اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      59091
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      181065
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8601
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53412
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21031
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29730
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32456
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (39108 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 446 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    1 عضوة تواجدت خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • الفَوائِدُ التَّربَويَّةُ:

      1- في قَولِه تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ أنَّ الإنسانَ قد يَشرُفُ بشَرَفِ مَن اتَّصَلَ به؛ تُؤخَذُ مِن شَرَفِ أُمَّهاتِ المؤمنينَ باتِّصالهنَّ بالرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ولهذا حَثَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الجَليسِ الصَّالحِ، وقال: ((مَثَلُ جليسِ الصَّالحِ والسُّوءِ، كحامِلِ المِسْكِ ونافِخِ الكِيرِ
      ؛ فحامِلُ المِسكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَك ، وإمَّا أن تَبْتاعَ منه، وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيِّبةً )) ، وحَذَّرَ مِن جليسِ السُّوءِ؛ لأنَّ الإنسانَ بلا شَكٍّ يَشرُفُ بشَرَفِ مَن يَتَّصلُّ به، ويَنزِلُ بنُزولِ مَن يَتَّصلُ به .
      2- قَولُ الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ دَلَّ قَولُه تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ مع أمْرِه بحِفظِ الفَرْجِ، وثَنائِه على الحافِظينَ لِفُروجِهم والحافِظاتِ، ونَهْيِه عن قِربانِ الزِّنا: أنَّه ينبغي للعَبدِ إذا رأى مِن نَفْسِه هذه الحالةَ، وأنَّه يَهَشُّ لفِعلِ المحَرَّمِ عندَما يَرى أو يَسمَعُ كَلامَ مَن يهواه، ويجِدُ دَواعيَ طَمَعِه قد انصرَفَت إلى الحرامِ: فلْيَعرِفْ أنَّ ذلك مرَضٌ؛ فلْيَجتهِدْ في إضعافِ هذا المرَضِ، وحَسمِ الخواطِرِ الرَّدِيَّةِ، ومُجاهَدةِ نفْسِه على سَلامتِها مِن هذا المرضِ الخطيرِ، وسُؤالِ اللهِ العِصمةَ والتَّوفيقَ؛ وأنَّ ذلك مِن حِفظِ الفَرْجِ المأمورِ به .
      3- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ تحريمُ خُضوعِ المرأةِ في مُخاطَبةِ الرِّجالِ؛ فإذا كان هذا في النِّساءِ الطَّاهِراتِ المُبَرَّءاتِ، فغَيرُهنَّ مِن بابِ أَولى، وإذا كانتِ العِلَّةُ خَوفَ طَمَعِ مَن في قَلبِه مرضٌ، فهذه العلَّةُ لا تَختَصُّ بزَوجاتِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم .
      4- في قَولِه تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أنَّ فِتنةَ النِّساءِ مرضٌ في القلبِ يَحتاجُ الإنسانُ فيه إلى مُعالجةٍ وإلى مداواةٍ، وهذا المرضُ مَرضٌ فَتَّاكٌ -نسألُ اللهَ تعالى السَّلامةَ منه-، مرَضٌ في القلبِ كمَرَضِ السَّرطانِ في البدنِ، إذا لم يَتدارَكِ اللهُ العبدَ بعَفوِه وتَوفيقِه وتَسديدِه، فإنَّه يَهلِكُ؛ ولهذا قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما تَرَكْتُ بعدي فِتنةً أضَرَّ على الرِّجالِ منِ النِّساءِ )) ؛ فالواجِبُ الحذَرُ مِن هذا الأمرِ؛ وألَّا يُمليَ الإنسانُ لنفْسِه ويُمهِلَها في هذا البابِ .
      5- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ دَليلٌ على أنَّ على المرأةِ الاحترازَ مِن كلِّ ما دعا إلى شَهوتِها، والفتنةِ بها ، فإنَّ مَن في قَلبِه مَرَضُ الشَّهوةِ وإرادةُ الصُّورةِ متى خضَع المطلوبُ طَمِعَ المريضُ، والطَّمعُ هو الَّذي يقوِّي الإرادةَ والطَّلَبَ، ويقوِّي المرَضَ بذلك، بخِلافِ ما إذا كان آيسًا مِن المطلوبِ؛ فإنَّ اليأسَ يُزيلُ الطَّمَعَ، فتَضعُفُ الإرادةُ، فيَضعُفُ الحُبُّ، فإنَّ الإنسانَ لا يريدُ أن يَطلُبَ ما هو آيسٌ منه، فلا يكونُ مع الإرادةِ عَمَلٌ أصلًا، بل يكونُ حَديثُ نَفْسٍ، إلَّا أن يقتَرِنَ بذلك كلامٌ أو نظَرٌ ونحوُ ذلك، فيأثَمُ بذلك .
      6- الإشارةُ إلى أنَّ إقامةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزكاةِ مِن الموانعِ عن المُحَرَّماتِ؛ لأنَّه سُبحانَه وتعالى قال: وَلَا تَبَرَّجْنَ، ثمَّ قال: وَأَقِمْنَ؛ فدلَّ هذا على أنَّ مِن أسبابِ عدَمِ التَّبرُّجِ: إقامةَ الصَّلاةِ .
      7- أنَّ مَن أعطاه اللهُ تعالى عِلمًا كان طلَبُ الاستقامةِ منه أوكَدَ وأوثقَ؛ فإذا آتَى اللهُ تعالى الإنسانَ عِلمًا فإنَّه يُطلَبُ منه مِن الاستقامةِ أكثَرَ ممَّا يُطلَبُ ممَّن لم يُؤتَ عِلْمًا؛ لأنَّه قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فليس عليكُنَّ نَقصٌ في العِلمِ، بل إنَّ العِلمَ يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ

      .
      الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائِفُ:

      1- في قَولِه تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ دَليلٌ على أنَّ مَن عَظُمَت مَنزلتُه ودَرجتُه عندَ اللهِ، فإنَّ عمَلَه يُضاعَفُ له أجرُه
      .
      2- قَولُ الله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ظاهِرُه تَفضيلٌ لجُملتِهنَّ على نساءِ هذه الأمَّةِ . وقيل: أفضلُ النِّساءِ مطلقًا. وقيل: ظاهرُ الآيةِ أيضًا تفضيلُهنَّ على بناتِه، إلَّا أن يُقالَ بدُخولِهنَّ في اللَّفظِ؛ لأنهنَّ مِن نساءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم .
      3- قَولُ الله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فيه دليلٌ على أنَّ الوسائِلَ لها أحكامُ المقاصِدِ؛ فإنَّ الخُضوعَ بالقَولِ واللِّينَ فيه: في الأصلِ مُباحٌ، ولكنْ لَمَّا كان وسيلةً إلى المحرَّمِ مُنِعَ منه؛ ولهذا ينبغي للمرأةِ في مخاطبةِ الرِّجالِ ألَّا تُلينَ لهم القَولَ .
      4- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا أنَّ صَوتَ المرأةِ ليس بعَورةٍ، خِلافًا لِمَن قال: «إنه عورةٌ» مِن أهلِ العلمِ؛ ولهذا كان النِّساءُ يأتينَ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَسْأَلْنَه وحوْلَه أصحابُه، ولا يَنهاهُنَّ عن ذلك، ولو كان صوتُ المرأةِ عورةً لَنَهاهُنَّ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الكَلامِ مع حُضورِ الرِّجالِ .
      5- قولُه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ فيه دَلالةٌ على أنَّ الأحسَنَ بالمرأةِ ألَّا تَرفَعَ صَوتَها بحيثُ يَسمعُها الرِّجالُ .
      6- قَولُ الله تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ذُكِر بعْدَه: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ إشارةً إلى أنَّ ذلك ليس أمرًا بالإيذاءِ والمُنكَرِ، بل القَولُ المعروفُ وعندَ الحاجةِ: هو المأمورُ به لا غَيرُه .
      7- في قَولِه تعالى: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا أنَّه إذا أفتى المُفتي للسَّائلِ بشَيءٍ، فينبغي له أنْ يُنبِّهَه على وَجهِ الاحترازِ ممَّا قد يَذهَبُ إليه الوَهمُ منه مِن خِلافِ الصَّوابِ؛ فنَهاهنَّ سُبحانَه عن الخُضوعِ بالقولِ، فرُبَّما ذَهَب الوَهمُ إلى الإذنِ في الإغلاظِ في القَولِ والتَّجاوُزِ، فرَفَعَ هذا التَّوهُّمَ بقَولِه: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا .
      8- في قَولِه تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ مَشروعيَّةُ قَرارِ المرأةِ في بيتِها ، فمعنى هذه الآيةِ الأمرُ بلزومِ البيتِ، والخِطابُ وإن كان لنِساءِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فقد دخَل غيرُهنَّ فيه بالمعنى-على أحدِ القولينِ-، هذا لو لم يَرِدْ دليلٌ يخصُّ جميعَ النِّساءِ، كيف والشَّريعةُ طافحةٌ بلزومِ النساءِ بيوتَهنَّ، والانكفافِ عن الخروجِ منها إلا لحاجةٍ .
      9- قَولُ الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يقتضي وُجوبَ مُكثِ أزواجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في بُيُوتِهنَّ، وألَّا يَخرُجْنَ إلَّا لضرورةٍ، وجاء في الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((أُذِنَ لكُنَّ أن تَخرُجْنَ لحَوائِجِكنَّ )) .
      10- قال الله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ أشْكَلَ على النَّاسِ خُروجُ أمِّ المؤمِنينَ عائِشةَ -رَضِيَ الله عنها- إلى البَصرةِ في الفِتنةِ الَّتي تُدْعى وَقعةَ الجَمَلِ، فلم يُغَيِّرْ عليها ذلك كثيرٌ مِن جِلَّةِ الصَّحابةِ؛ منهم طَلْحةُ والزُّبَيرُ، وأنكر ذلك عليها بعضُهم؛ مِثلُ: عمَّارِ بنِ ياسرٍ، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ، ولكُلٍّ نظَرٌ في الاجتِهادِ، والَّذي عليه المحقِّقونَ أنَّ ذلك كان منها عن اجتهادٍ؛ فإنَّها رأت أنَّ في خروجِها إلى البَصرةِ مَصلحةً للمُسلِمينَ؛ لِتَسعَى بينَ فريقَيِ الفِتنةِ بالصُّلحِ؛ فإنَّ النَّاسَ تعَلَّقوا بها، وشَكَوا إليها ما صاروا إليه مِن عَظيمِ الفِتنةِ، ورَجَوا بَرَكَتَها أن تخرُجَ فتُصلِحَ بينَ الفَريقَينِ، وظنُّوا أنَّ النَّاسَ يَستَحيُونَ منها، فتأوَّلت لخُروجِها مَصلحةً تُفيدُ إطلاقَ القَرارِ المأمورِ به في قَولِه تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ يُكافئُ الخُروجَ للحَجِّ، وأخَذَت بقَولِه تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات: 9] ، ورأت أنَّ الأمرَ بالإصلاحِ يَشملُها وأمثالَها ممَّن يَرجُونَ سَماعَ الكَلِمةِ، فكان ذلك منها عن اجتِهادٍ، وقد أشار عليها جمْعٌ مِن الصَّحابةِ بذلك، وخرَجوا معها؛ مِثلُ طَلْحةَ والزُّبيرِ، وناهيك بهما! وهذا مِن مواقِعِ اجتِهادِ الصَّحابةِ الَّتي يجِبُ علينا حَملُها على أحسَنِ المَخارجِ، ونظُنُّ بها أحسَنَ المذاهِبِ، وكاد أن يَصلُحَ الأمرُ، ولكِنْ أفسَدَه دُعاةُ الفِتنةِ، ولم تَشعُرْ عائِشةُ إلَّا والمقاتَلةُ قد جرَتْ بيْنَ فريقَينِ مِن الصَّحابةِ يومَ الجَمَلِ، ولا ينبغي تقلُّدُ كلامِ المؤرِّخينَ على عِلَّاتِه؛ فإنَّ فيهم مِن أهلِ الأهواءِ ومَن تلقَّفوا الغَثَّ والسَّمينَ .
      11- في قَولِه تعالى: تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ذَمُّ الجهلِ؛ فإنَّ نسبةَ هذا إلى الجهلِ لا شكَّ أنَّه يُرادُ به التَّنفيرُ، وفيه أيضًا مدْحُ ما كان مبنيًّا على العلمِ؛ لأنَّ ذَمَّ الضِّدِّ يدُلُّ على مدحِ ضدِّه، كما قيل: «وبضِدِّها تَتبيَّنُ الأشياءُ» .
      12- قَولُ الله تعالى: وَآَتِينَ الزَّكَاةَ فيه بِشارةٌ بالفُتوحِ وتَوسيعِ الدُّنيا على زَوجاتِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ فإنَّ العَيشَ وقْتَ نُزولِ هذه الآيةِ كان ضَيِّقًا عن القُوتِ، فضلًا عن الزَّكاةِ .
      13- كثيرًا ما يَجمَعُ الله تعالى بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ في القرآنِ؛ وذلك لأنَّ الصَّلاةَ متضَمِّنةٌ للإخلاصِ للمعبودِ، والزَّكاةَ والنَّفقةَ متضمِّنةٌ للإحسانِ إلى عَبيدِه، فعنوانُ سعادةِ العبدِ إخلاصُه للمعبودِ، وسَعْيُه في نفْعِ الخَلْقِ، كما أنَّ عنوانَ شقاوةِ العبدِ عدمُ هذينِ الأمْرَينِ منه، فلا إخلاصَ ولا إحسانَ .
      14- في قَولِه تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ أنَّ الخُضوعَ بالقَولِ وتبرُّجَ الجاهليَّةِ: مِن الرِّجْسِ، وأنَّ القَرارَ في البُيوتِ، وإقامَ الصَّلاةِ، وإيتاءَ الزكاةِ، وطاعةَ اللهِ عزَّ وجلَّ ورَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: مِن أسبابِ زَوالِ الرِّجسِ؛ لأنَّ ما تقدَّمَ أوامِرُ ونَواهٍ، بَيَّن اللهُ تعالى أنَّه إنَّما أمَر بها ونهَى عنها؛ مِن أجْلِ أنْ يُذهِبَ عن هذا البَيتِ الرِّجْسَ .
      15- قال تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، فترَك خِطابَ المؤنَّثاتِ، وخاطَب بخِطابِ المذكَّرينَ؛ بقولِه: لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ؛ لِيَدخُلَ فيه نساءُ أهلِ بيتِه ورجالُهم ، وهو يَعُمُّ غيرَ أزواجِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ كعَليٍّ، وفاطِمةَ، وحَسَنٍ، وحُسَينٍ -رَضِيَ اللهُ عنهم؛ وذلك لأنَّه ذَكَرَه سُبحانَه بصيغةِ التَّذكيرِ لَمَّا اجتمعَ المُذكَّرُ والمؤنَّثُ ، وقد أجمَع أهلُ اللِّسانِ العربيِّ على تغليبِ الذُّكورِ على الإناثِ في الجموعِ ونحوِها .
      16- في قَولِه تعالى: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا أنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى أراد أنْ يُذهِبَ الرِّجسَ وأثَرَ الرِّجسِ أيضًا، وهذا فوقَ ذَهابِ الرِّجْسِ؛ لأنَّنا لو ضرَبْنا هذا بمثالٍ حِسِّيٍّ وقُلنا: إنَّ هذا الثَّوبَ تَلَطَّخَ بنَجاسةٍ، فحكَكْنا هذه النَّجاسةَ حتَّى زالت عَيْنُها، فهذا يُسمَّى إذهابَ الرِّجسِ، فإذا صَبَبْنا الماءَ حتَّى نَظُفَ المكانُ تمامًا وزال الأثَرُ، صار ذلك تَطهيرًا .
      17- إنَّ الله تعالى أمَرَ بطَهارةِ القَلبِ، وأمَرَ بطَهارةِ البَدَنِ، وكِلْتا الطَّهارتَينِ مِن الدِّينِ الَّذي أمَر اللهُ به وأوجَبَه؛ قال تعالى: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ [المائدة: 6] ، وقال: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ [التوبة: 108] ، وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] ، وقال: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] ، وقال: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [المائدة: 41] ، وقال: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28] ، وقال: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] ، فنَجِدُ كثيرًا مِن المتفَقِّهةِ والمتعَبِّدةِ إنَّما همَّتُه طهارةُ البدَنِ فقط، ويَزيدُ فيها على المشروعِ اهتِمامًا وعمَلًا، ويترُكُ مِن طهارةِ القَلبِ ما أُمِرَ به إيجابًا أو استِحبابًا، ولا يفهَمُ مِن الطَّهارةِ إلَّا ذلك!
      ونجدُ كثيرًا مِن المتصَوِّفةِ والمتفَقِّرةِ إنَّما همَّتُه طهارةُ القَلبِ فقط، حتَّى يَزيدَ فيها على المشروعِ اهتمامًا وعملًا، ويترُك مِن طهارةِ البدَنِ ما أُمِرَ به إيجابًا أو استِحبابًا !
      18- قَولُه تعالى: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا الطَّهارةُ لها معنيانِ؛ أحدُهما: الطَّهارةُ مِن الذُّنوبِ، كقَولِه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] ، وقَولِه: إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [الأعراف: 82] ، وقَولِه: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103] .
      والمعنى الثاني: الطَّهارةُ الِحسِّيَّةُ بالماءِ والتُّرابِ، وإنَّما أمَرَ بهذه؛ لتتحَقَّقَ تلك .
      19- قولُه تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: 33] ، كقَولِه: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ [المائدة: 6] ، وكقَولِه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة: 185] ، وكقَولِه: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا [النساء: 26، 27]؛ فإنَّ إرادةَ اللهِ في هذه الآياتِ متضَمِّنةٌ لمحبَّةِ الله لذلك المرادِ ورِضاه به، وأنَّه شَرَعَه للمؤمِنينَ وأمَرَهم به، ليس في ذلك أنَّه خَلَق هذا المرادَ، ولا أنَّه قضاه وقَدَّره، ولا أنَّه يكونُ لا مَحالةَ، والدَّليلُ على ذلك أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعدَ نُزولِ هذه الآيةِ قال: ((اللَّهُمَّ هؤلاء أهلُ بَيْتي، فأذهِبْ عنهم الرِّجْسَ، وطَهِّرْهم تطهيرًا )) . فطلَبَ مِن اللهِ لهم إذهابَ الرِّجسِ، والتَّطهيرَ؛ فلو كانت الآيةُ تتضَمَّنُ إخبارَ اللهِ بأنَّه قد أذهب عنهم الرِّجسَ وطَهَّرهم، لم يحتَجْ إلى الطَّلَبِ والدُّعاءِ.
      والإرادةُ في كتابِ اللهِ نوعانِ: إرادةٌ شرعيَّةٌ دينيَّةٌ تتضَمَّنُ محبَّتَه ورِضاه، وإرادةٌ كَوْنيَّةٌ قَدَريَّةٌ تتضَمَّنُ خَلْقَه وتقديرَه؛ الأُولى مِثلُ هؤلاء الآياتِ، والثَّانيةُ مِثلُ قَولِه تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام: 125] ، فإذا كانت الإرادةُ في آيةِ التَّطهيرِ إرادةً شَرعيَّةً فهي لا تَستلزِمُ وُقوعَ المرادِ من التَّطهيرِ، وإنَّما محبَّته تعالى لأهلِ البيتِ أن يَتطَهَّروا، بخِلافِ ما لو كانت إرادةً كونيَّةً؛ فمعنى ذلك أنَّ تطهيرَهم أمرٌ كائِنٌ لا بدَّ منه، وهو متمَسَّكُ الشِّيعةِ في قَولِهم بعِصمةِ أهلِ البَيتِ .
      20- قَولُ الله تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فيه دَليلٌ بيِّنٌ على أنَّ نِساءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن أهلِ بَيتِه، فإنَّ السِّياقَ إنَّما هو في مُخاطَبتِهنَّ ، ولأنهنَّ سببُ نزولِ هذه الآيةِ، وسببُ النزولِ داخلٌ في النَّصِّ قولًا واحدًا ، فتَخصيصُ الشِّيعةِ أهلَ البَيتِ بفاطِمةَ وعليٍّ وابنَيهما رَضِيَ اللهُ عنهم: ضَعيفٌ؛ لأنَّ التخَّصيصَ بهم لا يُناسِبُ ما قبْلَ الآيةِ وما بعدَها، والحديثُ يقتضي أنَّهم مِن أهلِ البَيتِ لا أنَّه ليس غيرُهم ، وإذا كان أزواجُه مِن أهلِ بيتِه، فقَرابتُه أحَقُّ بهذه التَّسميةِ .
      21- قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فوصَف السُّنَّةَ بالحِكمةِ دونَ القرآنِ؛ لأنَّ السُّنَّةُ مِن كلامِ الرَّسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ وهو بشَرٌ، وكلامُ البشرِ قد يَرِدُ عليه احتمالُ ألَّا يكونَ مُشتمِلًا على الحكمةِ؛ فبَيَّنَ اللهُ سُبحانَه وتعالى أنَّ السُّنَّةَ حِكمةٌ -وإنْ كانت مِن كلامِ الرَّسولِ عليه الصَّلاة والسَّلام أو مِن فِعْلِه- لأنها موافقةٌ للصَّوابِ، أمَّا كلامُ الله فاحتمالُ ألَّا يَتضمَّنَ الحكمةَ بعيدٌ جدًّا .
      22- في قَولِه تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ رَدٌّ على مُنكِري السُّنَّةِ؛ ورَدٌّ أيضًا على آخَرينَ يُقابِلونَهم يَعتَنونَ بالسُّنَّةِ اعتناءً عظيمًا دونَ أدنَى معرفةٍ بالقرآنِ، وهذا خطأٌ؛ لأنَّ أوَّلَ ما يجِبُ أنْ نتعلَّمَ القرآنُ، ثمَّ بعدَ ذلك السُّنَّةُ؛ لأنَّ القرآنَ هو الأصلُ .
      23- قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، فأمَر أزواجَ رسولِه بأن يخبِرْنَ بما أنزَل الله مِن القرآنِ في بيوتِهنَّ، وما يَرَيْنَ مِن أفعالِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأقوالِه فيهنَّ، حتَّى يبلغَ ذلك إلى النَّاسِ، فيعملوا بما فيه، ويَقْتدوا به، وهذا يدُلُّ على جوازِ قَبولِ خبرِ الواحدِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ في الدِّينِ .
      24- قولُه تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ، في هذا مسألةٌ بديعةٌ؛ وهي أنَّ الله أمَر نبيَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بتبليغِ ما أُنزِلَ عليه مِن القرآنِ، وتعليمِ ما علِمه مِن الدِّينِ؛ فكان إذا قرَأه على واحدٍ، أو ما اتَّفَق، سقَط عنه الفرضُ، وعلى مَن سمِعه أن يُبلِّغَه إلى غيرِه، وليس يَلزَمُه أن يَذكُرَه لجميعِ الصَّحابةِ، ولا كان عليه إذا علِم ذلك أزواجُه أن يخرجَ إلى النَّاسِ فيقولَ لهم: نزَل كذا، وكان كذا

      .
      بلاغةُ الآياتِ:

      1- قوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا
      - قولُه: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ أُعِيدَ خِطابُ نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن جانِبِ ربِّهنَّ، وأُعِيدَ نِداؤهنَّ رضِيَ اللهُ عنهنَّ؛ للاهتِمامِ بهذا الخبَرِ اهتِمامًا يَخُصُّه. ونَفْيُ المُشابَهةِ هنا يُرادُ به نَفْيُ المُساواةِ، مُكنًّى به عن الأفضليَّةِ على غيرِهنَّ
      .
      - قَولُه: كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ قال: كَأَحَدٍ، ولم يقُلْ: (كواحِدةٍ)؛ لأنَّ (الأحدَ) عامٌّ يَصلُحُ للواحِدِ والاثنينِ والجَمعِ، والمذكَّرِ والمؤنَّثِ .
      - والتَّقييدُ بقولِه: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ليس لِقَصدِ الاحتِرازِ عن ضِدِّ ذلك، وإنَّما هو إلْهابٌ وتَحريضٌ على الازديادِ مِن التَّقْوى . وفعلُ الشَّرْطِ اتَّقَيْتُنَّ مستعملٌ في الدلالةِ على الدَّوامِ، أي: إنْ دُمْتُنَّ على التَّقوى؛ فإنَّ نساءَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُتَّقِياتٌ مِن قَبْلُ . وقيل: الشرطُ لبيانِ أنَّ فضيلتَهنَّ إنَّما تكونُ بالتَّقوَى، لا باتِّصالِهنَّ بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كي لا يعتمِدْنَ على ذلك .
      - قولُه: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا فُرِّعَ على تَفضيلِهنَّ وتَرفيعِ قَدْرِهنَّ إرشادُهنَّ إلى دَقائقَ مِن الأخلاقِ قد تقَعُ الغَفلةُ عن مُراعاتِها؛ لِخَفاءِ الشُّعورِ بآثارِها، ولأنَّها ذرائعُ خَفيَّةٌ نادرةٌ تُفْضي إلى ما لا يَلِيقُ بحُرْمتِهنَّ في نُفوسِ بعضٍ ممَّن اشتمَلَتْ عليه الأُمَّةُ، وفيها مُنافِقُوها. وابتُدِئَ مِن ذلك بالتَّحذيرِ مِن هَيئةِ الكلامِ؛ فإنَّ النَّاسَ مُتفاوِتونَ في لِينِه، والنِّساءُ في كلامِهنَّ رِقَّةٌ طَبيعيَّةٌ، وقد يكونُ لِبَعضِهنَّ مِن اللَّطافةِ ولِينِ النَّفْسِ ما إذا انضَمَّ إلى لِينِها الجِبِلِّيِّ، قَرُبَت هَيئتُه مِن هيئةِ التَّدلُّلِ؛ لِقِلَّةِ اعتيادِ مِثلِه إلَّا في تلك الحالةِ، فإذا بَدا ذلك على بَعضِ النِّساءِ ظَنَّ بعضُ مَن يُشافِهُها مِن الرِّجالِ أنَّها تَتحبَّبُ إليه، فرُبَّما اجتَرَأَت نفْسُه على الطَّمعِ في المُغازَلةِ، فبدَرَتْ منه بادِرةٌ تكونُ مُنافيةً لحُرْمةِ المرأةِ، بلْهَ أزواجَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ اللَّاتي هنَّ أمَّهاتُ المؤمنينَ .
      - والباءُ في قولِه: بِالْقَوْلِ يجوزُ أنْ تكونَ للتَّعديةِ بمَنزلةِ هَمزةِ التَّعديةِ، أي: لا تُخضِعْنَ القولَ، أي: تَجعَلْنَه خاضعًا ذليلًا، أي: رقيقًا مُتفكِّكًا. ومَوقعُ الباءِ هنا أحسَنُ مِن مَوقعِ هَمزةِ التَّعديةِ؛ لأنَّ باءَ التَّعديةِ جاءتْ مِن باءِ المُصاحَبةِ؛ فأصْلُ قولِك: ذهَبْتُ بزَيدٍ، أنَّك ذهبْتَ مُصاحبًا له، فأنتَ أذْهَبْتَه معك، ثمَّ تُنوسِيَ معنى المُصاحَبةِ في نَحوِ: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [البقرة: 17] ؛ فلمَّا كان التَّفكُّكُ والتَّزيينُ للقولِ يَتبَعُ تَفكُّكَ القائلِ، أُسنِدَ الخُضوعُ إليهنَّ في صُورةٍ، وأُفِيدَت التَّعديةُ بالباءِ. ويجوزُ أنْ تكونَ الباءُ بمعنى (في)، أي: لا يكُنْ مِنكنَّ لِينٌ في القولِ .
      - والنَّهيُ عن الخُضوعِ بالقولِ في قولِه: فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ إشارةٌ إلى التَّحذيرِ ممَّا هو زائدٌ على المُعتادِ في كَلامِ النِّساءِ مِن الرِّقَّةِ، وذلك تَرخيمُ الصَّوتِ، أي: لِيَكُنْ كلامُكنَّ جَزْلًا، وحُذِف مُتعلَّقُ فَيَطْمَعَ -أي: فيكُنَّ-؛ تَنزُّهًا وتَعظيمًا لِشَأْنِ نِساءِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مع قِيامِ القَرينةِ .
      - وعَطْفُ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا على فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ بمَنزلةِ الاحتِراسِ؛ لئلَّا يَحسَبْنَ أنَّ اللهَ كلَّفَهُنَّ بخَفْضِ أصواتِهنَّ كحَديثِ السِّرارِ .
      - والمَعروفُ: هو الَّذي يَألَفُه النَّاسُ بحسَبِ العُرْفِ العامِّ، ويَشملُ القولُ المعروفُ هَيئةَ الكلامِ، وهي الَّتي سِيقِ لها المَقامُ، ويَشملُ مَدلولاتُه: ألَّا يَنْتَهِرْنَ مَن يُكلِّمُهنَّ، أو يُسْمِعْنَه قولًا بذيئًا، مِن بابِ: فلْيقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ؛ وبذلك تكونُ هذه الجُملةُ بمَنزلةِ التَّذييلِ .
      2- قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا
      - قولُه: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ إضافةُ البُيوتِ إلى نِساءِ النَّبيِّ؛ لأنَّهنَّ ساكناتٌ بها، أسكَنَهنَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فكانتْ بيوتُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يُميَّزُ بعضُها عن بعضٍ بالإضافةِ إلى ساكنةِ البيتِ . وفيه إغراءٌ للنِّساءِ على لزومِ البيتِ؛ لأنَّه بيتُها وسِترُها، لذا قال: فِي بُيُوتِكُنَّ، وهي أبلغُ مِن: «وقَرْنَ في البيوتِ»، كأنَّه يقولُ: هذا البيتُ ما بُنِيَ إلَّا لكِ -سِتْرًا لك وصَوْنًا-؛ فالْزَمِي هذا البيتَ الَّذي مِن أجْلِكِ بُنِيَ .
      - قولُه: وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى فيه تَعريضٌ بنَهْيِ غَيرِهنَّ مِن المُسلماتِ عن التَّبرُّجِ؛ فإنَّ المدينةَ أيَّامَئذٍ قد بقِيَ فيها نِساءُ المنافقينَ، ورُبَّما كُنَّ على بَقيَّةٍ مِن سِيرتِهنَّ في الجاهليَّةِ؛ فأُرِيدَ النِّداءُ على إبطالِ ذلك في سِيرةِ المُسلماتِ، فنُسِبَ إلى أهْلِ الجاهليَّةِ؛ إذ كان قد تَقرَّرَ بيْنَ المسلمينَ تَحقيرُ ما كان عليه أمْرُ الجاهليَّةِ إلَّا ما أقَرَّه الإسلامُ .
      - والمقصودُ مِن النَّهيِ الدَّوامُ على الانكِفافِ عن التَّبرُّجِ، وأنَّهنَّ مَنهيَّاتٌ عنه .
      - وأُرِيدَ بهذه الأوامرِ الدَّوامُ عليها؛ لأنَّهنَّ مُتلبِّساتٌ بمَضمونِها مِن قبْلُ، ولِيَعلَمَ النَّاسُ أنَّ المُقرَّبينَ والصَّالحينَ لا تَرتفِعُ دَرجاتُهم عندَ اللهِ تعالى عن حَقِّ تَوجُّهِ التَّكليفِ عليهم .
      - قولُه: وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ خَصَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ بالأمْرِ، ثمَّ جاء الأمْرُ عامًّا بالطَّاعةِ؛ لإنافَتِهما -أي: لشَرفِهما وعُلوِّهما- على غيرِهما، ولأنَّ هاتَينِ الطَّاعتينِ البَدنيَّةَ والماليَّةَ هما أصْلُ سائرِ الطَّاعاتِ، فمَنِ اعْتَنى بهما حقَّ العِنايةِ جرَّتاهُ إلى ما وراءَهما .
      - قولُه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ تَعليلٌ لِمَا تَضمَّنَتْه الآياتُ السَّابقةُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ على الاستِئنافِ؛ ولذلك عُمِّمَ الحُكمُ بتَعميمِ الخِطابِ لِغَيرِهنَّ، وصَرَّحَ بالمَقصودِ حيثُ قِيل بطَريقِ النِّداءِ أو المَدْحِ: أَهْلَ الْبَيْتِ، مُرادًا بهمْ مَن حَواهم بَيتُ النُّبوَّةِ .
      - قولُه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الرِّجسُ في الأصْلِ: القذَرُ الَّذي يُلوِّثُ الأبدانَ، وعُبِّرَ به هنا عن الذُّنوبِ والنَّقائصِ الدِّينيَّةِ؛ لأنَّها تَجعَلُ عِرضَ الإنسانِ في الدُّنيا والآخرةِ مَرْذولًا مَكروهًا كالجِسمِ المُلوَّثِ بالقذَرِ، وعُبِّر بالتَّطهيرِ عن تَجنيبِ الذُّنوبِ والنَّقائصِ؛ لِمَزيدِ التَّنفيرِ عنها، وعُبِّر بالإذهابِ عن الإنجاءِ والإبعادِ .
      - وفي التَّعبيرِ بالفِعلِ المُضارعِ يُرِيدُ دَلالةٌ على تَجدُّدِ الإرادةِ واستِمرارِها .
      - والقَصرُ في قولِه: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قَصرُ قلْبٍ ، أي: ما يُرِيدُ اللهُ لَكُنَّ ممَّا أمَرَكنَّ ونَهاكُنَّ إلَّا عِصمتَكُنَّ مِن النَّقائصِ، وتَحليتَكُنَّ بالكَمالاتِ، ودوامَ ذلك، أي: لا يُرِيدُ مِن ذلك مَقْتًا لَكُنَّ ولا نِكايةً. وهذا وَجهُ مَجِيءِ صِيغَةِ القَصرِ بـ (إنَّما) .
      - قولُه: أَهْلَ الْبَيْتِ «أل» للعهدِ الذِّهنيِّ، كأنَّ هذا البيتَ معهودٌ معلومٌ بأذهانِ الناسِ، لا يَغيبُ عنها؛ لِمَا لهذا البيتِ مِن المكانةِ الرفيعةِ، والخَصْلةِ الحميدةِ، ففيه تفخيمُ هذا البيتِ وتعظيمُه .
      3- قوله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا
      - قولُه: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ فِعلُ (اذْكُرْنَ) يَجوزُ أنْ يكونَ مِن الذُّكرِ -بضَمِّ الذَّالِ- وهو التَّذكُّرُ، وهذه كلِمةٌ جامعةٌ تَشملُ المعنى الصَّريحَ منه، وهو ألَّا يَنْسَيْنَ ما جاء في القُرآنِ، ولا يَغفُلْنَ عن العملِ به، ويَشملُ المَعنى الكِنائيَّ؛ وهو أنْ يُرادَ مُراعاةُ العَملِ بما يُتْلى في بُيوتِهنَّ ممَّا يَنزِلُ فيها، وما يَقرَؤُه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فيها، وما يُبيِّنُ فيها مِن الدِّينِ، ويَشملُ معنًى كِنائيًّا ثانيًا؛ وهو تَذكُّرُ تلك النِّعمةِ العظيمةِ أنْ كانتْ بُيوتُهنَّ مَوقعَ تِلاوةِ القرآنِ. ويجوزُ أنْ يَكونَ مِن الذِّكرِ -بكَسرِ الذَّالِ-، وهو إجراءُ الكلامِ على اللِّسانِ، أي: بلِّغْنَه للنَّاسِ؛ بأنْ يَقرَأْنَ القرآنَ، ويُبلِّغْنَ أقوالَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وسِيرتَه. وفيه كِنايةٌ عن العَملِ به. ومَوقعُ مادَّةِ الذكرِ هنا مَوقعٌ شَريفٌ؛ لِتَحمُّلِها هذه المحاملَ مما لا يَتحمَّلُه غيرُها إلَّا بإطنابٍ .
      - والتَّعرُّضُ للتِّلاوةِ في البُيوتِ دونَ النُّزولِ فيها، مع أنَّه الأنسَبُ لِكَونِها مَهبِطَ الوحْيِ؛ لِعُمومِها لِجَميعِ الآياتِ، ووُقوعِها في كلِّ البيوتِ، وتَكرُّرِها المُوجِبِ لِتَمكُّنِهنَّ مِن الذِّكرِ والتَّذكيرِ، بخِلافِ النُّزولِ. وعدَمُ تَعيينِ التَّالي؛ لِتَعُمَّ تِلاوةَ جِبريلَ، وتِلاوةَ النَّبيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتِلاوتَهنَّ، وتِلاوةَ غيرِهنَّ؛ تَعليمًا وتَعلُّمًا .
      - وعَطْفُ وَالْحِكْمَةِ عطْفُ خاصٍّ على عامٍّ، وهو ما كان مِن القُرآنِ مَواعظَ وأحكامًا شرعيَّةً، على قولٍ في التَّفسيرِ .
      - وجُملةُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا تَعليلٌ للأمْرِ، وتَذييلٌ للجُمَلِ السَّابقةِ؛ فمَعنى الجُملةِ: أنَّه تعالى مَوصوفٌ باللُّطفِ والعِلمِ، كما دلَّ عليه فِعلُ (كان)؛ فيَشملُ عُمومُ لُطفِه وعِلْمِه لُطفَه بِهنَّ، وعِلْمَه بما فيه نفعُهنَّ .

      الدرر السنية

       
    • في ظلال سورة يوسف   1ـ من أراد الإفساد عامله الله بنقيض قصده. فحين قال إخوة يوسف: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ) [يوسف: 9]، ظنوا أنهم بقتل يوسف أو إبعاده سيقبل عليهم أبوهم إقبالة واحدة ولا يلتفت عنهم إلى غيرهم، وأنه لن يشاركهم أحد في محبتهم، فلم يزده ذلك إلا محبة واشتياقاً ليوسف.. حتى قالوا له: (تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) [يوسف: 85].
        2ـ معايير الناس وموازينهم قد لا تكون صحيحة، فقد يزهدون بالعظماء وهم لا يشعرون! (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف 20].

        3ـ المحسن جزاؤه الإحسان من الله تعالى. (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 22] (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يوسف: 56، 57] (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 90] كما قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]، فهَلْ جَزَاء الإحسان في العمل إِلَّا الإحسان في العاقبة والثواب.

        4ـ لقد شهدوا ليوسف عليه الصلاة والسلام بالإحسان وهو في السجن حين قالوا له: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 36]. وكذلك حين أصبح في الملك قالوا له: (يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 78].

        5ـ إكرامُ الوالدين وبرُّهم من أهم صفات المحسنين المفلحين. فحين دخلوا على يوسف عليه الصلاة والسلام رحَّب بهم جميعاً، ولكنه خصَّ أبويه بفضل ترحيب واهتمام، (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ) [يوسف: 99].  وكذلك حين أكرم أبَوَيْه ورفعهما على العرش: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً) [يوسف: 100]. وخرُّوا له سجداً سجودَ تحيةٍ وإكرام. وكان ذلك جائزاً في شريعتهم.  وهناك من يرى أن الضمير في (لَهُ) لله أي خروا ساجدين لله سجود شكر.

        6ـ الفاسد لا يريد أن يبقى وحده فاسداً، ولهذا تجده حريصاً على إفساد غيره. فحين راودت امرأة العزيز يوسف أرادت من النسوة أن يقعوا بمثل ما وقعت فيه. (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ. قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) [يوسف: 31ـ 32] كما يعبِّر عن هذا المعنى قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) [النساء: 89].

        7ـ في الطاعة يتسع السجن على ضيقه، وفي المعصية يضيق القصر على سعته. (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) [يوسف: 33]. فالحرية حرية القلب، وعندما ينتصر الإنسان على هواه يتحرر من أي عبودية لغير الله تعالى.

        8ـ لقد نجح نبينا يوسف عليه الصلاة والسلام في امتحان الشدة، فكان من الصابرين، ونجح في ابتلاء الرخاء فكان من الشاكرين. فأما صبره فقد صبر عن المعصية وانتصر على الهوى، حين قال لامرأة العزيز وقد راودته وغلقت الأبواب: (مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23]. وصبر على الشدة حين أُدخِل في السجن. وأما شكره فيظهر في حسن معاملته لأخوته حين عفا عنهم وهو في قوَّتِه وقُدرته، وقال لهم: (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 92]. وحين قال لهم: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) [يوسف: 100]، فلم يذكر لإخوته ما صنعوا حين جعلوه في غيابة الجب. وكذلك حين قال لهم: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي) فقد التمس لهم عذراً ولم يشنع عليهم سوء فعلهم. وكذلك يظهر شكر يوسف عليه الصلاة والسلام حين دعا ربه فقال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف: 101]، فنسب هذه النعم كلها إلى الله تعالى، (آتَيْتَنِي) (وَعَلَّمْتَنِي)، ودعا ربه أن يتوفاه مسلماً ويلحقه بالصالحين، وكأنه يشير إلى أن شكر النعم هو في استعمالها فيما يرضي الله والابتعاد عما يسخطه. كما دعا نبينا موسى عليه الصلاة والسلام فقال: (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص: 17]، فنسب النعمة إلى الله (أَنْعَمْتَ عَلَيَّ) وذكر استعمال النعمة فيما يرضي الله فقال: (فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ).

        9ـ قال الله سبحانه: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) [يوسف 24] لم يهم يوسف عليه الصلاة والسلام بامرأة العزيز؛ لأنه رأى برهان ربه وهو ما آتاه الله من العلم والإيمان، فالعلم والإيمان هما أهم أسباب الثبات، فبالعلم يدرك الإنسان شؤم المعصية وخطرها في الدنيا والآخرة، وبالإيمان يعرف الإنسان حلاوة الطاعة ويشعر بجمالها ويدرك مرارة المعصية وقبحها، فشجرة الإيمان تثمر العمل الصالح. وما تزال شجرة الإيمان تؤتي ثمارها غير منقطعة؛ لأن الحسنة تقود إلى الحسنة، وهكذا تتكاثر الحسنات وتستمر. 

        10ـ المؤمن بالله تعالى لا ييأس؛ لأنه يستمد تفاؤله من الله الذي بيده ملكوت كل شيء وعنده خزائن كل شيء، (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا القَوْمُ الكَافِرُونَ) [يوسف: 87].

        11ـ الداعية إلى الله تعالى لا تمنعه الظروف من دعوته، فحين أدخل يوسف عليه الصلاة والسلام السجن وسألوه عن تأويل الرؤيا دعاهم إلى الله تعالى قبل أن يجيبهم إلى تأويل الرؤيا. (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ. قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) [يوسف: 36ـ 37]. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.



      عمر بن عبد المجيد البيانوني

      رابطة العلماء السوريين


       
    • التحذير من التطفيف في المكاييل والموازين
      أيها الناس اتقوا الله تعالى واحترموا حقوق المسلمين في أموالهم، في دمائهم، وأموالهم وأعراضهم، قال صلى الله عليه وسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه قال صلى الله عليه وسلم في خطبتهِ في الحج في يوم النحر إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت ، فاتقوا الله عباد الله، كما يحرم دم المسلم وقتله بغير حق كذلك يحرم مالهُ بغير حق ويحرم عرضه لأن الله سبحانه وتعالى حرَّم المسلم على أخيه المسلم فلا يجوز لمسلم أن يعتدي على أخيه أو ينقص حقهُ أو ينتهك عرضه لأن المسلم له حرمة عند الله وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن حرمة المسلم عند الله أعظم من حرمة الكعبة البيت الحرام، قال الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين:1-6]، والويل هو العذاب والخسارة توعد الله بهِ المطففين

      ثم بين من هم المطففون، فقال (الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) إذا كان لهم حقوق على الناس أخذوها وافية لا ينقص منها شيء وإذا كان للناس عليهم حقوق فإنهم ينقصونها ويبخسونها ولا يعطونهم حقوقهم كاملة سواءً كان هذا في الكيل أو الوزن أو كان في غير ذلك من سائر المعاملات، والله جل وعلا أمر بإيفاء المكاييل والموازين (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [الإسراء:35]، و قد أهلك الله أمةً من الأمم بسبب نقص المكاييل وهم قوم شعيب فإن الله أهلكهم بتطفيف المكاييل والموازين وعاقبهم عقوبة شديدة بسب ذلك مع شركهم بالله عز وجل وهذا مذكور في أكثر من موضع من القرآن الكريم لنعتبر بهِ ونتعض بهِ والله جل وعلا قال لنا (وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ* فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ* وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ) [الرحمن:10-12]، وقال قبلها سبحانه (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ* أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن:7-9]، فنهى عن الأمرين، نهى عن الزيادة إذا أخذت من الناس شيئاً واستوفيته فلا تأخذ أكثر مما تستحق، وإذا أوفيت الناس فلا تنقصهم بل أعطهم حقهم كاملاً فكما أنك لا ترض أن ينقصوا حقك فكيف تنقصهم حقوقهم (وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن:9]، يعني لا تنقصوه ولا تبخسوه، ثم توعد من يبخسون المكاييل والموازين بأنهم سيجازون يوم القيامة (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ) [المطففين:4]، الذين يبخسون المكاييل الموازين ألا يعتقدون (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) [المطففين:4]، (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) [المطففين:4]، من قبورهم بعد موتهم، مبعوثون لأي شيء؟ (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) [المطففين:5]، يوم القيامة، يوم الجزاء والحساب، متى؟ (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ) [المطففين:6]، يقومون من قبورهم يقومون في المحشر على أقدامهم، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، حافيةً أقدامهم، عاريةً أجسامهم، شاخصةً أبصارهم إلى السماء من شدة الهول، تدنو منهم الشمس، ويُلجمهم العرق، ويطول عليهم الوقوف أقل ما قيل أنهُ أربعون سنة وهم واقفون على أقدامهم ولا يكلمهم الله من شدة الغضب، لا يكلمهم الله، ولا يدرون ماذا يُصنع بهم، فإذا طال عليهم الوقوف طلبوا من الله بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم أن يفصل بينهم وأن يريحهم من الموقف إما إلى الجنة وإما إلى النار لشدة ما يقاسون، وطول المقام، والزحمة، والضنك الشديد، موقف عظيم وصفه الله بأنه يوم عظيم (لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين:4-5]، يقومون حفاة عراة عطشى، يعرقون من شدة الهول، ينتظرون ماذا يُفعل بهم

      ماذا يكون المجرم في هذا اليوم، ماذا يكون الذي بخس الناس أموالهم و أكل حقوقهم، ماذا يكون حالهُ في هذا اليوم والعياذ بالله، فليتذكر هذا اليوم كل من ارتكب هذه الجريمة مع الناس، وليس هذا خاصاً بالكيل والوزن بل هذا يشمل كل من يتنقص أموال الناس إما بأن يعطيهم الأكياس على أنها كاملة وهي مبخوسه مسحوب منها، مع الأسف أن الكفار يملؤونها ويوفونها ثم يأتي المسلم ويبخس منها ويستل منها من هذا ومن هذا حتى يكوِّن منها أكياساً أخرى، أو يقول هذه السلعة أصلية وهي تقليد قد يضع عليها كتابة مزورة أو غلافٌ مزور ويقول هذه أصلية وهي تقليد ناقص ثم يأخذ مال أخيه بغير حق ويعتبر هذا من الحذق في البيع والشراء والذي يبيع على الناس بالوفاء والتمام يقول هذا مغفل ولا يُحسن التصرف ولا حول ولا قوة إلا بالله

      ولذلك أصبح الصدق في المعاملات اليوم غريباً والصدوق لا يسلك مع الناس اليوم، لا يمشي مع الناس الصدوق لأنهم يخونونه ويُفسدون عليه معاملته، وكذلك من البخس لحقوق الناس الذين يستأجرون الأجراء والعمال يستوفون منهم العمل ولا يعطونهم أجرتهم أو ينقصونها أو يؤخرونها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة يكون خصمهم النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وذكر منهم من استأجر أجيراً فاستوفى منه العمل ولم يوفه حقه سيكون النبي صلى الله عليه وسلم خصمه ومن خاصمه النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يخصمه

      فليتق الله أولئك الذين يتلاعبون في حقوق العمال و يهددنهم بالتسفير، يهددنهم بالطرد، يهددنهم بكل وعيد، لأنهم ضعفاء ليس لهم ناصر إلا الله سبحانه وتعالى، فعلى المسلمين أن يتنبهوا لهذا الأمر المخيف

      كذلك من التطفيف والتخسير أن يبيع السلع على أنها سليمة وهي مغشوشة من الداخل يخفي عيبها ولا يذكره للمشتري ويأخذ منه الثمن كاملاً على أن سلعة سليمة وهي معيبة، مر النبي صلى الله عليه وسلم على بائع طعام فأدخل صلى الله عليه وسلم يده في الطعام فوجد في أسفله بللاً فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء أي المطر، يا رسول الله، قال هلاَّ جعلته ظاهراً حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا من غشنا فليس منا، فيجب على البائع أن يُظهر ما في السلعة من العيوب ليدخل المشتري على بصيرة ويكون الثمن مناسباً لحالتها أما أن يبيعها على أنها سليمة ويأخذ ثمنها وافياً ثمن السليم وهي معيبة فهذا من الغش والخيانة ونقص الناس حقوقهم، بخس الناس حقوقهم

      وهذا يأتي في السيارات وما أكثر ما يذكر عن أصحاب معارض السيارات من الخيانات والكذب والتدليس والتحايل يذكر عنهم الشيء الكثير، ماذا يذكر عن أصحاب العقارات العقاريين وكيف يبيعون الأراضي ويبيعون السلع وكيف يغشون ويخدعون

      فاتقوا الله عباد الله في إخوانكم احترموا أموالهم، أعطوهم حقهم وافياً كما تأخذون حقكم منهم وافياً، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، ما بالك بمن يبيعون الخضار في صناديق ثم يأتون بالتالف والمعيب فيجعلونه في أسفل الصناديق ويختارون السليم والجيِّد ويجعلونه في أعلى الصناديق أو الأوعية ويشتريه المشتري بناءً على ظاهره و أسفلهُ تالف أو فاسد ثم يأخذ منه الثمن كاملاً ألا يتقي الله هؤلاء، ألا يظن هؤلاء (أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين:4-6]، وجاء في الحديث الصحيح أن أناسأً يوم القيامة يأتون بأعمال صالحة أمثال الجبال ويأتي وقد ظلم هذا وقد ضرب هذا وأخذ مال هذا فيقتص لهذا من حسناته ولهذا من حسناته ولهذا من حسناته حتى تفنى أعماله التي كأمثال الجبال يأخذها الغرماء يوم القيامة وإذا بقي لهم شيء فإنه تؤخذ من سيئاتهم ثم تطرح على هذا الظالم، تطرح عليه ثم يطرح في النار

      فالأمر خطير، والأمر شديد، اتقوا الله في إخوانكم، أيضاً اتقوا الله في أموالكم فإنكم ستحاسبون يوم القيامة من أين اكتسبته وفيما انفقته، ستحاسب عن مالك يوم القيامة كما في الحديث الصحيح يقال لك من أين اكتسبته وفيما أنفقته ، فما هو جوابك يوم القيامة؟، فاتقوا الله عباد الله، احترموا أموال الناس، تعاملوا مع الناس بالصدق والأمانة وإلا فإنكم ستندمون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281]

      إن المسلم كلهُ حرام دمه، وماله، وعرضه، فالأعراض أيضاً لها حرمتها، أعراض المسلمين لها حرمتها كحرمة أموالهم، فبعض الناس يستطيل في أعراض إخوانه بالغيبة، والنميمة، والتنقص، والسخرية، والإحتقار، وغير ذلك، فينتهك حرمة ما حرَّم الله في أخيه المسلم، ولهذا قال في ختام هذه السورة، سورة المطففين (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ* وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ* وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ* وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) [المطففين:29-33]، ماذا تكون عاقبتهم؟ (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ* عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ) [المطففين:34-35]، يوم القيامة إذا دخل هؤلاء الضعفاء والمساكين الذين استهزأ بهم هؤلاء الكفرة والمستهزئين، إذا دخلوا الجنة وصاروا في أعلى المنازل صاروا يُُطلون على هؤلاء المجرمين، يُطلون عليهم من شرفات الجنة (عَلَى الأَرَائِكِ) [المطففين:35]، وهي الكراسي والمجالس يُطلون عليهم وهم في النار يتشفَّون منهم، يضحكون عليهم، يرونهم يعذبون، قيل نزلت هذه الآية في أبي جهل و أبي لهب والوليد بن المغيرة وفي غيرهم من طغاة الكفرة كانوا يسخرون من بلال وسلمان وصهيب وعمار من ضعفة المسلمين، وكذلك يشمل هذا كل من سخر من مسلم من المسلمين فإنهُ سيحاسب عن ذلك يوم القيامة وسيؤول أمره إلى هذا إلى أن يكون هذا المستهزئ المستكبر في دركات النار والمستهزئ به في درجات الجنة جزاءً وفاقاً، ولهذا قال جل وعلا (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المطففين:36]، هذا بفعلهم وبجزائهم

      فلنتق الله يا عباد الله في أعراض إخواننا المسلمين ولا سيما العلماء حملة الشريعة، حملة الشريعة، ورثة الأنبياء، لا يجوز أن نتنقصهم ولا أن نتكلم في أعراضهم ولا أن نقول فيهم إلا الخير، وأيضاً الكلام في ولاة الأمور، ولاة أمور المسلمين لهم حرمتهم، لهم هيبتهم، فلا يجوز أن نتنقصهم أو نتكلم فيهم لأن هذا يضر المسلمين، يعود بالضرر على المسلمين، وليست العبرة بجسم الرجل وجماله وماله إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم إنما ينظر الله إلى القلوب وإلى الأعمال، لا ينظر إلى الصور والأموال، ولهذا قال في المنافقين (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) [المنافقون:4]، فهم أصحاب مظاهر وأصحاب فصاحة وهم في الدرك الأسفل من النار، هم أحقر عند الله من الفئران، وهم يحسبون أنهم من سادة الناس، لماذا؟ لأنهم يحتقرون المسلمين، يتنقصون المسلمين، لابد من يوم يوقفون على حسابهم، فلنتق الله في أنفسنا، نحترم أموال الناس، نحترم أعراض الناس بعدما نحترم دمائهم، فالدم شديد ولا يقل عنه المال ولا يقل عنه العرض، فلنتق الله في هذه الحرمات لإخواننا المسلمين، والظلم لا يجوز حتى مع الكفار (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة:8]، فكيف العدل مع المسلمين، فلنتق الله في أنفسنا وفي إخواننا خصوصاً في أيام الفتن كهذه الأيام، علينا أن نحبس ألسنتنا عن الكلام في الأمور التي تضر المسلمين، علينا أن نكثر من الدعاء للمسلمين، من كان عنده علم وفقه أن يبين للناس الطريق الصحيح في هذه الفتن وما يأتي بعدها، ولا نشغل مجالسنا بالكلام الذي يعود بالضرر علينا وعلى إخواننا المسلمين، فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار
      (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب:56]
    • صبر المؤمن عند المصيبة
        حكمة الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده (لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) فما زال الحق والباطل من قديم الدنيا إلى آخر الدنيا وهما يتصارعان؛ ولكن العاقبة للتقوى، فالله جلَّ وعلا قد يعطي الكفار إدالةً على المسلمين لأجل استدراجهم ولأجل تطهير المسلمين وتنبيههم على أخطاءهم وعيوبهم حتى يتنبهوا ويصلحوا شأنهم، ثم تعود لهم العزة والرفعة في الدنيا والآخرة، وما جرى على الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الكفار مما قصه الله في كتابه فيه أكبر عبرة وعظة

      ومن ذلك ما جرى على موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين من فرعون وقومه وتكبره عليهم وطغيانه واحتقاره لهم واغتراره بما أتاه الله من الملك حتى ادعى الربوبية (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى)، (يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي)، هكذا يبلغ الطغيان بالإنسان، فماذا كانت العاقبة؟
      دمره الله هو وقومه، ودمر ديارهم وقصورهم، وأورثها للمسلمين المؤمنين، والله سبحانه وتعالى بالمرصاد لا يغفل عن عباده، فإنه سبحانه وتعالى يمهل لكنه لا يهمل ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ)، (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)، فهم إذا ظفروا بشيء فرحوا به وبطروا تكبروا، والمؤمنون إذا أصابهم نعمة شكروا، وإذا أصابهم بلاء صبروا، فكان ذلك خيرا لهم عاجلا وآجلا والعاقبة للمتقين، وقد تكفل الله جلَّ وعلا بنصر رسله وعباده المؤمنين قال تعالى (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)، فتكفل الله بنصرهم؛ لكن قد يبتليهم وقد يديل عدوهم عليهم

      وقد يتأخر النصر لكن العاقبة لهم في النهاية (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول واعلم أن النصر معا لصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ، فبينما فرعون بطغواه وبينما هو في كبرياءه وجبروته يقول (سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ)، لما قال له قومه (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ* قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ* قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)، وقد حصل هذا دمر الله فرعون وقومه وما كانوا يعرشون، وأرث موسى وقومه الأرض من بعدهم وتحقق نصر الله سبحانه وتعالى ووعده الصادق وهكذا سنة الله جلَّ وعلا في خلقه الأولين والآخرين.

      فالمؤمنون لا ييأسون ولو أصابهم ما أصابهم بل يتمسكون بدينهم ويعملون الأسباب لنصرهم على عدوهم وينتظرون والله سبحانه وتعالى مع الصابرين، هذه سنته سبحانه وهذا وعده الذي لا يتخلى، فما أصاب موسى وقومه من فرعون وقومه مع أن موسى كليم الله ورسول الله وقومه هم خيرة أهل الأرض في وقتهم من ذرية إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام، ومع هذا ابتلاهم الله بفرعون وقومه، ولما صبروا وجاهدوا في سبيل الله جاءهم النصر من الله بأيسر سبب، ما هو إلا أن جمد الله البحر لهم فدخلوا فيه آمنين مطمئنين في شوارع يابسة، جعله الله فرقًا بقدر أسباط بني إسرائيل يابسة (طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى)، فلما تكاملوا خارجين وتكامل فرعون وقومه داخلين في البحر أطبقه الله عليهم فأغرقهم عن آخرهم وبنو إسرائيل ينظرون إليهم هكذا سنة الله جل وعلا ووعده الذي لا يتخلف أبد، ولكن هذا يحتاج من المؤمنين إلى الصبر، ويحتاج من المؤمنين إلى اليقين، ويحتاج إلى المؤمنين من بذل الأسباب النافعة، والله جلَّ وعلا لا يخلف وعده أبدا ولو تأخر لحكمة من الله فإنه لا بد أن يأتي نصر الله عز وجل، ماذا جرى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أذى قومه وتطاولهم عليه ووقوفهم في وجهه؟ حتى هاجر من بينهم إلى المدينة ووجد الأنصار الذين حموه وآزروه ونصروه وآووا أصحابه، وفي سنين قليلة جاء صلى الله عليه وسلم بجيش جرار بعشرة آلاف مجند من جنود الله مدججين بالسلاح فدخلوا مكة فاتحين، ونصر الله رسوله صلى الله عليه وسلم ومكنه من رقاب أعداءه، ما هي إلا سنوات وكان قبلها قد خرج ثاني اثنين هو وأبو بكر الصديق (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)

      هذه سنة الله مع الأولين والآخرين، ثم إن المسلمين إذا نصرهم الله فإنهم يشكرون الله عز وجل، يشكرون الله على نعمته، ويعرفون نعمة الله عليهم ويعترفون بها، فلما نصر الله موسى عليه السلام وقومه صام هذا اليوم الذي أغرق الله فيه فرعون وهو اليوم العاشر من شهر الله المحرم صامه شكرا لله عز وجل فصامته بنو إسرائيل من بعده وصامه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وأخبر أن الله يكفر به ذنوب السنة الماضية وهذا فضل عظيم، هذه سنة الأنبياء والمؤمنين أنهم عند النصر يشكرون الله عز وجل ويعبدونه ولا يحدثون في يوم النصر فرحا وبطرا وهتافات ويحدثون فيه أعيادًا جاهلية ما يحدثون هذا في يوم انتصارهم، كم انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم من الانتصارات؟ ولم يحدث هذه الترهات والأباطيل إنما يحدث شكر الله عز وجل، وطاعة الله عز وجل هكذا، انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم في بدر، وانتصر في حنين، وانتصر في غزواته صلى الله عليه وسلم ولم يحدث في واحدة منها ما يحدثه الجهال إذا ظفروا بشيء من النصر من الكبرياء والغرور؛ بل يحدثون الشكر لله عز وجل

      وفي ختام أمره صلى الله عليه وسلم قال الله له (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، يعني فتح مكة (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً)، ماذا يحدث الرسول عند ذلك؟ هل يحدث الأشر والبطر؟! لا، بل قال الله جلَّ وعلا (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)، أمره الله أن يسبح بحمد ربه عز وجل وأن يستغفر يستغفر ربه، ولا يغتر بهذا النصر ويقول هذا أنا حصلت عليه بجهادي وبقوتي بل يعتبر نفسه مقصرا في حق الله وفي شكر الله فيستغفر ربه عز وجل (إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)، هكذا هدي الإسلام في أيام الله عز وجل مع عباده، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضى.

      أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ)، بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم 

      أيُّها الناس، اتقوا الله تعالى، واعملوا أن النعم تحتاج إلى شكر، تحتاج إلى تقييدها بشكر الله عز وجل والاعتراف بفضله، في هذا اليوم يوم عاشوراء ماذا عمل المسلمون فيه؟! صامه موسى عليه السلام وصامه بنو إسرائيل وصامه محمد صلى الله عليه وسلم وصامه المسلمون اعترافاً بنعمة الله وشكرا لله عز وجل، أما طائفة من الناس فإنهم يعتبرون هذا اليوم يوم حزن، يعتبرون يوم حزن فيظهرون الجزع والسخط والتسخط يضربون أبدانهم ويشقون جيوبهم ويلطمون خدودهم في هذا اليوم ويكررون هذا في كل عام، في كل عام يكررون هذا، ويقولون إنه اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله عنه، نعم قتل فيه الحسين رضي الله عنه والحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي جليل سيد شباب أهل الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، ومقتله مصيبة على المسلمين؛ ولكن المسلمون يقابلون هذه المصيبة بالصبر والاحتساب، (وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، يعترفون أن هذا من الله وأنه ما أصابهم إلا بذنب فيتوبون إلى الله عز وجل هكذا شأن المسلمين مع النعم ومع النصر، أما أن يجزع على المصيبة مثل مصيبة قتل الحسين ويظهر أمور الجاهلية من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعوى الجاهلية فهذا مما حرمه الله ورسوله، وليس هذا من دين المسلمين، بينما فريق ثالث يعتبرون يوم عاشوراء يوم عيد يجعلون فيه يكتحلون ويتزينون وينبسطون فيه بالنفقة فيجعلونه عيدا وهذا لا أصل له لا أصل له كل هذا لا أصل له لا الجزع ولا التوسع في النفقة والتزين كل هذا لا أصل له، الأصل الصحيح هو صيام هذا اليوم وهو هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهدي المؤمنين، وهكذا المسلمون ولله الحمد يصومون هذا اليوم اقتداءا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحدثون فيه شيء آخر. فاتقوا الله عباد الله، اقرؤوا تاريخكم، وتأملوا فيه، واعتبروا بما جرى ويجري ليكون ذلك عبرة وموعظة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

      هكذا المسلمون يستفيدون من الوقائع والحوادث التي قصه الله علينا في القرآن وقصها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا للتسلية والاطلاع فقط، الاطلاع على التاريخ يقولون لا، بل لأجل الاتعاظ والاعتبار بما جرى ويجري حتى نحذر من العقوبات ونستكثر من الحسنات ونتوب من السيئات هذا هو شأن تاريخ الإسلام. ثم اعلموا عباد الله، أنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهديَّ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة، فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار. (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم على عبدِك ورسولِك نبيَّنا محمد، وارضَ اللَّهُمَّ عن خُلفائِه الراشدين، الأئمةِ المهديين، أبي بكرَ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعَن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
       
    • القارئ محمد واكضيض | سورة النجم | مصلى الحرنء عين عتيق | 24 رمضان 1447  
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183219
    • إجمالي المشاركات
      2538769
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×