اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58907
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180933
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8512
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53293
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21024
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29729
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32412
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38780 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • المَطلبُ الثَّاني: حِفظُ القُرْآنِ في عَهدِ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم

      تمهيدٌ:
      قال ابنُ تيميَّةَ: (إنَّ المانِعَ مِن جَمْعِه على عَهدِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان أنَّ الوَحيَ كان لا يزالُ يَنزِلُ، فيُغَيِّرُ اللهُ ما يشاءُ ويحكُمُ ما يريدُ، فلو جُمع في مُصحَفٍ واحدٍ لتعَسَّرَ أو تعَذَّرَ تغييرُه كُلَّ وَقتٍ، فلمَّا استقَرَّ القُرْآنُ بموتهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم واستقرَّت الشَّريعةُ بموتِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمِنَ النَّاسُ من زيادةِ القُرْآنِ ونَقْصِه، وأَمِنوا من زيادةِ الإيجابِ والتحريمِ) .
      قال الزركشيُّ: (ثبت أنَّ القُرْآنَ كان على هذا التأليفِ والجَمعِ في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنما تُرِك جمْعُه في مُصحَفٍ واحدٍ؛ لأنَّ النَّسخَ كان يَرِدُ على بَعضٍ، فلو جمعه ثمَّ رُفِعَت تلاوةُ بعضٍ لأدَّى إلى الاختلافِ واختلاطِ الدِّينِ، فحَفِظه اللهُ في القُلوبِ إلى انقِضاءِ زمانِ النَّسخِ، ثم وَفَّق لجَمْعِه الخُلَفاءَ الرَّاشِدين) .   وقد تجلَّى حِفظُ القُرْآنِ في عَهدِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم بجَمعِ القُرْآنِ مَرَّتينِ:   الجَمعُ الأوَّلُ: في عَهدِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنه: لَمَّا كَثُر القَتلُ في حَفَظةِ كِتابِ اللهِ تعالى، خَشِيَ الصَّحابةُ ذَهابَ القُرْآنِ بذَهابِ حَفَظَتِه؛ فأجمعوا أمْرَهم على جمعِه في مكانٍ واحدٍ.
      عن زيدِ بنِ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (أرسل إليَّ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ مَقْتَلَ أهلِ اليَمامةِ، فإذا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عِندَه، قال أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ عُمَرَ أتاني فقال: إنَّ القَتلَ قد استحَرَّ يومَ اليمامةِ بقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإنِّي أخشى أن يَستحِرَّ القَتلُ بالقُرَّاءِ بالمواطِنِ، فيذهَبَ كثيرٌ من القُرْآنِ، وإنِّي أرى أن تأمُرَ بجَمعِ القُرْآنِ. قُلتُ لعُمَرَ: كيف نفعَلُ شيئًا لم يفعَلْه رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال عُمَرُ: هذا -واللهِ- خيرٌ، فلم يَزَلْ عُمَرُ يراجِعُني حتى شرح اللهُ صدري لذلك، ورأيتُ في ذلك الذي رأى عُمَرُ. قال زيدٌ: قال أبو بكرٍ: إنَّك رجلٌ شابٌّ عاقِلٌ لا نتَّهِمُك، وقد كنتَ تكتُبُ الوَحيَ لرَسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فتَتَبَّعِ القُرْآنَ فاجمَعْه، فواللهِ لو كلَّفوني نَقْلَ جَبَلٍ مِن الجِبالِ ما كان أثقَلَ عَلَيَّ ممَّا أمرني به في جمعِ القُرْآنِ! قُلتُ: كيف تفعلون شيئًا لم يفعَلْه رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قال: هو -واللهِ- خيرٌ، فلم يَزَلْ أبو بَكرٍ يراجِعُني حتى شرح اللهُ صدري لِلذي شرح له صدرَ أبي بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما، فتتَبَّعتُ القُرْآنَ أجمَعُه من العُسُبِ واللِّخافِ وصُدورِ الرِّجالِ، حتى وجَدْتُ آخِرَ سورةِ التوبةِ مع أبي خُزَيمةَ الأنصاريِّ لم أجِدْها مع أحَدٍ غَيرِه: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ [التوبة: 128] ، حتى خاتمةِ براءةَ، فكانت الصُّحُفُ عندَ أبي بكرٍ حتى توفَّاه اللهُ، ثمَّ عِندَ عُمَرَ حياتَه، ثمَّ عندَ حَفْصةَ بنتِ عُمَرَ ) .   الجَمعُ الثَّاني: في عَهدِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه: لَمَّا ظَهَر النِّزاعُ بين بعضِ المُسلِمين بسَبَبِ الاختلافِ في الأحرُفِ التي يُقرَأُ بها القُرْآنُ، أجمع الصَّحابةُ ومن معهم من المُسلِمين على جمعِ القُرْآنِ في مُصحَفٍ واحدٍ، وأحرَقوا ما دونه من المصاحِفِ.
      عن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (إنَّ حُذَيفةَ بنَ اليَمَانِ قَدِمَ على عُثمانَ وكان يغازي أهلَ الشَّامِ في فَتحِ أرمينِيَّةَ وأذربيجانَ مع أهلِ العِراقِ، فأفزعَ حُذَيفةَ اختلافُهم في القُرْآنِ، فقال حُذَيفةُ لعُثمانَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، أدرِكْ هذه الأُمَّةَ قبل أن يختَلِفوا في الكِتابِ اختِلافَ اليَهودِ والنَّصارى، فأرسل عُثمانُ إلى حَفصةَ: أنْ أرسِلي إلينا بالصُّحُفِ نَنسَخْها في المصاحِفِ، ثمَّ نرُدَّها إليك. فأرسَلَت بها حفصةُ إلى عُثمانَ، فأمر زَيدَ بنَ ثابتٍ، وعبدَ اللهِ بنَ الزُّبَيرِ، وسَعيدَ بنَ العاصِ، وعبدَ الرَّحمنِ بنَ الحارِثِ بنِ هِشامٍ، فنسخوها في المصاحِفِ، وقال عُثمانُ للرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثلاثةَ: إذا اختَلَفْتُم أنتم وزيدُ بنُ ثابتٍ في شَيءٍ مِن القُرْآنِ، فاكتُبوه بلسانِ قُرَيشٍ فإنما نزل بلسانِهم؛ ففعلوا، حتى إذا نسَخوا الصُّحُفَ في المصاحِفِ، رَدَّ عثمانُ الصُّحُفَ إلى حَفصةَ، فأرسل إلى كُلِّ أُفُقٍ بمُصحَفٍ ممَّا نسخوا، وأمر بما سِواه من القُرْآنِ في كُلِّ صَحيفةٍ أو مُصحَفٍ أن يُحرَقَ ) .
      وهكذا حُفِظ كِتابُ اللهِ تعالى على يَدِ أبي بَكرٍ وعُثمانَ رَضِيَ اللهُ عنهما، وهو ممَّا يُعَدُّ في مناقِبِهما .
      قال أبو عَمرٍو الدَّاني: (جملةُ ما نعتَقِدُه من هذا البابِ وغَيرِه من إنزالِ القُرْآنِ وكِتابتِه وجَمْعِه وتأليفِه وقراءتِه ووُجوهِه... أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سَنَّ جَمْعَ القُرْآنِ وكِتابتَه، وأمر بذلك وأملاه على كتَبَتِه، وأنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لم يمُتْ حتى حَفِظ جميعَ القُرْآنِ جماعةٌ من أصحابِه، وحَفِظ الباقون منه جميعَه متفَرِّقًا، وعرفوه وعَلِموا مواقِعَه ومواضِعَه على وَجهِ ما يَعرِفُ ذلك اليومَ مَن ليس من الحُفَّاظِ لجَميعِ القُرْآنِ.
      وأنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ وعُمَرَ الفاروقَ وزيدَ بنَ ثابتٍ رَضِيَ اللهُ عنهم وجماعةَ الأمَّةِ أصابوا في جمعِ القُرْآنِ بين لوحينِ وتحصينِه وإحرازِه وصيانتِه، وجَرَوا في كِتابتِه على سَنَنِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسُنَّتِه، وأنَّهم لم يُثبِتوا منه شيئًا غيرَ مَعروفٍ ولا ما لم تَقُمِ الحُجَّةُ به، ولا رجعوا في العِلمِ بصِحَّةِ شَيءٍ منه وثُبوتِه إلى شهادةِ الواحِدِ والاثنينِ ومن جرى مجراهما، وإن كانوا قد أشهدوا على النُّسخةِ التي جمعوها على وَجهِ الاحتياطِ مِنَ الغَلَطِ وطَرْقِ الحُكمِ والإنقادِ.
      وأنَّ أبا بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قصد في جمعِ القُرْآنِ إلى تثبيتِه بين اللَّوحَينِ فقط ورَسْمِ جميعِه، وأنَّ عثمانَ رحمه الله تعالى أحسن وأصاب ووُفِّق لفَضلٍ عظيمٍ في جمعِ النَّاسِ على مُصحَفٍ واحدٍ وقراءاتٍ محصورةٍ، والمنعِ  مِن غيرِ ذلك، وأنَّ سائِرَ الصَّحابةِ مِن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنه ومِن غيرِه كانوا متَّبِعين لرأيِ أبي بكرٍ وعُثمانَ في جمعِ القُرْآنِ، وأنَّهم أخبروا بصوابِ ذلك وشَهِدوا به، وأنَّ عُثمانَ لم يقصِدْ قَصْدَ أبي بكرٍ في جَمعِ نَفسِ القُرْآنِ بين لوحينِ، وإنما قصَدَ جَمْعَ الصَّحابةِ على القراءاتِ الثابتةِ المعروفةِ عن الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وألقى ما لم يجْرِ مجرى ذلك، وأخَذَهم بمُصحَفٍ لا تقديمَ فيه ولا تأخيرَ.
      وأنَّه لم يُسقِطْ شيئًا من القراءاتِ الثابتةِ عن الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ولا منع منها ولا حظر القراءةَ بها؛ إذ ليس إليه ولا إلى غيرِه أن يمنَعَ ما أباحه اللهُ تعالى وأطلَقَه وحكَم بصوابِه وحَكَم الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للقارئِ به أنَّه محسِنٌ مُجمِلٌ في قراءتِه) .   وقال ابنُ عُثَيمين: (لكِتابةِ القُرْآنِ وجمعِه ثلاثُ مَراحِلَ:   المَرحلةُ الأُولى: في عَهدِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان الاعتمادُ في هذه المرحلةِ على الحِفظِ أكثَرَ من الاعتمادِ على الكِتابةِ؛ لقُوَّةِ الذَّاكِرةِ وسُرعةِ الِحفظِ، وقِلَّةِ الكاتِبينَ ووسائِلِ الكِتابةِ؛ ولذلك لم يُجمَعْ في مُصحَفٍ، بل كان من سمع آيةً حَفِظها، أو كتبها فيما تيسَّر له من عُسُبِ النَّخلِ، ورِقاعِ الجُلودِ، ولخافِ الحِجارةِ، وكِسَرِ الأكتافِ، وكان القُرَّاءُ عددًا كبيرًا. ففي صحيحِ البُخاريِّ عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعث سبعين رجلًا يقالُ لهم: القُرَّاءُ، فعَرَض لهم حَيَّانِ مِن بني سُلَيمٍ: رِعْلٌ وذَكْوانُ، عند بئرِ مَعونةَ فقَتَلوهم ، وفي الصَّحابةِ غَيرُهم كثيرٌ؛ كالخُلَفاءِ الأربعةِ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، وسالمٍ مولى أبي حُذَيفةَ، وأُبَيِّ بنِ كَعبٍ، ومُعاذِ بنِ جَبَلٍ، وزَيدِ بنِ ثابتٍ، وأبي الدَّرداءِ رَضِيَ اللهُ عنهم.   المَرحَلةُ الثَّانيةُ: في عَهدِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه في السَّنةِ الثَّانيةَ عَشرةَ من الهِجرةِ. وسَبَبُه أنَّه قُتِل في وقعةِ اليمامةِ عَدَدٌ كبيرٌ مِن القُرَّاءِ؛ منهم سالمٌ مولى أبي حُذَيفةَ؛ أحدُ من أمر النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بأخْذِ القُرْآنِ منهم . فأمر أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بجَمْعِه؛ لئلَّا يضيعَ... وقد وافق المُسلِمون أبا بكرٍ على ذلك وعدُّوه من حسَناتِه، حتى قال عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه: أعظَمُ النَّاسِ في المصاحِفِ أجرًا أبو بكرٍ، رحمةُ اللهِ على أبي بكرٍ؛ هو أوَّلُ من جمع كِتابَ اللهِ.   المَرحَلةُ الثَّالِثُةُ: في عَهدِ أميرِ المُؤمِنين عثمانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عنه في السَّنةِ الخامِسةِ والعِشرينَ. وسَبَبُه اختلافُ النَّاسِ في القراءةِ بحسَبِ اختلافِ الصُّحُفِ التي في أيدي الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم، فخِيفَت الفِتنةُ، فأمَرَ عُثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه أن تُجمَعَ هذه الصُّحُفُ في مُصحَفٍ واحدٍ؛ لئلَّا يختَلِفَ النَّاسُ، فيتنازعوا في كِتابِ اللهِ تعالى ويتفَرَّقوا... وقد فعل عثمانُ رَضِيَ اللهُ عنه هذا بعد أن استشار الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم؛ لِما روى ابنُ أبي داودَ عن عليٍّ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه قال: واللهِ ما فعل الذي فعل في المصاحِفِ إلَّا عن ملاءٍ منَّا، قال: أرى أن نجمعَ النَّاسَ على مُصحَفٍ واحدٍ، فلا تكونَ فُرقةٌ ولا اختلافٌ، قُلْنا، فنِعْمَ ما رأيتَ . وقال مُصعَبُ بنُ سَعدٍ: أدركتُ النَّاسَ متوافِرين حين حَرق عُثمانُ المصاحِفَ، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكِرْ ذلك منهم أحدٌ ، وهو من حَسَناتِ أميرِ المُؤمِنين عثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه التي وافقه المُسلِمون عليها، وكانت مُكَمِّلةً لجَمعِ خَليفةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه... وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن متَّفَقًا عليه بين المُسلِمين متواتِرًا بينهم، يتلقَّاه الصغيرُ عن الكبيرِ، لم تعبَثْ به أيدي المفسِدين، ولم تطمِسْه أهواءُ الزَّائغِين. فللَّهِ الحمدُ رَبِّ السَّمَواتِ ورَبِّ الأرضِ رَبِّ العالَمين) . قال الباقِلَّاني: (تناقله خَلَفٌ عن سَلَفٍ، هم مِثْلُهم في كثرتِهم، وتوَفُّرِ دواعيهم على نَقْلِه، حتى انتهى إلينا على ما وصَفْنا من حالِه) .
       
    • نعمة التمييز بين الحق والباطل


      يجب أن نعلم أن من أعظم النعم والمنن التي ينعم الله  بها على من يشاء من عباده، التميز بين الحق والباطل، وبين أهل الحق، وأهل الباطل، وضبط ما يخالف الحق، وما يوافقه.
      ومن أعظم السُبل الشرعية للتميز بين الحق والباطل، تعلم القواعد الشرعية، والضوابط التأصيلية، التي يمكن بها هذا التمييز، والتي يُعرف بها الحق، ولا يلتبس، فيميز المسلم بها بين الحق والباطل في مسائل الاعتقاد والعمل، والأخلاق، والسلوك، والعبادة.
      وبوجهٍ عام، فإن من أهم الوسائل العلم عموماً: القواعد المنضبطة، القائمة على التأصيل، والتمثيل، والتدليل، وهناك قواعد كثيرة يُتوصل بها إلى معرفة الحق، واجتناب الباطل هي بمثابة منارات، وخصوصا عند طالب العلم.
      الحق واحد ولا يتعدّد



      ومن هذه القواعد:

      أولاً: الحق واحد ولا يتعدّد:

      فهذه قاعدة من أهم القواعد التي تحفظ الحق؛ لأن أهل الباطل لما فشلوا في طمس الحق، يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ [الصف: 8]، لم يبقَ أمامهم إلا التلبيس، محاولة خلط الحق بغيره.
      ومن أعظم السبُل الشيطانية القول بإبطال تفرّد الحق، وهذه المسألة الآن في هذا الزمان هي معترك في الحقيقة، عندما يأتي من يقول مثلاً: من قال أنكم على الحق؟، ومن قال أن الحق واحد أصلاً؟
      الحق نسبي؛ يعني: أنت عندك نسبة، وأنا عندي نسبة، وهذا عنده نسبة، وأهل الأرض كل واحد عنده نسبة من الحق، فالحق نسبي، وليس هناك حق واحد كامل.
      وهذه كارثة كبرى؛ لأننا إذا رضينا بهذا الكلام كان اليهود عندهم حق، والنصارى عندهم حق، والبوذيين عندهم حق، والقاديانية عندهم حق، والرافضة عندهم حق، وكل واحد عنده جزء من الحق، وانتهى الأمر، فلا أحد ينكر على أحد، وضاعت القضية.
      ولذلك لا بد من الانتباه إلى المؤامرة الخطيرة في ادعاء أن الحق ليس محصوراً، وأنه ليس واحداً، وليس مجموعاً في شيء واحد، فنحن نقول: إن الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم، الذي أُمرنا بالتمسك به، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: 153].
      فأفرد الله الصراط، وجمع السبُل، وأمرنا أن نسأله ذلك في كل صلاة اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۝ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة: 6 - 7] فهو احد، وقال : قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ [الحجر: 41].


      قال ابن القيم -رحمه الله-: "والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة" [بدائع الفوائد: 1/127]. انتهى.
      والله  يُفرد الحق، ويجمع الباطل، كما في قوله : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ [الأنعام: 153]، وجمَع السبل؛ لأن طرق الضلال متشعبة، وكثيرة، ولا حصر لها، وأفرد الحق، والصراط؛ لأنه واحدٌ لا يتعدد.


      قال عبد الله بن مسعود  شارحا ذلك بحديث النبي ﷺ:" خط رسول الله ﷺ خطّاً بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خطّ عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأأ النبي ﷺ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ، بعد ذلك قال: "ثمّ خط عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السُبل، وليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ [رواه أحمد: 4142، وابن حبان: 7، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان 1/147]. والحديث رواه أحمد، وابن حبان، وهو حديث حسن صحيح.


      وسأل رجل ابن مسعود : ما الصراط المستقيم؟، فقال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، جمع جادّة، يعني: الطريق، عن يمينه جواد يعني: طرق، وعن يساره جوادٌ، وثَمَّ رجال يدعون من مرّ بهم، فمن أخذ في تلك الجواد، يعني: الطرق الجانبية هذه انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ هذه الآية، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ. [تفسير الطبري: 9/671].


      فطريق الحق واحد، وهو طريق الله، وهو طريق الهداية، وهو طريق الإسلام، وهو طريق الاستقامة، وسبُل الضلال كثيرة خبيثة، وقد قال تعالى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [المائدة: 100].
      وقد يشكل على البعض جمع السُّبل في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت: 69]،
      فما هو الجواب؟
      الجواب: أن السبل هنا ليس المقصود بها المنهج، الصراط الأصلي المستقيم، الإسلام، التوحيد، وإنما المقصود بها سبل الخير، يعني: مثل ما نقول: الإيمان بضع وسبعون شعبة [رواه مسلم: 161]، شُعب الإيمان، فإذاً سبل الخير، وشعب الإيمان طبيعي أن تتعدد.


      نقول مثل ذلك: الصلاة سبيلٌ إلى الجنة، والزكاة سبيلٌ، وبر الوالدين سبيلٌ، والإحسان إلى الجار سبيلٌ، والنكاح بالمعروف سبيلٌ، والإصلاح بين المتخاصمين سبيلٌ، والسكوت عن الشر، والسكوت عن قول الباطل، والسكوت عن إيذاء الآخرين سبيلٌ، ويمسك عن الشر، يعني: صدقة، وعدد لك من أنواع المعروف، وطرق الخير.
      فلو قال واحد، يعني: مَن سلك سبيلاً يلتمس فيه علماً [رواه مسلم: 7028]، والسبل إلى التعلم كثيرة، فمنها مثلاً:
      الذهاب إلى العلماء، وثني الركب عندهم، ومنها القراءة في الكتب، ومنها سماع الأشرطة، ومنها السؤال بالهاتف، ونحو ذلك، السبل إلى تعلم العلم كثيرة.
      إذاً، ليس المقصود هنا في حديث: من سلك سبيلاً يلتمس فيه علماً، فالناس تسلك سبلاً للتعلم، أنه هذه تعدد الصراط المستقيم، أو تعدد الحق، لا، الحق المنهج، يعني مثلاً: التوحيد، أن الله واحد، هذا صراط التوحيد واحد وليس هناك غيره.
      الإسلام الذي بعث الله به محمد ﷺ إسلامٌ واحد، وليس إسلامات.
      فإذاً، المنهج الأصل واحد، أما سبُل الخير، وسبُل المعروف، وسبُل التعلم، وسبل الصدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، وإرشاد رجل في أرض الضلال صدقة، وتهدي الأعمى صدقة، وتحمل الرجل متاعه على الدابة صدقة، وتغيث الملهوث صدقة.
      فإذاً، نحن لا نتكلم الآن على سبل المعروف، وسبل الخير، وسبل التعلم، نحن نتكلم الآن على الصراط عند الله المؤدي للجنة، التوحيد، الإسلام، الحق واحد.
      ولا يمكن أن يكون غيره صحيحاً، لا يمكن أن تكون اليهودية حق، والنصرانية حق، والبوذية حق، والهندوسية حق، والشرك بأنواعه الموجود عند الطرق الصوفية، أو عند الرافضة صحيح، والقاديانية، والبهائية، والبابية صحيحة، لا يمكن، هذه أديان وليست سبل معروف، أو طرق خير.
      فإذاً، ما نحن بصدده من ذكر أنه واحد هو الدين، وهو الصراط الموصل إلى الله، وهو منهجه، وسبيله، التوحيد، الإسلام واحد، فالله تعالى هو الإله الحق الواحد، ومن يعبدونه، ويوحدونه هم أهل الحق، والآلهة الأخرى باطلة، وعابدوها على الباطل.

      قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج: 62]، وقال : أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [يوسف: 39]، ودين الحق واحد، وهو دين الإسلام، وبقية الأديان باطلة، قال تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران: 85].
      وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ما في إلا واحد دين حق، واحد، لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: 33]، والفرقة الناجية أهل السنة والجماعة واحدة، فلا يوجد عدة فرق على الحق، الفرقة الناجية واحدة.


      الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، فرقة واحدة ناجية،والبقية هلكى.
      قال النبي ﷺ: ألا إن من قبلكم مَن أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وأن هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة [رواه أبو داود: 4597، وصححه الألباني في السلسلة: 1/404]. رواه أبو داوود وهو حديث صحيح.
      وفي رواية قالوا: "ومن هي يا رسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي [رواه الترمذي: 2641]. رواه الترمذي والحاكم وهو حديث حسن.
      فلو كان الحق متعدداً لما عذَّب الله تلك الفرق، ولما كانت الاثنتين والسبعين في النار، قال عبد الله ابن مسعود : "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنتَ وحدك"، [شرح اعتقاد أهل السنة اللالكائي: 1 / 109].
      وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن الحق واحد، ولا يخرج عما جاءت به الرسل، وهو الموافق لصريح العقل فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا[منهاج السنة النبوية: 5/190].
      فأهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة واحدة، قال عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس [رواه البخاري: 7460، ومسلم: 5064].
      وقال النبي ﷺ: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوئهم، حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال[رواه أبو داود: 2484، وصححه الألباني في صحيح أبي داود: 2245]. رواه أبو داود في سننه، وهو حديث صحيح.


      قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص، الخالص عن ماذا؟ قال: عن الشَّوب، يعني: الأخلاط، صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشَّوب، هم أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الطائفة المنصورة"، [العقيدة الواسطية: 1/32].
      ولذلك تجد أنت أن منهج ودين، وعقيدة، وطريقة أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، والصحابة، وسعيد ابن المسيب، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وفلان، وفلان واحدة.
      ومنصور، وعلقمة، وإبراهيم النخعي واحدة، والأوزاعي والثوري، وشعبه، واحدة، وأحمد، وإسحاق بن راهوية، والبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داوود ابن ماجه واحدة، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي واحدة.

      فلا تجد عندهم اختلاف في العقيدة، فعقيدة أبو بكر الصديق هي عقيدة الأوزاعي، عقيدة الإمام أحمد، هي عقيدة الثوري، عقيدة شُعبة ابن الحجاج هي عقيدة البخاري، عقيدة مالك -رحمه الله-، هي عقيدة من سبقه، من شيخ الإسلام ابن تيمية، الخط واحد، العقيدة واحدة، يختلفون في اجتهادات فقهية، نعم، لكن لا يختلفون في الأصول أبداً، كالإيمان بالله، والملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأركان الإسلام، لا يختلفون في وجوب الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ولا يختلفون في مشروعية بر الوالدين، والإحسان إلى الجار، والأخلاق الحسنة ما يختلفون.
      اختلافهم في اجتهادات في مسائل من الفقه من الأحكام لأسباب، منها مثلاً: كما قلنا سابقاً، خفاء الدليل على بعضهم دون بعض، ضعف الدليل عن بعضهم، أو صحة الدليل عند بعضهم دون بعض، طريقة فهم النص عند بعضهم، وطريقة أخرى عند الآخرين، مثلاً: الناسخ والمنسوخ، أيُّ النصين هو الناسخ، وأيُّ النصين هو المنسوخ؟.
      أيُّ النصين هو الخاص، وأيُّ النصين هو العام؟، مثلاً، لكن أصل الدين واحد، موقفهم من صفات الله وأسمائه، واحد، توحيد الألوهية، واحد، ونحو ذلك من الأصول.




      نظريات مبنية على القول بتعدد الحق:

      وهناك نظريات باطلة مبنية على القول بتعدد الحق، وهذه النظريات موجودة من زمان، لكن كل مدة يحيها الأعداء بقوالب وأشكال جديدة، ودعايات جديدة.
      فمن هذه النظريات المبنية على قضية القول بتعدد الحق التي نرفضها رفضاً قاطعاً، ونعتقد بطلانها، وخلافها لدين الله، وكتابه، وسنة نبيه ﷺ.
      نظرية وحدة الأديان





      من هذه يعني النظريات: نظرية وحدة الأديان

      فيزعم بعض مدعي السلام والإصلاح في العالم أن وحدة الأديان ضرورة، ولا بد أن نسلك هذا الطريق، والتقريب بين الأديان، يعني: لا بد من القيام به على مستوى العالم، وأن هذا هو الطريق إلى السلام العالمي، وأنَّ تمسك كل أصحاب دين لدينهم يؤدي إلى تفرُّق الناس، وقيام الحروب والعداوات، ومن قال: أن الإسلام لا بغض فيه؟ ومن قال: أن الإسلام لا عداء فيه لأحد؟، ومن قال: إن كتاب الله لا قتال فيه لأحد؟، ومن قال: بأن حكم الله ليس فيه براءٌ من أحد، كيف؟
      وأنت تقرأ في كتابه: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة: 1]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ [الممتحنة: 1]، إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا [النساء: 101]، قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة: 29]، قاتلوهم، مَن؟ الذين أتوا الكتاب لا يدينون بدين الإسلام، والمقصود القتال عند القدرة.


      إذاً، الذين يقولون: إن تمسك أهل كل دين بدينهم يؤدي إلى عداوات، ويؤدي إلى حروب، والطريق إلى السلام العالمي هو التقريب بين الأديان، ووحدة الأديان يسود السلام.
      أولاً: هم أنفسهم المنادون بذلك يحاربوننا، وحربهم لنا في البلاد واضحة جداً، والذين طرحوا هذه النظرية لم يطبقوها على أنفسهم، لا، بل هم أول المخالفين لها، فيشُنُّون الحرب على الإسلام والمسلمين في كل مكان، وصِقع، وعصر، ومِصر، لم يفتروا عن ذلك.
      ثانياً: أن الكلام هذا وهو أولاً في الحقيقة باطل؛ لأنه إذا رجعنا للقرآن والسنة سنجد أن الدين هذا فيه براء، وعداوة، وجهاد، مواقف، فيه بغض، كره، أكيد.
      إذا أنت ما كرهت ما يكرهه الله، ولا أبغضت أعداء الله، ولا عاديتَ المشركين بالله، إذاً أنت ماذا؟ لا يكون صاحب ذلك مسلماً.
      لا يمكن، أن يجتمع الحب لله ولأعدائه، الحب لدينه وللأديان الباطلة في قلب واحد؟، لا يمكن.
      فإذاً، هذه النظرية؛ نظرية تقريب الأديان، أو وحدة الأديان نظرية باطلة، ويقول أحد روادها العرب: أنا أؤمن بالإسلام، والمسيحية، واليهودية، طبعاً كلامه ليس جديدا؛ لأن ابن عربي الملحد قال من قبله:
      لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعاً لغزلانٍ وديرٌ لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائفٍ وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنَّى تواجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني فالرجل يحب كل شيء، الله والشيطان، والإسلام واليهودية، الوثنية، كل شيء، الإلحاد.
      وهذا أيضاً كقول بعض الضلال.
      هبوني عيداً يجعل العُرب أمتة وسيروا بجثماني على دين برهم سلامٌ على كفر يوحد بيننا وأهلا وسهلا بعده بجهنم هو إذا يختار كذه كيف يروح جهنم، وقال الآخر:
      يا مسلمون ويا نصارى دينكم دين العروبة واحد لا اثنان طيب هذه الدعوة الإلحادية الكفرية الفاجرة، هدفها الأساس بث الكفر والإلحاد، طمس معالم الإسلام، طمس معالم التوحيد، نشر الإباحية، تغيير الفطرة، مساواة الكفر بالإسلام، وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ۝ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ ۝ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ۝ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ [فاطر: 19-22]، ولا الإسلام ولا الكفر، ولا الشرك ولا التوحيد، ولا السنة ولا البدعة.
      الله  فرّق فقال: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ۝ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم: 35-36].
      وقال الله: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ [الحشر: 20]، ويوم القيام يوم يُسحب اليهود على النار، النصارى إلى النار، وأرباب الأصنام هي وهم معبوداتهم معهم في النار، يسحبون إلى النار يقال : ألا تردون؟ فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ۝ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [الشعراء: 94، 95].


      ونظرية وحدة الأديان، أو تقارب الأديان نهايتها أن ما في جنهم؛ لأنه إذا كان كلهم صح، وكلهم على حق، فمن الذي سيدخل النار؟.
      جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: أن الدعوة إلى وحدة الأديان إن صدرت من مسلم فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام؛ لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله ، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الشرائع والأديان.
      وبناء على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعاً، محرمة قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام، من قرآن وسنة وإجماع. [فتاوى اللجنة الدائمة - 1 12/281]. انتهى فتوى اللجنة الدائمة.
      ثم فيها مغالطة واضحة للعقل، فمثلاً دين المسيح يقول: المسيح عبدٌ لله، وهذا دين الإسلام؛ لأن المسيح نفسه قال عندما يسأله ربه يوم القيامة، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ [المائدة: 116]، ماذا يقول عيسى؟ سُبْحَانَكَ [المائدة: 116].
      فيتبرأ من هذا، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [المائدة: 116]، أأنت قلت للناس؟
      فيتبرأ، فإذاً، هو دين الإسلام الذي هو دين محمد ﷺ، ودين عيسى -عليه السلام-، واحد في هذه المسألة أن المسيح عبد لله.

      ودين النصارى، يقولون: المسيح ابنٌ لله، المسيح ثالث ثلاثة، أو ثاني ثلاثة، واليهود يقولون: ابن زنا والعياذ بالله، حاشى عيسى أن يكون كذلك.
      فإذاً، دين يقول: المسيح عبدُ الله، ودين يقول: المسيح هو الله، وتارة يقولون: ابن الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ودين يقول: ابن زنا، الذين هم اليهود، كيف يجتمعون؟ كيف؟ كيف ستجمع هؤلاء مع بعض كيف؟ لا يمكن.
      سارت مشرقة وسرت مغربا شتّان بين مشرق ومغربِ نظرية: كل مجتهد مصيب




      ثانياً: نظرية: كل مجتهد مصيب:

      الدعوة الثانية وهي عبارة موجودة في بعض الكتب الإسلامية، لكن نريد أن نعرف الذين يأخذون العبارة هذه لتعميمها، ما هو مقصودهم؟
      العبارة: كل مجتهد مصيب، إذا كان قائلها يقصد أن كل مجتهد في الأقوال الفقهية، يعني: في ميدان الاجتهاد الفقهي، يعني: المسائل غير المجمع عليها، غير المحسومة، غير القطعية، أنه كل مجتهد في ميدان، مثلاً: الأحكام غير القطعية، غير المجمع عليها.
      مصيب بمعنى: مأجور، نعم، تصح العبارة، لكن إذا قال واحد: كل مجتهد في أمور العقيد، والأديان، والعبادات، والملل والمحن، ولأقوال، وكل المسائل الفقيه، كل واحد، أي قول خرج به فهو مصيب، فهذه كارثة، وكذبة كبرى، وباطل.
      فإذاً، إذا قصد بها أن الحق يتعدد، وكل مجتهد قد أصاب الحق، اليهود أصابوا الحق في طريقتهم، والنصارى أصابوا الحق في طريقتهم، والمسلمون أصابوا الحق في طريقتهم، والبوذيون أصابوا الحق، كل واحد مصيب، كل مجتهد مصيب للحق، وكل عابد لشيء مصيب للحق!.
      كلهم مصيبون للحق، والفرق هذه كلها؛ كلها الرافضة، القاديانية، التيجانية النقشبندية، الرفاعية كلها مصيب للحق.
      نقول: لا. تساوون الكفر بالإسلام، تساوون الشرك بالتوحيد، تساوون السنة بالبدعة، وحتى على مسالة الأحكام الفقيه، ما هو كل مجتهد مصيب، بمعنى: أن أي مسالة -مثلاً-، بعضهم اجتهد فأباحها، وبعضهم اجتهد فحرمها أنه كلاهما مصيب.
      لا، الحق عند الله واحد، وهذه الأحكام الفقية حتى التي يجتهد فيها العلماء، الحق عند الله واحد، يعني: الله إما أن يكون أباحه، وإما أن يكون حرمه، لا يمكن أن الله يبيح ويحرم الشيء الواحد في وقت واحد، لا يمكن.
      فلو اجتهد العلماء حتى في مسائل الفقه الاجتهادية، فخرجوا بأقوال، ما أبد الحق عند الله واحد، لكن الذي عنده أهلية الاجتهاد، لا يأثم، مأجور لاجتهاده، والذي اجتهد وأصاب له أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والذي اجتهد وأخطأ له أجر واحد، أجر الاجتهاد، وإلا فإن الصواب والحق في المسألة عند الله واحد.


      يعني مثلاً: زكاة الحلي عند الله، إما أنها واجبة، أو غير واجبة، لا يوجد قولين غيرهما، حتى في المسائل الاجتهادية عند الله لمس المرأة ينقض الوضوء، ولا لا ينقض الوضوء؟ خلاص مسعى الحق واحد.
      قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية مثلاً، الحق عند الله واحد، إما أنه يجب، أو لا يجب، لكن هذه مسائل الله بحكمته أراد أن يجتهد العلماء، تتفاوت الأنظار، وتدور الأفكار، وكل واحد يحاول إصابة الحق، يتفاوتون في الأجور بناء على ذلك.
      وهذا أصاب الحق في كذا وكذا مسألة، يكون أرفع رتبة عند الله ممن أصاب في مسائل أقل أصاب فيها الحق، يعني: الله يفاوت بين الناس في درجات الجنة، ويفاوت بين العلماء، فإذا إذا كان مراد القائل أن الحق يتعدّد، وأن كل مجتهد قد أصحاب الحق الذي هو حكم الله، فهذا قول باطل؛ لأن هذا يستلزم الجمع بين الضدين.

      وهذا لا يمكن، ولو قال مالك -رحمه الله- في مسألة: أنه مباح، وقال أحمد في مسألة: أنه محرم، أو العكس، ولو قال الشافعي في مسألة النكاح: أنه بلا ولي باطل باطل، وقال أبو حنيفة مثلاً: هو صحيح مثلاً في نكاح الثيب بلا ولي، فعند الله قطعا الحق واحد.
      يا أن يكون النكاح عند الله بلا ولي صحيح، أو يكون باطل، لا يمكن أن يكون صحيح وباطل مع بعض، ما يمكن، ما يمكن، فإما أن يكون الشافعي قد أصاب الحق، الذي هو واحد عند الله, وإما أن يكون أبو حنيفة هو الذي أصابه.
      قال الإمام قدامه -رحمه الله-: "الحق في قول واحد من المجتهدين, ومن عداه مخطئ، سواء كان في فروع الدين, أو أصوله، لكن إن كان من فروع الدين مما ليس فيه دليل قاطع من نص, أو إجماع، فصاحبه معذور من غير إثم، فقط، لكن لا أنه أصاب الحق، معذور من غير إثم, وله أجر على اجتهاده". [روضة الناظر وجنة المناظر: 2/347].
      إذاً، في مسائل الاعتقاد, أو مسائل الدين الأصلية لا يمكن أن يُقبل التعدد، لا يمكن أن يقبل الله التعدد في مسألة هل الله واحد، أولا اثنين؟.
      لا يمكن أن يقبل التعدد في مسألة هل تصرف كل أنواع العبادة لغير الله، ولا يمكن صرف بعضها لغيره؟
      لا يمكن أن تقبل مسألة أن الصلاة واجبة أو غير واجبة، لا يمكن، لا يمكن أن يقبل خلاف في تحريم الزنا، ولا تحريم الربا، فهذه القطعيات، المسائل المجمع عليها، هذه الحق فيها معروف، واضح للجميع، ولا يُقبل الخلاف فيها أبدا، والمخالف فيها لا يُقال: له أجر، ولا مجتهد، يعني: معذور، لا، بل مأزور، ضال.
      المسائل التي يقبل فيه الخلاف، ومع ذلك الحق فيها واحد، مثل: فروع الفقه غير المحسومة في الكتاب والسنة، التي فيها النظر والاجتهاد، زكاة الحلي واجب على المرأة، أم لا؟
      هذه من المستعملات ليس فيها زكاة، لا هذه من المستعملات في زكاة، هذه مسائل اجتهادية، ومع ذلك الحق فيها واحد، ولكن المجتهد فيها دائر بين الأجر و الأجرين، أما أن يكون أصاب الواحد عند الله، أصابه، فهو مأجور، وله أجران؛ أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وإما أن يكون قد أخطأ الحق عند الله في المسألة، فيكون مأجور باجتهاده أجراً واحدا.
      ماذا نقول في الاجتهاد الناشئ عن اختلاف التنوع؟، يعني مثلا: التحيات وردت بكذا صيغة، دعاء الاستفتاح ورد بكذا صيغة، الصلاة الإبراهيمية وردت بكذا رواية، خلص، المجتهد في هذه كل مصيب، لماذا؟

      لأنهم ما اختاروا إلا ما ورد، وهذا اختلاف تنوّع، مَن اختار هذه الصيغة يُؤجر، ومن اختار هذه الصيغة يُؤجر، ومن اختار هذه الصيغة يؤجر، وهذا ليس موضوعنا أصلاً، ولكن لتكملة القسمة.
      إذاً، ذكرنا أول مثال على القواعد الضالة، أو المناهج الضالة في مسألة الحق والباطل، وحدة الأديان، وثانيا: عبارة كل مجتهد مصيب، وبيناها.
      القول بتعدد الحق وأن الحقيقة نسبية


      ثالثا: من يقول القول بتعدد الحق، وأن الحقيقة نسبية، يعني: ما في حق كامل، الحق موزع عند الطوائف، وعند الأديان، وعند الملل، وعند الناس، موزع، ما في طائفة تحتكر الحق لها.
      لو قلت: أهل السنة، يقول: لا حتى أهل السنة لا يحتكرون الحق، يعني: الرافضة عندهم منه، يقول: أي عندهم، القاديانية عندهم منه، يقول: عندهم، خلاص وسيصل ويقول: أن الملاحدة عندهم جزء منه.
      قضية الحقيقة النسبية، أو الحق النسبي، هذه خدعة شيطانية كبيرة تم الترويج لها في هذا العصر، وأن كل وجهات النظر، والأفكار التي في العالم، والآراء، بعضهم يقول: متساوية، وبعضهم يقول: كل واحدة فيها نسبة من الحق.
      ولذلك، يعني، طيب القول هذا ماذا يترتب عليه؟ أنه لا يوجد أحد، أو جهة، أو طرف، أو دين، أو طائفة، ما في، لا يمكن أن يأتي ويقول: طريقي هو الحق الوحيد الصحيح؟
      يعني: أنت بناء على هذا الكلام، لو اجتمعت أنت ومسلم، ويهودي، أنت ويهودي ونصراني، ومجوسي، وبوذي، وسيخي، وهندوسي، لا يجوز لك أنت المسلم، ما يحق لك أن تقول: أنا ديني هو الحق فقط، وأنتم كلكم على باطل.
      هذه نظرية الحق النسبي، التعددية، هذا مؤداها، ولذلك يعني، يقولون: نسمح لكم بعبارات مثل: مثلا تقولون يعني: أنا رأي في نظري صواب يحتمل الخطأ، ورأي غير خطأ يحتمل الصواب، فقط أسمح لكم بهذا القدر.
      أنك أنت مسلم مثلا، تقول لليهودي: والله أنا ديني صواب، بس ممكن يحتمل الخطأ، وأنت دينك في نظري خطأ، لكن يحتمل الصواب.
      مع أنه الحق، أنه ديني أنا المسلم صواب لا يحتمل الخطأ، ولا أقصد ممارساتي الشخصية، لا، ديني الذي في الكتاب والسنة.
      ما هو الحق؟ أن نقول: ديني الإسلام الذي في الكتاب والسنة لا يحتمل الخطأ، ودينك يا يهودي خطأ لا يحتمل الصواب، هذا هو الصحيح.
      صرنا نقرأ في كثير من الصحف عبارات مثل: الحق المطلق لا يملكه أحد، انظر كيف تضيع قضية، يعني: محاولة تضيع القضية، تضيع المسألة، كيف يضيعوا الحق، الحق المطلق لا يمتلكه أحد، لا أحد يمتلك، لا أحد يحق له أن يزعم امتلاك الحقيقة، الحق مسألة نسبية، لا يجوز لأحد أن يحتكر الحق، وهكذا.
      هذه العبارات ما مؤداها؟ أنك أنت الآن إذا أنكرت على واحد مشرك، أو مبتدع، أو كافر، يقول لك: لا تنكر عليه، من الذي قال الذي أنت عليه هو الحق المطلق، هذه المقصود من العبارات هذه، المقصود منها، التملص، والتخلص عندما يخالفونك.
      هذه العبارات تبرر وجود الكفر، والشبهات، والشهوات، هذه العبارات، وهذه النظرية تبرر استمرار وجود اليهودية، والنصرانية، والأديان الباطلة الأخرى، ومثلا: الرافضة، وغيرها من الطرق، والشرك.
      طرق الشرك كلها، ويعذر بعضهم بعض أنه لا أحد ينكر على أحد، ولا أحد يعادي أحد أبدا، خلاص اعذروا اليهود في دينهم، واعذروا المشركين عباد الأوثان، والأصنام في دينهم، واعذروا عباد القبور في دينهم، واعذروا عباد الكواكب، والشمس في دينهم، اعذروهم، ما أحد ينكر على أحد.

      ما أحد عنده الحق المطلق، المسألة نسبية، فظهر ما يسمى بقضية "التعددية الدينية، ووجوب القبول بها"، فرعوا عليها التعددية الدينية، ووجوب القبول بها، ولا أحد ينكر على أحد، وصار عندنا تعددية، اعتقادية، تعددية فكرية، وأنت ما شفت تعدديات.
      قال ابن قدامه رحمه الله: قال بعض أهل العلم: هذا المذهب أوله سفسطة، وآخره زندقة؛ لأنه في أوله يجعل الشيء ونقيضه حقا، وفي آخره يخير المجتهدين بين النقيض عند تعارض الدليلين، فيختار، أو يخير المجتهدين بين النقيض عند تعارض الدليلين، فيختار من المذاهب ما يروق لهواه. [روضة الناظر وجنة المناظر: 2/361].
      التسليم لهذه المقولة يناقض أصلا الإسلام، لو كانت الحقائق نسبية ما أهلك الله المكذبين بصالح عليه السلام، ولا أهلك الله قوم عاد لما كذبوا هودا، ولا أهلك الله فرعون؛ لأنه فرعون عنده شيء من الحق، وعنده جزء من الحق، ما هو الحق نسبي؟


      ما هو الحق ما يجوز لموسى أن يقول: أنا فقط على الحق، لأنه بمعنى كلامهم: أن موسى عليه السلام ليس له امتلاك الحق الكلي، والمطلق؛ لأنه فرعون يمكن يكون عنده جزء من الحق، ولذلك وجد الآن في بعض الضلال المشركين من يقول مثلاً: أنه كل ما ترى بعينك فهو الله، وحدة الوجود.
      وبناء على ذلك لما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى، كان مصيباً، لكن موسى ما فهم عليه؛ لأنه نظرية، أو دين، اعتقاد أنه كل شيء في العالم هو الله، الجدار، والمسجد، وأنا، وأنت، وأي شيء خلاص هذا هو الله، الذي هي عقيدة وحدة الوجود الكفرية.
      خلص فرعون لما قال: أنا ربكم الأعلى كلامه صح، لكن موسى ما فهم عليه، لو كانت قضية انه ما أحد يمتلك الحق المطلق صحيحاً، ما أهلك الله الأمم المكذبة لرسولها، ولما جاهد النبي ﷺ الكفار؛ لأنه كفار قريش كان معهم جزء من الحق.
      لو كانت هذه النظرية صحيحة كان الجهاد كله باطل؛ لأنه لماذا المسلمون يجاهدوا الروم؟ لماذا يجاهدوا الفرس، المجوس؟ لماذا فتحوا بلاد البربر، وفتحوا الهند؟
      لأن أهل الهند عندهم جزء من الحق، والبربر عندهم جزء من الحق، والمجوس عندهم جزء من الحق، والروم النصارى عندهم جزء من الحق، فماذا قاتلوهم، وجاهدوهم؟
      وصلنا إلى إبطال الجهاد، وإبطال الفتوحات الإسلامية، وإبطال مواجهة النبي ﷺ لكفار العرب، وقريش، وإبطال إهلاك الله للأمم المكذبة؛ لأنه أنتم جزء من الحق.
      ما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام لكفار قريش لما جاءوه مع عمه أبو طالب، وقال يا ابن أخي إن رأيت أن تترك، يعني: معاداتهم، وسب أصنامهم، وآلهتهم، يعني: أبناء عمك، وأبناء عمومتك، فقال عليه الصلاة والسلام: هل ترون هذه الشمس، قالوا: نعم، قال: ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا لي منها شعلة [مسند البزار: 2170، وصححه، صحيح السيرة النبوية ص: 144].
      يعني: لو تجيبوا لي شعلة من الشمس، ولن يستطيعوا الوصول إليه، أقول بعض المغفلين، قال يعني: لما سمعوا أن في دولة طلعوا للقمر قال: ونحن نطلع للشمس، فجاء هؤلاء وقالوا: أنتم صحيح تطلعوا للشمس؟ قالوا: ستحترقوا، قالوا: شوف ، يفكروا أننا سنطلع في النهار.!

      هذه الشمس، قال: ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا لي منها شعلة، فلماذا النبي عليه الصلاة والسلام يسلك طريق الأخطار، ويجابه أقاربه، وقريش، والعرب، والعالم؟
      لماذا التعب هذا إذا كان المسألة نسبية، وكل واحد معه الحق، وليست هناك حقيقة مطلقة، وليس هناك حق مطلق كامل، لماذا فعل ذلك؟.
      نحن الآن تكلمنا أمثلة على القاعدة الأولى، طيب ما هي القاعدة الأولى؟ أن الحق واحد لا يتعدد.
      من تجاوز الحق وقع في الباطل


      القاعدة الثانية في معرفة الحق: من تجاوز الحق وقع في الباطل؛ لأن الحق والباطل عدوان، وضدان لا يجتمعان، وليس هناك برزخ بينهما، ولا منزلة بين المنزلتين، لأن الله قال: فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [يونس: 32]، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32].
      ما في بعد الحق شيء ثاني، ما في بعد الحق إلا ضلال، فهذا الاستفهام الإنكاري، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ [يونس: 32] معناه: لا واسط بينهما، لا يوجد بعد الحق إلا الضلال.
      فمثلا: القرض الحسن، مشروع وحق، فمن جاوزه إلى قرض بزيادة، فإنه سيكون باطلاً قطعاً، مهما كان قليلاً، يعني: لو قال واحد: باعطيه مائة ألف يرجع لي مائة ألف وريال، يقول له: بعد الحق ما في إلا الباطل، وهذا الريال ربا.
      فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7، 8]، من تجاوز سنة النبي ﷺ وقع في البدعة، لو واحد قال: الوضوء ثلاثاً، أنا سأتوضأ أربعا، اعلم أن الرابعة هذه بدعة، خلاص، التجاوز، تجاوز السنة بدعة، وهكذا.





      أنواع الخالطين بين الحق والباطل


      الأمثلة كثيرة، الذين يحاولون الجمع بين الحق والباطل هم أهل الباطل؛ لأن هذان ضدان لا يجتمعان، والخالطون بين الحق والباطل أنواع:
      النوع الأول: علماء الضلالة من اليهود، وأمثالهم، الذي يلبسون الحق بالباطل، قال الله: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [آل عمران: 71]، لا تلبسوا: لا تخلطوا.
      نهاهم عن أمرين:
      الكتمان، والخلط؛ لأنهم اشتهروا بذلك، يكتمون صفة النبي -عليه الصلاة والسلام- المكتوبة عندهم، ويخلطون الحق بالباطل، حتى لا يتميز هذا من هذا، والذي يفعل ذلك في هذه الأمة متشبّه بهم.
      انظر الآن مثلا إلى الخلط الحاصل بين الحرية، والانفلات من الدين، فالله  أعطى العباد قدراً من الحرية في الاختيار، ما أعطاهم حرية كاملة في كل شيء، يعني ما قال: تعبدوني، وتعبدوا غيري كما تريدون، تزوج أو تزني، افعل ما تشاء، لك الحرية، ترابي أو تبيع، افعل ما تشاء، لا.
      جعل لهم حدود، حدوداً، محرمات لا يجوز انتهاكها، وواجبات لا يجوز اختراقها، وتعديها والخروج منها، وفي أشياء كثيرة الإنسان فيها عنده خيارات، مثلاً هو حد له أربع، الجمع بين أربع في الزواج، يعني: أتزوج واحدة، أتزوج اثنتين، يتزوج ثلاثة، يتزوج أربعة، يأخذ ملك يمين، هو حر.
      فإذاً، الخلط بين الانفلات من الدين، وقضية الحرية، هذا خلطٌ عظيم بين الحق، والباطل، هذا مروقٌ من الدين، هذا تحرر من ضوابط الدين؛ لأنه شذوذ، وعري، وفواحش، وانحطاط، وكفر، خلاص، أنت حر تفعل ما تشاء.
      الذين يخلطون اليوم بين الشورى، والديمقراطية، الديمقراطية، منتج غير إسلامي، الديمقراطية تقوم على رأي الأكثرية، مثلاً، وقد قلنا سابقا: أن الأكثرية لا تدل على الحق بالضرورة، والله قال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: 116]. وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103].
      يعني: الآن لو استفتينا سكان العالم، سكان الكرة الأرضية، يقدّر عددهم بسبعة مليار، لو استفتيناهم على دين الإسلام، لو أربعة مليار قال: ما يعجبنا، ماذا نفعل؟
      قرر العالم إلغاء الإسلام؛ لأنه أكثرية أهل الأرض لا يعجبهم!، المسلمون لو كانوا مليارين من سبة، هل هذه أكثرية، لا.، أيش أكثر العالم؟ كفار، انتهت القضية، هذا إحصاء الأمم المتحدة، يعني: ما في، العالم سبعة مليار، المسلمون على أعظم التقديرات مليارين.
      مليارين، نحن مليارين من سبعة، يعني: لو استفتينا أكثر العالم عن الربا، وقالوا: مثلاً أربعة من سبعة، خمسة مليار من سبعة أيوه، لو استفتينا عن الزنا قالوا خمسة من سبعة.
      فقضية الديمقراطية التي هي رأي الأغلبية ما هو مبدأ إسلام، ولا هو منتج إسلامي، ولا هو من الشرع والدين، متى يستعمل التصويت؟
      يستعمل في الأوساط النظيفة لإرغام أنوف الآخرين، مثلاً لو أن عندك بيئة يغلب عليها السلامة والدين، وجاء بعضهم، وقال: لا نرضى إلا بالأغلبية، فمن باب المحاجة، ومن باب إسكات الخصم، قلت: نصوت، واختارت الأكثرية مثلاً الحق، فمن باب الإرغام والإسكات تقول: اتفضلوا، خذوا.
      لكن هل من الحكمة أن تعمل التصويت في وسط أكثره فاسد؟ ها، أيش، لا، لا، ولم تكن الديمقراطية أبدا في تأريخها إسلامية، ولا من الإسلام والدين.

      لكن أحيانا بعض المسلمين عندما يُغلب على أمرهم، مساكين ما عندهم إلا الانتخابات، والتصويت، خلاص، يدخلوا يمكن، يقولون: ما طلعنا بنتيجة، ولا طلعنا، خلينا نجرب لعلنا نطلع في هذه، ما هو لأن هذا منتج إسلامي، لا، ولا شيء إسلامي، لكن محاولة، يعني: لما يغلبوا.
      وقلنا: هذه ما يقبل، ما تعني، ما تعمل أصلاً، إلا إذا واحد عجز عن إقامة الشرع، ومثلا لو قلت: والله أهل الحل والعقد هم الذين يقررون كذا، في الإسلام أهل الحل والعقد هم الذين يقررون، العلماء، والخبراء، وكبار الناس، والوجهاء، والحكماء، والمشايخ، ورؤوس الناس، خلاص.
      لو كان في الإسلام أهل الحل والعقد هم الذين يقررون، خلاص انتهينا، لا ديمقراطية، ولا تحتاج انتخابات، ولا شيء، لكن لما يغلب أهل الإسلام في بعض الأمصار، في بعض أماكن، ما يستطيعون، ما يستطيعون أن يطبقوا الحكم الإسلامي، فقالوا: طيب، انتخابات، ديمقراطية.
      ومع ذلك يا إخوان، ومع ذلك يا أيها الأحباب، ومع ذلك يا أيها المسلمون، هل ترك أعداؤنا مجالا للمسلمين في الديمقراطية، أن يصلوا إلى نتيجة إسلامية، أو حكم إسلامي؟ لا، لا، واضحة جداً، لا ما تركونا، فإذا.
      طبعا في هذا درس للمسلمين: أنه الطريق كذا، ويعني: هذه المبادئ الأخرى، ما جابت نتيجة، هو بالبرهان الواقع، فلذلك ما يجوز نخلط بين الشورى والديمقراطية مثلا، ما يجوز بين مثلا: في قضية التشريع، الآن نحن قوانين تشريع دستور القرآن والسنة.
      لو واحد قال: لا، يعني الدستور لازم يكون متعدد المشارب، كذا يقول، إذا عندك نصارى، لا زم نحط بالدستور كذا، ولا نحط، يا ابن الحلال: لهم في القرآن والسنة، لهم ما يحميهم، عندهم، في أهل ذمة، وفي أهل عهد، وفي أهل.
      أنت تظن يعني: أنه الإسلام، والقرآن، والسنة، ما كفل لهم حقوقهم؟، يعني: تظن أن القرآن والسنة، يعني: الله يحيف عليهم، ورسوله، ما يحيف عليهم، يأخذوا حقوقهم محفوظة، لكن ما هو على هواهم.
      الإنسان لو أراد أن يطالب، يطالب يأكل حق غيره، فقط يأخذ، يأخذ، ولذلك لهم حقوق في الشريعة، خلاص. طيب.
      موضوعنا هذا له تكملة، هو موضوع الخلط بين الحق، والباطل، والقواعد التي بناء عليها يميز الحق من الباطل، وكيف نمنع الانزلاق نحو القبول بالباطل، أو الرضا بالباطل، أو أنصاف الحلول كما يقولون، هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.




      موقع الشيخ محمد صالح المنجد
    • إنْ على الناصحِ إلا البلاغُ المبين وهداية الدلالة، وأمَّا هداية التوفيقِ؛ فذاكَ أمرٌ لا ينبغي لأحدٍ من البشر، يدلُّك على ذلك أن خوطِبَ خيرُ البشر صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [البقرة: 272] وخوطب: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص: 56].

      والآيات في هذا المعنى مستفيضةٌ، بل إنَّها من أكثر المعاني تكرُّرًا في القرآن، ويكفي أن تعلم أنَّ ذلك جاء نصًّا في إحدى عشرةَ آية:

      1- فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [آل عمران: 20].
      2- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [المائدة: 92].
      3- مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [المائدة: 99].
      4- وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ [الرعد: 40].
      5- وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النحل: 35].
      6- فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النحل: 82].
      7- قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النور: 54].
      8- وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [العنكبوت: 18].
      9- وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [يس: 17].
      10- فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ [الشورى: 48].
      11- وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [التغابن: 12].


      كما جاء المعنى نفسه بعباراتٍ أخرى كقوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية: 21، 22] ، ومثل قوله: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف: 6]، وقوله: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[الشعراء: 3].

      وهذا الأمرُ - مع وضوحه البالغ - فإنَّ البعضَ ينصرفُ عنه جهلًا أو تجاهلًا، فتراه لا يكتفي بالبلاغ - الذي لا يمكن أن نسميَّه بليغًا - بل يُريدُ أن يأطِرَ الناس على الدين أطرًا، ويحملهم عليه حَملًا، بأيَّةِ وسيلةٍ كانت، وهؤلاء - وإن كان محمودًا لهم حرصُهم - فقد أتوا البيوت من غير أبوابها. وربَّما دفعه حرصه هذا على تجاوُزِ حدِّ الرحمة بالناس، فلْيعلموا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أرحمَ الناس بالنَّاس، وأنَّ أهل السُّنَّةِ في الخلقِ هم أرحمُ الناس بالناس، وأنَّ أرحمَ الناس مَن يرحم مَنْ لا يرحم نفسه.   إنَّ الناصحَ لَيستريحُ ويطمئنُ نفسًا، ويهنأ بالًا؛ إذا أيقنَ أنَّه مأجورٌ على البلاغ لا على النتيجةِ، ولْيعتبر بأنصح البشرِ: أنبياء ربِّ البشر، إذ يأتي أحدهم يوم القيامة وليس معه أحدٌ، لا عن تقصيرٍ في البلاغِ، وإنَّما عن إرادةِ ربِّ القلوبِ.  
      وثمَّةَ معنيانِ حقيقانِ بالتذكُّر والتفكُّر

      أولهما: أنَّ البلاغ - وإن أُطلق - فالمقصود به البلاغ المبينُ، وهو الذي تقوم به الحجة وتتضح به المحجَّةُ، فليس كلُّ من تحدَّثَ بلَّغَ، وليس كلُّ من ارتَقى الـمِنبر وعظَ. وأمَّا المعنى الثاني: فإنَّ من تمام البلاغِ؛ أنْ يكون الناصح الداعية متحققًا بصفةِ: عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة: 128]. ومن علامة ذلك؛ ألا ينفكَّ يدعو الله للناس - كلّ الناس - بالهداية والتوفيق، ومن أخصِّ علاماته: أن يُحبَّ لهم ما يُحبُّه لنفسه من الخير، وإن جاءهم من طريق غيره، وإن أحبَّ أن يكون من طريقه فليس إلا لما فيه من الأجر لا أن يُنسبَ إليه الفضلُ، فالفضل أوَّلًا لـمَن أقامه على طريقة الأنبياء، والفضل ثانيًا لـمن وضع له القبول وجنَّبه الإعراض والجفاء، والفضل آخرًا لمن أجزل له المثوبة والجزاء.
        موقع الالوكة الشرعية    
    • الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا.

      أما بعد:
      فإن الموت هو الحقيقة التي لا يستطيع أحد من الناس أن ينكرها؛ من أجل أحببت أن أذكِّر نفسي وإخواني الكرام بوسائل الاستعداد للموت، وأقوال السلف الصالح عند الاحتضار، وشدة الموت عند خروج الروح، وعلامات حسن الخاتمة، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

      بسم الله الرحمن الرحيم   الموت يأتي فجأة:
      يجب علينا جميعًا أن نعلم أن الموت يأتي بغتةً، ولا يدري أحد من الناس متى وأين وكيف سينتهي أجله الذي كتبه الله تعالى.
      قال سبحانه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [لقمان: 34].

      ولذا ينبغي على كل مسلم أن يحرص على كتابة وصيته؛ وذلك بأن يوصيَ أهله وأقاربه بتقوى الله عز وجل، والحرص على طاعته، وذلك بأداء جميع العبادات على وجهها الصحيح، وعليه كذلك أن يكتبَ ما له وما عليه من الديون.

      روى الشيخان عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيتُه مكتوبة عنده))؛ (البخاري حديث 2738 / مسلم حديث 1627).

      قال الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [المؤمنون: 99، 100].

      وقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 9 - 11].

      وقال جل شأنه: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجمعة: 8].

      روى البخاري عن مجاهد بن جبر، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: ((كُنْ في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابر سبيل))، وكان ابن عمر يقول: (إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخُذْ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك))؛ (البخاري حديث: 6416).

      روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعِظه: ((اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرَمك، وصحتك قبل سقَمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتك قبل موتك))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 1077).

          وسائل الاستعداد للموت:
      وسائل الاستعداد للموت كثيرة، ويمكن أن نوجزها في الأمور الآتية:
      أولًا: المحافظة على ما افترضه الله تعالى على المسلم:
      يجب على المسلم أن يستعد للموت بالمحافظة على أداء كل ما افترضه الله تعالى عليه، من الصلاة والزكاة والحج وصوم رمضان.

      وينبغي على المسلم أن يتبع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأقوال والأفعال.

      قال سبحانه: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43].
      وقال تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ [البقرة: 238].
      وقال جل شأنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].
      وقال سبحانه: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].

      روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))؛ (البخاري حديث 8 / مسلم حديث 16).

      وأمرنا الله تعالى باتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، بقدر المستطاع، ولا يكلف الله تعالى نفسًا إلا وسعها.

      قال سبحانه: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59].

      وقال جل شأنه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].

      وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7].



      ثانيًا: الإكثار من ذكر الموت:
      (1) روى الحاكم عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنه يرق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هُجْرًا))؛ (حديث حسن)؛ (أحكام الجنائز للألباني صـ 228).
      • هُجْرًا: الكلام الباطل المخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.

      روى الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثروا ذِكْرَ هاذم اللذات)) يعني الموت؛ (حديث حسن صحيح) (صحيح سنن الترمذي للألباني حديث 1877).

      (2) قال أبو الدرداء: (مَن أكثر من ذكر الموت، قل حسدُه، وقل فرحُه)؛ (مصنف ابن أبي شيبة جـ 7 صـ 110 ـ رقم: 34583).

      (3) قال عمار بن ياسر: كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنًى، وكفى بالعبادة شغلًا؛ (الزهد لأحمد ـ صـ 145 رقم: 984).

      (4) شكَتِ امرأة إلى عائشة رضي الله عنها قساوة في قلبها، فقالت لها: أكثري من ذكر الموت، يرق قلبك، ففعلت، فرق قلبها، فجاءت تشكر عائشة؛ (العاقبة في ذكر الموت ـ لعبدالحق الإشبيلي صـ 41).

      (5) قال كعب الأحبار: مَن ذكر الموت، هانت عليه المصائب؛ (العاقبة في ذكر الموت ـ لعبدالحق الإشبيلي صـ 41).

      (6) قال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا، فلم يدَعْ لذي لب فيها فرحًا، وما ألزم عبدٌ قلبه ذكر الموت إلا صغُرت الدنيا عليه، وهان عليه جميع ما فيها؛ (مختصر منهاج القاصدين صـ: 383).

      (7) قال الأوزاعي: ما أكثر عبدٌ ذكر الموت إلا كفاه اليسير؛ (الخلعيات ـ لعلي بن الحسن الخلعي صـ 8).

      (8) قال عبدالأعلى التيمي: قطع عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله تعالى؛ (تاريخ الإسلام للذهبي جـ 3 صـ 675).

      (9) قال الدقاق: مَن أكثر ذكر الموت، أُكرم بثلاث: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسيه، عوقب بثلاث: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة؛ (التذكرة للقرطبي صـ: 126).     ثالثًا: الاستعداد للموت بالتوبة الصداقة:
      يجب على المسلم أن يستعد للموت بالتوبة الصادقة، والمحافظة على أداء الفرائض، واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في جميع الأقوال والأفعال.

      قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [التحريم: 8].

      قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا ﴾ [التحريم: 8]؛ أي: توبةً صادقةً جازمةً، تمحو ما قبلها من السيئات، وتلمُّ شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات؛ (تفسير ابن كثير جـ 14 صـ 60).

      شروط التوبة الصادقة:
      قال الإمام النووي (رحمه الله): قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط:
      أحدها: أن يقلع عن المعصية.
      والثاني: أن يندم على فعلها.
      والثالث: أن يعزم ألا يعود إليها أبدًا.

      فإن فقد أحد الثلاثة لم تصحَّ توبته، وإن كانت المعصية تتعلق بآدمي، فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالًا أو نحوه رده إليه، وإن كانت حدَّ قذف ونحوه، مكَّنه منه، أو طلب عفوه، وإن كانت غِيبةً استحله منها، ويجب أن يتوب من جميع الذنوب، فإن تاب من بعضها، صحت توبته عند أهل الحق من ذلك الذنب، وبقي عليه الباقي؛ (رياض الصالحين للنووي صـ 25: 24).



      علامات قبول التوبة الصادقة:
      (1) أن يكون المسلم بعد التوبة خيرًا مما كان قبلها.

      (2) لا يزال الخوف مصاحبًا للمسلم، لا يأمن مكرَ الله تعالى طرفة عين، فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الملائكة لقبض روحه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]؛ فهناك يزول الخوف.

      (3) انخلاع قلب المسلم وتقطُّعه ندمًا وخوفًا، وهذا على قدر عِظَم الجناية وصغرها، ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه، وهذا هو تقطُّعه، وهذا حقيقة التوبة؛ لأنه يتقطع قلبه حسرة على ما فرط منه، وخوفًا من سوء عاقبته، فمن لم يتقطع قلبه في الدنيا على ما فرط حسرة وخوفًا، تقطع في الآخرة إذا حقَّت الحقائق، وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين، فلا بد من تقطع القلب، إما في الدنيا، وإما في الآخرة.

      (4) الإكثار من الاستغفار والدعاء؛ (مدارج السالكين لابن القيم جـ 1 صـ 208: 206).



      رابعًا: حسن الظن بالله عند الموت:
      روى مسلم عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: ((لا يموتن أحدُكم إلا وهو يُحسن الظن بالله عز وجل))؛ (مسلم حديث: 2877).

      قال الإمام النووي (رحمه الله): قال العلماء: هذا الحديث تحذيرٌ من القنوط، وحث على الرجاء عند الخاتمة؛ (مسلم بشرح النووي جـ 17 صـ 209).

      روى أحمد عن حيان أبي النضر قال: دخلت مع واثلة بن الأسقع على أبي الأسود الجرشي في مرضه الذي مات فيه، فسلم عليه، وجلس، فقال له واثلة: واحدة أسألك عنها؟ قال: وما هي؟ قال: كيف ظنك بربك؟ قال: فقال أبو الأسود: وأشار برأسه؛ أي: حسَن، قال واثلة: أبشِر؛ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاء))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 25 صـ 398 حديث: 16016).

      روى ابن ماجه عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت، فقال: ((كيف تجدك؟))، قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف))؛ (حديث حسن) (صحيح سنن ابن ماجه للألباني حديث 3436).

      قال الإمام القرطبي (رحمه الله): حسن الظن بالله تعالى ينبغي أن يكون أغلب على العبد عند الموت منه في حال الصحة، وهو أن الله تعالى يرحمه ويتجاوز عنه ويغفر له، وينبغي لجلسائه أن يذكروه بذلك؛ حتى يدخل في قوله تعالى: ((أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء))؛ (التذكرة للقرطبي صـ: 174).

      خامسًا: الاستعداد للموت بذكر عذاب القبر ونعيمه، والبعث والحشر، والعرق، والمرور على الصراط، وصحيفة الأعمال، والميزان، والحوض والشفاعة، والجنة والنار، وما أعد الله لأهلهما، والوقوف للحساب أمام الله تعالى.

      قال الله تعالى: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27].

      روى النسائي عن البراء قال: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾ [إبراهيم: 27] قال: نزلت في عذاب القبر؛ (حديث صحيح) (صحيح النسائي للألباني جـ 2 صـ 74).

      قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ [الحاقة: 18 - 36].

      قال الله تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47].

      وقال جل شأنه: ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 6 - 11].

      قال الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يس: 65].
      روى الترمذي عن المقداد بن الأسود: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا كان يوم القيامة أُدنِيَت الشمس من العباد حتى تكون قِيد مِيل أو اثنين - قال سليم: لا أدري أي المِيلين عَنَى؛ أمسافة الأرض أم المِيل الذي تكتحل به العين؟! - قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق بقدر أعمالهم؛ فمنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حِقْويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا))، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشير بيده إلى فيه؛ أي: يُلجمه إلجامًا؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1973).

      روى البخاري عن سهل بن سعد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني فَرَطُكم على الحوض، مَن مر عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليَرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لِمن غيَّر بعدي))؛ (البخاري حديث 6583 / 6584).

      قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: 94].

      روى الشيخان عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم من عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاءَ وجهه؛ فاتقوا النار ولو بشق تمرة))؛ (البخاري حديث 6539 / مسلم حديث 1016).



      أقوال السلف الصالح عند الاحتضار:
      (1) أبو بكر الصِّدِّيق:
      لَمَّا احتُضر أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه قالت عائشة: لَعمرُك ما يُغني الثراء عن الفتى ♦♦♦ إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدرُ فكشف أبو بكر رضي الله عنه عن وجهه وقال: ليس كذلك يا بنية، ولكن قولي: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 122).

      • الحشرجة: الغرغرة عند الموت، وتردُّد النفَس؛ (النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير جـ 1 صـ 389).

      (2) عمر بن الخطاب:
      • قال عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان رأس عمر في حجري في مرضه الذي مات فيه، فقال لي: ضَعْ خدي على الأرض، فقلت: وما كان عليك كان في حجري أو على الأرض؟ فقال: ضعه لا أُمَّ لك، فوضعتُه، فقال: ويلي، ويلٌ لأمِّي إن لم يرحمني ربي؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 54 رقم: 42).

      • وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا لما حضرته الوفاة: (لو أن لي ما على الأرض لافتديتُ به من هول المطلع)؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 55 رقم: 43).

      (3) عثمان بن عفان:
      لما احتُضر عثمان بن عفان رضي الله عنه جعل يقول ودمه يسيل: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستعين بك على أموري، وأسألك الصبر على بلائي؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 123).

      (4) علي بن أبي طالب:
      قال محمد بن علي بن أبي طالب: إن عليًّا لما ضُرب، أوصى بنيه، ثم لم ينطق إلا بـ: (لا إله إلا الله) حتى قبضه الله؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 61 رقم: 53).

      (5) معاذ بن جبل:
      لما احتُضر معاذ بن جبل رضي الله عنه، جعل يقول: أعوذ بالله من ليلة صباحها النار، مرحبًا بالموت، مرحبًا زائر مغب حبيب جاء على فاقة، اللهم إني قد كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكرى الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء بالرُّكَب عند حلق الذكر؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 215).

      (6) أبو الدرداء:
      لما احتُضر أبو الدرداء رضي الله عنه، جعل يقول: ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا؟! ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه؟! ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا؟! وبكى، فقالت له امرأته: تبكي وقد صاحبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: وما لي لا أبكي ولا أدري علامَ أهجم من ذنوبي؟!؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 216).

      (7) أبو هريرة:
      لما احتُضر أبو هريرة رضي الله عنه، بكى، فقيل له: وما يبكيك؟ فقال: بعد المفازة (أي الصحراء) وقلة الزاد، وعقبة كَؤُود، المهبط منها إلى الجنة أو إلى النار؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 216).

      (8) حذيفة بن اليمان:
      لما حضرت حذيفةَ بن اليمان رضي الله عنهما الوفاةُ، قال: اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر، وقيام الليل، ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء في حلق الذكر، ولما اشتد به النزع جعل كلما أفاق من غمرة فتح عينيه وقال: يا رب، شد شداتك، واخنق خنقاتك، فوعزتك إنك لتعلم أني أحبك؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 126).

      (9) معاوية بن أبي سفيان:
      لما حضرت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه الوفاة، قال: أقعِدوني، فأقعدوه، فجعل يذكر الله تعالى ويسبِّحه ويقدسه، ثم قال: الآن تذكر ربك يا معاوية بعد الانحطام والانهدام، ألا كان ذلك وغصن الشباب نضير ريان، وبكى حتى علا بكاؤه، ثم قال: هو الموتُ لا منجَى من الموتِ والذي ♦♦♦ أحاذرُ بعد الموت أدهى وأفظعُ ثم قال: يا رب، ارحمِ الشيخ العاصي، ذا القلب القاسي، اللهم أقِلِ العثرة، واغفرِ الزلة، وجُدْ بحِلمك على من لم يرجُ غيرك، ولا وَثِقَ بأحد سواك؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 125).

      (10) عمرو بن العاص:
      لما دنا الموت من عمرو بن العاص رضي الله عنه، دعا بحرسه ورجاله، فلما دخلوا عليه قال: هل تُغنون عني من الله شيئًا؟! قالوا: لا، قال: فافترقوا عني، ثم دعا بماء فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم قال: احملوني إلى المسجد، ففعلوا، فقال: استقبلوا بي القبلة، ففعلوا، فقال: اللهم إنك أمرتني فعصيتُ، وائتمنتني فخنتُ، وحددت لي فتعديت، اللهم لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، بل مذنب مستغفر، لا مُصرٌّ ولا مستكبر، ثم قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فلم يزل يرددها حتى مات؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 125).

      (11) الحسن بن علي:
      قال محمد بن علي بن الحسين: لما حضَر الحسنَ بن علي الموتُ، بكى بكاءً شديدًا، فقال له الحسين: ما يبكيك يا أخي وإنما تقدَمُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عليٍّ وفاطمة وخديجة وهم ولدوك، وقد أجرى الله لك على لسان نبيه أنك ((سيد شباب أهل الجنة))، وقاسمت الله مالك ثلاث مرات، ومشيت إلى بيت الله على قدميك خمس عشرة مرةً حاجًّا؟ وإنما أراد أن يطيِّبَ نفسه، قال: فوالله ما زاده إلا بكاءً وانتحابًا، وقال: (يا أخي، إني أقدَمُ على أمر عظيم، وهولٍ لم أقدَمْ على مثله قط)؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 173).

      (12) عبدالملك بن مروان:
      لما حضَر الموتُ عبدَالملك بن مروان (رحمه الله)، نظر في موضع له مشرف إلى رجل وبيده ثوب وهو يضرب به المغسلة، فقال: يا ليتني كنت مثل هذا الرجل، أعيش من كسب يدي يومًا بيوم، ولم أَلِ مِن هذا الأمر شيئًا، وقال له رجل: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟ قال: تجدني كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: 94]؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 127).

      (13) هارون الرشيد:
      لما احتُضر الرشيد (رحمه الله) أمر بحفر قبره، ثم حمل إليه، فاطلع فيه، فبكى حتى رحم، ثم قال: يا من لا يزول ملكه، ارحَم مَن قد زال ملكه؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 216).

      (14) عمر بن عبدالعزيز:
      • قالت فاطمة بنت عبدالملك - امرأة عمر بن عبدالعزيز -: كنت أسمع عمر في مرضه الذي مات فيه يقول: اللهم أخفِ عليهم موتي ولو ساعةً من نهار، فلما كان اليوم الذي قبض فيه، خرجت من عنده، فجلست في بيت آخر، بيني وبينه باب، وهو في قبة له، فسمعته يقول: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83]، ثم هدأ، فجعلت لا أسمع له حركةً ولا كلامًا، فقلت لوصيف كان يخدمه: ويلك انظر أمير المؤمنين أنائم هو؟ فلما دخل عليه صاح، فوثبتُ، فدخلت، فإذا هو ميت، قد استقبل القبلة، وأغمض نفسه، ووضع إحدى يديه على فيه، والأخرى على عينيه؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 81 رقم: 86).

      • قال عمرو بن قيس: قالوا لعمر بن عبدالعزيز لما حضره الموت: اعهد يا أمير المؤمنين، قال: (أحذركم مثل مصرعي هذا؛ فإنه لا بد لكم منه، وإذا وضعتموني في قبري، فانزعوا عني لبنةً، ثم انظروا ما لحقني من دنياكم هذه)؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 82 رقم: 87).

      قال يحيى بن أبي كثير: لما حضر عمر بن عبدالعزيز الموت، بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشِرْ؛ فإن الله قد أحيا بك سننًا، وأظهر بك عدلًا، فبكى ثم قال: أليس أوقف فأسأل عن أمر هذا الخلق؟ فوالله لو رأيت أني عدلت فيهم، لخفتُ على نفسي ألا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها حجتها، فكيف بكثير مما صنعنا؟ قال: ثم فاضت عيناه، فلم يلبث إلا يسيرًا بعدها حتى مات، رحمه الله؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 83 رقم: 89).

      (15) لما احتُضر هشام بن عبدالملك، أبصر أهله يبكون حوله، فقال: (جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظمَ متقلَّبَ هشام إن لم يُغفَر له!)؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 87 رقم: 94).

      (16) محمد بن سيرين:
      لما حضرت محمد بن سيرين (رحمه الله) الوفاة، بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لتفريطي في الأيام الخالية، وقلة عملي للجنة العالية، وما يُنجيني من النار الحامية؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 133).

      (17) إبراهيم النخَعي:
      لما حضرت إبراهيم النخَعي (رحمه الله) الوفاة، بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أنتظر رسولًا من ربي يبشرني بالنار أو بالجنة؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 133).

      (18) فُضَيل بن عِياض:
      لما حضرت الوفاة فُضَيل بن عياض (رحمه الله)، غُشي عليه، ثم أفاق، وقال: يا بُعد سفري، وقلة زادي؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 133).

      (19) الشافعي:
      قال المُزَنيُّ: دخلت على الشافعي (رحمه الله) في علته التي مات فيها، فقلت له: أبا عبدالله، كيف أصبحت؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، وبكأس المنية شاربًا، وعلى الله تعالى واردًا، ولا أدري نفسي تصير إلى الجنة فأهنئها، أم إلى النار فأعزيها، ثم بكى؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 217).

      (20) يزيدُ الرَّقاشي:
      بكى يزيد الرقاشي (رحمه الله) عند موته، فقيل: ما يبكيك؟ فقال: أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار، ثم جعل يقول: يا يزيد، مَن يصلي لك ومن يصوم عنك؟ ومن يتقرب إلى الله عز وجل بالأعمال بعدك؟ ويحكم يا إخواني، لا تغتروا بشبابكم، فكأن قد حل بكم مثل ما قد حل بي؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 217).



      سكرات الموت في القرآن والسنة:
      إن لشدة الموت آلامًا لا يعلمها إلا الميت؛ فالميت ينقطع صوته، وتضعف قوته عن الصياح لشدة الألم، فالموت قد هد كل جزء من أجزاء البدن، فلم يترك لإنسان قوة للاستغاثة، ويود لو قدر على الاستراحة بالأنين والصياح، ولكنه لا يقدر على ذلك، فإن بقيت له قوة سمع له عند نزع الروح وجذبها غرغرة تصدر من حلقه وصدره، وقد تغير لونه، حتى تبلغ روحه إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 462: 461).

      أولًا: القرآن الكريم:
      تحدث القرآن الكريم عن شدة الموت في آيات عديدة، نذكر منها:
      (1) قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 185].

      (2) قال جل شأنه: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [الأنعام: 93].

      قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قال الله: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ﴾ [الأنعام: 93]، أي: في سكراته وغمراته وكرباته، ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ ﴾ [الأنعام: 93]؛ أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسُهم من أجسادهم؛ ولهذا يقولون لهم: ﴿ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ﴾ [الأنعام: 93]؛ وذلك أن الكافر إذا احتُضر بشَّرته الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، وغضَبِ الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم؛ (تفسير ابن كثير جـ 3 صـ 302).

      (3) قال سبحانه: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19].
      قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): يقول تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ ﴾ - أيها الإنسان- ﴿ سَكْرَةُ ﴾ (شدة) ﴿ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ﴾؛ أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه؛ ﴿ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾؛ أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فَكاك ولا خلاص؛ (تفسير ابن كثير جـ 7 صـ 399).

      (4) قال جل شأنه: ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الواقعة: 83 - 85].

      قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ﴾ [الواقعة: 84]؛ أي: إلى المحتَضَر وما يكابده من سكرات الموت؛ (تفسير ابن كثير جـ 7 صـ 548).

      (5) قال سبحانه: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴾ [القيامة: 26 - 30].

      قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴾؛ أي: انتزعت روحك من جسدك، وبلغت تراقيَك، والتراقي: جمع ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق؛ (تفسير ابن كثير جـ 8 صـ 281).

      ثانيًا: السنة:
      (1) روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بين يديه ركوة - أو علبة - فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه، ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات))، ثم نصب يده فجعل يقول: ((في الرفيق الأعلى)) حتى قبض ومالت يده، قال أبو عبدالله (أي البخاري): (العلبة من الخشب، والركوة من الأدم "الجلد")؛ (البخاري حديث: 6510).

      (2) روى ابن ماجه عن أنس بن مالك، قال: لما وجَد رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرب الموت ما وجد، قالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا كرب على أبيك بعد اليوم؛ إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتارك منه أحدًا، الموافاة يوم القيامة))؛ (حديث حسن صحيح)؛ (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 1320).




      أقوال السلف في سكرات الموت:
      (1) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكعب الأحبار: يا كعب، حدثنا عن الموت، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، إن الموت كغصنٍ كثير الشوك، أُدخل في جوف رجل، وأخذت كل شوكة بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ ما أخذ؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 463).

      (2) كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يحض على القتال ويقول: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده، لألف ضربة بالسيف أهون عليَّ من موت على فراش؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 462).

      (3) قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لم يلقَ ابن آدم شيئًا منذ خلقه الله عز وجل أشد عليه من الموت؛ (العاقبة في ذكر الموت لعبدالحق الإشبيلي صـ 278).

      (4) قال شداد بن أوس رضي الله عنه: الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن، وهو أشد من نشرٍ بالمناشير، وقرضٍ بالمقاريض، وغليٍ في القدور، ولو أن الميت نُشِر فأخبَر أهل الدنيا بالموت، ما انتفعوا بعيش، ولا لذوا بنوم؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 463).

      (5) لما حضرت عمرَو بن العاص الوفاةُ، قال له ابنه: يا أبتاه، إنك قد كنت تقول لنا: ليتني كنت ألقى رجلًا عاقلًا عند نزول الموت حتى يصف لي ما يجد، وأنت ذلك الرجل، فصِف لي الموت، قال: والله يا بني لكأن جنبي في تخت، وكأني أتنفس من سَمِّ إبرة، وكأن غصن الشوك يجر به من قدمي إلى هامتي؛ (المُحتَضَرين لابن أبي الدُّنيا صـ 93 رقم: 103).

      (6) قال الإمام الغزالي (رحمه الله): لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كرب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها، لكان جديرًا بأن يتنغص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوه وغفلته، وحقيقًا بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 461).
       
      حسن الخاتمة معنى حسن الخاتمة:
      حسن الخاتمة هو: أن يوفَّق العبد قبل موته لاجتناب كل ما يُغضب الله تعالى، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة؛ (فصل الخطاب في الزهد ـ لمحمد نصر عويضة جـ 2 صـ 138).

      الدعاء بحسن الخاتمة:
      يجب على المسلم أن يسأل الله تعالى دائمًا، في دعائه، أن يثبت قلبه على طاعته، وأن يرزقه سبحانه حسن الخاتمة عند الموت.

      لقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كثيرًا ما يسأل الله أن يثبت قلبه صلى الله عليه وسلم على طاعته سبحانه.

      (1) روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: ((يا مقلِّب القلوب، ثبِّتْ قلبي على دينك))، فقلت: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: ((نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلِّبها كيف يشاء))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1739).

      (2) روى مسلم عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم مصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك))؛ (مسلم حديث 2654).

      قال الإمام النووي (رحمه الله): معنى الحديث أنه سبحانه وتعالى متصرِّف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، لا يمتنع عليه منها شيء، ولا يفوته ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه؛ (مسلم بشرح النووي جـ 8 صـ 455).

      وقال الإمام ابن عثيمين (رحمه الله): ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا أن يثبته، وأن يصرِّف قلبه على طاعته، وإنما خص القلب؛ لأن القلب إذا صلَح صلَح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله؛ (شرح رياض الصالحين لابن عثيمين جـ 6 صـ 22).

      روى الشيخان عن النعمان بن بشير، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((إن في الجسد مضغةً (قطعة لحم)، إذا صلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))؛ (البخاري حديث: 52 / مسلم حديث: 1599).

        علامات حسن الخاتمة:
      ذكر الإمام الألباني (رحمه الله) علاماتٍ لحسن الخاتمة، كما يلي:
      (1) النطق بالشهادة عند الموت:
      روى أبو داود عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان آخر كلامه: لا إله إلا الله، دخل الجنة))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2673).
      روى أحمد عن يحيى بن طلحة، عن أبيه، قال: رأى عمر بن الخطاب طلحة بن عبيدالله ثقيلًا (أي مهمومًا)، فقال: ما لك يا أبا فلان؟ لعلك ساءتك إمرة ابن عمك (يعني أبا بكر الصِّدِّيق) يا أبا فلان؟ قال: لا، إلا أني سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا، ما منعني أن أسأله عنه إلا القدرة عليه حتى مات، سمعته يقول: إني لأعلم كلمةً لا يقولها عبد عند موته إلا أشرق لها لونه، ونفَّس الله عنه كربته، قال: فقال عمر: إني لأعلم ما هي، قال: وما هي؟ قال: تعلم كلمةً أعظم من كلمة أمر بها عمه عند الموت: لا إله إلا الله، قال طلحة: صدقت، هي والله هي؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 3 صـ 8 حديث: 1384).

      (2) الموت برَشْح الجبين:
      روى أحمد عن بريدة أنه كان بخراسان، فعاد أخًا له وهو مريض، فوجده بالموت، وإذا هو يعرق جبينه، فقال: الله أكبر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((موتُ المؤمن بعرَق الجبين))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 38 صـ 129 حديث: 23022).

      (3) الموت ليلة الجمعة أو نهارها:
      روى الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي للألباني حديث 858).

      (4) الاستشهاد في ساحة القتال:
      قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169 - 171].

      روى الترمذي عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((للشهيد عند الله ستُّ خِصال؛ يُغفَر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار؛ الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1358).

      روى النسائي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهيد لا يجد مسَّ القتل إلا كما يجد أحدكم القرصة يقرصها))؛ (حديث حسن صحيح) (صحيح النسائي للألباني جـ 2 صـ 393).

      روى النسائي عن راشد بن سعد، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنةً))؛ (حديث صحيح) (صحيح النسائي للألباني حديث 1358).

      فائدة مهمة: هذه الشهادة ترجى لمن سألها الله تعالى مخلصًا من قلبه، ولو لم يتيسر له الاستشهاد في المعركة.

      روى مسلم عن سهل بن حنيف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من سأل الله الشهادة بصدق، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه))؛ (مسلم حديث: 1909).

      (5) الموت غازيًا في سبيل الله تعالى:
      روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما تعدون الشهيد فيكم؟))، قالوا: يا رسول الله، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، قال: ((إن شهداء أمتي إذًا لقليل))، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: ((مَن قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن (هو الاستسقاء) فهو شهيد، والغريق شهيد))؛ (مسلم حديث: 1915).

      (6) الموت بالطاعون:
      روى الشيخان عن حفصة بنت سيرين، قالت: قال لي أنس بن مالك رضي الله عنه: يحيى (أخو حفصة بنت سيرين) بمَ مات؟ قلت: من الطاعون، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطاعون شهادة لكل مسلم))؛ (البخاري حديث: 5732/ مسلم حديث: 1916).

      روى البخاري عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمةً للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا، يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد))؛ (البخاري حديث: 5734).

      (7) الموت بمرض البطن:
      روى مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات في البطن (مرض الاستسقاء) فهو شهيد))؛ (مسلم حديث: 1915).

      (8) الموت بالغرق:
      روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله))؛ (البخاري حديث: 2829/ مسلم حديث: 1914).

      (9) الموت تحت الهدم:
      روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم (أي: الذي يموت تحت الهدم)، والشهيد في سبيل الله))؛ (البخاري حديث: 2829/ مسلم حديث: 1914).

      (10) موت المرأة في نِفاسها بسبب ولدها:
      روى أبو داود عن جابر بن عتيك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المرأة تموت بجُمْعٍ (أي تموت وفي بطنها ولد) شهيدة))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2668).

      (11) الموت بالحرق:
      روى أبو داود عن جابر بن عتيك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((صاحب الحريق شهيد))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2668).

      (12) الموت بمرض ذات الجنب:
      روى أبو داود عن جابر بن عتيك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((صاحب ذات الجنب شهيد))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 2668).
      • ذات الجنب: ورم يصيب الغشاء المستبطن للأضلاع.

      (13) الموت بمرض السل:
      روى الطبراني عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السل شهادة))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث: 3691).

      (14) الموت في سبيل الدفاع عن المال:
      روى الشيخان عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قُتِل دون ماله فهو شهيد))؛ (البخاري حديث: 2480/ مسلم حديث: 141).

      روى مسلم عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطِه مالك))، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتِلْه))، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد))، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: ((هو في النار))؛ (مسلم حديث: 140).

      (15) الموت في سبيل الدفاع عن النفس:
      روى أبو داود عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمِه، أو دون دينه فهو شهيد))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3993).

      (16) الموت في سبيل الدفاع عن الأهل:
      روى أبو داود عن سعيد بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، أو دون دمِه، أو دون دينه فهو شهيد))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3993).

      (17) الموت مرابطًا في سبيل الله:
      روى مسلم عن سلمان الفارسي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأُجريَ عليه رزقه، وأمن الفتَّان))؛ (مسلم حديث: 1931).

      روى الترمذي عن فضالة بن عبيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله؛ فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن من فتنة القبر))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1322).

      (18) الموت على عمل صالح:
      روى الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله))، فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: ((يوفِّقه لعمل صالح قبل الموت))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث: 1742).

      روى ابن حبان عن عمرو بن الحمق الخزاعي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا عسَّله قبل موته))، قيل: وما عسَّله قبل موته؟ قال: ((يفتح له عمل صالح بين يدي موته حتى يرضى عنه))؛ (السلسلة الصحيحة للألباني جـ 3 صـ 107 حديث: 1114).

      روى الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلًا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فوقصته ناقته (أي: كسرت عنقه) وهو محرِم، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمِّروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا))؛ (البخاري حديث: 1851/ مسلم حديث: 1206).

      روى أحمد عن حذيفة بن اليمان قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قال: لا إله إلا الله، ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة، ومن صام يومًا ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ابتغاء وجه الله، ختم له بها، دخل الجنة))؛ (حديث صحيح لغيره) (مسند أحمد جـ 38 صـ 350 حديث: 23324)؛ (أحكام الجنائز للألباني صـ 58: 48).


      صور لحسن الخاتمة:
      (1) سحرة فرعون:
      قال سبحانه: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ * فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 41 - 51]، قال كعب الأحبار: كان سحرةُ فرعون اثنَيْ عشر ألفًا؛ (تفسير ابن أبي حاتم جـ 8 ـ صـ 2762).

      (2) روى الشيخانعن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائةً، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومَن يحول بينه وبين التوبة، انطلِق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلَق حتى إذا نصف الطريق، أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملَك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قِيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له، فقاسُوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضَتْه ملائكة الرحمة))؛ (البخاري حديث 3470 / مسلم حديث 2766).


      وفي رواية لمسلم: (فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر، فجُعل من أهلها).


      وفي رواية أخرى لمسلم: (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي)؛ (مسلم - كتاب التوبة حديث 47 / 48).
       

      سوء الخاتمة معنى سوء الخاتمة:
      سوء الخاتمة: هي ما يعرض عند وفاة المسلم من الشكوى والأوهام، وعدم القدرة على النطق بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) إذا كان غير ملتزم بطاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يتُبْ من ذلك قبل الموت؛ (التحذير من سوء الخاتمة ـ لعبدالحميد السحيباني صـ 8).

        أقسام سوء الخاتمة:
      سوء الخاتمة على رتبتين:
      الأولى: أن يغلِب على القلب، عند سكرات الموت وأهواله، شك في ذات الله تعالى، أو جحود لِما هو معلوم من الدين بالضرورة، فيقتضي ذلك العذاب الدائم، وهذه أعظم.

      الثانية: أن يغلِب على القلب عند الموت حب أمر من أمور الدنيا وشهوة من شهواتها، فيتمثل ذلك في قلبه، ويستغرقه حتى لا يبقى في متسع لغيره، أو يجور العبد في وصيته، أو يموت مصرًّا على ذنب من الذنوب، وهذه أقل من الأولى؛ (إحياء علوم الدين للغزالي جـ 4 صـ 174: 17).

        خوف السلف الصالح من سوء الخاتمة:
      (1) بكى عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه ليلةً فأطال، فسئل عن بكائه، فقال: ذكرت مصير القوم بين يدي الله عز وجل ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى: 7]، ثم صرخ وغُشي عليه؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 83).

      (2) قال سفيان الثوري: أخاف أن أُسلَب الإيمان قبل أن أموت؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 7 صـ 12).
      وقال سفيان الثوري أيضًا: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيًّا؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 7 صـ 51).

      (3) كان مالك بن دينار إذا أقام في محرابه قال: يا رب، قد عرفتَ ساكن الجنة وساكن النار، ففي أي الدارين مالك، ثم بكى؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني جـ 2 صـ 383).

      (4) قال حاتم الأصم: من خلا قلبُه من ذكرِ أربعةِ أخطار، فهو مغترٌّ، فلا يأمن الشقاء:
      الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: ((هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي))، فلا يعلم في أي الفريقين كان.
      والثاني: حين خُلق في ظلمات ثلاث، فنودي الملَك بالسعادة والشقاوة، ولا يدري: أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟!
      والثالث: ذكر هول المطلع، ولا يدري أيبشَّر برضا الله أو بسخَطه؟
      والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتًا، ولا يدري، أي الطريقين يُسلَك به؛ (التبصرة لابن الجوزي صـ 82).

        أسباب سوء الخاتمة:
      الأسباب التي تؤدي إلى سوء الخاتمة لا يمكن حصرها، لكن يمكن الإشارة إليها بإيجاز شديد، فنقول وبالله تعالى التوفيق:
      أولًا: تهاون المسلم في أداء ما افترضه الله تعالى عليه، من الصلاة، والزكاة، والحج، وصوم رمضان، وغير ذلك، مع إصراره على ارتكاب المعاصي، وفعل ما نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه.
      قال الله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم: 59].
      روى الترمذي عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاتُه، فإن صلَحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسَدت فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيء، قال الرب عز وجل: انظروا هل لعبدي من تطوع؟ فيكمل بها ما انتقص من الفريضة، ثم يكون سائر عمله على ذلك))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 337).

      قال سبحانه: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34، 35].
      وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار))؛ (مسلم حديث 987).

      قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 278، 279].

      روى مسلم عن جابر بن عبدالله قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه، وقال: هم سواءٌ))؛ (مسلم حديث 1598).

      قال جل شأنه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 90، 91].

      روى الشيخانِ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجتنبوا السبع الموبقات))، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصَنات المؤمنات الغافلات))؛ (البخاري حديث 2766/ مسلم حديث 89).

      ثانيًا: من أسباب سوء الخاتمة أيضًا: حب المعاصي، والاعتياد عليها، والتسويف بالتوبة، وطول الأمل، والانتحار، والإصرار على الابتداع في الدين.

      قال عبدالحق بن عبدالرحمن الإشبيلي (رحمه الله): اعلم أن لسوء الخاتمة - أعاذنا الله منها - أسبابًا، ولها طرق وأبواب، أعظمها: الانكباب على الدنيا، والإعراض عن الأخرى، والإقدام والجرأة على معاصي الله عز وجل، وربما غلَب على الإنسان ضرب من الخطيئة، ونوع من المعصية، وجانب من الإعراض، ونصيب من الجرأة والإقدام، فملك قلبه، وسبى عقله، وأطفأ نوره، وأرسل عليه حجبه، فلم تنفع فيه تذكرة، ولا نجحت فيه موعظة، فربما جاءه الموت على ذلك؛ (العاقبة في ذكر الموت ـ لعبدالحق الإشبيلي صـ 178).



      صور من سوء الخاتمة:
      (1) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: الدار الفلانية، أصلحوا فيها كذا، والبستان الفلاني، افعلوا فيه كذا.
      (2) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فقال: آه آه، لا أستطيع أن أقولها.
      (3) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تننتا، حتى مات.
      (4) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فقال: وما ينفعني ما تقولُ ولم أدَعْ معصيةً إلا ركبتها؟ ثم مات ولم يقلها.
      (5) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فقال: وما يغني عني، وما أعرف أني صليت لله صلاةً؟ ثم مات، ولم يقلها.
      (6) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فقال: هو كافر بما تقول، ثم مات، ولم يقلها.
      (7) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها.
      (8) قيل لأحد المتسولين عند موته: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: لله، فلس لله، حتى مات.
      (9) قيل لأحد التجار عند موته: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشترٍ جيد، هذه كذا، حتى مات.
      (10) قيل لشارب خمر عند موته: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: اشرَبْ واسقني.
      (11) قيل لرجل: قل: لا إله إلا الله، فجعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ (منجاب: اسم لصاحبة الحمـام).

      وهذا الكلام له قصة؛ وذلك أن رجلًا كان واقفًا بإزاء داره، وكان بابها يشبه باب هذا الحمام، فمرت به جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب، فدخلت الدار ودخل وراءها، فلما رأَتْ نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها، أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين، وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح ورجع، فوجدها قد خرجت وذهبت، ولم تخُنْه في شيء، فهام الرجل وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي في الطرق والأزقة ويقول: يا رُبَّ قائلةٍ يومًا وقد تعِبَتْ ♦♦♦كيف الطريقُ إلى حمامِ مِنْجابِ؟!
      فبينما هو يومًا يقول ذلك، إذا بجاريته أجابته من طاق: هلَّا جعَلْتَ سريعًا إذ ظفِرْتَ بها ♦♦♦ حِرزًا على الدارِ، أو قُفلًا على البابِ فازداد هيمانه واشتد، ولم يزل على ذلك، حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا؛ (العاقبة في ذكر الموت ـ لعبدالحق الإشبيلي صـ 179) (الجواب الكافي لابن القيم صـ 116: 115).

      فائدة مهمة:
      قال الإمام عبدالحق بن عبدالرحمن الإشبيلي (رحمه الله): اعلم أن سوء الخاتمة - أعاذنا الله تعالى منها - لا تكون لمن استقام ظاهره وصلَح باطنه، وإنما تكون لمن له فساد في العقل، أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية؛ (العاقبة في ذكر الموت ـ لعبدالحق الإشبيلي صـ 180).

      قال الإمام ابن القيم (رحمه الله): كيف يوفَّق بحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبَه عن ذكره، واتبع هواه وكان أمره فُرُطًا؟!فبعيدٌ مِن قلبه، بعيدٌ من الله تعالى، غافل عنه، متعبد لهواه، أسير لشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته، مشتغلة بمعصيته - أن يوفَّق للخاتمة بالحسنى؛ (الجواب الكافي لابن القيم صـ 116).

      أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، ويرزقنا حسن الخاتمة، كما أسأله سبحانه أن ينفع بهذا العمل طلاب العلم.

      وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.

      وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

      الشيخ صلاح نجيب الدق
      شبكة الألوكة



       
    • وقفات قرآنية {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} قال تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} [الفرقان:20].   {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً}: ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغنى ممتحن بالفقير عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغنى عليه أن لا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: "{أَتَصْبِرُونَ} أي: على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره وكذلك العلماء، وحكّام العدل ألا ترى إلى قولهم: {لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف:31]، فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر، وذلك عن الضجر" (تفسير القرطبي: [13/18]).   "وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن قوله تعالى: {فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} [الأنعام من الآية 53]. فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين، حيث احتقروهم وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم لأنهم في زعمهم لفقرهم، ورثاثة حالهم، لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع كما قال تعالى عنهم إنهم قالوا فيهم: {لَوْ كَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف من الآية:11]، وقال: {أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا} [ص من الآية:8]، إلى غير ذلك من الآيات، وسيُوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا كما قال تعالى: {أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف:49]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ....} [المطففين:29-30]، إلى قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ . عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ . هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المطففين:34-36]، وقوله تعالى: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة من الآية:212]، وقوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ}، أي: على الحق أم لا تصبرون. والعلم عند الله تعالى" (أضواء البيان: [6/36]).   {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} أي هذه سُنّتنا في خلقنا نبتلي بعضهم ببعض فنبتلي المؤمن بالكافر والغني بالفقير والصحيح بالمريض والشريف بالوضيع، وننظر من يصبر ومن يجزع ونجزي الصابرين بما يستحقون والجزعين كذلك.   "وقوله تعالى: {أَتَصْبِرُونَ} هذا الاستفهام معناه الأمر أي اصبروا إذاً ولا تجزعوا أيها المؤمنون من أذى المشركين والكافرين لكم. وقوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} أي وكان ربك أيها الرسول بصيراً بمن يصبر وبمن يجزع فاصبر ولا تجزع فإنها دار الفتنة والامتحان وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" (أيسر التفاسير للجزائري: [3/81]) .   وقال الزمخشري: {فِتْنَةً} أي محنة وبلاء، وهذا تصبّر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه واستبعدوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق بعدما احتج عليهم بسائر الرسل يقول: جرت عادتي وموجب حكمتي على ابتلاء بعضكم أيها الناس ببعض.   والمعنى أنه ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وأقاويلهم الخارجة عن حد الإنصاف وأنواع أذاهم، وطلب منهم الصبر الجميل ونحوه {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران من الآية:186] الآية، وموقع {أَتَصْبِرُونَ} بعد ذكر الفتنة موقع {أَيُّكُمْ} بعد الابتلاء في قوله {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود من الآية:7]، {بَصِيراً} عالماً بالصواب فيما يبتلى به وبغيره فلا يضيقن صدرك ولا تستخفنك أقاويلهم فإن في صبرك عليهم سعادة، وفوزك في الدارين.   "وقيل: هو تسلية عما عيروه به من الفقر حين قالوا {أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ} [الفرقان من الآية:8]، وأنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء لينظر هل تصبرون وأنها حكمته ومشيئته يغني من يشاء ويفقر من يشاء.   وقيل: جعلنا فتنة لهم لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا، وإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يُطيعك منهم خالصة لوجه الله من غير طمع دنيوي.   وقيل: كان أبو جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل ومن في طبقتهم يقولون إن أسلمنا وقد أسلم قبلنا عمّار وصهيب وبلال وفلان وفلان فرفعوا علينا إدلالاً بالسابقة فهو افتتان بعضهم ببعض" انتهى.     {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} فأيّ بعض فتنة لأيِّ بعض؟ كما في قوله تعالى: {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} [الزخرف من الآية:32] أيُّ بعض مرفوع، وأيّ بعض مرفوع عليه؟   نلاحظ في مثل هذه المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة: أن هذا غنيٌّ وهذا فقير، لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل إنسان موهبةً خَصّه الله بها، فكلٌّ مِنّا عنده مَيْزةٌ ليست عند أخيه؛ ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخَلْق؛ لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ما احتاجَ أحدٌ لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أمّا حين تتعدد المواهب فيكون عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل.   "ولو تصورنا الناس جميعاً تخرجوا في الجامعة وأصبحوا (دكاترة) فمَنْ يكنس الشارع؟ ساعتها سيتطوّع أحدنا يوماً لهذه المهمة، إذن: تُصبح الحاجة بنت تطوُّع وتفضُّل، والتفضُّل لا يُلزِم أحداً بعمل، فقد تتعطل المصالح. أمّا حين تدعوك الحاجة فأنت الذي تُسرِع إلى العمل وتبحث عنه.   أَلاَ ترى أصحاب المهن الشاقة يخرجون في الصباح يبحثون عن عمل، ويغضب الواحد منهم إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق، لماذا؟ إنها الحاجة.   فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلاً ويتحمَّل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدَر الله فيه أفضل مِنِّي أنا في هذه المسألة، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضّل ما أقدم عليها أحد، إذن: التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمة.   ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدُّها البعض أعمالاً حقيرة، وهذا خطأ، فأيُّ عمل يُصلِح المجتمع لا يُعَدُّ حقيراً، فلا يوجد عمل حقير أبداً، وإنما يوجد عامل حقير.   والناس يفرّون من الفتنة في ذاتها، وهذا لا يصح؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، فالذي ينبغي أن نفرَّ منه نتيجة الفتنة، لا الفتنة ذاتها، فالامتحان فتنة للطلاب، مَنْ ينجح فالفتنة له خَيْر ومَنْ يخفق فالفتنة في حَقِّه شَرٌّ. إذن: الفتنة في ذاتها غير مذمومة.   لذلك تُؤخَذ الفتنة من فتنة الذهب حين يُصْهر، ومعلوم أن الذهَب أفضل المعادن، وإنْ وُجد ما هو أنفس منه، لماذا؟ لأن من مَيْزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره، وهو كذلك سهل السَّبْك؛ لذلك يقولون: المعدن النفيس كالأخيار بَطيءٌ كَسْره، سريع جَبْره. فمثلاً حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه على خلاف الزجاج مثلاً.   إذن: الفتنة اختبار، الماهر مَنْ يفوز فيه، فإنْ كان غنياً كان شاكراً مُؤدِّياً لحقِّ الغني مُتواضعاً يبحث عن الفقراء ويعطف عليهم، والفقير هو العاجز عن الكسب، لا الفقير الذي احترف البلطجة وأَكْل أموال الناس بالباطل. ولما كانت الفتنة تقتضي صَبْراً من المفتون، قال سبحانه: {أَتَصْبِرُونَ} فكل فتنة تحتاج إلى صبر، فهل تصبرون عليها؟   ولأهمية الصبر يقول تعالى في سورة العصر: {وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر:1-2] يعني: مُطلَق الإنسان في خُسْر لا ينجيه منه إلاّ أنْ يتصف بهذه الصفات: {إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} [العصر:3].   وتُختم الآية بقوله سبحانه: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً} ليُنبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة مُبْصَرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنُرتِّب على الأعمال جزاءً على وَفْقها" (خواطر الشعراوي: [1/6410]).   خالد سعد النجار طريق الاسلام
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183035
    • إجمالي المشاركات
      2538196
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6925

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×