اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      59171
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      181162
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8641
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53482
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21031
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16458
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29731
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32486
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (39211 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 220 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • دروس من قصة أصحاب الغار (1)

        (فضل التوسل إلى الله -تعالى- بالعمل الصالح عند الشدائد) كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

      المقدمة:
      - الإشارة إلى الغرض مِن المواعظ، وهو الوقوف على الدروس والعِبَر في القصة، والتي مِن أعظمها: بيان سبيل الخلاص عندما تحيط بالإنسان الشدائد والمحن، وينقطع حبل الرجاء من العباد؛ ففي هذه الأحوال هناك باب لا ينقطع منه الرجاء، فهو -سبحانه- لا يغيب أبدًا، وقادر أبدًا؛ يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، وهذا ظاهر مِن حال أصحاب الغار.
      فعن عبد الله بن عمر -رضى الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَشَّوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ -تعالى- بِهَا؛ لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ وَامْرَأَتِي وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَرَحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ فَسَقَيْتُهُمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَأَنَّهُ نَأَى بِي ذَاتَ يَوْمٍ الشَّجَرُ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مِنْهَا فُرْجَةً فَرَأَوْا مِنْهَا السَّمَاءَ.
      وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، وَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَتَعِبْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَجِئْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ عَنْهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا فُرْجَةً، فَفَرَجَ لَهُمْ.
      وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرِعَاءَهَا فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي. قُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ خُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرِعَاءَهَا، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللَّهُ مَا بَقِيَ) (متفق عليه واللفظ لمسلم).
      - تحول الغار إلى قبر ينتظرون فيه الموت(1): كما هو حال مَن أحاطت بهم الأمواج الهادرة، والرياح العاصفة في عمق البحر، أو مَن تعطَّلت بهم محركات الطائرة، فجعلت تتأرجح بهم في عمق الفضاء الواسع، أو مَن تزلزلت الأرض مِن حولهم، فخرت عليهم سقوف بيوتهم، وأصبحوا مأسورين في مساحة ضيقة تحت الأنقاض لا يدري بهم أحد من العباد، فليس لهؤلاء جميعًا إلا الله: (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) (الأنعام:64)، (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (يونس:22).
      - لذلك ما أحسن مقترح أحدهم بالتوسل إلى الله بصالح أعمالهم: قال: (انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ -تعالى- بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ).

      (1) الترغيب في التوسل إلى الله:
      - رغَّب الله عباده في التوسل إليه بكل ما يحب: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:35)، قال ابن جرير في التفسير: "اطلبوا القرب إليه بالعمل بما يرضيه".
      - وبيَّن -سبحانه- أن الأولياء والصالحين يتنافسون في الوسائل المؤدية إلى القرب من الله، على خلاف ما يعتقد المشركون فيهم: فقال -تعالى-: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (الإسراء:57).
      - إشارة مختصرة لأنواع التوسل الثلاثة: (التوسل بأسماء الله وصفاته - والتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة - والتوسل إلى الله بدعاء الصالحين الأحياء).

      (2) التوسل إلى الله بالعمل الصالح(2):
      - قصتنا من أعظم الشواهد على فضل التوسل بالعمل الصالح: قال: (انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ فَادْعُوا اللَّهَ -تعالى- بِهَا لَعَلَّ اللَّهَ يَفْرُجُهَا عَنْكُمْ).
      - رغَّب الله -عز وجل- عباده في التوسل إليه بالأعمال الصالحة بذكر فضل مَن فعل ذلك: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ . الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران:15-16)، وقال عنهم: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران:53)، وقال: (رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (آل عمران:193-194).
      - بل تأمل فاتحة الكتاب، نصفها توسل في صورة ثناء، ونصفها الآخر سؤال ودعاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ). قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ) (رواه مسلم).

      (3) صور من توسل الأنبياء بأحوالهم الإيمانية في طاعة الله:
      - نوح -عليه السلام- يتوسل إلى ربه بما كان من صبره ومعاناته: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ . فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ . وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) (القمر:10-12).
      - يونس -عليه السلام- يتوسل إلى ربه بضعفه وندمه: (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَ لِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 87-88).
      - أيوب -عليه السلام- يتوسل إلى ربه بشدة بلائه وعظيم صبره: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء: 83-84).
      - يوسف -عليه السلام- يتوسل إلى ربه بانكساره وافتقاره: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ . فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يوسف:33-34).
      - موسى -عليه السلام- يتوسل إلى ربه بضعفه وشدة حاجته: (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24).
      - زكريا -عليه السلام- يتوسل إلى ربه بضعفه وحاجته إلى الولد المعين على حمل مسؤولية الدِّين مِن بعده: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا . قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا . وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا . يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا . يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا) (مريم:2-7).

      (4) أعمال صالحة تعين على تفريج الشدائد والمحن:
      1- حسن الظن بالله (أنه سيُذهِب الشدة وتنتهي المحنة) والحذر من اليأس والجزع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ) (رواه أحمد وابن ماجه والطبراني، وحسنه الألباني)، وقال -تعالى- في الحديث القدسي: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ)(3) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني).
      2- الإقلاع عن الذنوب وملازمة الاستغفار(4): روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "منْ لَزِم الاسْتِغْفَار، جَعَلَ اللَّه لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مخْرجًا، ومنْ كُلِّ هَمٍّ فَرجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ" (رواه أبو داود وابن ماجه)، وروي عنه -صلى الله عليه وسلم-: "أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ: انْتِظَارُ الْفَرَجِ" (رواه الترمذي).
      3- ملازمة الدعاء والتضرع: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) (الأنعام:34)، (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل:62)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو بهذه الكلمات عند الكرب: (لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ ورَبُّ الأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ) (رواه البخاري).
      4- الإكثار من الصلاة: قال -تعالى-: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) (البقرة:45)، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا حزبه أمر قال: (يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَرِحْنَا بِهَا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وذكر التنوخي في كتاب: "الفرج بعد الشدة" عن إبراهيم التيمي، قال: "لما حُبِست الحبسة المشهورة، أُدْخِلتُ السِّجْن، فأنزلت على أناس في قيدٍ واحدٍ، ومكان ضيق، لا يجد الرجل إلا موضع مجلسه، وفيه يأكلون، وفيه يتغوطون، وفيه يصلون! قال: فجيء برجل من أهل البحرين، فأدخل علينا، فلم نجد مكانًا، فجعلوا يتبرمون به فقال: اصبروا، فإنما هي الليلة. فلما دخل الليل، قام يصلي، فقال: يا رب، مننت على بدينك، وعلمتني كتابك، ثم سلطت عليَّ شرَّ خلقك، يا رب، الليلة، الليلة، لا أصبح فيه. فما أصبحنا حتى ضربت أبواب السجن: أين البحراني، أين البحراني؟ فقال كل منا: ما دعي الساعة، إلا ليُقتل، فخلي سبيله. فجاء، فقام على باب السجن، فسلم علينا، وقال: أطيعوا الله لا يضيعكم!".
      5- بر الوالدين: وموقف الأول مِن أصحاب الغار شاهد على ذلك، وسيأتي الحديث عن ذلك تفصيلًا في المرة القادمة -إن شاء الله-.
      والحمد لله رب العالمين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ
      (1) لقد أصبحوا في حال أشد مِن حال المطر، لقد أصبحوا محصورين لا حيلة لهم باختراقه بقوتهم الذاتية، ولا سبيل لإخبار أقوامهم، ولو أراد أقوامهم أن يبحثوا عنهم عندما تطول غيبتهم فلن يهتدوا إليهم، فالأمطار أزالت آثار الأقدام! ومثل هذا الموقف يوقن الإنسان معه أنه لا نجاة له إلا بالله، وأن الله وحده العالِم بمكان وجودهم، وأنه هو الذي يراهم ويسمعهم؛ فهو الذي لا تَخْفَى عليه خافية، فهو القادر حيث لا قدرة للعباد، وهو الحافظ حيث لا تصل الوسائل التي يُحفَظ بها العباد.
      (2) كأن يقول العبد: "اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك... اغفر لي، أو فرِّج عني، أو يذكر عملًا صالحًا ذا بال، فيه خوفه من الله -سبحانه وتعالى- وتقواه، أو عظيم طاعته، ومرضاته في هذا العمل".
      (3) فالحذر مما يقع فيه كثيرٌ مِن الناس إذا نزلت بهم الشدة والمحنة (تعطل المصعد - أو السيارة في الصحراء - أو السجن - ونحوه)، فيحصل الانهيار والانزعاج المدمِّر المصحوب بالأحوال المؤسفة. وما أحسن تصرف أحد الدعاة لما تعطلت حافلتهم في الطريق الصحراوي ليلًا، فقام يحكي للناس قصة أصحاب الغار؛ فكان لذلك أثر عظيم.
      (4) يشهد لذلك موقف الثالث من أصحاب الغار حيث كان يريد الفاحشة بابنة عمه، فلما أقلع وتاب، كان ذلك من أسباب الفرج.

         
    • 28 ـ الأحاديث القدسية الصحيحة الصريحة
      حرف الألف (4-12)   الحديث الثالث والعشرون:
      عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
      « إذا مات ولد العبد؛ قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد »(1).

      الحديث الرابع والعشرون:
      عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
      « إذا مرض العبد؛ بعث الله تعالى إليه مَلَكَيْنِ فقال: انظروا ماذا يقول لعواده؟ فإن هو إذا دخلوا عليه؛ حَمِدَ الله تعالى؛ رفعوا ذلك إلى الله، وهو أعلم، فيقول: لعبدي إن أنا تَوَفَّيْتُه أن أُدْخِلَه الجنة، وإن أنا شَفَيْتُه أن أُبَدِّلَه لَحْمًا خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، وأن أُكَفِّرَ عنه سيئاته »(2).

      الحديث الخامس والعشرون:
      عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

      « إذا ميز أهل الجنة وأهل النار فدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار؛ قامت الرسل فشفعوا، فيقول: انطلقوا -أو اذهبوا- فمن عرفتم فأخرجوه، فيخرجونهم قد امْتحشوا فيلقونهم في نهر أو على نهر يقال له الحياة. قال: فتسقط محاشهم على حافة النهر، ويخرجون بيضا مثل الثعارير ثم يشفعون، فيقول: اذهبوا -أو انطلقوا- فمن وجدتم في قلبه مثقال قيراط من إيمان؛ فأخرجوهم. قال: فيخرجون بشرا ثم يشفعون، فيقول: اذهبوا -أو انطلقوا- فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة من خردلة من إيمان؛ فأخرجوه، ثم يقول الله -عز وجل-: أنا الآن أخرج بعلمي ورحمتي. قال: فيخرج أضعاف ما أخرجوا وأضعافه، فيكتب في رقابهم عتقاء الله –عز وجل- ثم يدخلون الجنة فيسمون فيها الجهنميين »(3).

      الحديث السادس والعشرون:
      عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
      « إذا وُجِّهَتْ اللعنةُ؛ تَوَجَّهَتْ إلى من وُجِّهَتْ إليه، فإن وجدت فيه مسلكًا ووجدت عليه سبيلا؛ حَلَّتْ به، وإلا؛ جاءت إلى ربِّها فقالت: يا رب! إن فلانًا وَجَّهَنِي إلى فلان، وإني لم أجد عليه سبيلا ولم أجد فيه مسلكًا؛ فما تأمرني؟ قال: ارجعي من حيث جئتِ » (4).

      الحديث السابع والعشرون:
      عن مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية : { وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ }. قال: أما إنا سألنا عن ذلك فقال:
      « أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال:
      هل تشتهون شيئا؟
      قالوا: أي شيء نشتهي؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا؛
      قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة؛ تركوا »(5).

      الحديث الثامن والعشرون:
      عن الأسود بن سريع أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال:
      « أربعة يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأما الأصم فيقول: ربي! لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: ربي! لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربي! لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة، فيقول: ربي ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها؛ لكانت عليهم بردا وسلاما »(6).

      الحديث التاسع والعشرون:
      عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
      « أُرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاءه؛ صكه ففقأ عينه، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، قال: فرد الله عينه، فقال: ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله ما غطت يده بكل شعرة سنة، فقال: أي رب! ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
      لو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جنب الطريق تحت الكثيب الأحمر »(7).

      الحديث الثلاثون:
      عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال:
      استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ». ثم قال:
      «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت -عليه السلام- حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة! اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض. قال: فيصعدون بها فلا يمرون -يعني بها- على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟! فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح لهم، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله -عز وجل-: اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض؛ فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى، قال: فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فينادي مناد في السماء: إن صدق عبدي؛ فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت تُوعد فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي. قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة؛ نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما يُنتزع السَّفُّودُ من الصوف المبلول فيأخذها، فإذا أخذوها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا، فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: { لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ }، فيقول الله عز وجل-: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحا ثم قرأ: ?وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ?، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه! لا أدري، فينادى منادٍ من السماء: إن كذب فافرشوا له من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرّها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة (8).

      يتبع

      عن موقع شبكة السنة النبوية وعلومها

      الهوامش:
      (1) أخرجه الترمذي: كتاب الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب (1021)، قال الترمذي: حسن غريب، وقال الألباني في صحيح الترمذي: حسن.
      (2) (حسن لغيره) أخرجه مالك (1682)، البيهقي في شعب الإيمان (9941) عن عطاء بن يسار مرسلا، قال البيهقي عقبه: وقد روي عنه موصولا. وروي من وجه آخر بإسناد صحيح موصولا. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3431): حسن لغيره.
      (3) أخرجه أحمد (14491)، له شاهد من حديث أبي سعيد.
      (4) (حسن لغيره) أخرجه أحمد (4036، 3876)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (2793): «حسن لغيره».
      (5) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (1887).
      (6) أخرجه أحمد (16301)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1434).
      (7) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها حديث (1339)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى وذكره بعد (3407)، مسلم: كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى صلى الله عليه وسلم (2372).
      (8) أخرجه أحمد (18534)، واللفظ له، وأبو داود كتاب السنة، باب في المسألة في القبر وعذاب القبر (4753)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.


       
    • الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ

      قال الغَزاليُّ: (اعلَمْ أنَّ الذي أنزَل الدَّاءَ أنزَل الدَّواءَ، ووعَدَ الشِّفاءَ، فالصَّبرُ وإن كان شاقًّا أو مُمتَنِعًا فتَحصيلُه مُمكِنٌ بمَعجونِ العِلمِ والعَمَلِ؛ فالعِلمُ والعَمَل هما الأخلاطُ التي مِنها تُرَكَّبُ الأدويةُ لأمراضِ القُلوبِ كُلِّها، ولكِن يحتاجُ كُلُّ مَرَضٍ إلى عِلمٍ آخَرَ وعَمَلٍ آخَرَ، وكما أنَّ أقسامَ الصَّبرِ مُختَلفةٌ فأقسامُ العِلَلِ المانِعةِ مِنه مُختَلفةٌ، وإذا اختَلفت العِللُ اختَلف العِلاجُ؛ إذ مَعنى العِلاجِ مُضادَّةُ العِلَّةِ وقمعُها)
      أ- الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ عنِ المَعصيةِ والصَّبرِ على الطَّاعةِ :
      1- مِمَّا يُعينُ على الصَّبرِ عنِ المَعصيةِ عِلمُ العَبدِ بقُبحِها ورَذالتِها ودَناءَتِها، وأنَّ اللهَ إنَّما حَرَّمَها ونَهى عنها صيانةً وحِمايةً عنِ الدَّنايا والرَّذائِلِ، كما يحمي الوالِدُ الشَّفيقُ وَلَدَه عَمَّا يضُرُّه.
      2- الحَياءُ مِنَ اللهِ سُبحانَه؛ فإنَّ العَبدَ متى عَلِم بنَظَرِه إليه ومَقامِه عليه وأنَّه بمَرأًى مِنه ومَسمَعٍ، وكان حَييًّا، استحيا مِن رَبِّه أن يتَعَرَّضَ لمساخِطِه بتَركِ طاعَتِه أو ارتِكابِ مَعاصيه.
      3- مُراعاةُ نِعَمِه عَليك وإحسانِه إليك؛ فإنَّ الذُّنوبَ تُزيلُ النِّعَمَ ولا بُدَّ، فما أذنَبَ عَبدٌ ذَنبًا إلَّا زالت عنه نِعَمُه مِنَ اللهِ بحَسبِ ذلك الذَّنبِ، ومَن أطاعَه وشَكرَه زادَه مِن نِعَمِه وآلائِه.
      4- خَوفُ اللهِ وخَشيةُ عِقابه، ورَجاءُ ثَوابِه ومَغفِرَتِه، وهذا إنَّما يَثبُتُ بتَصديقِه في وعدِه ووعيدِه، والإيمانِ به وبكِتابِه وبرَسولِه.
      5- محبَّةُ اللهِ، وهي أقوى الأسبابِ في الصَّبرِ عن مُخالفتِه ومَعاصيه؛ فإنَّ المُحِبَّ لمَن يُحِبُّ مُطيعٌ، وكُلَّما قَوِيَ داعي المَحَبَّةِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه.
      6- شَرَفُ النَّفسِ وزَكاؤُها وفضلُها وأنَفَتُها وحَميَّتُها أن تَختارَ الأسبابَ التي تَحُطُّها وتَضَعُ مِن قَدْرِها وتُخَفِّضُ مَنزِلتَها وتُحَقِّرُها وتُسَوِّي بَينَها وبَينَ السِّفلةِ.
      7- قوَّةُ العِلمِ بسوءِ عاقِبةِ المَعصيةِ وقُبحِ أثَرِها والضَّرَرِ النَّاشِئِ مِنها؛ مِن سَوادِ الوجهِ، وظُلمةِ القَلبِ وضيقِه، وغَمِّه وحُزنِه، وألمِه وانحِصارِه، وشِدَّةِ قَلقِه واضطِرابِه، وتَمَزُّقِ شَملِه، وضَعفِه عن مُقاومةِ عَدوِّه، وتَعَرِّيه من زينتِه، والحَيرةِ في أمرِه، وتَخَلِّي وليِّه وناصِره عنه، وتَولِّي عَدوِّه المُبينِ له، وقوَّةِ العِلمِ بحُسنِ عاقِبةِ الطَّاعةِ وأثَرِها الطَّيِّبِ على النَّفسِ.
      8- قِصَرُ الأمَلِ، وعِلمُه بسُرعةِ انتِقاله، وأنَّه كمُسافِرٍ دَخل قَريةً وهو مُزمِعٌ على الخُروجِ مِنها، أو كراكِبٍ قال في ظِلِّ شَجَرةٍ ثُمَّ سارَ وتَركها، فهو لعِلمِه بقِلَّةِ مُقامِه وسُرعةِ انتِقالِه حَريصٌ على تَركِ ما يَثقُلُه حَملُه ويضُرُّه ولا ينفعُه، حَريصٌ على الانتِقالِ بخَيرِ ما بحَضرَتِه، فليسَ للعَبدِ أنفعُ مِن قِصَرِ الأمَلِ ولا أضَرُّ مِنَ التَّسويفِ وطولِ الأمَلِ.
      9- مُجانَبةُ الفُضولِ في مَطعَمِه ومَشرَبِه ومَلبَسِه ومَنامِه واجتِماعِه بالنَّاسِ.
      10- ثَباتُ شَجَرةِ الإيمانِ في القَلبِ، فصَبرُ العَبدِ عنِ المَعاصي إنَّما هو بحَسبِ قوَّةِ إيمانِه، فكُلَّما كان إيمانُه أقوى كان صَبرُه أتَمَّ، وإذا ضَعُف الإيمانُ ضَعُف الصَّبرُ، وكُلَّما قَويَ داعي الإيمانِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه، وهذا السَّبَبُ جامِعٌ للأسبابِ كُلِّها.
      قال ابنُ القَيِّمِ: (والصَّبرُ على الطَّاعةِ ينشَأُ مِن مَعرِفةِ هذه الأسبابِ، ومِن مَعرِفةِ ما تَجلبُه الطَّاعةُ مِنَ العَواقِبِ الحَميدةِ والآثارِ الجَميلةِ، ومِن أقوى أسبابِها: الإيمانُ والمَحَبَّةُ، فكُلَّما قَويَ داعي الإيمانِ والمَحَبَّةِ في القَلبِ كانت استِجابَتُه للطَّاعةِ بحَسَبِه) .   ب – الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ على البَلاءِ:
      1- أن يعلمَ أنَّ اللهَ قد ارتَضاها له واختارَها وقَسَمَها، وأنَّ العُبوديَّةَ تَقتَضي رِضاه بما رَضيَ له به سَيِّدُه ومَولاه.
      2- أن يعلمَ أنَّ هذه المُصيبةَ هي دَواءٌ نافِعٌ ساقَه إليه الطَّبيبُ العَليمُ بمَصلحَتِه الرَّحيمُ به؛ فليصبِرْ على تَجَرُّعِه ولا يتَقَيَّأْه بتَسَخُّطِه وشَكواه فيذهَبَ نَفعُه باطِلًا.
      3- أن يعلمَ أنَّ في عُقبى هذا الدَّواءِ مِنَ الشِّفاءِ والعافيةِ والصِّحَّةِ وزَوالِ الألمِ ما لم تَحصُلْ بدونِه، فإذا طالعَت نَفسُه كراهةَ هذا الدَّاءِ ومَرارَتَه فلينظُرْ إلى عاقِبَتِه وحُسنِ تَأثيرِه؛ قال تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216] ، وقال اللهُ تعالى: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: 19] .
       4- أن يعلمَ أنَّ اللهَ يُرَبِّي عَبدَه على السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ والنِّعمةِ والبَلاءِ، فيستَخرِجُ مِن عُبوديَّتِه في جَميعِ الأحوالِ؛ فإنَّ العَبدَ على الحَقيقةِ مَن قامَ بعُبوديَّةِ اللهِ على اختِلافِ الأحوالِ، وأمَّا عَبدُ السَّرَّاءِ والعافيةِ الذي يعبُدُ اللهَ على حَرفٍ، فإن أصابَه خَيرٌ اطمَأنَّ به، وإن أصابَته فِتنةٌ انقَلبَ على وجهِه، فليس مِن عَبيدِه الذين اختارَهم لعُبوديَّتِه، فلا رَيبَ أنَّ الإيمانَ الذي يَثبُتُ على مَحَلِّ الابتِلاءِ والعافيةِ هو الإيمانُ النَّافِعُ وقتَ الحاجةِ، وأمَّا إيمانُ العافيةِ فلا يكادُ يصحَبُ العَبدَ ويُبلِّغُه مَنازِلَ المُؤمِنينَ، وإنَّما يصحَبُه إيمانٌ يَثبُتُ على البَلاءِ والعافيةِ؛ فالابتِلاءُ كِيرُ العَبدِ ومحَكُّ إيمانِه .
      5- أن يعلمَ أنَّ ما أصابَه مُقدَّرٌ مِنَ اللهِ:
      قال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22 - 23] .
      6- أن يتَذَكَّرَ أعظَمَ المَصائِبِ التي حَلَّت بالأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وهي مَوتُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:
      قال الشَّاعِرُ:
      اصبِرْ لكُلِّ مُصيبةٍ وتَجَلَّدِ
      واعلَمْ بأنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
      وإذا ذَكَرتَ مُصيبةً تَسلو بها
      فاذكُرْ مُصابَك بالنَّبيِّ محمَّدِ .
      7- أن يتجنَّبَ الجزَعَ فهو لا ينفَعُه، بل يزيدُ من مُصابِه:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الجَزَعَ يُشمِتُ عَدوَّه، ويسوءُ صَديقَه، ويُغضِبُ رَبَّه، ويَسُرُّ شَيطانَه، ويُحبِطُ أجرَه، ويُضعِفُ نَفسَه، وإذا صَبرَ واحتَسَبَ أنضى شَيطانَه، ورَدَّه خاسِئًا، وأرضى رَبَّه، وسَرَّ صَديقَه، وساءَ عَدوُّه، وحَمَلَ عن إخوانِه، وعَزَّاهم هو قَبلَ أن يُعزُّوه؛ فهذا هو الثَّباتُ والكَمالُ الأعظَمُ، لا لطمُ الخُدودِ، وشَقُّ الجُيوبِ، والدُّعاءُ بالوَيلِ والثُّبورِ، والسَّخَطُ على المَقدورِ) .
      8- أن يتَسَلَّى المُصابُ بمَن هم أشَدُّ مِنه مُصيبةً:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (ومِن عِلاجِه أن يُطفِئَ نارَ مُصيبَتِه ببَردِ التَّأسِّي بأهلِ المَصائِبِ، وليَعلَمْ أنَّه في كُلِّ وادٍ بَنو سَعدٍ ، ولينظُرْ يَمنةً فهل يرى إلَّا مِحنةً؟! ثُمَّ ليَعطِفْ يَسرةً فهل يرى إلَّا حَسرةً؟! وأنَّه لو فتَّشَ العالمَ لم يرَ فيهم إلَّا مُبتَلًى إمَّا بفواتِ مَحبوبٍ أو حُصولِ مَكروهٍ، وأنَّ شُرورَ الدُّنيا أحلامُ نومٍ أو كظِلٍّ زائِلٍ؛ إن أضحَكت قَليلًا أبكت كثيرًا، وإن سَرَّت يومًا ساءَت دَهرًا، وإن مَتَّعَت قَليلًا خيرةً إلَّا مَلأَتْها عَبرةً، ولا سَرَّته بيومِ سُرورٍ إلَّا خَبَّأت له يومَ شُرورٍ) .
      9- أن يتَسَلَّى المُصابُ بأنَّه للهِ، وأنَّ مَصيرَه إليه:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إذا تَحَقَّقَ العَبدُ بأنَّه للهِ وأنَّ مَصيرَه إليه تَسَلَّى عن مُصيبَتِه، وهذه الكَلِمةُ مِن أبلغِ عِلاجِ المُصابِ وأنفعِه له في عاجِلتِه وآجِلتِه؛ فإنَّها تَتَضَمَّنُ أصلينِ عَظيمَينِ إذا تَحَقَّقَ العَبدُ بمَعرِفتِهما تَسَلَّى عن مُصيبَتِه: أحَدُهما: أنَّ العَبدَ وأهلَه ومالَه مِلكٌ للهِ عَزَّ وجَل حَقيقةً... الثَّاني: أنَّ مَصيرَ العَبدِ ومَرجِعَه إلى اللهِ مَولاه الحَقِّ، ولا بُدَّ أن يُخلِّفَ الدُّنيا وراءَ ظَهرِه، ويجيءَ رَبَّه فرَدًا كما خَلقَه أوَّلَ مَرَّةٍ بلا أهلٍ ولا مالٍ ولا عَشيرةٍ، ولكِنْ بالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فإذا كانت هذه بدايةَ العَبدِ وما خُوِّله ونِهايتَه، فكيف يفرَحُ بمَوجودٍ أو يأسى على مَفقودٍ؟!) .
      10- أن يعلمَ أنَّ ابتِلاءَ اللهِ له هو امتِحانٌ لصَبرِه:
      يقولُ ابنُ قَيِّمِ الجَوزيَّةِ في ذلك: (إنَّ الذي ابتَلاه بها أحكَمُ الحاكِمينَ أرحَمُ الرَّاحِمينَ، وإنَّه سُبحانَه لم يُرسِلْ إليه البَلاءَ ليُهلِكَه به ولا ليُعَذِّبَه به ولا ليجتاحَه، وإنَّما افتَقدَه به ليمتَحِنَ صَبرَه ورِضاه عنه وإيمانَه، وليسمَعَ تَضَرُّعَه وابتِهالَه، وليراه طَريحًا ببابِه لائِذًا بجَنابِه، مَكسورَ القَلبِ بَينَ يدَيه رافِعًا قِصَصَ الشَّكوى إليه) .
      11- أن يعلمَ أنَّ مَرارةَ الدُّنيا هي حَلاوةُ الآخِرةِ:
      قال ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ مَرارةَ الدُّنيا هي بعَينِها حَلاوةُ الآخِرةِ، يَقلِبُها اللهُ سُبحانَه كذلك، وحَلاوةُ الدُّنيا بعَينِها مَرارةُ الآخِرةِ، ولأن ينتَقِلَ مِن مَرارةٍ مُنقَطِعةٍ إلى حَلاوةٍ دائِمةٍ خَيرٌ له مِن عَكسِ ذلك؛ فإن خَفيَ عَليك هذا فانظُرْ إلى قَولِ الصَّادِقِ المَصدوقِ: "حُفَّت الجَنَّةُ بالمَكارِهِ، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهَواتِ" . وفي هذا المَقامِ تَفاوتَت عُقولُ الخَلائِقِ، وظَهَرَت حَقائِقُ الرِّجالِ، فأكثَرُهم آثَرَ الحَلاوةَ المُنقَطِعةَ على الحَلاوةِ الدَّائِمةِ التي لا تَزولُ، ولم يحتَمِلْ مَرارةَ ساعةٍ لحَلاوةِ الأبَدِ، ولا ذُلَّ ساعةٍ لعِزِّ الأبَدِ، ولا مِحنةَ ساعةٍ لعافيةِ الأبَدِ؛ فإنَّ الحاضِرَ عِندَه شَهادةٌ، والمُنتَظَرَ غَيبٌ، والإيمانَ ضَعيفٌ، وسُلطانَ الشَّهوةِ حاكمٌ، فتَولَّدَ مِن ذلك إيثارُ العاجِلةِ ورَفضُ الآخِرةِ) .
      12- التَّفكُّرُ في ثَوابِ المُصيبةِ التي نَزَلت واليقينُ بحُسنِ الجَزاءِ.
      قال السَّمَرقَنديُّ: (ينبغي للعاقِلِ أن يتَفكَّرَ في ثَوابِ المُصيبةِ فتَسهُلَ عليه المُصيبةُ؛ فإنَّ ثَوابَ المُصيبةِ إذا استَقبَله يومَ القيامةِ يودُّ أن يكونَ جَميعُ أقارِبِه وجَميعُ أولادِه ماتوا قَبلَه لينالَ الأجرَ وثَوابَ المُصيبةِ.
      وقد وعَدَ اللهُ تعالى في المُصيبةِ ثَوابًا عَظيمًا إذا صَبَرَ واحتَسَبَ) .
      وعنِ الحَسَنِ البَصريِّ أنَّ رَجُلًا جَزِع على ولَدِه، وشَكا ذلك إليه، فقال الحَسَنُ: كان ابنُك يغيبُ عنك؟ قال: نَعم، كانت غَيبَتُه أكثَرَ مِن حُضورِه، قال: فاترُكه غائِبًا؛ فإنَّه لم يغِبْ عنك غيبةً الأجرُ لك فيها أعظَمُ مِن هذه، فقال: يا أبا سَعيدٍ، هَوَّنتَ عنِّي وجدي على ابني .
      13- أن يذكُرَ المُصابُ نِعَمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عليه.
      (جاءَ رَجُلٌ إلى يونُسَ بنِ عبيدٍ فشَكا إليه ضِيقًا مِن حالِه ومَعاشِه، واغتِمامًا بذلك، فقال: (أيسُرُّك ببَصَرِك مِئةَ ألفٍ؟ قال: لا. قال: فبسَمعِك؟ قال: لا. قال: فبلسانِك؟ قال: لا. قال: فبعَقلِك؟ قال: لا... في خِلالٍ. وذَكَّرَه نِعَمَ اللهِ عليه، ثُمَّ قال يونُسُ: أرى لك مئينَ أُلوفًا وأنت تَشكو الحاجةَ؟!) .
      ولمَّا قُطِعَت رِجلُ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وماتَ أحَدُ أبنائِه قال: (اللَّهمَّ كان لي بنون سَبعةٌ، فأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ لي سِتَّةً، وكان لي أطرافٌ أربَعةٌ، فأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ ثَلاثةً، ولئِن ابتَلَيتَ لقد عافَيتَ، ولئِن أخَذتَ لقد أبقَيتَ) .   ج- الوسائِلُ المُعينةُ على الصَّبرِ على ما يُصيبُ المَرءَ بغَيرِ اختيارِه مِنَ المَصائِبِ بفِعلِ النَّاسِ في مالِه أو عِرضِه أو نَفسِه:
      1- أن يشهَدَ أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى خالقُ أفعالِ العِبادِ، حَرَكاتِهم وسَكناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ اللهُ كان، وما لم يشَأْ لم يكُنْ، فلا يتَحَرَّكُ في العالمِ العُلويِّ والسُّفليِّ ذَرَّةٌ إلَّا بإذنِه ومَشيئَتِه، فالعِبادُ آلةٌ، فانظُر إلى الذي سَلَّطَهم عَليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بك، تَستَرِحْ مِنَ الهَمِّ والغَمِّ.
      2- أن يشهَدَ ذُنوبَه، وأنَّ اللهَ إنَّما سَلَّطَهم عليه بذَنبِه، كما قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30] .
      3- أن يشهَدَ العَبدُ حُسنَ الثَّوابِ الذي وعَدَه اللهُ لمَن عَفا وصَبَرَ، كما قال تعالى: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [الشورى: 40] .
      4- أن يشهَدَ أنَّه إذا عَفا وأحسَنَ أورَثَه ذلك مِن سَلامةِ القَلبِ لإخوانِه، ونَقائِه مِنَ الغِشِّ والغِلِّ وطَلبِ الانتِقامِ وإرادةِ الشَّرِّ، وحَصَل له مِن حَلاوةِ العَفو ما يزيدُ لذَّتَه ومَنفعَتَه عاجِلًا وآجِلًا.
      5- أن يعلمَ أنَّه ما انتَقَمَ أحَدٌ قَطُّ لنَفسِه إلَّا أورَثَه ذلك ذُلًّا يجِدُه في نَفسِه، فإذا عَفا أعَزَّه اللهُ تعالى، وهذا مِمَّا أخبَرَ به الصَّادِقُ المَصدوقُ؛ حَيثُ يقولُ: ((وما زادَ اللهُ عَبدًا بعَفوٍ إلَّا عِزًّا)) .
      6- أن يشهَدَ أنَّ الجَزاءَ مَن جَنَّسَ العَمَلِ، وأنَّه نَفسَه ظالمٌ مُذنِبٌ، وأنَّ مَن عَفا عنِ النَّاسِ عَفا اللهُ عنه، ومَن غَفرَ لهم غَفرَ اللهُ له.
      7- أن يعلمَ أنَّه إذا اشتَغَلت نَفسُه بالانتِقامِ وطَلبِ المُقابَلةِ ضاعَ عليه زَمانُه، وتَفرَّقَ عليه قَلبُه، وفاتَه مِن مَصالحِه ما لا يُمكِنُ استِدراكُه.
      8- إن أوذيَ على ما فعَله للهِ، أو على ما أمَرَ به مِن طاعَتِه ونَهى عنه مِن مَعصيتِه، وجَبَ عليه الصَّبرُ، ولم يكُنْ له الانتِقامُ؛ فإنَّه قد أوذيَ في اللهِ، فأجرُه على اللهِ.
      9- أن يشهَدَ مَعيَّةَ اللهِ مَعَه إذا صَبَرَ، ومُحبَّةَ اللهِ له إذا صَبَرَ ورِضاه. ومَن كان اللهُ مَعَه دَفعَ عنه أنواعَ الأذى والمضرَّاتِ ما لا يدفعُه عنه أحَدٌ مِن خَلقِه؛ قال تعالى: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [الأنفال: 46] ، وقال تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: 146] .
      10- أن يشهَدَ أنَّ صَبرَه حُكمٌ مِنه على نَفسِه، وقَهرٌ لها وغَلَبةٌ لها، فمتى كانت النَّفسُ مَقهورةً مَعَه مَغلوبةً، لم تَطمَعْ في استِرقاقِه وأسْرِه وإلقائِه في المَهالكِ، ومتى كان مُطيعًا لها سامِعًا مِنها مَقهورًا مَعَها، لم تَزَلْ به حتَّى تُهلِكَه، أو تَتَدارَكه رَحمةٌ مِن رَبِّه.
      11- أن يعلمَ أنَّه إن صَبَرَ فاللهُ ناصِرُه ولا بُدَّ، فاللهُ وكيلُ مَن صَبَرَ، وأحال ظالِمَه على اللهِ، ومَن انتَصَرَ لنَفسِه وكَلَه اللهُ إلى نَفسِه، فكان هو النَّاصِرَ لها.
      12- أنَّ صَبرَه على مَن آذاه واحتِمالَه له يوجِبُ رُجوعَ خَصمِه عن ظُلمِه، وندامتَه واعتِذارَه، ولومَ النَّاسِ له، فيعودُ بَعدَ إيذائِه له مُستَحييًا مِنه نادِمًا على ما فعَله، بَل يصيرُ مواليًا له .
      13- أن يتَأسَّى بالنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابِه؛ قال السَّمَرقَنديُّ: (الواجِبُ على العَبدِ أن يصبرَ على ما يُصيبُه مِنَ الشِّدَّةِ، ويعلمَ أنَّ ما دَفعَ اللهُ عنه مِنَ البَلاءِ أكثَرُ مِمَّا أصابَه، ويحمَدَ اللهَ تعالى على ذلك.   وينبَغي للعَبدِ أن يقتَديَ بنَبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وينظُرَ إلى صَبرِه على أذى المُشرِكينَ...
      وكان أصحابُ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شِدَّةٍ مِن أذى الكُفَّارِ ومِنَ الجوعِ، فصَبَروا على ذلك حتَّى فرَّجَ اللهُ عنهم، وكُلُّ مَن صَبرَ فرَّجَ اللهُ عنه؛ فإنَّ الفرَجَ مَعَ الصَّبرِ، وإنَّ مَعَ العُسرِ يُسرًا. وكان الصَّالحونَ رَحِمَهم اللهُ يفرَحونَ بالشِّدَّةِ؛ لِما يرجونَ مِن ثَوابِها) .
      وقال السُّيوطيُّ: (ما كان كبيرٌ في عَصرٍ قَطُّ إلَّا كان له عَدوٌّ مِنَ السِّفلةِ؛ إذ الأشرافُ لم تَزَلْ تُبتَلى بالأطرافِ) .
      14- الاستِعانةُ باللهِ تعالى وكثرةُ دُعائِه:
       قال اللهُ تعالى حِكايةً عن يعقوبَ عليه السَّلامُ: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف: 18] ، المَعنى: أنَّ إقدامَ يعقوبَ عليه السَّلامُ على الصَّبرِ لا يُمكِنُ إلَّا بمَعونةِ اللهِ تعالى؛ لأنَّ الدَّواعيَ النَّفسانيَّةَ تَدعوه إلى إظهارِ الجَزِع، وهي قَويَّةٌ، والدَّواعيَ الرُّوحانيَّةَ تَدعوه إلى الصَّبرِ والرِّضا، فكأنَّه وقَعَت المُحارَبةُ بَينَ الصِّنفينِ، فما لم تَحصُلْ إعانةُ اللهِ تعالى لم تَحصُلِ الغَلبةُ، فقَولُه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ يُجري مَجرى قَولِه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتِحة: 5] ، وقَولُه: وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ يُجري مَجرى قَولِه: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة: 5] .
      ولمَّا هَدَّدَ فِرعَونُ موسى عليه السَّلامُ وقَومَه قال موسى عليه السَّلامُ لقَومِه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا؛ لذا يقتَرِنُ الصَّبرُ بالتَّوكُّلِ، كما في قَولِه تعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، وقَولِه: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ.
      ولما هَدَّدَ فِرعَونُ السَّحَرةَ حينَ آمَنوا قالوا: قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، ثُمَّ دَعَوا اللهَ تعالى قائِلينَ: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [الأعراف: 125-126] .


       
    • صُورُ الصَّبرِ ومَجالاتُه
      إنَّ صَورَ الصَّبرِ ومَجالاتِه كثيرةٌ في حَياةِ الإنسانِ، فلا يستَغني عنه أحَدٌ بحالٍ مِنَ الأحوالِ، يقولُ ابنُ القَيِّمِ: (إنَّ الإنسانَ لا يستَغني عنِ الصَّبرِ في حالٍ مِنَ الأحوالِ؛ فإنَّه بَينَ أمرٍ يجِبُ عليه امتِثالُه وتَنفيذُه، ونَهيٍ يجِبُ عليه اجتِنابُه وتَركُه، وقدَرٍ يجري عليه اتِّفاقًا، ونِعمةٍ يجِبُ عليه شُكرُ المُنعِمِ عليها، وإذا كانت هذه الأحوالُ لا تُفارِقُه فالصَّبرُ لازِمٌ له إلى المَماتِ، وكُلُّ ما يلقى العَبدُ في هذه الدَّارِ لا يخلو مِن نَوعَينِ: أحَدُهما: يوافِقُ هَواه ومُرادَه، والآخَرُ: يُخالفُه، وهو مُحتاجٌ إلى الصَّبرِ في كُلٍّ مِنهما) .   فمِن صُورِ الصَّبرِ:
      1- الصَّبرُ على بَلاءِ الدُّنيا مِن آلامٍ وأمراضٍ وفِقدانٍ للأقارِبِ والأصدِقاءِ وفَقرٍ، قال تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155] .
      2- الصَّبرُ عن شَهَواتِ النَّفسِ.
      3- الصَّبرُ على الطَّاعةِ؛ قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم: 65] ، وقال: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا [طه: 132] .
      4- الصَّبرُ في الدَّعوةِ إلى اللهِ وتَحمُّلُ مَشاقِّها، فقد تَجِدُ مِنَ النَّاسِ إعراضًا عن دَعوتِك، وقد تَجِدُ مِنهم أذًى قَولًا أو فِعلًا فلا بُدَّ مِنَ الصَّبرِ.
      وقد قَرَنَ اللهُ تعالى الصَّبرَ في بَعضِ الآياتِ بالأذى الذي يحتاجُ تَحَمُّلُه إلى عَزيمةٍ وإرادةٍ، ومِن ذلك: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم: 12] ، وقَولُه: وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ [البقرة: 177] ، وقَولُه: وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ [الحج: 35] .
      5- الصَّبرُ عِندَ مُلاقاةِ الأعداءِ والجِهادِ في سَبيلِ الله:
      وقد قَرَنَ اللهُ تعالى في كِتابِه بَينَ ذِكرِ الجِهادِ وذِكرِ الصَّبرِ؛ لأنَّ في الجِهادِ مَشَقَّةً تَستَلزِمُ العَزيمةَ، ومِن ذلك قَولُه تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة: 250] ، وقَولُه: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: 110] ، وقَولُه عَزَّ وجَلَّ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْ [الأنفال: 65] .
      وقال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((أيُّها النَّاسُ، لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العَدوِّ، وسَلوا اللهَ العافيةَ، فإذا لقيتُموهم فاصبِروا)) .
      6- الصَّبرُ على الزَّوجةِ والأولادِ.
      7- الصَّبرُ على الإخوةِ في اللهِ.
      8- الصَّبرُ على طَلَبِ العِلمِ؛ قال موسى عليه السَّلامُ للخَضِرِ لمَّا أرادَ أن يصحَبَه ليأخُذَ العِلمَ عليه: قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا [الكهف: 69] .
      9- الصَّبرُ على أذى النَّاسِ.   ومِنَ المَجالاتِ التي ينبَغي للإنسانِ أن يضبِطَ نَفسَه عِندَها ويصبرَ عليها:
      1- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الضَّجَرِ والجَزَعِ عِندَ حُلولِ المَصائِب ومَسِّ المَكارِه.
      2- ضَبطُ النَّفسِ عنِ السَّأمِ والمَللِ لدى القيامِ بأعمالٍ تَتَطَلَّبُ الدَّأبَ والمُثابَرةَ خِلالَ مُدَّةٍ مُناسِبةٍ.
      3- ضَبطُ النَّفسِ عنِ العَجَلةِ والرُّعونةِ لدى تَحقيقِ مَطلبٍ مِنَ المَطالبِ المادِّيَّةِ أو المَعنَويَّةِ.
      4- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الغَضَبِ والطَّيشِ لدى مُثيراتِ عَوامِلِ الغَضَبِ في النَّفسِ.
      5- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الخَوفِ لدى مُثيراتِ الخَوفِ في النَّفسِ.
      6- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الطَّمَعِ لدى مُثيراتِ الطَّمَعِ فيها.
      7- ضَبطُ النَّفسِ عنِ الاندِفاعِ وراءَ أهوائِها وشَهَواتِها وغَرائِزها.
      8- ضَبطُ النَّفسِ لتَحَمُّلِ المَتاعِبِ والمَشَقَّاتِ والآلامِ الجَسَديَّةِ والنَّفسيَّةِ .

      الدرر السنية
    • الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والتَّصَبُّرِ، والاصطِبارِ والمُصابَرةِ:

      (الفرقُ بَينَ هذه الأسماءِ بحَسبِ حالِ العَبدِ في نَفسِه وحالِه مَعَ غَيرِه:
      - فإن حَبسَ نَفسَه ومَنعَها عن إجابةِ داعي ما لا يحسُنُ، إن كان خُلُقًا له ومَلكةً سُمِّي صَبرًا.
      - وإن كان بتَكلُّفٍ وتَمَرُّنٍ وتَجَرُّعٍ لمَرارَتِه سُمِّي تَصبُّرًا.
      كما يدُلُّ عليه هذا البناءُ لُغةً؛ فإنَّه مَوضوعٌ للتَّكلُّفِ، كالتَّحَلُّمِ والتَّشَجُّعِ والتَّكرُّمِ والتَّحَمُّلِ ونَحوِها، وإذا تَكلَّفه العَبدُ واستَدعاه صارَ سَجيَّةً له.
      كما في الحَديثِ عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّه قال: ((ومَن يتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ)) . وكذلك العَبدُ يتَكلَّفُ التَّعَفُّفَ حتَّى يصيرَ التَّعَفُّفُ له سَجيَّةً، كذلك سائِرُ الأخلاقِ...
      - وأمَّا الاصطِبارُ فهو أبلغُ مِنَ التَّصَبُّرِ:
      فإنَّه افتِعالٌ للصَّبرِ بمَنزِلةِ الاكتِسابِ؛ فالتَّصَبُّرُ مَبدَأُ الاصطِبارِ، كما أنَّ التَّكسُّبَ مُقدِّمةُ الاكتِسابِ، فلا يزالُ التَّصَبُّرُ يتَكرَّرُ حتَّى يصيرَ اصطِبارًا.   - وأمَّا المُصابَرةُ فهي مُقاوَمةُ الخَصمِ في مَيدانِ الصَّبرِ:
      فإنَّها مُفاعَلةٌ تَستَدعي وُقوعَها بَينَ اثنَينِ، كالمُشاتَمةِ والمُضارَبةِ؛ قال اللهُ تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] ، فأمرهم بالصَّبرِ: وهو حالُ الصَّابرِ في نَفسِه، والمُصابرةِ: وهي حالةٌ في الصَّبرِ مَعَ خَصمِه، والمُرابَطةِ: وهي الثَّباتُ واللُّزومُ والإقامةُ على الصَّبرِ والمُصابَرةِ؛ فقد يصبرُ العَبدُ ولا يُصابرُ، وقد يُصابرُ ولا يُرابطُ، وقد يصبرُ ويُصابرُ ويُرابطُ مِن غَيرِ تَعَبُّدٍ بالتَّقوى، فأخبَرَ سُبحانَه أنَّ مِلاكَ ذلك كُلِّه التَّقوى، وأنَّ الفلاحَ مَوقوفٌ عليها، فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران: 200] ، فالمُرابطةُ كما أنَّها لُزومُ الثَّغرِ الذي يُخافُ هجومُ العَدوِّ مِنه في الظَّاهرِ، فهي لُزومُ ثَغرِ القَلبِ؛ لئَلَّا يدخُلَ مِنه الهَوى والشَّيطانُ فيُزيلَه عن مَملكتِه) .     الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والاحتِمالِ:   (أنَّ الاحتِمالَ للشَّيءِ يُفيدُ كَظمَ الغَيظِ فيه، والصَّبرُ على الشِّدَّةِ يُفيدُ حَبسَ النَّفسِ عنِ المُقابَلةِ عليه بالقَول والفِعل، والصَّبرُ عنِ الشَّيءِ يُفيدُ حَبسَ النَّفسِ عن فِعلِه، وصَبَرتُ على خُطوبِ الدَّهرِ، أي: حَبَستُ النَّفسَ عنِ الجَزَعِ عِندَها، ولا يُستَعمَلُ الاحتِمالُ في ذلك؛ لأنَّك لا تَغتاظُ مِنه)   الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والحِلمِ:   (الفرقُ بَينَ الصَّبرِ والحِلمِ: أنَّ الصَّبرَ ثَمَرةُ الحِلمِ وموجَبُه، فعلى قَدرِ حِلمِ العَبدِ يكونُ صَبرُه، فالحِلمُ في صِفاتِ الرَّبِّ تعالى أوسَعُ مِنَ الصَّبرِ؛ ولهذا جاءَ اسمُه الحَليمُ في القُرآنِ في غَيرِ مَوضِعٍ، ولسَعَتِه يَقرُنُه سُبحانَه باسمِ العَليمِ، كقَولِه: وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) .  
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183254
    • إجمالي المشاركات
      2539113
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×