً؟!

-هذا ما يحيرني!!وإن كنت أشك في صاحب لوالدي!

-وما الذي يحملك على الشك فيه؟

-لأنه كان مقرباً من والدي.. ولم يكن يخفي عنه شيئاً من أسراره..وكنت أنا آراه شريراً..وكلما حذرت أبي منه سخر مني،وحذرني بدوره من سوء الظن!

-ولماذا كنت تراه شريراً؟

-لأن والدي عرفه في مجلس الخليفة.. وحصلت بينهما المزاورة بعد ذلك.. وقد سمعته أكثر من مرة يذكر والدي وما فيه من النعيم على سبيل الاستكثار والحسد..وقد استنقض والدي بحرة الخليفة وهو غائب، وكادت الفرقة تحل بينهما لولا تسامح والدي وحسن ظنه..

-وسكت قليلاً ثم قال:

-ومما زادني شكاً فيه أنه قبل رحيلنا بأسبوع كنت عائداً من الدكان فرأيته في درب ضيق قذر مشهور بكثرة الفتاك واللصوص،يخاطب ثلاثة رجال كريهي المنظر، وسمعته يذكر أسم والدي ويتحدث بصوت لم اسمعه لكني التقطت من كلمات مثل:الذهب..الجمال..السيوف..وأختبأت لعلي أسمع المزيد ولكن الرجال تفرقوا!

-وهل أخبرت والدك بذلك؟

-نعم..فلم يزد على أن أمرني بالذهاب إلى النوم!

وسأل غياث سؤالاً يعرف جوابه:

-وما أسم هذا الرجل؟

-اسمه كريه كصاحبه!!اسمه حنظلة..

-ألم تحاول تتبعه بعد مقتل والدك وعودتك من فلسطين؟

-فعلت..وسألت عنه وقيل لي إنه في السجن..

فسأل غياث بلهفة:

-ولماذا سجن؟؟

-لا أدري!

وطال الصمت بينهما، ورأى معبد بن ذاهب جبين غياث راشحاً بالعرق فقال:

-لنترك مامضى.. ولننظر إلى دفاترنا..

فقال غياث بصوت كالحشرجة:

-لا.. ليس اليوم يامعبد بن ذاهب.. أحس بالتعب..

وقام معبد مستأذناً بالإنصراف ومضى تاركاً غياث يكاد يخترق الأرض بنظراته وبعد مدة طويلة خلع عمامته عن رأسه متخففاً ومسح شعره إلى الوراء.. ورغم إعتدال الهواء وبرودته إلا أن العرق عاد يتدفق على ظهره ويبل ثيابه، فقد أستعاد هذه القصة التي تثقل قلبه بالوجع.. واعتراه شعور غريب.. شعور بالخوف..من شيء قادم.. لم يكن خائفاً من حنظلة.. ولا من معبد.. ولا من أي من البشر..كان خائفاً من شيء هائل يتململ بداخله..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

post-28298-1317032301.gif

الفصل الحادي عشر

.

.

.

,

إذاً فهو معبد بن ذاهب المقدسي..المالك الشرعي والحقيقي لهذا البستان،وهذه الزروع وهذا القصر.. وهؤلاء هم ورثة ذاهب المقدسي التاجر المغدور..

وأحس غياث بعمق الإمتحان الذي وقع فيه، وشدة البلوى التي تلبست به،وكأن الحوادث على أتفاق فحين جاء شرف الدين بتوعيته وعظته انسل الفجور من نفسه فأنتهى عن الخمرة وترك تضييع النبيذ، ولزم الصلاة والعبادات التي كان قد ضيعها، وجره ذلك إلى التفكير فيما يتمتع به من النعمة وأن ثروته التي يتربع على عرشها ليست له..كأنه بذلك كان يسوي الطريق لمعبد وأسرته ليأتو ويطالبوا بأموالهم ويصفعوه بفقرهم وعوزهم بدون أن يشعروا..ويصرخوا في وجهه طالبين أموالهم والثأر لأبيهم المقتول..

وسولَّت له نفسه أن شرف الدين وأسرة ذاهب المقدسي كلهم متآمرون ضد نعمته، وأنهم قد أتفقوا على إشقائه من جديد.. واشتعلت نفسه بالحيرة فشرف الدين قد فضحه وقام بتعريته وتجريده من هنائته المغشوشة.. وسكره الذي كان يغيب فيه، وأسرة ذاهب المقدسي جاءوا ليتخطروا أمام ناظريه طوال النهار ويذكرونه بأن المال لهم، وأنه قد أستولى عليه،ويهتفوا له بلسان حالهم بأنه ليس سعيداً كما يضن!! لأنه سارق وظالم، ولن تحصل له السعادة التي يطلبها حتى يرجع لهم أموالهم!واعتقد غياث أن شرف الدين قد حطم نصف سعادته وحطم معبد وأسرته النصف الباقي..

ومسَّه الألم وشعر بغصة في حلقه.. أحس بأنه مضطهد ومحارب، وأنه خائر القوى فأنتشى بعزةٍ واهمة،وركبه الشيطان فقرر أنه لن يتركهم يجهزون عليه.. لقد حارب كالأبطال في بيت الطين قرب النهر.. قاتل سعيد بوحشية.. وصرع الرجال بحربته وسيفه.. فهو قوي ..وقوته في إرادته.. وقد دفن الضعف في الممرة.. ولن يسمح لتلك الأشياء الكريهة أن تنبعث من جديد.. المال له واحد.. وهو ليس ظالم ولا سارق.. ولم يقتل ذاهب المقدسي ولا أحداً من رجاله.. إنما قتل حفنة من اللصوص لايستحقون الحياة.. وأخذ المال لأنه يستحقه..

وتخيل أنه عظيم وجبار.. فقرر أنه سيقتل سعيداً في سجنه ولا داعي لأن يرحمه..وسيعتقل مروان لوظفر به.. وسيقتل حنظلة..و..سيعود لحمل السوط ويلوّح به في الهواء كتأكيد للسطوة والمجد.. وسيعامل معبد بجفاء ويرجع الكلفة بينهما بل لن يعمد إلى مقابلته..سيوكل أمره إلى سريع..وربما طرده هو وأسرته!

وتنفيذاً لذلك فقد صاح بأحد خدم القصر، وطلب منه استدعاء سريع، وبعد مدة عاد الخادم ليقول أنه لم يجده في حجرته.. فأرسله للبحث عنه في أنحاء الزروع وجلس يفكر..

لكن هذه الأموال حقاً ليست له..لوكان يجهل صاحبها لكان ذلك عذراً له وحجة يتشبث بها.. لكن صاحب المال موجود وقريب! وبهذا يكون سارقاً.. وتذكر شيئاً كان يقرأه من القرآن في صلاته مما علَّمه شرف الدين، وقرأ في جلسته تلك فواتح سورة المطففين.. قرأها بصوت خافت كأنما يخشى أن تتأثر بها نفسه ولما بلغ آية}ألا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ(4)لِيَوْمٍ عَظِيمٍ{هزته عظمة الآيات،وتخيل نفسه يوم القيامة عند رب العالمين، وقد أخذه ذاهب المقدسي وأولاده يطالبونه بحقهم..وخاف.. وتجاذبته لوازم التقوى وخشية الله وشهوة المال المسيطرة عليه!الدين يشرح صدره والذهب يغريه!!

وتحركت خبيئته السيئة،فنفض رأسه وقام يعلل نفسه بالبحث عن سريع.. كان يريد الفرار من لسع التأنيب،ووطأة الآيات التي قرأها!!

قابل الخادم أثناء تجواله وسأله عن سريع..فأخبره أنه بحث عنه في كل مكان ولم يجده!فأستغرب غياث تغيب كبير عبيده الذي لم يتعوده منه،وتذكر البيت المهجور فأطمأنت نفسه فلابد أن سريعاً قد ذهب بالطعام إلى هناك كعادته إذا حل المساء..وعنَّ له أن يزور محبس سعيد لإلقاء نظرة..وما أن لاح له الجدران الحجري من ىخلف غابة السدر التي يقع في وسطها دهش.. وداخلته الريبة فالباب الخارجي كان مفتوحاً على مصراعيه!!وتوقف غياث يتأمل ما حوله فتعليماته إلى سريع أن يغلق أي باب حيث يكون داخلاً أو خارجاً!

دخل غياث بحذر وزادت دهشته حين وجد الباب الداخلي مفتوحاً أيضاً!!عندها لم يشك بأن شيئاً خطيراً قد حدث..وتأكد له ذلك، حيث وجد سريعاً ملقى على الأرض، والدماء المتيبسه قد غطت وجهه ورأسه!أما سعيد فلم يكن موجوداً..وكانت السلسة مقطوعه والقيد ملقي بالقرب من سريع!!

تحسس غياث عبده فوجده حياً.. فأدنى منه الماء ورشه حتى أفاق واستقام جالساً.. ولما عاد وعيه كان أول شيء قاله:

-لقد هرب السجين يامولاي!

تأمل غياث السلسة فوجدها قد قطعت بآلة لقطع الحديد فتساءل:

--كيف استطاع الخبيث قطع السلسلة؟

فأجاب سريع بصوت كالأنين:

-لقد قطعها بهذا المنشار!

ومد إلى سيده منشاراً متيناً لشذب الحديد، ثم قال متسائلاً بدوره:

-لكن من الذي عرف مكانه وأحضر له الآلة؟!!

ولم يجب غياث..وساعده ليذب إلى حجرته حيث أخبره بأن سعيداً فاجأه في الظلام وضربه على رأسه فشجه وهرب..

وعلق غياث قائلاً:

-لتنم أنت الآن وسأستعيد ذلك الشقي قريباً..

وقال في نفسه إنه إن ظفر بسعيد فسيقتله هذا المرة بلا رحمة.. ثم ذهب إلى أريكته خارج القصر وجلس يفكر في هذه المصيبة الجديدة التي نزلت عليه.. وكيف يتصدى لشر هذا الفاتك الذي هرب من محبسه، والذي لا ريب أنه سيحضر من جديد للانتقام، وقد أججه الحقد والسجن الطويل..فلابد من الإحتياط ووضع حارس للقصر طوال الليل..وتذكر أزمته التي أنفجرت بظهور ورثة ذاهب المقدسي فأمتلأ قلبه حقداً على سعيد واشتعل حماساً للأجهاز عليه.. إرضاء لجبروته الذي استطال فجأة.. وقهراً لعاطفته التي ظنها سبب كآبته وخوره!!وتذكر فجأة شرف الدين وتخيله ينظر إليه عابساً..وكم استعذب تلك الصورة،فقام وتوضاء من حوض شجرة قريبة وصلى صلاة المغرب شاعراً بالتناقض الصارخ بين ذلك وبين أحقاده وشروره المستفيضة، ثم جلس إلى أريكته ثانية وقد إمتصت الصلاة الخاشعة شيئاً من عنف أفكاره..

وقام ليذهب إلى القصر.. لكن فاجأه من الخلف جسد قوي انطرح عليه!!وأحس بشيء بارد حاد يوضع على عنقه وخاطبه صوت من فوقه:

-إذا صرخت أو تحركت قطعتُ عنقك بهذا الخنجر!

وقيَّد المتكلم يديه من خلف ظهره، وأحكم ربطهما وأمره بالوقوف ثم خاطبه بخشونة:

-سر أمامي..وإذا تكلمت أو حاولت الهروب فستعلم ما يحل بك!

وسار غياث كما طلب منه.. ودفعه الرجل أمامه في ظلام الليل، وظلا يسيران بصمت حتى وصلا إلى النهر وهناك توقف الرجل، ثم أمسك بثوب غياث من جهة كتفه وأداره إليه بعنف ليواجهه..كان سعيد.. وكان محنقاً..في عينيه يبدوا زهو الانتصار واضحاً جلياً.. يكاد يشج وجه غياث بنظراته التي تغلي حقداً!

وكان غياث أول المتكلمين:

-إذاً فقد استطعت الهروب..؟!

لم يعلق سعيد.. بل سأل في حنق:

-هل استخرجت الذهب من النهر؟فقال غياث متجاهلاً سؤاله:

-ليتني أعرف كيف حصلت على المنشار؟!

رفع سعيد قبضة يده في الهواء ولكم غياث علة وجهه لكمة ًأطاحت به في أوحال النهر، ثم جذبه بعنف ليقف ثانية وصرخ في وجهه:

-إذا سألتك فأجب.. هل أستخرجت الذهب من النهر؟

فقال غياث وهو يبصق دماً:

-لو كانت يداي طليقتين لعرفت كيف أرد عليك أيها الوقح!

استشاط سعيد غباً ولكمه ثانية،فلما تهاوى ليسقط أمسكه من صدره وصاح به:

-هل أستخرجت الذب من النهر؟

فأجاب غياث بصراحة تبعث على التصديق:

-لا.. إنه مازال في القاع..فعلق سعيد:

-كما توقعت فلم تحتاج إليه إلا الآن..

ثم كبَّه على وجهه في قارب صغير به مجدافان ودفع القارب إلى عرض النهر وصعد إليه،وبدأ يجدف بإتجاه الجنوب وجلس غياث منتصباً في مقدمة القارب الذي كانت الرياح المواتية تزيد من سرعته..

لم يشك غياث في أن سعيداً عاد إلى مطلبه الأول..الحصول على بقية الذهب الذي تقبع منذ سنة ونصف في قاع النهر..وتساءل غياث هل سيقتله بعد الحصول على مايريد أم لا؟إنه لا يدري عما يدور في خلده،فقد مضت ساعتان دون أن ينطق أحدهما بكلمه..ولم يكن يقطع الصمت سوى صوت المجاديف وهي تضرب صفحة المياه المعتمة بحنق.. وبدأ لغياث أن سعيداً لا يتعب أبداً، فهو لم يفلت المجدافين لإراحة يديه والنفخ في كفيه..بل ظل يجدف بعبوس وبطريقة عنيفة كأنه يريد تكسير المجدافين لا الوصول إلا مكان معين!!

حرك غياث يديه اللتين أوجعهما الحبل الغليظ وعدل من جلسته غير المريحة عدة مرات وأضجره الليل والصمت فقال وقد لوى شفتيه نكداً وعبوساً:

-أين ستذهب بي؟

فلم يجبه سعيد بغير نظرة تفيض بالاحتقار والحقد،فقال غياث:

-كان الأولى بك أن تواجهني كالرجال..لكنك أثرت الغدر فأخذتني وأنا لا سلاح معي!

ولم يزد سعيد على الصمت فقال غياث محاولاً إستثارته:

-لقد ساعدتك الشياطين!!وإلا كيف قطعت تلك السلسلة؟! وكيف تخلصت من ذلك القيد على قوته؟!!

ولما لم يجبه سعيد بشيء انفجر غاضباً وصرخ:

-أأصم أنت؟!تكلم قطع الله لسانك!

وجاءت النتيجة على غير ما أراد غياث، فقد ترك سعيد أحد المجاديف.. وقذف غياث بدلو ثقيل من النحاس فلم يخطيء رأسه وسال خط دقيق من الدماء من جبينه وتوقف على أرنبة أنفه فهدأت ثائرته وقال بهدوء وحزن:

-أهكذا فعلت بك أيها الشرير؟ كان عبدي يحمل لك الطعام وأنت في القيد،وكان يكنس المكان الذي أنت فيه.. ولم أكن آكل شيئاً من الفاكهة والعنب إلا وأبعث لك بمثله!

تكلم سعيد أخيراً وقال وهو يصرُّ على أسنانه محنقاً:

-تمتن ُّ علي َّ بطعام لا يكلفك نصف درهم وأنت قد أستوليت على أموال لا تحصى!! وتحتبسني عاماً ونصف العام كاكلب ثم تدعي أنك صاحب فضلٍ علي؟!

-لقد كنت في حوزتي ولو شئت لقتلتك!

-ومن زعم أنك لم تقتلني.. لقد كنت تقتلني كل يوم!

-لقد تركت حياً شفقة بك.. وكان السجن خير مكان لك..

-ليتك قتلتني وأرحتني!

-لقد قلت لك إني لا أحب القتل..

-أما أنا فأحب القتل!

قالها بنظرات مرعبة كادت تهز فؤاد غياث الذي قال متجلداً:

-أنا لا أخاف منك.. ولاكن أريد أن أعرف أين ستذهب بي؟

وعاد سعيد إلى صمته.. وإلى دفع القارب بنشاط وعبوس ومد غياث رجليه وألقى برأسه على حافة القارب بأسترخاء.. يتأمل النجوم الزاهرة.. وأجتذبه بهاء القمر وجمال السماء وأنسته القبة الزرقاء ومصابيحها الهائلة أي خطر هو فيه وأغمض عينيه مستسلماً للنوم..

لا يدري متى نام.. ولكنه استيقظ والضياء يملأ المكان.. وأنسام لذيذة تنعش الروح كانت تهب بين الفينة والأخرى ..ورأى سعيداً وقد نام في مكانه والقارب عالق بضفة النهر..وتلفت حوله فعرف المكان.. فهذه هي الحجرات الطينية، وقد أتت النار على سقوفها،وهذا هو النخيل اليابس لم يتغير فيه شيء..كان هذا هو المكان الذي شهد اللقاء الأول بينه وبين اللصوص..

وتأمل سعيداً.. إنه نائم..فلماذا لا يهرب؟..وحرك جسمه محاولاً النهوض ففوجئ بنفسه مثبتاً بإحكام إلى أحد ألواح القارب،واستيقظ سعيد وشرع حالاً في العمل..وخاطب غياث بخشونة:

-ستنزل الآن إلى الماء.. وعليك أن تخرج الذهب الذي قذفت به هنا عندما كنت مع مروان..

-أنت مجنون!الوقت بارد وإذا نزلت إلى الماء فربما هلكت من البرد!؟

-لايهمني ذلك!

وجعل سعيد يعمل بحماس فقطع الحبل الذي يربط غياث بالقارب وهم بأن يقول شيئاً فسبقه غياث بقوله:

-أريد أن أصلي الفجر..

فرد سعيد بسخرية من غير أن ينظر إليه:

-منذ متى بدأت أصلي؟!

-لاشأن لك..

وبدون أن يبالي به قفز خارج القارب،ووقف على اليابسة وقال بلغة آمره:

-حل وثاقي ..أريد أن أتوضأ..

-حسناً..

قالها سعيد وهو يتقدم إليه،وبدلاً من أن يحِلُ وثاقه قطعه بالخنجر فحرر غياث يديه،وجعل يحركهما ويزيل تصلبهما..ولكن سعيداً ألصق رأس خنجره الطويل في ظهره وقال:

-أصعد..وجدف.. عليك أولاً أن تجد الموقع الذي فيه الخرج ،ثم تنزل إلى القاع للبحث عنه ..

وأمام وخز الخنجر صعد غياث القارب وهو يقول:

-لابد أن النهر جرفه وغير موقعه..!

-لو جرفه النهر فلن يبتعد كثيراً..

وجلس غياث إلى موقع المجاديف، وجعل يسير بالقارب يميناً وشمالاً ويتأمل الضفة الشرقية والغربية محاولاً تذكر الموضع،الذي كاد يغرق فيه مع مروان.. ثم توقف في منتصف النهر وقال:

-أظنه هنا..

فَبانَ البشر على ملامح سعيد وتناول حبلاً متيناً..وأمر غياث أن يلفه حول وسطه..فوقف غياث وربط الحبل على بطنه،ولما فرغ ركله سعيد برجله ليسقط على صفحة المياه الهادئة ..صارخاً من شدَّة لسع الماء البارد وأمسك سعيد بطرف الحبل وقال:

-هيا..أنزل إلى القاع وأبحث عن الخرج..

وبعد تردد قصير فعل غياث ما طلبه سعيد،فأخذ نفساً كافياً ونزل إلى القاع المظلم يتلمس أرض النهر وصخوره ولدقائق،ثم يخرج ليلتقط أنفاسه ويعود البحث من جديد..وتكررت المحاولات وغياث يقاوم جريان النهر وبرودة الماء.. ويبحث جاداً عن خرج الذهب لكنه لم يظفر بشيء..وأخبر سعيد أنه لم يجد الذهب فأستشاط هاذا غضباً وصاح:

-يجب أن تجده.. إن حياتك مرهونة به!

ثم جذب الحبل المربوط في وسط غياث بعنف حتى ألتصق بالقارب وقال له وهو يضغط أضراسه،ويتحسس بخنجره عنق غياث المتين:

-إذا لم تجد الذهب..فإنها نهايتك..!

فسبح غياث إلى موضع آخر..وجدف سعيد خلفه وهو ممسكٌ بالحبل حتى لايهرب غريمة.. وبدأ البحث من جديد.. ومضت مدة وغياث يغوص إلى القاع ويمسحه بيديه ورجليه،مثيراً سحاباً من الطين الراكد يزيد من ظلمة القاع وقتامته..ثم يصعد ليلتقط أنفاسه،واعتاد جسمه برودة الماء مع أن أسنانه كانت تصطك تحت وطأة البرد والتحفز.. ثم أنتقلوا إلى موضع أخر دون أن يجدوا شيئاً.. ثم أصبحوا ينتقلون إلى مواضع عديدة من النهر.. وكانت اللهفة بادية على ملامح الأثنين..وبَانَ الإعياءُ على غياث..وبإرتفاع الشمس بدأ يجد بعض الصناديق والشِباك والحبال التي قذف بها عندما كان برفقة مروان،فأشرق الأمل في نفسه وعلم أنه أصبح قريباً من بغيته..واخيراً لمست يداه شيئاً صلباً،فتحسسه وعرف فيه خرج الذهب..وكان الطين يكاد يطمره..فحاول رفعه فلم يستطع بسبب المياه..فصعد إلى السطح وهتف لسعيد متصاعد الأنفاس:

-لقد وجدته..ولكنني عجزت عن رفعه لأنه ثقيل والمياه ترفعني!فقال سعيد بصبر فارغ:

-حل الحبل من وسطك وأربطه في الخرج..

وشرع غياث في ذلك لكن سعيداً صاح به وقد أدركه الحذر:

-كلا..أنتظر..أربط هذا الحبل..

وقذف إليه بحبل أخر ربط طرفه في القارب..بينما تناول غياث الطرف الثاني منه،وغاص به،وربطه في صرة الذهب الثقيلة ثم صعد إلى السطح وتعمد هذه المرة أن يكون قريباً من القارب، ولم يلحظ سعيد ذلك بسبب نشوته وهو يجذب الذهب من أسفل النهر..

لقد أعتزم غياث أن يهز القارب لعل سعيداً يسقط أو يقبل إليه فيجره إليه ثم يقتتلان في الماء..كانت تلك محاولة أخيرة للنجاة..

استخرج سعيد الأموال الغارقة بفرحة طاغية وركع فوقها يزيل عنها بعض الطحالب العالقة،ويحاول فتحها مذهوللاً عن خصمه الذي غاص وتسلل تحت الماء حتى صار إلى الجهة الثانية من القارب بحيث لايراه سعيد،>>>>>ولااااكن ياسعيد ما نقول إلى يافرحة ماتمت<<<<<وبحذر أمسك حافة القارب بيديه وثبت رجليه على جانبه ثم هزَّه فجأة وبعنف فأستقام سعيد واقفاً وغياث لا يكف عن التأرجح بالقارب وتماسك سعيد حتى لا يقع..وكما توقع غياث فقد أقبل عليه سعيد وقبل أن تصل يده إلى جراب خنجره ألتقط غياث طرف ثوبه وجرَّه بشدة إلى الماء تمهيداً للعراك..صرخ سعيد صرخة وحشية أفزعت غياث..وجعل يتخبط في المياه بعنف وعشوائية..وبخفة تعلق غياث بالقارب وصعد إليه..

كانت نتيجة محاولته تلك ناجحة أكثر مما توقع!!فتمتم متعجباً:

-إنه لا يجيد السباحة!!واعمل يديه في حل الحبل الغليظ المربوط حول وسطه،أما عينيه فكانتا مثبتتين على سعيد الذي كان يطفوا ويغوص ويصرخ مستغيثاً..منادياً غياث بأنه لا يعرف كيف يسبح!!ثم كلت يداه وتحول صراخه المستغيث إلى غرغرة خافته حتى أجتذبته الأعماق القائمة بلا رحمة!!

فكر غياث سريعاً.. وبعد تردد قصير قذف بنفسه إلى الماء قابضاً طرف الحبل..وتحت الماء جعل يعوم باحثاً عن سعيد كما كان يبحث عن الخرج ولم تطل المدة حتى وجده مستلقياً على قاع النهر مثل النائم فربط الحبل حوله.. ثم صعد إلى القارب واجتذبه إلى الأعلى، ورفعه إلى القارب وتفقده قليلاً ثم قال متمتماً:

-لقد وصلت إليه متأخراً!

وجعل يتأمله في نكد عظيم.. وجدف إلى الشاطيء..ثم سحب الجثة إلى الرمال الدافئة وهو يقول بخفوت:

-سيأتي إليه من يدفنه..

ثم صعد إلى القارب وجعل يجدف ناحية بغداد..ساهماً.. ينظر في البعيد..حيث الأفق الصافي..مهموماً..يتأمل الطيور الطافحة في السماء ويحسدها على الحرية!لقد أحس في هذه اللحظة أنه مسجون..مقيد..مربوط إلى رغباته وشهواته كالبهيمة التي تعد للذبح!!

ظل يجدف ولم يُلقِ نظرة واحدة إلى الأموال التي تقبع تحت قدميه..

لقد أحب الدين والإستقامة ووجد سلوته في الصلاة..لكنه يشتهي المال والمجد..واليوم أسمعه موت سعيد نداء العالم الأخر الذي سينتقل إليه يوماً ما..وذكره بالحقيقة التي عجز عن الفرار منها..حاول استرداد عقله الشارد.. لكن بصره ظل عالقاً بالأفق البعيد..وذهنه سجين المشهد المفزع..غرق سعيد..وهو يتشبث ببقايا الحياة..كيف تدفقت المياه بسهولة إلى جوف ذلك الوحش الكاسر..وكيف دوى صراخه المتغرر بالماء وهو يكافح من أجل نسمة هواء..لم يكن ذلك أول مصرع يراه.. لقد رأى القتال العنيف في بيت الطين وساهم فيه بنصيب كبير..لكن موت سعيد كان موقوتاً.. جاء وقد تغلب عليه هاجس الموت والرحيل إلى الدار الأخرة!فرأى عياناً هوان الدنيا واحتقارها..ورأى سطوت المنون كيف أنهت جبروتاً عريضاً في لحظات ..وخاف.. وازداد خوفه من هبوط الليل..وتمنى لو كان شرف الدين بجانبه يقرأعليه من القرآن ويعظه ويذكره بالأخرة..شرف الدين ربان سفينته التي أنتشلها من قبضة الأمواج.. والذي كان ينهاه عن الدنيا والفساد والخمر ويذكره بأهوال الآخرة..لو يراه الآن وقد أكتسحت ذكرى الموت والرحيل تفكيره..وضجت بها نفسه المكلومة!كم يحس الآن بضمأ شديد إلى الموعظة والآيات والصلاة..

وجعلته هذه الخواطر يجدف بسرعة في لهفة إلى الوصول!

عندما وصل إلى مزرعته الكبيرة كان الليل قد أوغل في المسير..فألقى أول نظرة له على الذهب ثم حمله وقفز من القارب..كان مبتلاً..مصك الأسنان..منتفض الجسد من شدة البرد..كان البستان في سكون تام.. والجميع قد أووا إلى مساكنهم..وأجتاز الباحة المؤدية إلى القصر يكاد يسقط من الأعياء وقبل أن يدخل إلى القصر توقف والتفت إلى بيت أولاد المقدسي.. كان المسكن الصغير مضاء ورغم بعد المسافة إلا أنه أحس أنه يقف على عتبته.. وتدلت شفته السفلة لذلك وفاضت عيناه بالدموع ..وذلك آخر مايذكره!

ووجده بعض الخدم ملقياً عند الباب فحملوه إلى فراشه ليمكث يومين كاملين شوته الحمى فيهما شيَّاً..لم يكن يشعر بما حوله،فقد تضافرت المياه والبرد وفترة التحولوالتغّير التي يمر بها على إنزال الحمى به، وهب سكان القصر والبستان وعلى رأسهم سريع ومعبد وعطر على العناية بسيدهم والإحاطة به..لم يقف..بل كان يهذي بالكثير مما تضج به نفسه.. وكانت تفلت منه كلمات لم يفهم المحيطون به منها شيئاً..كان يذكر أسم سعيد وبيت الطين..وخرج الذهب.. وقاع النهر!!واشد ما أثار أستغراب معبد أنه تلفظ باسمه واسم حنظلة!كان يطلب الدفء والأغطية، ورغم كثرة ما وضع فوقه إلا أنه ظل يرتعش وبعد غروب شمس اليوم الثاني استيقظ وقد زاولته الحمى.. ولم يكن بالحجرة أحد زكانت العتمة تمنعه من رؤية الأشياء.. ولما ألفت عيناه الظلام،كان خرج الذهب أول شيء رأه..لم يفتح ولم يتغير فيه شيء..ورغم بياض حاضره إلا أن بقايا من قتامة الماضي أوهمته أنه مازال يعشق الثراء، ويحفل بالدنيا،فأخذ الخرج ودسَّه معه في الفراش بلهفة،وعاد إلى النوم من جديد!

نام إلى منتصف الليل..ثم أستيقظ من فراشه مثخناً بالحزن..مشوش التفكير..كانت هموم الأيام الماضية تعصف به..وقد تفجرت فيه العاطفة المكبوتة وفطرة الخير الأصيلة التي حاول رفسها والإجهاز عليها تحت وطأة الثراء!!وترجحت عنده كفة التوبة وطلب الأخرة، واجتمعت تلك الأشياء لتواجهه في عنف وتلطمه بالحقيقة.. أنه سارق ومجرم،ويجب أن يرد الحق إلى أهله ويتجرع مرارة الفقر القديم على أن ينعم بسعادة التقوى..

وإلتهمه سؤالٌ محرق..هل هو شرير فيواصل طريقه الأسود..أم طيب متدين فيقف ويرجع؟!

ولكي يحصل على جواب استرجع ما حدث له.. لقد أنقذ مروان وقذف بنفسه في المياه لإنقاذ سعيد وأكرمه عندما كان في أسره ولم يعمد إلى قتله..وواظب على الفرائض وترك الخمر..فهو في الأصل صالح وطيب السريرة..بل خبيث وشرير..فقد عق أبويه،وسلب الصياد صاحب الحمار واستولى على أموال ورثة المقدسي..وتسبب في إفقارهم!

وأعياه الجواب..وتداركه الخور.. وتعثر في حطام الضلالة المتبقي..وذكرى الفاقة السوداء..فأخفى الخرج تحت فراشه، وظن أن ما يجول بنفسه خواطر عابرة، أوحاها ضعف مؤقت..فقرر القضاء على كل من تآمر ضد سعادته،وصمَّم على طرد معبد وأسرته،لأن وجودهم سبب ما يعتريه هذه الأيام..وتخيل أنه جبار..فحمل السوط مهتاجاً وخرج إلى بيت آل المقدسي ليطردهم..خرج نصف عاقل..متخففاً من الثياب..مزبداً كالجمل الهائج.. ولم يعترض طريقه سوى هواء الليل البارد الذي كان يلسع صدره العاري ويرفرف بسراويله الواسعة..وشدد قبضته على السوط تأكيداً لما سيفعل.. وعندما أقترب من البيت ألفاه مضاءً في دجى الليل.. وأصوات ساكنيه من الداخل تضحك في حبور.. وصوت سيدة المنزل تداعب أحد أطفالها في مرح..فخمد بركانه فجأة كما ثار فجأة!! وخارت عزيمته.. وقهرت ثورته تلك الأصوات البريئة السعيدة التي لا تعلم عن عاصفته شيئاً!!

وأدركه تعب ثاهر فسقط السوط من يده..وأستند إلى جذعنخلة قريبة..وناك وجد الجواب للسؤال الذي أحرقه..ولفت بقايا الظلام في داخله آخر أنفاسها..ظل مستنداً على جذع النخلة حتى أنهدَّمكانه في الحوض،كالجدار المهدوم وتكوم كا لأنكاض.. شاعراَ بمزيج من الحزن اللذيذ..وأنه قد هرب من سجنه الذي أرهقه طويلاً، وألت إلى أفياء واسعة!وأمتعته الوحدة والليل..وزالت عن قلبه الأثقال..وأحس بجدول القناعة يتدفق لطيفاً، ويروي في فؤاده جذور سعادة جديدة..حقيقة..وأحتبست في عينيه دموع غزيرة!

وطالت جلسته في الحوض، ولم يعده إلى واقعه سوى أصابع صغيرة..باردة وناعمة..لامست كتفه من الخلف كان ذلك أكبر أطفال ذاهب المقدسي!وفوجىء غياث به يقف خلفه ويثرثر في حبور:

-أنت الشيخ غياث!؟لقد رأيتك في شق الباب وكان الباب مغلقاً..أمي لاتدعنا نخرج في الليل..لكني قفزت من فوق الجدار!

ثم سكت وبدون أن ينتظر تعليقاً من غياث قال:

-أمي ومعبد وموسى يحبونك ويقولون أنك رجل تقي وكريم وتعطينا من الثمار والطعام..لقد كان عندنا مزرعة مثل هذه ولكن أبي باعها..

وقال غياث:

-ما أسمك؟

-ميمون..

-لماذا خرجت ياميمون في هذا الليل..؟ألا تخاف من البرد؟!

-خرجت عندما رأيتك..لم يرك إلا أنا!

أبتسم غياث إبتسانة حزينة،وقبض على الصبي وضم جسمه المهزول إلى صدره العاري وقال له:

-سارع إلى البيت وإلى أمرضك البرد..

ومضى الصبي متسلقاً الجدار الذي هبط منه سعيدٌ مغتبطاً بهذا اللقاء القصير مع السيد العظيم مالك هذه البساتين..

وتمتم غياث:

-ليتني أموت!!

ثم قفل راجعاً وقد أطلق العنان لدموعه المحبوسة فأنهالت كالمطر..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

حياكن الله ياحبيبات

اسفة لتاخري

باقي 3 اجزاء ان شاء الله انزلها بوقتها هذه المرة ^_^

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

حياكِ الله زهورة

 

قصة روعة في الجمال رهيبة في الأحداث

 

في الانتظار بإذن الله يا حبيبة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

post-28298-1317032301.gif

الفصل الثاني عشر

.

.

.

,

كانت الأيام التي تبعت تلك الليلة المحمومة التي أعتبرها غياث نقطة البداية في فجر حياته الجديدة.. حافلة بالأحداث فبعد خمسة أيام قاها غياث بن عبد المغيث في كثير من الصمت والتفكير الهادئ في مستقبل حياته الجديده،توصل إلى أنه لاحق له فيما ينعم به من المال وأن هذه الأملاك الواسعة والعبيد والزروع وحتى جاريته الأثيرة على قلبع عطر،كلها ملك ورثة ذاهب المقدسي.. وأن عليه أن يسلم لهم كل شيء..بما في ذلك النصف المتبقي من الذهب في الخرج..

لقد أمضى اظليام الأخيرة متأملاً في نفسه، وفي الشيء الذي يتدفق على قلبه فيكسبه الطمأنينه التي لم يعهدها في أيام فقره أو أيام ثروته!

لقد أعزم أن يصارح معبد بن ذاهب في كل شيء،ثم يمضي وحيداً خالياً..كما جاء وحيداً..وكره بغداد وجوارها وآثر أن يذهب للقاء والديه،وينطرح تحت أقدامهما ويسألهما الصفح،ثم يذهب إلى الثغور للجهاد في سبيل الله، فلم يعد شيء يهُّمه غير لقاء الله والرحيل عن الدنيا التي أكتشف مؤخراً أنها نواة الشقاء في حياته الماضية..وأعتزم أن يصلح مابينه وبين ربه..وأستولى عليه هم الأخره.. وبذل دموعه بسخاء أسفاً على أيامه الخالية..

وما كاد يصل إلى هذا الحد من التخطيط لمستقبله حتى أحدقت به الأخطار من جديد!!

فقد مضى في أحدى الصباحات الباكرة إلى البئر اليابسة التي قذف فيها بثيابه القديمة، وتدلى بحبل ونزل إلى القاع اليابس وبحث في التراب حتى وجد صرة ثيابه فأستخرجها وغسلها على شاطيء النهر..كأنه شاعرٌ أنه يغسل ماصيه..وجلس ينترها لتجف،ثم جمعها وأراد الذهاب،لولا أن أستوقفه وجه مألوف لديه فهتف في دهشة:

-مروان؟!!

وآسفه أن خنجره ليست معه..وقذف الصرة من يده وباعد بين رجليه أستعداداً للعراك.. لكن مروان خاطبه بصوت يفيض بالحزن لا بالشر:

-نعم مروان..صاحبك في تلك الحجرة!

-إذاً فقد نجوت!؟

-نعم.. لقد وصلت إلى بغداد وعالج الطبيب جرحي.. وقد صدقت ياغياث فالجرح قد أخترق البطن ولم يمس الأحشاء.. هل تذكر عندما قلت لي ذلك؟!

وتأمله غياث فوجده كما تفارقا تلك الليلة إلا أنه أصبح مشموط اللحية بالبياض.. وقال مروان:

-لقد قضينا معاً ساعات عصيبة..وكتبت لنا النجاة من بين الأخرين أليس كذلك؟

فرد غياث وقد زاولته الريبة لكنه لم يكن راغباً في مواصلة اللقاء:

-لقد مضت تلك الأيام بخيرها وشرها..

-لولا جهودك ياغياث لما كنت أنا من الأحياء!

-لست في حاجة إلى أطرائك يامروان..بقدر ما أود معرفة سبب مجيئك؟!

-جئت للقائك.. وهذا كل افي الأمر!

لم يكن بيني وبينك علائق ومودة..وقد مضيت أنا إلى سبيلي ومضيت أنت إلى سبيلك..

-قد لاتصدقني ..ولاكن لا تسيء بي الظن فتقف وقفتك هذه.. وتحسب أني جئت لقتالك من أجل ذلك الذهب المأفون!!

وسكت قليلاً ثم قال بنبرة صادقة امتصت كثيراً من توتر غياث وتجهَّمه..

-ياغياث ..أنت فتى شجاع وقوي، والذي سيقاتلك سيكون الخاسر في النهاية!

قلت أني لست في حاجة إلى إطرائك..؟

-لست في حاجة إلى إطرائي..ولكنك في حاجة إلى نصيحتي!

-وبماذا تريد أن تنصحني؟!

-أريد أن أحذرك من حنظل.. هذا ما جئت من أله..

-حنظلة!!وأين هو حنظلة؟

-حنظلة في بغداد..ولم يتبقَ من أعدائك أحدٌ سواه..

-وأنت؟!

-أنا لست من أعدائك ياغياث..أنا أحس بالولاء لك منذ كنا في بيت الطين، ولولا حنظلة مارأيت صفحة وجهي!

-وكيف عرفني حنظلة وهو لم يرني ولم يعرف أسمي؟

أحنى مروان رأسه إلى الأرض وقال متلعثماً:

-لقد أضطررت إلى أخباره بأسمك ومكان بستانك..

تخبره عني وعن مكاني،ثم تدعي أنك صاحبي وأنك تودني؟!!

-أقسم لك بالله أني ماكنت لأفعل لولا أن هاجمني ليلاً في بيتي بالبصرة..ووضع خنجره على عنق أحد أولادي وهددني بذبحه مثل الشاه إذا لم أخبره عن مكان الذهب والأموال..ولم أصدق أنه ينوي قتل الصبي حتى رأيته يجرح عنقه بحد السكين جرحاً صغيراً ليؤكد لي أنه عازم على تنفيذ تهديده!

-ومتى كان ذلك؟

-قبل شهر..

-وكيف عرفت أنت مكاني وأسمي؟

-أسمك عرفته عندما سمعتك تنطق به وأنت تقتتل مع سعيد.. ومكانك عرفته عندما رأيتك في بغداد موافقةً بعد أسابيع من ليلتنا تلك،وتتبعتك إلى البستان وسألت أحد مواليك فخبرني بأسمك كاملاً،ولكنني كنت قد عزمت على أن أدعك وشأنك إكراماً لك على مابذلت في سبيلي..

-ولكني لم أصنع شيئاً يستحق كل هذه التضحية منك؟!

-لا يهمني أن تشعر بمعروفك أو لا تشعر.. يكفيني أنني أعتقد هذا..ربما أكون لصاً وأحمقاً غبياً ياغياث ولكني لست وقحاً ولا جاحداً!

وفي خليط من المصانعة والتصديق قال غياث:

-أنت رجل طيب يامروان..سأعمل بنصيحتك..لكن قل لي لماذا لم يبحث عني حنظلة طوال تلك الأيام؟

-لأنه لايعرفك..ولأنه منذ ذلك الحين إلى ان هاجمني في البصرة وهو في السجن..

-لماذا سجن؟

-لقد لحقني عندما هربت بالفرس إلى بغداد،وشاء الله ألا يدركني إلا في بغداد، وحاول قتلي فصرخت وأجتمع الناس عليه ليجدوني مشقوق البطن وهو ممسك بسيفه..فعلموا أنه يريد قتلي.. وزعمت أنه هو الذي طعنني فحملنا الناس إلى الوالي..وشهدوا عليه بما رأوا وحكم عليه أن يحبس عاماً كاملاً،وكرهه الخليفة وقد كان من مجاليسه فزاد في مدته بضعة أشهر..

-ولماذا لم يقتلك في البصرة وقد ظفر بك؟

-لو قتلني لعلم الناس بذلك،ولأخذوه لأنهم يعلمون مابيني وبينه من العداوة .. ويعلمون أنه قد حاول قتلي في بغداد..

وفي مخادعة قال غياث:

-وأين كان أخوك سعيد؟

-سعيد هو سبب شقائي..لقد بكيت عليه كثيراً وبكيت منه..إنه اليوم شرير ومسكين بائس!!وقد أفتقدته منذ ذلك اليوم الذي هربت فيه بالفرس..وظننت أنه قتل في الحجرة..فذهبت بعدما شفيت لآبحث عنه حياً أو رميماً..فما وجدت هناك سوى بقايا الحريق،وبحثت في الأنقاض فلم أجد شيئاً..فرجعت وسألت عنه في بغداد فلم يعرفه أحد،إلا شخص قال أنه رآه في السوق مرً ولم يره بعد ذلك!!

ومسح عبر فرت من عينه ثم قال:

-وذهبت إلى البصرة أتلمس أخباره،فما ظفرت بأكثر مما ظفرت به في بغداد.. ويئست وأنكفأت على نفسي حتى جاءني من أخبرني أنهم وجدوه على شاطيء دجلة ميتاً متعفناً بالقرب من بيت الطين..وقد أخرجوا من جوفه ماءً كثيراً..فعلمت أنه مات غريقاً فهو لا يعرف السباحة.. وقد نجا من الغرق مراراً لكن تلك كانت الأخيرة..

-ولماذا دخل النهر وهو لا يعرف كيف يسبح؟

-ربما ذهب لإستخراج الذهب الذي قذفت به في قاع النهر!

ثم مسح دموعه ثانية، وأسهب في الكلام عن سير شقيقه وقد وجد في ذلك عزاء له:

-لقد مات أبي وأنا في العشرين من عمري،أما هو فكان في سن الخامسة.. ولم يكن له عائل إلا أنا..وطفقت أعمل لأعيشه وأعيش أهلي ووالدتي ثم أولادي فيما بعد.. وعندما كبر حاولت مراراً أن أشركه معي في أعمالي..لكنه بدأ يصاحب اللصوص والمنحرفين،وحاولت ثنيه عما فيه..وبدلاً من أن أرده إلى جاد الصواب استجرني هو،وبدأت أشاركه طريقته وسرقاته!

ابتسم غياث بعد تجهمه الطويل وقال:

-لكنك لاتبدو فاتكاً ماهراً مثله!؟

-أنا رجل أحمق وساذج.. والسطو والإحتيال ليس من طبيعتي لكنها الغواية.. وقد أردت إثبات جدارتي أمام اللصوص، فأستوليت على الجمل الذي به الأموال لأستأثر به لنفسي ولأخي، فجنيت عليه وعلى نفسي وصارت الأموال من نصيبك..

-أنت حاولتو..

-لاتقل أنك ستعطيني بعض الأموال..فلم تعد لي حاجة في كثير أو قليل من ذلك..وقد تركت هذه الأعمال التي لانتاج لها سوى الدماء والمصائب.. وأنا لم أجيء طامعاً في غنائمك ياغياث إنما جئت أحذرك من حنظلة فإنه سيظهر لك قريباً..

-سأعمل بنصيحتك يامروان ..

وأحنى مروان رأسه إلى الأرض في كدر، ثم مد يده إلى غياث قائلاً:

-سأذهب فلم تعد لك حاج بي..

ومد غياث يده وودعه وتابعه حتى غاب عن نره، ثم حمل صرة ثيابه ورجع..

مشى إلى البستان آل مقدسي متكاسل الخطى، يحرث الأرض بنظراته وأتجه إلى القصر..وعند الباب صادفه سريع وأخبره أن رجلاً سأل عنه في غيبته فقال غياث متبرماً:

-إذا جاءك ثانية فبعه مايشاء من الثمار فلا حاجة لأن أقابله..

-إنه شخص غريب لم يأتِ لشراء شيء!

فسأل غياث وقد قرن مابين حاجبيه:

-هل قال إن أسمه حنظلة؟

-لم يذكر أسمه يامولاي..

-إذا جاء ثانية..هو أو سواه..فأدعني بدون أن يعلم..

فقال سريع بصوت خافت:

-هل هو عدو؟!

-إنه من جماعة السجين الذي هرب..

وبدون أسئل أخرى هزَّ الشيخ رأسه مؤذناً بالطاعة ثم أنصرف..

وجمع غياث بعض حاجياته ثم تذكر أنه لم يكن يملك نذ طرده والده سوى ثيابه فرد الحاجيات إلى مكانها.. وتمكنت منه النزاهة والورع فخلع ثوبه الفاخر ولبس أحد ثيابه القديمة!

وأرسل احد مواليه للبحث عن معبد بن ذاهب المقدسي ثم جلس يفكر فيما هو مقدم عليه.. وسمع حفيف ثوب بالقرب منه فألتفت ليرى عطر مبهوجةً بلقائه..

وقد آسفه منظرها وأحس بالرثاء لها لعلمه بمكانه من قلبها.. وقالت له معاتبة:

-لقد تغيرت يامولاي؟!

فقال بهدوء:

-وماذا تريدين؟

-لقد أصبحت محزوناً تذهب وحدك ولا تخبر احداً بوجهتك،وتغيب طويلاً ثم تعود مريضاً .. أو تغلق على نفسك باب حجرتك!!ولم تكن هكذا من قبل!!

فقال تمهيداً لإنزال الخبر الثقيل عليها:

-وهل يسوؤك هذا ياعطر؟

-نعم..أنت لاتدري كم يسؤني ذلك!

فقال بنبر جادة:

-وما يدريك لعلي بذلك أهيئك لفراق سيحل بيننا!؟

فقالت باسمة وقد حسبته يمازحها:

-لن نفترق حتى لو ذهب أحدنا إلى أقصى الدنيا!

فقال بتجخم وقد تذكر الثغور وطلب الشهادة:

-وإذا رحلت أنا إلى مكان لا يوجد في الدنيا؟

-سألحق بك..

فقال بما يشابه الإبتسامة:

-هل ستقتلين نفسك؟

-وهل ستقتل أنت نفسك؟

-لا..لا يصح أن يقتل الإنسان نفسه،ولكن يبذل روحه في سبيل الله..

-هل تعني الجهاد؟

-نعم..

وقارنت بين هذه الغاية السامية وبين سيرة غياث بن عبد المغيث العابثة ولهوه السابق فقالت على الفور:

-ولكنك لست بصاحب هذه الأمور؟!

-لقد أصبحت من أصحابها إن شاء الله..

-هل تعني ماتقول؟

-نعم.. أنا جاد فيما أقول وسأرحل قريباً..

-هل تذهب لتموت؟!

-بل لأبحث عن الشهادة..

وسكتت قليلاً وقد تيقنت أنه جاد فيما اعتزم.. وإن ما مربه من أحداث غريبة في الأيام الماضية كان إرهاصاً لتوبته وقالت مشفقةً:

-لماذا لا تؤجل سفرك إلى حين؟

-ولماذا التأخر؟!سأمضي وأحارب لعلي أعمل عملاً يرضي الله فيرضى عني..

وتسرب الجزع إلى قلبها فسألت:

-وإلى من ستتركني؟

-أنت هنا عند أبيك.. وعند..

وسكت مطرقاً إلى الأرض فسألت في هم:

-وعند من أيضاً؟

-عند سيدك الجديد..

-هل بعتني إلى أحد يامولاي؟

-لم أبعك إلى أحد ولم أعد مولاكِ؟

-إذاً ماذا في الأمر؟!

-أنا ياعطر.. كنت لصاً..وقداشتريتك بمالٍ مسروق.. وكل مافي الأمر أني تبت إلى ربي وسأرجع المال المسروق إلى صحابه..

-ومن هو صاحبه؟

-معبد بن ذاهب..وأسرته..

-معبد المقدسي!هذا الأجير الذي يعمل عندك؟!

-لم يعد أجيراً عندي..وكل ماترين من الزروع والبساتين والموال ملك له ولأسرته..وأنت من ذلك..وقد كان في قص طويلة ستعرفينها فيما بعد..

وأخرست المفاجأة لسانها..فقال يواسيها:

-وابشري فمعبد فتى شجاع ..وعاقل..

وأضاف مبتسماً:

-وجميل!

وأجهض أزيز بكائها إبتسامته وعاتبته من بين دوعها:

-ألا يعز عليك أن تتركني هكذا؟!!

-بلى يعز علي.. ولكني آليت على نفسي الا اضع في يدي إلا مالاً حلالاً من كسب يدي..

لماذا لاتشتريني منه؟

-أنا لم أعد أملك غير ثيابي التي على ظهري..والتي في هذه الصرَّة!

فألتفتت إليه وقالت بإنفعال:

-إسمع..سأسأل معبداً أن يهبني لك؟

-لا أحب ذلك ولا أميل إليه..

-إذاً سأشتري نفسي منه بدراهم منجمةً كل شهر أهبه ما أتحصل عليه..

وسأذهب إلى بغداد عند زوجة سيدي الأول وسأعمل هناك.. فأنا أتقن الحياكة والدبغ والغزل.. وإذا أصبحت حرةً نتزوج وأذهب معك إلى حيث تريد..

-غير مجدٍ كل هذا .. فأنا لن أستقر في مكان ولن آوي إلى بيت مريح.. سأعيش حيناً في خيمةٌ وحيناً على الأرض أو في كهف..كما وعشت مامضى من حياتي شقياً..سكيراً ..عربيداً..وعققت والدي..وقد رأيت بنفسك أطرافاً من حياتي الشائنة..وشهدت أيضاً توبتي وقد أبصرت في الإيمان لذتي وهناءتي التي أبحث عنها..فأصبحت الدنيا مثل السجن لي..وأنا أتزم الهروب من هذا السجن..

-لكن كل هذا لايستدعي أن نفترق!!فبإمكانك أن تعيش في بغداد صالحاً وتقضي أيامك هناك تائباً!؟

-بإمكاني ذلك.. لكني كرهت بغداد وكرهت الدنيا..أنا أحس بصوت يناديني..يدعوني إلى الدار الآخرة وأنا أريد أن أغتسل من ذنوبي بالجهاد حتى أموت وأنا مرتاح البال..

وتساقطت دموعها وقد أعيتها الحيل وامتنعت عليها الكلمات فصرخت في وجهه:

-بل أنت لاتريدني!

وسكت محزوناً وقامت من عنده على عجل.. وأطرق إلى الأرض..فيما دخلت إلى أحدى الغرف ناشجة ببكاء مر..

وقف غياث على باب القصر وفي يده خرج الذهب وفي الأخرى صرة ثيابه..وتأمل البت الكبير قليلاً.. ثم جعل يجول بين عرائش العنب..ومضى إلى أرض القمح والفواكه يتأملها كأنه يراه ولأول مرة!ثم جال بينات النخيل.. وكان العبيد يعملون في الحقول..وقد ضاعفوا جهدهم عندما رأوه..وسريع يتسكع ببطء ويشرف على كل شيء.. وأحد الخدم يجمع مخلفات الشجر وأغصان الصدر الصغيرة ويلقيها في محجر الأحراق المربع تمهيداً لحرقها..وانتهى بغياث المطاف في دار معبد في طرف البستان..ووجد الصبيان يلعبون قبالة البيت.. وعندما رأوه كفوا عن اللعب وفر بعضهم..وخرج موسى شقيق معبد واستقل سيد البستان محتفياً وأدخله إلى الدار وسأله بخجل:

-هل أستدعي معبداً ياسيدي؟

فقال غياث بكأبة:

-نعم فأنا أبحث عنه..

وخرج الفتى من الحجرة.. وبقي غياث يفكر فيما سيقوله لورثة ذاهب المقدسي..وكيف يواجه حنظلة.. وهل يمضي لسبيله ويفسح المجال لمعبد وشقيقه وأسرته لينتقموا من قاتل أبيهم..أم يبقى ويساعدهم!؟وهل سيتركونه بدورهم يمضي لسبيله أم سيعمدون إلى أعتقاله والإنتقام منه لأنه ساهم في إشقائهم؟!

ودخل معبد مرحباً بضيفه الكبير ولم يستطع إخفاء دهشته وهو يقلب بصره في غياث مستغرباً هذه الأكياس التي يحملها وهذه الثياب البالية التي حلت بديلاً عن تلك الجبة الفاخر والثياب الثمينة!! وهذه الطاقية الخلقة التي صارت مكان تلك العمامة الخضراء المطعمة بخرزة كبيرة فوق الجبين!!وفطن غياث لدهشته فأبتس وقال:

-ربما أستغربت زيارتي يامعبد!؟

فقال الشاب مدارياً خجله:

-لم انتظر أن تكرمني بهذه الزيارة..ولو أرسلت إليَّ لأخذت أُهبتي.. فالبيت دائماً مبعثر وهؤلاء الصبيان لا يتركون شيئاً في مكانه..

-فقال غياث:

-هذا العبث للأطفال لابد منه.. إنه صباهم..

ودخل موسى بشيء من الفاكهة فلما وضعها هم بالإنصراف لكن غياث استبقاه قائلاً:

-إجلس ياموسى..حديثي لكم جميعاً..

وجلس موسى وساد الصمت قليلاً..وأحتار غياث كيف يبدأ..لكن معبد أسعفه حين قال:

-لقد جاء الرجل الذي حدثتك عنه..والذي كان صاجباً لأبي..وسأل عنك فقلت له إذهب إلى القصر ظناً مني أنك هناك..

-تقصد حنظلة؟

-نعم..هل جرت بينك وبينه معرفة؟

-أنا لم أره في حياتي.. لكني أعرفه تمام المعرفة

-كيف كان ذلك؟!

-أريدك ان تريني أياه دون أن يراني..

-حسناً سأفعل ياسيدي.. لكني سأعيد لك كلامي فيه..فأنا أحذرك من مصاحبته..ولولا أنه جاء يطلبك اليوم لطردته من البستان شر طردة!

-بل أنا من يحذرك منه.. إن الذي قتل والدك هو حنظلة..وهذا الخرج بما فيه من الذهب الخالص،وهذه الزروع والبساتين والعبيد والأموال كلها لك ولأسرتك..

والتفت الشابان إلى بعضهما وقد شلت الدهش تفكيرهما.. وعقدت المفاجأة السنتهما عن الكلام..واعترت غياث رعشةً باردةً فأستند إلى الجدار متعباً ومضى في سرد قصته الثقيلة كاملة غير منقوصة..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

سبحان الله

 

ما اجمل لحظات التوبه وما احلى الرجوع الى الله

 

بارك الله فيك

 

بانتظار البقيه

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

post-28298-1317032301.gif

الفصل الثالث عشر

.

.

.

مضى سائر ذلك اليوم بطيئاً ثقيلاً على آل المقدسي مشبعاً بالوجوم والدموع.. وقضوا نهارهم وجزءاً من ليلهم في خليط من الغبطة بعودة أموالهم المنهوبة وحزن ثقيل لتجدد ذكرى عائلهم الغدور،وحقد شديد على حنظلة وأصحابه الذين أجهزوا على والدهم وحاولوا سرقة ثروته..

لكن الحيرة كانت مستولية عليهم تجاه غياث بن عبد المغيث، هذا الشاب الذي شارك في شقائهم طوال هذه المدة،ثم نمت في قلبه الحياة،فرد الأموال المغتصبة في قناعة وورع!

إنه لم يفر ولم يطلب العفو خانعاً بل قال في شجاعة!إنه سيبيت الليلة في القصر، ثم يرحل من الغد إلى الثغور للجهاد في سبيل الله، وسيذهب إلى قريته الممرة ليلتقي بوالديه ويطلب رضائهما إن وجدهما..فإذا كان آل المقدسي يريدون حبسه أو رفع أمره إلى الوالي في بغداد فذلك لهم وسيمضي معهم قانعاً وطائعاً غير كاره!

وتأملوا حاله وكلامه،فلم يلبثوا حتى أدركوا أنه يستحق الشكر لا العقاب..لقد حافظ على الأموال التي نَّماها بالتجارة.. وعندما تاب إلى ربه وتنزَّه عن الحرام أرجعها إليهم كاملة!وقد كان بإمكانه أن ينعم عليهم بالقليل إرضاءً لضميره..ولكنه آثر أن يخرج منها كلها..حتى إنه خلع جبته الفاخرة وعمامته وخاتمه..ولم يأخذ سوى ثيابه التي جاء بها إلى بغداد!

أما غياث فلم ينم تلك الليلة في القصر، بل نام عند سريع عبده السابق في لحاف رخيص..لقد أخبر سريع بكل شيء وأمره أن ينشر الخبر بين كل الموالي..ويؤكد لهم أنهم لم يعودوا ملك يمينه بل صاروا كلهم وما يرونه من الزرع والدواب والمال ملكاً لآل المقدسي..وآوى إلى فراشه تلك الليلة راضي النفس..منشرح الصدر.. يحس أنه لم تمر عليه في حياته الصاخبة ليل أسعد من هذه الليلة!!وقبل أن يأخذه النوم..دخل عليه شخص يحمل مصباحاً فأضاءت الحجرة بنور المصباح..وتكلم الداخل في أدب:

-هل تأذن لي بالدخول ياسيدي؟

وعرف غياث صوت معبد فجلس في فراشه وقال باسماً:

-أدخل..فلم أعد سيداً لك ولا لغيرك..

-لقد أزدادت مكانتك عندي ياغياث بن عبد المغيث..

جلس معبد ودخل معه أخوه موسى ثم أعقبهم سريع.. ودخلت أم معبد متلفعة وجلست في ركن قصي من الحجرة..وقال غياث مداعباً:

-لقد كثر ضيوفك هذه الليلة ياسريع!

فرد معبد بجد وصدق:

-بل كلنا ضيوفك ياغياث..فأنت صاحب أفضال علينا!

وقالت أم معبد بصوت خافت:

-لقد أرجعت الحق إلى أهله ..وما جئنا إلا لنشكرك..

فقال غياث باسماً:

-لأول مر..أرى لصاً يسرق قوماً فيشكرونه!!

وقال موسى:

-لقد كان بإمكانك ياسيدي أن تحتفظ بهذه الأموال بدون أن تخشى مطالبة أحد..لكنك انتزعتها من اللصوص وحفظتها لأهلها..

-لو إستطعت إبقاءها في حوزتي لفعلت..لكني عجزت عن ذلك!!

وتحدث معبد قائلاً:

-لقد أتينا إليك هنا لنقول لك أننا قد وهبناك نصف المال الذي في الخرج..فلولاك ماعاد من هذه الأموال درهم واحد!

قالها ورفع السراج لتتبين له ملامح غياث متكدراً..وقالت أم معبد:

-لقد وهبناك هذا بنفوس رضيًّة..

فأجاب غياث بصوت عميق ووجه مبتئس:

-لا أريد شيئاً..

فقال معبد:

-إذا كان إرضاؤنا يهمك فخذ المال!

-لا أريد شيئاً..

فقال بتصميم:

-إذا أبيت..فستأخذ الربع..

-لاأريد شيئاً من هذا البتة!

وهتفت أم معبد من ركنها:

-إذاً فلتأخذ أرض القمح..وتكون جاراً لنا فلن نجد خيراً منك..

فلم يزد غياث على ان قال كلمته العنيدة!!

وتحدث موسى مجرباً حظّه:

-إذاً فخذ من المال ما يكفيك لإقامة تجارة وخُذ من العبيد ماشئت ليكونوا لك..

-هذه مكرمة منكم..لكنني لن آخذ شيئاً!

فقال موسى بما يشبه الغضب:

-لابد من ذلك..ولوكنت كارهاً!

فرد غياث بحدة:

-قلت أنني لاأريد شيئاً من المال..أريد أن أمضي إن لم تكن لكم حاجة بي..

وأحترموا إرادته فصمتوا طويلاً..وخرجت أم معبد وتبعها أبنها موسى..

وقال غياث لمعبد بدون أني نظر إليه:

-أجعلوني في حلٍ مما أكلت من أموالكم..

-أنت في حل ياغياث..وسنظل نذكرك ما حيينا..

-هذا معروف تسديه لي فما عدت أحمل هماً إلاأن أموت مخفاً سالماً مما للناس..

-بقي لي حاجة عندك ياغياث أرجو أن تقضيها؟

-ماهي؟

أن تترك هذا المكان الضيق وتذهب لتنام في فراشك الذي كنت تنام فيه بالقصر..

-القصر!!لم يعد لي حقٌ فيه القصر!

-أنا صاحب القصر.. وقد أذنت لك..

-هذا الفراش أحب إليّ..

-أريدك ان تجعل القصر منطلقك، وأنت تترك هذه الأماكن مثلما كان مؤلمك عندما جئت إليها..فلا تحرمني فرصة إكرامك ولو بالمبيت..

-لك ذلك..ولاكن لاتطلب مني شيئاً غيره..

وحمل غياث ثيابه،ومضى إلى القصر يتبعه معبد وسريع..وعندما دخل القصر المضاء ببعض السرج..اتجه غياث إلى غرفته وودعه معبد وخرج لكنه توقف عندما أعترضته امرأ وجثت عند ركبته متوسلة:

-أرجوك يامولاي..دعني أذهب معه..

فقال معبد بيأس:

-لقد أبى ان يأخذ منا شيئاً ياعطر!

-إنه عاجز عن المال فلو وهبتني له لقبل منك..

وقضم الشاب شفته السفلى وبدأ متردداً ولمحت عطر الكدر في وجهه فعلمت انه يريد بقاءها فلم تيأس وقالت:

-إذا تركتني له فتلك شهامة منك..سأظل أشكرك عليها..

-إذا رضي ان تذهبي معه فأنت له..

-كلمه يامولاي علَّه يستجيب لك..

ورجع معبد إلى حجرة غياث وتبعته عطر وبقيت قريباً من الباب وابتدر معبد القول:

-ياسيدي..لقد جاءتني..

وقاطعه غياث:

-عطر..اليس كذلك؟

-نعم..لقد رجتني أن أهبها لك وأنا موافق..

-إنها فتاة كريمة ومهذبة..

-ما كنت لأرغب عنها..لكنها أختارتك!

-ولا أدري لماذا؟! لكني اتمنى أن تجد راحتها عندك..

-إذاً فأنت ترفضها؟

-أنا لم تعد بي حاجة إلى شيء من متاع الدنيا فقد وجدت ما أسعدني واكتفيت به..

-أنت تضيق على نفسك بهذا!

-بل لِمَ لَمْ تذق نفسي السعة إلا اليوم.. فقد كنت مسجوناً ثم وجدت حريتي ولا رغبة بي في السجن ثانية!

-ستسكر قلبها بهذا الرفض!

-قل لها أنني عازف عن الدنيا..وكل أمنيتي طعنة أوسهم يغفر الله به خطيئتي..

-لقد ألحت عليَّ في الطلب؟!

-لو كنت أنوي الإستقرار لفكرت في شأنها..غير أني لاأشتهي سوى الرحيل..

-ستحزن كثيراً..

-بل ستنسى عاجلاً فهي مازالت صغيرة..

وسكت الرجلان....وتناهى إلى سمعهما صوت عطر وهي تدلف إلى داخل الدار مسرعة باكية فأحنى غياث رأسه في أسى وصمت بينما إستأذن معبد وأنصرف..

في الصباح وبعد أن صلى الفجر جلس غياث وحيداً في مصلاه مستقبلاً القبلة..وكان الضياء قد أكتسح الكون وتجلى الظلام وسمع غياث حركة خلفه عند الباب فألتفت بهدوء ليشاهد رجلاً غريباً ضخماً بثياب فاخرة ولحية موفورة الشعر مشموطة بصباغ أزرق..وملامح قاسية..وكان باد النعمة والترف..وقد قبعت تحت حاجبيه عينا ذئب تدوران في محجريهما بحثاً عن فريسة!

وتحدث الرجل هازئاً بصوت غير منخفض:

-لص محتال..يدعي التقوى ويصلي!؟

لفترة ظل غياث يتأمل الداخل بعين ثاقبة.. فلم يتوقع أن يدخل عليه حجرته رجل غريب،وبدون إستئذان..إنه يراه لأول مره لكن بسماع صوته الهازئ عرفه في الحال فهو نفس الصوت الذي كان يصدر الأوامر حين كان محاصراً برفقة مروان وسعيد في بيت الطين على شاطئ دجلة!ولم يشك لحظة أنه حنظلة..مدبر كل المأسي السابقة..وقاتل ذاهب المقدسي..

كان غياث يجلس في اقصى الغرفة الواسعة.. اما الرجل فكان يقف في الطرف الثاني قريباً من السرير الذي كان ينام عليه.. وتحرك غياث ليقف فنهره الرجل بشدة قائلاً:

-إذا تحركت قتلتك!

ورفع جانب جبته الطويلة كاشفاً عن سيف عريض قصير.. مؤكداً لغياث عزمه على تنفيذ تهديده فيما لو حاول فعل شيئ!

وأول شيء فكر فيه غياث هو المسافة التي بين مكانه وبين سيفه السابق المعلق على الجدار قريباً منه..لقد أعتزم القتال..فهو لايهاب أبداً،ولا يخشى الموت، وإن كان يتمنى أن يكون مماته في ساح الجهاد لا بيد مجرم مأفون، ومن أجل عرضٍ من الدنيا..

وتحدث الرجل:

-لا شك عندي بأنك غياث بن عبد المغيث..لقد كنت أتتبعك وقد علمت أنك تنام في هذا المكان..لقد تقاتلنا طويلاً ياغياث بدون أن نتقابل!

ولم يتكلم غياث فقال الرجل وهو يدير عينيه القاسيتين في الرياش الثمين والجدران:

-قصر جميل..وقد استمتعت بما في الكفاية.. وقد آن الآوان بأن ندفع المال إلى صاحبه إذا كنت تريد حياتك..!؟

فقال غياث بهدوء أزعج الرجل:

-لقد أرجعت المال حقاً إلى أصحابه..

-أنا صاحب المال..وأريدك أن تدلني على مكان الخرج الثاني من الذهب..فقد علمت من مروان أنك أسقطته في عرض النهر.. أما ما تحت يديك من الأرض والزرع فهو لك..

-هذا المطلب ليس جديداً..فقد سألني منه سعيد قبلك فمات قبل أن يحصل عليه..وربما تموت أنت مثله أيضاً!

استشاط الرجل غضباً وقال:

-لقد كان سعيد وأخوه مروان أحمقين جبانين.. وقد عرفت محبس سعيد،فأنا لم اترك موضعاً في هذا البستان إلا نبشته..وكنت أظن سعيداً كفؤاً للقتال والمواجهة فوضعت عنده أثناء نومه ما يفك به قيوده رجاء قتلك،لكن تبين لي أنه ضعيف وخائر!اما أنا فخلاف ماتظن..

كان يتكلم مرعداً مغروراً مما أغاظ غياث فقال متحدياً:

-لن تفعل أكثر مما فعل..

-إني أحذرك.. فأنت لم تعرفني بعد لذا تقول هذا الكلام..!؟

فقال غياث بهدوء وشجاعة:

-بل أعرفك.. فأنت حنظلة.. المجرم الغادر الذي قتلت صاحبك ذاهب المقدسي ورجاله..وأفقرت أهله من بعده في فعلة لاتليق إلا بمثلك!!

-أنت احمق وعنيد!!لقد كنت أعقدُ الآمال على لقائنا هذا ياغياث بأن يأخذ كلٌ منا نصيبه ويمضي لشأنه،فإذا بك تعيرني بما كسبته أنا بيميني وسيفي..وأخذته بعد ذلك بغدرك وخيانتك من رجل جريح وعاجز وغبي!

-لقد تبت إلى ربي ياحنظلة..وخرجت من هذا كله بثوبي الذي على ظهري، اما ماتبقى من الذهب في الخرج الثاني فقد استخرجته من قاع النهر بعدما هلك سعيد في سبيله وقد سلمته هو وكل الأرض والبساتين والتجارة إلى آل المقدسي ليلة البارحة.. وأنا أدعوك أن تتوب إلى رشدك وتتوب إلى ربك قبل أن تغتالك المنية وأنت على ظلمك..

-هل سلَّمت كل المال لهم!!؟

-نعم..فما كنت لأدخل جوفي مالاً حراماً وقد هداني ربي وبصرني بجرمي!

-ياوقح..الأموال لي..قلت أني كسبتها بسيفي.. وقد كان ذاهب يستحق ما جرى له،فقد فسد عليَّ الخليفة وزهَّده منَّي..

-وما شاني أنا بهذا كلَّه؟!

-لقد أفسدت جهودي..وقتلت رجالي..وتسببت في سجني..ثم أستوليت على المال كله..وتسأل عن شأنك بذلك!!

-لقد رحم الله آل المقدسي فحفظ أموالهم بي..ثم رحمني بعد ذلك وطهر يدي من أموالهم..

وبصبر نافذ سأل حنظلة غير مصدق ما يسمع:

-أين الأموال والخرج الذي استخرجته من النهر؟

-ألا تعقل!؟قلت لك أني سلمتها البارحة لأصحابها!!

-إذا لم تكف عن عنادك فسأقتلك..وأقتلهم جميعاً..وأحرق هذا البستان على من فيه فلا أحد يقف في وجهي!

ونهض حنظلة ملتاشاً بالحقد..وقفز غياث إلى سيفه وانتزعه من الجدار وسلَّه..فقال حنظلة في إستعلاء:

-لاتهلك نفسك..فأنا لا أهزم؟

-سينصرني الله عليك..

-أسمع..إني اهبك حياتك مقابل ما طلبت..؟

-لقد أخذ أهل المال مالهم،وليس لك عندي غير هذا السيف!

والتحم الخصمان في قتال طال التحفز له،فجاء عنيفاً شرساً!كان حنظلة شديد المهارة..ثقيلاً.. قوياً..يفوق غياث في المبارزة..وكان غياث أخف حركة..وطالت معركتهما..وبدألغياث أن خصمه لن يتعب أبداً،ولو قاتل لعام كامل!!وكانت قعقعة السيوف تمزق لسكون في جنبات القصر..فحضر الخدم..وتصايح النساء..وفزعت عطر لمرأى القتال..وجاء سريع لكنه لم يجرؤ على التدخل..وانطلقت عطر راكضة عبر عرائش العنب،وأحواض النخيل حتى وصلت إلى بيت آل المقدسي.. وطرقت الباب بعنف وخرج لها معبد مدهوشاً فصاحت به لاهثة:

-أدركنا يامولاي..رجل غريب يقتتل مع غياث بن عبد المغيث!

فتمتم معبد:

-إنه حنظلة ولا شك..

وصاح بأخيه:

-ياموسى..إنه قاتل أبيك!

وركض الشابان بسيفيهما تجاه القصر..تتبعهما عطر..ورآهما بعض العبيد فلحقوهما ومعهم عصي وصخور!

وتفصد العرق غزيراً من جسد غياث وبدأ التعب يسري في أوصاله،وقبل أن يصل معبد ومن معه إلى الحجرة تمكن حنظلة من الإطاحة به،ولم يتردد في أن يطعنه في خاصرته بحقد!

ووصل معبد واخوه ومن خلفهم من الرجال.. واكتشف الشابان أنهما تأخرا في الوصول.. وقعت عين حنظلة على عيون أبناء ضحيته،ورأى نظرات الثأر في أعينهما فتكلم متصاعد الأنفاس:

-لقد نال هذا مايستحقه..أما أنتما فأبتعدا خيراً لكما..

وزمجر معبد:

-الويل لي إن لم أقتلك!

وهتف شقيقه محمر الوجه:

-ياغدار ..أحدنا سيخرج حياً!

وتقدم الخدم بعصيهم وصخورهم وأرتعب حنظلة فتراجع وهو يهدد:

-إرجعا ..وإلا ستلحقا بأبيكما!

وهجم عليه موسى يتبعه معبد وجرح حنظلة موسى في لحظات جرحاً صغيراً، وبارز معبد قليلآ ثم آثر الفرار فلطمه لطمةً دفعته بعيداً ثم إنطلق هارباً..مخترقاً جداراً من العبيد الذين خافوا سيفه فاكتفوا بقذف رجليه ورأسه بالحجارة فولى وهو يعرج وينزف دماً..

ونهض معبد متأخراً ولحق به وتبعه الأخرون..تاركين غياث وقد انكفأت عطر تسقيه الماء وهي تذرف دموعاً بصمت..

وفي هذه الأثناء كان الخادم الموكَّل بإحراق مخلفات البستان قد ملأ محجر الإحراق بالمخلفات والجريد اليابس،وذهب إلى غرف العبيد ومكث هناك قليلاً ثم رجع حاملاً معه جذوة مشتعلة..ومشى حثيثاً حتى لا تنطفيء بيده..ولم يكن يعلم بما يجري في البستان والقصر..وقذف بالشعلة الملتهبة إلى محجر الإحراق ..ووقف يستمتع باللهب الذي إستطال سريعاً..مطقطقاً إلى عنان السماء..لكنه تراجع فزعاً عندما دوَّت صرخات بشعة..متتالية من جوف النار العظيمة!!وتحركت أجزاء من الجريد المشتعل،ووصل معبد ورفاقه إلى صوت الصراخ..لكن الصرخات استحالت إلى فحيح متحشرج، ثم خفت شيئاً فشيئاً،ولم يعد يسمع سوى صوت اللهب وهو يلتهم الجريد والأغصان الصغيرة ومن بداخلها!!

وجثا الخادم المفزوع على ركبتيه رعباً وهو يقول:

-لقد رأيت جسماً ملتهباً يتخبط وسط الأكوام المشتعلة وسمعت زعيقاً منكراً!!

وأحنى معبد رأسه وقال موسى:

-لقد كان حنظلة يختبئ في محجر الإحراق!!لقد نال جزاءه!!

وخمدت النار سريعاً وبكى الخادم وأحاط بهم زملاؤه فقال وهو يرتعش فزعاً مما سمع وشاهد:

-لم أكن أعلم أن أحداً كان يختبئ داخل المحجر!!؟

وتقدموا من جدار محجر الإحراق.. لكن لم يكن هناك سوى جمر مشتعل وبقايا جسد متفحم!

  • معجبة 1

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

سبحان الله

هذا جزاء من يجرى يأخذ تعب غيره

ويريد ان يستمتع بالمال الحرام

 

 

بانتظار البقيه

 

جزاك الله خيرا

تم تعديل بواسطة اميرة قلب زوجها

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

قرأت أول جزء وتشوقت للتكملة بإذن الله لى عودة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

<p style="text-align: center;"><span style="color: rgb(255, 140, 0);"><span style="font-size: 18px;">السلام عليكم</span></span></p>

<p style="text-align: center;"><span style="color: rgb(255, 140, 0);"><span style="font-size: 18px;">جزاكى الله خيرا يا زهورة على القصة الرائعة</span></span></p>

<p style="text-align: center;"><span style="color: rgb(255, 140, 0);"><span style="font-size: 18px;">يا ترى فاكرانى ولا لا </span></span></p>

<p style="text-align: center;"><span style="color: rgb(255, 140, 0);"><span style="font-size: 18px;">حطى الباقى بسرعة متشوقون لمعرفة النهاية </span></span></p>

<p style="text-align: center;"><span style="color: rgb(255, 140, 0);"><span style="font-size: 18px;">أحبك فى الله</span></span></p>

تم تعديل بواسطة أم عمار و عبدالرحمن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

{ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين}

كم هي رهيبة هذه القصة والجزء الأخير فيه عظة وعبرة لمن يعتبر

اللهم نسألك حسن الخاتمة

جزاكِ الله الفردوس الأعلى زهورة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

post-28298-1317032301.gif

الفصل الرابع عشروالأخير

.

.

أمر معبد بإخراج جثة حنظلة وتغطيتها لحين دفنها..ورجع هو وأخوه إلى حيث تركوا غياث ووجدوه قد أخرج من القصر إلى الدكة التي قبالته وقد فرش له وأسند..كان يضع يده على خاصرته.. وكانت ثيابه الرخيصة وأكمامه مصبوغ بحمرة زاهية..

جلس معبد عند رأسه.. ووقف الآخرون قريباً منه..وقالت عطر في صوت مبحوح:

-لقد بقر الرجل بطنه..لكنه مازل حياً..

وأحضر بعض الخدم لفافة وإناء،فأخذها معبد ورفع يده برفق وجعل يمسح خاصرته بالماء وينظف موضع الجرح..كان الشق واسعاً غائراً..مخيباً للآمال!

فقام بتضميده وربطه ثم سأل عطر:

-هل طلب شيئاً؟

فقالت:

-لا..

وانحنى معبد عليه بشفقة وقبلَّه وهو يظن أنه نائم..لكن غياث حرك شفتيه الجافتين وقال بخفوت:

-إنك كريم..إذ تقبل لصاً سرق مالك واستمتع به!

وهمس معبد له:

-لاتتحرك..ولا تتكلم فتزداد ألامك!

-إن الألم لا يهمني..فلم أعد أحفل بالحياة..

-لاتقل مثل هذا..!

-أظنني سأرحل..وحسبي أن اموت وقد تبت وطهرت يدي من الحرام..

ستعيش بإذن الله..

-لا تأمل كثيراً..فأنا أحسب أني سأجد راحتي بعد قليل..فأجعلني في حل..

-أنت في حل..

-حسناً..أريدك أن تذهب إلى قريتي اللمرة وتبحث عن والدي وتطلب لي الصفح منهما وتخبرهما قصتي..

-سأفعل ..واذا أيضاً؟

-لا شيء..

وصمت معبد ولم يتكلم أحدٌ لفترة وقطع الصمت غياث وهو يستقيم من رقدته ويقول في عزم:

-هات ثيابي وأحضر لي فرساً..سأستعيرها منك ثم أردها لك إذا وصلت..

فسأل معبد مستغرباً:

-وأين ستذهب؟!!

-سأذهب إلى الثغور..

-وأنت في هذه الحالة؟!!

-نعم.. ستربطني إلى الخيل بحبل ولن اسرع.. وساصل بإذن الله..

-هل جننت؟!لن أفعل ذلك أبداً!!

-بل ستفعل..وإلا ذهبت إلا قدمي!

وتحرك مؤكداً عزمه على الرحيل مما أضطره معبداً إلى تهدئته وارسل في طلب فرسه السابقة..ولما رآها غياث تناول صرة ثيابه وقال:

-هيا أحملوني عليها..

فقال معبد محاولاً ثنيه:

-إنتظر حتى تشفى ثم.. إذهب..

فقال غياث بيأس:

-يكفيني أنني شفيت من الحياة!

وصمت قليلاً ثم قال وقد تدحرجت على خده دمعة كبيرة..

-أحب ان يراني الله وأنا أسعى مقبلاً عليه لعلًّه أن يرحمني ويمحو عني مافعلت..

-إذاً سأرحل معك حتى تصل؟

-لا..لتبقى للعناية بأرضك وأسرتك..اما أنا فقد عشت غريباً،وأريد أن ارحل غريباً..وأموت غريباً..لعل الله أن يرحم غربتي!

وأراد الوقوف فعجز فتقدم منه سريع ومعبد وحملوه إلى الفرس نزولاً عند إرادته فأنكفأ على ظهرها..وربطوه بحبل إليها..وأمر معبد أحد عبيده ان يقود الفرس إلى ظاهر البستان..وتهادت الفرس ببطء إشفاقاً على صاحبها السابق ..لكن لم تمضِ غير مسافة قليلة حتى أرتخت يداه ومالت عنقه ثم سقط إلى الأرض..

أرادت عطر أن تقول شيئاً فخنقتها العبرة..وتهالك سريع على الأرض حزناً على سيده..وسارع معبد وشقيقه والآخرون إليه..

كان وجهه مضاءً كالمصباح وعلى ثغره إبتسامة!

 

تمت

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×