اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58228
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180704
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8355
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4165
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30265
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53118
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6678
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21008
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6306
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97014
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15482
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29722
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41316
      مشاركات
    2. 33886
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91747
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32220
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65624
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6120
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38554 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193].

      الاستماع لتلاوة رائعة

      https://www.facebook.com/share/v/1DbfHKTTh2/
      شرح حصن المسلم للشيخ خالد السبت قوله تعالى " رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ ‏‎ .. ‎‏"‏ إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
      أما بعد: أُواصل الحديث -أيها الأحبة- عن قوله -تبارك وتعالى- بهذه الخواتم لسورة آل عمران، في قول أهل الإيمان، في قول أولي الألباب الذين أثنى اللهُ عليهم بهذه الأوصاف الكاملة، وذكر أنَّ من دُعائهم أنَّهم يقولون: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193].
      سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ سمعنا داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو النبي ﷺ: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، يقول: آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا فاستجبنا، وصدّقنا، وانقادت قلوبُنا، وأسلمت جوارحُنا، وأذعنَّا لله -تبارك وتعالى-.
        رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا [آل عمران:193]، فهذا من آداب الدُّعاء: أن يتوسل العبدُ بعمله الصَّالح، فإنَّ التوسل أنواعٌ: منه ما هو مشروعٌ، ومنه ما هو ممنوعٌ، فهذا هو التَّوسل المشروع: أن يتوسّل بأعماله الصَّالحة، هنا التَّوسل بالإيمان: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، يقولون: ربنا آمنا، فهنا: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، آمنا بك، واتَّبعنا رسولك: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا.
      كما توسّل الثلاثةُ الذين انطبقت عليهم الصَّخرةُ بصالحي أعمالهم، فكان ذلك من قبيل التَّوسل المشروع، فالإنسان يمكن أن يقول: اللهم بإيماني بك، واتِّباعي لرسولك ﷺ، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم تقبّل مني، اللهم أدخلني الجنَّة، ونجِّني من النار.
      وهكذا سائر الأعمال الصَّالحة التي أعظمها الإيمان، فهنا توسَّلوا بأعظم الأعمال وأحبِّها إلى الله -تبارك وتعالى-.
        رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، بإيماننا واتِّباعنا نبيّك ﷺ اغفر هذه الذّنوب، والغفر يدل على السَّتر، استرها، فلا نفتضح في الدنيا، ولا في الآخرة، ومنه المغفر الذي يُوضع فوق الرأس، يضعه المقاتلُ فوق رأسه، فهو يستره ويقيه أيضًا ضرب السِّلاح؛ يعني: قنا تبعات هذه الذّنوب، وشؤمها، وغوائلها، وما تتسبَّب عنه من الآثام والعقوبات، والجرائر في الدنيا والآخرة.
        وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا [آل عمران:193] كفِّر عنا هذه الذّنوب، أذهبها فلا تبقى لها باقيةٌ، ولا يكون لها أثرٌ.
        وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ [آل عمران:193] طلبوا غُفران الذنوب، وتكفير السَّيئات، وأن تكون الوفاةُ مع الأبرار.
        انظروا -أيها الأحبّة- هذه المطالب، مطالب هؤلاء الذين أثنى اللهُ -تبارك وتعالى- عليهم، وبهذا يعرف المؤمنُ المطالبَ العالية، يعرف القضايا التي تستحقُّ أن يُوليها اهتمامه، وأن يُصوِّب نظره إليها، وأن يتوجّه بقلبه نحوها، وأن يسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُحقِّقها له: فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، توفنا مع الأبرار، ألحقنا بالصَّالحين -كما يقول ابنُ كثيرٍ رحمه الله[1]-، اقبضنا إليك في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم، ومعهم -كما يقول ابنُ جرير[2]-، وهو معنًى مُتَّحِدٌ، وألفاظٌ مُتقاربةٌ.
      إذًا توفَّنا معهم؛ أي: في عِدادهم، واحشرنا محشرهم، وألحقنا بهم، واجعلنا في جُملتهم وزُمرتهم: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ؛ لأنَّ الذين يتوفَّاهم الله -تبارك وتعالى- يلحقون بنُظرائهم: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ [الصافات:22]، ليس المقصودُ الزَّوجات، وإنما احشروهم ونُظراءهم؛ يعني: مَن يُشاكلهم، فالمنافق مع المنافق، اليهودي مع اليهودي، النَّصراني مع النَّصراني، البوذي مع البوذي، اللّيبرالي مع اللّيبرالي، العلماني مع العلماني، وهكذا كل فئةٍ تُحشر مع مَن تُشاكله، فهذا الذي يُحارب أهلَ الإيمان ويُعاديهم ويسخر منهم لا يُحشر معهم، وإنما يُحشر مع أشكاله ونُظرائه.
        وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ۝ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ [آل عمران:193- 194]، انظر هذه المعاني، إذا كان الإنسانُ يستشعرها أول ما يستيقظ، قبل أن يُصلي من الليل يقول هذا الكلام: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، وهو يُحادّ الله  ويُحاربه، ويُبارزه بالفجور، ويقول هذا الكلام: {وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ}، هذا يحتاج أن يعمل عملَهم، كيف يتوفَّاه الله  مع الأبرار إذا كان على سيرةٍ غير مرضيَّةٍ، وعلى حالةٍ سيئةٍ.
      فهنا: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، بعضهم يقول: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يعني: على ألسنة رُسلك من الثَّواب والجزاء؛ يعني: الجنَّة والنَّعيم المقيم: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يعني: على ألسنتهم، وهذا الذي اختاره ابنُ كثير[3]، يعني: ما أخبرت به الرسل -عليهم الصلاة والسلام- من النَّعيم المقيم، وهذا هو اختيار كبير المفسّرين ابن جرير -رحمه الله[4]-، والحافظ ابن القيم: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ على ألسن الرسل[5]، ما أخبروا به من الجزاء والثَّواب والنَّعيم المقيم لمن آمن وعمل صالحًا.
      وبعض أهل العلم يقولون: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ يعني: على الإيمان برسلك.
      والأول أظهر وأرجح -والله تعالى أعلم.
        وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:194] يعني: لا تهتك سترنا على رؤوس الخلائق، لا تفضحنا، هذا الخزي، الفضيحة، والإهانة، ومَن عاقبه اللهُ -عزَّ وجلَّ- فقد فضحه.
      وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ بعضُهم يقول: إنَّ ما وعدتَ به من قيام السَّاعة والحشر والحساب والجزاء أمرٌ واقعٌ لا محالةَ، فلا تُخزنا في ذلك اليوم -كما يقول الحافظُ ابن كثير رحمه الله[6].
      والأقرب من هذا والأوضح -والله تعالى أعلم- أنَّهم قصدوا بذلك: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ يعني: أنَّك وعدتَ أهلَ الإيمان بالجزاء والثَّواب، فآتنا ما وعدتنا على رسلك: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.
      على هذا التَّفسير يرد سؤالٌ، وهو: معلومٌ أنَّ الله -تبارك وتعالى- لا يُخلف الميعاد، وأنَّه سيُثيب المطيعين والمؤمنين، فما الفائدة من هذا السؤال: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ؟ أهل الإيمان يُؤتيهم الله  ويُوفي لهم بهذا.
      والجواب: أنَّ ذلك إنما يكون تحقّقه وحصوله إذا توفّرت الشُّروط، وانتفت الموانع.
      ومَن الذي يضمن أنَّه قد حقق الشُّروط، وانتفت عنه الموانع حتى يكون ضامنًا يوم القيامة أنَّ الله سيُعطيه، ويُوليه، ويجزيه، ويرفعه؟
      هذا المؤمن لا يزال يخاف ويُشفق، ولا يحصل له الأمن التَّام والطُّمأنينة التَّامة إلا إذا دخل الجنة، وإلا فهو في وجلٍ، ويكون الناسُ في المحشر في حالٍ من الوجل والخوف بحسب أعمالهم، وبحسب إيمانهم، لكن الأمن التَّام، الأمن المطلق، والراحة الكاملة، هذا يكون إذا دخل الجنَّة، وقبل ذلك؟ قبل ذلك يكون في حالٍ بحسب إيمانه، الملائكة تتنزَّل على المؤمنين: أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت:30]، ولكن الناس في إيمانهم يتفاوتون.
      المقصود -أيها الأحبّة- أنَّهم يُدركون أنَّ هذا يتوقف على تحقق الشُّروط وانتفاء الموانع، ومن ثَمَّ فإنَّهم يقولون: وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، ومن الأسباب التي يتوصَّلون بها إلى هذا الثَّواب: الدّعاء، فالدُّعاء من المطالب الشَّرعية، وله عند الله منزلةٌ وشأنٌ، فمن هنا هذا يتضمّن أيضًا السّؤال أنَّ يُوفِّقهم الله -تبارك وتعالى- إلى الأسباب الموصلة إلى ذلك: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ.
      انظروا إلى الجواب، انظروا إلى النَّتيجة: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آل عمران:195] بالفاء التي تدل على التَّعقيب المباشر، دعوا بهذا الدُّعاء؛ فجاءت النَّتيجةُ مباشرةً بالفاء التي تدل على ترتيب ما بعدها على ما قبلها مباشرةً فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أي: فأجابهم ربُّهم: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195]، وهذا كما في قوله -تبارك وتعالى-: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
      فهنا هؤلاء دعوا الله : فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، فهذا تفسيرٌ لهذه الاستجابة أو الإجابة، قال لهم مُجيبًا بأنَّه لا يُضيع عمل عاملٍ منهم، لا يضيع عنده عملٌ، بل يُوفي كلَّ عاملٍ بعمله، وأجره، وثوابه، سواء كان ذكرًا أو أنثى.
      وهذه إحدى الآيات النَّازلة بسبب سؤال أم المؤمنين أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- لما قالت للنبيِّ ﷺ: لا نسمع الله ذكر النِّساء في الهجرة بشيءٍ؟ إلى غير ذلك من قولها وسُؤالها، فكان مما نزل في ذلك من الآيات: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[7].
      الأنصار  يقولون: كانت هي أول ظعينة قدمت المدينة[8]، يعني: مُهاجرة إلى المدينة، فهنا: أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ يعني: أنَّ جميعَكم في الثَّوابِ سواء، الرِّجال كالنِّساء، ولا فرقَ من جهة الجزاء والثَّواب، الرجل والمرأة، هل الإسلام جاء بالمساواة بين الرجل والمرأة؟
      الجواب: لا، ليسوا سواءً، والمساواة ليست بعدلٍ في كل الصور والحالات، فالإسلام لم يُسوِّ بين الرجل والمرأة، وإنما جاء بالأحكام العادلة، فالرجل والمرأة في الجزاء عند الله -تبارك وتعالى- في الثَّواب والعقاب سواء، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والسَّيئة بمثلها، الرجل كالمرأة، أمَّا في التَّكاليف فالأصل أنَّ النِّساء شقائق الرِّجال، إلا ما استثناه الشَّارع: النِّساء لا يُطالبن بالخروج إلى المساجد لصلاة الجماعة، والرجل يجب عليه ذلك.
      المرأة يجب أن تحتجب، والرجل لا يحتجب.
      المرأة لا تخضع بالقول، ولا تُبدي زينتها، وما إلى ذلك من الأحكام المتعلّقة بها، وكذلك أيضًا المرأة لا تُخالط الرِّجال الأجانب، كما أنَّ المرأة أيضًا لا تُطالب بصلاة الجمعة، ولا يجب عليها جهادٌ، ولا تُطالب به أصلاً، وأحكامها معروفة، وهي في الميراثِ على نصف ميراثِ الرَّجل، وليس ذلك بظلمٍ لها بحالٍ من الأحوال، ولكن ليس من العدل أن يُسوي الشارعُ بينهما، بل جاء بالأحكام العادلة، لها نصف الميراث لماذا؟
      لأنها طالبةٌ للزيادة دائمًا، وأمَّا الرجل فهو مُنتظرٌ للنَّقص دائمًا، الرجل يجمع من أجل أن يدفع المهرَ، والمرأة لا تدفع مهرًا، ولا تُطالَب بأيِّ نفقاتٍ غير الزكاة الواجبة إن كان عندها مالٌ، فهي تأخذ المهرَ من الرجل، يجمع سنين مُتطاولة، وتركبه الدُّيون من أجل أن يُعطيها، والمهر ملكٌ لها، تخزنه عندها، والنَّفقة تجب على الزوج والولي من أبٍ وغيره، ولو كانت المرأةُ غنيةً لا تُطالب بنفقةٍ، ولا بالمشاركة في النَّفقة، هي تخزن المال، فإذا مات مَن ترثه أخذت من الميراث وخزنت.
      وأمَّا الرجل فمسكينٌ، يجب عليه الإنفاق، وهو الذي يدفع المهورَ، وإذا طلَّقها أعطاها مالاً جبرًا لخاطرها من قبيل المتعة، فلا يُسوَّى بين طالب الزيادة، مُنتظر الزِّيادة دائمًا، ومُنتظر النَّقص دائمًا، هذا ليس من العدل.
      البنت وأخوها، إذا أخذت مثل مال أخيها تمامًا، وهو المطالب بالصَّرف والنَّفقة؛ فلم نعدل بينهما بحالٍ من الأحوال.
        فالإسلام دين العدالة، وليس بدين المساواة، من الخطأ أن يُقال: نحن نُطالب بالمساواة، الإسلام جاء بالمساواة؟ نقول: لا، المساواة في الجزاء عند الله والثَّواب والعقاب، لا فرقَ، لا يضيع عملُ أحدٍ، أمَّا في الدنيا وأحكام الدُّنيا ففرقٌ بين المرأة والرجل.
      فهنا بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، جميعكم في الثَّواب: الرِّجال والنِّساء في الطَّاعة والعكس على حدٍّ سواء، فهم في الملّة والدِّين حكمُ جميعهم فيما هو فاعلٌ بهم -تبارك وتعالى- على حدٍّ سواء من حيث إنَّه لا يُضيع عمل عاملٍ منهم من ذكرٍ ولا أنثى.
      هكذا قال المحققون: كابن جرير، وابن كثير، وغير هؤلاء: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ، هذا معنى هذا القدر من هذه الآية.
      أتوقف عند هذا، وأسأل الله -تبارك وتعالى- أن ينفعنا وإيَّاكم بما سمعنا، وأن يجعلنا وإياكم هُداةً مُهتدين، والله أعلم.
      وصلَّى الله على نبينا محمدٍ، وآله وصحبه   الكلم الطيب
    • قال الدكتور مصطفى السباعي –رحمه الله- في كتابه
      [هكذا علمتني الحياة ]

      موطنان ابكِ فيهما ولا حرج: طاعة فاتتك بعد أن واتتك، ومعصية ركبتك بعد أن تركتك.

      وموطنان افرح فيهما ولا حرج: معروف هديت إليه، وخير دللت عليه.

      وموطنان أكثر من الاعتبار فيهما: قوي ظالم قصمه الله، وعالم فاجر فضحه الله.

      وموطنان لا تطل من الوقوف عندهما: ذنب مع الله مضى، وإحسان إلى الناس سلف.

      وموطنان لا تندم فيهما: فضل لك جحده قرناؤك، وعفو منك أنكره عتقاؤك.

      وموطنان لا تشمت فيهما: موت الأعداء، وضلال المهتدين.

      وموطنان لا تترك الخشوع فيهما: تشييع الموتى، وشهود الكوارث.

      وموطنان لا تقصر في البذل فيهما: حماية صحتك، وصيانة مروءتك.

      وموطنان لا تخجل من البخل فيهما: الإنفاق في معصية الله، وبذل المال فيما لا حاجة إليه.

      وموطنان انسَ فيهما نفسك: وقوفك بين يدي الله، ونجدتك لمن يستغيث بك.

      وموطنان لا تتكبر فيهما: حين تؤدِّي الواجب، وحين تجالس المتواضع.

      وموطنان لا تتواضع فيهما: حين تلقى عدوَّك، وحين تجالس المتكبر.

      وموطنان أكثر منهما ما استطعت: طلب العلم، وفعل المكرمات.

      وموطنان أقلل منهما ما قدرت: تخمة الطعام، ولهو العاطلين.

      وموطنان ادخرهما لتغيُّر الأيام: صحتك، وشبابك.

      وموطنان ادخرهما ليوم الحساب: علمك، ومالك.
        هذا الكون العظيم كتاب مطوي، لم يقرأ العلماء إلا كلمات من صفحة غلافه.   أكثر ضلال الناس من أهوائهم، لا من عقولهم.   جمال الحياة، أن ترضى عما أنت فيه، ويرضى العقلاء عما أنت عليه.   شرُّ أنواع الفقر أربعة: الفقر في الدين، والفقر في العقل، والفقر في الصبر، والفقر في المروءة.   لا تأتمن على مالك طمَّاعاً، ولا على سرَّك كذاباً، ولا على دينك دجَّالاً، ولا على عقلك مخادعاً، ولا على سلامتك مغامراً، ولا على علمك غبيًّا، ولا على أهدافك ذكيًّا.   أروني على وجه الأرض إنساناً " سعيداً " لا يكدر صفو سعادته مكدَّر، إلا أن يكون " مجنوناً ".   أشد الآلام على النفس: آلام لا يكتشفها الطبيب، ولا يستطيع أن يتحدث عنها المريض.   مهما اشتدَّت آلامك، لفوات ما تحب من صحة أو مال أو خير؛ فإن ما بقي لك من نعم الله عليك، رأس مال كبير لمسرَّات لا تنتهي.   الشكوى إلى غير أخ صادق، أو مواسٍ كريم، مهانة يستغلُّها عدو لئيم أو حاسد زنيم، ولو استطعت ألاَّ تشكو إلا إلى الرحمن الرحيم، كان أعظم لثوابك، وأضمن لمودة أصحابك.   إذا اشتكيت إلى إنسان مرضك أو ضائقتك، ثم لم يفعل من أجلك شيئاً، إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلا تشتكِ إليه مرة أخرى، فلو كان أخاً حميماً لأرَّقه ألمك، ولو كان رجلاً شهماً لبادر إلى معونتك، فوفِّر حظَّك من الشكوى لمن كان له حظ من المروءة.   مقاومة روح العصر حماقة تستحق الرثاء، ومقاومة حماقات العصر حكمة تستحق الثناء، وإن كانت كلتا المقاومتين محكوماً عليها بالفشل غالباً، غير أن البطل الذي يستشهد في ميدان معركة خاسرة، أكرم من الأحمق الذي يموت في مقاومة عاصفة ثائرة   أنت أحوج إلى أن تستفيد مما علمت، من أن تعلم ما جهلت.   لا خير في حاكم لا يحكمه دينه، ولا في عاقل لا يسيِّره عقله، ولا عالم لا يهديه علمه، ولا قوي لا يستبدُّ به عدله.   الاجتماع على الضلال أسوأ من الاختلاف على الهدى، والتعاون على الجريمة شرٌّ من التخاذل عن الحق، ومسايرة الظالمين شر من الجبن عن مقارعتهم، والإيمان المشوب بالكفر أخطر من الكفر الصراح، والحرب مع التخاذل أضرُّ من إلقاء السلاح.   توضيح معالم الحق يجب أن يسبق الدعوة إليه، وإلا كثر المختلفون الذين يدَّعون أنهم يمثلون الحق، أو يدافعون عنه، وأكثرهم مبطلون أو مستغلُّون.   خمسة يعتبر موتهم كارثة اجتماعية: الحاكم الصالح في قوم فاسدين، والعالم الناصح في قوم جاهلين، والمصلح المخلص في قوم غافلين، والقائد الشجاع في قوم متخاذلين، والحكيم الشيخ في أحداث طائشين.   لا تأمن من لم تملأ مراقبة الله قلبه، على وطن، ولا على فكرة، ولا على قضية، ولا على مال، فإنك لا تدري متى يميل به الهوى، فيخونك وهو يزعم أنه لك وفيٌّ أمين.   قد يستفيد الحق من المتمسِّحين به من ذوي المطامع، فلا ضير على الحق أن يستعين بهم إذا احتاج إليهم، ألا ترى إلى الصدقات، جعل منها سهم للمؤلفة قلوبهم؟   لكل إنسان دنياه الواسعة التي تجول فيها أحلامه ومطامعه تصول، والمؤمنون لهم دنيا واحدة محدودة بالحق الذي آمنوا به.
      وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متقدم عنه ولا متأخر   في اختلاف الأصدقاء شماتة الأعداء، وفي اختلاف الإخوة فرصة المتربصين، وفي اختلاف أصحاب الحق فرصة للمبطلين.   عمرك كله: هو اللحظة التي أنت فيها، فأتقن عملك ما استطعت، فقد لا تواتيك فرصة أخرى للعمل.   إذا حال دون نشاطك المعتاد حائل، من مرض أو سجن أو ظرف قاهر، فاستنقذ من نشاطك ما يمكن إنقاذه.   من تهدَّم عليه البيت، فركن إلى الأنين، مات تحت الركام، ومن أمسك جراحاته بيد، والمعول بيد، إن استطاع، فإن سلمت له حياته عاش كريماً، وإن مات بعد ذلك، مات حميداً.   العاجز من يلجأ عند النكبات إلى الشكوى، والحازم من يسرع إلى العمل.   إذا وقعت في أزمة مستحكمة، فاجعل فكرك في مفاتيحها لا في قضبانها.   الفرق بين العاقل والأحمق: أن العاقل ينظر دائماً إلى مدِّ بصره، والأحمق ينظر إلى ما بين قدميه.   تستطيع – إذا أردت – أن تبدِّل الأحسن بالأسوأ؛ إذا لم ترضَ بالأسوأ وعملت لتغييره بروح التفاؤل.   اتّخذ من الفشل سلَّماً للنجاح، ومن الهزيمة طريقاً إلى النصر، ومن المرض فرصة للعابدة، ومن الفقر وسيلة إلى الكفاح، ومن الآلام باباً إلى الخلود، ومن الظلم حافزاً للتحرُّر، ومن القيد باعثاً على الانطلاق.   احذر من مصاحبة الأحمق، فيفسد عليك عقلك، وإذا ابتليت بمصاحبته فلا تتعاقل عليه، ولكن امتحن عقلك ساعة بعد ساعة.   الحياة صخرة عاتية، وخير لك من محاولة زحزحتها، أن تستفيد من ظلِّها لاتِّقاء حرِّ الشمس، وثورة الأعاصير.   نشر رأيك بين الناس في مقال واحد، أنفع لك من مجادلة خصومك المعاندين شهراً كاملاً.   يتبع            
    • دولة التلاوة - تلاوة قرآنية أكثر من رائعة من المتسابق محمد محفوظ بجزء من سورة "النساء"       ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

      المال قوام الحياة، وأساس نهضة الأمم وتقدم الدول وبناء الحضارات؛ لذا حث الإسلام على طلبه وكسبه، لكنْ من طرقه الصحيحة وبالوسائل المشروعة، وأرشد إلى إنفاقه فيما يعود بالنفع على الإنسان والأكوان، ويكون محقِّقًا لرضا الرحمن.
      وقد جُبلت النفوس البشرية على حب الدنيا، والرغبة الشديدة في الاستزادة من متاعها الزائل، والحرص البالغ على ما فيها مشتهيات؛ يقول تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]، وجُبلت النفوس أيضًا على حب المال، باعتباره من زينة الحياة الدنيا؛ قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46]، والمال هو كل ما يملكه الإنسان من نقود أو تجارة أو عقار أو متاع.

      والإسلامُ يُقرُّ مبدأَ الملكيَّة الفرديَّة، وجعل هذا من أسس بناء اقتصاد قوي ومتكامل؛ ولذا شرع الإسلام مجموعة من التشريعات؛ من أجلِ حمايَة ممتلكات الأفراد وأموالهم، ومنْعِ التعدِّي عليهم وأخذها إلا برضاهم، ومن أهم النصوص التي وردت في هذا الشأن؛ قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29].

      وفي هاتين الآيتين إشارتان لطيفتان:

      - الأولى: جاء التعبير القرآني عن أخذ الأموال بدون وجه حقٍّ بـ"الأكل"؛ وذلك؛ لأنَّ الأكلَ هو المنفعة الظاهرة من المال، وهو أكثر شيء يُطلب المال من أجله، وفي هذا التعبير أيضًا: تنفيرٌ شديدٌ من الأكل من المصادر المحرمة؛ لأنَّ مصير مَنْ سيأكل الحرام سيكون إلى النار، فكلُّ ما نبت من حرامٍ النارُ أولى به.

      - والثانية: التعبير بلفظ: ﴿أموالكم﴾ والمعنى: لا يأكل بعضكم مال بعض؛ وذلك للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وأيضًا للتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك؛ لأن استحلال التعدي، وأخذ المال بغير حق يعرِّض كلَّ مالٍ للضياع، ومثل هذه التعابير متكررة في القرآن الكريم للإشارة إلى ضرورة التكافل بين أبناء الأمة الواحدة؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وكقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 27].

      وقد قررت أحاديث البشير النذير صلى لله عليه وآله وسلم هذه المعاني؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» رواه مسلم، وعن أبي بكرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حَجَّةِ الوداع: «إنَّ دِماءَكُم وأمْوالَكم وأعْراضَكُم حرامٌ عَلَيْكُم كَحُرْمة يومِكُم هَذَا، في شهرِكُمْ هَذَا، في بلَدِكُم هَذَا» رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» رواه البيهقي.

      وصور أكل أموال الناس بالباطل كثيرة متعددة، وقد جاء الإسلام بتحريمها؛ حمايةً للناس من عواقبها الوخيمة على الأفراد والمجتمعات، ولِما يترتب عليها من إثم وعقوبة في الدنيا والآخرة.
      وتدور هذه الصور حول أخذ الأموال بغير وجه حق؛ كالسرقة والغصب، وأيضًا الغش والتلاعب في الموازين، وكذلك عدم إعطاء الحقوق، وعدم ردِّ الأمانات إلى أصحابها.
      وهناك صورة خفيَّة، وهي من أبشع الصور الممنوعة في أكل أموال الناس بالباطل، نريد أن ننبه عليها، ألا وهي "الرشوة"، والمراد بها: ما يدفعه الإنسان في جهةٍ ما ليَتَوصَّل به إلى ما ليس بحقِّه، وكذلك ما يَأخُذَه العامل في جهة ما ليُعْطِي غيرَه ما ليس حقَّه، وقد استهان الناس بها، وتساهلوا في أخذها، وأوجدوا لأنفسهم المبررات؛ لأجل استحلالها، وقاموا بتسميتها بغير اسمها للتجرُّؤ على أخذها، وهذا كله من مداخل الشيطان؛ فهي محرمة تحريمًا شديدًا، وبسببها تنزع البركة من الحياة، بالإضافة إلى العقاب الشديد في الآخرة.
      -------
      المراجع:- "زهرة التفاسير" للشيخ/ محمد أبو زهرة، ط. دار الفكر العربي.- "صحيح الإمام البخاري" تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط. دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى 1422هـ.- "صحيح الإمام مسلم بن الحجاج" أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط. دار إحياء التراث العربي، بيروت.- "السنن الكبرى" للإمام البيهقي تحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط. دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الثالثة: 1424هـ - 2003م.

       
    • الاستماع لتلاوة رائعة لسورة النبأ   https://www.facebook.com/reel/1316393156990074     الحمد لله منزل الفرقان، والصلاة والسلام على خير من فسَّر القرآن وعلى آله وصحبه الأعلام. وبعد: سورة النبأ مكيَّة، أيْ: نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، عدد آياتها إحدى وأربعون.   ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ [النبأ: 1، 2] الاستفهام للإنكار، أيْ: كيف يسأل الكفار بعضهم بعضًا عن صدق القرآن وهو النبأ العظيم، وقد دلت بلاغته ومعجزاته وكتُب السابقين على أنه من عند الله، وقيل في النبأ العظيم: هو يوم القيامة الذي يُبعث فيه الناس للحساب والجزاء على أعمالهم.   ﴿ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ [النبأ: 3] أيْ: حال الناس أنهم منقسمون إلى فريقين، فمنهم مؤمن بالقرآن وما جاء فيه، ومنهم مكذب به؛ قال سبحانه: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الكهف: 29] وقال أيضًا: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [الشورى: 7].   ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾ [النبأ: 4، 5] هذا ردع وتهديد مؤكد شديد، أيْ: سيعلمون أن القرآن حق من عند الله وأن البعث حكم الله العادل حين تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، ويرون العذاب في قبورهم، وفي يوم القيامة؛ قال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الصافات: 20، 21].   ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا ﴾  [النبأ: 6] أولا يكفيكم دليلاً على وجود ربكم وكمال صفاته وصدق نبيّه وقرآنه وما تضمنه من البعث والجزاء أنه سبحانه وتعالى جعل لكم الأرض فراشًا ثابتًا منبسطًا صالحًا لعيشكم وحركتكم؛ قال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ [البقرة: 21، 22].   ﴿ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴾ [النبأ: 7] أيْ: تستقر بها الأرض وتثبت وتتَّزن، كما تثبت الخيمة بالأوتاد؛ قال سبحانه: ﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا ﴾ [الرعد: 3]، وقال أيضًا: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾ [النحل: 15].   ﴿ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴾ [النبأ: 8] أيْ: ذكرًا وأنثى، وجعل بينهما السكينة والمتعة، والتكامل؛ بحيث لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويحصل الاستقرار الاجتماعي والتناسل الذي تستمر به الحياة؛ قال سبحانه: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].   ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾ [النبأ: 9] أيْ: سببًا لتوقُّف أشغالكم ومعايشكم وحركتكم؛ حتى تحصل الراحة النفسية والبدنية وتستجمعوا الطاقة ليوم آخر؛ قال سبحانه: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ: 9 - 11].   ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ [النبأ: 10] أيْ: ساترًا بسواده لتحصل لكم فيه الراحة والسكينة؛ قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ [يونس: 67].   ﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ: 11] أيْ: مضيئًا ملائمًا لحركتكم وتنقلكم وعيشكم؛ قال سبحانه وتعالى في بيان نعمة الليل والنهار: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [القصص: 71 - 73].   ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴾ [النبأ: 12] أيْ: سبع سماوات عظيمات في خلقهن محكمات في بنائهن مزينات بالكواكب والنجوم، بحيث لا يسقط شيء منها عليكم من قوة خلقهن؛ قال سبحانه: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 32] وقال أيضًا: ﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ﴾ [النازعات: 27].   ﴿ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴾ [النبأ: 13] أيْ: شمسًا مضيئة متقدة تنير الأرض؛ قال سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ [يونس: 5].   ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾ [النبأ: 14] المعصر هي المرأة التي اقترب حيضها؛ لذا سمي السحاب في هذا السياق بالمعصرات لاقتراب صبِّها الماء، وقيل: الرياح، ثجاجًا: وصف لنزول المطر، أيْ: كثيرًا، منصبًا، متتابعًا.   ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴾ [النبأ: 15] أيْ: من فضل الله على عباده ومن آيات عظمته أنه يخرج بالماء حبًّا مختلفًا أنواعه كالقمح والشعير والذرة، يقتات منه الناس والبهائم، ونباتًا مختلفًا لونه وطعمه كالتين والزيتون والكرفس والقزبر وغيرها، قال سبحانه: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [الحج: 5]، وقال أيضا: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾ [فاطر: 27]، وفي آية أخرى ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ [الزمر: 21].   ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ [النبأ: 16] أيْ: بساتين مختلفة الثمرات والنبات والألوان متجاورة؛ قال سبحانه: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 4].     ﴿ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴾ [النبأ: 17] أيْ: إن يوم القيامة مؤقت أجله عند الله لا يعلمه إلا هو، وسمي بيوم الفصل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يبعث فيه الخلائق؛ فيفصل فيه بالحق بين الظالم والمظلوم، وبين الكافر والمؤمن، قال سبحانه: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ﴾ [هود: 104]، وقد أتت بعد بيان نعم الله على خلقه؛ لتذكير الناس بنعم الله عليهم، وغاية خلقهم التي هي العبادة الخالصة له سبحانه، وأن الإنسان سيحاسب على تلك النعم والآيات الكونية، هل سخَّرها في طاعة ربه واعتبَر بها أم لا؟ قال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190] وقال المصطفى عليه الصلاة والسلام: ((ويل لمن لم يتفكر)).   ﴿ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴾ [النبأ: 18] أيْ: حصول القيامة يوم ينفخ الملك إسرافيل عليه السلام في قرن، فيُبعث الناس جماعات جماعات إلى أرض المحشر والمنشر التي هي الشام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب ومنه يُركب الخلق يوم القيامة)).   ﴿ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴾ [النبأ: 19] أيْ: شقَّت السماء؛ فتظهر فيها طرق ومسالك تنزل منها الملائكة.   ﴿ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴾ [النبأ: 20] أيْ: نسفت وذهبت عن أماكنها؛ فيُخيَّل إلى الناظر أنها شيء وليست بشيء، ثم يزول أثرها فتظهر له الحقيقة؛ قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ﴾ [طه: 105 - 107].   ﴿ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴾ [النبأ: 21] أيْ: مُعدَّة.   ﴿ لِلطَّاغِينَ مَآبًا ﴾ [النبأ: 22] أيْ: للكافرين والعصاة نزُلاً ومرجعًا ومصيرًا؛ قال سبحانه: ﴿ فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24] وقال أيضًا: ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴾ [الجن: 15].   ﴿ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴾ [النبأ: 23] أيْ: يمكثون في النار زمنًا لا حد له، والأحقاب جمع حُقب بضم أوله، قيل: أربعون سنة وقيل: سبعون سنة، وقيل: ثمانون سنة، كل يوم كألف سنة مما تعدون، والصحيح - والله تعالى أعلم - أنَّه زمن لاحد له، خاص بالكفار، وأما العصاة من المسلمين فإنهم يخرجون منها؛ إذ قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ [البينة: 6].   ﴿ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴾ [النبأ: 24] أيْ: لا يجدون في جهنم بردًا يُذهِب حرَّهم، وقيل: لا يجدون فيها نومًا يذهب تعبهم ونصبهم، ولا شرابًا عذبًا يذهب ظمأهم.   ﴿ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴾ [النبأ: 25] أيْ: ليس لهم في النار إلا ماء حارٌّ مُحرِق، وقيح أهلها، قال سبحانه: ﴿ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ﴾ [محمد: 15]، وقال أيضا: ﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ [إبراهيم: 15 - 17].   ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ: 26] أيْ: العذاب الذي أصابهم في النار يوافق كفرَهم وإفسادهم في الدنيا، وهذا من تمام عدله سبحانه، ومن دقة قسطه، ومن صِدْق وعده، ومن انتقامه لعباده، قال سبحانه: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47]، وقال أيضا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40].   ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾ [النبأ: 27] أيْ: حال الكفار أنهم كانوا في الدنيا لا يعتقدون البعث بعد الموت والجزاء في الآخرة؛ لذا كانوا يقترفون السيئات، ويُقبلون على الملذات من غير وازع، قال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ [الصافات: 20، 21].   ﴿ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ﴾ [النبأ: 28] أيْ: كذبوا بالقرآن والسنة تكذيبًا شديدًا مُتَكلَّفا مُبالغًا.   ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴾ [النبأ: 29] أيْ: كل عمل عمله العباد فإن الله يعلمه ويكتبه في اللوح المحفوظ وفي صحائف العباد؛ ليحاسبوا عليها يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ﴾ [القمر: 52، 53]، وقال أيضا: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 16 - 18].   ﴿ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ [النبأ: 30] أيْ: يُقال لأهل الجحيم: ذوقوا عذاب الحسرة والندامة والحريق جزاء على كفركم وانحرافكم وإعراضكم، كلما استغثتم نزيدكم عذابًا فوق عذابكم، قال سبحانه: ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: 29]، وقال أيضًا: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ [فاطر: 36]،    ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴾ [النبأ: 31] أيْ: إن للذين اتقوا عذابَ ربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، متنزَّهًا في الجنة، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54، 55]، وقال أيضا: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الحجر: 45]، وفي آية الطور: ﴿ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ ﴾ [الطور: 17].   ﴿ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ [النبأ: 32] هذا وصف للجنة، أيْ: فيها بساتين مليئة بالأشجار والثمار والأعناب والورود.   ﴿ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴾ [النبأ: 33] أيْ: فيها جواري تكعَّبت أثداؤهن؛ لأنهن أبكار أتراب، أيْ: في سنٍّ واحدة.   ﴿ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴾ [النبأ: 34] أيْ: كؤوسها متتابعة صافية مملوءة بخمر الجنة ولبنها وعسلها ومائها وغير ذلك.   ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ﴾ [النبأ: 35] أيْ: لا يسمع أهل السعادة في الجنة كلامًا لا فائدة فيه ولا كذبًا، قال سبحانه: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا ﴾ [الواقعة: 25، 26]، وقال سبحانه في سورة مريم: ﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ﴾ [مريم: 61، 62].   ﴿ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴾ [النبأ: 36] أيْ: جازاهم الله على إحسانهم بعدله وأوسع لهم العطاء بمنه وفضله وكرمه وبالغ لهم في العطاء بإحسانه ورحمته، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أيْ: أكثر عليَّ حتى قلتُ حسبي، قال سبحانه: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 34، 35]، وقال أيضا: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26].   ﴿ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴾ [النبأ: 37] أيْ: خالق السموات والأرض وما فيهما من الخلق ومالكهم ومسيِّرهم، الرحمن اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه صاحب الرحمة الواسعة التي تشمل كلَّ الخلق، فلولا رحمته لما رزق الكافر قطرة ماء، لا يملكون منه خطابًا، أيْ: لا يستطيع أحد ابتداء مخاطبته إلا بعد إذنه لخوفه وعظم هيبته، قال سبحانه: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255].   ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ [النبأ: 38] الروح جبريل عليه السلام، كقوله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾ [الشعراء: 193]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((اهجُهم يا حسان ومعك جبريل)) وفي رواية: ((ومعك روح القدس))، وقيل: بنو آدم، وقيل: خلق آخر مثل بني آدم، وقيل: ملك عظيم، وقيل: القرآن الكريم، والأظهر القول الأول، ﴿ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴾ أيْ: لا يستغفر أحد يوم القيامة ولا يحتج ولا يشفع في أحد حتى يأذنَ الله له ويقولَ حقًّا.   ﴿ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ [النبأ: 39] إشارة إلى يوم القيامة الآتي قطعًا، فمن شاء لنفسه النجاة من النار والفوز بالجنة سلك طريق التوبة والرجوع إلى ربه.   ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ [النبأ: 40] ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ﴾ أيْ: حذَّرناكم وبينَّا لكم أسباب عذاب الله؛ لتجتنبوها، ووصف بالقريب؛ لأنه يحصل عند موت الإنسان الذي تتصف حياته بالقصر؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ [الأنعام: 93] ويحصل أكبره في يوم القيامة وما بعده؛ لأنه آتٍ لا محالة، وكل آتٍ فهو قريب، ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ أيْ: يجد المرء ما عمل كاملاً في صحيفته، قال سبحانه: ﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ﴾ [الكهف: 49]، ﴿ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴾ أيْ: يقول الكافر يوم القيامة حين يرى العذاب: يا ليتني كنت ترابًا حتى لا أحاسب وأُجزى على عملي، وتحتمل الآية أن الكافر يتمنَّى أن يكون غير مكلَّف مثل الحيوان، بعدما يرى بعث الله الحيوانات؛ ليقتص بعضهم من بعض، ثم يقول لهم سبحانه: كونوا ترابًا.   أبو الحسن هشام المحجوبي و رشيد جابري   شبكة الالوكة  
    • عاقبة الصبر: إن أيوب عليه السلام نبيٌّ من أنبياء الله تعالى، الذين ذُكروا في القرآن الكريم والسُّنة، فقد كان عليه السلام مَضرِب المَثل في الصبر، لشدة ما ابتُليَ به؛ من فَقْدِ الصحة والولد والمال، كما كان مضرب المثل في الجبر ورفع البلاء، حين أعاد الله له كل ما فقد، وزاده في الدنيا، على خلاف العادة من أقدار الله، حيث تكون عاقبة الصبر الجنةَ، ولا يرى الصابرون في الغالب أجر صبرهم وهم على قيد الحياة، لقد تخلَّف هذا الناموس في قصة أيوب عليه السلام، لحِكَمٍ جليلة، وأسباب عقائدية مهمة؛ منها: أنه مهما بلغ البلاء بمؤمنٍ، فينبغي عليه أن يوقن بأن الله قادر على أن يرفع ذلك عنه، وإن ما يُعَدُّ في عُرف الناس من المستحيلات، فإنه على الله هيِّن.





      سبب ورود قصة أيوب في القرآن: لقد كان لذِكرِ قصة أيوب عليه السلام في القرآن الكريم سببٌ عظيم؛ وهو التخفيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وعن أصحابه في أوقات الأزمات والمِحَنِ، فقد ذُكرت قصته عليه السلام في القرآن في سورتين؛ هما سورة الأنبياء، وسورة ص، وقد نزلا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مكةَ، فكان لذلك أكبر الأثر في تثبيت وتبشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، بأن عاقبة صبرهم لن تكون إلا جبرًا، ولن يكون بعد المِحنة إلا المنحةُ، وليس بعد السلب إلا العطاء، ولن يعقُب الخوف والتشريد إلا التمكين والسؤدد.




      سطحية فَهم الناس للبلاء: حين كثُر البلاء بأيوب عليه السلام وطال أمده، ظنَّ ناس فيه السوء، لطول ما مكث فيه من قدر الله، وهكذا هي عادة الناس، سطحيون، لا يعرفون من السلب والعطاء في الأقدار إلا الرضا والغضب، فمن أعطاه الله فهو راضٍ عنه، ومن حرمه الله فهو غاضب عليه، وإن هذا المنطق العقيم هو الذي أثَّر في أيوب عليه السلام أشدَّ تأثيرٍ، حين قال الناس فيه، وأي ناس، لقد كانوا أقرب الأصدقاء إليه، قالوا: ما نزل به ما نزل إلا بذنب أتاه؛ روى البزار بسند صححه الألباني عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن نبي الله أيوب عليه السلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين، كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدُوَان إليه ويرُوحان، فقال: أحدهما لصاحبه: تعلَم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به، فلما راحا إليه، لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمرُّ على الرجلين يتنازعان، فيذكران الله عز وجل، فأرجع إلى بيتي فأكفِّر عنهما، كراهية أن يذكُرا الله إلا في حقٍّ))، يقصد عليه السلام أن هذا عمل خفي كان بينه وبين الله، فهو معظِّم لله على غاية التعظيم، حتى إنه يرى أن ذكر الله في مجلس باطل ذنبٌ يستحق التكفير عنه، لكنه لا يُلزم أحدًا بذلك، بل يقوم هو بالتكفير عن الفاعلين حسبةً لله.





      من المحنة إلى المنحة: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بقية حديث أنس السابق: ((وكان يخرج إلى حاجته – يعني أيوب عليه السلام - فإذا قضاها، أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام، أن ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ [ص: 42]، فاستبطأته، فتلقَّته تنظر، فأقبل عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ فوالله على ذلك ما رأيت رجلًا أشبه به منك، إذ كان صحيحًا، قال: فإني أنا هو، قال: وكان له أندران: أندر للقمح، وأندر للشعير - والأندر يُقال له البيدر وهو المعروف بالجرن في بعض البلاد، مكان يُجمع فيه الحصيد - فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح، أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض)).





      سبب بلاء أيوب عليه السلام: في الحديث الشريف السابق بيان أن ما نزل بأيوب عليه السلام من بلاء لم يكن إلا امتحانَ إيمانٍ تُرفع به درجته، لا بلاء يكفِّر به عن ذنب وقع فيه؛ قال تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83، 84]، وقال: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ص: 41]، والنُّصب هو الغم الشديد، والعذاب هنا هو الألم بسبب المرض، وأما نسبته ذلك إلى الشيطان، فقال العلماء أنه قال ذلك من باب التأدب مع الله تعالى؛ حيث أبى أن ينسب الشر إليه، وإن كان كل شيء من خَلقِه سبحانه.





      ذلك المُبتلى عند الله: يظهر لنا من الآيات الكريمات مدى مكانة أيوب عند ربه، وهو المُبتلى ثمانية عشر عامًا بكل أنواع البلايا، إذ نجد لم يكمل المسألة ولم يُلح بها، حتى جاءه الفرَج، فما أن شكا حاله إلى الله؛ فقال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ص: 41] حتى جاءه الوحي: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ [ص: 42]، هكذا بلا فاصل من حرف يفيد الترتيب أو غيره، فما أن دعا حتى قيل له من فورِهِ: اضرب الأرض التي تحتك برجلك، تنفجر لك منها عين ماء، اغتسل منها واشرب، فإنك تُشفى ويذهب ما بك من داء، ثُم وهب الله له الأهل والولد؛ فقال تعالى: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 43]، فرزقه الله بعد الشفاء أولادًا كعدد الأولاد الذين ماتوا ومعهم مثلهم، فصار عددهم مضاعفًا، وجمهور المفسرين على أن الله أحيا له من كان مات من أولاده، ولكن القول الأول أقرب، إذ لم يُعرَف أن الله أحيا ميتًا لنبيٍّ وعاش بعدها زمنًا، إنما يكون الإحياء لوقتٍ وجيز ومهمة محددة، لكن القول الثاني أيضًا ليس على الله بعزيز، فما حدث على كل حال إنما هو معجزة لنبي من الأنبياء.





      موقف أيوب من زوجته: ذكر الله تعالى في القرآن نعمةً أخرى أنعم بها على أيوب؛ فقال: ﴿ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ ﴾ [ص: 44]، فقد حلف عليه السلام في مرضه أن يضرب شخصًا ما، قيل: إنه امرأته، أرسلها في شأنٍ فأبطأت عليه، وقيل غير ذلك، ولم يَرِد في القرآن والسنة أنها زوجته، لكن الثابت أنه حلف ليضربنَّ شخصًا ما، يحتمل أنه هي أو غيرها، ليضربنه إذا برئ من مرضه مائة ضربة، وذلك لخطأ ما صدر من ذلك الشخص، فبعد شفائه عليه السلام رخَّص له ربه أن يأخذ حُزمة صغيرة، وهي الضغث، وبها مائة عود، ثم يضرب بها ذلك الشخص مرة واحدة، وبذلك يكون قد أوفى بقسمه دون أن يؤذي أحدًا من خلق الله بغير حقٍّ، وقد كانت هذه الرخصة من الله تقديرًا لصبره عليه السلام؛ فقد أثنى الله تعالى عليه بعدها فقال: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 44].





      أهم الدروس:

      1- أجرى الله تعالى على نبيه أيوب عليه السلام البلاء والعافية، والمنع والعطاء؛ لكي تبقى قصته عليه السلام مثلًا في الصبر يحتذي به المؤمنون، فيصبرون على الشدائد كما صبر، ويلجؤون إلى الله تعالى كما لجأ.

      2- حين صبر أيوب عليه السلام على البلاء والشدة بغير ذنب، فإن الله أجْزَلَ له العطاء في الرخاء بغير حساب، فكان يُنزل عليه الذهب من السماء في شكل جراد، لنتعلم أن الله تعالى هو مصدر كل شيء، وأنه الفاعل لكل شيء.

      3- الدرس الأكبر من قصة أيوب عليه السلام هو تحقيق المؤمنين لمفهوم العبودية لله في أوقات الشدة، كما في أوقات الرخاء.

      4- التأكيد على أن الله يبتلي مِن خَلقه مَن شاء بما يشاء، ولو كان أعبدَ الناس، ولو كان أحب الناس إليه، لا يبتليه لهوانه عليه ولا ليُعذبه، ولكن ليرفع درجته، ويُعلي قدره بصبره ورضاه.

      5- نتعلم كذلك أن بعض العطاء الذي نراه في الظاهر سهلًا ميسرًا لصاحبه، إذ حصل عليه بغير جهد وعناء، ربما كانت قبله سنوات من الفقد والعذاب والحرمان لا نعرف نحن عنها شيئًا، لكن يعرفها الله؛ روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((بينا أيوب يغتسل عريانًا، فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتُك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك)).

      د. محمد محمود النجار
      شبكة الالوكة
       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182779
    • إجمالي المشاركات
      2536753
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×