اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. 54914
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109819
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9062
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      180034
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56687
      مشاركات
    4. 259913
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23480
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      7962
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32118
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4155
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25481
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1676
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30212
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      52677
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19522
      مشاركات
    4. 6676
      مشاركات
  5. قسم الاستشارات

    1. استشارات اجتماعية وإيمانية

      لطرح المشاكل الشخصية والأسرية والمتعلقة بالأمور الإيمانية

      المشرفات: إشراف ساحة الاستشارات
      40669
      مشاركات
    2. 47501
      مشاركات
  6. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21002
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  7. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6305
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      96965
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36804
      مشاركات
  8. سير وقصص ومواعظ

    1. 31779
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4880
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16429
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15469
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29712
      مشاركات
  9. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31143
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12925
      مشاركات
  10. مملكتكِ الجميلة

    1. 41302
      مشاركات
    2. 33838
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91657
      مشاركات
  11. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32154
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13122
      مشاركات
    3. 34857
      مشاركات
    4. خربشة مبدعة

      ساحة التصاميم الرسومية

      المشرفات: محبة للجنان
      65591
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6116
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      4925
      مشاركات
  12. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12909
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  13. le forum francais

    1. le forum francais

      Que vous soyez musulmane ou non, cet espace vous est dédié

      المشرفات: سلماء
      7174
      مشاركات
  14. IslamWay Sisters

    1. English forums   (33446 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  15. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101646
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • ما من خير إلا دلَّنا عليه، وما من شر إلا دفعه عنا، صلى الله عليه وعلى إخوانه الأنبياء وسلم تسليمًا، ومن أتباع الأنبياء عليهم السلام أقوامٌ كُثُر من الصحابة والتابعين، والأئمة والعلماء، والزهاد والمصلحين، والدعاة وعامة المسلمين - يفتحون الخير ويغلقون الشر؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((إن من الناس مفاتيحًا للخير مغاليقًا للشر، ومن الناس مفاتيحًا للشر مغاليقًا للخير، فطوبى لمن جعل الله مفتاح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل مفتاح الشر على يديه))؛ [رواه ابن أبي عاصم عن أنس رضي الله عنه بسند حسن]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تبارك وتعالى خزائنَ من الخير مفاتيحها الرجال...))؛ [رواه ابن أبي عاصم عن سهل بن سعد رضي الله عنه بسند حسن لغيره].       ومعرفة المفاتيح من العلم الضروري ليس النافلة؛ قال ابن القيم رحمه الله: "جعل الله سبحانه لكل مطلوب مفتاحًا يُفتَح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدق، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال، ومفتاح النصر والظفر الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية المحبة، ومفتاح الفلاح التقوى، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر فيما دعا الله عباده إلى التفكر فيه، ومفتاح حياة القلب تدبر القرآن، والتضرع بالأسحار، وترك الذنوب، ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار والتقوى، ومفتاح العز طاعة الله ورسوله، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، وهذا باب عظيم من أنفع أبواب العلم، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، لا يُوفَّق لمعرفته ومراعاته إلا من عَظُم حظه وتوفيقه، فإن الله سبحانه وتعالى جعل لكل خير وشر مفتاحًا وبابًا يُدخَل منه إليه، كما جعل الخمر مفتاح كل إثم، وجعل الغنى مفتاح الزنا، وجعل إطلاق النظر في الصور مفتاح الطلب والعشق، وجعل المعاصي مفتاح الكفر، وجعل الكذب مفتاح النفاق، وجعل الشح والحرص مفتاح البخل، وجعل الإعراض عما جاء به الرسول مفتاح كل بدعة وضلالة، وهذه الأمور لا يصدق بها إلا كل من له بصيرة صحيحة، وعقل يعرف به ما في نفسه، وما في الوجود من الخير والشر"؛ ا.هـ.       فلنكن أيها الإخوة من مفاتيح الخير مغاليق الشر، وأهم الخير التوحيد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء: 48]، فمن دعا وثنيًّا أو كتابيًّا للإسلام فأسلم، فقد فتح له أعظم باب للخير، وفتحُ أبواب الخير مأمورٌ به؛ قال سبحانه: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن من الناس مفاتيح لذكر الله، إذا رُؤوا ذُكِرَ الله))؛ [رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه].       فمن مجالات فتح أبواب الخير: العلم؛ تعليمًا وتأليفًا ونشرًا؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيَّة قبِلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء؛ فنفع الله بها الناس فشربوا وسقَوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل مَن فقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أُرسلت به))؛ [رواه البخاري عن أبي موسى رضي الله عنه]، فالذي يعلِّم الناس الخير، فقد قبِل الوحي ونشره بين الناس، وانتفع به المسلمون، فهو أرض نقية، والذي أمسك العلم ولم ينشره بين الناس، ولكن حفظه لهم، فهو أجادب يستفيد منه مَن يبحث عنه، وأما القيعان فلا خير فيها.       فعلِّمِ الناسَ الخيرَ تَنَلْ مثل أجرهم؛ لذا حثَّنا سبحانه على تعليم أنفسنا: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [طه: 114]، وتعليم الآخرين: ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما بُعِثْتُ معلمًا))، فإذا علَّمت شخصًا الصلاة، فتحت له أعظم باب في الإسلام، وإذا علمته سُنَّةً، فتحت له باب خير، وإذا علَّمت أبناءك وبناتك السنن والآداب، فتحت لهم أبواب الخير.       ومن أبواب مفاتيح الخير: السنة الحسنة؛ كالصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا القرآن، ففتحوا للمسلمين باب خير عظيم، فكانوا قدوةً لكل من جمع القرآن وطبعه بعدهم، ومن يكون له السبق فيدل الناس على الخير، فهو من مفاتيح الخير؛ وقد قال الله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]، ويتفاوت الناس في ذلك؛ فتجد بعضهم مِقدامًا في الخير، فتكثر أوَّلياته؛ كعمر رضي الله عنه الذي كان إمامًا في أمور خيرٍ كثيرة.       وقد جاء قومٌ من الفقراء إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأثر لحاجتهم، فدعا الناس إلى الصدقة، فقام رجل بصدقة قليلة، فتتابع الناس بعده، فاستبشر النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((من سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسنة، فله أجرها، وأجر من عمِل بها من بعده إلى يوم القيامة))؛ [رواه مسلم].       أجر عظيم أن تأتيَ يوم القيامة وتجد عند الله تعالى أعمالًا كثيرة، وجبالًا من الحسنات لم تعملها، ولكنها أُضيفت لك ممن اتبعك، فأسَّستَ مؤسسة خيرية واستمرت عشرات السنين، فلك أجر مَن عمل بها ومَن استفاد منها، أو شرحت آية أو حديثًا بفقه سديد ونقل صحيح لم ينتبه له مَن قبلك، فلك أجر من استفاد منه، أو اكتشفت دواءً لمرض، فاستفاد منه الناس، فكل من تداوى به وشُفِيَ، فلك أجره، مهما كثر عددهم، والله يضاعف لمن يشاء.       فكما أن المسلم مأمور بفتح أبواب الخير، فإنه مأمور بغلق أبواب الشر، وأعلى الشرِّ الشركُ؛ قال سبحانه: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]، والله تعالى أمر بغلق أبواب الشر: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بغلق أبواب الشر؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور لحذيفة رضي الله عنه لما سأله: وهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ((نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، قلت: يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: تعتزل تلك الفرق))؛ [رواه البخاري]، فأمره بالاعتزال عن جماعات الشر والفتنة، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنها ستكون فتنٌ، ثم تكون فتنٌ، المضطجع فيها خير من الجالس، والجالس فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي إليها، أَلَا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كانت له إبلٌ فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه))؛ [رواه أحمد عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه].       ومن مجالات إغلاق أبواب الشر: الحسبة؛ بمراقبة الأبناء والبنات، والزوجات والأصدقاء، والحسبة الرسمية بالرقابة على الكتب ووسائل الإعلام والمجلات، ففيها سدٌّ عظيم لأبواب الفتنة والبدعة والشر، فمن يقُمْ عليها بنية وإخلاص، يأجُرْهُ الله تعالى أجرًا عظيمًا.       ومن غلق أبواب الشر: العلم بأبواب الشر ليحذَّر منها؛ وقد قال عمر رضي الله عنه: "تُنقَض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام مَن لا يعرف الجاهلية"، وقال الشاعر:   عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقِّيه *** ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فِيهِ       ومن غلق أبواب الشر: سدُّ ذرائع الفتنة والشر؛ كعدم نشر زلات العلماء؛ قال عمر رضي الله عنه: ((ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون))؛ [رواه ابن عبدالبر بسند صحيح]، ويفسِّره قول معاذ بن جبل رضي الله عنه: ((إياك وزيغة الحكيم؛ فإن الشيطان يتكلم على لسان الحكيم بكلمة الضلالة، قالوا: وكيف زيغة الحكيم؟ قال: هي الكلمة تروعكم وتنكرونها، وتقولون: ما هذه؟ فاحذروا زيغته ولا يصدنكم عنه؛ فإنه يوشك أن يفيءَ وأن يراجع الحق))؛ [رواه أبو داود بسند صحيح].   د. عصام بن عبدالمحسن الحميدان شبكة الالوكة    
    • سلسلة كيف نفهم القرآن؟ 1           1- الربع الأول من سورة الرعد       الآية 1: ﴿ المر ﴾: سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة.   ﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ يعني: تلك الآيات - التي نتلوها عليك يا محمد في هذه السورة - هي آيات الكتاب العظيم، ﴿ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ - أي القرآن والسُنَّة - هو ﴿ الْحَقُّ ﴾ الواضح ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾.       الآية 2: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ أي ترون السماء مرفوعةً بقدرتِهِ تعالى مِن غير أعمدة، ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى ﴾ أي عَلا وارتفعَ سبحانهُ ﴿ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ استواءً يَليقُ بجلاله وعَظَمته، ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ أي ذَلَّلَهما لمنافع العباد، ﴿ كُلٌّ ﴾ مِن الشمس والقمر ﴿ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾: أي يَدورُ في فَلَكِهِ إلى يوم القيامة، ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾: أي يُدَبِّر سبحانه أمورَ خَلقه، ﴿ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ ﴾: أي يوضّح لكم الآيات الدالة على استحقاقه وحده للعبادة، وعلى قدرته تعالى على بَعْث الخلائق بعد موتها - إذ هو سبحانه الذي ابتدأ خَلْقها من العدم - ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾: أي لتكونوا على يَقين بلقاء ربكم يوم القيامة للحساب والجزاء، فحينئذٍ تُخْلِصوا عبادتكم له وحده.       الآية 3: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ أي جَعَلها مُمتدة (فبَسَطَها سبحانه للحياةِ فوقها)، وهَيَّأها لمعاشكم، ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ أي جبالاً تُثبِّتُها ﴿ وَأَنْهَارًا ﴾ لِشُربكم ومَنافعكم، ﴿ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾: أي جعل سبحانه في الأرض - من كل أنواع الثمرات - صِنفين اثنين، فجعل منها الأبيض والأسود والحلو والحامض، وغير ذلك، ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾: أي يُدخِلُ سبحانهُ الليلَ على النهار حتى يُذهِبَ نُوره، ويُدخِل النهار على الليل حتى يُذهِب ظلامه، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي يَتفكرونَ بعقولهم، فيَتَّعظوا ويَجتهدوا في فِعل ما يَنفعهم في الدنيا والآخرة.       ♦ واعلم أنّ قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ لا يُفهَم منه أنّ الأرض مُسَطَّحة، بل إنه يَدُلّ على أنك أينما ذهبتَ فوق الأرض، تراها مَمدودة أمامك، وهذا لا يُمكِن هَندسيّاً إلا إذا كانَ الشكلُ دائريّاً (إمّا كُرة أو بيضة أو دائرة)، إذ إنها لو كانت مُسَطَّحة: لاَختفى هذا المَدّ عند الوصول لحدودها، فسُبحانَ مَن عَلَّمَ محمداً صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة.       الآية 4: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ﴾ يعني: ومِن آياته سبحانه أن جَعَلَ في الأرض قِطَعاً - من الأراضي الزراعية - يَلتصق بعضها ببعض، فمنها ما يُخْرِجُ نباتًا طيبًا يَنفعُ الناس، ومنها ما لا يُخرِجُ النباتَ إلا رَديئاً قليلاً لا نَفْعَ فيه (مع أنها نفس الأرض)، ﴿ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ ﴾: أي وجعل سبحانه - في الأرض الواحدة - بساتينَ من أعناب، وكذلك جعل فيها أنواعاً مختلفة من الخُضروات والحبوب والفاكهة، ﴿ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ ﴾ أي عدة نَخلات مُشترِكة في مَنبت واحد (يعني يَجمعها أصلٌ واحد) ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ أي: وهناك نَخلات غير مُجتمِعة في نفس المَنبت، وإنما كل نخلة قائمة على أصلها.       ♦ كُلُّ ذلك في تربة واحدة، و﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾ ولكنه يَختلف في شكله وحجمه وطعمه، ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ أي: وبَعضها أفضل من بعض في الأكل (فسبحانَ مَن خَلَقَ الثمرات، وخلق لكل ثمرةٍ مَذاقاً وطَعماً) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ كله ﴿ لَآَيَاتٍ ﴾ أي علاماتٍ على قدرته تعالى، وقد جعل سبحانه هذه الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي يَتفكرون بعقولهم، فيَعلموا أنه سبحانه الخالق الرازق المُستحِق وحده للعبادة، إذ لا يُعقَلُ أبدًا أن يَخلُقَ ويُعبَد غيرُه، وأن يَرزُقَ ويُشكَر غيرُه!       الآية 5: ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ ﴾ - أيها الرسول - من عدم إيمان قومك بعد هذه الأدلة: ﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي فالعَجَب الأشدُّ مِن قول الكفار: ﴿ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾: يعني أَئِذا مِتنا وكنا تراباً، نُبعَثُ أحياءً من جديد؟، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ الذي أَوْجَدَهم من العدم ﴿ وَأُولَئِكَ ﴾ تكون ﴿ الْأَغْلَالُ ﴾ - وهي سلاسل من نار - تُوضَعُ ﴿ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾ يوم القيامة ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾.       ♦ ويُحتمَل أن يكون المقصود بالأغلال التي في أعناقهم: أنها مَوانع الهداية في الدنيا، كالتقليد الأعمى، والكِبر والعناد، واتِّباع الهوى، والانقياد وراء الشهوات، وغير ذلك.       الآية 6: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾ أي يَستعجلك المشركون بإنزال العذاب - الذي أنذرتَهم به - ليكون دليلاً لهم على نُبُوَّتك، بدلأ مِن أن يَطلبوا إنزال الرحمات والبركات وسعة الرزق والرخاء (وذلك لِجَهلهم وعِنادهم)، لأنّ إنزال الرخاء والبركات - بعد أن تطلبها لهم مِن اللهِ تعالى - سيكونُ دليلاً أيضاً على نُبُوَّتك، وأفضل لهم مِن طلب العذاب والهلاك.       ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ﴾: أي وقد مَضَتْ عقوبات المُكذبين أمثالهم (كعادٍ وثمود)، ورأوا ديارهم، فكيف لا يَعتبرون بهم؟! ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: إنه سبحانه لَغفورٌ لِمَن تابَ إليه من الناس، فيَفتح لهم باب المغفرة ويَدعوهم إليها ﴿ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ أي على الرغم مِن ظُلمهم لأنفسهم بالمعاصي، إذ لو كانَ سبحانه يؤاخذ بالذنب لمجرد وقوعه: ما تَرَكَ على الأرض من دابة، ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمَن أصَرَّ على الشِرك والمعاصي ولم يَتُب.       الآية 7: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ يعني: هَلاَّ جاءته مُعجزة مَحسوسة مِن عند ربه (كَعَصا موسى وناقة صالح)، وليس ذلك بِيَدِك أيها الرسول، فـ ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ أي مُبَلِّغٌ لهم، ومُخَوِّفهم مِن عذاب اللهِ تعالى، ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يعني: ولكل أُمَّةٍ رسولٌ يُرشدهم إلى التوحيد.       الآية 8، والآية 9: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ﴾ في بطنها (ذكرٌ هو أم أنثى؟ أبيض أم أسمر؟ كم سَيَعيش؟ وغير ذلك)، ﴿ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ﴾: أي ويَعلم سبحانه ما تُنقِصه الأرحام فيَسقط (أو يُولَد قبل تسعة أشهر)، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾: أي وكذلك يَعلم سبحانه ما يَزيد حَمْله على التسعة أشهر، ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ ﴾ تعالى مُقَدَّرٌ ﴿ بِمِقْدَارٍ ﴾ مُحَدّد لا يَتجاوزه، وهو سبحانه ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾: أي يَعلمُ ما غابَ عن حَواسِّكم - أيها الناس - ويَعلم ما تشاهدونه، وهو ﴿ الْكَبِيرُ ﴾ في ذاته وأسمائه وصفاته، ﴿ الْمُتَعَالِ ﴾ الذي يَعلو جميعَ خَلْقه بذاته وقَهْره، الذي ليسَ له شَريكٌ ولا شَبِيهٌ ولا زوجة ولا ولد..       الآية 10: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ﴾: يعني يَتساوَى - في عِلمه تعالى - مَن أخفى القولَ منكم ﴿ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ أي وَمَن تَكَلَّمَ به بصوت مُرتفع، ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ يعني: ويتساوَى عنده أيضاً مَن استَتَر (أي تخَفّى) بأعماله في ظُلمة الليل، ومَن جَهَرَ بها في وَضَح النهار.       الآية 11: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ أي: للهِ تعالى ملائكةٌ يَتعاقبون ويَتوالون على الإنسان بالليل والنهار ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أي مِن أمامه ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾: أي يَحفظونه بأمْر الله تعالى مِن شر الجن وغير ذلك، (ويُلاحَظ أنّ اللهَ تعالى لم يقل: (يَحفظونه بأمْر الله) وإنما قال: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾، لأنّ ذلك الحِفظ هو مِن قَدَر اللهِ تعالى، إذ إنه سبحانه يُقَدِّرُ البلاء ويُقَدِّر أيضاً ما يَمنع البلاء).       ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ أي لا يُغيِّرُ سبحانه نعمةً أنعَمَها على قومٍ إلا إذا غَيَّروا ما أمَرَهم به فعَصوه، ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا ﴾ أي بَلاءً أو عذاباً: ﴿ فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾: أي فلا مَفرَّ منه ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾: أي وليس لهم مِن دون اللهِ وَلِيٌّ يَتولى أمورهم، فيَجلب لهم المحبوب، أو يَدفع عنهم المكروه.       الآية 12: ﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا ﴾ أي تخافون أن تَنزل عليكم الصواعق المُحرِقة من البرق، ﴿ وَطَمَعًا ﴾: أي وتَرجون أن يَنزل معه المطر، ﴿ وَيُنْشِئُ ﴾ سبحانه ﴿ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾ أي السحاب المُحَمَّل بالماء الكثير لمنافعكم، فيكونُ مَرفوعاً بقدرته تعالى، رغم ما فيه مِن ماءٍ كثير.       الآية 13: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ (والرعد هو الصوت الذي يُسمَع من السحاب ويُزعِج العباد، فهو خاضعٌ لربه، مُسَبِّحٌ بحمده) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾: أي وتُسَبِّحه الملائكة مِن أجْل خوفها منه سبحانه، ومِن هَيْبته وجلاله، ﴿ وَيُرْسِلُ ﴾ سبحانه ﴿ الصَّوَاعِقَ ﴾ المُهلِكة ﴿ فَيُصِيبُ بِهَا ﴾ أي فيُهلِكُ بها ﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من الظالمين والكافرين ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ﴾ أي: والكفار يُجادلون في وحدانية اللهِ وقدرته على البعث ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ أي شديد الحَوْل والقوة، وشديدُ البطش بمن عصاه وجَحَدَ قدرته.       ♦ واعلم أنّ عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما كان يقول - إذا سمع صوت الرعد -:) سبحان الذي يُسبح الرعد بحمده والملائكة مِن خِيفته)، واعلم أنّ (سبحان الله وبحمده) تُعادِلُ في المعنى (سبحان الله والحمد لله).       الآية 14: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ أي: للهِ تعالى دعوة التوحيد (لا إله إلا الله) التي يَدعو إليها جميع الرسل، فهو الإله الحق الذي يَستجيبُ لمن دَعاه، ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ - من الآلهة المزعومة - ﴿ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ﴾ مِن دعائهم ﴿ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ﴾ يعني إلا كَحَالِ رجلٍ عطشان، يَمُدّ يَديه إلى الماء ليَشرب منه ﴿ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾: أي وهو لا يستطيع أن يَصل إلى الماء، ويَظل هكذا حتى يَهلك عطشاً، (فهذا مَثَلُ مَن يَعبد غيرَ اللهِ تعالى بدعاءٍ أو ذبحٍ أو نذرٍ أو غير ذلك، فهو مَحرومٌ من الإجابة، خائبٌ في مَسعاه، عاقبته النار والخُسران)، ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ لآلهتهم ﴿ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ أي في ضَياع، لأنها لا تَسمع دعائهم، ولا تَعلم شيئاً عن حالهم.       الآية 15: ﴿ وَلِلَّهِ ﴾ وحده ﴿ يَسْجُدُ ﴾ جميع ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ خاضعًا مُنقادًا ﴿ طَوْعًا ﴾ أي طاعةً لأمْره (كالمؤمنين) ﴿ وَكَرْهًا ﴾ أي رغمًا عنهم (كالمنافقين)، وكالكُفار عند الشدائد (حِينَ لا يَنفعهم ذلك)، (واعلم أنّ الكافر - وإن لم يَسجد للهِ تعالى عبادةً - فإنه يَسجد له بخضوعه لأحكامه الجارية عليه - مِن غِنىً وفقر، وصحةٍ ومرض، وسعادةٍ وشقاء - ولا يَقدر أن يَرُدّها)، ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾ أي: وتَنقادُ لعَظَمته ظلال المخلوقات، فتتحرك بإرادته أول النهار وآخره.       الآية 16، والآية 17: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: ﴿ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾؟ ﴿ قُلِ ﴾: ﴿ اللَّهُ ﴾ هو الخالق المُدَبِّر لهما، وأنتم تُقِرُّونَ بذلك، ثم ﴿ قُلْ ﴾ - مُلزِمًا لهم بالحُجَّة -: ﴿ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي مَعبودينَ ﴿ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾؟! فكيف لها أن تَنفع عابِدِيها أو تَضُرّ مَن لم يَعبدها؟!       ♦ ثم ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ﴾ يعني هل يَتساوَى عندكم ﴿ الْأَعْمَى ﴾ وهو الكافر الذي عَمِيَ عن آيات اللهِ تعالى رغم وضوحها - ﴿ وَالْبَصِيرُ ﴾ الذي أبْصَرَ آيات اللهِ فآمَنَ بها، ولم يَتكبر عن الانقياد للحق؟! لا يَستويانِ أبداً، ﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ ﴾ وهي ظُلُمات الجهل - والتقليد الأعمى بغير دليل - والكفر والمعاصي (وما يَنتج عن ذلك من القلق والحيرة واضطراب النفس) - فهل يَتساوى ذلك ﴿ وَالنُّورُ ﴾ أي نور العلم والإيمان والاطمئنان بذِكر الله تعالى وتوحيده؟!       ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴾ سبحانه ﴿ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾؟! تعالى اللهُ عن ذلك عُلوّاً كبيراً، ﴿ قُلِ ﴾ لهم: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وأنتم تعترفون بذلك - أيها المشركون - إذاً فهو وحده المُستحِق للعبادة ﴿ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾.       ♦ ثم ضَرَبَ سبحانه مَثَلا للحق والباطل بماءٍ أنزَلَهُ من السماء، فقال: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ أي مَطَراً كثيراً، حتى أصبح سَيلاً من الماء، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾: أي فجَرَى سَيْلُ الماء في أَوْدِية الأرض (بقدْرِ صِغَرها وكِبَرها)، ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ يعني: فحَمَلَ السَيلُ غُثاءً (أي رَغوةً طافية فوقه) لا نَفْعَ فيها.       ♦ وضَرَبَ سبحانه مَثَلاآخر، فقال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ﴾ وهي المعادن التي تُوقَدُ عليها النار لِصَهرها، وذلك ﴿ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي طلبًا للزينة (كما في الذهب والفضة)، ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾: يعني أو طلبًا لمنافع يَنتفعونَ بها (كما في النحاس)، فيَخرج من هذه المعادن: ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾: أي خَبَثٌ لا فائدةَ فيه (كالذي كانَ مع الماء)، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾: أي بمِثل هذا يَضرب اللهُ الأمثالَ للحق والباطل: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ يعني: فأمّا الباطل فهو كَغُثاء الماء (وهي الرَغوة التي تتلاشى أو تُرْمَى)، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني: وأمّا الحق فهو كالماء الصافي والمعادن النقية (إذ تَبقى في الأرض للانتفاع بها) ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ للناسِ لِيَتَّضِح الحق من الباطل والهدى من الضلال.       الآية 18: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ يعني: إنّ للمؤمنين الذين أطاعوا اللهَ ورسوله: ﴿ الْحُسْنَى ﴾ أي لهم الجنة، ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ وكفروا برسوله: أولئك لهم النار، و ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ ﴾: يعني لو أنهم كانوا يَملكون كل ما في الأرض وضِعْفه معه: ﴿ لَافْتَدَوْا بِهِ ﴾: أي لَجَعَلوه فِداءً لأنفسهم من عذاب اللهِ يوم القيامة (ولن يُقبَلَ منهم)، ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ ﴾ أي يُحاسبهم اللهُ على كل ما قدّموُه مِن عَمَلٍ سيِّئ، فلا يَغفِرُ لهم منه شيئاً، ﴿ وَمَأْوَاهُمْ ﴾ أي ومَصيرهم ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ لتكونَ فِراشاً لهم ﴿ وَبِئْسَ الْمِهَاد ﴾: أي وهي بِئسَ الفِراش والمُستقرُّ.             تفسير الربع الأخير من سورة الرعد       الآية 19، والآية 20، والآية 21: ﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني: هل الذي يَعلم أنّ ما جاءكَ أيها الرسول ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾ هو ﴿ الْحَقُّ ﴾ - وذلك لِوُضوح علاماته - فيُؤمن به بمجرد ظهوره ﴿ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ﴾ عن الحق لا يؤمن به؟! لا يستويانِ أبدًا، ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ يعني: إنّ الذين يَتَّعظون بالقرآن وأدِلَّته هم أصحاب العقول السليمة، وهم ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ أي العهد الذي أمَرَهم به سبحانه - من السمع والطاعة لأوامره التي وَصَّاهم بها في كتابه - ﴿ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ أي لا يَنقضون العهود المؤكدة التي عاهَدوا اللهَ على الالتزام بها (ما لم تكن إثمًا أو قطيعة رَحِم)، ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ كالأرحام والمحتاجين، ﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ بفِعل ما أمَر واجتناب ما نَهى ﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴾ أي: ويَخافون أن يُحاسبهم اللهُ على كل ذنوبهم، ولا يَغفر لهم منها شيئًا، فحينئذٍ لا يَرجون إلا رحمته، ولا يُحسِنون الظنّ إلا به، حتى يَغفر لهم ذنوبهم ويَقبل منهم أعمالهم.       الآية 22، والآية 23، والآية 24: ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: وهم الذين صبروا على الأذى، وصبروا على الطاعة، وصبروا عن المعصية (طلبًا لرضا ربهم)، ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ أي: وأدَّوا الصلاة على أتمِّ وجوهها (بخشوعٍ واطمئنان)، ﴿ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ أي وأخرَجوا من أموالهم: (الزكاة المفروضة والصدقات المُستحَبة) ﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾: أي في الخَفاء والعَلَن، ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ أي: ويَدفعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها (والمعنى أنهم يَتوبون من المعاصي، ويَجتهدون في فِعل الطاعات حتى يَمحوا بها السيئات، وكذلك يكونون حَلِيمينَ على الجُهَلاء، وصابرينَ على مَن يؤذونهم) ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ أي لهم العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ أي جنات الخلود ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ ويقيمون في نعيمها الدائم (الذي خَلا من التعب ومن جميع المُنَغِّصات والمُنَكِّدات)، ﴿ وَمَنْ صَلَحَ ﴾ أي ومعهم الصالحونَ ﴿ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ -والذرية هي الأبناء (ذكورًا كانوا أو إناثًا) - ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾ لِتَهنئتهم بدخول الجنة - قائلينَ لهم -: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾: أي سَلِمْتم مِن كل سُوءٍ بسبب صَبْركم في الدنيا، ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾: أي فنِعْمَ العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي الجنة.       الآية 25: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ يعني: وأمّا الأشقياء الذين لا يُوفون بعهد الله ﴿ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ أي مِن بعد عَهْدِهِ الذي أخَذَهُ عليهم - بتوحيدهِ - وَهُم في ظَهر أبيهم آدم (وقد أكَّدَ سبحانه هذا العهد بإرسال الرسُل وإنزال الكُتب)، ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ بعمل المعاصي ونَشْر الشرك والفساد ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أي لهم الطرْد من رحمة اللهِ ﴿ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾: أي لهم العاقبة السيئة في الدار الآخرة، وهي جهنم (التي يَذوقونَ فيها العذابَ الشديدَ الذي يَسُوءهم).       الآية 26: ﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ يعني: اللهُ وحده الذي يُوَسِّع الرزق على مَن يشاءُ مِن عباده ﴿ وَيَقْدِرُ ﴾: أي ويُضَيِّق على مَن يَشاءُ منهم (فالتصرّف كله بيديه سبحانه، وله الحِكمةُ البالغة في تضييق الرزق وتوسعته؛ لأنه - سبحانه - الأعلمُ بما يُصلِح عباده مِن الفقر والغنى)، ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي: وفَرِحَ الكفار بالسعة في الحياة الدنيا (ولم يَعلموا أنّ اللهَ يُعطي الدنيا لمن يُحب ولمن لا يُحب؛ لأنها لا تساوي عنده جناح بَعوضة)، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ يعني: وما هذه الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا شيءٌ قليل (يُتمتَّعُ به قليلًا ثم يَزولُ سريعًا).       الآية 27، والآية 28: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ يعني: هَلاَّ أُنزَلَ اللهُ مُعجزة مَحسوسة على محمد، كمُعجِزة موسى وعيسى، ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من المُعاندين، فلا يَهتدون ولو رأوا جميع المُعجِزات، ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ أي: ويَهدي سبحانه - إلى دينه - مَن رجع إليه بالإيمان والطاعات، وتابَ إليه من الشرك والعِصيان، وهؤلاء هم ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ بالحق لَمَّا جاءهم ﴿ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وتوحيده، ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ يعني: ألاَ بطاعة الله وذِكره تطمئن القلوب المؤمنة وتَأنس، وتَسعد بخالقها (واعلم أنّ أفضل الذكر هو ما كانَ باللسان مع حضور القلب، ويَجوز الذكر باللسان فقط - فالذي يَذكر خيرٌ من الذي لا يَذكر - ولكنه أقلّ درجةً مِمن يَذكر بلسانه وقلبه).       الآية 29: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ ﴾ أي لهم حياةٌ طيبة في الدنيا، ﴿ وَحُسْنُ مَآَبٍ ﴾ أي: ولهم مَرجع حَسَن في الآخرة إلى جنة اللهِ ورضوانه، (واعلم أنّ طُوبَى هي شجرةٌ في الجنة، مَسِيرة مائة عام، تَخرج ثياب أهل الجنة من أكمامها، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم) (انظر حديث رقم: 3918 في صحيح الجامع).       الآية 30، والآية 31: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ يعني: وكما أرسلنا المُرسَلين قبلك أيها الرسول، فكذلك أرسلناكَ ﴿ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ أي قد مَضَتْ مِن قبلها أُمَم المُرسَلين، ﴿ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾: أي لتقرأ القرآنَ على هذه الأُمَّة (تذكيرًا لهم وتعليمًا، ونِذارةً وبِشارة)، ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ أي: ولكنّ كفار قومك يَجحدون بوحدانية الرحمن واستحقاقه وحده للعبادة، ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾، ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي لا معبودَ بحق إلا هو، ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾: أي عليه اعتمدتُ وَوَثقتُ في حِفظي ونَصري وفي كل أموري ﴿ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ يعني: وإليه وحده رجوعي بالإيمان والطاعة، والدعاء عند الكرب والحاجة، وتوبتي فيما عاتبني عليه ربي.       ♦ ثم رد الله تعالى على الكافرين الذين طلبوا إنزال المُعجزات على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ يعني: ولو أننا أنزلنا قرآنًا يُقرأ، فتزول به الجبال عن أماكنها ﴿ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ﴾: يعني أو تتشقق به الأرض أنهارًا ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾: يعني أو يَحيا به الموتى وتُكَلَّم - كما طلبوا منك - ما آمَنوا به إلا أن يَشاء الله.       ♦ وهذا يُشبه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾، ولذلك قال بعدها: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾ يعني: بل للهِ وحده الأمر كله في إنزال المُعجزات وفي هداية مَن يَشاء، ﴿ أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾: يعني: أفلم يَعلم المؤمنونَ ﴿ أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ من غير مُعجِزة؟، إذًا فليَتركوا له الأمْرَ سبحانهُ يَفعل ما يشاء ويَحكم ما يريد، (واعلم أن اللفظ: "يَيْئَس" يأتي أحيانًا بمعنى "يَعلم"، وهذا في إحدى لغات العرب، وقد نزل القرآن بلُغَة العرب).       ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾ أي تَنزل بهم مصيبةٌ - بسبب كُفرهم - فيُصيبهم عذابها، ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾: يعني أو تنزل تلك المصيبة ﴿ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ﴾ فيُصيبهم الخوف مِن تجاوُزها إليهم، ولا يزالون كذلك ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ﴾ بالنصر عليهم (كما حدث في فتح مكة) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾، (واعلم أن القارعة هي المصيبة التي تَقرع القلوب بالخوف والفزع والهم والحزن، وقد سَمَّى اللهُ يوم القيامة بالقارعة لشدته وأهواله).       الآية 32: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ أيها الرسول كما استهزأ الكفار بدَعْوَتك ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: أي فقد أمهلتُ الكافرين المُستهزئين من الأمم السابقة حتى قامت عليهم الحُجَّة ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ بعقابي، ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾؟! لقد كان شديدًا مُهلِكًا، (وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لكفار قريش، وفيه أيضًا تصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يَلقاهُ مِن أذى قومه).       الآية 33، والآية 34: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يعني: هل الذي خلق النفس البشرية ويَرزقها ويَعلم أعمالها ويُحاسبها عليها - وهو الله سبحانه - أحَقّ أن يُعبَد، أم هذه المخلوقات العاجزة التي لا تَعلم شيئًا عن عابِدِيها؟! ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ مِن خَلْقه يَعبدونهم، ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ سَمُّوهُمْ ﴾: أي اذكروا صفاتهم - فإنكم لن تجدوا فيها شيئًا يَجعلهم يَستحقون العبادة - ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني أم تُخبِرونَ اللهَ بشركاء في أرضه لا يَعلمهم؟! ﴿ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ﴾: يعني أم تُسَمُّونهم "شركاء" بمجرد إطلاق اللفظ عليهم من غير أن يكون لهم حقيقة؟! ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ يعني: بل حَسَّنَ الشيطانُ للكفار قولهم الباطل وصَدَّهم عن دين الله، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أي فليس له أحدٌ يُوفقه إلى الحق والرشاد، ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بالقتل والأسْر والذل والفضيحة، ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي أثقل وأشد ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾: أي وليس لهم مانع يَمنعهم من عذاب الله تعالى.       الآية 35: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ أي: وَصْف الجنة - التي وَعَدَ اللهُ بها عباده المتقين - أنها ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي أنهارُ الماء والعسل واللبن والخمر، ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾: أي طعامها لا يَنقطع، وظِلُّها لا يَزول ولا يَنقص، ﴿ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أي: هذه الجنة هي عاقبة الذين خافوا اللهَ فاجتنبوا معاصيه وأدَّوا فرائضه، ﴿ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ أي وعاقبة الكافرينَ هي نار جهنم (نسألُ اللهَ العافية لنا ولإخواننا المؤمنين مِن شرِّ جهنم).       الآية 36: ﴿ وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ أي: والذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى - مِمَّن آمَنَ بك منهم - كعبدالله بن سَلام والنَجاشي ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ من القرآن، لمُوافقته لِمَا عندهم، ﴿ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ أي: ومِن المُتَحَزبين على الكفر ضِدَّكَ يُنكِرون بعض المُنَزَّل عليك، ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ﴾، وهذا كقوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، فإذا كنتم تُنكِرونَ بعض القرآن، فخُذوا منه ما لا تستطيعونَ إنكاره (وهو عدم الشرك باللهِ تعالى)، فقد كان النصارى يَتبرؤون من الشرك، وفي نفس الوقت يَعبدون عيسى عليه السلام.       ♦ وهذا مِن بلاغة القرآن: (إلزامُ الطرف الآخر بالحُجَّة)، فإنه قال لهم أولًا: (أُمِرْتُ أن أعبد الله)، لأنه لا يَختلف في ذلك أحدٌ من أهل الكتاب، ثم قال لهم بعد ذلك: (ولا أُشْرِكَ به)، وذلك لإبطال عبادتهم لعيسى عليه السلام.       ♦ ثم أمَرَه سبحانه أن يقول لهم: ﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾: أي أدعو الناسَ إلى توحيد اللهِ وعبادته (كسائر الرسل مِن قبلي)، فأنا مأمورٌ بالدعوةِ إليه وحده بهذا القرآن، وليس لي أن أختار منه شيئًا وأترك الآخر، فليس معنى أنكم تنكرون بعضه، أن أتَّبع أهوائكم وأُبَلِّغكم ما يُرضِي أسماعكم، وإنما أُبَلِّغكم كل ما يُوحَى إليّ من ربي ﴿ وَإِلَيْهِ مَآَبِ ﴾ يعني: وإليه وحده أَرجع في كل أموري، وإليه وحده مَرجعي بعد موتي فيُجازيني بما قمتُ به من الدعوة إلى دينه.       الآية 37: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ يعني: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسان أقوامهم، فكذلك أنزلنا إليك هذا القرآن بِلُغَة العرب لتَحكُمَ به، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ يعني: ولئن اتَّبعتُ أهواء المشركين في عبادة غير اللهِ تعالى ﴿ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ - بأنك على الحق وهُم على الباطل - ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴾: أي ليس لك حينئذٍ مِن ناصرٍ يَنصرك ويَمنعك من عذاب اللهِ تعالى.       الآية 38: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ - هذا رَدٌّ مِن اللهِ تعالى على المشركين الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما لك تتزوج النساء؟)، فإنما هو بَشَرٌ كسائر الرسل مِن قبله - ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ - وهذا رَدٌّ عليهم أيضًا عندما قالوا: (لو كانَ رسولًا لأَتَى بما طَلَبْنا من المعجزات)، فليس في استطاعة رسولٍ أن يأتي بمعجزةٍ أرادها قومه إلا بإذن الله -فـ ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ ﴾ - يعني لكل أمْرٍ مُحَدّد بوقت -: ﴿ كِتَابٌ ﴾ كَتَبَ اللهُ فيه ذلك الأجل، لا يَتقدم عنه ولا يَتأخر.       الآية 39: ﴿ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ أي يَنسخ اللهُ ما يشاء من الشرائع والأحكام بحسب حاجة عباده، ويُبْقِي ما هو صالحٌ لهم ونافع، فما مَحَاهُ تعالى فهو المنسوخ، وما أبقاهُ فهو المُحكَم (وفي هذا رَدّ على إنكارهم لِنَسْخ بعض الأحكام، كاستقباله لبيت المَقدس ثم الكعبة)، فأعلَمَهم سبحانه أنه ذو إرادة ومَشيئة لا تَخضعان لإرداة الناس ومَشيئاتهم، ﴿ وَعِنْدَهُ ﴾ تعالى ﴿ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ وهو اللوح المحفوظ الذي حَوَى كل المقادير، فلا يَدخله تبديلٌ ولا تغيير، ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِعَتْ الأقلام وجَفَّت الصحف).       ♦ وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن سَرّهُ أن يُبسَط له - (أي يُوَسَّع له) - في رزقه، ويُنسَأ له - (أي يُؤخَّر له) - في أجَله: فليَصِل رَحِمَه)، فهذا معناه أن اللهَ تعالى كتب في اللوح المحفوظ أن فلانًا يَصل رَحِمَه، ولذلك سأوَسِّع له في رزقه كذا، وأؤخِّر له أجَله إلى وقت كذا، (فصِلَةُ الرحم سببٌ في توسعة الرزق وطول العمر)، وكذلك الحال في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاء)، فإن الدعاء سببٌ في رَد البلاء عن العبد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مُسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثم ولا قطيعة رَحِم، إلا أعطاهُ اللهُ بها إحدى ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دَعْوَته، وإمّا أن يَدخِرها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه من السوء مِثلها) (انظر صحيح الترغيب والترهيب ج:2).       الآية 40، والآية 41: ﴿ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ يعني: وإمَّا أن نُرِيَكَ - أيها الرسول - في حياتك بعض العقاب الذي توَعَّدْنا به أعداءك (كما حدثَ في بدر) ﴿ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قبل أن نُرِيَكَ ذلك فيهم: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾: أي ففي الحالتين ما عليك إلا تبليغ الدعوة، ﴿ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ والجزاء.       ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾؟ وذلك بفتح المسلمين لبلاد المشركين وإلحاقها ببلاد المسلمين، وبهذا تنقص أرض الكفر، وتزداد أرض الإيمان، ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ (وذلك لأن حُكمه سبحانه مُشتمِلٌ على العدل التام، أما غَيره تعالى فقد يُصِيبُ في قوله ويُخطئ، وقد يَعدِلُ في حُكْمِهِ ويَظلم)، ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ فلا يَشغله شيءٌ عن آخر، ولا يُتعِبُهُ إحصاءٌ ولا عدد.       الآية 42: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي دَبَّرَوا المَكايد لِرُسُلهم (كما فَعَلَ هؤلاء معك)، ﴿ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ﴾ أي فيُبطِلُ سبحانه مَكْرَهم، ويُعيده عليهم مِن حيث لا يشعرون، لأنه سبحانه ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مِن خيرٍ أو شر (ومِن ذلك عِلمُهُ تعالى بمَكْرهم)، فأين مَكْرُ مَن يَعلمُ كل شيء مِن مَكْرِ مَن لا يَعلم شيئًا؟! أفلا يَفهم كفار قريش هذا فيَكُفوا عن مَكْرهم برسول اللهِ ودَعْوَتِه؟! ﴿ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ ﴾ - عند لقاء ربهم يوم القيامة - ﴿ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾: أي لمن تكون العاقبة المحمودة في الدار الآخرة؟ إنها للرسل وأتْباعهم، (وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ للكافرين).       الآية 43: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ للنبي محمد: ﴿ لَسْتَ مُرْسَلًا ﴾: أي ما أرسلك اللهُ إلينا، ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ فشهادته تعالى لي بالنبوَّة هي ما أعطاهُ لي من المُعجِزات الباهرات (كانشقاق القمر وغير ذلك)، وكذلك وَحْيُهُ إليَّ بهذا القرآن الذي أُنذِرُكُم به، والذي لا يستطيعُ أن يقوله بَشَر، وأنتم تعلمون ذلك لأنكم أبْلغ البَشَر، هذا أولًا، وثانيًا: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾: أي وتَكفيكم أيضًا شهادة علماء اليهود والنصارى، مِمّن آمَنَ برسالتي، واتَّبعَ الحق فصَرَّحَ بتلك الشهادة ولم يَكتمها.      
      (1)وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأن ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.

      رامى حنفي محمود
      شبكة الالوكة
             
       
    • بعض متعاطين المخدرات والأسر يقومون  بالبحث عن افضل مراكز علاج إدمان ولكن يوجد المعايير الهامة التى تساعد فى اختيار أفضل مراكز علاج الإدمان حيث يختلف كل مركز علاج ادمان عن الآخر من حيث التكلفة والبرامج العلاجية ويتم تحديد السعر بناء على حالة المتعاطي، فمثلا في مراكز علاج الادمان الحكومية تكون تكلفة العلاج بمبلغ رمزي او مجاني ولكن تكون الخدمة الطبية المقدمة ضعيفة ولا يحقق الشفاء مع عدم وجود برامج للرعاية بعد العلاج ، بخلاف مراكز علاج الادمان الخاصة تحدد التكلفة على حسب مستوى الخدمة ومدة الإقامة،حيث ان اغلب مراكز علاج إدمان المخدرات تتبع نفس مراحل العلاج سواء كانت مرحلة العلاج النفسي أو مرحلة التخلص من سموم الجسم  والتأهيل الاجتماعي إلا أن يكون الاختلاف في البرامج المقدمة للمدمن والأساليب المتبعة لِمركز علاج الإدمان سواء كان علاج فردي أو علاج جماعي، وايضا يوجد في بعض مراكز علاج الادمان برامج الاقامه الكامله ونصف الإقامة وبرامج الرعاية الأسرية وهذا ما يميز افضل مركز علاج ادمان عن باقي مركز علاج ادمان الحكومية، ففي بعض مراكز علاج الادمان يوجد اقامه فندقيه فقط وبعضها يقدم إقامة فندقية وصالات جيم وملاعب للترفيه عن حالة المدمن وتدعم حالته النفسية وبذلك ترتفع التكلفة وبعض وأهم هذه العوامل التي تحدد تكلفة علاج الادمان انواع البرامج التي تقدم والتي تناسب كل حالة ادمان بمفردها   أن يكون مركز علاج الادمان فى مكان يناسب علاج الادمان أن يكون مركز علاج الإدمان مرخص من وزارة الصحة يجب أن يتوافر داخل مركز علاج الإدمان أطباء علاج الادمان ذو تخصصات مختلفة يجب أن يتوافر فريق تمريض متخصص فى علاج ادمان متواجدين طوال 24 ساعة لتقديم المساعدة متلقين علاج الادمان يجب أن يكون مركز علاج ادمان يهتم بالعلاج النفسى والسلوكى   ماهى برامج علاج المخدرات؟   تتعدد برامج علاج المخدرات ولكن تختلف برامج علاج الادمان من برنامج علاج ادمان المخدرات لآخر وهذا ما يتم تحديده من أطباء علاج إدمان المخدرات حيث يتم مراعاة عدة عوامل قبل اختبار البرنامج العلاجى أولها الحالة الادمانية التي وصل إليها المدمن وهذا بجانب نوع المادة المخدرة التى كان يتم تعاطيها ويأتى بجانب المادة المخدرة طول فترة تعاطى المخدرات، ومع تحديد وتقييم وتشخيص اطباء علاج الادمان لتلك العوامل يتم اختيار برنامج علاجى يجمع بين العلاج النفسى والجسدى لاستفادة المدمن من جميع مراحل علاج الادمان ومنها   برنامج نصف الإقامه :-  يطبق برنامج نصف الاقامة بعد تشخيص حالة المدمن ويطبق البرنامج فى حالة عدم قدرة المدمن على تحمل تكلفة برنامج الاقامة الكاملة  فيوجد بعض الاشخاص لا يقدرون على تكلفة مستشفيات علاج الادمان فلذلك صمم برنامج نصف الإقامه ليكون العلاج داخل مستشفى علاج الادمان وخارجها   برنامج الاقامه الكامله :- برنامج الاقامة الكاملة من افضل البرامج التى تأتى بنتائج جيدة في التخلص من داء الإدمان وذلك لأن المدمن يحظى بتطبيق برامج علاج ادمان الافيون تحت اشراف اطباء متخصصين فى علاج الادمان وهذا بجانب بعد المدمن عن البيئة التي ساعدته على تعاطى المخدرات بمشاركة البرامج والانشطة النفسية التى تساعد المدمن على تخطي مرحلة علاج الادمان والوصول الى التعافي   برنامج منع الانتكاسة :- بعد انتهاء البرنامج العلاجي للمدمن يظن المدمن ان بانتهاء مرحلة العلاج انتهي الادمان وأنه لن ينتكس مرة أخرى وبخلاف ذلك فبرنامج منع الانتكاسة أعد ليكون مراقب على حياة المدمن بعد تخطيه مرحلة العلاج فبرنامج منع الانتكاسة يتم متابعة المريض وطريقة تصرفه ومكالمته بصفة دورية للاطمئنان على عدم رجوعه لعالم الإدمان مرة أخرى
    • الربع الأخير من سورة يوسف     الآية 94: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ﴾: أي ولمَّا خرجتْ القافلة من أرض "مصر"، ومعهم قميص يوسف عليه السلام: ﴿ قَالَ أَبُوهُمْ ﴾ للحاضرينَ عنده: ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ أي أشم رائحته (لأنّ الريح حَمَلَتها إليه بأمر اللهِ تعالى)، ﴿ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ أي: ولولا أنكم ستَسخرون مِنِّي وتزعمون أنّ هذا الكلام قد صَدَرَ مِنِّي مِن غير شعور، لَصَدَّقتموني فيما أقول، فإني أَجِدُ رائحته.       الآية 95: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال الحاضرونَ عنده: ﴿ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴾ يعني إنك لا تزال في خطئك القديم مِن الإفراط في حُبّ يوسف، وعدم نسيانه.       الآية 96: ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ ﴾: أي فلَمَّا جاءَ مَن يُبشِّره بأنّ يوسف حيٌّ، ﴿ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ﴾ أي ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب ﴿ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ أي فعادَ مُبصرًا، وعَمَّهُ السرور فـ ﴿ قَالَ ﴾ لمن عنده: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم مِن لُطف اللهِ وحُسن تدبيره ورحمته وكرمه مالا تعلمونه أنتم؟       الآية 97: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال أبناؤه: ﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ أي اسأل اللهَ أن يعفو عنا ويَستر علينا ذنوبنا، ﴿ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾ فيما فعلناه بيوسف وشقيقه بنيامين، وفي الضرر والحُزن الذي حدث لك طوال هذه المدة.       الآية 98، والآية 99: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾: أي سوف أسأل ربي أن يَغفر لكم ذنوبكم ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ﴾ لذنوب عباده التائبين، ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بهم.       ♦ وقد قيلَ إنّ يعقوب عليه السلام قد أجَّلَ الاستغفار لأبنائه - عندما قال لهم: (سوف أستغفر لكم ربي) - إلى ساعةٍ من ساعات إجابة الدعاء، كآخر الليل (وهو وقت السَحَر) أو يوم الجمعة، واللهُ أعلم.       ♦ ثم خرج يعقوب وأهله إلى "مصر" ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ أي ضَمَّ يوسف إليه أباه وأُمَّه، ﴿ وَقَالَ ﴾ لهم: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ أي بمشيئة اللهِ وتقديره وإذنه، ﴿ آَمِنِينَ ﴾ من التعب والجوع، ومِن كل مكروه.       الآية 100، والآية 101: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾: أي أجْلَسَ أباه وأُمَّه على عرش مُلكه بجانبه (إكرامًا لهما)، ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾: أي حَيَّاهُ أبواه وإخوته - الأحد عشر - بالسجود له (سجود تحيةٍ وتكريم، وليس سجود عبادةٍ وخضوع)، وقد كان ذلك جائزًا في شريعتهم، ولكنه حُرِّمَ في شريعتنا؛ إغلاقاً لباب الشرك باللهِ تعالى.       ﴿ وَقَالَ ﴾ يوسف لأبيه: ﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: هذا السجود هو تفسير رؤياي التي قَصَصْتُها عليك مِن قبل في صِغَري، ﴿ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ أي صِدقًا، ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾: أي وقد تفضَّلَ اللهُ عليَّ حين أخرجني من السجن ﴿ وَجَاءَ بِكُمْ ﴾ إليَّ ﴿ مِنَ الْبَدْوِ ﴾ أي من البادية (وهي هنا: صحراء الشام)، وذلك ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾: أي مِن بعد أن أفسد الشيطان رابطة الأخُوّة بيني وبين إخوتي، ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ ﴾ في تدبيره ﴿ لِمَا يَشَاءُ ﴾ أي لمن يشاءُ من عباده (كما لَطَفَ بي)، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾) بمصالح عباده، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أقواله وأفعاله.       ♦ ويُلاحَظ أنّ يوسف عليه السلام قد جعل نفسه طَرَفاً في القضية عندما قال: (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، وذلك حتى لا يُحرج إخوته أمام الناس، فما أروع هذا الأدب الراقي!       ♦ ثم دعا يوسف ربه قائلاً: ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾: أي لقد أعطيتَني مِن مُلك مصر ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾: أي وعلَّمتني من تفسير الرؤى وغير ذلك من العلم، ﴿ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ ﴾ أي يا خالق السماوات ﴿ وَالْأَرْضِ ﴾ ومُبدعهما، ﴿ أَنْتَ وَلِيِّي ﴾: يعني أنت مُتولي جميع شؤوني ﴿ فِي الدُّنْيَا ﴾ ﴿ وَالْآَخِرَةِ ﴾ أي: فكذلك كُن مُتولي أمْري في الآخرة بإنجائي من النار وإدخالي الجنة، ﴿ تَوَفَّنِي ﴾ إليك ﴿ مُسْلِمًا ﴾ (وفي هذا دليل على أنّ دينَ اللهِ واحد - في كل زمان - وهو الإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد والخضوع التام لأوامر اللهِ تعالى، ولكنّ الشرائع هي التي تختلف)، ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ - من الأنبياء والأبرار - في أعلى درجات الجنة.       الآية 102: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي المذكور من قصة يوسف عليه السلام هو ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾: أي وما كنتَ حاضرًا مع إخوة يوسف حين دَبَّروا أمْرَ إلقاءه في البئر، وحينَ كذبوا على أبيهم (وهذا يَدُلّ على صِدقك، وعلى أنّ اللهَ يُوحِي إليك).       الآية 103، والآية 104: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: وما أكثرُ الناس بمُصدِّقيك - أيها الرسول - ولو حَرَصْتَ على إيمانهم، وذلك لأنّ الانقياد للحق يَتعارض مع انقيادهم لشهواتهم وأغراضهم الدنيوية الرخيصة (إذاً فلا تَحزن عليهم، لأنه ما عليك إلا البلاغ)، ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: وإنك لم تَطلب منهم أجْراً على إرشادهم للإيمان - حتى لا يكون ذلك سبباً في إعراضهم عن دَعْوَتِك - ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ يعني: وما الذي أُرسِلتَ به - مِن القرآن والهُدى - إلا مَوعظة وذِكرَى للناس أجمعين، فبالتفكر فيه يَهتدون إلى الحق، وباتِّباعه يَسعدون في الدنيا والآخرة.       الآية 105: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ ﴾ يعني: وكثير من الدلائل - على وحدانية اللهِ وقدرته - مُنتشرة ﴿ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ كالشمس والقمر والجبال والأشجار، ﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ﴾ أي يُشاهدها المشركون ﴿ وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ لا يَتفكرون فيها، ولا يَعتبرون بأنّ المُتفرِّد بالخَلق - سبحانه وتعالى - يَجب إفرادُهُ أيضاً بالعبادة.       الآية 106، والآية 107: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ ﴾ أي: وما يُقِرُّ هؤلاء المشركون بأنّ اللهَ تعالى هو خالقهم ورازقهم وخالق كل شيء ﴿ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ به في عبادتهم للأصنام وغيرها، وكذلك يُشركون به في ذَبْحهم ونَذْرهم وغير ذلك من أنواع العبادات، ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴾ يعني: فهل عند هؤلاء المشركين ما يَجعلهم مطمئنين مِن أنّ اللهَ تعالى لن يُنزِّل عليهم عذاباً مِن عنده يُهلكهم جميعاً؟، ﴿ أَوْ ﴾ هل أمِنُوا - أيضاً - أن ﴿ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾: يعني أن تأتيهم القيامة فجأة ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾؟       الآية 108: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين -: ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾: أي هذه طريقتي، وهي أنني ﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ﴾: أي أدعو إلى عبادة اللهِ وحده ﴿ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾: أي على حُجَّةٍ واضحةٍ من اللهِ تعالى - وهو هذا القرآن الذي أنزل الله فيه الأدلة والبراهين وتحدَّى به المشركين - وعلى عِلمٍ ويقين من شريعة ربي ﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ من المؤمنين، كُلُّنا ندعو إلى اللهِ على بصيرة، ﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ﴾ أي: وأُنَزِّهُ اللهَ تعالى عن الشركاء، وأقول لكم - مُعلِناً براءتي من الشِرك -: ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾.     الآية 109، والآية 110: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ﴾ - إلى الناس - ﴿ إِلَّا رِجَالًا ﴾ أي بَشراً مِن جِنسهم (وهذا إبطالٌ لإِنكارهم أن يكون الرسول رجلاً من الناس)، وهؤلاء الرُسُل ﴿ نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾: أي نُنَزِّل عليهم وَحْيَنا، ونَختارهم ﴿ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾: أي مِن أهل المُدُن - وليس من أهل البادية (الصحراء) - وذلك لأنّ أهل المُدُن هم أقدَرُ الناس على فَهم الرسالة وتبليغها، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ - أي هؤلاء المُكذبون بالعذاب -، ألم يَمشوا ﴿ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ من المُكذبين وما نَزَلَ بهم من الهلاك؟، ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ ﴾ أي: ولَنعيم الدار الآخرة ﴿ خَيْرٌ ﴾ من الدنيا وما فيها ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ربهم، ففعلوا أوامره واجتنبوا معاصيه، ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾: يعني أفلا تتفكرون بعقولكم - أيها المشركون - في هذا القرآن الذي يُتلى عليكم - وفيما تشاهدونه من الآيات الكونية - فتؤمنوا بقدرة اللهِ على البعث وتُوَحِّدُوه في عبادته؟       ♦ ولا تستعجل أيها الرسول النصر على المُكذبين، فإنّ الرُسُل الذين مِن قبلك كان يَتأخر عليهم النصر - اختباراً لإيمان أتْباعهم وتَخليصاً لهم من المنافقين - ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾: أي حتى إذا يَئِسَ الرُسُل من إجابة قومهم ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾: أي وأيقنوا أنّ قومهم قد كَذَّبوهم وأنه لا أمَلَ في إيمانهم: ﴿ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ﴾ عند شدة الكَرب، ﴿ فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾: أي فنُنجي الرُسُل وأتْباعهم - كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ - ﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا ﴾ أي عذابنا الشديد ﴿ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ الذين تجرَّأوا على اللهِ تعالى وكذَّبوا رسله (وفي هذا تصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له).       الآية 111: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ ﴾: أي لقد كان في قصص المُرسَلين - والعذاب الذي نزل بالمُكذبين - ﴿ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ أي لأهل العقول السليمة، ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾: أي ما كان هذا القرآن حديثًا مَكذوبًا (لأنه لا يَقدِرُ أحدٌ من الخَلق أن يأتي بمِثله، فهو الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، ﴿ وَلَكِنْ ﴾ اللهُ تعالى أنزله رحمةً للعالمين، وحُجَّةَ على العباد أجمعين، وجَعَله ﴿ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾: أي جَعَله مُوافقاً للكتب التي أنزلها على أنبيائه (مُصَدِّقًا لِمَا فيها مِن صِحَّة، ومُبَيِّنًا لِمَا فيها من تحريف) ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾: أي وبَيانًا لكل ما يَحتاج إليه العباد مِن تحليلٍ وتحريم، وغير ذلك من الإخبارات الصادقة، ﴿ وَهُدًى ﴾: أي إرشادًا من الضلال ﴿ وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾: أي ورحمة لأهل الإيمان به، فتَهتدي به قلوبهم، ويَسعدون - بتلاوته والعمل به - في الدنيا والآخرة.
         
    • تفسير الربع الثالث من سورة يوسف كاملا بأسلوب بسيط     الآية 54: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ﴾ الحاكم لـ "مصر" - عندما عَرف براءة يوسف وأمانته وحُسن خُلقه -: ﴿ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ﴾ أي أجعله مِن المُقرَّبينَ لي ومِن أهل مَشورتي، ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ ﴾: أي فلمَّا جاء يوسف وكَلَّمه المَلك: ﴿ قَالَ ﴾ له المَلك: ﴿ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾: يعني إنك اليوم عندنا عظيم المَكانة، ومؤتمَن على كل شيء.       الآية 55: ﴿ قَالَ ﴾ يوسف للمَلك: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ﴾: أي اجعلني أتولى شؤون خزائن "مصر" (وهو ما يُعرَف في عصرنا بـ (وزير المالية))، ﴿ إِنِّي حَفِيظٌ ﴾ أي أمين، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أي ذو عِلمٍ وبصيرة بما أتولاه، (وقد طلب يوسف عليه السلام ذلك لأنه أراد أن يَنفع العباد، وأن يُقيم العدل بينهم).       الآية 56، والآية 57: ﴿ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني: وكما أنعمنا على يوسف بالنجاة من السجن، فكذلك مَكَّنَّا له في أرض "مصر" ﴿ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ﴾: أي يَنزل ويَسكن في أيّ مكانٍ شاءه منها (وذلك بعد أن كان في ظلام البئر وضِيق السجن)، ﴿ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ﴾ - وقد قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾، وقال أيضاً: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ولذلك قال بعدها: ﴿ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ ﴾ أي ثوابها ونعيمها ﴿ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ أي خيرٌ لهم من متاع الدنيا القليل الزائل.       الآية 58، والآية 59، والآية 60: ﴿ وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ ﴾ إلى "مصر" ليُحضِروا منها الطعام - وذلك بعد أن نزل القحط والجفاف في أرضهم - ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أي على يوسف ﴿ فَعَرَفَهُمْ ﴾ ﴿ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾: أي ولكنهم لم يَعرفوه لطُول المُدَّة ولِتَغيُّر هيئته، (وقد أمَرَ يوسف عليه السلام فِتيانه بإكرام إخوته وحُسن ضيافتهم).       ﴿ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ ﴾: يعني ولمَّا أعطاهم الطعام الذي طلبوه - وكانوا قد أخبروه أنّ لهم أخًاً مِن أبيهم لم يُحضروه معهم (وهو شقيقه "بنيامين") - فـ ﴿قَالَ﴾ لهم يوسف: ﴿ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ﴾: أي ائتوني بأخيكم الذي مِن أبيكم، ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ ﴾: يعني ألم تروا أني أوفيتُ لكم الكَيل وأكرمتكم ﴿ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ﴾: يعني وأنا خير المُضيفين لكم؟، ﴿ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي ﴾ أي فليس لكم عندي طعامٌ أعطيه لكم بعد ذلك، ﴿ وَلَا تَقْرَبُونِ ﴾: أي ولا تأتوا إليَّ مرة أخرى.       الآية 61: ﴿ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ ﴾ أي سنَبذل جهدنا لإقناع أبيه أن يُرسله معنا ﴿ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ ﴾ يعني: ولن نُقصِّر في ذلك.       الآية 62: ﴿ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ﴾ أي: وقال يوسف لعُمّاله: ﴿ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ ﴾: أي ضعوا ثَمَن بضاعتهم - وهي الدراهم التي اشتروا بها الطعام مِنَّا - ﴿ فِي رِحَالِهِمْ ﴾: أي ضعوه في أمتعتهم سِرّاً ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا ﴾ أي إذا رجعوا ﴿ إِلَى أَهْلِهِمْ ﴾ ليَعلموا أننا لم نأخذ منهم ثَمَن الطعام فيُقدِّروا إكرامنا لهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾: أي ليَرجعوا لنا طمعًا في عطائنا.       ♦ واعلم أنّ كلمة (بضاعتهم) - المذكورة في قوله: ﴿ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ ﴾ - يُحتمَل أن يكون مَعناها: (ثَمَن بضاعتهم، وهي الدراهم التي اشتروا بها الطعام من يوسف)، كما يُحتمَل أن يكون مَعناها: (البضاعة التي جاءوا بها مِن بلدهم - كالتمر ونحوه - ليأخذوا مكانها سائر الطعام من مصر)، وهو ما كانَ يُعرَف بنظام (المُبادَلة)، واللهُ أعلم.       الآية 63: ﴿ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ ﴾، حَكوا له ما كانَ من إكرام العزيز لهم، و ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ ﴾: يعني إنه لن يُعطينا مُستقبَلا إلا إذا كان معنا أخونا الذي أخبرناه به، ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا ﴾ - "بنيامين" - ﴿ نَكْتَلْ ﴾: أي نُحضر لكم طعاماً كثيراً (لأنه سيَزيد لنا الكَيل بسبب وجود "بنيامين")، ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ أي: ونحن نَتعهد لك بحفظه.       الآية 64، والآية 65: ﴿ قَالَ ﴾ لهم أبوهم: ﴿ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ يعني: كيف أستأمنكم على بنيامين وقد استأمنتكم على أخيه يوسف من قبل، والتزمتم بحفظه فلم تَفوا بذلك؟ فلا أثق بوعدكم وحِفظكم، ولكني أثق بحفظ اللهِ تعالى ﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ﴾: أي هو سبحانه خير الحافظين ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، فأرجو منه أن يَرحمني (بأن يَحفظ يوسف ويَرُدّه عليَّ).       ♦ وقد كان هذا الحديث - الذي دارَ بينهم وبين أبيهم - قبل أن يَفتحوا أمتعتهم التي أحضروا بها الطعام من مصر، ﴿ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ ﴾: يعني ولمَّا فتحوا أَوعِيَتهم: ﴿ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ﴾: أي وجدوا دَراهمهم التي دفعوها قد رجعتْ إليهم، فـ ﴿ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ﴾ يعني ماذا نطلب أكثر من هذا الكرم؟ ﴿ هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ﴾: أي هذا ثَمَن بضاعتنا رَدَّه العزيز إلينا لننتفع به في معاشنا، فكُن مطمئناً على "بنيامين" وأرسِله معنا نَذهب به إلى مصر ﴿ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا ﴾: أي ونُحضِر طعامًا وفيرًا لأهلنا ﴿ وَنَحْفَظُ أَخَانَا ﴾ - أثناء سفره معنا - مِن كل مكروه ﴿ وَنَزْدَادُ ﴾ - بوجوده معنا - طعاماً مِقداره: ﴿ كَيْلَ بَعِيرٍ ﴾ (وهو ما يَستطيع أحد الإبل أن يَحمله)، فإنّ العزيز يَكيل للفرد الواحد: (حِمْل أحد الإبل)، و﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ عليه، لِغِناهُ وسعة مُلكه.       الآية 66: ﴿ قَالَ ﴾ لهم يعقوب عليه السلام: ﴿ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ أي حتى تُعاهِدوني وتحلفوا لي باللهِ أنكم ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ ﴾ أي احلفوا أنكم سَتَرُدُّونه إليَّ ﴿ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾: يعني إلا أن تَهلكوا جميعاً، ﴿ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ ﴾: أي فلمَّا عاهَدوهُ على ما طلب، ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ أي تكفينا شهادته سبحانه علينا.       الآية 67: ﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ ﴾ يعني إذا دخلتم أرض "مصر" فلا تدخلوا كلكم مِن بابٍ واحد، ﴿ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ﴾ وذلك حتى لا تصيبكم العَين لِكَثرتكم، ﴿ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾: يعني وإني - بهذا الذي أوصيكم به - لا أدفع عنكم شيئًا قضاهُ اللهُ عليكم، ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾: يعني فما الحُكم إلا للهِ وحده، ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾: أي عليه اعتمدتُ ووَثَقتُ ﴿ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ أي: وعليه وحده فليَعتمد المؤمنون في كل أمورهم، وإنما أمَرَهم أبوهم أن يأخذوا بالأسباب التي يَحفظهم اللهُ بها - وهي الدخول من أبواب متفرقة - حتى لا يكون مُقَصِّراً في الأخذ بالأسباب، (وهذا من تمام التوكل: الأخذ بالأسباب - امتثالاً لأمر اللهِ تعالى - ثم الاعتماد على اللهِ وحده وليس على السبب، لأنّ كل شيءٍ بيد الله).       ♦ وهنا قد يقول قائل: كيف يَصفهم بأنهم مُتوكلون، ثم يأمرهم بالتوكل، وذلك في قوله: ﴿ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾؟   والجواب: أنّ هذا كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا ﴾، أي استمِرُّوا على إيمانكم واعملوا على زيادته (وذلك بالإكثار من فِعل الطاعات)، فكما أنّ الإيمان يَزيد ويَنقص، فكذلك التوكل يَزيد ويَنقص (بحسب الحالة الإيمانية للشخص)، ويُحتمَل أيضاً أن يكون المعنى: (مَن كان مُتوكلاً في أمْره على غير اللهِ تعالى: فليتوكل على اللهِ وحده)، واللهُ أعلم.       الآية 68: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ﴾ - أي مِن أبوابٍ متفرقة -: ﴿ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾: أي ما كان ذلك ليَدفع قضاءَ اللهِ عنهم، ﴿ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ﴾ أي: ولكنه كانَ خوفاً في نفس يعقوب عليهم مِن أن تصيبهم العين، ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ﴾: يعني وإنّ يعقوب لَصاحب عِلمٍ عظيم - بأمْر دينه - عَلَّمَهُ اللهُ له بالوحي، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أي لا يَعلمونَ عواقب الأمور ودقائق الأشياء، وكذلك لا يَعلمونَ ما يَعلمه يعقوب مِن صفات اللهِ تعالى.       ♦ واعلم أنه مِن الخطأ الذي يقع فيه البعض، أنه إذا فَعَلَ أحدهم شيئاً، وقال له الناس: (لماذا فعلتَ هذا؟)، فإنه يقول لهم: (حاجةً في نفس يعقوب قضاها)، فهذا خطأ، لأنه ليس يعقوب، ويعقوب عليه السلام نبي، وهو ليس نبي، وإنما الصواب أن يقول: (حاجةً في نفس "فُلان" قضاها) - ويقول اسمه.       الآية 69: ﴿ وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ ﴾ في مَنزل ضيافته ومعهم شقيقه: ﴿ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ ﴾: أي ضَمَّ إليه شقيقه بنيامين، و﴿قَالَ﴾ له سِرّاً: ﴿ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ ﴾ (وأمَرَهُ بكِتمان ذلك عن إخوته)، وقال له: ﴿ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾: أي فلا تحزن بما صنعوه بي فيما مَضَى.       الآية 70: ﴿ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ ﴾: أي فلمّا حَمَّل يوسف إبِلَهم بالطعام الذي يحتاجونه: ﴿ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ﴾: أي وَضَعَ الإناء - الذي كان يَكيل به للناس - في متاع بنيامين (دونَ أن يَشعر أحد)، ﴿ ثُمَّ ﴾ - عندما ركبوا ليسيروا -: ﴿ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ ﴾: أي نادى مُنادٍ: ﴿ أَيَّتُهَا الْعِيرُ ﴾: يعني يا أصحاب هذه القافلة المُحمَّلة بالطعام ﴿ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ ﴾.       الآية 71: ﴿ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ﴾ أي قال أولاد يعقوب - مُقبلين على المُنادِي -: ﴿ مَاذَا تَفْقِدُونَ ﴾؟       الآية 72: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال المُنادِي ومَن معه: ﴿ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ ﴾: أي نفقد المكيال الذي يَكيل المَلك به للناس، ﴿ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ ﴾: أي وهناك مكافأة لمن يُحضِره، مقدارها: ﴿ حِمْلُ بَعِيرٍ ﴾: أي يأخذ من الطعام ما يستطيع أحد الإبل أن يَحمله، ﴿ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ يعني: وقال المنادي: (وأنا الضامن والمتولي لإعطاء هذه المكافأة لمن يجد المكيال).       الآية 73: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال إخوة يوسف: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ﴾: يعني: واللهِ لقد تأكدتم - مِمّا رأيتموه مِنَّا في المرة السابقة - أننا ﴿ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي ما جئنا أرض "مصر" من أجل الإفساد فيها وارتكاب المعاصي ﴿ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ أي لم نَسرق المكيال كما أننا لم نَسرق متاع أحد مِن قبل.       الآية 74: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال المُكَلَّفون بالبحث عن المكيال - لإخوة يوسف -: ﴿ فَمَا جَزَاؤُهُ ﴾: أي فما عقوبة السارق عندكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في قولكم: لسنا بسارقين؟       الآية 75، والآية 76: ﴿قَالُوا﴾ أي قال إخوة يوسف: ﴿ جَزَاؤُهُ ﴾: أي جزاء السارق في شريعتنا: أنه ﴿ مَنْ وُجِدَ ﴾ المكيال ﴿ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ أي يُسَلَّم السارق إلى مَن سَرَق منه، حتى يكونَ عبدًا عنده، و ﴿ كَذَلِكَ ﴾: أي بمِثل هذا الجزاء - وهو أن يُعامَل السارق معاملة العبيد - ﴿ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي السارقين، (واعلم أنّ معنى قوله تعالى: ﴿ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ أي فنفسه هي جزاء سرقته، بأن تُستَعبَد).       ♦ فرجع المُنادِي بإخوة يوسف إليه، فقام يوسف بتفتيش أمتعتهم بنفسه ﴿ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ﴾؛ وذلك إحكامًا لِمَا دَبَّره، حتى يَستبقي أخيه معه، ﴿ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ﴾، ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ﴾: أي كذلك يَسَّرنا ليوسف هذا التدبير الذي توصَّل به لأخذ أخيه، و﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾: أي وما كان يستطيع أن يأخذ أخاه عن طريق الاحتكام إلى مَلِك مصر - لأنه ليس من شريعة المَلك أن يَتملَّك السارق، ولكنه كان يَضرب السارق ويُغَرِّمه بمِثل ما سَرَق - ﴿ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾: يعني إلا أنّ مَشيئةَ اللهِ قد اقتضت هذا التدبير والاحتكام إلى شريعة إخوة يوسف، فحَكموا بأخْذ السارق ومعاملته كَعَبد.       ♦ وكما رفعنا مَنزلة يوسف: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾: أي نرفع مَنازل مَن نشاءُ مِن عبادنا، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾: أي وفوقَ كل صاحب عِلمٍ مَن هو أعلم منه، حتى يَنتهي العِلم إلى اللهِ تعالى عالم الغيب والشهادة.   >>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>>   تفسير الربع الرابع  من سورة يوسف كاملا بأسلوب بسيط         الآية77: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال إخوة يوسف: ﴿ إِنْ يَسْرِقْ ﴾: يعني إنْ كانَ "بنيامين" قد سرق مكيال المَلك، فلا عَجَبَ في ذلك ﴿ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ (يَقصدون بذلك يوسف عليه السلام أيامَ صِغَرِه، فقد قيل - واللهُ أعلم - إنه سَرَقَ صنماً لأبي أُمِّه فكسره حتى لا يَعبده)، فإنْ كانَ ذلك قد حدث، فهذه ليست سرقة، بل هو نهيٌ عن شِركٍ باللهِ تعالى، ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾: أي فكتم يوسف في نفسه هذه التهمة وكظم غيظه، و﴿ قَالَ ﴾ في نفسه: ﴿ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ﴾: يعني أنتم أسوأُ مَنزلةً مِمّن اتهمتموه - كذباً -بالسرقة، حيثُ دَبَّرتم لي ما كانَ منكم ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ أي بحقيقة ما تَذكرون.       الآية 78: ﴿ قَالُوا ﴾ - مُستعطِفينَ يوسف لِيُوفوا بعهد أبيهم -: ﴿ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا ﴾: يعني إنّ له والدًا كبيرًا في السن يُحبه ولا يطيق بُعده ﴿ فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ﴾ ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ في معاملتك لنا ولغيرنا.       الآية 79: ﴿ قَالَ ﴾ لهم يوسف: ﴿ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ﴾: أي نعوذ باللهِ أن نأخذ أحدًا غير الذي وجدنا المكيال عنده، ﴿ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴾ إنْ فَعَلنا لكم ما تطلبون.       الآية 80: ﴿ فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ ﴾: أي فلَمَّا يَئِسوا من إجابة يوسف لِطَلبهم: ﴿ خَلَصُوا نَجِيًّا ﴾: أي انفرَدوا عن الناس، وأخذوا يَتشاورونَ فيما بينهم، فـ ﴿ قَالَ كَبِيرُهُمْ ﴾ في السن: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ﴾ أي أخذ عليكم العهد المؤكد بأنكم لَتَرُدُّنَّ إليه أخاكم إلا أن تَهلكوا جميعاً، ﴿ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ﴾ يعني: ومِن قبل هذا كان تقصيركم في يوسف وغَدْركم به; لذلك ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ ﴾: أي لن أفارق أرض "مصر" ﴿ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ﴾ في مُفارقتها، ﴿ أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ﴾: يعني أو يَقضي لي ربي بالخروج منها، وأتمَكَّن مِن أَخْذِ أخي، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾: أي واللهُ تعالى هو أعدل مَن حَكَمَ بين الناس.       الآية 81، والآية 82، والآية 83: ﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا ﴾ له: ﴿ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ ﴾ "بنيامين" قد ﴿ سَرَقَ ﴾ ﴿ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي: وما شَهِدْنا بذلك إلا بَعد أن تأكدنا، فقد رأينا المكيال في مَتاعه، ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي: وما كانَ عندنا عِلمٌ مِن الغيب بأنه سيَسرق حينَ عاهدناكَ على رَدِّهِ إليك، ﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾ أي اسأل أهل "مصر" ﴿ وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾: أي واسأل أيضاً مَن كان معنا في القافلة التي كنا فيها ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ فيما أخبرناك به.       ♦ ولمّا رجعوا إلى بلدهم، وأخبروا أباهم بما حدث: ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ﴾ يعني: بل زَيَّنَت لكم أنفسكم الأمَّارة بالسوء مَكِيدة دَبَّرتموها، كما فعلتم مِن قبل مع يوسف، ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أي: فصَبْري صَبْرٌ جميل لا تَسَخُّطَ فيه ولا شكوى معه لأحدٍ من الخَلق، ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ﴾: أي عسى اللهُ أن يَرُدَّ إليَّ أبنائي الثلاثة - يوسف وبنيامين وأخوهم الكبير (المتخلف من أجل أخيه) - ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بحالي، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في تدبيره وقضائه.       الآية 84: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾: أي وأعرض يعقوب عنهم، وقد ضاقَ صَدْرُهُ بما قالوه، ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى ﴾ أي ياحزني ﴿ عَلَى يُوسُفَ ﴾ ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ ﴾ أي ذَهَبَ سَوادهما، (وهو دليلٌ على ذهاب بَصَرِهِ بما أصابَ عينيه من البياض) ﴿ مِنَ ﴾ شدة ﴿ الْحُزْنِ ﴾ ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي مملوء بالغَمّ والكَرب، ولكنه لا يُظهر كَربه لأحدٍ إلا لله.       الآية 85: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال له أبناؤه: ﴿ تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ ﴾ أي: واللهِ ما تزال تتذكر يوسف، ويَشتدُّ حزنك عليه ﴿ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا ﴾: أي حتى تُشْرِف على الهلاك ﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴾: يعني أو تَهلَكَ فِعلاً، فخَفِف عن نفسك.       الآية 86، والآية 87: ﴿ قَالَ ﴾ يعقوب مُجيبًا لهم: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي ﴾ أي هَمِّي ﴿ وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ وحده، فهو كاشف الضرِّ والبلاء، ﴿ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: وأعلم مِن رحمة اللهِ وفرجه ما لا تعلمونه.       ♦ واعلم أنّ الشكوى إلى اللهِ تعالى لا تُعارِض الصبر الجميل (الذي وَعَدَ به يعقوب عليه السلام)، وذلك لأنه لم يَشتكِ لأحدٍ من الخَلق.   ♦ ثم قال يعقوب لأبنائه: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا ﴾ أي عودوا إلى "مصر" ﴿ فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ ﴾: أي التمسوا وتَتَبّعوا أخبار يوسف وأخيه، ﴿ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾: أي ولا تَقطعوا رجاءكم مِن رحمة الله، ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾: يعني إنه لا يَقطع الرجاء من رحمة اللهِ إلا الجاحدونَ لقدرته وسعة رحمته.       الآية 88، والآية 89: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ ﴾ أي على يوسف، ﴿ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ ﴾ أي أصابنا وأهلنا القحط والجفاف، ﴿ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ﴾: أي جئناك بثَمَنٍ قليل (وهي دراهم معدودة)، ﴿ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ ﴾: أي فأعطِنا بها ما كنتَ تعطينا مِن قبل بالثمن الجيد، ﴿ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا ﴾ بالتغاضي عن قلة هذه الدراهم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ أي يُثيب المتفضِّلين بأموالهم على أهل الفقر والحاجة.       ♦ فلمَّا سمع قولهم، رَقَّ لهم، وعَرَّفهم بنفسه، فـ ﴿ قَالَ ﴾: ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ﴾: يعني هل تَذكرون الذي فعلتموه بيوسف وأخيه من الأذى، في حال جَهْلكم بعاقبة ما تفعلون؟       الآية 90: ﴿ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ﴾؟ ﴿ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي ﴾ بنيامين، ﴿ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾: أي قد تفضَّل اللهُ علينا، فجَمَعَ بيننا بعد الفُرقة، ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ﴾ اللهَ تعالى، ﴿ وَيَصْبِرْ ﴾ على المِحَن: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾: أي فإنّ اللهَ لا يُذهِب ثوابَ إحسانه وصَبره، وإنما يَجزيه أحسن الجزاء.       الآية 91: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ أي: واللهِ لقد فَضَّلك اللهُ علينا وأعزَّك بالعِلم والحِلم والفضل، ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾: أي ولقد كنا خاطئينَ بما فعلناه - عَمدًا - بك وبأخيك.       الآية 92، والآية 93: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ أي لا تأنيبَ عليكم اليوم ولا لَومَ ولا عتاب، ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ﴿ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ لمن تابَ مِن ذنبه ورجع إلى طاعته.       ♦ وهذا يُعَلِّمُنا العفو عَمّن أساءَ إلينا بمجرد أن يَعتذر، فعلى الرغم مِمّا فَعَله إخوته به إلا إنهم بمجرد أن اعتذروا إليه - واعترفوا بخطئهم، وكَسَروا كبريائهم - عَفا عنهم ولم يُعاتبهم، (فالسعيدُ حقاً هو مَن يُسامح عن كل ما كانَ في حَقِّهِ من أجل الجنة).       ♦ ولمّا سألهم عن أبيه، أخبروه بذهاب بصره من البكاء عليه، فقال لهم: ﴿ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا ﴾: أي عودوا إلى أبيكم ومعكم قميصي هذا ﴿ فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا ﴾ أي يَعُدْ إليه بصره، ﴿ وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: ثم أحضِروا إليَّ جميع أهلكم.    
  • أكثر العضوات تفاعلاً

  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      179991
    • إجمالي المشاركات
      2531147
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      91813
    • أقصى تواجد
      1020

    أحدث العضوات
    Laramohamed
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

‏من خاف زلة القدم بعد الثبات، فليجعل له حظا من عبادة السر والقُرُبات، وليحرِص عليها حتى الممات.

×