اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58881
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180921
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8503
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53282
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29728
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32410
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38775 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • 11 ـ أقسام الحديث القدسي من حيث الثبوت (2 ـ 4)
      الحديث القدسي الصحيح
      بعد التعرف على الحديث القدسي المتواتر ، صارت هناك نظرة للحديث القدسي الآحاد الذي يحتاج إلى النظر في رجال إسناده من قوة الحفظ وضعفه، فعلى هذا التخريج للحديث القدسي انقسم إلى مقبول ومردود، وما يكون منه حجة وما لا يكون حجة، فظهر التقسيم المشهور للحديث إلى صحيح وحسن وضعيف.

      فكان من محاسن البدء أن نبدأ بذكر الصحيح منه وتعريفه لغة واصطلاحا، وأن نمثل على ما نقول فبالمثال يتضح الاستدلال

      تعريف الصحيح لغة:

      الصحيح: الصحة ضد السقم وهو البريء من كل عيب وريب

      تعريف الصحيح اصطلاحا:

      هو الحديث الذي يتصل سنده بنقل العدل التامّ الضبط عن مثله، من مبدأ الإسناد إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علّة

      العلاقة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي:

      إن كل من كان صحيحا انتفى عنه الضعف والمرض.

      وإن الضعف يطرأ على الأحاديث ونقل الأقوال كما يطرأ على الأبدان.

      أمثلة على الحديث القدسي الصحيح:

      عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )(1)

      عن ابن عباس رضي الله عنهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه قال ( لا ينبغي لعبد أن يقول إنه خير من يونس بن متى )(2)

      عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعط أجره )(3)

      عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم - أراه - ( قال الله تعالى يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ويكذبني وما ينبغي له أما شتمه فقوله إن لي ولدا وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني )(4)

      يتبع

      عن موقع شبكة السنة النبوية وعلومها

      الهوامش:

      (1) متفق عليه:أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب صفة الجنة وأنها مخلوقة (3244)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } (4779، 4780)،كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى { يريدون أن يبدلوا كلام الله } (7498)، مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2824)

      (2) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وروايته عن ربه (7539)، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى { وهل أتاك حديث موسى } (3396)، باب قول الله تعالى { وإن يونس لمن المرسلين } (3413)، مسلم: كتاب الفضائل، باب في ذكر يونس عليه السلام (2377)
      وله شواهد من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وغيرهما.

      (3) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب إثم من باع حرا (2227)، كتاب الإجارة، باب إثم من باع الأجير (2270).

      (4) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قول الله تعالى : { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } (3193)، كتاب تفسير القرآن، باب يقال لا ينوّن (أحد) أي واحد (4974)، باب قوله { الله الصمد } (4975)
       
    • سابعَ عشرَ: رَدُّ التَّثاؤبِ

      يُكرَهُ التَّثاؤُبُ في الصَّلاةِ، ويُستَحَبُّ إذا تَثاءَبَ أن يَكظِمَ ما استَطاعَ، ويَضَعَ يَدَه على فيه، سَواءٌ كان في الصَّلاةِ أم لا .

      الدَّليلُ على ذلك مِنَ السُّنَّةِ:
      1- عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا تَثاءَبَ أحَدُكُم في الصَّلاةِ فليَكظِمْ ما استَطاعَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَدخُلُ )) .
      2- عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ، ويُكرَهُ التَّثاؤُبَ، فإذا عَطَسَ فحَمِدَ اللَّهَ، فحَقٌّ على كُلِّ مُسلِمٍ سَمِعَه أن يُشَمِّتَه، وأمَّا التَّثاؤُبُ فإنَّما هو مِنَ الشَّيطانِ، فليَرُدَّه ما استَطاعَ، فإذا قال: ها، ضَحِكَ مِنه الشَّيطانُ )) .
      3- عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا تَثاءَبَ أحَدُكُم فليُمسِكْ بيَدِه على فيه؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَدخُلُ )) .



      ثامنَ عشرَ: عدَمُ قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ

      مِن الأدبِ في الصَّلاةِ: عدمُ قِراءةِ القرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ.
      الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ والإجماعِ:

      أ- مِنَ السُّنَّةِ
      1- عن عليِّ بن أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((نَهاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن قِراءةِ القُرآنِ وأنا راكعٌ أو ساجدٌ )) .
      2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ألَا وإنِّي نُهيتُ أنْ أقرأَ القُرآنَ راكعًا أو ساجدًا؛ فأمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ عزَّ وجلَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهِدوا في الدُّعاءِ؛ فَقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم )) .

      ب- مِنَ الإجماعِ
      نُقِل الإجماعُ على ذلك .

      فائدةٌ:
      قال ابنُ تيميَّةَ في نَهيِه صلَّى الله عليه وسلَّم عن قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ: (إنَّ القُرآنَ هو أشرَفُ الكلامِ، وهو كلامُ الله، وحالَتَا الرُّكوعِ والسُّجودِ حالَتَا ذُلٍّ وانخفاضٍ مِن العبدِ، فمِنَ الأدبِ مع كلامِ الله ألَّا يُقرَأَ في هاتَينِ الحالَتينِ، ويكون حالَ القيامِ والانتصابِ أَوْلى به) .


      ثامنَ عشرَ: عدَمُ قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ

      مِن الأدبِ في الصَّلاةِ: عدمُ قِراءةِ القرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ.
      الدَّليلُ على ذلك مِن السُّنَّةِ والإجماعِ:

      أ- مِنَ السُّنَّةِ
      1- عن عليِّ بن أبي طالبٍ رَضِيَ الله عنه، قال: ((نَهاني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن قِراءةِ القُرآنِ وأنا راكعٌ أو ساجدٌ )) .
      2- عن عَبدِ اللهِ بنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ألَا وإنِّي نُهيتُ أنْ أقرأَ القُرآنَ راكعًا أو ساجدًا؛ فأمَّا الرُّكوعُ فعَظِّموا فيه الرَّبَّ عزَّ وجلَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتَهِدوا في الدُّعاءِ؛ فَقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم )) .

      ب- مِنَ الإجماعِ
      نُقِل الإجماعُ على ذلك .

      فائدةٌ:
      قال ابنُ تيميَّةَ في نَهيِه صلَّى الله عليه وسلَّم عن قِراءةِ القُرآنِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ: (إنَّ القُرآنَ هو أشرَفُ الكلامِ، وهو كلامُ الله، وحالَتَا الرُّكوعِ والسُّجودِ حالَتَا ذُلٍّ وانخفاضٍ مِن العبدِ، فمِنَ الأدبِ مع كلامِ الله ألَّا يُقرَأَ في هاتَينِ الحالَتينِ، ويكون حالَ القيامِ والانتصابِ أَوْلى به) .
    • الكبائر (5) القتل

                  
      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛


      المقدمة:
      - الكبائر هي الذنوب المهلكة التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ *مُدْخَلًا *كَرِيمًا) (النساء: 31).
      - قتل النفس التي حَرَّم الله من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ) (رواه البخاري).
      - الحياة حق لكلِّ إنسان، ولا يحل الاعتداء على هذا الحق إلا بمقتضى الشرع(1): قال الله -تعالى-: (*وَلَا *تَقْتُلُوا *النَّفْسَ *الَّتِي *حَرَّمَ *اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (الأنعام: 151)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَأْتِي الْمَقْتُولُ مُتَعلٍّقًا رَأْسُهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، مُتَلَبِّبًا قَاتِلَه بِيَدِهِ الأُخْرَى، تَشْجُبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ الْعَرْشَ، فَيَقُولُ الْمَقْتُولُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: هَذَا قَتَلَنِي، فَيَقُولُ اللهُ لِلْقَاتِلِ: تَعِسْتَ، وَيُذْهَبُ بِهِ إلى النَّارِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).


      (1) تعظيم الشرع لحرمة الدماء:
      - كل الشرائع عظَّمت من حرمة الدماء، فبعد ذكر قصة قتل أحد ابني آدم لأخيه، قال -تعالى-: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُون) (المائدة: 32).
      - ولعظم حرمة الدماء، كانت هي أول ما يقضى فيه بين الناس: قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، في الدِّمَاءِ) (متفق عليه).
      - ولأجل ذلك جعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعظِّم ذلك في نفوس المسلمين: قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (رواه البخاري)، وقال: (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) (متفق عليه).


      (2) أنواع الدماء التي حرَّم الله (الدماء المعصومة):
      أولًا: دماء المسلمين:
      - دماء المسلمين أعظم الدماء ولو استهان بها الكفار والفجار في كل زمان: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَزَوَالُ *الدُّنْيَا *أَهْوَنُ *عَلَى *اللَّهِ *مِنْ *قَتْلِ *مُؤْمِنٍ *بِغَيْرِ *حَقٍّ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وعن نافع قال: "وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إلى البَيْتِ أَوْ إلى الكَعْبَةِ، فَقَالَ: "مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ" (رواه الترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح").
      - لذا توعَّد الله مَن يقتل مسلمًا بأشد العذاب: قال الله -تعالى-: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: 93)(2).


      ثانيًا: دماء المعاهدين:
      - وهي تشمل غير المسلمين من أصحاب العهد المطلق -الجائز- غير محدد المدة، والعهد المؤبَّد -الذي هو الذمة-، وعهد الأمان، أو الهدنة: قال الله -تعالى-: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34).
      - الوعيد الشديد لمَن قتل المعاهدين؛ لوجوب الوفاء بالعهد، ولما يسببه ذلك من فتنة وفوضى، وتشويه لصورة المسلمين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا) (رواه البخاري). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه؛ فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟!" (الجواب الكافي).


      (3) الأسباب المؤدية إلى الاستهانة بحرمة الدماء(3):
      أولًا: الجهل:
      - الجهل يهوِّن في نفوس الناس حرمة الدماء، ولذلك هو قرين جرائم القتل في كلِّ زمان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ) (متفق عليه). (وَالهَرْجُ😞 القتل.
      ثانيًا: الغلو:
      - أصحاب الغلو والكبر مِن العامة يقابلون الإساءة إليهم بالقتل ونحوه: قال الله -تعالى-: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: 194).
      - أصحاب الغلو مِن المتدينين الجهلة يستهينون بالدماء بزعم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال أولهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قسمة يقسمها: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ!" (متفق عليه)، ولما كان يوم صفين قال أصحابُه وعقبُه تكفيرًا للصحابة: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ)(4) (الأنعام: 57).
      ثالثًا: انتشار العنف والجريمة في وسائل الإعلام:
      - تصوير القتل والتخريب والجريمة على أن ذلك بطولة أو حرية: قال الله -تعالى-: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا) (النساء: 27). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا *يُشِيرُ *أَحَدُكُمْ *عَلَى *أَخِيهِ *بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ) (متفق عليه).
      رابعًا: شيوع الظلم والفساد المادي والأخلاقي:
      - فلا بد أن يتولَّد من ذلك الجرائم التي تؤدي إلى القتل بين الناس: (السرقة - الزنا - الغصب - ... )، (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: 110).
      خامسًا: عدم العقوبة الرادعة:
      - كثير من القَتَلَة يفلتون من العقوبة بالثغرات القانونية؛ فضلًا عن كون كثيرٍ من القوانين مخالفة لأحكام الشريعة(5): قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50)، وقال: (? *وَلَكُمْ *فِي *الْقِصَاصِ *حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 179)، وقال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة: 45)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعَمْدُ قَوَدٌ) (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وصححه الألباني).


      * خاتمة: عود على بدء:
      - التذكير بأن قتل النفس التي حَرَّم الله من أكبر الكبائر، وأعظم الجرائم: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الكَبَائِرُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَاليَمِينُ الغَمُوسُ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (رواه البخاري).
      - التذكير بفضل اجتناب الكبائر: قال -تعالى-: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ *مُدْخَلًا *كَرِيمًا) (النساء: 31).
      فاللهم احقن دماء المسلمين في كلِّ مكان، واحفظ أعراضهم، وآمن روعاتهم.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1) لا يمر يوم من أيام الله، إلا والآلاف من البشر يُقتَلون هنا وهناك، وبأيدي بعضهم البعض ما بين حروب وصراعات!
      (2) ذهب ابن عباس -رضي الله عنهما- إلى أن القاتل قتل العمد للمؤمن لا توبة له، قال: "لا تَوبَةَ لقاتلِ المُؤْمِن عمْدًا" (رواه البخاري)، وإن كان الصحيح خلافه كما هو مذهب الجمهور. وقد قال ابن عباس بذلك؛ للآية، ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: (كلُّ ذنبٍ عسَى اللهُ أنْ يَغفِرَهُ، إلَّا مَن مات مُشْرِكًا، أوْ مُؤْمِنٌ قَتَل مؤمِنًا مُتعمِّدًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
      (3) الإشارة إلى أن هذه أبرز الأسباب؛ وإلا فهي أكثر مِن ذلك، ثم الإشارة إلى أن التناول سيكون بإجمال؛ وإلا فالأمر يحتاج إلى حديث منفرد، والله المستعان.
      (4) وصدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما قال فيهم: (يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ!) (متفق عليه)؛ وإلا فانظر كم قتل غلاة التكفير "الرافضة والخوارج" إلى يومنا هذا من المسلمين، وكم قتلوا من الكفار المشركين؟! بل انظر إلى اتفاقهم على قتل المسلمين من أهل السنة في العراق، وسوريا، وغيرهما.
      (5) كثير من هؤلاء يزدادون جُرْمًا وفسادًا بعد عقوبة السجن مع القتلة والمجرمين.
        صوت السلف
    • وقفات مع آيات (18) (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
      فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ) (يس: 12).


      موضوع الآية:
      - التحريض على الأعمال الصالحة التي تترك آثارًا بعد الموت والرحيل عن الدنيا.


      قصة نزول الآية:
      قال ابن كثير -رحمه الله-: "ورد في ذلك أحاديث:
      - الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد"، قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: "يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم" (أخرجه أحمد ومسلم).
      - الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن آثاركم تكتب"، فلم ينتقلوا. (أخرجه ابن أبى حاتم والترمذي، وقال الترمذي: حسن غريب)، وروى الحافظ البزار عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بُعد منازلهم من المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فأقاموا في مكانهم.
      - الحديث الثالث: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فثبتوا في منازلهم" (أخرجه الطبراني)".


      التفسير العام للآية:
      إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة، ونكتب ما عملوا من الخير والشر في حياتهم، وآثارهم التي كانوا سببًا فيها في حياتهم وبعد مماتهم مِن خير، ومِن شر، وكلَّ شيء أحصيناه في كتابٍ واضحٍ هو أمُّ الكتب، وإليه مرجعها، وهو اللوح المحفوظ؛ فعلى العاقل محاسبة نفسه، ليكون قدوة في الخير في حياته وبعد مماته (انتهى بتصرف من المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات).


      تمهيد مهم بين يدي الوقفات:
      قال المفسرون -رحمهم الله- في قوله -تعالى-: (وَآثَارَهُمْ)، قولان:
      أحدهما: أن المراد بذلك آثار خُطَاهم إلى الطاعة أو المعصية.
      والقول الثاني: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها مِن بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. (تفسير ابن كثير).
      قلتُ: وقصة النزول تشهد للقول الأول، وصدر الآية يشهد على الشمول للقولين، والله أعلم.


      وقفات حول الآية:
      (1) حول القول الأول:
      - خطى الإنسان وسعيه في الدنيا بالخير والشر مكتوبة عليه عند الله: قال الله -تعالى-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني سلمة: "دياركم ... تكتب آثاركم"، وقال قتادة: "لو كان الله تعالى مغفلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار" (تفسير ابن كثير).
      - لذلك فالصالحون يتنافسون في تكثير الخطى في سبيل الله: فعن جابر رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "ما اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ في سَبيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ"، قَالَ فَتَوَاثَبَ النَّاسُ عَنْ دَوَابِّهِمْ فَمَا رُؤِيَ أَكثر مَاشِيا من ذَلِك الْيَوْم" (رواه ابن حبان). وعن يزيد بن أبي مريم قال: "لحقني عباية بن رفاعة بن رافع، وأنا ماشٍ إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن اغبرت قدماه في سبيل الله، فهما حرام على النار" (رواه البخاري).
      - بل يتكلفون ذلك احتسابًا للأجر: " لما خرج جيش أسامة -رضي الله عنه- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، خرج أبو بكر رضي الله عنه- حتى أتى الجيش، فأشخصهم وشيعهم، وهو ماشٍ على قدميه، وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- يقود دابة أبو بكر -رضي الله عنه-، فقال له أسامة -رضي الله عنه-: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال: والله لا تنزل ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مئة حسنة، تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وترفع عنه سبع مئة خطيئة. (مختصر طريق دمشق لابن منظور، تاريخ الطبري لابن جرير الطبري).
      وروى ابن جرير عن ثابت، قال: "مشيت مع أنس -رضي الله عنه- فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رُويدًا، فلما قضينا الصلاة، قال أنس: مشيتُ مع زيد بن ثابت، فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شعرت أن الآثار تكتب؟".
      - أما أهل الفساد والغفلة... فهم يتنافسون في تكثير الخطى في الباطل، أو الصد عن سبيل الله(1): قال الله -تعالى- عن مشركي مكة يوم بدر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط) (الأنفال: 47).
      - فيا أخي ... كن من الصالحين ولا تكن من الغافلين والفاسدين، واجعل آثارك وخطاك في سبيل الله: (فكم من أناس جيشوا الجيوش، وكانت الخطى والآثار للحرب على الإسلام، أو لصالح أعداء الإسلام، وكم من أناس من المنصرين كثروا الخطى في إفريقيا وغيرها، وكم من أناس كثروا الخطى في الأسفار إلى بلاد المعاصي، وأماكن المعاصي؛ فكل ذلك وآثاره بعد موتهم يكتب عليهم: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).


      (2) حول القول الثاني:
      - هذا القول أعم وأشمل: قال سعيد بن جبير: (وَآثَارَهُمْ)، يعنى: "ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم"، وقال مجاهد: (وَآثَارَهُمْ)، "ما أورثوا من الضلالة" (تفسير ابن كثير).
      - ينبغي على كل عاقل أن يحرص على الأعمال التي يبقى للعبد أجرها بعد وفاته ورحيله من هذه الدنيا الفانية، قال -تعالى-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ، ومالُهُ، وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ) (متفق عليه).
      - وإذا كان هناك أعمال صالحة تبقى حسناتها جارية بعد الرحيل، فكذلك هناك أعمال سيئة تبقى سيئاتها جارية بعد الرحيل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شيءٌ) (رواه مسلم).
      - ويظهر أثر العمل الصالح من الفاسد بعد الرحيل عند أول منازل الآخرة: ففي حديث البراء الطويل: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح"، وعلى الجهة الأخرى: "ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).


      الخلاصة: (اترك أثرًا صالحًا قبل الرحيل):
      - سل نفسك: ما آثارك لو جاءك الموت الآن؟ وكم غرسًا للخير غرست؟ وكم ضالًّا عن الحق هديت؟ وكم سبيل من سبل الخير سبلت؟! واجتهد أن تكون من الذين خلدوا من بعدهم آثارًا صالحة من المكارم والصالحات.
      قال الشاعر: قـد ماتَ قـومٌ وما ماتَـت ْمـكارِمُهم وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ - اترك أثرًا صالحًا بعد رحيلك، وسل نفسك دائمًا: أين أنا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين فتحوا البلاد، ونشروا الإسلام والدِّين والسنة؟ وأين أنا من الأئمة الذين ملأوا الأرض علمًا ودعوة وتصانيفَ وعلومًا، الذين ما زالت الدنيا تترضى وتترحم عليهم؟ (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان) (الحشر: 10)، (كم من الحسنات والرحمات والدعوات تعود للبخاري، وللشافعي، ولأحمد وغيرهم من الأئمة؟ وقد رحلوا عن الدنيا منذ مئات السنين، ولا تزال تصلهم الحسنات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).
      - اترك أثرًا صالحًا بعد رحيلك ولو كان يسيرًا، فالأجور يعطيها مَن كان كريمًا شكورًا: "يحكي أحد الدعاة: أنهم في التسعينيات افتتحوا مسجدًا صغيرًا، ولما كان يوم الجمعة كان المسجد لا يكفي الناس، وكان بجوار المسجد ورشة لتنجيد المفروشات، هي لأحد أهل المسجد، فكلَّم هذا الداعي صاحب الورشة -رحمه الله- أن يسمح لهم يوم الجمعة بجزءٍ من الورشة لاستقبال بعض المصلين ساعة الجمعة فقط، فما كان من هذا الرجل -رحمه الله- إلا أن قال: كيف تستأذنني؟ والله من اليوم هذا الجزء يدخل إلى المسجد، ثم أمر العاملين عنده بنقل أدوات العمل فورًا، وتم تجهيز المكان، ودخل في المسجد، وهو إلى يومنا هذا ينتفع به المصلون، وحفظة القرآن، حيث خصص بعد توسعة المسجد ليكون مقرأة لتحفيظ القرآن للأطفال! ولقد مات الرجل المتصدق هذا منذ سنواتٍ كثيرةٍ، ولا يزال أثره يجري عليه -بإذن الله- بالأجر والثواب" (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
      - ويحكي أحد الدعاة في قصة التزامه السنة والدعوة، وسبب ذلك، وهو: أن رجلًا من قرابته من عامة الناس، كان يرتاد مسجدًا كل جمعة لأحد الوعاظ المشاهير في الثمانينيات، فدعاه إلى الصلاة معه في هذا المسجد، وسماع الشيخ، فذهب معه، ومن يومها أطلق لحيته وصار يحفظ القرآن، ثم انتقل إلى مدارس المنهج السلفي، حتى صار أحد دعاة المنهج السلفي على مدى ثلاثين عامًا تقريبًا! وقد مات الرجل الذي دعاه منذ سنوات، ولا تزال الحسنات تصل إليه بأثر هداية هذا الداعية! (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
      - احذر ... أن تترك أثرًا فاسدًا ولو كان يسيرًا، فالآثار السيئة واللعنات هي التي ستلاحقك بعد الرحيل(1): (وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها)، وقال -تعالى- عن أمثالهم: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِين) (القصص:42)، وقال -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب) (المسد:1)، وقال -تعالى-: _وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود:60).


      (3) أعمال تبقى آثارها الصالحة بعد الرحيل:
      - الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).
      - نشر العلم النافع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه ... ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، (إن لم تكن عالمًا؛ فأعن طلبة العلم النبهاء تشاركهم في الآثار الصالحة).
      - الصدقة الجارية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ... ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربعةٌ تجري عليهِم أُجورُهم بعدَ الموتِ: ... ورجلٌ أجرَى صدقةً فأجرُها لهُ ما جَرتْ ... ) (رواه أحمد، والطبراني).
      - الولد الصالح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربعةٌ تجري عليهِم أُجورُهم بعدَ الموتِ: ... ورجلٌ ترك ولدًا صالحًا يدعو له) (رواه أحمد والطبراني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ -عزَّ وجلَّ- ليرفَعُ الدَّرجةَ للعبدِ الصَّالحِ في الجنَّةِ فيقولُ: يا ربِّ، أنَّى لي هذِهِ؟! فيقولُ: باستِغفارِ ولدِكَ لَكَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).
      - الموت في حراسة ثغور الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتّانَ) (رواه مسلم).


      خاتمة:
      - الدنيا قصيرة الأجل، فاحرص على اغتنام عمرك في الآثار الصالحة، لتكون لك بعد موتك: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِين) (يس:12).
      اللهم أحسن خاتمتنا، وأصلح آثارنا من بعدنا.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
      (1) أمثلة على الآثار الفاسدة: (مَن أسسوا النظم والمبادئ الفاسدة: كالعلمانية، والليبرالية، ونحوها، وكالذين عبثوا بهوية الأمة الإسلامية فأدخلوا عليها التغريب والقوانين الوضعية وغيرها، وكأصحاب المعاصي الجارية: كالأفلام، والمسلسلات، والأغاني، ونحوها... )، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).


      صوت السلف    
    • وقفات مع آيات (17) (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)

      كتبه/ سعيد محمود
      الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
      فقد قال الله -تعالى-: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: 7-8).


      موضوع الآية:
      - بيان شديد عداوة المنافقين للمسلمين وتعاليم الإسلام، وذكر شيء من صفاتهم.


      قصة نزول الآيات:
      - قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد ذكر غير واحد مِن السَّلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول، كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى ... قال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحدَّثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يلوي رأسه، أي: لستُ فاعلًا ... وقال ابن إسحاق في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقيم هناك اقتتل على الماء، جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلُنا وجلابيبَ قريش هذه إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على مَن عنده مِن قومه، وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم في بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد ابن أرقم -رضي الله عنه- فذهب بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو غليم-، وعنده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فأخبره الخبر، فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه؟، لا، ولكن نادِ يا عمر: الرحيل.
      فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم، ولم يُثْبِت ما قال الرجل، وراح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير -رضي الله عنه-، فسلَّم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعزُ منها الأذلَ، قال: فأنت يا رسول الله، العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لننظِمُ له الخرزَ لِنُتَوِّجَه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا، فسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين ... وروى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك(1)، فقال عبد الله بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي، وقالوا: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: فانطلقتُ فنمتُ كئيبًا حزينًا، قال فأرسل إليَّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله قد أنزل عذرك وصدقك، قال: فنزلت هذه الآية: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) (المنافقون:7-8)" (انتهى من تفسير ابن كثير).


      فوائد حول الآيات:
      (1) المقصود بالنفاق وبيان أنواعه:
      - قال ابن القيم -رحمه الله-: "أما النفاق: فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرًا ما يخفى على مَن تلبس به، فيزعم أنه مصلح، وهو مفسد، وهو نوعان: أكبر وأصغر) (مدارج السالكين).
      - فأما الأول منهما -وهو أخطر النوعين-: فهو نفاق الاعتقاد، الذي يخلِّد صاحبه في النار، بل يجعله في الدركات السفلى من النار، وذلك بأن يُظهر صاحبُه الإيمانَ وهو في الحقيقة على الكفر الباطن، وقد يقر بوجود الله ويؤمن به، ولكنه لا يرى متابعة الرسول -عليه السلام- وتصديقه فيما أخبر به.
      - وعلى هذا النوع كان عبد الله بن أبي بن سلول وطغمته من المنافقين: قال الله -تعالى- فيهم: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (المنافقون: 2).
      - وهم مع ذلك معصومو الدم والمال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) (متفق عليه)، وقال منكرًا على أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: (أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ... ) (متفق عليه).
      - إلا إنهم كفار في الأخرة، متوعدون بأشد العذاب: قال الله -تعالى-:(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140)، وقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء:145).
      - ولا تجوز الصلاة عليهم لمَن تحقق عنده كفرهم، وقد قال -سبحانه- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم- ألا يصلي على أحدٍ مات منهم أبدًا، لما اطلعه على أسمائهم، وكفرهم: (‌وَلَا ‌تُصَلِّ ‌عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة:84).
      - وأما النوع الثاني من النفاق: فهو الذي لا يُخرِج الإنسانَ من الدِّين، ولكنه من أكبر الذنوب والمعاصي، وهو النفاق العملي.
      - ومن أمثلته: الرياء، والكذب والغدر، وعدم الوفاء بالوعد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- -: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه).
      - فاحذروا النفاق والمنافقين وخداعهم، واحذروا التخلق بأخلاقهم فإنه خطر عظيم وجر إلى الكفر والخسران والبوار.


      (2) شدة عداوة المنافقين للإسلام والمسلمين:
      - للمسلمين أعداء كثر، ولكن المنافقين أشدهم وأخطرهم: قال -تعالى-: (‌هُمُ ‌الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4).
      - سبب اختصاصهم بأشد العداوة للمسلمين من وجوه:
      1- حرب الكفار علينا أيام، وحرب المنافقين على الدوام؛ لأنهم يعيشون بيننا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم: (هُمْ مِن جِلْدَتِنَا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا) (متفق عليه).
      2- حرب الكفار علينا معلنَة، فيتحفز المسلم ويأخذ حذره، وحرب المنافقين في الغالب مستترة، وهي أشر.
      3- الكفار لا يطلعون على عوراتنا ونقاط ضعفنا، بخلاف المنافقين.
      4- وأعظم ذلك كثرة حديث القرآن عنهم؛ تحذيرًا من شرهم، وعظيم خطرهم:
      - سورة التوبة (129) آية، منها: 100 آية تتحدث عن صفات المنافقين؛ ولذا سُمِّيت الفاضحة، وافتتحت سورة البقرة في صدر المصحف بالكلام عن أصناف العالم الثلاثة في نحو عشرين آية، فكان نصيب المؤمنين أربع آيات، والكافرين آيتين، والمنافقين ثلاثة عشر آية! 43 آية من الآيات الطوال في القرآن تتحدث عن المنافقين! 17 سورة مدنية من 30 تتحدث عن المنافقين! (مدارك السالكين لابن القيم).


      وقفة مهمة:
      - كل ذلك وهم يومئذٍ ثلاثة في الألف في مجتمع المسلمين، قال كعب بن مالك في قصة تخلفه في غزوة تبوك: "وكانوا بضع وثمانين رجلًا"؛ فكيف وقد صاروا كثرة في مجتمعات المسلمين بعد ذلك؟! سمع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- رجلًا يقول: "اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقكم مِن قلة السالك" (مدارج السالكين لابن القيم)، وقال -رضي الله عنه: "الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ ذَاكَ؟! قَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُسِرُّونَ نِفَاقَهُمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعْلِنُونَ"، وقال مالك -رحمه الله-: "النفاق في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الزندقة في زماننا" (مدارج السالكين لابن القيم).


      (3) من أبرز صفات المنافقين:
      أ‌- قلوبهم ممتلئة بالشبهات والشكوك التي أهلكتهم: قال -تعالى-: (‌فِي ‌قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)، (أمثلة عصرية: الهجوم على ثوابت الدين: كالحدود، والمواريث، وفتنة القبر، ونحو ذلك)(2).
      ب‌- يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف: قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُون بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67)، (أمثلة عصرية: منع الحجاب أو النقاب مع إباحة العري! - دعاء الركوب في الطائرة عندهم عنصرية، والموسيقى تحضر وحرية! - سماع القرآن أثناء العمل عندهم منكر! وسماع الموسيقى عندهم معروف! - المناداة بمنع مادة الدِّين مِن الدراسة!).
      ت‌- يبغضون التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ‌تَعَالَوْا ‌إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)(النساء:61) (أمثلة عصرية: قول بعضهم الشريعة رجعية - لا تدخِلوا الدِّين في حياتنا).


      (4) وضوح قضية الولاء والبراء عند الصحابة -رضي الله عنهم-:
      - قال ابن كثير -رحمه الله- بعد الآية: "وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. وذكر عكرمة: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: ما لك؟! ويلك! فقال: والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -وكان إنما يسير ساقة- فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أما إذا أَذِن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجز الآن. وقال الحميدي في مسنده: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأعز وأنا الأذل" (انتهى من تفسير ابن كثير).
      - علِّموا واعتقدوا مِن غير شك، حرمة موالاة الكافرين ونصرتهم، ولو كانوا من أقرب الناس إليهم نسبًا: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ‌عَدُوِّي ‌وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (الممتحنة:1).
      نسأل الله -تعالى- أن يخلِّص البلاد والعباد من شرور المنافقين.
      ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
      (1) قال الحافظ في الفتح: "والذي عليه أهل المغازي، أنها غزوة بني المصطلق، ويؤيده حديث جابر".
      قلتُ: "ومما يؤيد ذلك أيضًا: أن المنافقين لم يخرجوا في تبوك، وقعدوا ونزلت فيهم سورة التوبة، تفضحهم بالقعود".
      (2) فيتهمون كلَّ مَن يتمسك بالدِّين بالرجعية والتخلف، والجمود العقلي!

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183015
    • إجمالي المشاركات
      2538133
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6925

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×