اذهبي الى المحتوى
سدرة المُنتهى 87

(4) توبيخ [على الملأ] أم [على العامة]؟

المشاركات التي تم ترشيحها

القول المأثور في إحياء الصواب المهجور (4)

عبد الله آيت الأعشير

 

في زمن طارت الفصاحة فيه من الأفواه مِثْل جرادة العيَّار*، حتى أصبحنا نَعْلكُ العربية الفصحى علك اللِّجام، ولم يعد لسيبويه وأمثاله من المُخضْرمِينَ وزْنٌ، ولا للحذاقة والفصاحة وجود.

 

أضع بين أيدي القراء هذه الحلقة اللغوية الرابعة، منبِّها إلى أن الإعراض عن العربية الفصحى، لم يكن قط من سيِّئات هذا العصر، يَشْهد على ذلك كتبُ «لحْنِ العامَّة» التي تنُوف عن أربعة وثلاثين كتابا، بدءًا من كتاب «ما تلحن فيه العامة» لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي المتوفى 189 هـ، مرورا بكتاب «لحن العامة» لأبي بكر محمد بن الحسن الزبيدي الإشبيلي المتوفى 379 هـ، وكتاب «تثقيف اللسان وتلقيح الجنان» لأبي حفص عمر بن خلف بن مكي الصقلي المتوفى 501 هـ وكتاب «تقويم اللسان» لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى 597 هـ، انتهاءً بتيسيرات المحدثين أمثال الشيخ إبراهيم اليازجي، والشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ مصطفى الغلاييني، والشيخ عباس أبو السعود، والأب أنستانس الكرملي، والشيخ إبراهيم السامرائي، والشيخ أحمد مختار عمر، والشيخ شوقي ضيف رحمهم الله،

 

وغيرهم ممَّنْ يُرْهِق تتبعهم ويُتْعب، مِنَ الذين حاولوا إسعاف العربية الفصحى من هذا الوباء الفتاك الذي أدخل عليها الشطط، وترك عليها ندوبا قد رُمَّتْ على فساد، وسوء فهم مفضِيَيْن إلى اختلال المعاملات، كنتيجة حتمية لغموض واضطراب ما تقوله تلك الكلمات التي نُلْقيها جزافا من دون أن ندرك ضيْمَها وخَطَلَها على شاكلة هذه العبارة؛ التي توظف لفظة قرآنية في غير منزلتها ودلالتها التي ترتضيها:

«لقد حوكم الظالم أمام الملأ»

وهم يريدون أنه حوكم أمام الجمهور، أو أمام عامة الناس ورعاعهم.

وهذا مخالف للصواب المراد، لا ترتضيه ولا تقبله لغة القرآن الكريم، الذي يُعدُّ الحافظ الأمين لعروة العربية الوثقى، لا انفصام لها، ولا تصحيف، ولا تحريف، ما دام هو الضامن الذي يُقلِّد لغتنا الجميلة قلائد الفضل، التي تجعلها تجُرُّ أذيال الفخر على باقي اللغات وتخْرس شقاشِقها.

 

فعلى الرغم من إدراكنا أن دلالة الكلمة ليست ثابتة في كل الأماكن التي تستعمل فيها، ولا تختَصُّ بمعنى قارٍّ، لأن دلالتها تُحَدَّد بضميماتها وعلاقاتها مع جاراتها من الكلمات التي تُغَيِّر أرْديَّتها مثل الألفاظ الآتية التي استعملها القرآن الكريم بدلالات عديدة حسب سياق ورودها (قضى، وكلمة ، وروح، وقرن، وأمة...) فإن صيانة العربية وتنقيتَها من الشوائب، ومَعْيَرتَها حتى لا تنفلت الدلالة إلى حدود مارقة لم نسمع بمثلها في الأولين والآخرين، الذين يوزن لهم الرأي ويؤتَمُ بِهَدْيِهم، أنْهضَني إلى تخطئة هذه العبارة بالشواهد المُخْرسة التي لا تترك شعاعا من الحَمْلِ على أي مذهب تيْسيري على هذه الشاكلة:

 

لقد استعمل القرآن الكريم هذه اللفظة «الملأ – ملئه – ملئهم – ملأه» ثلاثين مرة تدل كلها على سادة القوم وخاصتهم من أهل المشورة، مثل قوله تعالى من سورة النمل آية 32:

{ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي...}

وقوله تعالى من سورة ص آية 69: { مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ}

 

وقال ابن منظور في اللسان: «والملأ: الرؤساء، سموا بذلك لأنهم مِلاءٌ بما يحتاج إليه. والملأ، مهموز مقصور: الجماعة،

وقيل: أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدَّموهم، الذين يرجع إلى قولهم... ويروى أن النبي " صلى الله عليه وسلم" ، سمع رجلا من الأنصار وقد رجعوا من غزوة بدر يقول: ما قتلنا إلا عجائز صُلْعًا، فقال عليه السلام:

«أولئك الملأ من قريش، لو حضرت فِعالهم لَاحْتقرتَ فِعلكَ؛ أي أشراف قريش...»(1)

 

الملأ إذن هم عِلْيَة القوم، والجمع أملاء.

 

تأسيسا على هذه الشواهد التي تقطع دابر أي معترض، فإن العبارة الآنفة يجب طردها من حظيرة الفصحى لأنها تُدْخِل سوء الفهم إلى لغة القرآن. لذا يجب أن نستبدل بها العبارة الآتية إذا كنا نقصد حضور عامة الناس وجمهورهم:

 

«لقد حوكم الظالم أمام الجمهور، أو أمام عامة الناس».

 

* جرادة العيار: العيار رجل مستعجل في أكل جرادة مشوية. ولما وضعها في فمه، أحرقته ثم طارت، فضرب به المثل.

 

1 - لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري. المجلد الأول. باب الهمزة فصل الميم. ص 159. الطبعة الثالثة، 1414هـ 1994، دار صادر بيروت.

 

منقول من مجلة الوعي الإسلامي

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

جزاكِ الله خيرا يا حبيبة ونفع بكِ

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بسم الله

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

 

جزاكِ الله خيرًا لعى النقل القيم سدرة الحبيبة

لا حرمكِ الله الأجر.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمته وبركاته

 

جزاك الله خيرًا ياغالية

 

وبارك الله فيك

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

بارك الله فيكِ سدورة.. الأمورة برضو

 

جعله الله فى ميزان حسناتك ياحبيبة

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،،

 

جزاكن الله خيرًا وبارك فيكن يا أخواتي~

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

  • محتوي مشابه

    • بواسطة سدرة المُنتهى 87
      القول المأثور في إحياء الصواب المهجور (5)


       

      يؤكد الراسخون الذابرون في العلم بأسرار العربية أن الخطأ إذا بَدَا فَشَا، وإذا شاع انتشر في جسد اللغة انتشار النار في الهشيم، لا يُبْقي لها من الصفاء والنصاعة إلا ما يبقيه الوشم في ظاهر اليد، وهي وضعية أخْلِقْ بِها إنِ استحكمت في أمة من الأمم أن تدفع بها إلى دَرَكاتِ الخمول والانطواء والتجاهل، حتى لا تجد من يتواصل معها بلغتها، لأنها تساهلت في هجر كلماتها وتمادت في إشاعة اللحن، الذي يدخل الضيم على ما تقوله تلك الألفاظ والعبارات، التي ليس للمنطق فيها ظِلٌّ ولا شخص، ولا للسلامة عِرْق نابض، لأنها هائمة في أودية من الفساد، لا يَفْتُر هديرها حتى تترك أرض اللغة بَلْقعًا، لا تنفع معها عمليات الحرث والبَذر التي تَظهر هنا وهناك.


       

      وإذا كانت العربية الفصحى في مَنْجاةٍ عن هذه الحالة التي انتهت إليها كثير من لغات الشعوب الضعيفة المغلوبة، لأن القرآن الكريم نزل بها حقًّا ليس لِأحَدٍ أن يدفعه أو ينال منه، فهو على الدوام حارسُها الأمين الذي ظل يرمي بالشُّواظ الماحق، وبالحُجَّة المُخْرسة كل محاولات الهدم والتبديل والتغيير.. فإن التساهل الملحوظ في مجتمعاتنا اللغوية العربية بالنسبة إلى الصحة اللغوية، بدأ يُلوِّث الأجواء بِرَطاناتٍ ينتشر بَوْغاؤهَا انتشار البرق، حتى اقترب أن يضع على الأعين غشاوة تجعلنا مع توالي الأجَدَّان لا نستبين حقيقة ما تقوله كلماتنا الفصيحة، التي كانت تجري رسْلاتٍ على ألسنة الأولين، الذين كانوا يربطون الرِّبْح في التجارة بالسلامة اللغوية،


       

      ولذلك رُوِي عن أبي عمرو بن العلاء أنَّه مَرَّ بِأعدالٍ مَطروحَةٍ، عليها مَكتوبٌ: (لِأبُو فُلانٍ) فقال: «يا رب يلحنون ويُرزقون!» وفي رواية أخرى: يلحنون ويربحون!


       

      وقال أبٌ يوصي أبناءه: «يا بَنِيَّ أصلحوا ألسنتكم، فإن الرجل تنوبُه النائبة، يحبُّ أن يتجمَّل فيستعير من أخيه دابَّتَه وثوبَه، ولا يجد مَنْ يُعيره لسانه».


       

      هذا هو حال الإنسان العربي أيام جدَّةِ الفصحى، فما بال أقوام من رجال السياسة والتجارة والسياحة والإعلام، يقمشون ألفاظا شعثًا غُبْرًا، ويَعْتَلثون كلامًا بَزَل فيه الفساد حتى بلغ مبلغه، الذي أسقط عنهم الهيبة، وأنزل من قدرهم، حتى بلغوا دركات لم يعد يُسمع لهم فيها رأي، ولا تُقبل لهم نصيحة؟!


       

      ولكي يصير أمر الفصحى إلى النَّزَعَةِ تأتي هذه الورقة اللغوية في حلقتها الخامسة، داعية إلى احترام الإرث الحضاري للأمة العربية، واعتباره بوابة ندلف منها لعشق لغتنا الجميلة، وكلماتها وما تدل عليها، لا نبتغي تبديلًا لقواعدها وقوانينها، اتباعًا لزُمْرة من المُنشئين الذين يتبجَّحون- في أثناء ترجيعاتهم- بالقول المُنكر الكَنود الآتي:



      «خطأ مشهور أحسن من صواب مهجور»،



      متناسين أن اللغة هي عنوان الأمة، وآصرةُ الأواصر، وأن كلَّ كلمة هي بِنْتُ المجتمع الذي أوجدها وأطعمها بماء الحياة، وطبعها بطابعة الخاص، لا تبتغي عن نسائمه وأظلاله وعبقريته بديلًا، ولا ينبغي لها أن تستنجد- لتكثير نسلها- بتوليدات مارقة، مهما تعددت البَراقِعُ التي تتستَّر بها في مجتمع العولمة، الذي أُوكِلَ إليه في السِّر القيام بالإطاحة بمعايير السلامة اللغوية، لصالح لغة خَداج هي شَوْبٌ من الإنجليزية والفرنسية والعربية والعاميات، رغبة في التهييء لِبِيئَة لغوية مماثلة للمظاهر الاجتماعية والعمرانية والفنية العربية المستلبة الهجينة، كما يتوضح ذلك بِجلاءٍ في كل قرية ومدينة تُسَلَّط عليها أضواء إحدى القنوات الفضائية.


       

      الفصحى العربية عند التحقيق لغة أوجدها العرب مفرداتٍ وعباراتٍ نافرةً وحشية غريبةً تارة، وتارة أخرى صافية سلسة سهلة، الألفاظ السَّلسةُ السهلة أبْقَى عليها المجتمع اللغوي وتناقلتها الأجيال، أما الألفاظ الوحشية الغريبة، فقد هذَّبها وأمَاتَ بعضها لانتفاء الحاجة إليها. أما القرآن الكريم فقد وظف الكلمات والعبارات العربيةَ خالدةً، ليس لِأحَدٍ من الأولين والآخرين أن يحدث فيها تغييرًا، أو يمسَّها بِسوء.


       

      ويعد الخط لسان اليد، كما أن قواعده هي الحافظ الأمين لما تقوله الكلمات. وقديما كتب سليمان بن وهب كتابا بالخط العربي إلى ملك الروم في عهد الخليفة المعتمد العباسي فقال ملك الروم:



      "ما رأيت للعرب شيئا أحسن من هذا الشكل، وما أحسدهم على شيء حسدي إياهم عليه".



      والطاغية لا يقرأ الخط العربي، وإنما راقه باعتداله وهندسته وحسن موقعه ومراتبه. ولذلك قيل:



      رداءة الخط إحدى الزمانتين، وحسنه إحدى البلاغتين.


       

      وقد كان الأوائل من الكتبة العرب في غنى عن وضع النقط للحروف، لأن الإشكال الذي يزول بالنقط، كان يزول عندهم بسرعة البديهة، بل إنهم كرهوا الشكل والنقط إلا في الأماكن الملتبسة من كتُب السادة إلى مَن دونهم، أما إن كانت الكتب إلى السادة، فإن الإعجام يترك إجلالًا وتنزيهًا لهم عن سوء الفهم.


       

      هذا هو حال الخط العربي أيام جدة الفصحى، وعندما انتشر التصحيف والتحريف، أمر الحجاج بن يوسف الثقفي كتَّابه أن ينقطوا الخط العربي، وأن يكملوا عمل أبي الأسود الدوؤلي الذي وضع علامات الشكل، فوضع كل من نصر بن عاصم وابن سيرين النقط للمصحف الشريف، إيمانا منهم أن ترك الألفاظ العربية هملًا، هو ترك لبنيان أمة كاملة يتهدم، ومن جملة الألفاظ القرآنية التي أتى الأوائل على ضبطها ضبطًا وافيًا يُنجيها من كل زيغ نقف على سبيل المثال لا الحصر على:



      * الغَداء / الغِذاء



      * البَث / البَت



      يقولون، ويوردون في أثناء عرض جدول أعمال الندوات الوطنية والدولية:



      ((الغَذاء على الساعة الثانية بعد الزوال))!



      هكذا بالذال المعجمة وبفتح الغين. وهي عبارة محرفة للغة القرآن من وجهين:



      - الأول أن «الغَداء» بفتح الغين وإهمال الدال من النقطة، وهو الطعام، أما «الغِذاء» بكسر الغين وإعجام الذال فهو ما يتغذى به.



      - أما الوجه الثاني للغلط، فإن «الغَداء» بفتح الغين وإهمال الدال من النقطة هو طعام الغدوة. ومعلوم أن الغدوة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.



      قال ابن منظور: «الغَداء الطعام الذي يؤكل أول النهار، فسُمي السحور غَداءً لأنه للصائم بمنزلته للمفطر، ومنه حديث ابن عباس: كنت أتغدى عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رمضان أي: أتسحر».



      وقال تعالى في (سورة الكهف: آية رقم 62): {فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غَداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نَصَبًا} أي آتنا طعام الغدوة ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس.


       

      إذًا ثبت الآن أن طعام نصف النهار، ليس هو طعام الغدوة، فإن تصحيح العبارة الآنفة، يوجب إحياء هذه اللفظة، ونفض غبار النسيان الذي حجبها عن الأنظار وهي لفظة:



      (الكَرزَمة) وهو طعام نصف النهار. جاء في مبادئ اللغة:



      «الكَرزَمة: طعام نصف النهار. ثم العشاء: لطعام العشاء».



      فما بالنا نحن العرب في غطاء عن صيانة رسم كلماتنا رسما يقيها من الضبط الأشنع الذي يسقمها ويحرفها عن المعنى المراد، ولا سيما أن الأوائل كانوا حُرُصًا على تنكب سبيل اللبس والتصحيف؟ وما بالنا لا نضبط الوقت بالثواني والدقائق كما تنبئ بذلك دقات قلوبنا، حتى صار عندنا طعام الغدوة هو ذاته طعام نصف النهار؟!


       

      ونظير هذا التصحيف الناتج عن إهمال النقط الكلمات الآتية:



      البث/ البت. من بث الخبر وأبثه أي: نشره ومن ذلك قوله تعالى من بداية سورة النساء: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء...}



      والبث: الحال والحزن ومنه قوله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام: {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون} (يوسف : 86).



      والبت: الجزم والقطع. نقول: بتَّ الحكم أصدره بلا تردد، وبت الصيام من الليل: العزم والقطع بالنية.



      ونظير ذلك في العربية الفصحى عديد الرمل مثل قولهم «الذَّفَرُ» شدة ريح الشيء الطيب مثل: روض أذفر.



      و«الدَّفَرُ» بالدال المهملة النَّتْن خاصة، ولذلك قيل للدنيا: «أم دفْر»، كما قيل للأَمَة: «دفار».


       

      منقول من مجلة الوعي الإسلامي


    • بواسطة سدرة المُنتهى 87
      القول المأثور .. في إحياء الصواب المهجور



      مصغية .. صاغية


       

      عبد الله آيت الأعشير



      مفتش منسق جهوي لمادة اللغة العربية - المغرب


       

      من الأقوال التي لا مطعن فيها أن العلاقة بين اللغة والفكر مثل شفْرتَي المِقصِّ، لا ندري أيهما أقطع، إذا صَفَتِ اللغة، وخلتْ من الأحراش، جاء الفكر بالأفكار الأبكار، والأثمار الناضجة، وإذا انحسر الفكر ظهر الضمور والجمود على اللغة، وضُيِّقت منافسُها، ثم كان أمرها في إدبار.


       

      إذا صح أن أمر اللغة بهذه المكانة، فإن طوق نجاتنا نحن – العرب– في هذه الدنيا يكمن في الحفاظ على العربية الفصحى، التي بدأنا وياللأسف ننْسلُّ منها، كما تنسل الأفعى من خِرْشائها. يشهد على ذلك لغتنا المنطوقة والمكتوبة التي نحشوها بأمشاج من الألفاظ والتعبيرات اللاَّحنة التي لم نسمع بمثلها في آبائنا الأولين، كأن العربية الصحيحة شَعرٌ فوق رؤوسنا ثم كُشِط، لتقْتعد اللهجات العامية، واللغات الأجنبية مكانها، بعد أن حازت نصرا مُبينا في شتى مناحي الحياة، فظهرت فئة من الأغْتام، لا ترفع أصواتها المنكرة، وأقلامها المقحوطة إلا لِغاية دنيئة، تزرع القنوط والإحباط، وتُهوِّن من صفاء العربية الفصحى، لأن أمر هذا الصفاء والنقاء في مجتمع المعلومات، أضحى عنقاء مُجَنَّحة، وضربا من الأوهام متناسين أن هذا الصفاء اللغوي المفقود، هو المسؤول عن كثير من العلل والأوضار التي تعانيها مجتمعاتنا العربية في أثناء الرغبة في ترميم وإصلاح ما تبقى من المعارف الخاوية، التي يُطوِّقون بها جِيدَ العربية الفصحى.


       

      ولقد علَّمنا آباؤنا الأولون أن اللغة لا تُعَلَّم إلا باللغة، وأن السمع أبو الملكات اللسانية، وأن الخطة البَزْلاءَ التي تبذر الإصلاح اللغوي الحقَّ، يجب أن تبدأ بافتضاح أمر تلك المعارف الخاوية، وإبادة التشرذم اللغوي، قبل أن يصدمنا الزمن، وأن نزيل عن أعيننا الغشاوة التي تمنعنا من تبصرة بعض آلاء العربية الفصحى، إذ متى غاب الوعي بالخطة المحكمة، ضاع السعي إلى إدراك البُغية، وإلى استقطار المعارف الشائقة الماتعة التي يتقوَّى بها عقل الأمة في بحر العولمة المسجور. وأحسب أن هذا الاحتراق اللغوي المنتشر في أرجاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، لا يطفئه إلا إصلاح اللغة الكفيل بصنع أفكار مبتكرة نافعة، فلا منجاة ولا عاصم لنا اليوم إلا بإصلاح ألسنتنا وما تقوله كلماتنا، باستنفار أولي العزم الذين أعرقوا في البحث عن كنوز الفصحى لاقتحام دياجي التشتت اللغوي برؤية استبصارية تُنْجينا من الغرق في بحر اللغات الأجنبية، التي جيَّشتْ جيوشا للاستيلاء على الحصون والقلاع، فإن لم تفز بِقدْح القَصْل، أوجدت طائفة من أبناء جِلْدتنا يخلطون رغبات التطوير بِبُنَيَّات طريق العولمة وطرائقها القدد، لتقطع ما أمر الله به أن يوصل، وتعيث في لغتنا الجميلة فسادا.


       

      تأسيسا على هذه الحقيقة تأتي هذه الورقة اللغوية كوسيلة من وسائل المناعة الفعالة، صامدة في وجه دُعاة التغريب، داعية إلى التمكين للعربية الفصحى صافية مثل صفاء أعين الدِّيَكة، لأجل المحافظة على الكيان الروحي والفكري والاجتماعي والثقافي والديني والذوقي؛ الذي يمثل أسَّ الهُوية العربية الإسلامية ومعدنها الأصيل، من دون الحجْر على منطقها الداخلي الذي يُوَلِّد بَنين وحفَدة لا يزيغون عن سنن القواعد، ولا يتبعون في توليداتهم شَنَع اللغات على شاكلة هذه العبارة التي لا ترعى حرمة لعربية القرآن:


       

      «يا ليت هذا القول يجد آذانا صاغية».


       

      هذه عبارة تتردد في أثناء الترويج لبرنامج ديني في إحدى القنوات الدينية المشهورة، وفي غيرها من القنوات الفضائية؛ ولقد تكررت حتى تَكَرَّجتْ وتقررت وسيطرت على الألسنة، وظن أغلب الذين تقرع أسماعهم، أن ما تقوله هذه العبارة هو أن المتكلم يتمنى أن يصادف قوله آذانا تستمع إليه وتُحْسن الإصغاء.


       

      وهذا عند الإمعان في النظر خلاف المراد، مرجعه أن المتكم لا يفرق بين لفظتي



      «صغى - وأصغى».



      جاء في الصحاح: «صغا يصغو ويُصغي صُغُوًّا، أي: مال.



      وكذلك صَغِيَ بالكسر يصْغَى صَغىً وصُغِيًّا. وصغَتِ النجوم، إذا مالت للغروب... وقولهم أكرموا فلانا في صاغيته، وهم القوم الذين يميلون إليه، ويأتونه ويطلبون ما عنده.



      وأصغيت إلى فلان، إذا ملتَ بسمعك نحوه...»(1) وأحسنت الاستماع إليه.


       

      القول الفصل إذن أن «صغى» تعني مال، فهو صاغ وهي صاغية. قال تعالى من سورة التحريم آية رقم 4 {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أي: مالت عن الحق فهي صاغية.



      أما «أصغى» فتعني أحسن الاستماع، فهو مُصْغٍ، وهي مصغية.


       

      قال ذو الرمة يصف ناقته بالفطانة وسرعة الحركة:



      تُصْغي إذا شَدَّها بالكور جانحةً *** حتى إذا ما استوى في غرْزِها تَثِبُ


       

      إذا اتضح أن الهمزة زيدت لإفادة سلب المعنى، كما في الأفعال الآتية:


       

      قسط = جار. قال تعالى من سورة الجن آية 15: {وَأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}،



      وأقسط = عدل. قال تعالى من سورة الحجرات آية 9 {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}.


       

      ترب = افتقر. قال تعالى من سورة البلد آية 16: {يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ}



      وأترب = استغنى، كأنه صار له من المال بقدر التراب.


       

      خفى = أخرج. وأخفى = ستر وأضمر.



      قال تعالى من سورة الممتحنة آية 1: {تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ}.


       

      جاء = أتى. قال تعالى: {وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} (يوسف: 58).



      وأجاء = ألجأ. قال تعالى: {فَأَجَاءَهَا المَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ...} (مريم: 23).


       

      فإن العبارة الفصيحة السليمة المعبرة عن حسن الإصغاء والإنصات هي:



      «يا ليت هذا القول يجد آذانا مُصْغِية»



      حيث إن صياغة اسم الفاعل من الرباعي بإبدال ياء مضارعه ميما مضمومة وكسر ما قبل آخره. أما عبارة «ياليت هذا القول يجد آذانا صاغية» فهي من السوأة الصلعاء التي تقلب المعنى إلى الضد، فكأن المتكلم يتمنى ألا يسمعه أحد، وأن يطويَ الناس كَشْحَهُم عمَّا يقول. وهذا محال، لا يدعو له إلا من جعل أنفه في قفاه.


       

      الهوامش:



      1- الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد عبدالغفور عطار. الجزء السادس، باب الألف، فصل الصاد، ص 2400 و 2401. ط4 – 1990.


       

      منقول من مجلة الوعي الإسلامي


    • بواسطة سدرة المُنتهى 87
      القول المأثور في إحياء الصواب المهجور


       

      الاستعمار


       

      عبد الله آيت الأعشير


       

      أفضل ما أوطئ به الحديث في هذه الحلقة اللغوية الثالثة، التأكيد أن الذي أنهضني لتحبير هذه السطور، تصحيح نظرتنا إلى اللغة العربية الفصحى، لأنها هي أمُّنا الرؤوم التي أرضعتنا بِلبانِها، وهي أثمن ما تبَقَّى لنا في بحر العولمة الجارف؛ من أجل ذلك لا بد من المحافظة عليها كما نحافظ على أعيننا، ومن الدفاع عنها وصيانتها كما نصون أشهى مرغوب لدينا؛ من أن يُزَوِّره العابثون الذين يعيثون في الأرض الفساد.


       

      ولقد أمدَّتْني التجربة أن الفساد في اللغة العربية الفصحى بدأ قليلا مثل جرثومة متناهية الصِّغَر، ثم شرعت نُطفتُه في التحول من حال إلى حال، حتى توسعت مناحي القصور في ثوبها القشيب، وكاد الخَرْقُ أنْ يتَّسع على الراقع، وما ذلك إلا من تداني الهِمَم، واحتقار الذات، وما تَدُل عليه الكلمات من مقومات الإنْسيَّة العربية. فنحن حين نستعمل كلمة، لا نوظفها إلا مع ما تزخر به من عبقرية موحية بكل الأحاسيس والمشاعر التي أنتجتْها البِيئَة العربية المترامية الأطراف. من أجل ذلك لا بُدَّ من تجنب السقوط في حبائل أنصاف الحلول التي تنظر إلى اللغة باعتبارها مجرد وسيلة للتعبير.


       

      فاللغات في عصر العولمة دخلت في تزاحم وتصارع واقتتال لا يَفْتُر؛ حتى تزْوي اللغة المغلوبة في حدود ضيِّقة. وهي حقيقة لسنا في حاجة إلى أن نقيم البرهان الساطع عليها، حيث بدأ كثير من أبناء العروبة يَزْوَرُّون عن الفصحى، مُوَلِّين أوجههم شطر اللغات الأجنبية، التي اقتعدتِ الصدارة في مجتمع المعرفة الذي فغر فاه لابْتلاع ما تبقَّى لديها من جاذبية تتمتع بها خطوطها التي استمدت أصالتها من القرآن الكريم، حتى قال المستشرق (ريتر):



      "إن الكتابة العربية أسهل كتابات الدنيا وأوضحها، فمنَ العبَث إجهاد النفس في ابتكار طريقة جديدة لتسهيل السهل وتوضيح الواضح".


       

      الأمر الذي دفع الفرس والصين والهند إلى الاحتفاظ في قصورهم بالخطوط العربية لما لها من جمال آسر خلاب. ذلك هو حال الخط العربي،



      فماذا نحن فاعلون أمام هذا السَّيْل الجُراف القُحاف من الرسائل الإلكترونية القصيرة التي حرَّفت قواعد الإملاء العربي، مختزلة الكلمات، مستبدلة الأرقام ببعض الأصوات غير المتيسرة في الإنجليزية والفرنسية مثل: (العين والغين والحاء والخاء والصاد...).


       
       

      ولقد استبان لي في أثناء التأمل والسياحة بين ما يُنْشر ويُنْطقُ من كلام عربي بَزَل فيه الفساد حتى كاد أن يترك العربية الفصحى على مِثْل مقْرفِ الصَّمْغة، أن المحافظة على قواعد الإملاء، وعلى الفصاحة لا يمكن أن تفرض على الأيدي والأفواه، فرضًا قسريًّا، وإنما سبيلها اللاحبَة الناهجة التي لا قُحَم فيها، هي هذه الورقة اللغوية في هذه المجلة الغرَّاء، وفي غيرها، عسى أن تألف الأيدي والألسنة معرفة الفصيح الصحيح، وأن تستعمله حتى تُرَسِّخَه العادة التي تُعدُّ طبْعًا ثانيا.


       

      وإذا كان هناك من يستصغر هذا المجهود، فإن الأعمال العظيمة لا تتولد إلا من الأعمال الصغيرة صادقة النِّية، كما النهر العظيم الهادر، لا يكون إلا من صغار الفوالج والجَعافِر والأسْريَّة.


       

      هذه هي السبيل التي تُبْقي على عربيتنا الفصحى سليمة معافاة، ناهيك عن الحصانة الربانية التي ظلت تتمتَّع بها من فوق سبع سموات، رغم الكسل اللغوي الذي انتاب مجتمعاتنا اللغوية من خلال التضحية والتفريط في بعض الألفاظ القرآنية، التي غُيِّرتْ دلالاتها الراقية باتجاه دلالة انحطاطية على هذه الشاكلة:



      ((لقد دمر الاستعمار الفرنسي والبريطاني العالم العربي))



      حين نبحث عن تاريخ لفظة (الاستعمار) نتبيَّن أنها لفظة قرآنية وظفها القرآن والفصحاء راقية الدلالة تفيد البناء والتعمير والتشييد؛ قال تعالى من سورة هود آية رقم 60: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} أي وجعلكم عُمَّارها.


       

      وفي سبب تأليف أبي منصور الثعالبي لكتابه (فقه اللغة وأسرار العربية) أورد في مقدمة الكتاب ما يأتي: "فاستأذنتُه في الخروج إلى ضيعة لي متناهية الاختلال بعيدة المزار؛ فأجمعُ فيها بين الخلوة بالتأليف وبين الاستعمار، فأذِنَ لي... وأمر، أعلى الله أمْرَهُ، بتزويدي من ثمار خزائن كتُبِه...".


       

      وفي مقدمة ابن خلدون نصادف لفظة الاستعمار بنفس الدلالة حيث يقول: "الحمد لله الذي له العزة والجبروت، وبيده الملك والملكوت، وله الأسماء الحسنى والنعوت، العالم فلا يعزب عنه ما تظهره النجوى أو يخفيه السكوت. القادر فلا يعجزه شيء في السموات والأرض ولا يفوت، أنشأنا من الأرض نَسَمًا واستعمرنا فيها أجيالا وأُمما"، و"أعمره المكان واستعمره فيه، جعله يعمره. وفي التنزيل {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا}. أي أذِنَ لكم في عمارتها واستخراج قوتكم منها وجعلكم عمارها. وفي الأساس واستعمر الله عباده في الأرض، طلب منهم العمارة فيها".


       

      هذا ما تقول به أمَّاتُ المصادر، أما ما يتفوَّه به المعاصرون، ومَنْ لفَّ لفَّهم من الألفاف الذين لا يُوزَن لهم رأي، فإن لفظة ((الاستعمار))



      انتقلت دلالتها من الرقي إلى الانحطاط،



      وبذلك يصح لديهم نعت (الاستدمار) أو (الاستضمار) و(الاحتلال) بهذه اللفظة القرآنية، التي لا ينبغي لنا ولا لغيرنا أن نُحْدث فيها تغييرا إلا إذا كنا مستعدِّين أن نتنازل عن مقومات وجودنا وعبقريتنا.


       

      وتأسيسا على هذه النصوص التي تقطع دابر أي متردد مُرتاب، فإن العبارة الآنفة يجب أن نطردها من حظيرة الفصحى، وأن نستبدل بها العبارات الآتية التي تعكس نهب الخيرات وتدمير العمران:


       

      - لقد دمَّر الاحتلال الفرنسي والبريطاني العالم العربي.



      أو:



      - لقد دمر الاستضمار الفرنسي والبريطاني العالم العربي.



      أو:



      - لقد دمر الاستدمار الفرنسي والبريطاني العالم العربي.


       

      منقول من مجلة الوعي الإسلامي


    • بواسطة سدرة المُنتهى 87
      القول المأثور في إحياء الصواب المهجور


       

      (1) بدَّل.. تبدَّل.. استبدل


       

      عبد الله آيت الأعشير



      مفتش منسق جهود لمادة اللغة العربية - المغرب


       

      يشهد العارفون اليوم أن العربية الفصحى لم تعد تعبيراتها تستمد من أصولها، ومن منابعها الثرة؛ لأنها لم تعد في أيدي أبناء الكلام العربي، الذين وضعوا أضواء ومنارات في السبيل اللاحبة، التي تهدي إلى كل مرشدة، بل أصبح أمرها مدبرًا من لدن سلطات وسائل الإعلام المختلفة، التي تمادت في الإطلالة علينا- صباحا ومساء- بعبارات خداج تشفع السم بالعسل، من خلال أمشاج الألفاظ والتعبيرات الطارئة التي تقذف بها من مصانعها اللغوية البراقة، والتي لم نسمع بمثلها في آبائنا الأولين..


       

      لذلك لا ينبغي للباحث المدقق أن يصم أذنه عن هذا السيل الجراف القحاف، الذي إن لم يدمر كل شيء يصادفه، فسيذهب مع توالي الملوان (1) بالحصون والقلاع. تأسيسا على هذا اليقين، يتطلب النظر إلى قضية اللغة العربية الفصحى مراعاة التوازن بين أمرين مهمين هما: النظام والحرية. أما النظام فهو الذي يضمن للفصحى بقاءها صفية الكوثر، نقية الجوهر، خالية من الشوائب والأحراش التي تفعل فيها ما يفعل السوس في الخشب، باعتماد سياسة لغوية حريصة على التمسك بالقواعد والأصول التي تضمن لها سلطانها على الأفواه، لا ترضى عنها بديلا.. إلا إذا كنا مستعدين للتنازل عن أصالتنا وهُويتنا وعبقريتنا العربية. وأما الحرية فيسند أمرها إلى المجامع اللغوية، والشعراء المُفْلقين، والخطباء المصاعقة، والعلماء الدابرين، والمِفَنِّين البلغاء الذين استصحفت آراؤهم، ووُطِّئ لهم سبيل القول في إثراء الفصحى، وفي توسيع آفاقها بالإبداع والارتجال والقياس والتوليد والاشتقاق، والتعريب الذي يُري المفردة المستحدثة نَضِرة لاعِوَج فيها ولا أمتَ، من حيث السهولةُ والفصاحة واقْتعادُ المكانة المرتضاة، التي تزداد بها الفصحى غناء وكمالا يبعثان فيها الحياة، ويجددان أثوابها، في إطار من التمسك بالقواعد والقوانين التي تضمن لها البقاء.


       

      وبما أن لغة القرآن الكريم تعد بلا امتراء حجة العربية الفصحى، وحارسها الأمين، ومَثَلها الأعلى، ودرْسها المقدم، الذي يجب أن يُوجَّه إليه شداتها لينهلوا من معينها الصافي، ويرتعوا في رياضها الزاهرة، فإنني غبَرْتُ وقتا أتأمل ببصر حديد جملة من التعبيرات الشائنة التي تقذف بها القنوات الفضائية العربية، فجعلت من وكْدي وسَدَمِي تصحيح هذه العبارات، إيمانا منِّي أن مَن صحَّح لفظة أو عبارة مستعملة في غير ما نطق به القرآن والشعر العربي البليغ، فكأنما صحَّح الحياة، لأن تصحيح ما تقوله الكلمات يعد تصحيحا للفكر والمعاملات بين الناس؛ لإبادة سوء الفهم.


       

      وحَريٌّ بتصحيح استعمالات اللغة أن يكون أمل الأمة كلها، لا رجاء طائفة من الغيورين الذين تسمع لهم صيحات هنا وهناك.. ألم يُجب (كونفشيوس) عندما ساءت الأحوال في الصين بضرورة تصحيح اللغة، لأنه عندما تفسد اللغة تفسد المعاملات، ومن ثمة يفسد الفكر، وتُقْلب الحقائق، وتضطرب المعاملات لاضطراب ما تقوله الكلمات على هذه الشاكلة.


       

      >>بدَّل.. تبدَّل.. استبدل

       

      الحاذق بقواعد العربية يدرك أن أغلب الذين يستعملون هذه اللفظة القرآنية فيما يقولون وما يطرسون، قد مرقوا من طاعة نظام استخدامها، حيث إنهم يوظفونها في غير ما نطق به القرآن الكريم، وما ذلك إلا من استحكام اللهجة العامية، وغلبة طبعها عليهم، حيث نقول بالعامية: "بدَّلْتُ القلم بالكتاب" إذا تركت القلم، وأخذت الكتاب.


       

      هذا هو الاستعمال الذي درج عليه أغلب الذين يستعملون هذه اللفظة القرآنية، مثل قول أحد الصحافيين المشهورين في برنامج مشهور: لماذا لا يستبدل العرب الدولار باليورو؟ وهو يقصد أن يترك العرب التعامل بعملة (الدولار)، ليتعاملوا بعملة (اليورو)، وهو لعمري لحن فاحش، يُدخِل الفساد في اللغة، ولا يرعى حرمة للعربية الفصحى، ناهيك أن مثل هذا الاستعمال يدفع المتلقي إلى فهم الآيات القرآنية بغير ما أراد ربُّ العزة، الذي استعمل هذه الألفاظ الثلاثة (بدل- تبدل- استبدل) جاعلا الشيء المتروك على الدوام هو الذي تلحقه الباء، كما يتضح من الآيات القرآنية الآتية:



      (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) [البقرة: 61]،



      (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (البقرة: 108)،



      وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) [النساء: 2]،



      وقوله تعالى من سورة سبأ آية 16: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).


       

      في الآية الأولى من سورة البقرة يُوبِّخُ موسى عليه السلام أتباعه الذين طلبوا منه الفُومَ والعدس والبصل، بعد أن مَنَّ الله عليهم بطعام المَنِّ والسَّلوى، قائلا: أتتركون الذي هو خير؛ وهو المن والسلوى= العسل والطير المشوي، وترغبون في الذي هو أدنى الموجود بمصر= الفوم والعدس والبصل؟


       

      أما الآية الأخرى من سورة البقرة فيوضح الله عز وجل أن من يترك الإيمان إلى الكفر فقد ضل الطريق الجدد الذي يأمن سالكها العثار. أما آية النساء فإن الله جل شأنه ينهى عباده المؤمنين أن يتركوا طيبات الأموال، ويأخذوا ما خبث من المال.. وقل الشيء ذاته بالنسبة إلى الآية الواردة في سورة سبأ، الذين لمَّا عتوا عن أمر ربهم بدلهم بجنتيهم الخضراويْن ذواتي الثمار المشتهاة، جنَّتيْن أخْريَيْن لا تُنْبِتان سوى ما تمُجُّه الأذواق.


       

      بناء على ما سبق، يجب التذكير بالقاعدة الآتية:



      ((المتروك المرغوب عنه هو الذي تلحق به (الباء) أو (من) على الدوام، والمفعول به هو المرغوب بالنسبة إلى استعمالات هذه الألفاظ الثلاثة الآنفة))،



      وبذلك نطق الشعر العربي. قال الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري يرثي الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه:


       

      ونَسُوا وَصاةَ محمد في صهره *** وتبدَّلوا بالعِزِّ دار بَوار


       

      وقال ابن الرومي:



      وبُدِّلْتُ من ذاك البياض وحُسْنه *** بياضا ذميما لا يزال يسود


       

      وقال المعري:



      شكوت من الأيام تبديل غادر *** بواف ونقلا من سرور إلى هم


       

      هذه أدلة لا تترك رسيسًا من الشك في أن المتروك هو الذي تلحقه الباء أو من، نبذت منها نُبَذًا تكون أضواء تهدي إلى صفاء العربية.


       

      1- الملوان: الليل والنهار، وتعرب الكلمة إعراب المقصور.


       

      منقول من مجلة الوعي الإسلامي


منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×