اذهبي الى المحتوى
عروس القرءان

|| صفحة مدارسة التفسير|| ..~ ليدبروا آياته ~..

المشاركات التي تم ترشيحها

akhawat_islamway_1426467939____.png

قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)}

 

* من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

تفسير الآيتين 47 و 48 :

 

ـ ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته, وعظا لهم, وتحذيرا وحثا. وخوفهم بيوم القيامة الذي { لَا تَجْزِي } فيه، أي: لا تغني { نَفْسٌ } ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين { عَنْ نَفْسٍ } ولو كانت من العشيرة الأقربين { شَيْئًا } لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه.

 

{ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا } أي: النفس, شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له, ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة،

{ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي: فداء { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب } ولا يقبل منهم ذلك

{ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه،

فقوله: { لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } هذا في تحصيل المنافع، { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } هذا في دفع المضار, فهذا النفي للأمر المستقل به النافع.

{ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض, كالعدل, أو بغيره, كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين, لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع, وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع, ويدفع المضار, فيعبده وحده لا شريك له ويستعينه على عبادته.

 

 

* من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

ومن مظاهر ، تفضيل الله لبني إسرائيل على عالمي زمانهم ، جمعه لهم من المحامد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ، ما لم يجمع لغيرهم .

فقد حياهم بكثير من النعم ، وبعث فيهم عدداً كبيراً من الأنبياء ، ونجاهم من عدوهم ، ولم يعجل العقوبة عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم ، واقترافهم شتى ألوان المنركات عن تعمد وإصرار ، ولم ينزل بهم قارعة تستأصلهم بذنوبهم كما استأصل غيرهم كقوم عاد وثمود .

 

والعبرة التي نستخلصها

أن الله - تعالى - فضل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية . ومنحهم الكثير من النعم ، ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر . بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر . فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم ، ووصفهم في كتابه بأقبح الصفات وأسوأ الطباع . كقسوة القلب ، ونقض العهد ، والتهالك على شهوات الدنيا ، والتعدي على الغير . والتحايل على استحلال محارم الله ، ونبذهم للحق واتباعهم الباطل . . . إلى غير ذلك من الصفات اليت توارد ذكرها في القرآن الكريم .

وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفراً؛ لأن الميزان عند الله للتقوى والعمل للصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب .

 

قال الإِمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل : إن تفضيلهم على العالمين يقتضي تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا باطل . فكيف الجواب؟

قلنا : الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن من جملة العالمين حال عدمه ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما كانت موجودة في ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت . أنهم أفضل من الأمة المحمدية . وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله - تعالى - : ( وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ) وبهذا يتعين بطلان دعوى اليهود أنهم شعب الله المختار . استناداً إلى هذه الآية الكريمة وأمثالها ، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص ، ولايشهد لها العقل السليم

 

يتبع بإذن الله ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (48)}

 

 

* من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

لما ذكرهم [ الله ] تعالى بنعمه أولا عطف على ذلك التحذير من حلول نقمه بهم يوم القيامة فقال : ( واتقوا يوما ) يعني يوم القيامة

 

( لا تجزي نفس عن نفس شيئا ) أي : لا يغني أحد عن أحد كما قال : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [ الأنعام : 164 ] ، وقال : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) [ عبس : 37 ] ، وقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ) [ لقمان : 33 ] ، فهذه أبلغ المقامات : أن كلا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا ، وقوله تعالى : ( ولا يقبل منها شفاعة ) يعني عن الكافرين ، كما قال : ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) [ المدثر : 48 ] ، وكما قال عن أهل النار : ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) [ الشعراء : 110 ، 111 ] ،

 

وقوله : ( ولا يؤخذ منها عدل ) أي : لا يقبل منها فداء ، كما قال تعالى : ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ) [ آل عمران : 91 ] وقال : ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم ) [ المائدة : 36 ] وقال تعالى : ( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) [ الأنعام : 70 ] ، وقال : ( فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا ) الآية [ الحديد : 15 ] ،

 

فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه ، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه ، ولا يقبل منهم فداء ، ولو بملء الأرض ذهبا ، كما قال تعالى : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) [ البقرة : 254 ] ، وقال ( لا بيع فيه ولا خلال ) [ إبراهيم : 31 ] .

[ وقال سنيد : حدثني حجاج ، حدثني ابن جريج ، قال : قال مجاهد : قال ابن عباس : ( ولا يؤخذ منها عدل ) قال : بدل ، والبدل : الفدية ، وقال السدي : أما عدل فيعدلها من العذاب يقول : لو جاءت بملء الأرض ذهبا تفتدي به ما تقبل منها ، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، ] . وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( ولا يؤخذ منها عدل ) يعني : فداء .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي مالك ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحو ذلك .

 

وقوله تعالى : ( ولا هم ينصرون ) أي : ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله ، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه ولا يقبل منهم فداء .

 

هذا كله من جانب التلطف ، ولا لهم ناصر من أنفسهم ، ولا من غيرهم ، كما قال : ( فما له من قوة ولا ناصر ) [ الطارق : 10 ] أي : إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ، ولا ينقذ أحدا من عذابه منقذ ، ولا يجيره منه أحد ، كما قال تعالى : ( وهو يجير ولا يجار عليه ) [ المؤمنون : 88 ] . وقال ( فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد ) [ الفجر : 25 ، 26 ] ، وقال ( ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ) [ الصافات : 25 ، 26 ] ، وقال ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم ) الآية [ الأحقاف : 28 ] .

وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله : ( ما لكم لا تناصرون ) ما لكم اليوم لا تمانعون منا ؟ هيهات ليس ذلك لكم اليوم .

قال ابن جرير : وتأويل قوله : ( ولا هم ينصرون ) يعني : إنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما لا يشفع لهم شافع ، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية ، بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشا والشفاعات ، وارتفع من القوم التعاون والتناصر ، وصار الحكم إلى عدل الجبار الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء ، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها وذلك نظير قوله تعالى : ( وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون )[ الصافات : 24 ، 26 ]

 

 

 

يتبع بإذن الله مع أختي الحبيبة زُلفى ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 

جزاكما الله أختايا خيرا وبارك فيكما

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

أسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنة، ويعملون به

 

اللهم آمين.

 

جزاكِ الله خيرًا أختي الحبيبة عروس القرآن.

تمت دراسة تفسير الآيات.

 

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 

جزاكما الله أختايا خيرا وبارك فيكما

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

اللهم آمين، ولكِ بالمثل أختي الحبيبة طيبة.

تم تعديل بواسطة زُلفى

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426463229___.png

 

 

نُتابع تفسير آيات سورة البقرة.

 

 

من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

قال الله تعالى: { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ } (49)

 

هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك { يَسُومُونَكُمْ } أي: يولونهم ويستعملونهم، { سُوءَ الْعَذَابِ } أي: أشده بأن كانوا { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } خشية نموكم، { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم.

{ وَفِي ذَلِكم } أي: الإنجاء { بَلَاءٌ } أي: إحسان { مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره.

 

 

من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

قول تعالى: { واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون }

أي: خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ، عليه السلام ،

وقد كانوا يسومونكم ، أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب.

 

 

وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته ،

رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر ، إلا بيوت بني إسرائيل ،

 

مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل ،

 

ويقال: بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم ، يكون لهم به دولة ورفعة ، وهكذا جاء في حديث الفتون ، كما سيأتي في موضعه [ في سورة طه ] إن شاء الله ،

 

 

فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل [ ذي ] ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل ، وأن تترك البنات ، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.

 

وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء ، وفي سورة إبراهيم عطف عليه ، كما قال: ( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) [ إبراهيم : 6 ] وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة والمعونة والتأييد .

 

ومعنى ( يسومونكم ) أي: يولونكم ، قاله أبو عبيدة.

وقيل: معناه: يديمون عذابكم ، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي ، نقله القرطبي.

 

وفرعون عَلَمٌ على كل مَنْ مَلَكَ مصر ، كافرا من العماليق وغيرهم ،

كما أنقيصر عَلَمٌ على كل مَنْ مَلَكَ الروم مع الشام كافرا ،

وكسرى لكل مَنْ مَلَكَ الفرس ، وتَبَعٌ لِمَنْ مَلَكَ اليمن كافرا

[ والنجاشي لِمَنْ مَلَكَ الحبشة ، وبطليموس لِمَنْ مَلَكَ الهند ]

 

ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ، عليه السلام ، الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل: مصعب بن الريان ،

أيا ما كان فعليه لعنة الله ،

[ وكان من سلالة عمليق بن داود بن إرم بن سام بن نوح ، وكنيته أبو مرة ، وأصله فارسي من استخر ] .

 

وقوله تعالى: ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم )

قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم.

أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك.

 

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [ في ] قوله: ( بلاء من ربكم عظيم ) قال: نعمة.

 

وقال مجاهد: ( بلاء من ربكم عظيم ) قال: نعمة من ربكم عظيمة.

وكذا قال أبو العالية ، وأبو مالك ، والسدي ، وغيرهم.

 

 

وأصل البلاء: الاختبار ، وقد يكون بالخير والشر ، كما قال تعالى: ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقال: ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) [ الأعراف : 168 ] .

 

قال ابن جرير:

وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بلاء ،

وفي الخير: أبليه إبلاء وبلاء ،

 

 

قال زهير بن أبي سلمى:

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

قال: فجمع بين اللغتين ؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.

 

 

من تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله- :

قوله تعالى: { وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }

فيه ثلاث عشرة مسألة:

 

الثالثة عشرة: وفي ذلكم إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر

أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء

أي امتحان واختبار و بلاء نعمة

ومنه قوله تعالى: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا }

 

 

قال أبو الهيثم

البلاء يكون حسنا، ويكون سيئا، وأصله المحنة.

 

والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل؛ ليمتحن شكره.

ويبلوه بالبلوى التي يكرهها؛ ليمتحن صبره.

فقيل للحسن بلاء، وللسيئ بلاء.

حكاه الهروي

وقال قوم الإشارة ب " ذلكم " إلى التنجية فيكون البلاء على هذا في الخير أي: تنجيتكم نعمة من الله عليكم.

 

وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه ، والبلاء هنا في الشر ،

والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان

 

وقال ابن كيسان ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه

وأنشد:

جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

فجمع بين اللغتين

 

 

والأكثر في الخير أبليته

وفي الشر بلوته

وفي الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس.

 

 

 

يُتبع بإذن الله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

 

 

 

قال الله تعالى: { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } (50)

 

 

من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

تفسير الآيات من 50 الى 55 :ـ

ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي: ذهابه.

{ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } عالمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما.

 

ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله.

 

 

من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

وقوله تعالى: ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون ، وخرجتم مع موسى ، عليه السلام ، خرج فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر ،

كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا كما سيأتي في مواضعه ومن أبسطها في سورة الشعراء إن شاء الله.

( فأنجيناكم ) أي: خلصناكم منهم ، وحجزنا بينكم وبينهم ، وأغرقناهم وأنتم تنظرون ؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم.

 

 

من تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله- :

قوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم }

إذ في موضع نصب.

و فرقنا فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم.

وأصل الفرق الفصل

- ومنه فرق الشعر ،

- ومنه الفرقان ؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل.

- ومنه فالفارقات فرقا يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل.

- ومنه يوم الفرقان يعني يوم بدر كان فيه فرق بين الحق والباطل.

- ومنه وقرآنا فرقناه أي فصلناه وأحكمناه.

وقرأ الزهري " فرقنا " بتشديد الراء أي جعلناه فرقا.

 

ومعنى بكم أي لكم ،

فالباء بمعنى اللام ، وقيل الباء في مكانها

أي فرقنا البحر بدخولكم إياه أي صاروا بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه فانفلق.

 

 

 

يُتبع بإذن الله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

 

 

قال الله تعالى: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ } (51)

 

 

من تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله- :

قوله تعالى: { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون }

 

فيه ست مسائل:

منها:

 

الأولى:

قوله تعالى: { وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة }

قرأ أبو عمرو " وعدنا " بغير ألف ، واختاره أبو عبيد ورجحه وأنكر واعدنا

قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد.

 

قال النحاس: وقراءة " واعدنا " بالألف أجود وأحسن ،

وهي قراءة مجاهد والأعرج وابن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي ،

وليس قوله عز وجل: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات } من هذا في شيء؛

لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة ،

وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء ،

وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة ، وموعدك موضع كذا.

 

والفصيح في هذا أن يقال: واعدته.

قال أبو إسحاق الزجاج: واعدنا ها هنا بالألف جيد ؛

لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة ،

فمن الله جل وعز وعد ،

ومن موسى قبول واتباع يجري مجرى المواعدة.

 

قال ابن عطية. ورجح أبو عبيدة " وعدنا " وليس بصحيح؛ لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة.

 

الرابعة:

إن قيل لم خص الليالي بالذكر دون الأيام؟

قيل له ؛ لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة ؛ ولذلك وقع بها التاريخ فالليالي أول الشهور والأيام تبع لها.

 

السادسة:

قوله تعالى: { ثم اتخذتم العجل من بعده } أي اتخذتموه إلها من بعد موسى.

 

 

 

 

يُتبع بإذن الله مع أختي الحبيبة عروس القرآن.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

 

((إضافة))

 

 

 

 

من تفسير الوسيط للإمام الطنطاوي -رحمه الله- :

 

 

 

المواعدة: مفاعلة من الجانبين،

 

 

 

وهي هنا على غير بابها،

 

 

 

لأن المراد بها هنا أمر الله- تعالى- لموسى أن ينقطع لمناجاته أربعين ليلة تمهيدا لإعطائه التوراة،

 

 

 

ويؤيد ذلك قراءة أبى عمرو وأبى جعفر (وعدنا) .

 

 

 

 

وقيل: المفاعلة على بابها، على معنى أن الله- تعالى- وعد نبيه موسى- عليه السلام- أن يعطيه التوراة وأمره بالحضور للمناجاة، فوعد موسى ربه بالطاعة والامتثال فكان الوعد حاصلا من الطرفين.

 

 

 

 

 

وملخص هذه القصة

 

 

 

أن قوم موسى بعد أن نجاهم الله، وأغرق عدوهم أمام أعينهم،

 

 

 

طلبوا من نبيهم موسى أن يأتيهم بكتاب من عند الله ليعملوا بأحكامه،

 

 

 

فوعده- سبحانه- أن يعطيه التوراة بعد أربعين ليلة ينقطع فيها لمناجاته،

 

 

 

وبعد انقضاء تلك الفترة وذهاب موسى لتلقي التوراة من ربه اتخذ بنو إسرائيل عجلا جسدا له خوار فعبدوه من دون الله،

 

 

 

وأعلم الله موسى بما كان من قومه بعد فراقه،

 

 

 

فرجع إليهم غاضبا حزينا،

 

 

 

وأعلمهم بأن توبتهم لن تكون مقبولة إلا بقتل أنفسهم،

 

 

 

فلما فعلوا ذلك عفا الله تعالى عنهم لكي يشكروه، ويلتزموا الصراط المستقيم.

 

 

 

 

 

وجملة وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ حالية مقيدة لاتخذتم،

 

 

 

ليكون اتخاذهم العجل معبودا، مقرونا بالتعدي والظلم من بدئه إلى نهايته، وللإشعار بانقطاع عذرهم فيما فعلوا.

 

 

  • معجبة 1

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

جزاكِ الله خيرًا أختي الحبيبة زُلفى

وبوركتِ على الإضافة الطيبة

تمت دراسة تفسير الآيات

 

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

 

جزاكما الله أختايا خيرا وبارك فيكما

 

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

وجزاكِ الله خيرًا مثلُه أختي الحبيبة

وبارك فيكِ الرحمن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426463229___.png

 

نتابع تفسير الآيات منــ{ سورة البقرة}

 

قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}

 

* من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

يقول تعالى : واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم ، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه ، عند انقضاء أمد المواعدة ، وكانت أربعين يوما

وهي المذكورة في الأعراف ، في قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) [ الأعراف : 142 ] قيل : إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة ، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون وإنجائهم من البحر .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

* من تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله- :

قوله تعالى : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}

فيه أربع مسائل :

 

الأولى : قوله تعالى : "ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم"،

العفو : عفو الله جل وعز عن خلقه ، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة ، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه فالعفو محو الذنب أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم مأخوذ من قولك عفت الريح الأثر أي أذهبته وعفا الشيء كثر فهو من الأضداد ومنه قوله تعالى حتى عفوا .

 

الثانية : قوله تعالى : "مِّن بَعْدِ ذَلِكَ"

أي من بعد عبادتكم العجل وسمي العجل عجلا لاستعجالهم عبادته والله أعلم

والعجل ولد البقرة والعجول مثله والجمع العجاجيل والأنثى عجلة عن أبي الجراح .

 

الثالثة : قوله تعالى : " لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ"

كي تشكروا عفو الله عنكم ،وأما الشكر فهو في اللغة الظهور من قوله دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف ، وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يشكر الله من لا يشكر الناس

قال الخطابي هذا الكلام يتأول على معنيين :

أحدهما أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له

والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذا كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ، ويكفر معروفهم لاتصال أحد الأمرين بالآخر .

 

الرابعة : في عبارات العلماء في معنى الشكر

فقال سهل بن عبد الله الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية ،

وقالت فرقة أخرى : الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم ولذلك قال تعالى اعملوا آل داود شكرا فقال داود : كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك قال الآن قد عرفتني وشكرتني إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة قال يا رب فأرني أخفى نعمك علي قال يا داود تنفس فتنفس داود فقال الله تعالى من يحصي هذه النعمة الليل والنهار

وقال موسى عليه السلام كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله فأوحى الله إليه يا موسى الآن شكرتني ،

وقال الجنيد حقيقة الشكر العجز عن الشكر

وقال الشبلي الشكر التواضع والمحافظة على الحسنات ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات ومراقبة جبار الأرض والسماوات

 

يتبع بإذن الله ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

قوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53)}

 

* من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

وقوله : ( وإذ آتينا موسى الكتاب ) يعني : التوراة ( والفرقان ) وهو ما يفرق بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ( لعلكم تهتدون ) وكان ذلك - أيضا - بعد خروجهم من البحر ، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف .

ولقوله تعالى : ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) [ القصص : 43 ] .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

* من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

معنى الآية الكريمة : اذكروا بابني إسرائيل نعمة إعطاء نبيكم موسى - عليه السلام - التوراة ، وفيها الشرائع والأحكام ، لكي تهتدوا بها إلى طريق الفلاح والرشاد في الدنيا ، وإلى الفوز بالسعادة في الآخرة .

فالمراد بالكتاب التوراة التي أوتيها موسى - عليه السلام - فأل للعهد .

والفرقان - بضم الفاء - مأخوذ من الفرق وهو الفصل ، استعير لتمييز الحق من الباطل

وقد يطلق لفظ الفرقان على الكتاب السماوي المنزل من عند الله كما في قوله تعالى : ( تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ ) كما يطلق على المعجزة كما في قوله تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان ) أي المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً .

والمراد بالفرقان هنا التوراة نفسها ويكون المراد بالعطف التفسير .

قال ابن جرير ما ملخصه : ( وأولى الأقوال بتأويل الآية ما روى عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد ، من أن الفرقان الذي ذكر الله تعالى أنه آتاه موسى في هذا الموضع ، هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل وهو نعت للتوراة وصفة لها ، فيكون تأويل الآية حينئذ، وإذ آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح ، وفرقنا بها بين الحق والباطل .

فيكون الكتاب نعتاً للتوراة ، أقيم مقامها استغناء به عن ذكر التوراة ثم عطف عليه بالفرقان ، إذ كان من نعتها ) .

وقوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) بيان لثمرة المنة والنعمة بإيتاء التوراة؛ لأن إتيان موسى الكتاب والفرقان ، المقصود منه هدايتهم ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .

ولكن ماذا كان موقف بني إسرائيل من التوراة التي أنزلها الله لهدايتهم وسعادتهم؟ كان موقفهم منها - كما هي عادتهم - موقف الجاحد لنعم الله فقد امتدت أيديهم الأثيمة إليها فحرفوها كما شاءت لهم أهواؤهم وشهواتهم ولقد وبخهم القرآن الكريم على ذلك ، وشبههم في تركهم العمل بها وعدم انتفاعهم بما فيها ، بالحمار الذي يحمل كتب العلم ولكنه لا يدري ما فيها .

فقال تعالى في سورة الجمعة : ( مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين ) حملوا التوراة : أي علموها وكلفوا العمل بها ، ثم لم يحملوها : أي : لم يعملوا بها ولم ينتفعوا بما اشتملت عليه . والأسفار : جمع سفر وهو الكتاب الكبير ، لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ .

ومن هذا نرى أن اليهود قد أنعم الله عليهم بالتوراة ، وجعلها نوراً وهدى لهم ، ولكنهم تركوها ، ولم يعملوا بما فيها ، واستحبوا العمى على الهدى ،( فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ )

 

 

يتبع بإذن الله ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)}

 

* من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل ، قال الحسن البصري -رحمه الله- في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حين قال الله تعالى : ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا ) الآية [ الأعراف : 149 ] .

قال : فذلك حين يقول موسى : ( يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ )

وقال أبو العالية ، وسعيد بن جبير ، والربيع بن أنس : ( فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ) أي إلى خالقكم .

قلت : وفي قوله هاهنا : ( إِلَى بَارِئِكُمْ ) تنبيه على عظم جرمهم ، أي : فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره .

وروى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم ، من حديث يزيد بن هارون ، عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من ولد ووالد فيقتله بالسيف ، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن .

فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم ، فاعترفوا بها ، وفعلوا ما أمروا به فغفر الله تعالى للقاتل والمقتول . وهذا قطعة من حديث الفتون ، وسيأتي في تفسير سورة طه بكماله ، إن شاء الله .

وقال الحسن البصري : أصابتهم ظلمة حندس ، فقتل بعضهم بعضا [ نقمة ] ثم انكشف عنهم ، فجعل توبتهم في ذلك .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما رجع موسى إلى قومه ، وكان سبعون رجلا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه . فقال لهم موسى : انطلقوا إلى موعد ربكم . فقالوا : يا موسى ، ما من توبة ؟ قال : بلى ، (فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ) الآية ، فاخترطوا السيوف والجرزة والخناجر والسكاكين . قال : وبعث عليهم ضبابة . قال : فجعلوا يتلامسون بالأيدي ، ويقتل بعضهم بعضا . قال : ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله ولا يدري . قال : ويتنادون [ فيها ] : رحم الله عبدا صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه ، قال : فقتلاهم شهداء ، وتيب على أحيائهم ، ثم قرأ : ( فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*إضافة من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب ، فهو أخص من الخالق ، ولذا قال تعالى : ( هُوَ الله الخالق البارىء المصور ) وفي هذا التعبير الحكيم ، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذي أحسن كل شيء خلقه ، وفيه أيضاً تقريع لهم على غباوتهم ، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض ، وعبدوا عجلا

قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت : البارئ هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت ( مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ ) ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة ، فكان فيه تقريع بما ان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف وحكمته على الأشكال المختلفة ، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم ، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم ، حين لم يشكروا النعمة في ذلك ، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شيء منها "

وقوله تعالى : ( فاقتلوا أَنفُسَكُمْ ) أمر من موسى - عليه السلام - لهم بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة ، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ربه ، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحي لأنه تشريع من الله - تعالى - .

يتبع بإذن الله مع أختي الحبيبة زُلفى ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426463229___.png

 

 

 

نُتابع تفسير آيات سورة البقرة.

 

 

قال الله تعالى: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } (55)

و قال الله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } (56)

 

 

من تفسير الوسيط للإمام الطنطاوي -رحمه الله- :

جهرة: في الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء

واستعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشاف،

إلا أن الأول في المسموعات والثاني في المبصرات.

 

 

والصاعقة: - كما قال ابن جرير- «كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل.

صوتا كان ذلك أو نارا أو زلزلة أو رجفة،

ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقا وهو حي غير ميت، قوله- تعالى-:

{ وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً } يعني مغشيا عليه، فقد علم أن موسى لم يكن حين غشي عليه وصعق ميتا، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال: { سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ.. } «1» .

 

 

وأصل البعث في اللغة:

- إثارة الشيء من محله، وتحريكه بعد سكون.

- ومنه: بعث فلان الناقة: إذا أثارها من مبركها للسير،

- ويستعمل بمعنى الإيقاظ،

كما ورد في قصة أهل الكهف { فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. ثُمَّ بَعَثْناهُمْ ... } أي: أيقظناهم.

- ويستعمل- أيضا- بمعنى الإحياء.

وهو المراد في الآية التي معنا، بدليل قوله تعالى: { مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ }

 

 

ومعنى الآيتين الكريمتين:

واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم، وتعنتم في الطلب،

فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة:

لن نؤمن لك، ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله عيانا وعلانية، فيأمرنا بالإيمان بك، وبما جئت به،

فأخذتكم العقوبة التي صعقتكم- بسبب جهلكم وتطاولكم- وأنتم تشاهدونها بعيونكم،

ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من بعد أن أخذتكم الصاعقة،

لكي تشكروا الله على نعمه التي من جملتها إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم.

 

 

قال الإمام ابن جرير:

ذكرهم الله- تعالى- بذلك اختلاف آبائهم. وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم،

مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس،

وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم،

وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلها غير الله،

ومرة يعبدون العجل من دون الله،

ومرة يقولون: { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } .

وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ }

ومرة يقال لهم: { وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ } فيقولون حنطة في شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاهم،

مع غير ذلك من أفعالهم القبيحة التي يكثر إحصاؤها،

 

فأعلم الله- تعالى- الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنهم لن يعدوا أن يكونوا في تكذيبهم محمدا صلّى الله عليه وسلّم وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين فصل عليهم قصصهم في ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتمردهم على نبيه موسى- عليه السلام- تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم، وسبوغ آلائه عليهم «1» .

 

 

والقائلون لموسى- عليه السلام-: { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه،

وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأي.

 

من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } أنه قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. وقالوا: اطلب لنا ربك لنسمع كلامه.

قال: سمعوا كلاما، فقالوا: { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } قال: فسمعوا صوتا فصعقوا يقول: ماتوا، فذلك قوله: { ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم.

 

 

وقال ابن كثير: الذين قالوا لموسى: { أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } المراد بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه.

 

 

وقيل: إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بني إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين،

 

قال الإمام ابن كثير: (وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا

ثم قال: وقد حكى الماوردي في ذلك قولين:

أحدهما: أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.

والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف «2» .

وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم،

لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورا عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون وهذا واضح، والله أعلم) «3» .

 

 

وفي ندائهم لنبيهم باسمه «يا موسى» سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب عليهم، أن يقولوا له: يا رسول الله أو يا نبي الله، من الصفات التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردا في كثير من المواطن.

 

 

ومن أدب الصحابة مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنهم كانوا يقولون له:

يا رسول الله،

استجابة لأمر الله- تعالى- في قوله: { لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } .

 

 

وقولهم: { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً }

دليل على تمردهم وعصيانهم، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم، وما شاهدوا من معجزات، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عيانا، فإن لم يروه داخلهم الشك في صدق نبيهم.

 

 

وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة)

لإزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية، أو العلم القلبي،

فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية، لغلظ قلوبهم، وجفاء طباعهم.

 

 

وقوله تعالى: { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ }

إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب.

 

 

وجملة { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ }

تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونها وفي مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم،

وإنَّ إصابتهم بهذه العقوبة كان في حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم في أن ينالوا ما ليس من حقهم.

 

 

وجملة { ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ } هي محل النعمة والمنة،

 

والمراد ببعثهم: إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى- عليه السلام- استجابة لدعائه.

 

وقد اشتملت الآيتان الكريمتان

- على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوي، من محاربة الدعوة الإسلامية، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها.

- وفيهما أيضا تسلية للنبي صلّى الله عليه وسلّم عما لاقاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم،

- وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون.

 

 

 

 

يُتبع بإذن الله.

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

 

 

 

قال الله تعالى: { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } (57)

 

 

من تفسير الوسيط للإمام الطنطاوي -رحمه الله- :

ثم عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى

بل نعمتين ،

وهما تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى ،

فقال تعالى: ( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ . . . )

 

 

الغمام: جمع غمامة، وهي السحابة، وخصه بعض علماء اللغة بالسحاب الأبيض.

 

والمن: اسم جنس لا واحد من لفظه،

وهو- على أرجح الأقوال- مادة صمغية تسقط على الشجر تشبه حلاوته حلاوة العسل.

 

والسلوى: اسم جنس جمعي، واحدته سلواة،

وهو طائر بري لذيذ اللحم، سهل الصيد، يسمى بالسماني،

كانت تسوقه لهم ريح الجنوب كل مساء، فيمسكونه قبضا بدون تعب.

 

 

وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، كان في مدة تيههم بين مصر والشام المشار إليه بقوله- تعالى- قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ.

 

 

قال السدي:

«لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى- عليه السلام- كيف لنا بما ها هنا، أين الطعام؟

فأنزل الله عليهم المن فكان ينزل على شجرة الزنجبيل،

والسلوى وهو طائر يشبه السماني أكبر منه

فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير فإن كان سمينا ذبحه وإلا أرسله،

فإذا سمن أتاه فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟

فأمر الله- تعالى- موسى أن يضرب بعصاه الحجر فضربه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا،

فشرب كل سبط من عين،

فقالوا: هذا الشراب فأين الظل؟

فظلل الله عليهم الغمام.

فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟

فكانت ثيابهم تطول معهم كما تطول الصبيان ولا يتمزق لهم ثوب،

 

فذلك قوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ...

ومعنى الآية الكريمة: واذكروا يا بني إسرائيل من بين نعمي عليكم

نعمة إظلالكم بالغمام وأنتم في التيه ليقيكم حر الشمس، وحرارة الجو،

ولولا منحي إياكم الطعام اللذيذ المشتهي بدون تعب منكم في تحصيله لهلكتم،

وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الذي رزقكم هذه النعم،

ولكنكم كفرتم بها، فظلمتم أنفسكم دون أن ينالنا من ذلك شيء،

لأن الخلق جميعا لن يبلغوا ضري فيضروني ولن يبلغوا نفعي فينفعوني.

 

 

فالآية الكريمة قد أشارت إلى جحودهم النعمة بقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

 

وقوله تعالى: وَما ظَلَمُونا معطوف على محذوف، أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر.

 

ويرى البعض أنه لا حاجة إلى التقدير، وأن جملة وَما ظَلَمُونا معطوفة على ما قبلها لأنها مثلها في أنها من أحوال بني إسرائيل.

 

 

والتعبير عن ظلمهم لأنفسهم بكلمة كانُوا والفعل المضارع يَظْلِمُونَيدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان يتكرر منهم،

لأنك لا تقول في ذم إنسان كان يسيء إلى الناس إلا إذا كانت الإساءة تصدر منه المرة تلو الأخرى.

 

 

قال الإمام ابن جرير- رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ما ملخصه:

(هذا من الذي استغنى بدلالة ظاهره على ما ترك منه، وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم، ثم رسولنا إليهم، وما ظلمونا فاكتفى بما ظهر عما ترك،

وقوله وَما ظَلَمُونا أي: ما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم،

وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا ومنقصة لنا،

ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها

فإن الله- تعالى- لا تضره معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم وحظّها يبخس العاصي، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل) «1» .

 

 

وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة من أعظم النعم وهي تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم، ولكن بني إسرائيل لم يشكروا الله على نعمه، ولذا أرسل الله عليهم رجزا من السماء بسبب ظلمهم وفسقهم.

 

 

 

يُتبع بإذن الله مع أختي الحبيبة عروس القرآن.

تم تعديل بواسطة زُلفى

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426463229___.png

 

نتابع تفسير الآيات منــ{ سورة البقرة}

 

قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)}

 

* من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

وهذا أيضا من نعمته عليهم بعد معصيتهم إياه, فأمرهم بدخول قرية تكون لهم عزا ووطنا ومسكنا, ويحصل لهم فيها الرزق الرغد، وأن يكون دخولهم على وجه خاضعين لله فيه بالفعل, وهو دخول الباب { سجدا } أي: خاضعين ذليلين، وبالقول وهو أن يقولوا: { حِطَّةٌ } أي أن يحط عنهم خطاياهم بسؤالهم إياه مغفرته.

{ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } بسؤالكم المغفرة، { وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ } بأعمالهم, أي: جزاء عاجل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

{ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا } منهم, ولم يقل فبدلوا لأنهم لم يكونوا كلهم بدلوا { قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فقالوا بدل حطة: حبة في حنطة، استهانة بأمر الله, واستهزاء وإذا بدلوا القول مع خفته فتبديلهم للفعل من باب أولى وأحرى، ولهذا دخلوا يزحفون على أدبارهم, ولما كان هذا الطغيان أكبر سبب لوقوع عقوبة الله بهم، قال: { فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } منهم { رِجْزًا } أي: عذابا { مِنَ السَّمَاءِ } بسبب فسقهم وبغيهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بمنة عظيمة مكنوا منها فما أحسنوا قبولها وما رعوها حق رعايتها ، وهي تخليصهم من عناء التيه ، والإِذن لهم في دخول بلدة يجدون فيها الراحة والهناء ، وإرشادهم إلى القول الذي يخلصهم مما استوجبوه من عقوبات ولكنهم خالفوه فقال تعالى :

( وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية فَكُلُواْ . . . )

القرية : هي البلدة المشتملة على مساكن ، والمراد بها بيت المقدس على الراجح .

والرغد : الواسع من العيش الهنيء ، الذي لا يتعب صاحبه ، يقال : أرغد فلان : أصاب واسعاً من العيش الهنيء .

الحطة : من حط بمعنى وضع ، وهي مصدر مراد به طلب حط الذنوب .

قال صاحب الكشاف : ( حطة ) فعله من الحط كالجلسة . وهي خبر مبتدأ محذوف ، أي مسألتنا حطة ، والأصل فيها النصب بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة ، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات .

والمعنى : اذكروا يا بني إسرائيل ، لتتعظوا وتعتبروا - وقت أن أمرنا أسلافكم بدخول بيت المقدس بعد خروجهم من التية ، وأبحناهم أن يأكلوا من خيراتها أكلاً هنيئاً ذا سعة وقلنا لهم : ادخلوا من بابها راكعين شكراً لله على ما أنعم به عليكم من نعمة فتح الأرض المقدسة متوسلين إليه - سبحانه - بأن يحط عنكم ذنوبكم ، فإن فعلتم ذلك العمل اليسير وقلتم هذا القول القليل غفرنا لكم ذنوبكم وكفرنا عنكم سيئاتكم ، وزدنا المحسن منهم خيراً جزاء إحسانه ، ولكنهم جحدوا نعم الله وخالفوه أوامره ، فبدلوا بالقول الذي أمرهم الله به قولا آخر أتوا به من عند أنفسهم على وجه العناد والاستهزاء ، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون .

قال الإِمام ابن كثير - رحمه الله - : ( وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون - عليه السلام - وفتحها الله عليهم عشية جمعة ، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب ( باب البلد ) سجداً أي شكراً الله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر ورد بلدهم عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال ) .

 

وقوله تعالى : ( فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً ) فيه إشعار بكمال النعمة عليهم واتساعها وكثرتها . حيث أذن لهم في التمتع بثمرات القرية وأطعمتها من أي مكان شاءوا .

 

وقوله تعالى : ( وادخلوا الباب سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ) إرشاد لهم إلى ما يجب عليهم نحو خالقهم من الشكر والخضوع ، وتوجيههم إلى ما يعينهم على بلوغ غاياتهم . بأيسر الطرق وأسهل السبل ، فكل ما كلفوا به أن يدخلوا من باب المدينة التي فتحها الله لهم خاضعين مخبتين وأن يضرعوا إليه بأن يحط عنهم آثامهم ، ويمحو سيئاتهم .

 

وقوله تعالى : ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) بيان للثمرة التي تترتب على طاعتهم وخضوعهم لخالقهم ، وإغراء لهم على الامتثال والشكر ، لو كانوا يعقلون - لأن غاية ما يتمناه العقلاء غفران الذنوب .

قال الإِمام ابن جرير : يعني بقوله تعالى : ( نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ) نتغمد لكم بالرحمة خطاياكم ، ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها .

وأصل الغفر : التغطية والستر ، فكل ساتر شيئاً فهو غافر .

والخطايا : جمع خطية - بغير همز - كالمطايا جمع مطية .

.

وقوله تعالى : ( وَسَنَزِيدُ المحسنين ) وعد بالزيادة من خيري الدنيا والآخرة لمن أسلم لله وهو محسن ، أي : من كان منكم مُحسناً زيد في إحسانه ومن كان مخطئاً نغفر له خطيئاته .

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب ، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا ، وإنه لخاضع لربه ، حتى إن رأسه الشريف ليكاد يمس عنق ناقته شكراً لله على نعمة الفتح ، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثماني ركعات سماها بعض الفقها صلاة الفتح .

ومن هنا استحِب العلماء للفاتحين من المسلمين إذا فتحوا بلدة أن يصلوا فيها ثماني ركعات عند دخولها شكراً لله - تعالى - وقد فعل ذلك سعد بن أبي وقاص عندما دخل إيوان كسرى ، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات .

ولكن ، ماذا كان من بني إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟

إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله ، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله ، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل ، ولذا قال تعالى : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ) .

أخرج البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " قيل لبني إسرائيل : ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على أستاهم ، وقالوا : حبة في شعيرة " .

قال الإِمام ابن كثير : ( وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق ، أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل ، فأمروا أن يدخلوا الباب سجداً ، فدخلوا يزحفون على أستاهم رافعين رؤسهم ، وأمروا أن يقولوا : حطة ، أي احطط عنا ذنوبنا وخطايانا فاستهزءوا وقالوا : حطنة في شعيرة ، وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة ، ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم وخروجهم عن طاعته ) .

فقوله تعالى : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ) بيان للسبب الذي من أجله نزل عليهم العذاب ، وتوبيخ لهم على مخالفتهم أوامر الله - تعالى - ، لأن تبديل الشيء معناه تغييره وإزالته عما كان عليه بإعطائه صورة تخالف التي كان عليها .

 

قال صاحب الكشاف : ( فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ ) أي : وضعوا مكان ( حِطَّةٌ ) قولا غيرها ، يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ، ولم يمتثلوا أمر الله ، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه . وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر ، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل ، بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به كما لو قالوا مكان حطة : نستغفرك ونتوب إليك . أو اللهم أعف عنا وما أشبه ذلك " .

والعبرة التي تؤخذ من هذه الجملة الكريمة ، أن من أمره الله - تعالى - بقول أو يفعل ، فتركه وأتى بآخر لم يأذن به الله ، ودخل في زمرة الظالمين ، وعرض نفسه لسوء المصير .

وقوله تعالى : ( فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السمآء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ) تصريح بأن ما أصابهم من عذاب كان نتيجة عصيانهم وتمردهم وجحودهم لنعم الله - تعالى - والرجز في لغة العرب : هو العذاب سواء أكان بالأمراض المختلفة أو بغيرها .

وفي النص على أن الرجز قد أتاهم من جهة السماء إشعار بأنه عذاب لم يمكن دفعه وأنه لم يكن له سبب أرضي من عدوى أو نحوها ، بل رمتهم به الملائكة من جهة السماء . فأصيب به الذين ظلموا دون غيرهم

ولم يقل القرآن ( فَأَنزَلْنَا عَلَى ) بالإِضمار ، وإنما قال ( فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ )بالإِظهار ، تأكيداً لوصفهم بأقبح النعوت وهو الظلم ، وإشعاراً بأن ما نزل عليهم كان سبيه بغيهم وظلمهم .

 

وقد تضمنت الآيتان الكريمتان:

ـــ أن بني إسرائيل مكنوا من النعمة فنفروا منها

ـــ وفتحت لهم أبواب الخير فأبوا دخولها

ـــ وأرشدوا إلى القول الذي يُكفر سيئاتهم فخالفوا ما أرشدوا إليه مخالفة لا تقبل التأويل

 

فكانت نتيجة جحودهم ومخالفتهم لأمر الله

ـــ حرمانهم من تلك النعمة

ـــ ومعاقبتهم لظلمهم بالعذاب الأليم

 

وفي هذا التذكير

ـــ امتنان عليهم ببذل النعمة ، لأن عدم قبولهم لها لا يمنع كونها نعمة

ـــ وفيه إثارة لحسرة اليهود المعاصرين للعهد النبوي على ما ضاع من أسلافهم بسبب مخالفتهم وتمردهم

ـــ وفيه أيضاً تحذير لهم من سلوك طريق آبائهم حتى لا يصيبهم ما أصاب أسلافهم من عذاب أليم .

 

 

يتبع بإذن الله ..

تم تعديل بواسطة عروس القرآن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

قوله تعالى: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَفَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)}

 

* من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

استسقى أي: طلب لهم ماء يشربون منه.

{ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ } إما حجر مخصوص معلوم عنده, وإما اسم جنس

{ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } وقبائل بني إسرائيل اثنتا عشرة قبيلة

{ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } منهم { مَشْرَبَهُمْ } أي: محلهم الذي يشربون عليه من هذه الأعين, فلا يزاحم بعضهم بعضا, بل يشربونه متهنئين لا متكدرين,

ولهذا قال: { كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ } أي: الذي آتاكم من غير سعي ولا تعب

{ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ } أي: تخربوا على وجه الإفساد.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة من أجل نعمه عليهم ، وهي إغاثتهم في التيه بالماء بعد أن اشتد بهم العطش ،

فقال تعالى (وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ . . . )

الاستسقاء : طلب السقيا عند عدم الماء أو حبس المطر ، وذلك عن طريق الدعاء لله - تعالى - في خشوع واستكانة ، وقد سأل موسى ربه أن يسقى بني إسرائيل الماء بعد أن استبد بهم العطش ، عندما كانوا في التيه ، فعن ابن عباس أنه قال : " كان ذلك في التيه ، ضرب له مموسى الحجر ، فصارت منه اثنتا عشرة عيناً من ماء ، لكل سبط منهم عين يشربون منها .

وهذه النعمه كانت نافعة لهم في دنياهم؛ لأنها أزالت عنهم الحاجة الشيديدة إلى الماء ولولاه لهلكوا

وكانت نافعة لهم في دينهم؛ لأنها من أظهر الأدلة على وجود الله . وعلى قدرته وعلمه ومن أقوى البراهين على صدق موسى - عليه السلام - في نبوته .

ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بني إسرائيل وقت أن أصاب آباءكم العطش الشديد وهم في صحراء مجدبة ، فتوسل إلينا نبيهم موسى - عليه السلام - في خشوع وتضرع أن أمدهم بالماء الذي يكفيهم ، فأجبناه إلى ما طلب ، إذ أوحينا إليه أن اضرب بعصاك الحجر . ففعل ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً بمقدار عدد الأسباط ، وصار لكل سيط منهم مشرب يعرفه ولا يتعداه إلى غيره

وقلنا لهم : تمتعوا بما من الله به عليكم من مأكول طيب ومشروب هنيء رزقكم الله إياه من غير تعب ولا مشقة ، ( وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ) فتتحول النعم التي بين أيديكم إلى نقم وتصبحوا على ما فعلتم نادمين .

وقوله تعالى : ( وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ ) يفيد أن الذي سأل ربه السقيا هو موسى - عليه السلام - وحده ، لتظهر كرامته عند ربه لدى قومه ، وليشاهدوا بأعينهم إكرام الله - تعالى - له ، حيث أجاب سؤاله ، وفجر الماء لهم ببركة دعائه .

واللام في قوله تعالى - ( لِقَوْمِهِ ) للسببية ، أي لأجل قومه .

والفاء في قوله - تعالى - ( فَقُلْنَا اضرب بِّعَصَاكَ الحجر ) عطفت الجملة بعدها على محذوف ، والتقدير : فأجبناه إلى ما طلب ، وقلنا اضرب بعصاك الحجر .

وآل في ( الحجر ) لتعريف الجنس أي اضرب أي حجر شئت بدون تعيين ، وقيل للعهد ، ويكون المراد حجراً معيناً معروفاً لموسى - عليه السلام - بوحى من الله تعالى . وقد أورد المفسرون في ذلك آثاراً حكم المحققون بضعفها ولذلك لم نعتد بها .

والذي نرجحه أنها لتعريف الجنس ، لأن انفجار الماء من أي حجر بعد ضربه أظهر في إقامة البرهان على صدق موسى - عليه السلام - وأدعى لإِيمان بني إسرائيل وانصياعهم للحق بعد وضوحه ، وأبعد عن التشكيك في إكرام الله لنبيه موسى - عليه السلام - إذ لو كان انفجار الماء من حجر معين لأمكن أن يقولوا : إن تفجير الماء كان لمعنى خاص بالحجر لا لكرامة موسى عند ربه - تعالى - .

والفاء في قوله تعالى : ( فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ ) كسابقتها للعطف على محذوف تقديره : فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ، وقد حذفت هذه الجملة المقدرة لوضوح المعنى .

وكانت العيون اثنتي عشرة عيناً؛ لأن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطاً

 

والاسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب . وهم ذرية أبناء يعقوب - عليه السلام - الاثني عشر ، ففي انفجار الماء من اثنتي عشرة عيناً إكمال للنعمة عليهم ، حتى لا يقع بينهم تنازع وتشاجر :

وقال - سبحانه - : ( فانفجرت ) وقال في سورة الأعراف ( فانبجست ) والانبجاس خروج الماء بقلة . والانفجار خروجه بكثرة ، ولا تنافي بينهما في الواقع؛ لأنه ابنجس أولا . ثم افنجر ثانياً ، وكذا العيون يظهر الماء منها قليلا ثم يكثر لدوام خروجه .

وقوله تعالى : ( قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ) إرشاد وتنبيه إلى حكمة الانقسام إلى اثنتي عشرة عيناً أي : قد عرف كل سبط من أسباط بني إسرائيل مكان شربه ، فلا يتعداه إلى غيره ، وفي ذلك ما فيه من استقرار أمورهم ، واطمئنان نفوسهم ، وعدم تعدى بعضهم على بعض .

 

وقد جمع - سبحانه - بين الأكل والشرب - وإن كان الحديث عن الشراب - لأنه قد تقدمه إنزال المن والسلوى ، وقد قيل هنالك : ( كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) فلما أتبع ذلك بنعمة تفجير الماء لهم اجتمعت المنتان .

وقوله تعالى : ( وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ ) تحذير لهم من البطر والغرور واستعمال النعمى في غير ما وضعت له ، بعد أن أذن لهم في التمتع بالطيبات ، لأن النعمه عندما تكثر قد تنسى العبد حقوق خالقه فيهجر الشريعة ، ويعيث في الأرض فساداً .

قال تعالى : ( كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى . أَن رَّآهُ استغنى ) والمعنى : ولا تسعوا في الأرض مفسدين ، وتقابلوا النعم بالعصيان فتسلب عنكم

قال ابن جرير - رحمه الله - : ( وأصل العثا شدة الإِفساد بل هو أشد الإِفساد ، يقال منه : عثى فلان في الأرض : إذا تجاوز الحد في الإِفساد إلى غايته ) .

 

 

 

يتبع بإذن الله مع أختي الحبيبة زُلفى ..

تم تعديل بواسطة عروس القرآن

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

يالله ):

هل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان؟!

ما أحلم الله على عباده وما أرحمه بهم، وما أشد سوء أدبهم معه ):

اللهم اغفر لنا ما قد مضى، واجعلنا لك مطيعين، إليك خاضعين منيبين، لك شاكرين ذاكرين، كما تحب وترضى.

---------------

 

جزاكِ الله خيرًا أختي الحبيبة عروس القرآن.

تمت دراسة تفسير الآيات.

تم تعديل بواسطة زُلفى
  • معجبة 1

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426463229___.png

 

 

نُتابع بحمد الله وفضله تفسير آيات (سورة البقرة)

 

قال الله تعالى: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ } (61)

 

 

من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

أي: واذكروا, إذ قلتم لموسى, على وجه التملل لنعم الله والاحتقار لها، { لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ } أي: جنس من الطعام, وإن كان كما تقدم أنواعا, لكنها لا تتغير،

{ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا } أي: نباتها الذي ليس بشجر يقوم على ساقه،

{ وَقِثَّائِهَا } وهو الخيار

{ وَفُومِهَا } أي: ثومها، والعدس والبصل معروف،

قال لهم موسي { أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى } وهو الأطعمة المذكورة، { بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ } وهو المن والسلوى, فهذا غير لائق بكم،

فإن هذه الأطعمة التي طلبتم, أي مصر هبطتموه وجدتموها،

وأما طعامكم الذي من الله به عليكم, فهو خير الأطعمة وأشرفها, فكيف تطلبون به بدلا؟

 

ولما كان الذي جرى منهم فيه أكبر دليل على قلة صبرهم واحتقارهم لأوامر الله ونعمه, جازاهم من جنس عملهم فقال: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ } التي تشاهد على ظاهر أبدانهم { وَالْمَسْكَنَةُ } بقلوبهم، فلم تكن أنفسهم عزيزة, ولا لهم همم عالية, بل أنفسهم أنفس مهينة, وهممهم أردأ الهمم،

{ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ } أي: لم تكن غنيمتهم التي رجعوا بها وفازوا, إلا أن رجعوا بسخطه عليهم, فبئست الغنيمة غنيمتهم, وبئست الحالة حالتهم.

{ ذَلِكَ } الذي استحقوا به غضبه { بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ } الدالات على الحق الموضحة لهم, فلما كفروا بها عاقبهم بغضبه عليهم,

وبما كانوا { يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ }

وقوله: { بِغَيْرِ الْحَقِّ } زيادة شناعة, وإلا فمن المعلوم أن قتل النبي لا يكون بحق, لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم.

{ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا } بأن ارتكبوا معاصي الله { وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } على عباد الله,

فإن المعاصي يجر بعضها بعضا، فالغفلة ينشأ عنها الذنب الصغير, ثم ينشأ عنه الذنب الكبير, ثم ينشأ عنها أنواع البدع والكفر وغير ذلك, فنسأل الله العافية من كل بلاء.

 

واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن,

وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم,

ونسبت لهم لفوائد عديدة،

منها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم, ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به،

فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم, ما يبين به لكل أحد [منهم] أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق, ومعالي الأعمال،

فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟".

ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم, نعمة واصلة إلى المتأخرين, والنعمة على الآباء, نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها, لأنها نعم تشملهم وتعمهم.

ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم, مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها, حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد, وكان الحادث من بعضهم حادثا من الجميع.

لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع, وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.

ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها, والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.

 

 

من تفسير الإمام القرطبي -رحمه الله- :

واختلف في الوجوه التي توجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه وهي خمسة:

الأول:أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المن والسلوى كانا أفضل ، قاله الزجاج.

الثاني: لما كان المن والسلوى طعاما من الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذخر في الآخرة ، والذي طلبوه عار من هذه الخصائل - كان أدنى في هذا الوجه.

الثالث: لما كان ما من الله به عليهم أطيب وألذ من الذي سألوه ، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة.

الرابع: لما كان ما أعطوا لا كلفة فيه ولا تعب ، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب - كان أدنى.

الخامس: لما كان ما ينزل عليهم لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله ، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه ، كانت أدنى من هذا الوجه.

 

 

مسألة: في هذه الآية دليل على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الحلوى والعسل ، ويشرب الماء البارد العذب ، وسيأتي هذا المعنى في " المائدة " و " النحل " إن شاء الله مستوفى.

 

 

من تفسير الوسيط للإمام الطنطاوي -رحمه الله- :

ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من جحود النعمة واستخفافهم بها وإيثارهم - بسوء اختيارهم - ما هو أدنى على ما هو خير ، فقال تعالى:

( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ . . . )

 

الصبر: حبس النفس على الشيء ،

- بمعنى إلزامها إياه ، ومنه الصبر على الطاعات ،

- أو يطلق على حبسها بمعنى كفها. ومنه الصبر عن المعاصي.

والطعام: ما رزقوه في التيه من

المن والسلوى.

والبقل: ما تنبته الأرض من الخضر مما يأكله الناس والأنعام من نحو النعناع والكراث وغيرهما. والفوم: قيل هو الثوم ، وقيل هو الحنطة.

والقثاء: نوع من المأكولات أكبر حجماً من ( الخيار ) .

 

 

قال ابن جرير: ( وكان سبب مسألتهم موسى - عليه السلام - ذلك فيما بلغنا عن قتادة أنه قال:

كان القوم في البرية قد ظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المن والسلوى: فملوا ذلك وذكروا عيشاً كان لهم بمصر ، فسألوه موسى ، فقال الله تعالى: ( اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ ) .

 

 

ثم ساق ابن جرير رواية ، فيها تصريح بأن سؤالهم لم يكن في البرية بل كان في التيه فقال:

حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أنبأنا. ابن زيد قال:

" كان طعام بني إسرائيل في التيه واحداً ، وشرابهم واحداً.

كان شرابهم عسلاً ينزل لهم من السماء يقال له المن ،

وطعامهم طير يقال له السلوى ،

يأكلون الطير ويشربون العسل ،

لم يكونوا يعرفون خبزاً ولا غيره ،

فقالوا يا موسى: ( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ ) :

" لما سئموا من الإِقامة في التيه. والمواظبة على مأكول واحد لبعدهم عن الأرض التي ألفوها ، وعن العوائد التي عهدوها ، أخبروا عما وجدوه من عدم الصبر على ذلك ، وتشوقهم إلى ما كانوا يألفون ، وسألوا موسى أن يسأل الله لهم " .

 

 

وقال صاحب الكشاف: " كانوا أهل فلاحة فنزعوا إلى عكرهم - فأجموا - أي ملوا وكرهوا - ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم عدم البقاء ( على طَعَامٍ وَاحِدٍ ) أرادوا ما رزقوه في التيه من المن والسلوى " .

 

 

ومعنى الآية الكريمة إجمالاً:

وذاكروا يا بني إسرائيل بعد أن أسبغنا عليكم نعمنا ما كان من سوء اختيار أسلافكم ، وفساد أذواقكم ، وإعانتكم لنبيهم موسى - عليه السلام -

حيث قالوا له ببطر وسوء أدب:

لن نصبر على طعام المن والسلوى في كل وقت ، فسل ربك أن يخرج لنا مما تنبته الأرض من خضرها وفاكهتها وحنطتها وعدسها وبصلها ،

لأن نفوسنا قد عافت المن والسلوى ،

فوبخهم نبيهم موسى - عليه السلام - بقوله:

أتختارون الذي هو أقل فائدة وأدنى لذة ، وتتركون المن والسلوى وهو خير مما تطلبون لذة وفائدة؟

انزلوا إلى مصر من الأمصار فإنكم تجدون به ما طلبتموه من البقول وأشباهها.

وأحاطت ببني إسرائيل المهانة والاستكانة كما تحيط القبة بمن ضربت عليه ، وحق عليهم غضب الله.

 

ثم بين الله - تعالى - السبب في جحودهم للنعم وفي أنه ضرب عليهم الذلة والمسكنة وأنزل عليهم غضبه بقوله:

( ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ) إلخ

أي: إن الكفر بآيات الله قد تأصل فيهم ، وقتل أنبيائهم بغير الحق قد تكرر منهم حتى صار كالطبيعة الثانية والسجية الثابتة ،

فليس غريباً على هؤلاء أن يقولوا لن نصبر على المن والسلوى

وأن ينزل بهم غضب الله ونقمته من أجل جحودهم وكفرهم.

 

 

وقوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ )

- تذكير لهم برغبة من رغباتهم الناشئة عن ذوق سقيم. لا يقدر النعمة قدرها ،

- وفيه انتقال من تعداد النعم عليهم إلى بيان موفقهم الجحودي منها ،

وانسياقهم وراء شهواتهم وأهوائهم وحماقاتهم ،

- وفيه إشعار بسوء أدبهم في مخاطبتهم لنبيهم موسى - عليه السلام -

إذ عبروا عن عدم رغبتهم في تناول المن والسلوى بحرف ( لَن ) المفيد تأكيد النفي

فقالوا: ( لَن نَّصْبِرَ ) . . إلخ

فكأنهم يقولن له مهددين ، ليلجئوه إلى دعاء ربه سريعاً:

إننا ابتداء من هذا الوقت الذي نخاطبك فيه إلى أن نموت ، لن نحبس أنفسنا عن كراهية على تناول طعام واحد ، لأننا قد سئمناه ومللناه ، ولن نعود إليه:

فالتعبير " بلن " يشعر بشدة ضجرهم ، وبلوغ الكراهية لهذا الطعام منهم منتهاها.

 

 

قال الحسن البصري - رضي الله عنه - :

" بطروا طعم المن والسلوى فلم يصبروا عليه ، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه ، وكانوا قوماً أهل أعداس وبصل وبقل وثوم " .

 

 

ووصفوه بالوحدة مع أن المن والسلوى نوعان ،

لأنهم أرادوا من الوحدة أنه طعام متكرر في كل يوم لا يختلف بحسب الأوقات ،

 

والعرب تقول لمن يفعل على مائدته في كل يوم من الطعام أنواعاً لا تتغير ، إنه يأكل من طعام واحد .

 

وسألوا موسى - عليه السلام - أن يدعو لهم ، لأن دعاء الأنبياء أقرب إلى الإجابة من دعاء غيرهم ، وكذلك دعاء الصالحين ، حيث يصدر من قلوب عامرة بتقوى الله وجلاله ، فيلاقي من الإِجابة ما لا يلاقيه دعاء نفوس تستهويها الشهوات ، وتستولي عليها السيئات.

 

 

وقولهم: ( فادع لَنَا رَبَّكَ ) ولم يقولوا ربنا ،

لعدم رسوخ الإِيمان في قلوبهم ،

ولأنه سبحانه - قد اختصه بما لم يعط مثله من مناجاته وتكميله وإيتائه التوراة.

 

وقولهم: ( يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأرض مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ) هو مضمون ما طلبوه من موسى - عليه السلام -

وهو في معنى مقول قول محذوف والتقدير: أي قل لربك يخرج لنا.

 

وجاء التعبير بالفعل ( يُخْرِجْ ) مجزوماً - مع أن مقتضى الظاهر أن يقال: " أن يخرج - للإِيماء إلى أنهم واثقون بأنه إن دعا ربه أجابه ، حتى لكأن إخراج ما تنبت الأرض متوقف على مجرد دعاء موسى ربه ، وأنه لو لم يدع لهم ، لكان شحيحاً عليهم بما فيه نفعهم.

 

 

والجملة الكريمة: ( أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ ) من مقول موسى - عليه السلام - لهم ،

وفيها توبيخ شديد لهم على سوء اختيارهم ، وضعف عقولهم.

لإِيثارهم الأدنى وهو البقل وما عطف عليه ، على ما هو خير منه وهو المن والسلوى.

 

 

قال ابن جرير عند تفسيره للآية الكريمة: " أي قال لهم موسى: أتاخذون الذي هو أخس خطراً وقيمة وقدراً من العيش ، بدلا بالذي هو خير منه خطراًٍ وقيمة وقدراً ، وذلك كان استبدالهم ،

 

وأصل الاستبدال: هو ترك شيء لآخر غيره مكان المتروك ،

 

ومعنى قوله: ( أدنى ) أخس وأضع وأصغر قدراً وخطراً ،

وأصله من قولهم:

هذا رجل دني بين الدناءة ، وإنه ليدني في الأمور - بغير همز - إذ كان يتتبع خسيسها.

 

ثم قال:

ولا شك أن من استبدل بالمن والسلوى: البقول والقثاء والعدس والبصل والثوم ، فقد استبدل الوضيع من العيش بالرفيع منه " .

 

 

ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى توبيخهم السابق على بطرهم وجحودهم توبيخاً آخر فقال لهم:

( اهبطوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ )

أي إذا كان هذا هو مرغوبكم ، فاتركوا هذا المكان ، وأنزلوا إلى مصر من الأمصار ، لكي تجدوا ما سألتموني إياه من البقل والثوم وأشباههما ،

لأن ما اخترتموه لا يوجد في المكان الذي حللتم به ، وإنما يوجد في الأمصار والقرى.

 

 

وقوله تعالى: ( مِصْراً ) .

قال ابن كثير: " هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية وهو قراءة الجمهور بالصرف " .

وقال ابن جرير: " فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين ( اهبطوا مِصْراً )

وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها ، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين واتفاق قراءة القراء على ذلك . . " اهـ .

 

وقال أبو حيان في البحر: " وقرأ الحسن وطلحة والأعمش وأبان ابن تغلب ( مصر ) بغير تنوين ،

وقد وردت كذلك في مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ، وبعض مصاحف عثمان - رضي الله عنه " اهـ .

 

 

والمعنى على القراءة الأولى:

اهبطوا مصر من الأمصار لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي وإنما يكون في القرى والأمصار ، فإن لكم إذا هبطتموه ما سألتم من العيش.

 

والمعنى على القراءة الثانية:

اتركوا المكان الذي أنتم فيه ، واهبطوا مصر التي كنتم تسامون فيها سوء العذاب فإنكم تجدون فيها ما تبغونه ، لأنكم قوم لا تقدرون نعمة الحرية ، ولا ترتاحوا للفضائل النفسية ، بل شأنكم - دائماً - أن تستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.

 

 

ثم بين - سبحانه - العقوبات التي حلت بهم جزاء ظلمهم وفجورهم فقال تعالى:

( وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) :

ضرب الذلة والمسكنة عليهم كنية عن لزومهما لهم ، وإحاطتهما بهم ، كما يحيط السرادق بمن بداخله.

 

قال صاحب الكشاف: ( جعلت الذلة محيطة بهم ، مشتملة عليهم ، فهم فيها كمن يكون في القبة من ضربت عليهم ، أو ألصقت به حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ومدقعة ) .

 

 

وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم ، بظاهر جسم آخر بشدة ،

 

يقال: ضرب بيده الأرض إذا ألصقها بها ، وتفرعت عن هذا معان مجازية ترجع إلى شدة اللصوق.

والذلة: على وزن فعلة من قول القائل: ذل فلان يذل ذلة وذلة ،

والمراد بها الصغار والهوان والحقارة.

والمسكنة ، مفعلة من السكون ، ومنها أخذ لفظ المسكين ، لأن الهم قد أثقلة فجعله قليل الحركة والنهوض ، لما به من الفاقه والفقر ،

 

والمراد بها في الآية: الضعف النفسي ، والفقر القلبي الذي يستولي على الشخص ، فيجعله يحس بالهوان ، مهما يكن لديه من أسباب القوة.

 

 

والفرق بينها وبين الذلة.

أن الذلة هوان تجيء أسبابه من الخارج ،

كأن يغلب المرء على أمره نتيجة انتصار عدوه عليه فيذل لهذا العدو.

 

أما المسكنة فهي هوان ينشأ من داخل النفس

نتيجة بعدها عن الحق واستيلاء المطامع والشهوات عليها ،

وتوارث الذلة قروناً طويلة يورث هذه المسكنة ، ويجعلها كالطبيعة الثابتة في الشخص المستذل.

 

 

ولقد عاش اليهود قروناً وأحقاباً مستعبدين لمختلف الأمم ،

فأكسبهم هذا الاستعباد ضعفاً نفسياً جعلهم لا يفرقون بين الحياة الذليلة والكريمة ،

بل إنهم ليفضلوا الأولى على الثانية ما دامت تجلب لهم غرضاً من أغراض الدنيا ،

ومهما كثر المال في أيديهم ، فإنهم لا يتحولون عن فقرهم النفسي وظهورهم أمام الناس بمظهر البائس الفقير.

 

 

وقوله تعالى : ( وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) بيان لسوء عاقبتهم في الآخرة ومبالغة في إهانتهم وتحقيرهم ، فهم في الدنيا أذلاء حقراء ، وفي الآخرة سيرجعون بغضب من الله بسبب أفعالهم القبيحة.

 

 

قال ابن جرير - رحمه الله - يعني بقوله تعالى ( وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) : انصرفوا ورجعوا ،

ولا يقال باءوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر

يقال منه باء فلان بذنبه يبوء بوأ وبواء ،

ومنه قوله تعالى: ( إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ )

يعني تنصرف متحملهما ، وترجع بهما قد صارا عليك دوني ، فمعنى الكلام إذا.

ورجعوا منصرفين متحملين غضب الله ، قد صار عليهم من الله غضب ، ووجب عليهم منه سخط.

 

 

وقال صاحب الكشاف: ( وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله ) من قولك باء فلان بفلان ،

إذا كان حقيقاً بأن يقتل به لمساواته له ومكافأته ، أي صاروا أحقاء بغضبه.

 

 

ثم صرح - سبحانه - بعد ذلك بسبب ما أحاط بهم من الذلة والمسكنة واستحقاقهم غضب الله وسخطه ، فقال تعالى: ( ذلك بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله وَيَقْتُلُونَ الأنبيآء بِغَيْرِ حَقٍّ ذلك بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) .

 

والجملة الكريمة استئناف بيان جواب عن سؤال تقديره:

لم فعل بهم كل ذلك؟

فكان الجواب ، فعلنا بهم

بسبب جحودهم لآيات الله ،

وبسبب قتلهم لأنبيائه ،

وخروجهم عن طاعته؛

ومجاوزتهم حدودهم

والآيات تطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على وحدانية الله تعالى وربوبيته ،

وتطلق ويراد بها النصوص التي تشتمل عليها الكتب السماوية ،

وتطلق ويراد بها الأدلة الشاهدة على صدق الرسل - عليهم الصلاة والسلام - فيما يبلغون عن الله - تعالى - وهي التي يسميها علماء التوحيد المعجزات ،

 

وقد كفر اليهود بكل هذه الضروب من الآيات ، ومردوا على ذلك كما يفيده التعبير بالفعل المضارع ( يَكْفُرُونَ ) .

 

 

وقوله تعالى: ( وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق ) أي ويقتلون أنبياء الله الذين بعثهم مبشرين ومنذرين ،

 

ولقد قتل اليهود - فيمن قتلوا من الأنبياء - زكريا وابنه يحيى - عليهما السلام - لأنهما أبيا الانقياد وراء شهواتهم وأهوائهم.

 

 

وقال - سبحانه - ( بِغَيْرِ الحق ) مع أن قتل الأنبياء لا يكون بحق أبداً ،

لإِفادة أن قتلهم لهم كان بغير وجه معتبر في شريعتهم لأنها تحرمه ، ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً )

فهذا القيد المقصود به الاحتجاج عليهم بأصول دينهم وتخليد مذمتهم ، وتقبيح إجرامهم ،

حيث إنهم قتلوا أنبياءهم بدون خطأ في الفهم ،

أو تأول في الحكم ،

أو شبهة في الأمر ،

وإنما فعلوا ما فعلوا وهم عالمون بقبح ما ارتكبوا ، وخالفوا شرع الله عن تعمد وإصرار.

 

 

قال صاحب الكشاف: " فإن قلت: قتل الأنبياء لا يكون إلا بغير الحق فما فائدة ذكره؟

قلت: معناه أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم ، لأنهم لم يتقلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا ، وإنما نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم ، فلو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم لم يذكروا وجهاً يستحقون به للقتل عندهم " .

 

 

وقال الإِمام الرازي: " فإن قيل: قال هنا ( وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق )

وقال في آل عمران ( وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق )

فما الفرق؟

قلت: إن الحق المعلوم فيما بين المسلمين الذي يوجب القتل يتجلى في حديث:

" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: " كفر بعد إيمان ، وزناً بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق "

فالحق المذكور هنا بحرف التعريف إشارة إلى هذا

وأما الحق المنكر فالمراد به تأكيد العموم ،

أي لم يكن هناك أي حق يستندون إليه ، لا هذا الذي يعرفه المسلمون ولا غيره البتة " .

 

 

ثم قال تعالى: ( ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) .

العصيان: الخروج عن طاعة الله.

والاعتداء: تجاوز الحد الذي حده الله - تعالى - لعباده إلى غيره وكل متجاوز حد شيء إلى غيره فقد تعداه إلى ما جاوز إليه.

 

وللمفسرين في مرجع الإِشارة " ذلك " رأيان:

أحدهما: أنه يعود إلى كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء ،

وعليه يكون المعنى:

إن هؤلاء اليهود قد مروا على عصيانهم لخالقهم ، وتعديهم حدوده بجرأة وعدم مبالاة فنشأ عن هذا التمرد والطغيان أن كفروا بآيات الله - تعالى - وامتدت أيديهم الأثيمة إلى قتل الأنبياء بقلوب كالحجارة أو أشد قسوة.

 

والجملة الكريمة على هذا الرأي تفيد أن

التردي في المعاصي وارتكاب المناهي ، وتجاوز الحدود المشروعة ، يؤدي إلى الانتقال من صغير الذنوب إلى كبيرها ، ومن حقيرها إلى عظيمها ، لأن هؤلاء اليهود لما استمروا المعاصي وداوموا على تعدي الحدود ، هانت على نفوسهم الفضائل ، وانكسرت أمام شهواتهم كل المثل العليا ، فكذبوا بآيات الله تكذيباً وقتلوا من جاءهم بالهدى ودين الحق.

 

والثاني: يرى أصحابه أن اسم الإشارة الثاني يعود إلى نفس المشار إليه باسم الإِشارة الأول ،

 

وتكون الحكمة في تكرار الإِشارة هو

تمييز المشار إليه حرصاً على معرفته

ويكون العصيان والاعتداء سببين آخرين

لضرب الذلة والمسكنة عليهم ، واستحقاقهم لغضب الله - تعالى - كما بينا ،

 

والإِشارة حينئذ من قبيل التكرير المغني عن العطف كما في قوله تعالى: ( أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولئك هُمُ الغافلون )

والمعنى أن هؤلاء اليهود قد لزمتهم الذلة والمسكنة ، وصاروا أحقاء بسخط الله بسبب كفرهم بآياتنا. وقتلهم أنبياءنا ، وخروجهم عن طاعتنا وتعديهم لحدودنا.

 

 

وعلى هذا الرأي يكون ذكر أسباب العقوبة التي حلت بهم في الدرجة العليا من حسن الترتيب ،

 

- فقد بدأ - سبحانه - بما فعلوه في حقه وهو كفرهم بآياته ،

- ثم ثنى بما يتلوه في العظم وهو قتلهم لأنبيائهم ،

- ثم وصمهم بعد ذلك بالعصيان والخروج عن طاعته

- ثم ختم أسباب العقوبة بدمغهم بالاعتداء ، وتخطي الحدود ، وعدم المبالاة بالعهود ،

 

وهذا الترتيب من لطائف أسلوب القرآن الكريم في سوق الأحكام ، مشفوعة بعللها وأسبابها.

 

 

وبهذا تكون الآية الكريمة قد وصفت بني إسرائيل بجحود النعم ، وسوء الأدب وحمق التفكير ، وهوان النفس ، وبلادة الطبع ، وبطر الحق ، والبغي على أنفسهم وعلى غيرهم ،

 

وما وصفتهم به أيدته الأيام وصدقته الأحداث في كل زمان ومكان.

 

 

 

يُتبع بإذن الله.

تم تعديل بواسطة زُلفى

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

 

 

 

قال الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } (62)

 

 

من تفسير العلامة السعدي -رحمه الله- :

ثم قال تعالى حاكما بين الفرق الكتابية: { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ }

وهذا الحكم على أهل الكتاب خاصة,

لأن الصابئين, الصحيح أنهم من جملة فرق النصارى،

 

فأخبر الله أن المؤمنين من هذه الأمة, واليهود والنصارى, والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر, وصدقوا رسلهم, فإن لهم الأجر العظيم والأمن, ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون،

 

وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر, فهو بضد هذه الحال, فعليه الخوف والحزن.

 

والصحيح

أن هذا الحكم بين هذه الطوائف, من حيث هم, لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد,

فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وأن هذا مضمون أحوالهم،

 

وهذه طريقة القرآن إذا وقع في بعض النفوس عند سياق الآيات بعض الأوهام, فلا بد أن تجد ما يزيل ذلك الوهم,

لأنه تنزيل مَنْ يعلم الأشياء قبل وجودها, ومَنْ رحمته وسعت كل شيء.

 

 

وذلك والله أعلم -

أنه لما ذكر بني إسرائيل وذمهم, وذكر معاصيهم وقبائحهم,

ربما وقع في بعض النفوس أنهم كلهم يشملهم الذم،

فأراد الباري تعالى أن يبين من لم يلحقه الذم منهم بوصفه،

 

ولما كان أيضا ذكر بني إسرائيل خاصة يوهم الاختصاص بهم.

ذكر تعالى حكما عاما يشمل الطوائف كلها,

ليتضح الحق, ويزول التوهم والإشكال،

فسبحان من أودع في كتابه ما يبهر عقول العالمين.

 

--------------------------

 

من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس:

( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ) الآية

فأنزل الله بعد ذلك: ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) [ آل عمران : 85 ] .

 

فإن هذا الذي قاله [ ابن عباس ] إخبار عن أنه

لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقا لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثه [ الله ] بما بعثه به ،

فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة ،

فاليهود أتباع موسى ، عليه السلام ، الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.

 

 

واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة ؛

كقول موسى ، عليه السلام: ( إنا هدنا إليك ) [ الأعراف : 156 ] أي: تبنا ، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض.

 

 

[ وقيل: لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب عليه السلام ،

 

وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون ، أي: يتحركون عند قراءة التوراة ] .

 

 

فلما بعث عيسى صلى الله عليه وسلم وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له ،

فأصحابه وأهل دينه هم النصارى ، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم ،

 

وقد يقال لهم: أنصار أيضا ، كما قال عيسى ، عليه السلام: ( من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ) [ آل عمران : 52 ]

وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضا يقال لها ناصرة ، قاله قتادة وابن جريج ، وروي عن ابن عباس أيضا ، والله أعلم.

 

 

والنصارى: جمع نصران

كنشاوى جمع نشوان ، وسكارى جمع سكران ،

ويقال للمرأة: نصرانة ،

قال الشاعر: نصرانة لم تحنف

 

 

فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم خاتما للنبيين ، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق ،

وجب عليهم تصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، والانكفاف عما عنه زجر.

وهؤلاء هم المؤمنون [ حقا ] .

 

وسميت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤمنين

لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم ، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.

 

وأما الصابئون فقد اختلف فيهم ؛

فقال سفيان الثوري ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد ، قال:

الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى ، ليس لهم دين.

وكذا رواه ابن أبي نجيح ، عنه وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.

 

 

وقال أبو العالية والربيع بن أنس ، والسدي ، وأبو الشعثاء جابر بن زيد ، والضحاك [ وإسحاق بن راهويه ] الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور.

[ ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم ] .

 

وقال هشيم عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس ، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك.

 

وقال عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين ، فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.

 

[ وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه ، عن الحسن قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة ] .

 

وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة ، ويقرؤون الزبور ، ويصلون إلى القبلة.

وكذا قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة.

 

 

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق ، وهم بكوثى ، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.

 

وسئل وهب بن منبه عن الصابئين ، فقال: الذي يعرف الله وحده ، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرا.

 

وقال عبد الله بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان ، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله ، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: لا إله إلا الله ، قال: ولم يؤمنوا برسول ، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: هؤلاء الصابئون ، يشبهونهم بهم ، يعني في قول: لا إله إلا الله.

 

وقال الخليل هم قوم يشبه دينهم دين النصارى ، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب ، يزعمون أنهم على دين نوح ، عليه السلام.

 

وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس ، ولا تؤكل ذبائحهم ، قال ابن عباس: ولا تنكح نساؤهم.

 

قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم ، وأنها فاعلة ؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم ،

 

واختار فخر الدين الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب ؛ بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء ، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها ، قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانيين الذين جاءهم إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، رادا عليهم ومبطلا لقولهم.

 

 

وأظهر الأقوال ، والله أعلم ، قول مجاهد ومتابعيه ، ووهب بن منبه:

أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين ،

وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه ؛

ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي ، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.

 

وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي ، والله أعلم .

 

--------------------------

 

من تفسير الوسيط للإمام الطنطاوي -رحمه الله- :

وبعد أن بين القرآن الكريم ما حل باليهود من عقوبات بسبب جحودهم لنعم الله ، وكفرهم بآياته

- أردف بذلك ما وعد الله به المؤمنين من جزيل الثواب فقال - تعالى:

( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين . . . ) .

 

في هذه الآية الكريمة حدثنا القرآن عن أربع فرق من الناس:

أما الفرقة الأولى: فهي فرقة الذين آمنوا ،

والمراد بهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وصدقوه.

 

وابتدأ القرآن بهم للإِشعار بأن دين الإِسلام دين قائم على أساس أن الفوز برضا الله لا ينال إلا بالإِيمان الصادق والعمل الصالح ، ولا فضل لأمة على أمة إلا بذلك ،

كما قال - تعالى - : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ )

 

وأما الفرقة الثانية: فهي فرقة الذين هادوا ،

أي: صاروا يهوداً ، يقال: هاد وتهود ، أي دخل في اليهودية ،

وسمواً يهوداً نسبة إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب - بقلب الذال دالا في التعريب -

أو سمواً يهودا حين تابوا من عبادة العجل ، من هاد يهود هودا بمعنى تاب.

ومنه ( إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ) أي: تبنا.

 

والفرقة الثالثة: هي فرقة النصارى ،

جمع نصران بمعنى نصراني ، كندامي وندمان

والياء في نصراني للمبالغة ،

وهم قوم عيسى - عليه السلام -

قيل سمواً بذلك لأنهم كانوا أنصاراً له ،

وقيل إن هذا الاسم مأخوذ من الناصرة وهي القرية التي كان عيسى - عليه السلام - قد نزلها.

 

وأما الفرقة الرابعة: فهي فرقة الصابئين

جمع صابئ ، وهو الخارج من دين إلى دين ،

والمراد بهم الخارجون من الدين الحق إلى الدين الباطل ،

وهم قوم يعبدون الكواكب أو الملائكة ،

ويزعمون أنهم على دين صابئ بن شيث بن آدم.

 

 

وذكر القرآن الصابئة في هذا المقام وهم من أبعد الأمم ضلالا.

لينبه على أن الإِيمان منهم على النحو الذي قرره الدين الحق ،

فمن لم تبلغه منهم دعوة الإِسلام ، وكان ينتمي إلى دين صحيح في أصله

بحيث يؤمن بالله واليوم الآخر ويقدم العمل الصالح على الوجه الذي يرشده إليه دينه ،

فله أجره على ذلك عند ربه.

 

أما الذين بلغتهم دعوة الإِسلام من تلك الفرق ولكنهم لم يقبلوها؛

فإنهم لا يكونون ناجين من عذاب الله مهما ادعوا بأنهم يؤمنون بغيرها ،

لأن الشريعة الإِسلامية قد نسخت ما قبلها

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " .

 

 

ويفسرونه - أي الإِيمان - بالنسبة للمؤمنين المشار إليهم بقوله تعالى: ( إِنَّ الذين آمَنُواْ . . . )

على أنه بمعنى الثبات والدوام والإِذعان ،

وبذلك ينتظم عطف قوله - تعالى - : ( وَعَمِلَ صَالِحاً ) على قوله ( آمَنَ )

مع مشاركة هؤلاء المؤمنين لتلك الفرق الثلاث فيما يترتب على الإِيمان والعمل الصالح من ثواب جزيل ، وعاقبة حميدة.

 

وبعض العلماء يرى أن معنى ( مَنْ آمَنَ ) أي: من أحدث من هذه الفرق إيماناً بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عند ربه ،

قالوا: لأن مقتضى المقام هو الترغيب في دين الإِسلام ،

وأما بيان من مضى على دين آخر قبل نسخه فلا ملابسة له بالمقام ،

فضلا عن أن الصابئين ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات.

 

 

ثم بين - سبحانه - عاقبتهم فقال: ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .

 

الأجر: الجزاء على العمل ،

وسمى الله ما يعطيه للمؤمن العامل أجراً على سبيل التفضل منه.

 

وقال: ( عِندَ رَبِّهِمْ ) ليدل على عظم الثواب ،

لأن ما يكون عند الله من الجزاء على العمل لا يكون إلا عظيماً ،

ولأن المجازي لهم هو ربهم المنعوت بصفات الكرم والرحمة وسعة العطاء.

 

والمعنى: إن هؤلاء الذين لهم أجرهم العظيم عند ربهم ،

لا يفزعون من هول يوم القيامة كما يفزع الكافرون ،

ولا يفوتهم نعيم ، فيحزنون عليه كما يحزن المقصرون.

 

 

 

يُتبع بإذن الله.

تم تعديل بواسطة زُلفى
  • معجبة 1

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

 

 

 

قال الله تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } (63)

 

 

من تفسير الوسيط للإمام الطنطاوي -رحمه الله- :

ثم واصل القرآن حديثه مع بني إسرائيل ، فذكرهم بنعمة شمول الله إياهم برحمته وفضله

رغم توليهم عن طاعته ونقضهم لميثاقه

فقال تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ . . . )

 

قال ابن جرير: " وكان سبب أخذ الميثاق عليهم

فيما ذكره ابن زيد ، ما حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد:

لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لقومه بني إسرائيل:

إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، وأمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه.

فقالوا: وما يأخذ بقولك أنت ، لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله علينا فيقول: " هذا كتابي فخذوه "

فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى:

قال فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا جميعاً.

قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا. قال: أي شيء أصابكم؟

قالوا: متنا جميعاً ، ثم حيينا قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا.

فبعث الله ملائكة فتنقت الجبل فوقهم ، فقيل لهم: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم ، هذا الطور ،

قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، قال: فأخذوا بالميثاق. قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق " .

 

 

ومعنى الآيتين الكريمتين:

واذكروا - يا بني إسرائيل - لتعتبروا وتنتفعوا وقت أن أخذنا عليكم جميعاً العهد بأن تعبدوا الله وحده ،

وتتبعوا ما جاءكم به رسله ، وتعملوا بما في التوراة ،

واذكروا كذلك وقت أن رفعنا فوق أسلافكم الطور تهديداً لهم بالعقوبة إذا لم يطيعوا أوامر الله ،

وليشهدوا آية من آيات الله الدالة على قدرته ،

وقلنا لكم جميعاً، خذوا ما آتيناكم في كتابكم من تكاليف بجد وعزم واجتهاد ،

واذكروا ما فيه وتدبروه وسيروا على هداية لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة ،

ولكن الذي حصل منكم جميعاً أنكم أعرضتم عن العمل بما أخذ عليكم ،

فتركتم تعاليم كتابكم وآذيتم أنبياءكم ،

ولولا أن الله - تعالى - رأف بكم ، ووفقكم للتوبة ، وعفا عن زلاتكم ، لكنتم من الهالكين في دنياكم وآخرتكم.

 

 

وقوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) تذكير لبني إسرائيل بنعمة من أمثال النعم الواردة في الآيات السابقة ،

لأن أخذ الميثاق عليهم ليعملوا بما في التوراة من الأمور العائد عليهم نفعها.

 

 

وقوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ) أي: أعليناه ، وجعلناه فوق رءوسكم كالمظلة.

والطور: اسم للجبل الذي ناجى عليه موسى ربه - تعالى - كان بنو إسرائيل بأسفله فرفع فوق رءوسهم.

 

وقوله تعالى: ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ) مقول لقول محذوف ، دل عليه المعنى ،

والتقدير: وقلنا لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة ، أي: تمسكوا به ، واعملوا بما فيه يجد ونشاط ،

وتقبلوه واجتنبوا نواهيه ، واعملوا ما جاء به بدون تردد.

 

والمراد " بما آتيناكم " التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى لتكون هدى ونوراً لهم.

 

وقوله تعالى: ( واذكروا مَا فِيهِ ) أي احفظوه وتدبروه وتدارسوه ، وامتثلوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ،

واعملوا بكل ما جاء فيه بلا تعطيل لشيء منه.

 

قال الإِمام القرطبي: " وهذا هو المقصود من الكتب ، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان - فحسب - ،

فقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

" إن من شر الناس رجلا فاسقاً يقرأ القرآن ، لا يرعوي إلى شيء منه " .

 

 

و " لعل " في قوله تعالى: ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )

إما للتعليل ، فيكون المعنى: خذوا الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة ،

لتتقوا الهلاك في عاجلتكم وآجلتكم ،

وإما للترجي ، وهو منصرف إلى المخاطبين ، فيكون المعنى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه ،

وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين.

 

 

 

 

يُتبع بإذن الله مع أختي الحبيبة عروس القرآن.

تم تعديل بواسطة زُلفى

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

اللهم اغفر لنا ما قد مضى، واجعلنا لك مطيعين، إليك خاضعين منيبين، لك شاكرين ذاكرين، كما تحب وترضى.

 

اللهـــــــــــــــــــــم آميــــــــــــــــــن

 

----------------------

 

جزاكِ الله خيرًا أختي الحبيبة زُلفى على التفسير الوافي

تمت دراسة تفسير الآيات

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426463229___.png

 

نتابع تفسير الآيات منــ{ سورة البقرة}

 

قوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (64) }

 

* من تفسير الإمام ابن كثير -رحمه الله- :

وقوله تعالى : ( ثم توليتم من بعد ذلك ) يقول تعالى : ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه

( فلولا فضل الله عليكم ورحمته ) أي : توبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم

( لكنتم من الخاسرين ) بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة .

----------------------------

* من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

 

وقوله تعالى : ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك ) بيان لنقضهم وإعراضهم عن العمل بالميثاق الذي أخذ عليهم ، ونبذوه خلف ظهورهم .

والمشار إليه بقوله تعالى : ( ذلك ) أخذ الميثاق عليهم ، وقبول ما أوتوه من الكتاب ،

 

والمعنى : ثم أعرضتم وانصرفتم عن طاعتي بعد أخذ الميثاق عليكم ، ومشاهدتكم للآيات التي تستكين لها القلوب؛ لأن قلوبكم كالحجارة أو أشد قسوة .

 

وقوله تعالى : ( فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين ) تصريح بما حباهم به - سبحانه - من رأفة بهم ، وقبول لتوبتهم ، وعفو عن خطيئاتهم ،

فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إنكم بإعراضكم عن طاعتي ، ونقضكم لعهدي ، وإهمالكم العمل بكتابي ، وعدم تأثركم بآياتي ونذري ، قد استحققتم غضبي وعذابي ، ولكن حال دون حلولهما بكم فضلى الذي تدارككم ورحمتي التي وسعتكم ، ولطفي وإمهالي لكم ، ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين في دنياكم وآخرتكم ، بسبب ما أجترحتم من نقض ميثاقكم .

وبذلك تكون الآيتان قد ذكرتا بني إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بما كان من أسلافهم من جحود النعمة ، ونقض للعهد

 

وفي هذا التذكير

- تحذير لهم من السير على طريقتهم

- ودعوة لهم إلى الدخول في الإِسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

 

 

يتبع بإذن الله ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

akhawat_islamway_1426467939____.png

قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65)}

 

 

* من تفسيرالوسيط للطنطاوي -رحمه الله- :

ثم ذكرهم - سبحانه - بسوء عاقبة الذين اعتدوا منهم في السبت ، وحذرهم من أن بنهجوا نهجهم فقال - تعالى - :

( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي . . . )

الاعتداء : مجاوزة الحد ، يقال : اعتدى فلان وتعدى إذا ظلم .

والسبت : المراد به اليوم المسمى بهذا الاسم ،

وأصل السبت - كما قال ابن جرير - الهدوء والسكون في راحة ودعة ، ولذلك قيل للنائم : مسبوت لهدوئه وسكون جسده واستراحته كما قال - جل ثناؤه - ( وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً ) أي راحة لأبدانكم

وملخص قصة اعتداء بني إسرائيل في يوم السبت

أن الله - تعالى - أخذ عليهم عهداً بأن يتفرغو لعبادته في ذلك اليوم ، وحرم عليهم الاصطياد فيه دون سائر الأيام ، وقد أراد - سبحانه - أن يختبر استعدادهم للوفاء بعودهم ، فابتلاهم بتكاثر الحيتان في يوم السبت دون غيره ، فكانت تتراءى لهم على الساحل في ذلك اليوم قريبة المأخذ سهلة الاصطياد فقالوا : لو حفرنا إلى جانب ذلك البحر الذي يزخر بالأسماك يوم السبت حياضاً تنساب إليها المياه في ذلك اليوم ثم نصطادها من تلك الحياض في يوم الأحد وما بعده ، وبذلك نجمع بين حترام ما عهد إلينا في يوم السبت ، وبين ما تشتهيه أنفسنا من الحصول على تلك الأسماك ، فنصحهم فريق منهم بأن عملهم هذا إنما هو امتثال ظاهري لأمر الله ، ولكنه في حقيقته خروج عن أمره من ترك الصيد في يوم السبت ، فلم يعبأ أكثرهم بذلك ، بل نفذ تلك الحيلة ، فغضب الله عليهم ومسخهم قردة ، وجعلهم عبرة لمن عاصرهم ولمن أتى بعدهم .

والحديث عن أصحاب السبت قد جاء ذكره مفصلا في سورة الأعراف كما جاءت الإِشارة إليه في سورتي النحل والنساء .

ثم بين - سبحانه - العقوبة التي حلت بهم بسبب اعتدائهم في يوم السبت ، وتحايلهم على استحلال محارم الله فقال - تعالى : -

( كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) .

أي : صاغرين مطرودين مبعدين عن الخير أذلاء .

والخسوء : الطرد والإِبعاد ، يقال : خسأت الكلب خسأ وخسوءاً - من باب منع - طردته وزجرته ، وذلك إذا قلت له : اخسأ .

وجمهور المفسرين على أنهم مسخوا على الحقيقة ثم ماتوا بعد ذلك بوقت قصير .

ويرى مجاهد أنهم لم تمسخ صورهم ولكن مسخت قلوبهم ، أي : إنهم مسخوا مسخاً نفسياً فصاروا كالقردة في شرورها وإفسادها لما تصل إليه أيديها .

وتلك العقوبة كانت بسبب إمعانهم في المعاصي ، وتأبيهم عن قبول النصيحة ، وضعف إرادتهم أمام مقاومة أطماعهم ، وانتكاسهم إلى عالم الحيوان لتخليهم عن خصائص الإِنسان ، فكانوا حيث أرادوا لأنفسهم من الصغار والهوان .

والضمير في قوله : ( فَجَعَلْنَاهَا ) يعود إلى العقوبة التي هي مسخهم قردة

و ( نَكَالاً ) أي عبرة تنكل المعتبر بها بحيث تمنعه وتردعه من ارتكاب الشر .

يقال : نكل به تنكيلا إذا صنع به صنعاً يردعه ويجعل غيره يخاف ويحذر .

والاسم النكال وهو ما نكلت به غيرك ، وأصله من النكل - بالكسر - وهو القيد الشديد وجمعه أنكال .

يتبع بإذن الله ..

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان