اذهبي الى المحتوى

المشاركات التي تم ترشيحها

post-125640-0-66315500-1335857820.png

على الجسر

د.حنان لاشين أم البنين

 

حان وقتُ الحديث عن ذاك الجسر بين الحياة والموت، والذي يفصل بين حبيبينِ تُوفِّي أحدهما وبقي الآخر ليكمل الرسالة، الفراقُ صعب، ولكن:

ماذا ستفعل لو عرَفت أن تلك الليلة هي الليلة الأخيرة التي سترى زوجتَك فيها بجوارك؟

وماذا ستفعلين لو عرَفتِ أن هذا السلام السريع على باب البيت هو الأخير، ولن تَرَي زوجَكِ مرة أخرى؟

أعلمُ أن الكلمات صعبةٌ، ولكنها ضرورة.

لو علمتَ أنها اللحظات الأخيرة، ستُعانِق زوجتَك وستخبرها بصدقٍ أنَّك تحبها، بل وستحقِّق لها كلَّ أمنياتها، ولن تَحزُنَها ولو للحظة؛ لأنك تعلم أنها اللحظات الأخيرة!

ولو علمتِ أنها اللحظة الأخيرة، ستضمِّين زوجكِ بقوَّة، وستعتذرين عن كل أخطائك، وربما ستبذُلين كل جهدك لإرضائه بأي شيء يطلبه، ستشمِّين عطرَه بقوة، وكأنك تختزنين بعضًا منه داخل قفصِك الصدري؛ لعلك تأنسين به بعد رحليه!

لكننا لا نعلم، ولا نُدرِك متى الفراق، ولا بد من الفراق، فكلنا سنعبُر الجسر، والحياة لن تتوقف إنْ عبَر أحدُكما وترك الآخر وحيدًا.

post-125640-0-60232800-1335857824.png

كتبَتِ الدكتورة "عائشة عبدالرحمن" - بنت الشاطئ - في سيرتِها الذاتية، والتي أسمَتْها (على الجسر بين الحياة والموت)، عن زوجها الدكتور "أمين الخولي"، أستاذها وزوجها المقرَّب إلى نفسها وروحها، حسبما يستشعر أيُّ قارئ لسيرتها الذاتية، قائلة:

"على الجسر ما بين الحياة والموت، أقفُ حائرةً ضائعةً في إثرِ الذي رحل، أطلُّ من ناحية فأجده ملء الحياة، وألمحُ طيفَه الماثل في كل مَن حولي وما حولي مِن معالِم وجودنا المشترك، وأتتبَّع آثار خطاه على دربنا الواحد، دفَّاقةَ الحيوية، سخيَّة العطاء، وأميزُ أنفاسه الطيبة الزكية في كل ذرةٍ من هواءٍ أتنفَّسه، وأُصغِي إلى نجواه في الصمت وفي الضجيج، وفي سكون الخلوة، وفي صخب الزحام، وأطوف بأجواء عالَمِنا الرَّحب الذي ضمنا معًا، فلا أتصوَّر أنه الراحل الذي لا يعود.

إلى أن يحين الأجل سأبقى محكومًا عليَّ بهذه الوقفة بين حياة وموت، أنتظر دوري في اجتياز الشوطِ الباقي في إثر الراحل المقيم: عليكَ سلام الله، إن تكن عبرتَ إلى الأخرى، فنحن على الجسر".

مِن أروعِ ما تحفظ لنا أوراقُ الكتب ما كُتِب عن المشاعر الإنسانية بعد اكتمال التجرِبة، قصة واقعية تنفَّس أبطالها الحياة، قبل أن تتنفس حكاياتهم على الورق، ومهما كان الكاتب موهوبًا، فلن يصوغَ بخياله قصصًا تفوق روعة القصص الواقعيِّ.

كتبت الدكتورة بنت الشاطئ عن زوجِها بعد رحيله، فأبدعَتْ في وصف الحب، وغزل الحب، وكيف أنهما روح واحدة تمثلت في جسدين، فأخبرَتْنا كيف كانت وكيف عاشت، ورأينا مسيرتها بعد وفاة حبيبها قرَّةِ عينها.

عاشت الدكتورة عائشة بعد وفاةِ زوجها ولم تتوقَّفِ الحياة! مات ابنها الأكبر "أكمل"، وتوفيت ابنتها "أمينة" في أعقاب عملية جراحية، وهاجَرَت ابنتها الثالثة مع زوجها، الأمرُ الذي جعل هذه الأستاذةَ الجليلة تُعاني الوحدة والجحود، سواء على المستوى العلميِّ أو على المستوى الإنسانيِّ!

عانَتْ بنت الشاطئ مما تخرُّ له الجبال الرواسي، ولكنها كانت تَستصغرُ الدنيا، فلم تبكِ على شيء منها قط، وإنما بَكَتْ على فَقْد الأحبة! ثلاثون عامًا بعد وفاةِ زوجها عاشت فيها من كُبريات الزاهدات في الدنيا كلها.

لم تتوقف عن العمل وتَرْكَنْ لليأس، وتخْتفِ في زاويةٍ ما من بيتها تبكي، بل تركَتْ بصمةً واضحة على الصعيد الفكريِّ الديني، والثقافيِّ الإسلامي، ولم تَرْكَن للظروف ولا للمُعوِّقات، وإنما عوَّدت نفسها على الكفاح والجد، وعدم التسليم للتقاليد المميتة، وامتلكَتْ رؤيةً خاصة بها، فمَضَتْ تطلب العلم، وتُوسِّع مدارك أُفُقِها لأبعد الحدود، وتلتقي بأهل العلم، وتتمسَّك بدينها، وتثق بربِّها، حتى غدت أنموذجًا للمرأة المسلمة العالِمة التي نفتقد وجودَها في أيامنا.

post-125640-0-60232800-1335857824.png

ربما عبر زوجُكِ الجسر وأنتِ الآن وحيدة، فلا تتوقفي عن العطاء، ولا تنسي أنك هنا على الأرضِ لتعمري فيها، فكل لحظة في حياتك كنزٌ، فاشغلي نفسَكِ، وقدِّمي لآخرتك عملًا يسرُّكِ هناك.

وربما عبَرَتْ زوجتُكَ الجسر وأنت وحيد، فاستمسِكْ واتَّخِذ من ذكر الله دواءً يطبِّب فؤادَك المكلوم، وضمِّده بآياتٍ من كتاب الله لتشفَى روحك، الفراق صعبٌ، لكنك ستفارقنا أنت أيضًا لا ريبَ، وحتى أنا وكل مَن يقرأ.

أما أنتم يا مَن تنسون الجسر، فاغتنموا اللحظة، ولا تنتظروا الغد، فالله عز وجل منحكم فرصةً جديدة، أسرِعوا الآن، ولو أساء أحد منكم لشريكه، فليُسارِعْ إليه ويعتذر له، فليس لدينا وقتٌ، ونحتاج لذاك السلام الداخلي لتستقرَّ البيوت، ولتكن كل لحظاتكم صافية، بلا خلافات ولا نزاعات، تعاهَدَا على الحب، وافترِقَا عليه؛ ولتلتَقيا عليه، فقد لا يأتي الغد، وربما تندم؛ لأنك لم تبتَسِمْ ولم تُعانِقْ، ولم تقبِّل رأس شريك حياتك وحلالك، حتى وإن شغلَتْك الحياة، فابحث عن وقت.

" أنا آسف!" ليست ثقيلةً على اللسان إن خرَجت من القلب.

"سامحني"، "أُحِبُّك"، "اغفِرْ لي تقصيري"، "ارضَ عني"، "سامحيني"، "حبيبتي"، "صغيرتي "قرَّة عيني"، "زوجي الغالي"، "زوجتي الحنون"، "أنا مغرمٌ بك"، "أنتِ جميلة"، "أنتَ رائع"

كلها سهلةٌ، فلا تبخلوا بها قبل فوات الأوان وقبل أن تصلا إلى الجسر!

♦♦♦♦♦


منارة حب

الحب هو أن تعيشَ في قلبِها وإن غبتَ، وتتردَّد أنفاسها في صدرك وإن غابت، والكلام لا ينتهي عن الحب، ولن تحتضنه أبدًا السطور، فالحياة طويلة، ولن تضمَّه الكلمات، فالحب عريضٌ، والحب في اللهِ لا منتهى له إلا هناك؛ تحت العرش؛ حيث تسبح الكلمات.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/social/0/125014/#ixzz5JGAVkm52

post-125640-0-35649700-1335857827.png


akhawat_islamway_1480244193__-5.png

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 

نقل مؤثر :"(

نسأل الله أن يحفظ أزواجنا ويجعلهم قرة عين لنا.

بوركت يا حبيبة على النقل القيم ()


شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 

نقل مؤثر :"(

نسأل الله أن يحفظ أزواجنا ويجعلهم قرة عين لنا

كم أثرت بي هذه الجملة :

اقتباس

 والحب في اللهِ لا منتهى له إلا هناك؛ تحت العرش؛ حيث تسبح الكلمات.

بارك الله فيكِ يا حبيبة وفي نقلك الماتع

وأسأل الله أن يبارك في الكاتبة ويسعدها ❤️

 


شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

لا تظلمنَّ إِذا ما كنتَ مقتدراً.. فالظلمُ مرتعُه يفضي إِلى الندمِ تنامُ عينكَ والمظلومُ منتبهٌ.. يدعو عليكَ وعينُ اللّهِ لم تنمِ.

×