اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 54926
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109819
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9062
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180035
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56688
      مشاركات
    4. 259917
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23481
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      7963
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32119
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4155
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25481
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1676
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30212
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52677
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19522
      مشاركات
    4. 6676
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40669
      مشاركات
    2. 47478
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21002
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      96965
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36804
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31779
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4880
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16429
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15469
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29713
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31143
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12925
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41302
      مشاركات
    2. 33839
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91657
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32154
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13122
      مشاركات
    3. 34857
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6116
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. le forum francais

    1. le forum francais

      Que vous soyez musulmane ou non, cet espace vous est dédié

      المشرفات: سلماء
      7174
      مشاركات
  14. IslamWay Sisters

    1. English forums   (33466 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  15. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه وقفات مع آية الإسراء، وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36].   الوقفة الأولى: في تعلق الآية واتصالها بما قبلها من الآيات: لما ذكر الله تعالى أوامر ثلاثة قبل هذه الآية ذكر نواهي، فنهى عن ثلاثة أشياء.   الوقفة الثانية: في قوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾: دعوة إلى التحري والتثبت، والمعنى: لا تتبع ما ليس لك به علم، بل الواجب أن تتثبت في كل ما تقوله أو تعمله أو تتلقاه.   ومعلوم أن التثبت في كل الأمور دليلٌ على حسن الرأي وجودة العقل والنظر، وبذلك تنكشف الأمور وتتبين الأحوال، وبالتالي يقرر العبد ماذا يعمل أو يعتقد ويقبلُ وماذا يترك.   والمتثبت يُعمِل فكره وعقله ويشاور غيره، وهذا من أعظم الأسباب المعينة على الوصول للحق والصواب. وبهذا يجتاز العبدُ أسباب الندم والحسرة، وغير ذلك من الأمور الجالبة للشقاء بإذن الله تعالى.   الوقفة الثالثة: في قوله: ﴿ وَلَا تَقْفُ ﴾: جاء بعد أداة النهي "لاَ" الفعلُ المضارع ﴿ تَقْفُ ﴾، والقاعدة أن الفعل إذا ورد بعد النهي فإنه يدل على العموم. والمحصلة من هذا هنا هي أن الله تعالى نهى الإنسان أن يتبع ما ليس له به علم مطلقاً، وهذا يشمل جميع الأحوال والأزمان والأمكنة؛ لأن العموم ينصب على هذه الأمور جميعاً، فالعبد منهي عن اتباع ما ليس له به علم في كل وقت وفي كل قضية، سواءً كانت تتعلق بحقوق الله أو حقوق الآدميين أو غير ذلك من الأمور، ويبين هذا أيضاً ما يأتي في: الوقفة الرابعة: وهي أن قوله: ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾: عام لكل شيء؛ وذلك أن لفظة "مَا" تفيد العموم فهذا يشمل الكلام في الأعراض من الغيبة والنميمة؛ لأنها تقال من وراء الإنسان (القفا) والقذفَ والبهتَ والكذبَ وسائر أنواع الاعتقادات الباطلة هذا فيما يفعله الإنسانُ ويبتدئه، وهكذا الشأن فيما يتلقفه عن غيره من تصديق الأقوال والإشاعات الكاذبة، واتهام الصالحين والوقيعة في أعراضهم، وأن يقول: سمعتُ ولم يسمع وتقبل الأفكار الفاسدة، والمذاهب المنحرفة، والتقاليد المستوردة، وهذا يكثر وقوعه في جانب النساء من تتبع الموضات والتشبه بالكافرات والفاسقات، والتزيي بزيهن من الملابس الفاضحة، والموديلات العارية وغير ذلك من الشر المستطير الذي وصل إلى الأمة من أعدائها، فالواجب على العبد أن يضبط جميع تصرفاته فلا يحكم إلا بعلم، ولا يعتقد إلا بعلم، ولا يفعل شيئاً إلا بعلم.   "والله يحب الكلام بعلم وعدل، ويكره الكلام بجهل وظلم، وقد حرم سبحانه الكلام بلا علم مطلقاً، وخص القول عليه بلا علم بالنهي، فقال تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ ﴾، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ ﴾ [الأعراف: 33].   وأمر بالعدل على أعداء المسلمين، فقال: ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [الفاتحة: 8] [1].   الوقفة الخامسة: في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْفُ ﴾: نهي، ومعلوم أن النهي يدل على التحريم إلا لقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه إلى غير ذلك مما يدل على أن اقتفاء العبد ما لا علم له به يعد من الأمور المحرمة.   الوقفة السادسة: أصل (القفو) الاتباع، تقول: قفوت أثر فلان إذا تتبعت أثره. ومعلوم أن الإنسان يكون أسيراً لما يتلقفه من أفكار ومعتقدات فيتبعها ويعمل بمقتضاها، وبهذا تعرف خطورة هذا الجانب.   الوقفة السابعة: في قوله:﴿ إِنَّ السَّمْعَ ﴾ الخ: الجملة هنا تعليلية؛ لأن "إنَّ" تأتي للتعليل، والمعنى على هذا: انته عما لا يحل لك؛ لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك، وسائلك عنه فلا تستعمل نعمة الله في معصيته، قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78][2].   الوقفة الثامنة: في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ ﴾: قُدِّم السمع على البصر وأُخِّر ذكرُ الفؤاد؛ لأنه منتهى الحواس ومستقر المعتقدات ومبعث الإرادات، والسمع والبصر طريقان له ونافذتان عليه، وبهما يصل إليه كثيرٌ من الأمور النافعة أو الضارة، فما تبصره العين يؤثر في القلب ولا شك، كالنظرة المحرمة.. الخ، وهكذا ما تسمع الأذنُ من خيرٍ وشر كالغناء.   وقدَّم السمع على البصر؛ لأن أكثرَ ما ينسب الناس أقوالهم إلى السمع، ولأن إدراك السمع أعظم وأشمل من إدراك البصر؛ ذلك أن البصر إنما يدرك به ما كان في مواجهته خاصة، أما السمع فيدرك به جميع المسموعات التي تطرقه من جميع الجهات، وأيضاً فإن البصر لا يدرك به إلا الأجسام والأجرام، بخلاف السمع، فإن العبد يدرك به الأمور الحاضرة والغائبة مما أُخبر عنه، وهكذا فالترتيب الواقع بين هذه الأمور في الآية متدرج به من الأدنى إلى الأعلى، والله أعلم.   الوقفة التاسعة: الفؤاد هو القلب، إلا أن فيه معنى زائداً على (القلب) وهو أنه يعتبر في هذه اللفظة (الفؤاد) معنى التفؤد أي التوقد؛ إذ إنه مبعث الإرادات، وآلة الإدراك، ومستقر العلم والعقل كما لا يخفى، ولهذا فإن التعبير بـ (الفؤاد) هنا أبلغ من التعبير بـ(القلب) والله أعلم.   الوقفة العاشرة: في ذكر الفؤاد هنا مع السمع والبصر دليلٌ على المؤاخذة على الأمور القلبية، كما أن الإنسان يؤاخذ على ما يسمع ويبصر. ففيما يتعلق بالقلب فإن الإنسان يؤاخذ على المعتقدات التي يعتقدها فيثاب على التوحيد، ويعاقب على الشرك كما يؤاخذ على الأعمال القلبية الأخرى، فيثاب على اليقين والرضا والتوكل، ويعاقب على الأدواء التي تصيبه كالحسد والغل ونحو ذلك من سوء الظن... الخ، وهكذا العزم المصمم على المعصية[3].   الوقفة الحادية عشرة: قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: "ثم إن الله -سبحانه وتعالى- خلق القلب للإنسان يعلمُ به الأشياء، كما خلق له العين يرى بها الأشياء، والأذن يسمع بها الأشياء، كما خلق له سبحانه كل عضوٍ من أعضائه لأمر من الأمور، وعمل من الأعمال، فاليد للبطش، والرجل للسعي، واللسان للنطق، والفم للذوق، والأنف للشم، والجِلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة.   فإذا استعمل الإنسان العضو فيما خُلق له وأُعد لأجله فذلك هو الحق القائم، والعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وكان ذلك خيراً وصلاحاً لذلك العضو ولربه وللشيء الذي استُعمل فيه، وذلك الإنسان الصالح هو الذي استقام حاله، و﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5].   وإذا لم يُستعمل العضو في حقه بل ترك بطالاً فذلك خسران، وصاحبه مغبون، وإن استعمل في خلاف ما خُلق له فهو الضلال والهلاك، وصاحبه من الذين بدلوا نعمة الله كفراً.   ثم إن سيد الأعضاء ورأسها هو القلب: كما سُمي قلباً، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)). وإذ قد خُلق القلب لأن يُعلم به فتوجهه نحو الأشياء ابتغاء العلم بها هو الفِكر والنظر، كما أن إقبال الأذن عن الكلام ابتغاء سمعه هو الإصغاء والاستماع، وانصراف الطَّرف إلى الأشياء طلباً لرؤيتها هو النظر.   فالفِكر للقلب كالإصغاء للأذن، ومثله نظر العينين فيما سبق، وإذا عَلم ما نظر فيه فذاك مطلوبه، كما أن الأذن كذلك إذا سمعت ما أصغت إليه، أو العين إذا أبصرت ما نظرت إليه، وكم من ناظر مفكر لم يحصِّل العلم ولم ينله، كما أنه كم من ناظرٍ إلى الهلال لا يبصره، ومستمع إلى صوت لا يسمعه.   وعكسه من يؤتى علماً بشيء لم ينظر فيه ولم تسبق منه إليه سابقةُ تفكير فيه، كمن فاجأته رؤية الهلال من غير قصد إليه أو سمع قولاً من غير أن يُصغي إليه؛ وذلك كله لا لأن القلب بنفسه يقبل العلم، وإنما الأمر موقوف على شرائط واستعداد قد يكون فعلاً من الإنسان فيكون مطلوباً، وقد يأتي فضلاً من الله فيكون موهوباً.   فصلاح القلب وحقه والذي خلق من أجله هو أن يعقل الأشياء، لا أقول أن يعلمها فقط، فقد يعلمُ الشيء من لا يكون عاقلاً له، بل غافلاً عنه ملغياً له، والذي يعقل الشيء هو الذي يقيده ويضبطه ويعيه ويثبته في قلبه، فيكون وقت الحاجة إليه غنياً فيطابق عمله قوله، وباطنه ظاهره، وذلك هو الذي أوتي الحكمة، ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269]. وقال أبو الدرداء: "إن من الناس من يؤتى علماً ولا يؤتى حكماً، وإن شداد بن أوس ممن أوتي علماً وحكماً". وهذا مع أن الناس متباينون في نفس عقلهم الأشياء من بين كامل وناقص، وفيما يعقلونه من بين قليل وكثير، وجليل ودقيق، وغير ذلك[4].   الوقفة الثانية عشرة: في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾: الإشارة في قوله: ﴿ أُولئِكَ ﴾ عائدةٌ إلى ما سبق من السع والبصر والفؤاد، ومعلوم أن الإشارة بـ ﴿ أُولئِكَ ﴾ مما يختص به العقلاء، وقد ورد استعمالها هنا مع هذه الآلات ولا إشكال في هذا؛ لأنه نزلها منزلة من يعقل ذلك أنها تُسأل عما تلقته كما تُسأل عن صاحبها كما سيأتي.   ومعلوم أن غير العقلاء إذا نُزِّلوا منزلة العقلاء فإنهم يُعاملون معاملتهم من حيث الصيغ والعبارات في الضمائر وصيغ الجموع، كما في قوله تعالى عن الشمس والقمر: ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ [يوسف: 4]، والأصل "رأيتها لي ساجدةً" لكن لمَّا كان السجود من أفعال العقلاء ووقع من هذه الجمادات نزِّلوا منزلة العقلاء.   الوقفة الثالثة عشرة: يُلحظ في هذا القدر من الآية ما يلي: 1- أنه قَدَّم "كل" الدالة على الإحاطة، وكان بالإمكان الاستغناء عن هذه اللفظة فيكون الكلام: "إن السمع والبصر والفؤاد سُتسأل عما وقع منها كما ستُسأل عن صاحبها"، إلا أنه جاء بـ "كل" زيادة في التوكيد وتقرير المعنى، والله أعلم. 2- جاء باسم الإشارة "أولئك" دون الضمير، فلم يقل: "كلها كان عنه مسؤولاً" لما في الإشارة من زيادة التوكيد والتمييز. 3- جاء بفعل "كان" لدلالته على رسوخ الخبر؛ إذ إن هذا أمر واقع لا محالة، والله المستعان.   الوقفة الرابعة عشرة: في قوله:﴿ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾: قُدِّم المعمول "عنه" على عامله "مسؤولاً"، والقاعدة المعروفة في هذا الباب هي أن تقديم المعمولات على عواملها يفيد الاهتمام، والمعنى: كل السمع والبصر والفؤاد كان مسؤولاً عن نفسه، ومطالباً بأن يبين مستند صاحبه من حسه.   الوقفة الخامسة عشرة: في قوله: ﴿ مَسْؤُولاً ﴾ السؤال هنا كناية عن المؤاخذة بالتقصير وتجاوز الحق، كما يقال: "أنت مسؤول عن تصرفاتك"، أو سُتسأل عن فعلك هذا، كما في قوله تعالى:﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24].   الوقفة السادسة عشرة: في معنى قوله: ﴿ كَانَ عَنْهُ ﴾ أي كان -أي كل أولئك- عن الإنسان مسؤولاً، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.. ﴾[ يس: 65]، وقوله: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ ﴾ [فصلت: 20]، الآية.   ويمكن أن يكون المعنى: أن الإنسان يُسأل عن سمعه وبصره وقلبه، ويدل على هذا قوله تعالى:﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ الحجر: 92، 93]، وقوله: ﴿ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 93]، وكلا المعنيين صحيح؛ لأن القاعدة أن الآية إذا احتملت معاني متعددة وأمكن حملها على جميع تلك المعاني من غير فساد للمعنى، فإنها تُحمل عليها جميعاً، لا سيما إذا دلَّ القرآن على هذه المعاني جميعاً في مواضع أخرى كما في هذه الآية، وهذا لا شك فيه إن شاء الله، والله أعلم. فالمحصِّلة أن السمع والبصر والفؤاد هذه كلها تُسأل عما تلقته، كما تسأل عن صاحبها، وأيضاً فإن صاحبها يحاسب عنها.   الوقفة السابعة عشرة: في قوله: ﴿ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾: التفات؛ ذلك أن أول الآية ورد بأسلوب الخطاب: ﴿ وَلاَ تَقْفُ ﴾، وجاء هذا الموضع بأسلوب الغيبة ﴿ كَانَ عَنْهُ ﴾، وفي هذا من التفنن بالخطاب وتنشيط السامع ما فيه، والله أعلم.   الوقفة الثامنة عشرة: إذا كان السمع والبصر والفؤاد منقسماً إلى ما يؤمر به وينهى عنه، والعبد مسؤول عن ذلك، فإن هذا يدعو إلى المراقبة والمحاسبة، والوقوف مع النفس ومساءلتها، والعبد مسؤول عن حركات هذه الجوارح، وهل هي حركات نافعة، بأن وضعت فيما يقرِّب إلى الله تعالى أم ضارة بأن وجهت لمعصية الله. فعلى العبد أن يتعاهدها بحفظها عن الأمور الضارة؛ ليعد لهذا السؤال جواباً، فمن استعملها في طاعة الله فقد زكاها ونماها، وأثمرت له النعيم المقيم، ومن استعملها في ضد ذلك فقد دساها، وأسقطها وأوصلته إلى العذاب الأليم، نسأل الله العافية.   الوقفة التاسعة عشرة: في الآية أدب خُلقي رفيع، يعلم الأمة التفرقة بين مراتب الخواطر العقلية بحيث لا يختلط المعلوم والموهوم.   الوقفة العشرون: في الآية إصلاح اجتماعي جليل يجنب الأمة الوقوع في المهالك؛ ذلك أن إهمال تلك الجوارح الثلاث من المراقبة يجعلها تنطلق بلا زمام فتتلقف ما فيه بوارها، فتدمّر الأمة بفساد عقائدها وأخلاقه، وتتفكك الأواصرُ بسبب فشو قالة السوء بين الناس.. الخ.   قال شيخ الإٍسلام أبو العباس ابن تيمية -رحمه الله-: "ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما ينال به العلم ويُدرك، أعني العلم الذي يمتاز به البشرُ عن سائر الحيوانات دون ما يشاركها فيه من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره وما يميز به بين من يحسن إليه ومن يسيء إليه إلى غير ذلك، قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]. وقال: ﴿ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [السجدة: 9]. وقال: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]. وقال: ﴿ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً ﴾ [ الأحقاف: 26]. وقال: ﴿ خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ﴾ [البقرة: 7]. وقال فيما لكل عضو من هذه الأعضاء من العمل والقوة: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179].   ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن، وتفارقهما في شيء وهو أنها إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية، والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذا كان العلم هو غذاؤه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحبُ العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حُجَبَةٌ له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه، حتى إن من فقد شيئاً من هذه الأعضاء فإنه يفقد بفقده من العلم ما كان هو الواسطة فيه.   فالأصم لا يعلمُ ما في الكلام من العلم، والضريرُ لا يدري ما تحتوي عليه الأشخاص من الحكمة البالغة، وكذلك من نظر إلى الأشياء بغير قلب أو استمع إلى كلمات أهل العلم بغير قلب فإنه لا يعقل شيئاً.   فمدار الأمر على القلب، وعند هذا تستبين الحكمة في قوله تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾ [الحج: 46].   حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق، فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة، وحكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال لنظر العين فيها، ومثله قوله:﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾ [ الفرقان: 44].   وتتبين حقيقة الأمر في قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ ق: 37]. فإن من يؤتى الحكمة وينتفع بالعلم على منزلتين: إما رجل رأى الحق بنفسه فقبله فاتبعه ولم يحتج إلى من يدعوه إليه، فذلك صاحبُ القلب، أو رجلٌ لم يعقله بنفسه، بل هو محتاج إلى من يعلمه ويبينه له ويعظه ويؤدبه، فهذا أصغى فـ﴿ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾، أي حاضر القلب ليس بغائبه، كما قال مجاهد: "أوتي العلم وكان له ذكرى".   ويتبين قوله: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ ﴾ [(42- 43) سورة يونس].   وقوله: ﴿ وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾ [الأنعام: 25].   ثم إذا كان حق القلب أن يعلم الحق فإن الله هو الحق المبين، ﴿ فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ﴾ [(32) سورة يونس]، إذا كان كل ما يقع عليه لمحة ناظر أو يجول في لفتة خاطر، فالله ربه ومنشئه وفاطره ومبدئه، لا يحيط علماً إلا بما هو من آياته البينة في أرضه وسمائه، وأصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: "ألا كل شيء ما خلا الله باطل".   أي: ما من شيء من الأشياء إذا نظرت إليه من جهة نفسه إلا وجدته إلى العدم، وما هو فقير إلى الحي القيوم، فإذا نظرت إليه وقد تولته يد العناية بتقدير من أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، رأيته حينئذٍ موجوداً مكسواً حلل الفضل والإحسان، فقد استبان أن القلب إنما خُلق لذكر الله سبحانه، ولذلك قال بعض الحكماء المتقدمين من أهل الشام -أظنه سليمان الخواص -رحمه الله- قال: "الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا"، أو كما قال.   فإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلاً للحق، متفكراً في العلم، فقد وضع في موضعه، كما أن العين إذا صُرفت إلى النظر في الأشياء فقد وضعت في موضعها، أما إذا لم يُصرف إلى العلم ولم يوع فيه الحق فقد نسي ربه، فلم يوضع في موضع بل هو ضائع، ولا يحتاج أن نقول: قد وضع في موضع غير موضعه، بل لم يوضع أصلاً، فإن موضعه هو الحق، وما سوى الحق باطل، فإذا لم يوضع في الحق لم يبق إلا الباطل، والباطل ليس بشيء أصلاً، وما ليس بشيء أحرى أن لا يكون موضعاً.   والقلبُ هو نفسه لا يقبل إلا الحق، فإذا لم يوضع فيه فإنه لا يقبل غير ما خُلق له، سنة الله، ﴿ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 62]، وهو مع ذلك ليس بمتروك مخلَّى فإنه لا يزال في أودية الأفكار وأقطار الأماني لا يكون على الحال التي تكون عليها العين والأذن من الفراغ والتخلي، فقد وضع في غير موضع لا مطلق ولا معلق، موضوع لا موضوع له، وهذا من العجب، فسبحان ربنا العزيز الحكيم، وإنما تنكشف للإنسان هذه الحال عند رجوعه إلى الحق، إما في الدنيا عند الإنابة، أو عند المنقلب إلى الآخرة، فيرى سوء الحال التي كان عليها، وكيف كان قلبه ضالاً عن الحق، هذا إذا صرف في الباطل.   فأما لو تُرك وحالُه التي فُطر عليها فارغاً عن كل ذكر خالياً عن كل فكر فقد كان يقبل العلم الذي لا جهل فيه، ويرى الحق الذي لا ريب فيه، فيؤمن بربه وينيب إليه، فإن كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء لا يحس فيها من جدع، ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [الروم: 30]، وإنما يحول بينه وبين الحق في غالب الحال شغله بغيره من فتن الدنيا، ومطالب الجسد، وشهوات النفس، فهو في هذه الحال كالعين الناظرة إلى وجه الأرض لا يمكنها أن ترى مع ذلك الهلال، أو هو يميل إليه فيصده عن اتباع الحق، فيكون كالعين التي فيها قذى لا يمكنها رؤية الأشياء.   ثم الهوى قد يعترض له قبل معرفة الحق فيصده عن النظر فيه، فلا يتبين له الحق كما قيل: حبك الشيء يعمي ويصم، فيبقى في ظلمة الأفكار، وكثيراً ما يكون ذلك عن كبر يمنعه عن أن يطلب الحق، ﴿ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ﴾ [النحل: 22].   وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه، كما قال ربنا سبحانه فيهم: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ﴾ [الأعراف: 146]. ثم القلب للعلم كالإناء للماء، والوعاء للعسل، والوادي للسيل، كما قال تعالى:﴿ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾ [الرعد: 17]، الآية. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما أرسلت به، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به)). وفي حديث كميل بن زياد بن علي -رضي الله عنه- قال: ((القلوب أوعية، فخيرها أوعاها)). وبلغنا عن بعض السلف قال: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إلى الله تعالى أرقها وأصفاها"، وهذا مثل حسن؛ فإن القلب إذا كان رقيقاً ليناً كان قبوله للعلم سهلاً يسيراً، ورسخ العلم فيه وثبت وأثر، وإن كان قاسياً غليظاً كان قبوله للعلم صعباً عسيراً.   ولا بد مع ذلك أن يكون زكياً صافياً سليماً، حتى يزكو فيه العلم ويثمر ثمراً طيباً، وإلا فلو قبل العلم، وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم، وكان كالدغل في الزرع إن لم يمنع الحب من أن ينبت منعه من أن يزكو ويطيب، وهذا بين لأولي الأبصار"[5].   الوقفة الحادية والعشرون: تخصيص الأمور الثلاثة بالذكر لا يدل على حصر المؤاخذة فيها؛ لأن الإنسان مؤاخذ على جميع تصرفاته، وإنما خصصها بالذكر لما سيأتي في: الوقفة الثانية والعشرون: تخصيص هذه الثلاث بالذكر؛ نظراً لعظم خطرها، ولأنها الآلات التي بها يحصل العلم النافع للعبد، وهو ما يميز الإنسان عن غيره من الحيوان؛ إذ إن العلم تدور رحاه على هذه الأقطاب الثلاثة: ﴿ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ ﴾ [6]، والله تعالى أعلم.   هذه وقفات سريعة ومختصرة تتصل بهذه الآية العظيمة، ولعل الفرصة تسنح لإعادة كتابتها بشكل موسع، أسأل الله أن ينفع بها... وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
      [1] الفتاوى 16/ 96-97. [2] من المفيد مراجعة كلام ابن القيم في بيان عظم نعمة الله بالسمع والبصر على العبد. انظر: مفتاح دار السعادة 1/ 264-266، 189-190، طبع دار الكتب العلمية. وكتاب: أقسام القرآن (طبع دار المعرفة) 305، 306، 316، 407. [3] في مسألة المؤاخذة على العزم المصمم على المعصية يراجع كلام شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في الفتاوى 10/ 720-761. [4] الفتاوى 9/ 307-309. [5] مجموع الفتاوى 9/ 309-315. [6] الفتاوى 16/ 96-97. الشيخ د. خالد بن عثمان السبت شبكة الالوكة
    • إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله..



      وبعد:

      فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا »[1].



      وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ»[2].



      وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث سالم عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ، فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ»[3].



      هذه الأحاديث اشتملت على فوائد كثيرة، وحكم عظيمة، منها:

      قوله صلى الله عليه وسلم: لا حسد، الحسد هنا بمعنى الغبطة، وهو أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن تزول عن غيره تلك النعمة.



      قوله في الحديث: رجل آتاه الله القرآن، يعني حفظ القرآن وتلاوته والقيام به في صلاة الليل وتعليمه للناس، فهو مشتغل به قراءةً، وحفظًا، وتعليمًا.



      قوله في الحديث: آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها ويعلمها، الحكمة هي البينات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يوفق الله لفهمها من يشاء من عباده، قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ﴾ [الزخرف: 63].



      فضل القضاء بين الناس، وأنه مما يحسد عليه المرء إذا وُفق للقضاء بالحق.

      فضل الفتوى، وهي بيان ما يحتاجه الناس من أمور دينهم فيما يعرض لهم من مشكلات.

      فضل تعلم العلم، وهو علم الكتاب والسنة، وقد وردت في ذلك نصوص كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا، سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وإنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ ليَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»[4].



      فضل الغني الشاكر؛ لأنه في عمل يتمناه المتمنون.

      إن كثرة المال ليست مذمومة على كل حال، وإنما يتعلق الذم بكسبه من غير حله، أو إنفاقه في غير محله، فأما من عمل فيه بطاعة الله فذلك مما يتنافس فيه المتنافسون، وفي الحديث: «نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ»[5].



      أن المدح المذكور في الحديث إنما يقع لمن أنفق ماله في الحق وبالغ في إنفاقه، وفي الحديث: «مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي أُحُدًا ذَهَبًا تَأْتِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ، وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ إِلاَّ دِينَارٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنٍ عَلَيَّ»[6].



      وأن مما يُرجى أن يكون قد بلغ تلك المنزلة العالية أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود في سننه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللهِ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا [7].



      فضل النية الصادقة، وأن العبد يبلغ بها مراتب العاملين وإن لم يعمل عملهم، وفي صحيح مسلم من حديث سهل ابن حنيف عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ»[8].



      وروى الترمذي في سننه في هذا المعنى حديثًا جليلًا قال فيه صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ»، قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ»، فَقَالَ: «إِنَّمَا الدَّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ؛ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا؛ فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ؛ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ»[9].

      والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



      [1] صحيح البخاري برقم 73، وصحيح مسلم برقم 816.

      [2] صحيح البخاري برقم 5026.

      [3] صحيح البخاري برقم 5025، وصحيح مسلم برقم 815 واللفظ له.

      [4] برقم 3641، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود (2 /694) برقم 3096.

      [5] مسند الإمام أحمد (29 /299) برقم 17763، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم.

      [6] صحيح البخاري 6444، وصحيح مسلم برقم 991 واللفظ له.

      [7] برقم 1678 وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود (1 /315) برقم 1472.

      [8] برقم 1909.

      [9] برقم 2325، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

      د. أمين بن عبدالله الشقاوي
      شبكة الالوكة
    • قال الله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29].   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه.   أما بعد: فما من شك أن الجميع يعرفون أن هذه الآية الكريمة، حكى الله - عز وجل - فيها قول فرعون في إحدى تلك الحلقات التي كانت تبث من مؤتمرات الاستخفاف خاصته، والتي وجه خطابه فيها هذه المرة لقومه، وهو يتلبس فيه لباس المخلص لهم، الساعي لمصلحتهم، الحريص على ما ينفعهم، والذي يبتغي هدايتهم، ويعمل على نصرتهم، ولذلك ادعى أنه لم يقل هذا القول؛ إلا لأنه يراه صوابًا، ويعتقده نافعًا، وهاديًا إلى الرشاد. وهذا القول أو الشعار في الحقيقة، قد جمع جملة من الأمور المتناقضة، والمتصادمة، ما يجعلك تحار معها، وتتسأل هل تسميها طوامًا وأوابد، أم غرائب وعجائب؟! ولذلك أردنا أن نسرد شيئًا منها في هذ الوقفات، فنقول:   الوقفة الأولى: أن هذا الشعار وهذه المقولة التي تنضح بالفكر القمعي، والمتسلط المستبد، والتي تنبعث منها رائحة الأنا الغاشمة، والدكتاتورية البائسة، ويحفها الكبر والغرور، ويلفها العنف والنفور، هي سياسة يتبناها دومًا الطغاة، ويمتطي صهوتها الجبابرة العتاه، وهم معجبون بوسمها ورسمها كيفما كان! ويلقنوها لأبنائهم السذج، وتلامذتهم الهمج، ممن هم على شاكلتهم، والنتيجة سيأتي الإشارة إليها لاحقًا في ختام كلامنا.   ومن أغرب ما رأيت في هذا الباب ووقفت عليه، مما وصل به الحال بهؤلاء - وهو كثير كما لا يخفى - ما ذكره الجاحظ في البيان والتبيين[1]، قال: خطب عدي بن زياد الإيادي[2] فقال: أقول كما قال العبد الصالح: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾، فقالوا له: ليس هذا من قول عبد صالح، إنما هو من قول فرعون. فقال: من قاله فقد أحسن".   فانظر إلى أي مدى بلغ الوضع بهم، لتزداد عجبًا وتعجبًا. ثم تأمل كيف يجمع الطغاة إلى باطلهم، وقهرهم وقمعهم، جهلهم بكتاب الله - عز وجل!   ولذلك فإن هذه السياسة القمعية والمتسلطة هدفها - في الدرجة الأولى - دغدغة مشاعر الجماهير، بصورة عجيبة، تجمع إلى ذلك سخرية لاذعة، محفوفة بجهل وتجهيل خطيرين، وهي إلى ذلك تخفي في باطنها الهدف الحقيقي وهو: أنها تسعى لمنع كل فكر وإبداع، يخالف ما هي عليه من الباطل، فلا صرير فيها لقلم حر، ولا لصوت يحمل الحق، ولا لهتاف نزيه، بل للأقلام الهابطة، والأصوات الفاجرة، والقيم المتدنية، وكل ما من شأنه أن يلهج بذكرها، ويسبح بحمدها، ليلًا ونهارًا، وسرًا وإعلانًا.   وهي سياسة لا تملك تجاهها - حقًا - إلا أن تقول: ما قاله موسى - عليه السلام-: ﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ [ غافر:27].   الوقفة الثانية: أن هذه المقالة ترفض النظر إلى الأمور، وما تحمله في طياتها من نظرة جادة أو هادفة، بل هي ترسم فكرًا مخيفًا - سطحيًا - تجاه المخالف، ومع هذا فلا تتوانى أن تسمه بميسم من نار، وتشعل له الحرائق، وتنصب له المشانق، على طول هذا الطريق. وقد جعلت - هذه السياسة - الكثيرين طوال التاريخ البشري يعانون من تجاهلهم وقمعهم، واجتياح بلادهم، واستحلال دمائهم ونسائهم، كل هذا من أجل الحجر على العقول والآراء، وتكميم الأفواه؛ حتى لا تنطق بالحق والهدى.   الوقفة الثالثة: أن هذه المقولة أسست وأرست القواعد، ودونت الأصول، ووضعت الضوابط والأطر العامة، والتي شكلت - بمجموعها - الأسس للطرق التي تسير فيها خطابات الغطرسة والجبروت والظلم، ولما بات يعرف اليوم: بوجهة نظر سيكولوجية أحادية الرؤية.   وهي تسير وفق خط بياني يبدأ منها وينطلق؛ ليصور ويرسم بعد ذلك صراع الخير والشر، والتي تكاد تكون واحدة، ونجد لها شبيهات وأخوات وإن اختلفت الشخصيات، أو اتخذت منحى مختلفًا بين الحين والأخر في شيء من تفاصيلها، لكنها جميعًا تصب في قصة صراع الحريّة مع الطغيان.   فهو في الحقيقة - أعني: فرعون الكافر - قد سن سنة سيئة - شعر أو لم يشعر، وقصد أو لم يقصد - فله وزرها، وهو حامل - بإذن الله - وزر كل من عمل بها إلى يوم القيامة.   الوقفة الرابعة: أنها - وفي نظري على الأقل - شكلت أول ظهور لنظرية فلسفية، باتت تعرف في ما بعد بالنظرية الفرعونية، وتمكنت هذه النظرية إلى حد ما من تشكيل ماهية رؤية الظالم الدكتاتوري، المتلبس بلباس النصح! وبيان وإلى حد ما - أيضًا - طرق نظريات القمع في تشكيلها، وفي أدائها لقمعها، وكيف يلبسها أهلها ثياب الرشاد والرشد؛ لتكون موازرة لما يراه؛ ولتشكل عند ذلك وبعده واقعًا افتراضيًا مهمًّا، ينطلقون عنه، ويريدون منه أن يكون متكئًا إلى واقع حقيقي، في نفس الوقت، لكن هيهات.   الوقفة الخامسة: أن هذه النظرية الإبليسية والسياسة، الفرعونية تطمع وتطمح وتهدف - معًا وفي آن واحد - إلى زوال الخير من العالم كله، وترى أن الذي يجب أن يبقى ويسيطر عليه هو الشر وحده، ووحده إلى الأبد. وهيهات هيهات، فالأمر ﴿ لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ ﴾ [النساء: 123]. وليأتي لنا الظلمة وأعوانهم، وأزلامهم وأتباعهم مجتمعين بصورة واحدة على مر صفحات التاريخ المسطورة، وكتبه المزبورة، بأنه زال الخير، وبقي الظلم مسيطرًا حتى تلاشى الخير نهائيًا. على أنهم حتى ولو وجدوا - تنزلًا - فأي شيء هذا الذي ذكروه، سيكون بجانب تلك آلاف وآلاف من الصور المخالفة والمناقضة لها، والتي باتت لكثرتها، قاعدة، بل هي سنة من سنن الله الكونية والشرعية، فأي شيء سيكون ما ذكروه بجانب هذا.   ولقد علمنا التاريخ - فضلًا عن ما ورد في الشرع من أن العاقبة للمتقين، والبقاء لهذا الدين - أن هذه السياسة الفرعونية الشديد القسوة، قبيحة المنظر، شديدة الدمامة، والحريصة على الظلم: يجب أن تُدمّر وتُداس وتنتهي ولا بد في يوم ما، وما تلبث أن تقوم على أنقاضها، وفي إثرها: معالم حياة جديدة، نقيّةً تغير العالم، وتعيد بنائه وصوغه من جديد. وهذا الانكسار والخيبة هما نتاج ونتيجة سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾.   الوقفة السادسة: أن هذا النظام الفرعوني الكهنوتي كان أول نظام يسطر هذا القانون المأفون، بهذه الصورة - فيما أعلم - قانون: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾. ويضمه إلى قانون العقوبات الوضعية، والتي لا تمت إلى الشريعة بصلة، ويجعل فكرة: (تداول الرأي، واختلاف وجهات النظر ...) جريمة منكرة يعاقب عليها القانون، ويعد كل من قال بها خائن مارق! يستحق أن يسجن أو يعذب...   الوقفة السابعة: أن الدكتاتوري أو الظالم المستبد قد يملك ما يؤهله ليكون منطيقًا متكلمًا، يمتلك الأذان ببراعة خطابه وتدليسه، ويأسر الأسماع ويشنفها بكلامه وتلبيسه، لكنه - ينسى أو يتناسى - وأحلاهما مر -: أنه لن يملك أبدًا السيطرة على القلوب والعقول والأفكار، إذا ما لاحت الحقائق وأقبلت ركائبه، وتبدى الهدى وقدمت جحافله. وتدفق سيل الإيمان وأسفر صبحه، وهذا ما حصل مع فرعون يوم وقف بوجه موسى - عليه السلام. واللبيب من اعتبر!   واقرأ معي أيه الأخ القارئ، وأنت أيته الأخت القارئة، بحضور قلب، وأنت أيه الدكتاتوري! علها تكفيك عن كل موعظة وعبرة؛ لنقرأ جميعًا هذه الآيات من كلام الله - عز وجل - ووالله وبالله وتالله إنه لكلام تقشعر منه الجلود، قال الله - عز وجل -: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المِهَادُ ﴾.[البقرة: 204- 206].   الوقفة الثامنة: أن هذا القمع السياسي الفرعوني، والذي مُورس ضد موسى - عليه السلام - واتباعه، هو لا يعدوا أن يكون - في أحسن حالاته - نوبات من الجنون، وضرب من ضروب الهستيريا، تنتاب صاحبها، وهي قد تشيد صروحًا جديدة للقسوة، وتشمخ لها رموز جديدة، بين الفينة والفينة؛ لكنها متى ظهرت فهي دليل على أن صاحبها بات يفقد وعيه، والإحساس بكينونته الحقيقية، وتسيطر عليه رؤيا التشتت، وتخلي أصحابه عنه. وهذه هي دقات نواقيس الخطر - والتي يخافها الطاغية - وهي المؤذنة - بإذن الله عز وجل - بذهاب دولته وملكه، وزوال سطوته وظلمه، إلى مزبلة التاريخ، ومن غير رجعة[3].   الوقفة التاسعة: أنه - أي: فرعون - قد جمع في قوله هذا إلى عناده واستبداده بالرأي - والعزوف عن مذهب الشورى، والرغبة عن نصائح أهل الحل والعقد - داهية دهياء، وطامة عمياء: وهي حصر الرشاد في قوله، والحق في طريقته وسبيله، فسيطرت حظوظ النفس كلها عليه، فحصر ذلك كله، في فلكه وأفقه، على حد المثل العامي القائل: عنزة ولو طارت.   ولقد أضحى هذا القول - أعني: قول فرعون - مذهبً فرعونيًا خبيثًا، التصقت شهرته به. وأصبح شعارًا يضرب به المثل لكل دكتاتوري ظالم مستبد، ومتغطرس فاشل، فعوقب بنقيض قصده، والجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، وعلى نفسها براقش جنت.   الوقفة العاشرة: أنه ما درى الطاغية أن ما قاله أبعد ما يكون عن طريق الحق والخير، نابع عن شدة الحسد، والتيه والهوى؛ ولذلك: ﴿ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴾، وأنه: قول ليس بسديد، ونصح ليس بصالح ولا حميد، والنتيجة الحتمية كانت: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ [هود: 96]، فالرشد كل الرشد في عبادة الله - عز وجل - واتباع أنبيائه - عليهم السلام - والعاقبة لأهل التوحيد. ولذلك كانت آراءهم - أعني الطغاة - وأمثالهم وأقوالهم المغرورة، مذعورة مطمورة، فالحذر الحذر منهم. ولأمثالهم نقول: عليكَ بأدنى الخطْبِ إنْ أنت نِلْتَهُ     وأَقْصِرْ فلا يَذْهَبْ بك التِّيهُ مَذْهَبَا   الوقفة الحادية عشر: أنه عمد إلى تسمية الأشياء بغير مسمياتها الحقيقية، قاصدًا من ذلك: التعمية والتلبيس، والإضلال والتدليس، وهذا مذهب خبيث خسيس، كثيرًا ما يفلح مع الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق[4]. وقديمًا قيل: من استرعى الذئب فقد ظلم. وقال من ابتلي بهم قديمًا: فلو لبس الحمار ثياب خز     لقال الناس: يا له من حمار   ولن يعدم أن يجدهم، أو أن يصنع كثيرًا من الشخصيات على هذه الشاكلة، بخطاباته تلك، لكن السؤال المهم هنا: هو ما الذي سيجنيه أولئك التابعين له؟!   والجواب بداهة: لا شيء وربي غير الحسرة؛ لذلك تعالوا لنرى كيف تتعاظم عليهم الحسرة من وجوه: أولها: أن قول فرعون هذا كان منه: تجهيلاً لمتبعيه، واستخفافًا بهم، ليس إلا؛ ليطيعوه قال الله - عز وجل -: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ [الزخرف: 54].   وثانيًا: أنه بسبب مواقفهم؛ استحقوا ما وصفهم الله - عز وجل - ووصمهم به، حيث قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [الزخرف: 54].   وثالثًا: أنه كما كان قائدهم في الدنيا وأطاعوه على كفره وظلمه واستبداده، كانوا تبعًا له في الأخرة كما قال الله - عز وجل-: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. وشتان بين من كان يقدمهم الأنبياء والصالحين، وبين من يقدمهم الأغبياء الوثنيين.   ورابعًا: أنهم لما ﴿ اتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ﴾ لا جرم أنهم استحقوا ما توعدهم به الله - عز وجل: ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وَأُتْبِعُواْ فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ﴾. [هود: 99].   فانظر إلى ما أقحمهم فيه، وأي حسرة ستلحق بهم. نعوذ بالله من الجهل والتبعية، والهوى والعصبية.   وهنا لا ننسى أن ننوه أنه ومع اغترار قومه بقوله، إلا أن هذا لم ينطلي أبدًا على من رزقه الله - عز وجل - فهمًا وعلمًا، وعقلًا وعملاً؛ كمؤمن آل فرعون مثلاً.   الوقفة الثانية عشر: أن هذه السياسة، سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾، في كثير منها، بل دائمًا ودومًا ما تقوم على الكذب فهو الأساس الذي تنبني عليه، وتقوم به، وهو - أي: الكذب - كما نرى ما بنى فرعون عليه سياسته ونظامه، وقد ظهر هذا جليًا من خلال أقواله وأفعاله، بل وحتى من خلال شخصيته.   أليس هو من أتى - عليه من الله ما يستحق - وجاء بأكبر كذبة وأعظم فرية عرفها العالم؟! أليس هو من ادعى كذبًا ومينًا أنّه الرب الأعلى؟! وأليس هو في أحد مؤتمراته المشومة يعلن وبكل صفاقة وجه، وقلة حياء: أنه لم يعلم لقومه إلهًا غير نفسه؟!   لقد كان الكذب - كما هو ظاهر - أحد وسائل فرعون؛ لتمرير مخططاته التعسفية، وقرارته السادية، وسياسته القمعية، بل وهي هي الوسيلة التي استخدمها فرعون في مواجهته لموسى - عليه السلام.   إن لك أن تتسأل - أنت أخي القارئ وأنت أختي القارئة - ما الذي يملكه الطغاة لنشر سياسة القمع؟! وما هي الأدوات التي قد تساعدهم في ذلك؟! وكيف يستطيعون نشر مثل هذه السياسة وغيرها، مما يصعب فطرتًا وعقلًا وعرفًا إمرارها أو تمريرها؟! وماذا يملكون تجاه ركائب وخيول الحجة والبرهان؟ والجواب - باختصار شديد -: إن أحد أهم هذه الأمور هو: الكذب ولا شيء غير الكذب، والعجيب أنه في كل هذا، ومع كل هذا، كان فرعون - كغيره - يعلم يقينًا أنه كاذب، ويبطن هذا في قلبه، ويخفيه في صدره، ويظهر خلافه، بل والله لقد كان مستشعرًا للخوف الشديد من جهة موسى - عليه السلام، - وهذا يدل على ما ذكرنا سابقًا - ولما جاء به من توحيد الله - عز وجل - ألا ترى أن الله - عز وجل - أبى إلا أن يظهر ما يخفيه على فلتات لسانه حين قال: ﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ﴾؛ ولذلك كانت النتيجة أنه لم يستشر أحدًا، فيما أقدم عليه؛ لأنه قد أعد الهدف مسبقًا، وكان إعداده له؛ بسبب خوفه من موسى - عليه السلام.   وهذا - أقصد معرفة فرعون أنه كاذب وأنه يظهر خلافه - الفعل من موسى، يذكرني بما وقع بين مسيلمة الكذاب، وعمرو بن العاص[5] - رضي الله عنهما -:" أنه - أي عمرو - وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟! فقال: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [العصر: 1-3] السورة. ففكر - مسيلمة - ساعة ثم رفع رأسه، فقال: ولقد أنزل علي مثلها، فقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو - وهنا الشاهد -: والله إنك لتعلم، أني لأعلم، أنك تعلم أنك تكذب"[6].   الوقفة الثالثة عشر: أن الدكتاتوري فرعون صاحب سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾ بين حقيقة ما يحرك ضغائن الطغاة والدكتاتوريين، ويظهر حسدهم، وغلهم وحنقهم، ألا وهو ظهور الحق - وقارن بما سبق -، وما ذلك إلا لكراهيتهم له ونفورهم من تمكنه، ومن ثم تطبيقه. وأنهم على إثر هذا تمامًا يتخذون مواقفهم تلك - بسرعة وبصرامه -. بصرف النظر وقطعه، عن طبيعة ذلك الموقف وحقيقته. وهم لن يجدوا في أنفسهم حرجًا من سلوك أي سبيل في سبيل ألا يكون ذلك - كما نبهنا سابقًا - والمهم عندهم ألا يرفع للحق راية، ولا يعلو له لواء؛ ولذلك يكون منهم هذا التصرف السادي الجبان. وقديمًا قيل: هيبة الزلل تورث حصرًا، وهيبة العاقبة جبنًا، ومن كذب فليراجع التاريخ، ولينظر مانحن فيه اليوم!!!   فائدة ماتعة زائدة: قال ابن القيم - رحمه الله - وهو يتحدث عن النحل: "ولما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه - قد خصت من وحي الرب تعالى وهدايته لما لم يشركها فيه غيرها، وكان الخارج من بطونها: مادة الشفاء من الأسقام، والنور الذي يضيء في الظلام؛ بمنزلة الهداة من الأنام - كان أكثر الحيوان أعداء[7]، وكان أعداؤها من أقل الحيوان منفعة وبركة، وهذه سنة الله في خلقه وهو العزيز الحكيم"[8].   فبالله عليك إذا كان هذا في النحل، فكيف بمن جاء وبعث بالوحي، الذي به حياة الأديان والأبدان، وعليه وبه قيام الأمر كله، وكيف بورثتهم وأتباعهم، والقائمين بأمر الدين، من بعدهم على منهجهم ومنهاجهم؟!! وأترك الإجابة لكم ولمخيلاتكم أيه القراء الكرام!   وليعلم أنه متى رأيت أنت أخي المسلم، وأنت أختي المسلمة - في كل زمان ومكان - جحافل هذه السياسة: سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾ قد أقبلت إليك، وسيوفها قد سلت عليك، ونبالها قد وجهت إليك، فاعلم أنك على حق يخشون من ظهوره وانتشاره، وشيوعه وهيجانه، فاثبت فإن النصر حليفك، وهو منك قريب، وليكن كلام ابن القيم - رحمه الله -، وموقف موسى - عليه السلام - منك على بال.   الوقفة الرابعة عشر: أنه بين - أيضًا - منهج أهل سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾ مع اتباعهم: أنهم يعمدون إلى إكراههم على ما يعتقدون، ويفرضونه عليهم فرضًا، ويلزمونهم بالأخذ به عنوة وبقوة - لا عن اقتناع - وإن كان الذي يعتقدون أو يرون، لا تستسيغه الفطر ولا تقبله العقول، بل ربما عمدوا مع ذلك كله، إلى ابتكار الحيل، لكبت الحريات، وتضييق الخناق عليها، وفرض المعتقدات الفاسدة، ورسوم الوثنية الكافرة.   الوقفة الخامسة عشر: أن حجة فرعون - في قتل موسى - كانت: ﴿ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ﴾[9] [غافر:26]. وهذا مما يعظم به الأمر، ويبلغ معه السيل الزبى. وهذه والله هي ألفاظ الجبابرة المتغطرسين؛ وكلمات القساة المتكبرين، ولغة الطغاة المكذبين؛ لإنفاذ أوامرهم، وهي إحدى عباراتهم التي مُلئت من مثلها قواميسهم، وهم بها ينصبون لمن خالفهم الحبائل، ويبغون لهم الغوائل، ويرمون عن قوس واحدة، هي قوس رمي أهل الحق بالتهم الباطلة جزافًا، ودون حرج، بل يزيد العجب ولا يكاد ينقضي إذا علمت أنهم يرمون أهل الحق، بما هو فيهم من الباطل! وهذا هو منطق المعادين لله - عز وجل - ولدينه في كل مكان وزمان، ولا ندري ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ [الذريات: 53]، ووالله لكأنّما لَقَّن بعضُهم بعضًا ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [البقرة:118].   الوقفة السادسة عشر: أن قوله هذا هو قمة التهارج والتهريج، والسفه والتيه، فانظر كيف زعم عدو الله - قاتله الله - أنه واعظ ومذكر، فقبحه الله من واعظ ومذكر. إذ كيف يصبح فرعون واعظًا ومذكرًا؟!! و "هل هناك أطرف من أن يقول فرعون الضال [الوثني]، عن موسى - عليه السلام - الرسول الموحى إليه من الله - عز وجل - تلك المقالة؟! أوليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد، عن كل داعية مصلح؟ أليست هي كلمة الباطل الكالح في وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث، لإثارة الشبهات في وجه الإيمان الهادئ؟   إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان، والقصة قديمة تعرض بين الحين والحين"[10].   وهذا والله منطق الطغيان الغليظ، كلما أعوزته الحجة، وخذله البرهان، وركب موجة الفساد، عنده وعند أمثاله. وهذا يذكرني بما فعله أبو جهل، حين قنت على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يوم التقى الجمعان، وقال: " اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرفه، فأحنه الغداة! "[11]- يدعو - زعم - على فاعل هذا!   الوقفة السابعة عشر: أنه من هذه المقولة اشتق كل ظالم وطاغية ومستبد شعاراته فمن مقل ومستكثر، فهم منها ينهلون، وإليها راجعون، فعلى أصحاب هذا المنهج، وهذه الدعوات، أن يستفيقوا من سباتهم، ويصحوا من رقدتهم، وينظروا إلى حقيقة الأمر، ويحسنوا التقويم والتقدير.   وهنا نهيب بكل من رضي لنفسه أن يكون فرعونيًا، ومبدأه: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾، وشعاره: ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29]، مع أن الظلم ديدنه، والسيطرة منهجه، من يحب أن يفنى الناس في شخصه، ولا يشاور ولا يقبل النصح. من يسعى إلى الحجٌر على العقول والآراء، وتطبيق هذه السياسة الفرعونية، والفاشية التي لا تقبل بالآخر، ولا تعيره انتباه، بل تحقره وتضطهده ، ومن يستعمل لفرض رأيه، وإمرار فعله كافة الأساليب الوحشية؛ لتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات، وقمع الأخيار والمصلحين، ويبرر ذلك ومواقفه أمام الغير: ﴿ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾. ما أشبه دعواهم هذه بدعوى فرعون، وما أنتن هذا الصنبور المنبتر، والقول الأبتر!   إلى كل هؤلاء أقول: إنه وإن كان هذا المنهج يستهويكم، فعما قريب سيضر ويسحق، فطوبى لمن كانت له في غيره عبرة، ومنها اعتبر.   الوقفة الثامنة عشر: أن الشعارات يجيدها الجميع، لكن العبرة دومًا بالحقائق والبينات، ألسنا نرى أن فرعون قال: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29]، وأن مؤمن آل فرعون قال: ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾. فبأي شيء يعرف المحق منهما من المبطل؟![12] وهل يكون هذا إلا بالحقائق والعمل، والبينات والتطبيق، والنظر في تاريخه السابق، وما يقوم به في اللاحق، ومعرفة موقعه من نصوص الوحيين قبولًا وردًا، وعلمًا وجهلًا، وعملًا وتركًا؟!   الوقفة التاسعة عشر- وأختم هذه الوقفات بها -: أن هذه المقولة مقدماتها هفوة، وأواخرها زندقة، فأمّا كونها هفوة فلأننا لم نعهد - أبدًا - أحدًا من الخلفاء الأوفياء، وقادة الأمة العظماء، والذين شيدوا معالم الدين ورفعوا راياته، قال مثل هذه القولة، أو فعل مثل هذه الفعلة.   وأما كونها زندقة؛ فلأنها تجر إلى إطراح كلام أهل العلم والحل والعقد، وواجهة الدين وحملته، والمفكرين والأدباء، والمثقفين والكبراء، بل في أحيان كثيرة إلى معاداتهم وحربهم، وما معهم من الحق وما يحملون من البينات، ولا شك أن في هذا - كما هو ظاهر - إسقاط للشرائع، وتعطيل الأحكام، على المسلمين العوام.   ختامًا: إن التمكن والتمكين لا يكون ولن يكون بالبطش والجبروت، والهيمنة والسيطرة، ولا يدرك ولن يدرك بالاستبداد والقهر والقمع، ورفع سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾، ولن يصل إليه أحد بتكميم الأفواه، ومصادرة الآراء؛ ولذلك كان هذا الفعل من أعظم ما يكون جرمًا، وأشد ما يكون تلبيسًا وغشًا، وقد جاء في الحديث عن رسولنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه قال: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية [وفي رواية: فلم يحطها بنصحه ]يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة [وفي رواية: لم يجد رائحة الجنة]"[13]، وفي لفظ: "ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم، وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة"[14].   نصيحة: كما أننا نغتنم هذه الوقفات لنقدم نصيحة، نهيب - فيها وبها - بالمتبوعين الذين رضوا بسياسة التجهيل المفروضة من الظلمة، وخضعوا لأهلها فكانوا أحد أدواتهم وآلاتهم، التي يستخدمونها كيف شاءوا، ومتى شاءوا، سعوا من خلالهم، لنشر أهدافهم ومخططاتهم تحت الشعار المريض البائس: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾. والنتيجة الحتمية كانت وما زالت وستكون: أنهم سيتخرجون من تلك المدرسة العقيمة بفهم سطحي، وعقول لا تعدوا ولن تعدوا أن تكون - كما أشرنا في مقدمة وقفاتنا - نسخ مكررة لا تنهض بالتبعات، ولا تقوم بالواجبات، ولا تنصر المظلوم، ولا تبني حضارة، وهم مع ذلك عرضة للاستخفاف والاستنزاف.   ونقدم لهم في هذه الخاتمة وصية لهم، ألا وهي قول عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - يوم قال: "لا يكونن أحدكم إمعة، قالوا: وما الإمعة يا أبا عبدالرحمن؟! قال: يقول: أنا مع الناس، إن اهتدوا اهتديت، وإن ضلوا ضللت، ألا ليوطنن أحدكم نفسه على أن كفر الناس أن لا يكفر"[15]، وقال - أيضًا -: "اغد عالمًا، أو متعلمًا، ولا تغد إمعة بين ذلك"[16]، ودومًا ما أتذكر هنا كلمة شيخنا العلامة مقبل الوادعي - رحمه الله - وهو يقول: "إذا أردتم أن يرفعكم الله فلا تكونوا إمّعة، فإن الذي يكون إمّعة لا يزال منهزمًا". أو كما قال - رحمه الله.   وقديمًا قال أمرؤ القيس: ولست بذي رثية إمر     إذا قيد مستكرهًا أصحبا   والعجيب أننا كنا ولا نزال نرى من هؤلاء الجهلة من يدعي للعقل التقديس، ولكن ما يلبث إلا ويخلطه بالتدنيس، فيقع في حيرة وتلبيس، ويلبس الحق لباس الباطل للتدليس، وهل هذه إلا سياسة إبليس؟!   إن الصراع الحاد بين الخير والشر، وبين دعوة الإصلاح ومعارضيها أمر قديم، ولكن مهما كانت المقاومة شديدة، فإنه لا يأس ولا قنوط، فقد يهتدي بعض الراشدين العقلاء، ويظل أولو النفوذ والسلطة والمصلحة على غيهم وضلالهم وتمسكهم بمواقفهم، على الرغم من معرفة الحق وقوته، وضعف الباطل وجهالته، وهذا موقف من هذه المواقف التي تتصادم فيها دعوة المصلحين مع مصالح المتسلطين، وهو هنا موقف فرعون، من رسالة موسى - عليه السّلام.   تذكير: كما نُذكر أن حجة فرعون كانت: ﴿ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ﴾ وهذا والله هو ديدن أهل الضلال والإلحاد، الذين لا يكتفون بنشر ضلالهم فحسب، حتى يضيفون إليه محاربة أولياء الله - عز وجل - وأهل الهدى، ويستدلون دومًا بهذه المقولة الفرعونية النشأة، فجمعوا إلى حشف سوء كيله[17]، وزادوا بهذا الطين بلة. يدني الحشيف عليها كي يواريها     ونفسها وهو للأطمار لباس   وانظر إلى كل عصر ومصر، لترى من هذه الفتن الفَواقر، ما تشيب له الذوائب، وتشد منه السبائب، وتدع الحليم حيرانًا.   ولك أن تتسأل لتتأكد: ماذا كان جواب قوم لوط لما قال لهم لوط - عليه السلام -:﴿ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ ﴾ [الأعراف:80]؟!   كان جوابهم كما حكاه الله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [الأعراف:82]. فعابوهم بغير عيب، وذموهم بغير ذم، ورموهم بما هو فيهم، على حد قول المثل: رمتني بدائها وانسلَّتْ.   ثم يا ليت شعري هل أصبح الطهر والطهارة عيبًا، والعفة والاستقامة جريمة، ومبررًا لإخراج آل لوط من القرية؟ وذمهم بهذا؟!   إنه قمة التهكم والسخف، فلقد عاشوا في النجاسة وألفوها وألفتهم، ويشق عليهم مفارقتها، والخروج منها. فعجبًا ماذا تصنع السياسة الجاهلية سياسة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى ﴾ بأهلها! وكيف أقروا مع شركهم وكفرهم، أنهم هم الأخباث الأنجاس، وأن لوطًا - عليه السلام - وآله مطهرون من ذلك، باجتنابهم له.   ثم بماذا عوقب يوسف - عليه السلام - لعفته وطهارته؟ بدخول السجن.   ولماذا عوقب أصحاب الأخدود؟! وما هو السبب الذي من أجله أحرقهم الطغاة؟!   أليس من أجل ما بينه الله بقوله: ﴿ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾. فما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم بالله، وتوحيدهم له جل في علاه، أما علموا فيهم عيبًا، ولا وجدوا لهم جُرمًا، إلا هذا؟!   لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب به، أو ينقم عليهم منه، بوجه من الوجوه، لقد قلب هؤلاء الموازين، وخلطوا المعايير، وخالفوا الطبيعة السويّة، بهذه الأحكام الفاسدة العتية؛ والتي تدل إن دلت على فساد الطباع، وأيّ فساد بعد أن كرهوا ما يجب أنْ يُحب، وأحبوا ما يجب أن يكره؟!   وهؤلاء قوم شعيب يعيبون عليه بقولهم: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود : 87].   وقوم نوح: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴾.   وقوم إبراهيم: ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ ﴾ [الأنبياء:68].   وهكذا أهل الكتاب: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [المائدة : 59]، إلخ هذه السلسلة العاتية الطاغية، والتي تعيب الغير على حد قول نابغة ذبيان: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم    بهن فلول من قراع الكتائب   وقول الآخر: فما بك في من عيب فإني       جبان الكلب مهزول الفصيل   وهكذا هي سلسلة طويلة لا تنتهي، وسيناريوا واحد لا يتغير! لكن الله لهم بالمرصاد: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30].
      [1] (ص: 334). [2] أحد أزلام الحجاج وولاته على الري. [3] كما انتابت هذه النوبات الجنونية العيديون ففعلوا ما فعلوا، واخذوا ما اخذوا من سياسة فرعون، ثم كان ماذا؟! ذهبوا إلى غير رجعة. وانظر شيئًا منها في: مدرسة الحديث في القيروان. [4] وهذا جزء من وصية طويلة للإمام علي أوصاها لكميل، وهي نافعة ماتعة. رواها أبو نعيم في الحلية (1/ 79-80)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/ 49-50)، والنهرواني في الجليس الصالح ( 3/331)، والشجري في أماليه (1/ 66)، والمزي في تهذيب الكمال (3/1150)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (1/11)، وانظر شرحًا لها في: مفتاح دار السعادة (1/ 403-405). وقد أفردتها في مقال لي بعنوان: من وصايا الإمام علي (رضي الله عنه) وصية للكميل بن زياد، نشر على الشبكة المحبوبة، شبكة الألوكة. [5] قبل أن يسلم ويحسن إسلامه - رضي الله عنهما. [6] تفسير القرآن العظيم (1/82). [7] وقع في نسختي: " أعداؤها "، ولعل الصواب ما أثبتناه، وهو ما يناسب السياق ما أثبتناه. والله أعلم. [8] شفاء العليل (ص: 147). وانظر للفائدة: مقال لي بعنوان: من عجيب هداية الله (عز وجل) للحيوانات والحشرات. [9] وقرأ بعضهم: "يَظْهَر في الأرض الفسادُ" بالضم. تفسير القرآن العظيم(4/94). [10] في ظلال القرآن (6/254). بتصرف وزيادة يسيرة. [11] أخرجه أحمد (5/431)، والحاكم (2/ 357) وقال: " هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ". وقال الذهبي " على شرط البخاري ومسلم ". [12] انظر للفائدة: الأحكام (1/27) لابن حزم. [13] أخرجه البخاري رقم: (6731 ) ومسلم رقم: (227)، (21). عن معقل بن يسار المزني - رضي الله عنه. [14] أخرجه مسلم رقم: (142). [15] أخرجه أبو نعيم في الحلية (1/137)، وله شواهد وألفاظ أخر، وهو صحيح موقوف، وقد صححه الألباني في المشكاة (3/112)، وروي مرفوع عن حذيفة - رضي الله عنه - عند الترمذي رقم: (2007)، ولا يصح. والله أعلم. [16] أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/9)، وصححه ابن القيم في إعلام الموقعين (2/268). [17] هذا مثل يضرب لمن يظلم من جهتين.
      بكر البعداني شبكة الالوكة    
         
    • وقفات مع القاعدة القرآنية ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾     بسم الله والحمد لله، وبعد: الوقفة الأولى: في دلالة الآية على أن الله سبحانه لم يعطِ الناس من العلم إلا مقدارًا قليلًا، وذلك بالنسبة إلى علمه تعالى؛ قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: وإنما معنى الكلام: وما أوتيتم أيها الناس من العلم إلا قليلًا من كثير مما يعلم الله؛ جامع البيان (١٤٣/١٣).   الوقفة الثانية: في دلالة الآية على أن الأصل في الإنسان الجهل؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [النحل: 78]. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم...)؛ صحيح الجامع.   الوقفة الثالثة: في دلالة الآية على سعة علم الله تعالى؛ عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه، قال: بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في خرب المدينة، وهو يتوكأ على عسيب معه، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقال بعضهم: لنسألنه، فقام رجل منهم، فقال: يا أبا القاسم، ما الروح؟ فسكت فقلت: إنه يوحى إليه، فقمتُ فلما انْجلى عنه، قال: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]؛ رواه البخاري.   الوقفة الرابعة: في دلالة الآية على أن الفضل لله وحده، فهو الذي علم ويسَّر أسباب العلم، وهو الذي أعطى أدوات التعلم، وهذا يحمل العبد على التواضع وعدم الغرور؛ قال تعالى: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78].   قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى: خص هذه الأعضاء الثلاثة، لشرفها وفضلها، ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة؛ تيسير الكريم الرحمن (٤٤٥/١٤).   الوقفة الخامسة: في دلالة الآية على عظمة الله تعالى وعظمة علمه سبحانه؛ قال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59].   قال العلامة السعدي في تفسيره على هذه الآية: هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها التي يطلع منها ما شاء من خلقه، وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار، من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها، ويشتمل عليه ماؤها.   ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ﴾من أشجار البر والبحر، والبلدان والقفر، والدنيا والآخرة، إلا يعلمها.   ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي يبذرها الخلق؛ وبذور النوابت البرية التي ينشئ منها أصناف النباتات.   ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ﴾هذا عموم بعد خصوص ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وهو اللوح المحفوظ، قد حواها، واشتمل عليها، وبعض هذا المذكور، يبهر عقول العقلاء، ويذهل أفئدة النبلاء، فدل هذا على عظمة الرب العظيم وسعته، في أوصافه كلها، وأن الخلق - من أولهم إلى آخرهم - لو اجتمعوا على أن يحيطوا ببعض صفاته، لم يكن لهم قدرة ولا وسع في ذلك، فتبارك الرب العظيم، الواسع العليم، الحميد المجيد، الشهيد، المحيط، وجل مِنْ إله، لا يُحصي أحد ثناءً عليه، بل كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه عباده، فهذه الآية دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث.   الوقفة السادسة: في دلالة الآية على قصور علم العبد، وأن عليه أن يكل ما يجهله إلى علم الله تعالى؛ يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: الواجب على كل مؤمن أن يكل ما أشكَل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليمًا، وأنه لو اعترض على ذي صنعة أو علم من العلوم التي استنبطتها معاول الأفكار، ولم يحط علمًا بتلك الصناعة والعلم، لأزرى على نفسه، وأضحك صاحبَ تلك الصناعة والعلم على عقله؛ مفتاح دار السعادة (271/2).   الوقفة السابعة: في دلالة الآية على وجوب التسليم للعليم الحكيم في مسائل الشرع والأمر والنهي، والقضاء والقدر والتعليل. وذكر جل ذكره قول الملائكة الكرام: ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 32]. قال أهل التفسير: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك.   ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾بوجه من الوجوه ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ إياه، فضلًا منك وجودًا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾العليم الذي أحاط علمًا بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون، ولا شك أن العباد يتفاوتون في العلم، فكم بين الله وبين عبده من سعة في العلم!   الوقفة الثامنة: في دلالة الآية على أن العبد عليه أن يستعين بالله تعالى في طلبه للعلم، فهو سبحانه الذي يؤتي العلم وييسر أسبابه، فقد قال سبحانه لأعلم الخلق صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، وقال: ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 5].   الوقفة التاسعة: في عموم الآية، فتشمل العلوم الشرعية والعلوم الكونية، وأن العباد لم يؤتوا من ذلك إلا القليل منها.   الخاتمة: هذه الآية العظيمة تحمِل العباد على التواضع وتعظيم الله تعالى، والتسليم له، وأنه العليم الحكيم الذي وسع علمه كل شيء، فلا يخفى عليه خافية؛ قال تعالى في كتابه: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴾ [طه: 110].   وقال: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر: 7].   اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزِدنا علمًا، إنك أنت العليم الحكيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
  • أكثر العضوات تفاعلاً

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      179976
    • إجمالي المشاركات
      2531178
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      91820
    • أقصى تواجد
      1020

    أحدث العضوات
    ام مرمر5
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×