اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58169
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180683
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8350
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4165
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30265
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53107
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21008
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97014
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15482
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29722
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41316
      مشاركات
    2. 33886
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91747
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32216
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65624
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38549 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • إن الناظر في حال مجتمعنا اليوم يجد أمرًا عجيبًا من انتشار كثير من المفاسد كالخيانة، والبغضاء، والحسد، والبغي، وحصول الهجران والقطيعة بين الناس وغير ذلك من الأمراض التي حلت بمجتمعنا، لو سَأَلتَ عن ذلك تجد أن من أعظم أسباب ذلك، فساد القلب، وإذا صلح قلب العبد صَلُحَ سائر الجسد ورُزِقَ صاحبه البشارة بالخير و ذاق حلاوة الإيمان في قلبه. منزلة القلب ومكانته.   1-ملك الجوارح ومحركها: فإن استقام قلب العبد استقامت جوارحه وإن اعوج اعوجت، قال ابن القيم: " ولما كان القلب لهذه الأعضاء كالملك المتصرف في الجنود، الذى تصدر كلها عن أمره، ويستعملها فيما شاء، فكلها تحت عبوديته وقهره، وتكتسب منه الاستقامة والزيغ، وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يحله، قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ))(1). فهو ملكها، وهى المنفذة لما يأمرها به، القابلة لما كان يأتيها من هديته، ولا يستقيم لها شيء من أعمالها حتى تصدر عن قصده ونيته. وهو المسؤول عنها كلها "لأن كل راع مسؤول عن رعيته" كان الاهتمام بتصحيحه وتسديده أولى ما اعتمد عليه السالكون. والنظر في أمراضه وعلاجها أهم ما تنسك به الناسكون(2). وقال شيخ الإسلام: الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ وَإِرَادَةٌ سَرَى ذَلِكَ إلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ(3).   2-محِل التقوى: القلب له منزلة عظمى تفوق سائر أعضاء الجسد، وهو محِل امتحان تقوى العبد كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى} [الحجرات: 3]، وكقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((التقوى ها هنا، وأشار بيده إلى صدره، ثلاث مراتٍ))(4).   3- محِل نظر الإله:  كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ))(5).  قال المناوي: "فكم من ظريف اللسان جميل المنظر عظيم الشأن هالك غدا في القيامة لسوء عمله وكآبة منقلبه وقبح سيرته وسوء سريرته، فالقلب هو محل نظر الحق فلا عبرة بحسن الظاهر وزخرف اللسان مع خبث الجنان"(6).   4-تتفاوت الدرجات بتفاوت ما في القلوب: قال ابن القيم: "إِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِصُوَرِهَا وَعَدَدِهَا، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ مَا فِي الْقُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ الْعَمَلَيْنِ وَاحِدَةً، وَبَيْنَهُمَا فِي التَّفَاضُلِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالرَّجُلَانِ يَكُونُ مَقَامُهُمَا فِي الصَّفِّ وَاحِدًا، وَبَيْنَ صَلَاتَيْهِمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ"(7). ومع عِظم منزلة القلب إلا أنه سريع التقلب من حال إلى حال، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ-رضي الله عنه-، قَالَ: مَا آمَنُ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ((لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَسْرَعُ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا))(8). ولله در القائل: مَا سُمِّيَ الْقَلْبُ إِلَّا مِنْ تَقَلُّبِهِ        فَاحْذَرْ عَلَى القلب من قلبٍ وتحويل وقال بعض السلف: مثل القلب في سرعة تقلبه كريشة ملقاة بأرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن. ويكفى في هذا قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24]، فأي قرار لمن هذه حاله؟ ومن أحق بالخوف منه؟ بل خوفه لازم له فى كل حال وإن توارى عنه بغلبة حالة أُخرى عليه. وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله وعزته وجلاله، وأنه الفعال لما يريد وأنه المحرك للقلب المصرف له المقلب له كيف يشاءُ لا إِلَهَ إلا هو(9). نسأل الله السلامة.   أسباب فساد القلب:   إن الاهتمام بصلاح  القلوب، والبحث عن أسباب فسادها أمرٌ في غاية الأهمية، فصلاح القلب يترتب عليه صلاح الأعمال والسلوكيات، وهناك كثير من الأسباب وراء فساد القلب وقسوته وغلظته منها:   1-الغفلة عن ذكر الله وتدبر القرآن، والتأمل في آياته الكونية: "لقد أخبر ربنا تبارك وتعالى أن الانتفاع بالقرآن والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب، كما قال سبحانه: {إِنّ في ذلِكَ لَذِكرَى لمنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} [ق: 37]. وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَجيبوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لما يُحيِيكُمْ} [الأنفال: 24]. فأخبر سبحانه وتعالى أن حياتنا إنما هي بما يدعونا إليه الله والرسول من العلم والإيمان.  وقال ابن القيم: " فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكباً على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقاً ولا ينكر باطلاً"(10). وقد توعد الله أصحاب هذه القلوب وعيداً شديداً فقال{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22].   2-البعد عن الحق بعد معرفته: قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، وقال سبحانه: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}[الصف: 5] أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان(11). فعاقبهم سُبْحَانَهُ بإزاغة قُلُوبهم عَن الْحق لما زاغوا عَنهُ ابْتِدَاءً، وَلِهَذَا قيل من عرض عَلَيْهِ حق فَرده فَلم يقبله عُوقِبَ بِفساد قلبه وعقله ورأيه(12).   3-كثرة الذنوب والمعاصي:  ومن أدمن الذنوب واستسهلها بلغ به الحال كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله((وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا))(13). فهذا يموت قلبه، ويَتَلَبَّد إحساسه، فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا(14). قال المحاسبي: "اعلم أنَّ الذنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النار"(15). وقال عبد الله بن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذُّل إدمانها وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها ومن أعظم الذنوب إفسادًا للقلب النظر لما حرم الله، فالْبَصَرُ هُوَ الْبَابُ الْأَكْبَرُ إِلَى الْقَلْبِ، وَأَعْمَرُ طُرُقِ الْحَوَاسِّ إِلَيْهِ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُّقُوطُ مِنْ جِهَتِهِ. وَوَجَبَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ، وَغَضُّهُ وَاجِبٌ عَنْ جَمِيعِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَكُلِّ مَا يُخْشَى الْفِتْنَةُ مِنْ أَجْلِهِ(16).    (4-الانشغال بالدنيا والانهماك في طلبها والمنافسة عليها: قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}[النازعات: 37 - 39]. قال ابن القيم: "متى رأيت القلب قد ترَحَّلَ عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حبُ المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فالعلم أنه قد خُسَفَ به. ومتى أَقحَطَت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب وأبعد القلوب من الله القلب القاسي"(17).   5-كثرة الأماني وطول الأمل: قال تعالى: { وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد: 14] قال قتادة: "في قوله تعالى: (وَغَرَّتْكُمُ الأمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ)، أي: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار. وقوله: (وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) يقول: وخدعكم بالله الشيطان، فأطمعكم بالنجاة من عقوبته، والسلامة من عذابه"(18). وفي الحديث: " لاَ يَزَالُ قَلْبُ الكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ"(19). قال المناوي: "طول الأمل غرور وخداع إذ لا ساعة من ساعات العمر إلا ويمكن فيها انقضاء الأجل فلا معنى لطول الأمل المورث قسوة القلب وتسليط الشيطان وربما جر إلى الطغيان"(20).   6-كثرة الجدال والتعصب للرأي واتباع الهوى: قال الله تعالى محذرًا نبيه-صلى الله عليه وسلم- وأمته: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } [الكهف: 28]، وقال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] وقال الشافعي: " الْمِرَآءُ فِي الْعِلْمِ يُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُوَرِّثُ الضَّغَائِنَ "(21).   7-التوسع المذموم في المباحات: كالأكل والشرب والنوم والكلام، فإذا تجاوزت حاجة المرء كان لها تأثيرًا سلبيًا على قلبه، وقد نهى ربنا تبارك وتعالى عن التفريط في المباحات والإسراف فيها فقال سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، قال الغزالي: "في كثرة النوم ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب"(22). وقال ابن القيم: "من مفسدات القلب كَثْرَةُ النَّوْمِ، فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيُثَقِّلُ الْبَدَنَ، وَيُضِيعُ الْوَقْتَ، وَيُورِثُ كَثْرَةَ الْغَفْلَةِ وَالْكَسَلِ، وَمِنْهُ الْمَكْرُوهُ جِدًّا، وَمِنْهُ الضَّارُّ غَيْرُ النَّافِعِ لِلْبَدَنِ، وَأَنْفَعُ النَّوْمِ مَا كَانَ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَّةِ"(23). وقال أبو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ: "إِنَّ النَّفْسَ إِذَا جَاعَتْ وَعَطَشَتْ صَفَا الْقَلْبُ وَرَقَّ، وَإِذَا شَبِعَتْ وَرَوِيَتْ عَمِّي الْقَلْبُ وَبَادَ". وَالشِّبَعُ الْمُفْرِطُ يُثْقِلُ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَمَنْ أَكَلَ كَثِيرًا شَرِبَ كَثِيرًا، فَنَامَ كَثِيرًا، فَخَسِرَ كَثِيرًا(24).   8-كثرة مخالطة الناس في غير مصلحة: لا شك أن المرء يأخذ من سلوكيات من حوله من الناس ويتأثر بهم، فإن كانوا صالحين أخذ من صلاحهم وإن كانوا غير ذلك تأثر بهم إلا من عصمه الله تعالى، وقد قال النبي-صلى الله عليه وسلم-: ((الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))(25)، فإن اتخذ صالحاً خليلاً يكون هو صالحاً، وإن اتخذ فاسقاً يكون هو فاسقاً. ولله در القائل: ولا تصحب أخا الجهل         وإياك وإياه فكم من جاهل أردى      حليماً حين آخاه وللشيء من الشيء           مقاييس وأشباه يقاس المرء بالمرء           إذا ما المرء ماشاه وللقلب على القلب        دليلٌ حين يلقاه(26). قال الغزالي: "الطِّبَاعُ مَجْبُولَةٌ عَلَى التَّشَبُّهِ وَالِاقْتِدَاءِ بَلِ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنَ الطَّبْعِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي صَاحِبُهُ فَمُجَالَسَةُ الْحَرِيصِ عَلَى الدُّنْيَا تُحَرِّكُ الْحِرْصَ وَمُجَالَسَةُ الزَّاهِدِ تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا"(27).     علاج مرض القلب:   لا يمكن أن يستقيم قلب العبد على الإيمان حتى يكون سليمًا من الشبهات والشهوات، لأن سلامة القلب وخلوصه سبب في سعادة الدنيا والآخرة، } يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{ [الشعراء: 88-89]. بل إن سليم القلب أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- أنه أفضل الناس، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو-رضي الله عنه-، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ". قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ"(28).     ومن الأمور التي تعين على صلاح القلب:   1-قراءة القرآن وتدبره والتفكر فيه: وقد أمر الله عز وجل الناس بعبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولا يحدث ذلك إلا بتدبر آياته كما أمر بذلك سبحانه في كتابه فقال: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، وقال سبحانه: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ } [المؤمنون: 68]، ولا ريب أن تدبر القرآن  من أنفع العلاج لأمراض القلوب وقد أخبر سبحانه بذلك في قوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] قال  السعدي: هذا القرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع وأمراض الشبهات، القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. وإذا صح القلب من مرضه، ورفل بأثواب العافية، تبعته الجوارح كلها، فإنها تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده(29). وقال إبراهيم الخوَّاص: " دَوَاءُ الْقَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءٍ، قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِالتَّدَبُرِ وَخَلاءُ الْبَطْنِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ السَّحَرِ وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ"(30).   2-ذكر الله تعالى: فقد أخبر سبحانه أنه لا اطمئنان لقلب المرء إلا بذكره فقال: { أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28]. فبذكره  سبحانه دون غيره تسكن القلوب أنسا به، واعتمادا عليه(31). وقد أمر سبحانه عباده المؤمنين بالإكثار من ذكره فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] قال ابن عباس في تفسير هذه الآية: "إن الله لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر، فإن الله لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله؛ فقال: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ } [النساء: 103]، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغنى والفقر، في الصحة والسقم، في السر والعلانية وعلى كل حال(32). وقال مكحول: "ذكر الله تعالى شفاء، وذكر الناس داء"(33).   3- الدعاء والتضرع إلى الله: فالدعاء من أفضل العبادات، والقلوب بيد الله عز وجل يقلبها كيف يشاء، ويصرفها كيف يشاء، فلابد للمرء أن يسأل الله التثبيت لقلبه، وهذا من هدي النبي-صلى الله عليه وسلم-، حيث يقول: ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))(34). وقال)) اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ))(35). فإذا كان هذا هو حال نبينا-صلى الله عليه وسلم- مع عِظَمِ قدره ومنزلته عند ربه، فنحن أولى بذلك اقتداءً به -صلى الله عليه وسلم-. وقد ذكر ربنا تبارك وتعالى من دعاء المؤمنين في قوله: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ } [آل عمران: 8].   4- ومن الأمور التي تعين على إصلاح القلب إخفاء العمل والخلوة المشروعة، فلا بد للعبد أن يكون له مجالس يخلو فيها بذكر ربه، وتعداد ذنوبه ومحاسبة نفسه، وإصلاح قلبه، وطلب المغفرة من ربه. قال شيخ الإسلام: "وَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ أَوْقَاتٍ يَنْفَرِدُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَإِصْلَاحِ قَلْبِهِ"(36). وقال أبو الدَّرْدَاءِ-رضي الله عنه-: "نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ، يَحْفَظُ فِيهَا لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ"(37).   5- اعتزال أماكن الفتن والشهوات، فهي تدمر القلب تدميرًا: وقد حذَّرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أمتَه الفتن فقال: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا))(38). قال النووي: "معنى الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر"(39).   6- تعظيم شعائر الله تعالى:  قال تعالى: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] فَالْمَقْصُودُ تَقْوَى الْقُلُوبِ لِلَّهِ وَهُوَ عِبَادَتُهَا لَهُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ. بِغَايَةِ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالْعُبُودِيَّةُ فِيهَا غَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَغَايَةُ الذُّلِّ وَالْإِخْلَاصِ وَهَذِهِ مِلَّةُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ عِبَادَةَ الْقُلُوبِ هِيَ الْأَصْلُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: {إنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ}(40). يريد المرء أن تؤتى مُنَاه. . . ويأبى الله إلا ما أراد يقول المرء فائدتي ومالي. . . وتقوى الله أفضل ما استفاد.     (1) أخرجه البخاري(52)، ومسلم(107)، من حديث النعمان بن بشير-رضي الله عنه-. (2) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 5). (3) مجموع الفتاوى (7/ 187). (4) مسلم (2564) (5) أخرجه مسلم(34)، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-. (6) فيض القدير (5/ 50). (7) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 340). (8) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة(226)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (5147). (9) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم (ص: 283). (10) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 40)، لابن القيم. (11) تفسير ابن كثير (8/ 109). (12) مفتاح دار السعادة، لابن القيم (1/ 99). (13) أخرجه البخاري (6308)، من حديث عبد الله بن مسعود. (14) وانظر كتاب ذنوب الخلوات أصل الانتكاسات، لمصطفى دياب ص59. (15) رسالة المسترشدين (ص: 154)، للحارث المحاسبي. (16) تفسير القرطبي (12/ 223). (17) بدائع الفوائد (3/ 224)، لابن القيم. (18) تفسير الطبري(23/ 185). (19) أخرجه البخاري (6420). (20) فيض القدير (5/ 417). (21) شعب الإيمان للبيهقي (6/ 354). (22) إحياء علوم الدين (3/ 86). (23) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 456). (24) انظر الجوع لابن أبي الدنيا (ص: 188)، مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (1/ 456). (25) أخرجه أحمد (8398)، وحسنه الألباني في المشكاة(5019). من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-. (26) ديوان علي بن أبي طالب (ص: 174). (27) إحياء علوم الدين (2/ 173). (28) أخرجه ابن ماجه (4216)، وقال الألباني في الصحيحة(948): إسناده صحيح رجاله ثقات. (29) تفسير السعدي (ص: 367). (30) ذم الهوى (ص: 70)، لابن الجوزي. (31) محاسن التأويل (6/ 282). (32) تفسير ابن كثير (6/ 433). (33) الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 71)، لابن القيم. (34) أخرجه الترمذي(2140)، من حديث أنس، وفي بابه أربعة أحاديث عن النواس ، وأم سلمة ، وابن عمرو ، وعائشة وصححه الألباني في المشكاة(102). (35) أخرجه مسلم(17)، من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه-. (36) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 163). (37) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (35738). (38) أخرجه مسلم(228). (39) شرح النووي على مسلم (2/ 133). (40) مجموع الفتاوى (17/ 485).   زاد الواعظين  
       
    • يعلمنا القرآن (1)

      لماذا كان "فرارًا" إلى الله؟

      يقول جل في علاه في سورة الذاريات:
      ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ * فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 41 - 51].
      يقول الطبري في تفسيره: "القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الذاريات: 50]؛ يقول تعالى ذكره: فاهربوا - أيها الناس - من عقاب الله إلى رحمته بالإيمان به، واتباع أمره، والعمل بطاعته، ﴿ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ ﴾ [الذاريات: 50] يقول: إني لكم من الله نذير أنذركم عقابه، وأخوِّفكم عذابه الذي أحلَّه بهؤلاء الأمم الذي قصَّ عليكم قصصهم، والذي هو مذيقهم في الآخرة، وقوله ﴿ مُبِينٌ ﴾ يقول: يبين لكم نذارته"؛ [انتهى الطبري].
      والفرار مفهوم مرتبط بالخوف والرهبة، والهلع والقلق، فالإنسان لا يهرُب أو يفِرُّ إلا من خطر داهم، أو عرض مُهْلِكٍ أو موقف صعب، أما الالتجاء أو التوجُّه، فقد يكون في جوٍّ من القلق، دون خوف أو رهبة.

      وبالنظر إلى سياق الآيات، نجد عرضًا لِما أنزله الله بالأقوام الغابرة من عذاب ونكال، عندما عَصَوا وتمردوا على أوامر الله ورسالاته التي جاءتهم بها رسله، فكانت مصيبتهم الشرك أولًا، ومن ثَمَّ اختص كل قوم بنوع معين من المعصية، أضافت إلى شركهم آثامًا ومفاسدَ ضاقت بها الأرض.

      فكان التعقيب القرآني عليها في أمرين:
      1- تذكير الناس بالنعم الإلهية التي حفَّهم الله بها، مع استخلافهم في الأرض.

      2- وثانيًا: الفرار إلى الله من الآثام والمعاصي التي قد تُورِدهم مواردَ تلك الأمم التي عَصَتْ واستكبرت في عصيانها، وتمردت وتجبرت، فالفرار الذي يأمر الله به عباده المؤمنين هو فرار من خطر الوقوع بما وقع به أولئك الأقوام، فتكون العاقبة مهالك دنيوية، وفي الآخرة عذاب عظيم.   لكن كيف يكون الفرار إلى الله؟ الفرار مفهوم يستغرق وجهتين وطريقًا: الوجهة التي تفر منها، والوجهة التي تفر إليها، والطريق بينهما، أما الوجهة التي نفِرُّ منها فهي المعاصي والآثام والمفاسد، ونحن نفر منها لعِظَم خطرها على المسلم، وما تجره إليه من نهاية مخيفة قد تفاجئه قبل أن يتوب.

      ومشكلة الإنسان مع المعاصي استصغارها وتحقير شأنها، وهو لا يعلم أن الصغيرة مع التعوُّد تُحاط بصغائر مثلها لتنتهي إلى كبيرة، والكبيرة تجرُّ إلى كبيرة أخرى، فلا يجد الإنسان نفسه إلا وقد دخل في دائرة الخطر المهلك.
      يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد إذا أخطأ خطيئةً نُكِتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سُقِل قلبه، وإن عاد زِيد فيها حتى تعلوَ قلبه، وهو الرَّانُ الذي ذكر الله: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]))؛ [صحيح الترمذي عن أبي هريرة].
      فكثرة الذنوب والمعاصي تُحَوِّل القلب إلى السواد الخالص، والتوبة تُطهِّر القلب، وتَجْلُوه من أثر الذنوب والمعاصي.
      والمواطن التي يتوجب علينا الفرار منها هي مواطن الشبهات، ومواطن الشهوات؛ فأما مواطن الشبهات، فأكثرها اليوم ازدحامًا مواطنُ المال والأعمال؛ حيث يجد المسلم نفسه محاطًا بأساليب الانغماس في المال الحرام، كما يحيط السِّوار بالْمِعْصم والعياذ بالله، سواء كان كسبًا أو إنفاقًا، فيجد نفسه وكأنه يسير في حقل ألغام.
      أمَّا التكسُّب فحدِّث ولا حرج عن أساليب الغش والخداع، والمكر والاحتكار، والمتاجرة بأرزاق البشر، لا بل بالبشر أنفسهم، فلدينا اليوم متاجرة بالأشياء، ومتاجرة بالإنسان، وما أكثر المتاجرين بالإنسان سواء عقليًّا أم جسديًّا؛ تجار الفكر والصحة!


      أولئك الذين استسلعوا الإنسان - جعلوا منه سلعة - فما عادوا مؤتمنين لا على علم، ولا على فِكْرٍ، ولا على صحة، ولا على شفاء قد يُرتجى من الالتجاء إليهم، ولله المشتكى.

      ناهيك عن أكل الحرام من طريق الربا بأشكاله وأسمائه المعاصرة التي يجتهد في تحليلها والتلبيس فيها، وأما مواطن الشهوات، فهي أوضح من أن يحيط بها كلام، نحن نعيش عصر فساد الفطرة وفتنة الشهوات، كل شيء متاح ومفتوح على مصراعيه للدخول إلى كل ما هو محرَّم، وكلنا يعلم ولا حاجة للشرح والتفصيل.
      وأما الجهة التي نفِرُّ إليها؛ فهي الله عز وجل، وأما الطريق؛ طريق الفرار، فهو شرعه جل في علاه، نسير وفق منهجه الذي رسمه لنا في قرآنه العظيم، وسُنَّة نبيه الكريم، نُحلِّل حلاله، ونُحرِّم حرامه، نتقي الله حق تقاته.
      نحن اليوم واقعون في شِرْكِ قوم نوح، وفي كفر واستكبار قوم عاد، واستكبار وتمرد ثمود قوم صالح، وفاحشة قوم لوط، وجرائم قوم شعيب الاقتصادية والاجتماعية، وتحلَّينا بأخلاق اليهود وصفاتهم.

      جمعنا كل المنكرات والمعاصي التي أوردت كل الأمم الغابرة موارد الهلاك، فهل من خلاص إلا بالفرار إلى الله؟!

      اللهم فرارًا إليك لا نشقى بعده.




      يعلمنا القرآن (2)

      الرابط بين معيَّة الله والتسليم بحكمته في تصريف الأمور، مشفوعة بالأخذ بالأسباب

      تتفرد سورة القصص برواية قصة موسى منذ ولادته؛ قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 7 - 13].

      أحد الدروس المستفادة من هذه الحلقة من قصة موسى عليه السلام هو:
      الرابط بين معيَّة الله والتسليم بحكمته في تصريف الأمور، مشفوعة بالأخذ بالأسباب:

      1- ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾: أمر من الله إلى أم موسى، وأم موسى تستجيب تسليمًا لأمر الله ليقينها بحكمة الله في تصريف الأمور، فلا بد من وجود حكمة من وراء أمر الإرضاع.

      2- ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾: الأمر الثاني الذي ألقاه الله إلى أم موسى أمر ظاهره الهلاك وباطنه النجاة؛ لكنها استجابت هنا أيضًا تسليمًا ويقينًا بحكمة الله، فمن يلقي فلذة كبده في البحر إلا موقن بحكمة الله؟!

      3- ﴿ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ﴾: الطمأنينةالتي ترافق المعية والتسليم الكامل لحكمة الله من أمره ونهيه.

      4- وكانتثمرة الطاعة والتسليموعدًا ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾.
      • ﴿ رَادُّوهُ إِلَيْكِ ﴾: وعد مُعجَّل.
      •﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾: وعد مُؤجَّل.

      5- ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾: تصريف ظاهرهُ الخوف وباطنه الأمان، وهنا تتجلى معيَّة الله. الرضيع لم يغرق، أمر مفرح، لكنه وقع بيد أعداء الله، أمر محزن!


      6- ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾: قذف محبته في قلب امرأة فرعون، فكانت نجاته من القتل، معيَّة مطلقة!

      7- ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾:ظهور العنصر البشري بقوة في قلب مسيرة المعيَّة هذه، فكان التثبيت الإلهي معيّة مطلقة!


      8- ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ﴾: كل ما سبق عاشته أم موسى وهي موقنة بحكمة الله وصدق وعده، لكنها لم تقعد عن الأخذ بالأسباب،فطلبت من أخته ملاحقته وتسقُّط أخباره، أخذ بالأسباب.

      9- ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾: وكذلك الفتاة، لم تكن معية الله، التي عرفت أنها تحيط بهم وبأخيها، سببًا في قيامها بتصرف غير مسؤول أو تخليها عن حذرها، بل كانت تتحرك بحذر وتأخذ بالحيطة، فبصرت به عن جنب، وهم لا يشعرون، أخذ بالأسباب.

      10- ﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ﴾:هنا تتجلى الحكمة من الأمر الإلهي الأول: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ [القصص: 7]، فالرضيع الآن يطلب ما تذوقه أول مرة،معيّة مطلقة ترتبت على التسليم المطلق لأمر الله والإذعان له.

      11- ﴿ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ﴾: وهنا تتجلى فطنة الفتاة، أخذ بالأسباب.

      12- ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾:تحقق وعد الله الأول الذي قطعه إلى أمِّ موسى.

      تخبرنا هذه القصة أن المعية الإلهية تتحقق بكامل صورتها، عندما يتسلح العبد باليقين المطلق بحكمة الله من وراء أوامره ونواهيه، ولا يقعد عن الأخذ بالأسباب.


      يعلمنا القرآن (3)

      المتكبر بالأنا!

      بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، يقول تعالى في كتابه العزيز: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].

      ﴿ قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [ص: 75 - 77].

      والكبر هو ذاك المرض الذي يصيب الإنسان في ذكائه وفطنته، فينخر فيها حتى تستحيل إلى حمق وغباء وانعدام بصيرة.

      وجذر الكبر "الأنا"، تتعاظم في النفس إلى أن يضيق بها صدر المتكبر، فتخرج منه في ظرف من الظروف لتصبغ حياته أقوالًا وسلوكًا، فتنتهي به إلى مخلوق متخبط لا يعرف الحق والاتزان له سبيلًا.
      وهذا واقع نشهده في حياتنا كل يوم، يبقى الإنسان - رجلًا كان أو امرأةً - يتمتع بقدر من الذكاء والفطنة وربما الدهاء، إلى أن يستحكم فيه الكبر، فيستحيل إلى إنسان أحمق بأقوال وسلوكيات لا تمتُّ إلى ما كان عليه من اتزان بصلة.
      وعناصر الكبر، باختصار، تلخِّصها لنا قصة إبليس، شيخ المتكبرين، في عصيانه أمر الله للسجود لآدم: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12].

      التكبر بما ليس للمتكبر فيه فضل: فإبليس يعترف بادئ ذي بدء، أن سبب كبره، وهو ما يراه من الفوقية الخلقية على آدم، ليس أمرًا من صنيعه هو، بل هو من صنع الله الذي خلقه على هذه الهيئة: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ ﴾ [الأعراف: 12]، فبماذا يتكبَّر؟! وكذا أمر كل مخلوق، بماذا يتكبَّر؟ بقوَّته، بجماله، بماله، بعلمه، بجبروته، بسلطته ونفوذه؟ يتكبر بما لا فضل له فيه؛ بل هو عطايا ونعم من خالقه! وكيف به لو ذهب الله بكل ما لديه في طرفة عين؟


      التقوُّل على الله بغير علم: ثم إن إبليس لما استعظم الكبر في نفسه تقوَّل على الله بغير علم، تكلم بما لا يعرف، فقاس النار والطين بمنظوره الكِبْريّ، ليقرر أن النار أفضل من الطين، وما أدراه؟ هنا كان المتكبر قد وصل إلى مرحلة التذاكي - والعياذ بالله - على خالقه، فرأى في نفسه عالمًا حكمًا، يفوق خالقه علمًا، ويقرر، ويصدر أحكامًا نيابة عنه، وهذا بعينه ما يكون من أمر البشريِّ عندما يضع القوانين نيابةً عن الله، ويقرر ويصدر أحكام زمانه نيابة عن خالق الزمان والمكان.

      الأفضلية المطلقة:وهذا ما كان من إبليس، فكان سبب عصيان إبليس لأمر الله أنه افترض في نفسه الأفضلية والخيرية، "أنا خيرٌ منه"،فامتنع من الطاعة، لأنه -حسب رأي إبليس -لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ وهكذا المتكبرون دائمًا هم أفضل من غيرهم، أو بالأحرى هم الأفضل بالمطلق، لا يقبلون حقًّا، فالحق عندهم ما يقولون وما يفعلون، وتراهم في ازدراء دائم لمن حولهم، ومهما تحَلَّوا "بالدبلوماسية" تفضحهم زلَّات ألسنتهم! وصدق الصادق المصدوق: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".

      الرأي في مواجهة أمر الله: وأخطأ اللعين عندما وضع رأيه في مواجهة أمر الله، فجعله سببًا مبررًا للعصيان!


      فقد قاس إبليس برأيه، فوضع رأيه في كفة وأمر الله له بالسجود في كفة، فرجَّح كفة رأيه على أمر الله، "قال ابن عباس: أول من قاس إبليس فأخطأ القياس، فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه الله مع إبليس"، قال ابن سيرين: "ما عبدت الشمس إلا بالقياس"، واليوم حدِّث في هذا ولا حرج، مع الأسف الشديد أصبح شرع الله "مرتعًا" والعياذ بالله للأهواء والآراء والتأويل والتفسير بما لا يمتُّ للحق بصلة!


      والكبر يورث الزلل وعمى البصيرة، ولعظم كبر إبليس بنى معصيته على قياس خاطئ أصلًا، فقرَّر أن المخلوق من نار أفضل من المخلوق من طين؛ لعلوِّ النار على الطين وصعودها، بل وجعله مبررًا لعدم سجوده لآدم، يقول القرطبي: "وقالت الحكماء: أخطأ عدوُّ الله من حيث فضل النار على الطين، فإن الطين أفضل من النار من عدة أوجه:أن من جوهر الطين الرزانة والسكون، والوقار والأناة والحلم، والحياء، والصبر؛ وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية.

      ومن جوهر النار الخفة، والطيش، والحدة، والارتفاع، والاضطراب؛ وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار، فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء؛ قاله القفَّال.
      الثاني: أن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارًا، وأن في النار ترابًا.
      الثالث: أن النار سبب العذاب، وهي عذاب الله لأعدائه، وليس التراب سببًا للعذاب.
      الرابع: أن الطين مستغنٍ عن النار، والنار محتاجة إلى المكان، ومكانها التراب.
      قلت: ويحتمل قولًا خامسًا، وهو أن التراب مسجد وطهور؛ كما جاء في صحيح الحديث، والنار تخويف وعذاب؛ كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ [الزمر: 16]، وقال ابن عباس: كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربَّه، وهو أول من قاس برأيه"؛ انتهى.

      وهل يصيب من يقيس بالهوى؟!

      فيا أيها المسلم، اعرض نفسك على عناصر الكبر التي أودت بإبليس إلى الجحيم خالدًا مخلدًا، وتلَمَّس مكانك منها.

      رحم الله سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائل: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوها قبل أن تُوزَنوا، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذٍ تعرضون لا تخفى منكم خافية".

      وتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ"، قالَ رَجُلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يَكونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قالَ: "إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ، وغَمْطُ النَّاسِ"؛ صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود.

      هذا باختصار والله أعلم، والله من وراء القصد.



        يُعلِّمنا القرآن (4): ولنا في قصة أصحاب السبت عِبرة

      (الناهون عن المنكر والصامتون)

      يقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 164، 165].

      فمن الذي نجا في قصة أصحاب السبت؟


      تُصرِّح الآيات بأن الذين نجَوا هم الذين كانوا ينهون عن السوء، في قوله تعالى: ﴿ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ﴾ [الأعراف: 165]، وهؤلاء هم الذين مضَوا في إنكار المنكر رغم تثبيط المثبطين، فهم كانوا يعلمون أن العمل على إنكار المنكر فيه المعذرة إلى الله والتبرؤ إليه من تلك المعصية، كما أنه تذكرة للقوم حتى يُقلعوا عن المعصية، وبهذا ردوا على الذين عاتبوهم على إنكارهم المنكر: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164].

      ومن الذي هلك؟

      الذين ظلموا، وهؤلاء كان ظلمهم بنصب لواء التحدي لأمر الله وعصيانه، فعتَوا عن أمر الله في نهيه لهم عن الصيد في السبت، فاحتالوا على ربهم سبحانه، واصطادوا.

      والصامتون أو الكارهون المثبطون؟

      هؤلاء هم الذين لم ينهوا عن السوء لكنهم كرهوا الفعلة، وهؤلاء الذين قالوا للمنكرين: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، وهؤلاء يمثلون كل من يكره المواجهة مع العصاة فلا ينهونهم عن المعصية، ولا يوجهون لهم النصح، مع علمهم أنهم قوم معرَّضون لعذاب الله والهلاك، بل ويثبطون الناهين عن المنكر، وعباراتهم المشهورة: "دعهم وشأنهم، منهم لربهم، لا علاقة لك بهم".

      ماذا كان مصيرهم؟

      هؤلاء لم يأتِ السياق على ذكرهم، فكان المفسرون فيهم على أحد قولين: إما أنهم نجوا لاختصاص الآيات "الظالمين" بالهلاك.

      أو أنهم اعتبروا مع الظالمين، فهلكوا مع من هلك.

      لكننا إذا تأملنا الآيات نجد أن هناك عنصرًا ثالثًا قد يوضح مصير الكارهين؛ وهو "الاعتزال"، فالناهون عن السوء، الذين أنكروا على القوم صيدهم يوم السبت، وعنَّفوهم وذكَّروهم بمعصيتهم وعذاب الله، كانوا قد اعتزلوا القوم وخرجوا من المدينة، عندما يئسوا من توبة القوم وإقلاعهم عن المعصية، وقالوا: "فقد فعلتم، يا أعداء الله، والله لا نبايتُكم الليلة في مدينتكم"؛ من رواية ابن عباس.

      وهؤلاء فقط؛ أي: الذين هجروا القوم العاصين ومدينتهم، هم الذين نجوا، فإن كان قد خرج معهم أناسٌ من الكارهين أو الصامتين، فقد نجوا معهم؛ لأن كراهيتهم لفعل القوم كانت شديدةً لدرجة الهجران والاعتزال، أما من بقوا مع العصاة آكلُوهم وشاربوهم وجالسوهم، فما نفعهم كرههم الواهن؛ لأن كل من بقيَ في المدينة أصبحوا وقد مُسخوا قردةً وخنازير.

      والله أعلم.

      جاء في تفسير ابن كثير: "عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمتُ أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت فجلست، فقلت: ما يبكيك يا أبا عباس، جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات، قال: وإذا هو في سورة الأعراف، قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم، قال: فإنه كان بها حيٌّ من يهود سِيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت لا يقدرون عليها حتى يغوصوا بعد كدٍّ ومُؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شرعًا بيضًا سمانًا كأنها الماخض، تتبطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه، وكلوها في غيره من الأيام؛ فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نُهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت، فكانوا كذلك، حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، وتنحَّت واعتزلت طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: ويلكم، الله الله ننهاكم أن تتعرضوا لعقوبة الله، وقال الأيسرون: ﴿ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ [الأعراف: 164]، قال الأيمنون: ﴿ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164]، إن ينتهوا فهو أحب إلينا ألَّا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم، فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون: فقد فعلتم، يا أعداء الله، والله لا نبايتكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسفٍ أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلمًا، وأعلوا سور المدينة رجلًا فالتفت إليهم، فقال: أي عباد الله، قردة والله تُعاوي لها أذناب، قال: ففتحوا فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فتقول: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها، أي نعم، ثم قرأ ابن عباس: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 165]، قال: فأرى الذين نهَوا قد نجَوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى أشياء ننكرها ولا نقول فيها"؛ [انتهى].

      اللهم اجعلنا ممن استمع القول فاتبع أحسنه، والحمد لله رب العالمين.

      ميسون عبدالرحمن النحلاوي
      شبكة الالوكة
    • فيديو لدينا عامر عزيزى الظالم https://www.facebook.com/share/v/1AjzACZ1aq/ إن الظلم كلَّه محرم بإجماع الكتاب والسنة، قليلَه وكثيره، صغيره وكبيره، على المسلم والكافر، والقريب والبعيد، بطريق مباشر أو غير مباشر.   وكذلك يحرُم الإعانة على الظلم بأي وجه من الوجوه؛ فمن أعان ظالمًا فهو مشارك له في الظلم، والخاسر من باع آخرته بدنياه، والأشد خسارةً من باع آخرته بدنيا غيره؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ *مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: 42، 43]؛ قال ميمون بن مهران: "هذا وعيد للظالم، وتعزية للمظلوم"[1]، وقال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]، وعن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا))[2]، وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجَّة الوداع: ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يومِ تلقَونه، ثم قال: ألَا لا تظلموا، ألَا لا تظلموا، ألَا لا تظلموا؛ إنه لا يحل مالُ امرئ مسلم، إلا عن طِيبِ نفسٍ منه))[3].   وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))[4]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يُسْلِمه، ومَن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كُرْبةً، فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))[5].   وقال الشاعر: لا تظلمنَّ إذا ما كنت مقتدرًا فالظلم آخره يأتيك بالندمِ نامت عيونك والمظلوم منتبهٌ يدعو عليك وعينُ الله لم تَنَمِ   عاقبة الظالمين: قضى الله عز وجل أن الباغيَ الظالم ينتقم الله منه في الدنيا والآخرة؛ قال ابن مسعود: "لو بغى جبل على جبل، لجعل الله الباغيَ منهما دكًّا"، وقال الشاعر: قضى الله أن البغي يصرع أهله وأن على الباغي تدور الدوائرُ   1- إن دعوة المظلوم، ليس بينها وبين الله حجاب؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: اتَّقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب))[6]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يُفطِر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام، وتُفتَح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنَّك ولو بعد حين))[7]، وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا دعوة المظلوم؛ فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة))[8]، وعن أبي عبدالله الأسدي، قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دعوة المظلوم - وإن كان كافرًا - ليس دونها حجاب))[9].   2- سبب لفناء الحسنات ولزيادة السيئات يوم القيامة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له مَظْلَمَةٌ لأخيه من عِرْضِهِ، أو شيء، فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليوم قبل ألَّا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات، أُخِذَ من سيئات صاحبه، فحُمِلَ عليه))[10]، وعن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي، وسعد بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وعبدالله بن مسعود، حتى عدَّ ستة أو سبعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: ((إن الرجل لا تُرفع له يوم القيامة صحيفته حتى يرى أنه ناج، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حتى ما يبقى له حسنة ويُحمل عليه من سيئاتهم))[11]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار))[12].     3- إن الله يُمْهِله فإذا أخذه لم يُفْلِتْه؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لَيُملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102]))[13].   4- إن الله يعجِّل للظالم العقوبة في الدنيا بالإضافة لما ادخره له في الآخرة؛ عن أبي بكرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنبٍ أحرى أن يُعجِّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يُدخَّر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم))[14].   5- سبب للحرمان من الأمن والاستقرار والهداية؛ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].     6- سبب لأخذه بغتة؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 44، 45].   7- لا يبصر الطريق على الصراط يوم القيامة؛ حيث يحتاج الناس إلى النور ليضيء لهم الطريق، وليس إلا الأعمال الصالحة تضيء لصاحبها، هنا تلُفُّ الظالم ظلماتُ الظلم؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظلمَ؛ فإن الظلم هو ظلمات يوم القيامة))[15].   8- سبب للحرمان من شفاعة رسول الله يوم القيامة؛ عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صِنفان لا تنالهما شفاعتي: إمام غشوم ظلوم، وكل غالٍ مارق))[16]؛ [رواه الطبراني]، أو شفاعة أي شخص آخر؛ قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: 18].   9- سبب للحرمان من الجنة؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار، وحرام عليه الجنة، فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ فقال: وإن قضيبًا من أرَاكٍ))[17].   10- أن الله يخسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين؛ فعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من ظلم من الأرض شيئًا طُوِّقه من سبع أرَضين))[18]، ويُروَى عنه رضي الله عنه ((أن امرأة خاصمته في بعض داره، فقال: دعوها وإياها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخذ شبرًا من الأرض بغير حقه، طوقه في سبع أرَضين يوم القيامة،اللهم إن كانت كاذبة، فأعْمِ بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياءَ تلتمس الجُدُر، تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار، مرت على بئر في الدار، فوقعت فيها، فكانت قبرها))[19]، وعن محمد بن إبراهيم: ((أن أبا سلمة حدَّثه أنه كانت بينه وبين أناس خصومة، فذكر لعائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: يا أبا سلمة، اجتنب الأرض؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال:من ظلم قِيدَ شبرٍ من الأرض، طُوِّقه من سبع أرضين))[20]، وعن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه رضي الله تعالى عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أخذ من الأرض شيئًا بغير حقه، خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين))[21].     11- سبب للحرمان من الفلاح؛ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: 23].   12- سبب للحرمان من محبة الله؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57].     13- من يعتمد على الظالم ويقره، يمسه النار ولن يُنصر؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113]، وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: ((ستكون أمراء، من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم، وصدَّقهم بكذبهم، فليس مني ولست منه، ولن يَرِدَ عليَّ الحوض))[22].   14- العذاب لمن رأى مظلومًا ولم ينصره؛فعن ابن مسعود رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرَ بعبد من عباد الله يُضرب في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع وأفاق قال: علامَ جلدتموني؟ قال: إنك صليت صلاة بغير طهور، ومررت بمظلوم فلم تنصره))[23]، وعن جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ولْيَنْصُرِ الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا؛ إن كان ظالمًا، فلْيَنْهَهُ فإنه له نصرة، وإن كان مظلومًا فلينصره))[24].   15- سبب لهلاك أمم سبقت؛ قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]، وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: 54]، وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45]، وقال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: 52]، وقال تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: 40]، وقال ابن تيمية رحمه الله: "إن الله يقيم الدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة".   قصص من نهاية الظالمين: قال أحد الحكماء: أعْجَلُ الأمور عقوبة وأسرعها لصاحبها سرعة ظلم مَن لا ناصر له إلا الله.   مظلوم يستغيث: اللهم إنه أظهر عليَّ قوته، فأرِني فيه قدرتك: خرج أحد الصيادين صبيحة يومه يطلب رزقًا حلالًا، فرمى شبكته، فلم يخرج شيئًا، فأخذ يبتهل إلى الله؛ فأولاده يصرخون جوعًا في بيته، واقتربت الشمس من المغيب، فرزقه الله سمكة ضخمة، فحمِد الله تعالى وأخذها مسرورًا إلى بيته، وإذا بمَلِكٍ قد خرج للنزهة، فرآه فأحضره، وعلم ما معه، فأعجبته السمكة، فأخذها عَنْوَةً، وذهب إلى قصره، وبينما هو سعيدٌ بهذه السمكة ويخرجها، فاستدارت السمكة وعضت أُصْبُعَه، فلم يسترح ليلًا ولا نهارًا ولم ينم، فأحضر الأطباء، فأشاروا بقطع أصبعه، ولكنه لم يسترح بعدها؛ لأن السم قد تسرب إلى يده، فأشاروا بقطع يده، ولكنه لم يسترح، فجمع العلماء واستشارهم وأخبرهم بقصة السمكة فأشاروا عليه أنه لن يستريح إلا أن يعفو عنه الصياد، فبحث الملك عن الصياد حتى وجده، وشكا إليه أمره، واستحلفه أن يصفح عنه، فعفا وصفح عنه، فقال له الملك: ماذا قلت فيَّ؟ فقال: ما قلت سوى كلمة واحدة: اللهم إنه أظهر عليَّ قوته، فأرني فيه قدرتك"[25].   أصابتني دعوة سعد: عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: "شكا نفر من أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال رجل منهم يُدعَى أسامة بن قتادة: إن سعدًا كان لا يسير بالسرية - أي لا يسير مع الجيش للقتال - ولا يقسم بالسويَّة، ولا يعدل في القضية، فقال سعد: اللهم إن كان عبدك كاذبًا، وقام رياء وسمعة، فأطِلْ عمره، وأطِلْ فقره، وعرِّضه للفتن، قال: فكان بعد ذلك إذا سُئل، يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبدالملك بن عمير: فأنا رأيته بعد أن سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرقات يغمزهن"[26].   الجزاء من جنس العمل: كما تدين تُدان: كتبت إحدى الزوجات إلى محرر زاوية «بريد الجمعة» في جريدة «الأهرام» بتاريخ 15/1/1991م رسالة تقول فيها: منذ خمسة عشر عامًا... كانت لنا خادمة طفلة في التاسعة من عمرها، وكانت تستيقظ في الصباح الباكر قبل أن يستيقظ طفلاي؛ لتساعدني في إعداد طعام الإفطار لهما... وتحمل الحقائب المدرسية وتنزل بها إلى الشارع... وتظل واقفة مع ابني وابنتي حتى تحملهما حافلة المدرسة... وتعود للشقة بعد ذلك لتبدأ في ممارسة أعمال البيت من تنظيف وشراء الخضر، والمسح والكنس والطبخ... وتلبية النداءات والطلبات الخاصة بأهل المنزل إلى منتصف الليل... فتسقط حينئذٍ على الأرض كالقتيلة وتستغرق في النوم... وكان زوجي يذيقها ألوانًا من العذاب من الضرب والإهانة لأهون الأسباب.   ثم شيئًا فشيئًا بدأنا نلاحظ عليها أن الأكواب والأطباق تسقط من يديها... وأنها تتعثر كثيرًا في مشيتها، فعرضناها على طبيب العيون فأكَّد لنا أن نظرها قد ضعف جدًّا؛ بسبب ما تتلقاه من صدمات وضربات على منطقة الدماغ والعين... وأنه ينسحب ويتقلص تدريجيًّا... وأنها لا ترى حاليًّا قدميها... أي إنها أصبحت شبه عمياء.   ثم خرجت الفتاة ذات يوم من البيت بعد أن أصبحت كفيفة تقريبًا، ولم تعد إليه مرة أخرى... ولم نهتم بالبحث عنها هذه المرة... لأنها أصبحت في حكم العمياء تقريبًا.   ومضت السنوات وتخرَّج ابني في الجامعة، وعمِل وتوظَّف ثم عزم على الزواج بإحدى الفتيات... فخطبناها له... وتزوجها وسعدنا بها... واكتملت سعادتنا حين عرفنا أنها حامل، ثم جاءت اللحظة السعيدة... وضعت مولودها الأول... فإذا بنا نكتشف الحقيقة القاسية؛ إنه طفل أعمى لا يبصر... وتحولت الفرحة إلى سحابة كثيفة من الحزن القاتم... وبدأنا الرحلة الطويلة مع الأطباء... نتنقل من طبيب لآخر... بحثًا عن علاج لهذا العمى الذي أصاب المولود الجديد... ولكن بدون نتيجة.   وقررت زوجة ابني ألَّا تحمل مرة أخرى... خوفًا من تكرار الكارثة... لكن الأطباء طمأنوها إلى أن هذا مستحيل... وشجعوها على الحمل وإنجاب طفل آخر وشجعناها نحن أيضًا على ذلك... وحملت زوجة ابني للمرة الثانية... وأنجبت طفلةً جميلةً شقراءَ وسعدنا بها سعادة مضاعفة... وبعد سبعة شهور لاحظنا عليها أن نظرها مركَّز في اتجاه واحد لا تحيد عنه... فعرضناها على أخصائي عيون... فإذا به يصدمنا بحقيقة أشد هولًا... وهي أنها لا ترى إلا مجرد بصيص من الضوء... وأنها معرضة أيضًا لفقد بصرها... ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.   وأحسست أنا وزوجي وأولادي بهموم الدنيا تطأ على صدورنا بقسوة... وفي غمرة ضيقي وأحزاني... تذكرت تلك الفتاة الكسيرة التي هربت من جحيمنا كفيفةً عمياء... بعد أن أمضت معنا عشر سنوات ذاقت خلالها أشد العذاب... لقد ظلمناها وعذبناها ونسينا عقاب ربها ومولاها... فانتقم لها جبار السماوات والأرض... وهكذا الجزاء من جنس العمل... وكما تدين تدان[27].   أخيرًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37].   اللهم جنبنا الظلم وأهله، وألزمنا العدل وأجره، اللهم لا تجعلنا من الظالمين. [1] تفسير القرطبي، سورة إبراهيم الآيتان 42 و43. [2] رواه مسلم، والترمذي، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم: 1625 (15/1). [3] رواه أحمد، وصححه الألباني في هداة الرواة (2875). [4] رواه البخاري ومسلم، وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: 2215 (20/2). [5] رواه البخاري (2310) ج: 2، كتاب المظالم، باب: لا يظلم المسلمُ المسلمَ ولا يسلمه. [6] رواه البخاري ومسلم. [7] رواه ابن ماجه، والترمذي، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (1432). [8] رواه الحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: 2228 (20/2). [9] رواه أحمد، وقال الألباني: حسن لغيره، في صحيح الترغيب والترهيب برقم: 2231 (20/2). [10] رواه البخاري (2317) ج: 2، كتاب المظالم، باب: من كانت له مظلمة عند الرجل فحللها له، هل يبين مظلمته؟ [11] رواه البيهقي في البعث بإسناد جيد، والحاكم مرفوعًا، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: 2224 (20/2). [12] رواه مسلم (2581)، ج: 4، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم. [13] رواه البخاري ومسلم. [14] رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5705). [15] رواه ابن حبان، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: 2217 (20/2). [16] رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم: 2218 (20/2). [17] رواه مسلم (137)، ج: 1، كتاب الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق المسلم بيمين فاجرة بالنار. [18] رواه البخاري (2320)، ج: 2، كتاب المظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض. [19] رواه مسلم (1610)، ج: 3، كتاب البيوع، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها. [20] رواه البخاري (2321)، ج: 2، كتاب المظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض. [21] رواه البخاري (2322)، ج: 2، كتاب المظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض. [22] رواه ابن حبان، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره برقم: 2242 (20/2). [23] رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره، برقم: 2234 (20/2). [24] رواه مسلم. [25] نهاية الظالمين، ص: 155. [26]- (100) قصة من نهاية الظالمين، هاني الحاج، ط: المكتبة التوفيقية، ص: 156. [27] الجزاء من جنس العمل، د: سيد العفاني، ط: مكتبة ابن تيمية، ط: 2، 1996م، الجزء الثاني، ص: 263، وما يليها بتصرف.   د. خالد أحمد عبدالساتر شبكة الالوكة
    • هل تبحث عن شركة موثوقة لتحويل فكرتك إلى تطبيق احترافي يواكب العصر والتقدم التكنولوجي في كل المجالات ؟ شركة تك سوفت تقدّم لك حلول تصميم وتطوير تطبيقات الهواتف الذكية بأعلى معايير الجودة والاحترافية، وبأسلوب عصري يناسب متطلبات السوق الالكتروني . خدماتنا تصميم وتطوير تطبيقات iOS  و Android تطبيقات تجارية – خدمية – تعليمية – توصيل – حجوزات . واجهات استخدام حديثة وسهلة  (UI/UX) ربط التطبيقات بكل أنظمة الدفع الإلكتروني . لوحة تحكم متكاملة للتحكم الكامل بتطبيقك . دعم فني وخدمات حجز الاستضافات واسماء النطاقات والاستشارات التقنية . لماذا تك سوفت؟ فريق متخصص بخبرة عملية . استخدام أحدث التقنيات وأدوات البرمجة الأصلية . جودة عالية وأسعار تنافسية . تنفيذ احترافي من الفكرة حتى النشر على المتاجر . دعم فني مجاني واستضافة مجانية تساعدك في حل المشاكل أثناء فترة تجريب التطبيق . اجعل مشروعك الرقمي أكثر احترافية، وابدأ اليوم بتطبيق يعبّر عن علامتك التجارية ويصل لعملائك بسهولة . شركة تك سوفت – Tec Soft                  SMART solutions for SMART business
      للمزيد عن شركة تك سوفت للحلول الذكية يرجى الضغط على الرابط التالي 👇
      https://tec-soft.net/
    • "سورة البروج" تشير إلى واقعة من وقائع التغيير في الخلق وفي العباد والبلاد حيث سقطت أبراج ملك ظالم كان يستعبد الناس من دون الله، ويصور لهم أنه الرب والإله، زاد في طغيانه حتى أسقطه الله -تعالى-، وليس ذلك الملك هو وحده تحت هذه السنة الربانية، وإنما شاهدت الدنيا ورأت الأيام عديدا من هؤلاء من الذين يظلمون ويستبدون، من الذين يظلمون ويستحلون الظلم، ويستشرون به في العباد والبلاد، ويتمادون في هذا الطريق المظلم، حتى يبلغوا النهاية التي وضعها الله بسنته، وعندها يسوقون وينتزع الله منهم الملك انتزاعا.

      وأجرم جريمة يجرمها هؤلاء جميعا وأمثالهم إنما هي: إيذاء المؤمنين، ومحاربة المسلمين الموحدين لله -عز وجل-، والصد عن سبيل الله: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) [البروج: 10]، من يحدث فتنة بين العباد وبين ربهم وهم الذين يعبدونه؟ إن الذين يفتنون عباد الله عليه حتى يعبدوا غيره، ويحتكموا إلى غير شرعه أولئك شر العباد، اقتربت نهايتهم، وتأتيهم خاتمتهم التي يلقون فيها حتفهم وهلاكهم، وصغارهم وذلهم، سنة لله ماضية أخبر الله عنها في السورة الماضية، ويعطي لها مثالا من التاريخ السابق في هذه السورة المباركة.

      يقول العلماء إنّ لتدبر القرآن ركنين لا يقوم بغيرهما:
      أولهما فهم السياق والواقع الذي نزلت فيه السورة، لأن معرفة الأسباب تكشف عمق المعاني وتضيء مسالك الفهم.
      وثانيهما العيش مع الموقف وكأنك أحد أبطاله، فتشعر بالآيات وهي تُتلى على قلبك كما نزلت على قلوب الصحابة.
      فإذا قرأت سورة البروج وأنت تعيش الاضطهاد والإيمان، أحسست بالسكينة كما أحسوها، وعرفت أن القرآن حيّ لا يُقرأ فحسب، بل يُعاش.



      ذاتِ البروج

      قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾.
      أقسم الله بالسماء الواسعة، وما فيها من بروجٍ عظيمةٍ تشهد على إبداع الخالق وقدرته.
      البروج هي منازل النجوم أو القلاع السماوية التي تُتَّخذُ للمراقبة، زينةً للسماء وحراسةً لها من كل شيطانٍ مارد.
      وكما أن في السماء بروجًا يُهتدى بها في ظلمات الليل، فإن في الأرض عبادًا صالحين هم بروج الأرض ونجومها، يُهتدى بهم في ظلمات الفتن.
      قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
      فكما تتزين السماء ببروجها، تتزين الأرض بالمؤمنين الذين يضيئون القلوب بنور الهدى، ويثبّتون الناس على طريق الله.


      باسم الله ربّ الغلام

      تأتي بعدها القصة الخالدة التي ضربت أعظم الأمثلة في الصبر والثبات والإيمان.
      قصة غلامٍ صغيرٍ عاش في زمنٍ يعبد فيه الناس الملك، فكان نورًا أرسله الله في زمنٍ أغرقه الظلام.
      علّمه الله التوحيد على يد راهبٍ صالح، فأبصر الحقّ وآمن به، ثمّ صار سببًا في هداية أمّة بأكملها.
      حاول الملك قتله ثلاث مرات، فنجّاه الله، حتى علّمه الغلام بنفسه كيف يقتله أمام الناس ليشهدوا الحق.
      فلما قال الملك: “باسم الله رب الغلام”، سقط الغلام ميتًا، لكن صدى كلمته أحيا القلوب، فصرخوا جميعًا: “آمنا برب الغلام”.
      فكانت نهايته في الدنيا بدايةَ حياةٍ أبديةٍ لأمةٍ آمنت بالله، فانتقم الملك منهم فحفر لهم الأخدود وأوقد فيه النار، وألقى فيها المؤمنين وهم يبتسمون.


      واليومِ الموعود

      قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾.
      يقسم الله بيوم القيامة، اليوم الذي وُعِد فيه العباد بالعرض والحساب، ليقتص فيه لكل مظلومٍ من ظالمه.
      هو يومٌ عظيم تُرفع فيه المظالم وتُسَوّى فيه الحقوق، لا يغيب عنه صغيرٌ ولا كبير.
      ذلك اليوم الذي قال عنه ربنا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾.
      فمن ظنّ أن الله يغفل عن ظلمه، فليعلم أن الله يُمهل ولا يُهمِل، وأن موعده يومٌ تشخص فيه الأبصار.


      وشاهدٍ ومشهود

      قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾.
      كل ما في هذا الكون شاهد أو مشهود عليه.
      فالشاهد هو الله جل جلاله، والمشهود خلقه أجمعون، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
      ويوم الجمعة شاهد، ويوم عرفة مشهود، والقرآن شاهد، والنبي ﷺ مشهود له بالبلاغ.
      وفي ذلك إشارةٌ بليغةٌ إلى أن ما وقع للمؤمنين لم يكن خافيًا على الله، بل شاهده وكتبه وأعدّ له جزاءً يوم لا ينفع مال ولا بنون.
      ثلاث مرات ذُكرت الشهادة في السورة، لتطمئن القلوب أن صرخات المظلومين لم تضع، وأن الله شاهدٌ عليها وحافظها.


      قُتِلَ أصحاب الأخدود

      قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾.
      أي لُعنوا وطُردوا من رحمة الله، لما اقترفوه من جرمٍ عظيم بحق المؤمنين.
      حفروا الأخاديد وأوقدوا فيها النار، وألقوا فيها عباد الله لأنهم قالوا: ربُّنا الله.
      جلسوا على النار يتشفّون ويضحكون، غير مدركين أن الله أعدّ لهم نارًا أشدّ منها، وأن من أحرق مؤمنًا سيُحرق بنارٍ لا تخبو.
      وهكذا يُظهر الله أن العاقبة دائمًا لأهل الصبر والإيمان، ولو بعد حين.


      النار ذات الوقود

      قال تعالى: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾.
      نارٌ أرضية أوقدها أهل الكفر، تحتاج وقودًا لتشتعل، بخلاف نار الآخرة التي لا تُطفأ أبدًا.
      تشبيه بليغ يصف حال القلوب المظلمة التي لا تهدأ حتى تشعل نارًا جديدة من فتنةٍ أو شهوةٍ أو حربٍ.
      كلما خمدت نارٌ في الأرض، أوقدوا أخرى ليصرفوا الناس عن الحق، ولكن نار الله في قلوب أوليائه لا تخمد أبدًا.


      وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا

      قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
      لم يكرهوا المؤمنين إلا لأنهم آمنوا بالله وحده، ورفضوا الخضوع للبشر.
      فالمؤمن عزيزٌ بعزة ربه، لا يُستعبد ولا يُذلّ، لأن قلبه معلّقٌ بربٍّ عزيزٍ لا يُغلب.
      وهكذا يعلّمنا القرآن أن الإيمان لا يكون مجرد قولٍ، بل موقف عزّةٍ وثباتٍ أمام الطغيان.


      الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات

      قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾.
      لكل من أفسد أو أغوى أو شوّه الإيمان في قلوب الناس عذابان: عذاب جهنم، وعذاب الحريق.
      لأن فتنتهم تجاوزت أنفسهم إلى غيرهم، فاستحقوا مضاعفة الجزاء.
      وما تزال الفتنة اليوم تُمارس بألوانها الحديثة، من تشويهٍ وتزييفٍ وإفسادٍ، لكنها عند الله لا تُنسى.


      بشرى المؤمنين

      قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.
      بشارةٌ لكل من ثبت وصبر واحتسب، بأن الجنة جزاؤه، والخلود مكافأته.
      ولم يقل الله فوزًا فقط، بل قال الفوز الكبير، لأن ثمنه كان عظيمًا، وصاحبه صبر على الألم بثباتٍ ورضا.
      فمن رضي بقضاء الله رفعه الله، ومن صبر على مرّ البلاء أذاقه حلاوة النعيم الأبدي.




      إن بطش ربك لشديد

      قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾.
      مهما تجبّر الطغاة وتسلّطوا، فإن بطش الله أعظم، وعدله آتٍ لا محالة.
      الله يمهل الظالم ليزداد إثمًا، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فلا يفلت منه أحد.
      وفي هذا تسليةٌ للمؤمنين بأن عدل الله قادم، وأن نهاية الظالم بقدر ما ظلم.


      إنه هو يبدئ ويعيد

      قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾.
      الله هو المبدئ والمعيد، بيده الأمر كله، لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
      يعيد الخلق بعد الموت كما بدأهم، ليحاسب كل نفسٍ بما كسبت.
      ثم أتبعها بقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، فجمع بين العدل والرحمة، ليعلمنا أن من تاب وجد الله غفورًا رحيمًا، ومن أحبّ الله أحبه الله بودٍّ لا ينقطع.


      ذو العرش المجيد

      قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾.
      العرش رمز العظمة والسلطان، والله فوق عرشه بقدره وجلاله، لا يُعجزه أمر.
      يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
      فمن علم أن الله فعال لما يريد، اطمأن قلبه وسكن فؤاده مهما اشتدت الظروف.


      هل أتاك حديث الجنود

      قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.
      تذكيرٌ بأن الظلم ليس جديدًا، وأن طريق الإيمان لطالما مرّ من بين نارٍ وصبرٍ ودماء.
      فرعون كذّب موسى، وثمود قتلوا ناقة الله، وأصحاب الأخدود أحرقوا المؤمنين، لكن العاقبة واحدة: ثم دمر الله الجميع.
      فالله يُمهل الظالمين ليزدادوا طغيانًا، ثم يريهم مصير من قبلهم، فيكون التاريخ مرآةً للعظة والاعتبار.


      والله من ورائهم محيط

      قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ﴾.
      أي لا يخرج أحد من سلطان الله، فكل تدبيرٍ عنده، وكل حركةٍ في قبضته.
      يظن الظالم أنه يدبّر، وهو في الحقيقة مدبَّر، يظن أنه ينفلت، وهو محاطٌ بقدر الله من كل جانب.


      بل هو قرآن مجيد

      قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾.
      ختام السورة وعدٌ لا يزول، أن القرآن باقٍ لا يُطفأ نوره، محفوظٌ بحفظ الله من كل تحريفٍ أو تبديل.
      مهما أطفأ الناس مصابيح الهداية، يبقى هذا النور خالدًا، لأنه كلام الله الذي تكفّل بحفظه.
      قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾.



      الخاتمة

      أسأل الله العظيم أن يجعلنا من الثابتين عند البلاء، والفرحين بطاعته، والموصولين بكتابه، والمستظلين برحمته.
      اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم: ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾،
      واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

      موقع رواء


         
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182734
    • إجمالي المشاركات
      2536649
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×