اذهبي الى المحتوى
امة من اماء الله

شرح حديث (سددوا وقاربوا وأبشروا...)

المشاركات التي تم ترشيحها

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

حديث (سددوا وقاربوا وأبشروا...)

 

 

قال الإمام مسلم رحمه الله في كتاب صفة القيامة من الجنة والنار من صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد العزيز بن محمد أخبرنا موسى بن عقبة (ح) وحدثني محمد بن حاتم ـ واللفظ له ـ حدثنا بهز حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يحدث عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لن يدخل الجنة أحداً عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلَّ)).

وحدثناه حسن الحلواني حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا عبد العزيز بن المطلب عن موسى بن عقبة بهذا الإسناد ولم يذكر (وأبشروا).

 

 

شرح الحديث:

 

(1) قوله (سددوا وقاربوا وأبشروا)، قال النووي في شرح صحيح مسلم: ومعنى (سددوا وقاربوا): اطلبوا السداد واعملوا به، وإن عجزتم عنه فقاربوه أي: اقربوا منه، والسداد الصواب، وهو بين الإفراط والتفريط، فلا تغلوا ولا تقصروا. انتهى.

وقال الحافظ في (فتح الباري) في بيان معنى السداد: ومعناه: اقصدوا السداد أي الصواب، وقال: اعملوا واقصدوا بعملكم الصواب، أي اتباع السنة من الإخلاص وغيره، ليقبل عملكم فتنـزل عليكم الرحمة. وقال في معنى (وقاربوا): أي لا تُفرطوا فتجهدوا أنفسكم في العبادة، لئلا يفضي بكم ذلك إلى الملال فتتركوا العمل فتفرِّطوا. انتهى. والسداد الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو الحق والصواب، ولابد فيه من أمرين: (أحدهما) أن يكون العمل لله خالصاً، لا شركة لغيره فيه. و(الثاني) أن يكون على النهج الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم . وهذان هما الركنان الأساسيان للعمل الصالح، إخلاص واتباع، إخلاص العبادة لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا إشراك بغير الله، ولا إبتداع في الدين ما لم يأذن به الله.

وقوله صلى الله عليه وسلم : (وأبشروا) أي إذا قمتم بما أمرتم به من سلوك سبيل السداد فأبشروا بالثواب الجزيل، الذي يتفضل الله به على من أخلص له العبادة، وسار على الصراط المستقيم الذي بعث الله به رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم.

(2) قوله (فإنه لن يدخل الجنة أحدًا عمله): وردت هذه الجملة بألفاظ متعددة متقاربة، ومعناها: أن دخول الجنة والتمتع بنعيمها لا يحصل للعبد بمجرد العمل، بل بتفضل الله وإحسانه، فهو الذي وفق العبد للعمل الصالح وأعانه على فعله، وامتن عليه بقبوله، وتفضل بالمثوبة عليه، فله الفضل والمنة قبل العمل وعنده وبعده،(وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ)، ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا).

قال النووي في شرح هذا الحديث ونحوه من الأحاديث في (صحيح مسلم): ((وفي ظاهر هذه الأحاديث دلالة لأهل الحق أنه لا يستحق أحداً الثواب والجنة بطاعته، وأما قوله تعالى: ( أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( [الأحقاف:14]،) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( [الزخرف:72]. ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يدخل بها الجنة فلا يعارض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها، برحمة الله تعالى وفضله، فيصح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أي بسببها وهي من الرحمة، والله أعلم)). انتهى.

(3) قوله (قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلاّ أن يتغمدني الله منه برحمة): قال الحافظ في (الفتح): قال الكرماني: إذا كان كل الناس لا يدخلون الجنة إلاّ برحمة الله، فوجه تخصيص رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر، أنه إذا كان مقطوعاً له بأنه يدخل الجنة ثم لا يدخلها إلا برحمة الله، فغيره يكون في ذلك بطريق الأولى.

ثم قال الحافظ: قلت: وسبق إلى تقرير هذا المعنى الرافعي في أماليه فقال: لما كان أجر النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعة أعظم، وعمله في العبادة أقوم، قيل له: ولا أنت؟ أي لا ينجيك عملك مع عظم قدره، فقال: لا، إلا برحمة الله. وقد ورد جواب هذا السؤال بعينه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم من حديث جابر بلفظ: ((لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا، إلا برحمة من الله تعالى)). انتهى.

وقال النووي في شرح صحيح مسلم: ومعنى يتغمدني برحمته: يلبسنيها ويغمدني بها، ومنه أغمدت السيف وغمدته إذا جعلته في غمده وسترته به. انتهى.

(4) قوله (واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل): دال على أن العمل الذي يدوم عليه فاعله ولو كان قليلاً، هو أحب العمل إلى الله، وذلك أن العبد إذا داوم على الأعمال الصالحة، فهو حري أن يختم الله له بخير، فإنه إذا وافاه الأجل يوافيه على حالة حسنة، بخلاف الذي لا يداوم على العمل الصالح وينقطع عنه، فقد يوافيه أجله في حالة الترك.

وقال الحافظ في (الفتح): والحكمة في ذلك: أن المديم للعمل يلازم الخدمة فيكثر التردد إلى باب الطاعة كل وقت، ليجازى بالبر لكثرة تردده، فليس هو كمن لازم الخدمة مثلاً ثم انقطع، وأيضاً فالعامل إذا ترك العمل صار كالمعرض بعد الوصل، فيتعرض للذم والجفاء، ومن ثم ورد الوعيد في حق من حفظ القرآن ثم نسيه، والمراد بالعمل هنا الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات. انتهى.

من فقه الحديث وما يستنبط منه:

(1) الأمر بسلوك طريق السداد.

(2) تنبيه سالكي طريق السداد إلى الحذر من الإفراط والتفريط.

(3) بشارة من سلك طريق السداد بالتفضل عليه والإحسان إليه من الرب سبحانه وتعالى.

(4) أن العامل لا يعول على عمله في دخول الجنة والنجاة من النار.

(5) تفضل الله على عباده وإحسانه إليهم.

(6) أن دخول الجنة ليس عوضاً عن العمل بل برحمة الله وفضله.

(7) الرد على المعتزلة القائلين أن الجنة عوض عن العمل وأن دخولها بمحض الأعمال.

(8) حرص الصحابة رضي الله عنه على معرفة الحق وسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم عما يخفى عليهم.

(9) مراجعة المتعلم العالم في إيضاح المجمل وتفسير المشكل.

(10) أن قوله صلى الله عليه وسلم : ((لن يدخل الجنة أحداً عمله)). من العام الباقي على عمومه.

(11) دخول النبي صلى الله عليه وسلم في خطابه للأمة ما لم يدل دليل على عدم الدخول.

(12) حث المسلم على أن يعمل الصالحات وأن يكون راجياً ثواب الله ورحمته خائفاً من عذابه وعقوبته.

(13) الإشارة إلى الحث على المداومة على العمل.

(14) أن العمل الدائم ولو قل هو أحب العمل إلى الله.

(15) التنبيه إلى أنه إذا جمع في العمل بين الدوام والكثرة بدون إفراط كان أفضل.

(16) أن الأعمال الصالحة محبوبة لله.

(17) إثبات صفة المحبة لله على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى.

(18) أن الأعمال الصالحة متفاوتة في محبة الله إياها.

 

  • معجبة 1

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

أسأل الله أن يتغمدنا برحمته

جزاكِ الله خيرا معلمتي الحبيبة وجعله في ميزان حسناتك ()

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

 

جزاكِ الله خيرًا أختي الكريمة

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لنا ويرحمنا ويدخلنا الجنة برحمته وكرمه ومنته

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته

 

جزاكِ الله خيرًا يا غالية على النقل القيم

جعله الله في ميزان حسناتك

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

ما شاء الله على هذا العلم مشرفتي بارك الله فيك وزادك نورا وعلما

كأنني أحيا بينكن أخواتي في هذا المنتدى(او من كان ميّتا فاحيّناه)الحمد لله

وكما قال علي بن أبي رضي الله عنه "لا يستحي من يتعلم أن يقول لا أعلم"

فكيف لي مشرفتي أن أتعلم الحديث والشروح وجزاك ربي خيرا

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

 

نقل قيم ؛ واستنباطات رائعة

بارك الله فيك يا حبيبة وجزاك خيرًا .

شارك هذه المشاركه


رابط المشاركه
شارك

إنشاء حساب جديد أو تسجيل دخول لتتمكني من إضافة تعليق جديد

يجب ان تكون عضوا لدينا لتتمكن من التعليق

إنشاء حساب جديد

سجلي حسابك الجديد لدينا في الموقع بمنتهي السهوله .

سجلي حساب جديد

تسجيل دخول

هل تمتلكين حسابًا بالفعل ؟ سجلي دخولك من هنا.

سجلي دخولك الان

  • من يتصفحن الموضوع الآن   0 عضوات متواجدات الآن

    لا توجد عضوات مسجلات يتصفحن هذه الصفحة

  • محتوي مشابه

    • بواسطة ظِـلاَلُ اليَّـاسَميـنْ
      بسم الله الرحمن الرحيم
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
       
       
      شرح حديث: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان...
       
      - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم))؛ متفق عليه.
       
      شرح الحديث:
      قوله: ((كلمتان حبيبتان إلى الرحمن... إلخ)): كلمتان خبر مقدم، مبتدؤه: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وفي تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ، وكلما طال الكلا‌م في وصف الخبر، حَسُن تقديمه؛ لأ‌ن كثرة الأ‌وصاف الجميلة تزيد السامع شوقًا؛ قاله الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).
       
      قوله: (حبيبتان إلى الرحمن)؛ قال الحافظ ابن حجر: وخص لفظ الرحمن بالذكر؛ لأ‌ن المقصود من الحديث بيان سَعة رحمة الله - تعالى - على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
       
      قوله: (خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان)؛ قال الحافظ ابن حجر: وصفهما بالخِفة والثِّقَل؛ لبيان قلة العمل وكثرة الثواب.
       
      وقد نقل الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الحديث عن ابن بطال أنه قال:
      "هذه الفضائل الواردة في فضل الذكر، إنما هي لأ‌هل الشرف في الدين والكمال؛ كالطهارة من الحرام والمعاصي العظام، فلا‌ تظن أن من أدْمن الذِّكر، وأصرَّ على ما شاءه من شهواته، وانتهَك دين الله وحُرماته، أنه يلتحق بالمطهَّرين المقدَّسين، ويبلغ منازلهم بكلا‌مٍ أجراه على لسانه، ليس معه تقوى ولا‌ عمل صالح".
       
      (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم):
      المعنى: أُنزِّه اللهَ عن كل ما لا‌ يليق به؛ قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): وسبحان اسم منصوب على أنه واقع موقع المصدر لفعلٍ محذوف تقديره: سبَّحت الله سبحانًا، كسبَّحت الله تسبيحًا، ولا‌ يستعمل غالبًا إلا‌ مضافًا، وهو مضاف إلى المفعول؛ أي: سبَّحت الله، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل؛ أي: نزَّه الله نفسه، والمشهور الأ‌ول، وقال - في قوله: (وبحمده) -: قيل: الواو للحال، والتقدير أُسبِّح الله متلبسًا بحمدي له من أجل توفيقه، وقيل: عاطفة، والتقدير: أُسبح الله وأتلبَّس بحمده.
       
      قال الحافظ ابن حجر فيما نقَله عن شيخه أبي حفص عمر البلقيني في أواخر مقدمة الفتح، قال: (وهاتان الكلمتان ومعناهما، جاء في ختام دعاء أهل الجنان؛ لقوله - تعالى -: ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس: 10].
       
      من فقه الحديث:
      ♦ الحث على المواظبة على هذا الذكر، والتحريض على ملا‌زمته.
      ♦ إثبات صفة المحبة لله تعالى.
      ♦ الجمع بين تنزيه الله - تعالى - والثناء عليه في الدعاء.
      ♦ بيان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأُ‌مته الأ‌سباب التي تُقربهم إلى الله، وتُثقل موازينهم في الدار الآ‌خرة.
      ♦ إثبات الميزان، وجاء في بعض النصوص إثبات أن له كِفَّتين.
      ♦ إثبات وزن أعمال العباد.
      ♦ التنبيه على سَعة رحمة الله؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل.
      ♦ الإ‌شارة بخِفة هاتين الكلمتين على اللسان إلى أن التكاليف شاقَّة على النفس، ومن أجل ذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ((حُجبت الجنة بالمكاره، وحُجبت النار بالشهوات)).
       
      وقد جاء عن بعض السلف التعليل لثِقَل الحسنة وخِفة السيئة، فقال:
      "لأ‌ن الحسنة حضَرت مرارتها وغابت حلا‌وتها؛ فلذلك ثَقُلت، فلا‌ يَحملنَّك ثِقَلها على ترْكها، والسيئة حضَرت حلا‌وتها وغابَت مرارتها؛ فلذلك خفَّت، فلا‌ تَحملنَّك خِفتها على ارتكابها".
       
      ♦ إطلا‌ق الكلمة مُرادًا بها الكلا‌م.
       
      http://www.alukah.net/library/0/48905/
    • بواسطة سدرة المُنتهى 87
      بسم الله الرحمن الرحيم




      عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما قال:



      "قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق فلا شفعة"



      متفق عليه،



      وفي رواية لمسلم عن جابر أيضا قال:



      "قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشُّفْعة في كل شركة ما لم تقسم، ربعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، وإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به".
       
      غريب الحديث
       
      الشُّفْعة لغة: مشتقة من الشَّفع وهو الضّم،



      وشرعا: استحقاق الشريك انتزاع وضم حصة شريكه من يد مشتريها بالثمن الذي استقر عليه العقد مع المشتري،



      وتتضح العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي، فإذا كانت الشفعة لغة بمعنى: الضم والزيادة، فإن الشفيع بانتزاعه حصة شريكه من يد من انتقلت إليه بضم تلك الحصة إلى ما عنده فيزيد بها تملكه، فالضم والزيادة موجودان في المعنيين اللغوي والشرعي، غير أن الشفعة في الشرع اعتبر فيها قيود جعلتها أخص من معناها في اللغة.
       
      وقد كانت الشُّفْعة معروفة عند العرب، فإن الرجل في الجاهلية إذا أراد بيع منزلٍ أو حائطٍ أتاه الجار والشريك والصاحب يشفع إليه فيما باع فيشفعه ويجعله أولى به ممن بعد منه، فسميت شفعة، وسمي طالبها شفيعا.


       

      وقعت الحدود: عُيِّنت الحدود، والحدود جمع حد وهو هنا: ما تُميّز به الأملاك بعد القسمة.



      صُرِّفت الطرق -بضم الصاد وكسر الراء المثقلة-: بُينت مصارفها وشوارعها.
       
      شرح الحديث
       
      هذا الحديث الشريف هو العمدة في مشروعية الشُّفْعة؛ إذ أن الشُّفْعة من الأحكام التي جاءت بها السنة ابتداءً،



      ومعنى الحديث: أنه إذا باع أحد الشريكين نصيبه من العقار أو المال المشترك بينهما، فللشريك الذي لم يبع أخذ النصيب من المشتري بمثل ثمنه، دفعاً لضرره بالشراكة.



      وهذا الحق ثابت للشريك ما لم يكن العقار أو المال المشترك قد قُسم وعرفت حدوده وصرفت طرقه، أما بعد معرفة الحدود وتميزها بين النصيبين، وبعد تصريف شوارعها فلا شُفعة، لزوال ضرر الشراكة والاختلاط الذي ثبت من أجله استحقاق انتزاع المبيع من المشتري.
       
      من فقه الحديث
       
      - الشُّفْعة من محاسن الإسلام: شرعت لدفع الضرر عن الشريك؛ لأنه ربما اشتري نصيب شريكه عدو له، أو صاحب خلق سيء، فيحدث بسبب ذلك التباغض، ويتأذى الجار، وفي ثبوت الشفعة دفع للأذى والضرر.


       

      - تثبت الشُّفْعة: في كل شيء لم يقسم من أرض، أو دار، أو حائط، ويحرم التحايل لإسقاطها؛ لأنها شرعت لإزالة الضرر عن الشريك.


       

      - الشُّفْعة حق للشريك متى علم بالبيع: فإن أخرها بطلت شفعته، إلا أن يكون غائباً أو معذوراً فيكون على شفعته متى قَدَر عليها، وإن أمكنه الإشهاد على المطالبة بها ولم يشهد بطلت شفعته.



      - إذا مات الشفيع: ثبتت الشفعة لورثته، ويأخذ الشفيع المبيع بكل الثمن، فإن عجز عن بعضه سقطت.


       

      - لا يجوز للشريك أن يبيع نصيبه حتى يؤذن شريكه: فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وإن أذن له وقال: لا غرض لي فيه، لم يكن له المطالبة به بعد البيع.


       

      - الجار أحق بشُفعة جاره: فإذا كان بين الجارين حقٌّ مشتركٌ من طريق أو ماء ثبتت الشفعة لكل منهما، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الجار أحق بشفعة جاره يُنْتَظَرُ بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً) رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح.


       

      منقول من الشبكة الإسلامية~


    • بواسطة سدرة المُنتهى 87
      بسم الله الرحمن الرحيم


       

      شرح حديث:
      (كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا)


       

      عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:



      كُنَّا قُعُوداً حَوْلَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فِي نَفَرٍ.



      فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا.



      فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا. وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا. وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا.



      فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ.


       

      فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّار.



      فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابا. فَلَمْ أَجِدْ.



      فَإِذَا رَبيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئرٍ خَارِجَةٍ (وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ) فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ.



      فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ "أَبُو هُرَيْرَةَ؟"



      فَقُلْتُ: نَعَمْ. يَا رَسُولَ اللّهِ.



      قَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟"


       

      قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا. فَخَشِينَا أَنْ تُقْتطَعَ دُونَنَا. فَفَزِعْنَا. فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ. فَأَتَيْتَ هذَا الْحَائِطَ. فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ. وَهؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي


       

      فَقَالَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ" (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ) قَالَ:



      "اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَينِ. فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاء هذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ، مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلُبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ".


       

      فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَرُ. فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعَلاَنِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟!



      فَقُلْتُ: هَاتَيْنِ نَعْلاَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بَعثَنِي بِهِمَا. مَنْ لَقِيِتُ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللّهُ مُسْتَيْقِنا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّةِ.


       

      فَضَرَبَ عُمَرُ بِيَدِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ. فَخَرَرْتُ لاِسْتِي. فَقَالَ: ارْجِع يا أَبَاهُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً، وَرَكِبَنِي عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِيْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:


       

      "مَالَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟"



      قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبِرْتُهُ بالذِيْ بَعَثتَنِي بهِ. فَضَرَبَ بَينَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، خَرَرْتُ لاِسْتِيْ، قَالَ: ارْجِع، فقَالَ لَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:


       

      « يَا عُمَرَ! مَا حَمَلكَ عَلى مَا فَعَلتَ؟ »


       

      قَالَ: يَا رسُولَ اللهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيرَةَ بِنَعْلِيْكَ، مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللهُ مُسْتَيقَنَاً بِهَا قَلبُهُ، بَشَّرَهُ بِالجَنَّةِ؟ قَالَ: « نَعَمْ »


       

      قَالَ: فَلا تَفْعَلْ، فَإِني أَخْشَى أَن يَتكِلَ النَّاسُ عَليْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلونَ،


       

      قَالَ رسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "فَخَلِّهِمْ " رواه مسلم.


       
       
       
       
       

      شرح ألفاظ الحديث:


       

      (فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا): أي فقام من بيننا.


       

      (وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا): أي خشينا أن يقطعه مكروه أصيب به من عدو إما بأسر و إما بغيره.


       

      (ففَزِعْنَا و قُمْنَا): أي اهتممنا لاحتباسه فتركنا ما نحن فيه وأقبلنا على طلبه.


       

      (حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطاً): الحائط البستان وسمي بذلك لأنه حائط لا سقف له.


       

      (فَإِذَا رَبيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ): الربيع هو الجدول، والجدول هو الساقي الواضح كالطريق للماء.


       

      (مِنْ بِئرٍ خَارِجَةٍ): قيل خارجة صفة للبئر، و قيل: خارجة اسم رجل يملك هذا البئر.


       

      (فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ): احتفزت أي تضاممت كما يتضام الثعلب ليسعه الدخول في نافذ الجدول على الحائط.


       

      (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ): أراد النبي -صلى الله عليه وسلم-أن يعطيه قرينة تعضد ما سيقوله من خبر وأنه واجه النبي -صلى الله عليه وسلم-حقيقة وقال له هذا الخبر العظيم ودليل ذلك وقرينته نعلي النبي -صلى الله عليه وسلم-التي جاء بها لتأكيد اللقاء به،



      مع أن أبا هريرة ثقة ولا يتهم ولكن أعطاه ذلك زيادة في التأكيد لعظم الخبر الذي معه.


       

      (مُسْتَيْقِنا بِهَا قَلُبُهُ): اليقين هو العلم الراسخ والثابت في القلب.


       

      (فَخَرَرْتُ لاِسْتِي): أي على استي وهو اسم من أسماء الدبر، فكأنه دفعه في صدره فوقع على دبره، وفعل عمر مع أبي هريرة حتى أسقطه لم يكن ليؤذيه وإنما ليمنعه فوافق فعله هكذا ليكون أبلغ في الزجر.


       

      (فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً): بفتح الهمزة والهاء وإسكان الجيم أي تهيأت للبكاء ولم أبك بعد.


       

      (وَرَكِبَنِي عُمَرُ): أي تبعني ومشى خلفي في الحال بلا مهلة، و لذلك قال (فإذا هو على أثري).


       

      (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي): أي أفديك بأبي وأمي.


       
       
       

      من فوائد الحديث:


       

      الفائدة الأولى: الحديث دليل على بسط النبي -صلى الله عليه وسلم-نفسه لأصحابه، يعلمهم ويخرج معهم إلى الحوائط، ويفيدهم، وهكذا ينبغي لصاحب العلم أن يهتم بتعليم الناس والخروج لهم بما لديه من الخير لينشره.


       
       

      الفائدة الثانية: في الحديث حرص الصحابة ومحبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-حيث خافوا عليه وفزعوا في طلبه حين أبطأ عليهم.


       
       

      الفائدة الثالثة: الحديث دليل على جواز دخول الإنسان ملك غيره من دون إذنه إذا علم رضاه بذلك، لاسيما إن كان لحاجة كما فعل أبو هريرة رضي الله عنه حين دخل الحائط ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-.


       
       

      قال النووي: "وهذا غير مختص بدخول الأرض بل يجوز له الانتفاع بأدواته وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته ونحو ذلك من التصرف الذي يعلم أنه لا يشق على صاحبه، هذا هو المذهب الصحيح الذي عليه جماهير السلف والخلف من العلماء رحمة الله عليهم" [انظر شرح النووي لمسلم حديث (21)].


       
       

      الفائدة الرابعة: الحديث دليل على تأييد الخبر العظيم بقرينة تؤكده، كما فعل النَّبي -صلى الله عليه وسلم-حين أعطى أبا هريرة نعليه.


       
       

      الفائدة الخامسة: الحديث فيه رد على غلاة المرجئة القائلين أن التلفظ بالشهادتين يكفي في الإيمان ولو لم يصاحبه اعتقاد القلب، فقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (مُسْتَيْقِنا بِهَا قَلُبُهُ) رد على مذهبهم الفاسد الذي به يدخل المنافقون في الإيمان، و المرجئة -كما تقدم- أقسام منهم الغلاة ومنهم دون ذلك، وتمسك بحديث الباب المرجئة غير الغلاة الذين قالوا: بأن الاعتقاد والنطق بالشهادتين كافٍ للإيمان ولا يضره أي معصية ولو كانت مكفرة، وتقدم الرد عليهم في شرح الأحاديث السابقة ما يغني عن الإعادة فارجع إليها ففيها الإفادة.


       
       

      الفائدة الساسة: الحديث دليل على شدة عمر - رضي الله عنه-، وحكمته وسعة فقهه حين ردَّ أبا هريرة وأشار إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-أن ذلك يدعوهم للاتكال وترك العمل ووافقه النبي -صلى الله عليه وسلم-فرجع إلى رأي عمر، وفي هذا



      جواز مراجعة المتبوع للتابع إن رأى مصلحة راجحة يبينها له في رأيه الذي خالفه فيه.


       
       
       

      مستلة من إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم (كتاب الإيمان)


       

      منقول من الألوكة~


    • بواسطة أم أمة الله
      قبس من نور النبوة




      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد....
      فهذا حديث عظيم أصل من اصول الإسلام
      جمع الكثير من الخير لنا لنتدبر معناه ولنعمل بإخلاص
      بمحتواه عسي ان يقبلنا الله وننال رضاه.


       
       

      {وعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو، فبايعٌ نفسه فمعتِقُها أو موبِقُها} [ رواه مسلم] .
       
      1 _ راوى الحديث:
       
      الحارث بن عاصم الأشعري(أبو مالك):
      نسبه إلى الأشعر وهي قبيلة مشهورة في اليمن، قدم مع الأشعريين على النبي صلى الله عليه وسلم.
      غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأمره على بعض السرايا وكان يعلم قومه صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقد هب مع الفاتحين إلى الشام .
      وتوفي في طاعون عمواس .
      وقد روى أحاديثه البخاري ومسلم وأصحاب السنن حيث روي عن النبي صلى الله عليه وسلم 27 حديثاً.
      [راجع للتوسع في ترجمته طبقات ابن سعد والاستيعاب لابن عبد البر وتهذيب الكمال للمزي وتاريخ مدينة دمشق.]
       
       

      2_مُخًّرِج الحديث
       
      أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري (206 هـ - 261 هـ) و( 822 م - 875 م)، من أهم علماء الحديث عند أهل السنة والجماعة، وهو مصنف كتاب صحيح مسلم الذي يعتبر ثاني أصح كتب الحديث بعد صحيح البخاري. أخذ عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وتتلمذ على الإمام البخاري، كان أحد أئمة الحديث وحفاظه، اعترف علماء عصره ومن بعدهم له بالتقدم والإتقان في هذا العلم، توفي بنصر أباد قرب نيسابور سنة 261 هجرية.
      قال النووي رحمه الله:
      "هذا حديث عظيم أصل من أصول الاسلام، قد اشتمل على مهمات من قواعد الاسلام.
       
       

      شرح الحديث:
      قال عليه الصلاة والسلام: ((الطهور شطر الإيمان)).
      (الطُّهور) بالضم: التطهر، وهو المراد هنا
      (الطَّهور) بالفتح: ما يتطهر به من الماء وغيره
      الشطر لغة: النصف
      الطُّهُور: يعني بذلك طهارة الإنسان.
      شطر الإيمان: أي نصف الإيمان.
      وذلك لأن الإيمان تخْلِيَةٌ وتحْلِيَة.
      أي: تبرُّؤٌ من الشرك والفسوق، تبرؤٌ من المشركين والفُسَّاق بحسب ما معهم من الفسق، فهو تخلٍّ.
      وهذا هو الطهور ؛ أن يتطهر الإنسان طهارة حسيه ومعنوية من كل ما فيه أذى . فلهذا جعله النبي عليه الصلاة والسلام شطر الإيمان،
       

       
      وأما قوله صلى الله عليه و سلم:" والحمد لله تملأ الميزان":
       
      فمعناه عظم أجرها، وأنه يملأ الميزان، وقد تظاهرت نصوص القرآن والسنة على وزن الأعمال وثقل الموازين وخفتها. (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ )[القارعة: 6- 11].




       
       
      ((وسبحان الله))
       
      معناها: تنزيه الله عز وجل عما لا يليق به من العيوب ومماثلة المخلوقات.
      _فالله- عز وجل- منزَّه عن كل عيب في أسمائه ، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه، لا تجد في أسمائه اسما يشتمل على نقص أو على عيب ؛
      _ولهذا قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى[الأعراف:180]،



      ولا تجد في صفاته صفة تشتمل على عيب أو نقص؛



      _ ولهذا قال الله (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى بعد قوله:لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ) [النحل:60 ]



      _فالله عز وجل له الوصف الأكمل الأعلى من جميع الوجوه، وله أيضاً الكمال المنزه عن كل عيب في أفعاله، كما قال الله تعالى:وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ [الدخان:38]، فليس في خلق الله لعبٌ ولهوٌ وإنما هو خلق مبني على الحكمة.
       
      _كذلك أحكامه لا تجد فيها عيباً ولا نقصاً كما قال الله تعالى : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ )[التين:8]،
       
       
      وقوله صلى الله عليه وسلم : ((سبحان الله والحمد لله تملآن- أو قال تملأ- ما بين السموات والأرض))
       
      _شك من الرواي: هل قال النبي صلى الله عليه وسلم : تملآن ما بين السموات والأرض، أو قال تملأ ما بين السموات والأرض.
      _والمعنى لا يختلف.يعني أن سبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماوات والأرض، وذلك لأن هاتين الكلمتين مشتملتان على تنزيه الله عن كل نقص
      _في قوله: ((سبحان الله)) وعلى وصف الله بكلِّ كمال في قوله: ((والحمد لله)).
      _فقد جمعت هاتان الكلمتان بين التَّخْليةِ والتَّحْليةِ كما يقولون؛ أي بين نفي كل عيب ونقص، وإثبات كل كمال، فسبحان الله فيها نفي النقائص، والحمد لله فيها إثبات الكمالات.
      فالتسبيح:
      تنزيه الله عما لا يليق به في أسمائه ، وصفاته، وأفعاله، وأحكامه .
      والله - عز وجل- يُحمد على كل حال،
       
      وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا أصابه ما يُسرُّ به قال:
      (الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أصابه سوى ذلك قال ((الحمد لله على كل حال))
       
       
       



       
       

      0 ثم إن ها هنا كلمة شاعت أخيرا عند كثير من الناس؛
       
      وهي قولهم (( الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه)).
      هذا الحمد ناقص ‍‍!!
      _لأن قولك على مكروه سواه تعبير على قلَّة الصبر ، أو - على الأقل- عدم كمال الصبر، وأنك كارهٌ لهذا الشيء، ولا ينبغي للإنسان أن يُعبر هذا التعبير، بل الذي ينبغي له أن يعبر بما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعبِّر به؛ فيقول (( الحمد لله على كل حال))، أو يقول : (( الحمد لله الذي لا يحمد على كل حال سواه)).
      _أما أن يقول: على مكروه سواه، فهذا تعبير واضح على مضادة ما أصابه من الله- عز وجل- وأنه كارهٌ له.
       
      0 وأنا لا أقول: إن الإنسان لا يكره ما أصابه من البلاء ، فالإنسان بطبيعته يكره ذلك، لكن لا تُعلن هذا بلسانك في مقام الثناء على الله، بل عبِّر
      كما عبَّر النبي صلى الله عليه وسلم
      (( الحمد لله على كل حال)).
       
       

       
       
      قوله صلى الله عليه وسلم : ((والصلاة نور)).
       
      فالصلاة نور:
      _ نور للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبْره، وفي حشره،
      _ ولهذا تجد أكثر الناس نوراً في الوجوه أكثرهم صلاة، وأخشعهم فيها لله عز وجل.
      _وكذلك تكون نوراً للإنسان في قلبه؛ تفتح عليه باب المعرفة لله- عز وجل-، وباب المعرفة في أحكام الله، وأفعاله، وأسمائه، وصفاته، وهي نور في قبر الإنسان؛
      _لأن الصلاة هي عمود الإسلام، إذا قام العمود قام البناء، وإذا لم يقُم العمود فلا بناء.
      كذلك نور في حشرة يوم القيامة؛
       
      0 كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم :
       
      { مَن حافظ عليها [يعني الصلاةَ] كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ، ومن لم يحافظْ عليها لم تكنْ له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وحُشِرَ يومَ القيامةِ مع فرعونَ وهامانَ وقارونَ وأُبَيِّ بنِ خلَفٍ}
      الراوي:[عبدالله بن عمرو] المحدث:ابن باز المصدر:مجموع فتاوى ابن باز الجزء أو الصفحة:278/10 حكم المحدث:إسناده حسن
      فهي نور للإنسان في جميع أحواله، وهذا يقتضي أن يحافظ الإنسان عليها، وأن يحرص عليها، وأن يُكثر منها حتى يكثر نوره وعلمه وإيمانه.
       

       
      قوله: ((والصبر ضياء))
       
      فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الصبر ضياء؛ يعني أن يضيء للإنسان، عندما تحْتَلِكُ الظلمات وتشتدُّ الكُرُبات، فإذا صبر؛ فإن هذا الصبر يكون له ضياء يهديه إلى الحق.
       
      والصبر أقسامه ثلاثة :
      1-صبر على طاعة الله.
      2-صبر على معصية الله .
      3-صبر على أقدار الله .
       
      _ولهذا ذكر الله- عز وجل- أنه من جملة الأشياء التي يُستعان بها، فهو ضياء للإنسان في قلبه، وضياء له في طريقه ومنهاجه وعلمه؛
      لأنه كلما سار إلى الله - عز وجل- على طريق الصبر؛ فإن الله تعالى- يزيده هدىً وضياءً في قلبه ويبصره؛
      فلهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((الصبر ضياء)).
       
       
      _وأيضاً قوله(( ضياء)) فيه نور؛ لكن نور مع حرارة، كما قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً) [يونس: 5] .
      _فالضوء لابد فيه من حرارة، وهكذا الصبر، لابد فيه من حرارة وتعب، لأن فيه مشقة كبيرة، ولهذا كان أجره بغير حساب.
       
      _فالفرق بين النور في الصلاة والضياء في الصبر، أن الضياء في الصبر مصحوب بحرارة؛ لما في ذلك من التعب القلبيِّ والبدنيِّ في بعض الأحيان.
       

       
      وقوله: ((الصدقة برهان)).
       
      _الصدقة: بذل المال تقرُّباً إلى الله- عز وجل- فيبذل المال على هذا الوجه للأهل، والفقراء، والمصالح العامة، كبناء المساجد وغيرها؛ برهاناً على إيمان العبد، وذلك أن المال محبوب إلى النفوس، والنفوس شحيحةٌ به، فإذا بذله الإنسان لله، فإن الإنسان لا يبذل ما يحب إلا لما هو أحب إليه منه. فيكون في بذل المال لله- عز وجل- دليل على صدق الإيمان وصحته.
       
      0 ولهذا تجد أكثر الناس إيماناً بالله- عز وجل- أكثرهم صدقة.
       
       

       
       
      ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((والقرآن حجة لك أو عليك))
       
      _لأن القرآن هو حبل الله المتين، وهو حجة الله على خلقه، فإما أن يكون لك، وذلك فيما إذا توصَّلتَ به إلى الله، وقمت بواجب هذا القرآن العظيم من التصديق بالأخبار، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتعظيم هذا القرآن الكريم واحترامه.ففي هذه الحال يكون حجة لك.
      _أما إن كان الأمر بالعكس، أهنتَ القرآن، وهَجرته لفظاً ومعنى وعملاً، ولم تقُم بواجبه؛ فإنه يكون شاهداً عليك يوم القيامة.
      قال تعالى:
      {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ( 30الفرقان)}
       
      يقول ابن كثير فى تفسيره:
      _ترك الإيمان به من هجرانه،
      _وترك تدبره وتفهمه من هجرانه
      _ وترك العمل به من هجرانه
      _ والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول، أو غناءٍ أو لهوٍ من هجرانه.
      0 ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مرتبةً بين هاتين المرتبتين!
      يعني: لم يذكر أن القرآن لا لك، ولا عليك ؛ لأنه لابد أن يكون إما لك وإما عليك على كل حال .
      فنسأل الله أن يجعله لنا جميعاً حجة نهتدي به في الدنيا وفي الآخرة؛ إنه جواد كريم.
       

       
       
      قوله: ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)).
       
      أي: كل الناس يبدأ يومه من الغدوة بالعمل، وهذا شيء مشاهد.
      فإن الله - تعالى- جعل الليل سكناً وقال: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60]



      ، فهذا النوم الذي يكون في الليل هو وفاة صُغرى، تهدأ فيه الأعصاب، ويستريح فيه البدن، ويستجدُّ نشاطه للعمل المقبل، ويستريح من العمل الماضي.
      فإذا كان الصباح- وهو الغُدوةُ - سار الناس واتجهوا كلٌّ لعمله.
      فمنهم من يتجه إلى الخير، وهم المسلمون، ومنهم من يتجه إلى الشر، وهم الكفار والعياذ بالله.



      فالمسلم أول ما يغدو
      يفتتح يومه بالتوحيد؛ لأنه يشرع للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يذكر الله- عز وجل- وأن يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران وهي قوله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ إلى آخر السورة)ال عمران
      ثمَّ يتوضأ ويتطهر ((والطهور شطر الإيمان)) كما في هذا الحديث.



       
      ثم يذهب فيصلي، وبذلك يبدأ يومه بالتوحيد وبعبادة الله- عز وجل-؛ بالطهارة، والنقاء، والصلاة، التي هي صلة بين العبد وبين ربه،
      هذا المسلم. هو بائع نفسه، لكن هل باعها بيعاً يعتقها فيه؟!
      نقول: نعم باعها بيعا يعتقها كما جاء فى الحديث
       
      ____________
       
      ((أو موبقها))
      معناها: بائع نفسه فموبقها.
      الكافر يغدو إلى العمل الذي فيه الهلاك؛ لأن معني (أوبقها) أهلكها.
      وذلك أن الكافر يبدأ يومه بمعصية الله، حتى لو بدأ بالأكل والشرب؛ فإن أكله وشربه يعاقب عليه يوم القيامة، ويحاسب عليه.
      كل لقمة يرفعها الكافر إلى فمه فإنه يعاقب عليها ، وكل شربة يبتلعها من الماء فإنه يعاقب عليها، وكل لباس يلبسه فإنه يعاقب عليه.
       
      والدليل على هذا قوله تعالى:



      (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاخَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ) [ الأعراف:32] ، للذين آمنوا لا غيرهم.



      يعني: ليس عليهم من شوائبها شيء يوم القيامة.
       
      فمفهوم الآية الكريمة قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِأنها لغير المؤمنين حرام، وأنها ليست خالصة لهم يوم القيامة، وأنهم سيعاقبون عليها.
      وقال الله في سورة المائدة؛ وهي من آخر ما نزل:



      (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا)[المائدة:93]


       

      فمفهوم الآية الكريمة : أن على غير المؤمنين جناح فيما طعموه.
       
      فالكافر من حين ما يصبح- والعياذ بالله- وهو بائع نفسه فيما يُهلكها،
      أما المؤمن فبائع نفسه فيما يعتقها وينجيها من النار.
      نسأل الله أن يجعلنا جميعاً منهم.
       
      في آخر هذا الحديث بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم
      أن الناس ينقسمون إلي قسمين:
      قسم يكون القرآن حجة لهم؛ كما قال : ((والقرآن حجة لك)).
      يعتِقون أنفسَهم بأعمالهم الصالحة.
      وقسم يُهلكونها بأعمالهم السيئة .
       
      ___________________________
       
      فلنجتهد اخوانى ان نكون ممن يبيع نفسه فيعتقها
      جزاكم الله خيرا على طيب المتابعة وجزى الله خيرا كثيراً من قرأ وعمل ونشر
      والله الموفق.
       
       

      [ترجمته طبقات ابن سعد
      والاستيعاب لابن عبد البر
      وتهذيب الكمال للمزي
      وتاريخ مدينة دمشق.]
      النووى شرح رياض الصالحين
      ابن كثير
      ابن العثيمين شرح رياض الصالحين
      بتلخيص وتصرف وتوضيح منى



       
       





       

    • بواسطة أم أمة الله
      قبس من هدى النبوة
      عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». متفق عليه.
       
       
      أبو هريرة_
      _عبد الرحمن بن صخر الدوسي الأزدي في الإسلام، ولقبه أبو هريرة لهِرَّة كان يحملها ويعتني بها، وكان رسول الله يدعوه أبا هرّ. وقد ولد في بادية الحجاز سنة 19 قبل الهجرة، وأمه ميمونة بنت صبيح.
      كان أبو هريرة قبل أن يسلم يعيش فقيرًا معدمًا في قبيلة بعيدة عن رسول الله ، يقول عن نفسه: نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعُقْبَة رجلي، فكنت أخدم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فزوجنيها الله، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا، وجعل أبا هريرة إمامًا.
       
      _أسلم على يد الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي ، وهو من أوائل الذين أسلموا على يد الطفيل، وكان عمره حينما أسلم حوالي ست عشرة سنة.
       
      _كان للنبي الأثر الأكبر في تنشئة وتربية أبي هريرة ، فمنذ أن قدم إلى النبي لم يفارقه أبدًا، وفي سنوات قليلة حصّل من العلم عن الرسول ما لم يحصله أحد من الصحابة ، وكان النبي يوجِّهه كثيرًا؛ فعنه أن النبي قال له: "يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس".
      وعن أبي هريرة ، أن النبي قال له: "أوصيك يا أبا هريرة بخصالٍ لا تدعهن ما بقيت". قال: أوصني ما شئت. فقال له: "عليك بالغسل يوم الجمعة، والبكور إليها، ولا تلغ، ولا تله. وأوصيك بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ فإنه صيام الدهر. وأوصيك بركعتي الفجر لا تدعهما وإن صليت الليل كله؛ فإن فيهما الرغائب" قالها ثلاثًا.
       
      _قال أبو هريرة : "ما كان أحد أحفظ لحديث رسول الله مني إلا عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يعي بقلبه وأعي بقلبي، وكان يكتب وأنا لا أكتب، استأذن رسول الله في ذلك، فأذن له".
      قال البخاري: "روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من بين صاحبٍ وتابعٍ".
      وممن روى عنه من الصحابة: ابن عباس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعائشة .
      _وفاة أبي هريرة:
      لما حضرت أبا هريرة الوفاةُ بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: "بُعد المفازة، وقلة الزاد، وعقبة كئود المهبط منها إلى الجنة أو النار".
      وقد تُوُفِّي أبو هريرة بالمدينة سنة سبع وخمسين، وله ثمانٍ وسبعون.
       
       
      الشرح:
      هذا حديث قدسي من قول الله تعالى، لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أضافه إلى ربه بقوله: (يقول الله تعالى)
       
      قوله: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني):
      فيه إثبات المعية لله عز وجل معيه خاصة، وهي معية الله تعالى مع الذاكرين بتوفيقه وإثباته وتسديده وحفظه، كما قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فهي معية مع المتقين والمحسنين. وقوله: { وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
      _فهي معية مع الصابرين بحفظهم وكلاءتهم وتوفيقهم.
       
      _ وهي غير المعية العامة، التي هي معية الله تعالى مع الخلق كلهم. كما قال تعالى:
      {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ }
      _ أى مع الخلق بإحاطته ونفوذ قدرته ومشيئته وعلمه وإطلاعه ونفوذ بصره فيهم، فهي تشمل الخلق كلهم، مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى معهم بالعلم لا يخفى عليه شيء من عباده. كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فافتتح أول الآية بالعلم وختمها بالعلم، فدل على أن المعية معية العلم والإحاطة، والاطلاع والقدرة والمشيئة.
       
      فيجتمع في حق المؤمن المعية الخاصة والعامة، فهو مع الذاكرين بعلمه وإحاطته وإطلاعه، ومعهم معية خاصة بتوفيقه وإعانته، وينفرد الكافر بالمعية العامة.
       
      قوله: (أنا عند ظن عبدي بي):
      فيه أنه ينبغي للإنسان أن يحسن ظنه بالله تعالى.
       
      قوله: (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي..):
      وهنا إثبات النفس لله تعالى. فهو سبحانه يذكر عبده في نفسه إذا ذكره في نفسه، وإذا ذكره عبده في ملأ ذكره في ملأ خير منهم.
       
      قوله: (وإن تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليّ ذراعًا، تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة):
      هذه كلها من الصفات الفعلية لله عز وجل. فتقرب الله تعالى من العبد إذا تقرب إليه، وذكر الله تعالى للعبد إذا ذكره وإتيان الله تعالى إلى العبد إذا أتى إليه. هذه كلها من الصفات الفعلية.
       
      _لكن من ثمراتها أن الله تعالى أسرع بالخير إلى العبد وأسرع بالإثابة من فعل العبد للطاعة، فهذه من ثمراتها.
       
      وما ذُكر في الحديث صفات فعلية تليق بالله تعالى لا نعلم كيفيتها، فنثبت أن الله يذكر العبد إذا ذكره، وأن الله تعالى يتقرب إلى من تقرب إليه، وأنه سبحانه يأتي من أتى إليه، وهذه الصفات الفعلية توصف بها نفس الله عز وجل.
       
      المقصود بالذكر/
      يقول ابن تيمية_
      *أَنَّ مُلَازَمَةَ ذِكْرِ اللَّهِ دَائِمًا هُوَ أَفْضَلُ مَا شَغَلَ الْعَبْدَ بِهِ نَفْسَهُ فِي الْجُمْلَةِ والأذكار التى ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة أذكار مطلقة....وأذكار مقيدة.
       
      *ثُمَّ إعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ اللِّسَانُ وَتَصَوَّرَهُ الْقَلْبُ مِمَّا يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمٍ وَتَعْلِيمِهِ وَأَمْرٍ بِمَعْرُوفِ وَنَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ فَهُوَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
       
      *وَلِهَذَا مَنْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ النَّافِعِ بَعْدَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ أَوْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَتَفَقَّهُ أَوْ يُفَقِّهُ فِيهِ الْفِقْهَ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِقْهًا فَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَفْضَلِ ذِكْرِ اللَّهِ.
      ___________________
      _ و امَّا الأذكار فقسمان/
      أذكار مطلقة
      وأذكار مقيدة.
       
      *الأذكار مطلقة
      وأما الذكر المطلق: فهو ما لم يقيد بزمان ولا مكان، ولا وقت ولا حال، ولا قيام ولا قعود، فالمطلوب من المؤمن أن يذكر ربه في كل حال حتى لا يزال لسانه رطباً بذكر الله ومثل هذه الأذكار..
       
      عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ الله وَالحَمْدُ لله وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ». أخرجه مسلم.
       
      وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَحَبّ الكَلاَمِ إِلَى الله أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ الله، وَالحَمْدُ لله، وَلاَ إِلََهَ إِلاّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، لاَ يَضُرّكَ بِأَيّهِنّ بَدَأْتَ». أخرجه مسلم.
       
      أما الذكر المقيد: فهو الذي ندبَنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيَّداً بزمان خاص أو مكان خاص ؛ كالذكر بعد أداء كل صلاة، من تسبيح وتحميد وتكبير، وأذكار المسافر والآكل والشارب، وأذكار النكاح، وأذكار تقال عند الشدة ودفع الآفات والمصائب، وعند المرض والموت وما يتعلق بهما، وبعد صلاة الجمعة وليلتها، وعند رؤية الهلال، وإفطار الصائم، وأذكار الحج بأنواعها، وأذكار تقال في الصباح والمساء، وعند النوم والاستيقاظ، وأذكار الجهاد في سبيل الله، وأذكار متفرقة: عند صياح الديك، ونهيق الحمار، وأذكار عند رؤية مبتلى بمرض وغيره.
      وعموماً : كما قال ابن تيمية كلما علت همة المؤمن وزادت محبته لله تعالى أكثر من ذكره، لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
      والله الموفق



       
       
       




منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏‏من سورة النحل [99] ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ لا يقوى تسلُّط الشيطان على الإنسان إلا مع ضعف الإيمان، وإذا قوي الإيمان ضعف تسلّطه. دُرَر الطَّريفِي

×