اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      59128
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      181101
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8621
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53434
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21031
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4885
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16442
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29731
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32470
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (39134 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • أحدث المشاركات

    • دين ودنيا | تأملات في سورة الحديد     من الاسئله التي تتكرر ويسال عنها الجميع كيفيه الجمع بين الدين والدنيا   على هذا السؤال اجابه شافيه في سوره الحديد   احنا بننقسم لفرق   اول فرقه الفريق المحمود الذي جمع بين الدين والدنيا جمعا يرضاه الله عز وجل   و فريق انهمك في الدنيا ونسي الدين ونسي الاخره ولما نقول انهمك في الدنيا يا جماعه يعني انشغل بتحصيل الدنيا بتحصيل مال بتحصيل جاه بتحصيل منصب بتحصيل شهاده وفي مقابل ذلك نسي الدين ونسي الاخره   وفريق انشغل بالاخره شغلا يضر بالدنيا بحيث انه يضيع نفسه ويضيع من يعول ليه   فريق رابع لا بتاع دين ولا بتاع دنيا اللي هو عادي جدا سبع ساعات بيسكرول على الفيسبوك عادي بيقلب في التيك توك في الانستغرام بيشات على الواتساب قاعد على القهوه واقف على الناصيه   سوره الحديد ذكرت صنفين صنف تبتل وترهبن وانقطع عن الدنيا والصنف الذي انغمس في الدنيا لما طال عليه الامد حتى قسى قلبه   أمجد سمير
    • قراءة بلاغية لآيات قرآنية من سورة "إبراهيم" الآيات (24 – 41)   من قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ * أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ * قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ * رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 24-41].   التحليل: سميت السورة "سورة إبراهيم"؛ تخليدًا لمآثر أب الأنبياء، وإمام الحنفاء إبراهيم - عليه السلام - الذي حطَّم الأصنامَ، ورفع رايةَ التوحيد، وجاء بالحنيفية السَّمحاء ودين الإسلام الذي بعث به خاتم المرسلين، وقد قصَّ علينا القرآنُ دعواتِه المُباركات بعد انتهائه من بناء البيت العتيق، وكُلُّها دعوات إلى الإيمان والتوحيد.   اللغة: • اجتثت: اقتعلت من أصلها، البوار: الهلاك. • خِلاَل: جمع خُلَّة، وهي الصُّحبة والصَّداقة النَّافعة. • دائبين: الدُّؤوب: مرور الشَّيء في العمل على عادةٍ مُطردة، يقال: دَأَبَ دُؤُوبًا. • اجْنُبْنِي: أَبْعِدْني ونَحِّني.   التفسير: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾: الخطاب للرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد علّق بما بعده من قوله - تعالى -: ﴿ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ﴾ أن كيف اعتمده ووضعه في موضعه اللاَّئق به، ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾: هي كلمة التوحيد؛ قال ابن عباس: "الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله".   ومن أمثلتها كلُّ كلمة حسنة؛ كالتَّسبيحة، والتحميدة، والاستغفار، والتَّوبة، والدعوة إلى الله، وكل كلمة حقَّقت نفعًا للمسلمين أو سرَّتْهم، ونصبت ﴿ كَلِمَةً ﴾ على أنَّها بدل من ﴿ مَثَلاً ﴾، ﴿ كَشَجَرَةٍ ﴾: "نعت شبه جملة لـ كلمة، أو خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي كشجرة أَصْلها ثابت؛ أي: ضارب بعُرُوقه في الأرض، ﴿ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾؛ أي: أغصانها مُمتدة نحو السماء؛ قال أبو السعود: ويجوز أنْ يرادَ: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس عن الجمع.   ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾: تُعطي ثَمَرها كلَّ وقت وقَّته الله - تعالى - لإثمارها بإرادة خالقها وتيسيره، كذلك كلمة الإيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعمله يصعد إلى السماء، وينال بركته وثوابه في كل وقت، والْجُمَلُ: ﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا ﴾ كُلٌّ منها في محل جر نعت.   ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾؛ أي: يبين لهم الأمثال؛ لعلهم يتعطفون، فيؤمنون؛ لأنَّ في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير، فإنه تصدير للمعاني بصور المحسوسات.   ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾: والكلمة الخبيثة مثل كلمة الكفر والدعاء إليه، أو تكذيب الحق أو ما يعمُّ الكلَّ، أو كل كلمة قبيحة، والكلمة الخبيثة كالشَّجرة الخبيثة في أَثَرِها السيئ، وما تسبب من كراهية بين الناس وإضرار بهم، وقيل: الشجرة الخبيثة هي شجرة الحنظل.   ﴿ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ﴾: استُؤصلت، وأخذت جُثتها بالكُليَّة؛ لكون عروقها قريبة من قِشْرة الأرض، ﴿ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾: استقرار عليها، كذلك كلمة الكفر، لا ثباتَ لها ولا بَرَكة ولا نفع يُرجى، ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾؛ أي: يثبتهم على كلمة التوحيد، وعلى الإيمان في هذه الحياة، فلا يزيغون ولا يفتنون، ﴿ وَفِي الْآخِرَةِ ﴾؛ أي: عند سؤال الملكين في القَبْر؛ كما في الحديث الشريف: ((المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فذلك قوله - تعالى -: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾)).   ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ﴾؛ أي: لا يهديهم في الحياة الدُّنيا، ولا عند السؤال في القبر، ووصفهم بالظُّلم، إمَّا باعتبار وضعهم الشيء في غير موضعه، وإمَّا باعتبار ظُلمهم لأنفسهم؛ حيثُ بدلوا فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلم يهتدوا إلى القول الثابت، أو كل من ظلم نفسه بالاقتصار على التقليد، والإعراض عن البينات الواضحة، فلا يتثبت في موقف الفتن، ولا يهتدي إلى الحق.   ﴿ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾: من هداية المؤمنين وتثبيتهم، وإضلال الكافرين، فهو - سبحانه - لا يُسأل عمَّا يفعل وهم يُسألون، وفي إطارِ الاسم الجليل في الموضعين، ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾، من الفخامة وتربية المهابة ما لا يخفى على ذي عقل.   ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾: تعجيب لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أي: ألم تنظر إلى الذين بدَّلوا نعمة الله كفرًا؛ أي: غيَّروا نعمةَ الله بالكُفر والتَّكذيب وعدم الشكر عليها؛ قال المفسرون: هم كُفَّار مكة، فقد أسكنهم الله حَرَمَه الآمن، وجعل عيشهم في السَّعَة، وبَعَثَ فيهم محمدًا - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلم يعرفوا قَدْرَ هذه النعمة، وكفروا به وكذَّبوه، فابتلاهم الله بالقحط والجدب.   ﴿ وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾؛ أي: أنزلوا قومَهم دارَ الهلاك بكفرهم وطغيانهم، ثم فسرها بقوله: ﴿ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾؛ أي: يكتوون بنارها، ويقاسون آلامها، ويَحترقون بلظاها، جزاءً وفاقًا، {جَهَنَّمَ}: بدل أو عطف بيان من دار البوار، وفي البيان بعد الإبهام ما لا يَخفى من التهويل: ﴿ يَصْلَوْنَهَا ﴾ هذه الجملة (فعل + فاعل + مفعول) حال منها أو من قومهم؛ أي: داخلين فيها مُقاسين لِحَرِّها.   ﴿ وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾: على حذف المخصوص بالذَّمِّ، والتقدير: "بئس القرار قرارهم"، أو "بئس القرار جهنم"، دار البوار: مفعول به ثانٍ لأحلوا، جهنم: بدل من دار البوار. وكلمة ﴿ الْقَرَارُ ﴾ تُوحي بالدَّوام والاستمرار؛ أي: استمرارهم في مقاساة النَّار في هذا المستقر.   ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ﴾: ﴿ وَجَعَلُوا ﴾: معطوف على ﴿ وَأَحَلُّوا ﴾، وما عطف عليه داخل معها في حَيِّز الصلة، وحكم التعجيب؛ أي: جعلوا في اعتقادهم وحُكمهم "الله" الفرد الصمد، الذي ليس كمثله شيء، ﴿ أَنْدَادًا ﴾ أشباهًا في التَّسمية أو في العبادة، ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ قومهم الذين يُشايعونهم حسبما ضَلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ القويم، الذي هو التوحيد، ويُوقعوهم في ورطة الكُفْرِ والضلال.   ﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾: قل: الأمر لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أي: قل تهديدًا ووعيدًا لأولئك الضَّالين المضلين: ﴿ تَمَتَّعُوا ﴾ بما أنتم بنعيم الدُّنيا وشهواتها ومَتاعها الزَّائل، وما أنتم عليه من كُفْران النِّعم، واستتباع النَّاس في عبادة الأصنام، ﴿ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾؛ أي: مَرَدكم ومرجعكم إلى عذاب النَّار، وفي ذلك من التهديد الشديد والوعيد الأكيد ما لا يوصف.   ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾: قل: الأمر أيضًا لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعبادي: خصَّهم بالإضافة إليه تشريفًا وتنبيهًا على أنَّهم المقيمون لوظائف العُبُودية الموفون بحقِّها، وترك العاطف بين الأمرين - قل تمتَّعوا، قل لعبادي - للإيذان بتبايُن حالِهما باعتبار المقول تهديدًا وتشريفًا، والمقول هنا مَحذوف دَلَّ عليه الجواب؛ أي: قل لهم أقيموا وأنفقوا.   ﴿ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾: جواب الأمر مَجزوم بحذف النون، وفيه إيذان بكَمَالِ طاعتهم الرسولَ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومسارعتهم إلى الامتثال بأوامره ﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾؛ أي: لينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرِّزق خفيةً وجهرًا، والأحبُّ في الإنفاقِ إخفاءُ المتطوَّع به، وإعلان الواجب، والمُرادُ حَثُّ المؤمنين على الشكر لنعم الله - تعالى - بالعبادة البدنية والمالية، وترك التمتُّع بمتاع الدُّنيا والرُّكون إليها، كما هو صنيع الكافرين.   ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ ﴾؛ أي: من قبل أن يأتِيَ يومُ القيامة الذي لا انتفاعَ فيه بمُبايعة ولا صَدَاقَة، ولا فِداء ولا شَفَاعة، ففي التعبير شبه تحذير مِمَّا يَحدث في يوم القيامة من انتفاءِ المعاوضة بالمرة، وتخصيص البيع بالذِّكر؛ للإيجاز مع المبالغة في نَفْيِ المعاوضة؛ إذ انتفاءُ البيع يستلزم نَفْيَ الشراء على أبلغ وجه، ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾: لفظ الجلالة مبتدأ، وخبره ﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾، وفي جعل المبتدأ الاسم الجليل والخبر الاسم الموصول بتلك الأفاعيل العظيمة، من خَلْقِ السَّمَوات وما فيها من الأجرام، والأرض وما فيها من أنواع المخلوقات، وإنزال الأمطار، وإخراج الثمار، وما يتلوها من الآثار العجيبة - ما لا يَخفى من تربية المهابة والدَّلالة على قوة السلطان.   ولَعَلَّ من المفيد ذكر المناسبة بين هذه الآية وما قبلها، فإنَّه لما ذكر أحوال الكافرين لنعم الله - تعالى - وأمر المؤمنين بإقامة مَراسم الطاعة؛ شكرًا لنعمه، شَرَعَ في تفصيل ما يستوجب على كافَّة الأنام المُثابرة على الشُّكر، والطاعة من النِّعم العظام؛ حثًّا للمؤمنين عليها، وتقريعًا للكافرين المخلِّين بها، وقيل: إنَّه لما أطال الكلام في وصف أحوال السُّعداء والأشقياء، خَتَمَ ذلك بذكر الدلائل الدَّالة على وجود الخالق الحكيم، فقال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾؛ أي: أنزل من السَّحاب المطر، وفي تقدم الجار والمجرور على المنصوب، إمَّا باعتبار كونه مبدأً لنزوله، أو لتشريفه، أو تشويقًا إلى المؤخر.   ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾الذي أخرج بالمطر من أنواع الزروع والثمار؛ رزقًا للعباد، "من" هنا للتبيين، والثمرات: جمع للدلالة على كثرتها، وتعدُّد أنواعِهَا وأشكالِهَا وطعمها وألوانها ومذاقاتها[1]، و﴿ رِزْقًا ﴾: بمعنى "المرزوق" من المأكول والمشروب والملبوس، فسَبِّحِ الذي أودع في الماء قُوَّةً فاعلة، وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواعُ الثمار، وهو قادر على إيجاد الأشياء بلا أسباب، فهو - سبحانه - مُبْدِع الأسباب.   قال الشيخ سيد قطب: "وهنا يفتح كتاب الكون على مصراعيه، فتنطق سطوره الهائلة بنِعَم الله التي لا تحصى: السموات والأرض، الشمس والقمر، الليل والنهار، الأنهار والأمطار، هذه الصَّفحات الكونيَّة المعروضة على الأنظار، ولكنَّ البشر لا ينظرون ولا يقرؤون، ولا يتأملون ولا يشكرون، إنَّ الإنسان لظلوم كَفَّار، يجعل لله أندادًا وهو الخالق الرازق المسخِّر لهذا الإنسان، والمشهد الهائل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه تسير فيه خُطُوط الرب المبدعة: أفكُلُّ هذا الكون الهائل مسخَّر لذلك المخلوق الصغير؟! السموات ينزل منها والأرض تتلقاه، ثُمَّ تخرج به الثمار، والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مُسخرة، والأنهار تَجري بالحياة والأرزاق في مَصلحة الإنسان، والشَّمس والقمر دائبان لا يفتران، والليل والنهار يتعاقبان، أفكل ذلك للإنسان، ثُم لا يشكر ولا يذكر؟!".   ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ﴾: بأنْ أقدرَكم على صنعها واستعمالها، وجعلها في مَنفعتكم تَجري في البحر جريًا تابعًا لإرادتكم بأمره، ومشيئته التي يُناط بها كل شيء. ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ ﴾: بأنْ جَعَلَها مُعدَّة لانتفاعكم؛ حيثُ تتَّخذون منها جداولَ تسقون بها زروعكم، وكذلك يَسَّرَها لكم، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ﴾، يدأبان في سيرها وإنارتِها أصالةً وخلافةً، وإصلاحها لما يناط بها صلاحه من المكونات، فنحنُ نُلاحظ ونُشاهد بأعيننا الشمس والقمر يَجريان بانتظام لا يفتران، وفيها صلاح أنفسنا ومَعاشنا وصلاح زروعنا. ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾؛ لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار[2]، فهما يتعاقبان خلفةً لمنامكم ومعاشكم، ولعقد الثمار وإنضاجها وفي التعبير بالتسخير في شأن الفلك والأنهار والشمس والقمر، مع ما فيها من صُعُوبة المأخذ وعِزَّة المنال، ما يدُلُّ على عظم السلطان وشِدَّة المحال. وإبراز كل نعمة في جُملة مُستقلة تنويهًا بشأنها، وتنبيهًا على رفعة مكانتها، وتنصيصًا على أنَّ كلَّ نعمة منها مُستوجبة للشكر.   ﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾؛ أي: أعطاكم من كل ما تحتاجون إليه من النِّعم، وما يُصلح أحوالَكم ومَعَاشكم مِمَّا سألتموه بلسان الحال أو المقال. قال أبو السعود: "أعطاكم بعض جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة، أو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ويناط به انتظام أحوالكم على الوجه المقدر".   ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾: "إن" للشك؛ أي: لا تطيقون حصرها، ولو إجمالاً، وعَبَّر بالمفرد "نعمة"؛ لأنَّ النعمة الواحدة فيها نعم غير متناهية، فهي أكبر من أن يحصيها عددًا،﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾: الإنسان اسم جنس، "ظَلُومٌ": يظلم النعمة بإغفال شكرها، أو بوصفه إيَّاها في غير موضعها، أو يظلم نفسه بتعرُّضها للحرمان، أو بتعديه حدود الله، "كَفَّارٌ": شديد الكفران، وقيل: ظلوم في الشِّدَّة يشكو ويجزع، كفار في النِّعْمَة يجمع ويمنع، وكلا الوصفين - "ظَلُوم، وكَفََّار" - من صيغ المُبالغة التي تدل على المبالغة في الفعل، فهو - أي: الإنسان - شديد الظلم لنفسه كثير الكفر بنعمة ربه؛ لأنَّه ينصرف عن شكرها.   ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ﴾: ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟   لما كان الحديث في الآيات السَّابقة عن النعم وشكرها أو كفرها، أتى إبراهيم - عليه السلام - كنموذج كامل للإنسان الشاكر العابد، وأشار إلى نعمة أخرى هي من أَجَلِّ النعم، وهي نعمة "الأمن" في دعوة إبراهيم: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ﴾، فالبلد مقصود به مكة، ﴿ آمِنًا ﴾؛ أي: يأمن أهله وساكنوه المعيشة فيه، ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾؛ أي: احمني يا رب وجَنِّبْنِي وأولادي عبادة الأصنام، والغرض تثبيته على ملة التوحيد والإسلام.   ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ ﴾؛ أي: الأصنام أضلَّت كثيرًا من الناس، أو كانت سببًا في ضلالهم، وهو تعليل لدعائه، وإنَّما صدَّره بالنداء؛ إظهارًا لاعتنائه به، ورغبة في استجابته. ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي ﴾: منهم فيما أدعو إليه من التوحيد ومِلَّة الإسلام، ﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي ﴾، قال ذلك - عليه السلام - مُبالغة في بيان اختصاصه به؛ أي: متصل بي لا ينفك عني في أمر الدين. ﴿ وَمَنْ عَصَانِي ﴾: التعبير بالعصيان يُؤذِن بأن إبراهيم - عليه السلام - مستمر على الدعوة، فعصيان مَن عصى لا ذنبَ لإبراهيم فيه. ﴿ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾: قادر على أنْ تغفرَ له ابتداءً أو بعد توبته[3].   ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾: آثر - عليه السلام - ضمير الجماعة؛ لأنَّ الدُّعاء المصدَّر به وما أورده بصدد تمهيد مبادئ إجابته من قوله: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ ﴾ الآية - متعلق بذرِّيته، فالتعرض لوصف ربوبيته - تعالى - لهم أدخل في القبول وإجابة المسؤول. ﴿ مِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾؛ أي: من أهلي - ولدي إسماعيل وزوجي هاجر[4] - ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ﴾، وهو وادي مكة - شرفها الله -﴿ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾: عند ظرف لـ"أسكنت"؛ إذ المقصود إظهار كون الإسكان مع فُقدان أسباب المعيشة لمحصن التقرُّب إلى الله - تعالى - والالتجاء إلى جواره الكريم،﴿ الْمُحَرَّمِ ﴾: وصف للبيت؛ حيث حرَّم التعرض له والتهاون به، وهذا يدل على عزة المُلْتَجِئ وعصمته من المكاره.   ﴿ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾، وهو متعلق بـ"أسكنت"، وتخصيص الصلاة بالذكر لفضلها وعلو مكانتها، فهي عماد الدين، وتكرير النِّداء وتوسيطه لإظهار كمال العناية بإقامة الصلاة؛ أي: إنَّ الغرض من إسكانهم بذلك الوادي البلقع هو المقصد الأسمى، والمطلب الأسنى، وكل ذلك لتمهيد مَبادِئ إجابة دعائه وإعطاء مسؤوله.   ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾؛ أي: فاجعل قلوبَ النَّاس تسرع إليهم شوقًا، "من" هنا للتبعيض؛ قال ابن عباس: "لو قال: أفئدة الناس، لازدحمت عليهم فارس والرُّوم والناس كلهم، ولكن قال: ﴿ مِنَ النَّاسِ ﴾، فهم المسلمون"، والمسؤول أو المرجُوُّ هنا توجيه القلوب إليهم للمساكنة معهم، لا لتوجيهها إلى البيت للحج، وإلا لَقيل: تهوي إليه، وتهوي من باب عَلِمَ؛ أي: يُحبُّ، وتعديته بإلى؛ لتضمنه معنى الشوق والنزوع[5].   ﴿ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾؛ أي: ارزق ذريتي في ذلك الوادي القفر من أنواع الثمار من فضلك، ومَنْ ينحاز إليهم من الناس، ولم يخص الدعاء بالمؤمنين منهم؛ كما في قوله - تعالى -: ﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 126]؛ اكتفاءً بذكر إقامة الصلاة، ﴿ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾: من أنواعها، وقد استجاب الله دعاءَ إبراهيم - عليه السلام - فجعل مكة حرمًا آمنًا يُجبى إليها ثمراتُ كل شيء، حتى إنَّه ليجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾: تلك النعم بأداء مراسم العبودية.   ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ﴾؛ أي: تعلم ما نظهره وما لا نظهره، فإنَّ علمه - تعالى - مُتعلق بما لا يخطر بباله، مما فيه من الأحوال الخفية، فضلاً عن إخفائه، وتقديم ما نخفي على ما نُعلن؛ لتحقيق المساواة بينهما في تعلق العلم بهما على أبلغ وجه، وتكرير النِّداء للمبالغة في الضَّراعة والابتهال، وضمير الجماعة؛ لأن المراد ليس مُجرد علمه - تعالى - بسرِّه وعلنه، بل بجميع خفايا الملك والملكوت، وقد حققه بقول الاعتراض: ﴿ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ لما أنه العالم بالذَّات، فما من أمر يدخل تحت الوجود، كائنًا ما كان في الأزمان إلاَّ ووجوده في ذاته علم بالنسبة إليه - سبحانه - ولفظةُ "في" مُتعلقة بمحذوف ومعه صفة لشيء؛ أي: من شيء كائن فيهما، وتقديم الأرض على السَّماء باعتبار القرب والبعد منَّا، المستدعيَيْن للتفاوت بالنسبة إلى علومنا، والالتفات من الخطاب إلى اسم الذات المستجمعة للصفات الجليلة، والنعوت الكاملة لتربية المهابة والإشعار بعلَّة الحكم على نهج قوله - تعالى -: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، و"من" للاستغراق، يعني أنَّ علمَه مُحيط بجميع خفايا الملك والملكوت.   ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾[6]؛ أي: مع كبري ويأسي عن الولد، قيَّد الهبة به؛ استعظامًا للنعمة، وإظهارًا لشكرها.   ﴿ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾؛ أي: مُجيب لدعاء من دعاه، "سميع" من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل، أضيف إلى مفعوله، وهو مع كونه من تتمة الحمد والشكر؛ إذ هو وصف له - تعالى - بأن ذلك الجميل سنته المُستمرة، فهو تعليلٌ على طريقة التذييل للهبة المذكورة، وفيه إيذان بتضاعف النِّعمة فيها؛ حيث وقعت بعد الدعاء بقوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 100]، فاقترنت الهبة بقبول الدعوة.   ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾: هذه هي الدعوة السادسة من دعوات إبراهيم - عليه السلام - أي: يا رب، اجعلني ممن يحافظ على الصلاة، واجعل من ذريتي من يُقيمها ويُحافظ عليها أيضًا، وهذه خير دعوة يدعوها المؤمن لأولاده، فلا أحبَّ له من أن يكونَ مُقيمًا للصلاة هو وذريته؛ لأنها عماد الدين، وتوحيد ضمير المتكلم مع شمول دعوته لذريته أيضًا؛ حيث قال: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾؛ للإشعار بأنَّه المُقْتَدَى في ذلك، وذريته أتباع له.   ﴿ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾؛ أي: دعائي هذا المتعلق بجعلي وجعل ذُرِّيتي مُقيمي الصَّلاة، ثابتين على ذلك، مُجتنبين عبادة الأصنام، ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾: هذه هي الدعوة السابعة، وبها ختم إبراهيم دعاءه الضَّارع الخاشع بالاستغفار له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.   البلاغة: 1- ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ﴾ [إبراهيم: 24]، ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ﴾[إبراهيم: 26] تشبيه مرسل مجمل. 2- الطباق في "طيبة وخبيثة"، "يذهب ويأتي"، "سرًّا وعلانية"، "تبعني وعصاني"، "نخفي ونعلن". 3- ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم: 37]، قال الشريف الرضي: وهذه من مَحاسن الاستعادة، وحقيقة الهُوِيِّ: النُّزول من عُلوٍّ إلى انخفاض كالهبوط، والمُراد: تسرع إليهم شوقًا، وتطير عليهم حبًّا، ولو قال: "تحنُّ إليهم"، م يكن فيه من الفائدة ما في التعبير بـ "تهوي إليهم"؛ لأن الحنين قد يكون من المقيم بالمكان. 4- حكمة تعريف البلد هنا: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا ﴾ [إبراهيم: 35]، وتنكيره في البقرة: ﴿ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﴾ [البقرة: 126] أنَّه تكرر الدعاء من الخليل، ففي البقرة كان قبل بنائها، فطلب من الله أن تُجعلَ بلدًا وأن تكون آمنًا، وهنا كان بعد بنائها، فطلب من الله أن تكونَ آمنًا؛ أي: بلدُ أَمْن واستقرار، وهذا هو السِّرُّ في التفريق بين الآيتين.   اللهم ارزقنا فهم أسرار كتابك.     [1] قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 99]، وقال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الرعد: 4]، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 27 - 28]. [2] ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [النبأ: 10 - 11]. [3] تعبير ينشر ظلال المغفرة والرحمة، وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية. [4] روي أن "هاجر" لما ولدت إسماعيل، غارت منها "سارة" زوجة إبراهيم، فأمره الله - تعالى - أن يَحْمِلَ ولده إسماعيل مع أُمِّه من الشام إلى مكة، فوضعها عند دوحة مكان زمزم، فأظهر الله - تعالى - عين زمزم. [5] قيل: إنَّ أولَ آثار هذه الدعوة ما رُوي: أنَّه مرَّت رفقة من جرهم تريد الشام، فرأوا الطير تحوم على الجبل، فقالوا: إنَّ هذا الطائر لعائق على الماء، فأشرفوا فإذا هم بهاجر، فقالوا لها: إن شِئْتِ كُنَّا معكِ وآنسناكِ والماء ماؤكِ، فأذنت لهم، وكانوا معها إلى أن شبَّ إسماعيل - عليه السلام - وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل منهم كما هو المشهور. [6] روي أنه وُلِد له إسماعيل وهو ابن تسع وتسعين سنة، وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة. د. عيد محمد شبايك شبكة الألوكة ::::::::::::::::: قراءة بلاغية في قصار السور سورة الكوثر   قال - تعالى -: ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ [الكوثر: 1 - 3].   سُورة الكوثر سُورة العَطاء والتَّكريم، والمقام الرفيع والتشريفِ للرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهي ثلاثُ آياتٍ قِصارٍ انتهَتْ بحرف الرَّاء حرف التكرار الذي يُوحِي بتكرار العَطاء، وتتابُع نُزول الخير، فاسمُ السورة (الكوثر)، وهو مُبالَغةٌ في الكثرة، فالعرب تُسمِّي كلَّ شيء كثير في القدر والحظ كوثرًا، قال الشاعر: وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ♦♦♦ وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ العَقَائِلِ كَوْثَرَا   • بدأت السورة بأسلوبِ التَّوكِيد ﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ﴾ [الكوثر: 1] الذي يُوحِي بثُبوت ذلك العَطاء، وتأكُّده، وكثرته، وسَعته، وضَخامته، ونسبة العَطاء إلى الله تَكفِي؛ لأنَّ العَقل لا يتصوَّرُها بسبب كثرتها، وتنوُّعها وتعدُّدها، فقد أعطاه الله من الفَضائل والنَّعماء والخيرات ما لا يُدرِكُه العقل؛ أعطاه النبوَّة والكتاب، والحكمة وفصْل الخِطاب، والعلم، والشَّفاعة، والحوض المورود، والمقام، وكثرة المؤمنين، والتَّمكين والنَّصر على الأعداء، وكثرة الفُتوحات، وكل ما أعطاه الله لرَسوله من النِّعَمِ العِظام، والمنن الجِسام. و"نا" في ﴿ إنَّا ﴾ تفيدُ العظمة والكمال، والحديث بها يتأتَّى في الأمور الكبار، والنِّعَم الغِزار، فناسب الموقف، وسعة العَطاء استِعمال (نا) المفيدة للجمع الدال على التعظيم، فلم يقلْ: (إنِّي أعطيتك) كما قالها في مقامات أخرى: ﴿ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ﴾ [طه: 12]، و﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ﴾ [طه: 14].   • أعطيناك: صيغة ماضٍ، كأنَّه حدَث ووقَع، وفيه إيحاءٌ بالراحة الكاملة لنُزول العَطاء وتحقُّقه؛ حيث لم تردِ الآية بالمضارع (سنُعطِيك)؛ لأنَّ الوعد لما كان محقَّقًا عبَّر عنه بالوقوع والحدوث بالماضي؛ وذلك مُبالغةً وإدخالاً للسَّعادة على قلب الرسول، وإشعاره بأنَّ الإعطاء حاصلٌ لا ريب، واقعٌ فلا خوف.   وإسنادُ الفعل إلى (نا) الدالَّة على الفاعليَّة يُبيِّن شُموخ العَطاء، واتِّساع الفضْل، وعظم المنَّة، وكبر النِّعمة، كما أنَّ ضميرَ الخِطاب (الكاف) في ﴿ أَعْطَيْنَاكَ ﴾ تُوحِي بالتخصيص؛ فهو وحدَه الذي نالَ ذلك دُون سواه من سائر الأنبياء كأنَّه قال: ولم أُعطِ ذلك أحدًا من العالمين قبلَك ولا بعدَك، فأنت الذي اختصَصْت به ونزَل إليك دُون غيره، وتفرَّدت بالعَطاء.   الكوثر: مُعرَّف بـ"أل" العهديَّة أو الجنسيَّة: العهديَّة؛ أي: الكوثر المعهود الذي عرَفتَه وبشَّرك الله به، والجنسيَّة؛ أي: جنس الخير أُعطِيتَه، فكلُّ ما يتصوَّره عقلٌ أو يتخيَّله ذهنٌ قد نِلتَه وأخذتَه يا رسول الله.   والكوثر ليس نهرًا عاديًّا، إنما هو نهرٌ خاصٌّ عبَّر عنه الرسول عندما قال: ((أتدرون ما الكوثر؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنَّه نهرٌ وَعَدَنِيه - عزَّ وجلَّ - فيه خيرٌ كثيرٌ، هو حوضٌ تَرِدُ عليه أمَّتي يوم القيامة، آنيتُه عددُ النُّجوم، فيختَلِجُ العبد - أي: ينتزع ويقتطع - منهم، فأقول: إنَّه من أمتي! فيُقال: إنَّك لا تَدرِي ما أحدَثَ بعدَك))؛ (رواه الترمذي). وذهب أهلُ التفسير في تفسير الكوثر إلى ستَّةٍ وعشرين قولاً، الصحيح هو ما فَسَّرَه به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث قال: ((هو نهرٌ في الجنَّة، حافتاه من ذهبٍ، ومَجراه على الدرِّ والياقوت، تُربتُه أطيَبُ من المِسك، وماؤه أحلى من العسل)). وفي الآية الأخرى التي تُبيِّن كثرةَ العَطاء، وأنَّه لا حَدَّ له: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [الضحى: 5].   ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]: الفاء الفصيحة التي تُفصِح عن شَرْطٍ مقدَّر محذوف؛ أي: إنْ كنت قد عَلِمت ذلك، وتمثَّلتَه فصلِّ لربِّك، والأمر للنُّصح والتوجيه والإرشاد، وفيه كنايةٌ عن صفةٍ هي ودُّ الله لرسولِه، وحبُّه لنبيِّه، وفيها تعليمٌ لكلِّ مسلم أنْ يُتْبِعَ النِّعمةَ بالشُّكر، ويُعقِّب المنَّة بالصَّلاة والدُّعاء؛ ليستمرَّ العَطاء، ويتعدَّد نُزول النَّعماء.   و﴿ لِرَبِّكَ ﴾: تُوحِي بأنَّ الصلاة يجبُ أنْ تُخصَّص لله، فاللام للملكيَّة، وفيها توجيهٌ لنا بأنْ نتوجَّه بكليتنا إلى الله ونعمل كلَّ أعمالنا ابتغاءَ وجهه، ومجيء "رب" تُوحِي بالرعاية والعناية، والحدب، والحب، والإضافة للتشريف (ربك) فالمسلمُ يَشرُف بالانتساب لربِّه، والانتِماء لدِينه، والاعتِزاز بالاعتصام بحبْلِه.   ﴿ وَانْحَرْ ﴾ أمرٌ للنُّصح والإرشاد، والواو تفيدُ الترتيب، فالنَّحر بعدَ الصلاة لا قبلَها، وإلا كان ذلك صَدَقةً، واستعمال الرَّاء يفيدُ تعداد النَّحر وكثْرته واستِمراره، والنَّحر يختصُّ بالإبل وليس للبقر والغنم، ففيها الذَّبح لا النَّحر، وهي خِيار أموال العرب، وذلك شُكرًا له - جل جلاله - على ما أَوْلانا من الخيرات والكَرامات، وفي الآية كنايةٌ عن صِفةٍ هي التوحيد والإخلاص في سائر الأعمال والأقوال، فالصلاة لربنا وحدَه، والنَّحر لوجهه - جلَّ جلالُه - لا غيره، وفيها إيجازٌ بالحذف، (أي: وانحر لربك)، وحُذِفَ لدَلالة السِّياق عليه، وليَقَظَةِ المسلم وإدراكه بالغرَض الذي تُساق له الطاعات وتُقام له الصَّلوات.   ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾: أسلوبُ توكيدٍ، تضمَّن وسيلتين: (إن، وضمير الفصل: هو)، ووُروده على هذه الشاكلة فيه دِفاعٌ عن رسول الله، فهو كِنايةٌ عن صفةٍ هي المحبَّة الخالصة من الله لرسوله، وودٌّ كامل له - عليه الصلاة والسلام - والشانئ المبغض، من الشَّنآن، وهو العَداوة والبُغض، والأبتر أفعل تفضيل من البتر، وهو القطع، فالأبتر المنقطع عن كلِّ خيرٍ، ويُقال لمن لا نَسْلَ له: أبتر؛ لأنَّه انقطَعَ نسلُه، ولَمَّا ماتَ القاسم ابنُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال العاصِ بن وائل: دَعُوه فإنَّه رجلٌ أبتر لا عَقِبَ له؛ أي: لا نَسْلَ له، فإذا هلَك انقطَعَ ذِكْرُه، فنزَلتِ السُّورة، وفي استعمال: (إن، والضمير: هو) إفادةُ الحصْر، ولعلَّ الطِّباق بين الكوثر (الخير الكثير)، والأبتر (الانقطاع عن كلِّ خيرٍ) يُبرِز المعنى، ويُقوِّيه، وفي الوقت نفسه فيها سجعٌ مُؤثِّر، فتكون الصُّورة على قلَّة كلماتها قد جمعَتْ فُنونَ البلاغة والبَيان والفَصاحة، والكمال والجلال، والحمدُ لله ربِّ العالمين. ::::::::::::::::::::::::   قراءة بلاغية في قصار السور سورة العاديات   قال تعالى: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا * فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا * فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا * فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا * إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ * أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [العاديات: 1 - 11].   سورة العاديات إحدى عشرة آية، وهي سورة مكية، تحدَّثت عن جحود الإنسان لربه، وبخله، وانصرافه عن طاعته، وحبِّه للمال وشُحِّه به، ومدى ولَعِه بحب الحياة، كما أقسم الله بالخيل وحياة الجهاد وما فيها من الحرب وتوسُّط النقع، والكرِّ والفرِّ، وما تُثيره سنابك الخيل من نار أرجلها، وإثارة التراب والالتقاء في وسط الميدان، وتُختَم ببيان الحقيقة، وهي مَرجِع الإنسان إلى الله للحساب والجزاء، وكل حياته كانت جهادًا وجمعًا للمال، ثم بُخلاً به، لكنه محاسب عليها، ولا ينفعه إلا عمله.   بدأت السورة بهذا القسم: ﴿ وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴾ ، والعاديات اسم فاعل من العدو، وهي خيل المجاهدين تعدو في سبيل الله، وعرَّفها إظهارًا لشرفها وفضْلها عند الله، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((الخيل معقود بنواصيها الخير))، وفيها استعارة مكنية؛ حيث شبَّه الخيل بأبطال أقوياء، يَعْدُون فيُسرعون، وتخرج منهم أصوات الأنفاس عند عدْوهم، وفيها إيحاء بالسرعة والعدْوِ الشديد؛ ومِن ثم مفاجأة العدو، وتحقيق النصر.   ﴿ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴾: كناية عن موصوف، هو الخيل، أو ما يقوم مقامه في عصرنا الحاضر، و "قدحًا" كناية كذلك عن صفة، هي سرعتها، وشدَّة ضرْبها في الحجارة فتُحدث لهيبًا خلفها، ويُوحي ذلك بسرعة جرْيها، ومِراسها، ودُربَتها في ميادين القتال، كما يَبرُز فهمها لطبيعة الدور الذي نِيطَ بها، ودُرِّبتْ سلفًا عليه.   ﴿ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴾: كناية عن موصوف، هو الخيل، أو مَن يَركبه، وفيها استعارة مكنية كذلك؛ حيث شبَّه الخيل بعدوٍّ يُغِير، ولديْه القدرة على تحقيق النصر، والأخذ بعنصر المفاجأة، والوصول إلى مكان المعركة قبل استيقاظ العدو، وفيها كناية عن حُسن الإعداد، ودقَّة التنفيذ، وكمال الخُطة العسكريَّة، حيث حقَّقت الخيل أهدافها مع شروق الشمس.   ﴿ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾: كناية عن شدَّتها، وكثرتها، وسرعتها، ودورانها وسيطرتها على ميدان المعركة، وقوله: "به" الباء بمعنى "فيه"، والضمير عائد على ميدان المعركة، أو على الوقت (وقت الصبْح)، فهذه أقسام ثلاثة تبيِّن أثر الجهاد في دنيا الناس: القسَمُ بالخيل المُجاهِدة، وقدْحها للنار الذي هو دليلُ قوَّتِها ومِرانها ومِراسها، ووصولها إلى عمْق الميدان لتُثير الفزع والخوف في قلوب أعدائها.   وتنكير ﴿ نَقْعًا ﴾ يأتي لبيان مدى علوِّه، وامتلاء الجو به، وانتشاره، كما تفعل الصواريخ والقنابل والدبابات والمدفعيات في أرض المعركة فتحيل نهاره ليلاً أسود دامسًا.   ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾: كناية عن القوة، والدُّرْبة، وسرعة الوصول؛ ومِن ثمَّ امتلاك ناصية الحرب، والسيطرة على وسط الميدان كرًّا وفرًّا، وتكتيكًا ونصْرًا.   • أما جواب القسم أو المُقسَم عليه، فهو أمور ثلاثة - كما سلف - أولها: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ ، وثانيها: ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾، وثالثها: ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ .   • الأول فيه جملة من المؤكِّدات: (إن، واللام المُزحلَقة، واستعمال الجملة الاسميَّة)، وهو ما يسمَّى عند البلاغيين بالخبر الإنكاري، كأنَّ الإنسان يُنكِر ذلك، ويُداهِن، فتأتي التوكيدات لتؤكِّد له شدَّة جحوده وكفرانه، وأن تكذيبه بنِعَم الله لا محلَّ له ولا معنى، ولكن الإنسان يَنسى النِّعَم، ويتذكَّر الابتلاءات، فلا يَشكُر، ولا يُثْنِي، بل يَكفُر بربه، ويَنثني عنه، ويبتعد، وهذا التوكيد فيه زيادة في تقرير جحوده، وبيان إنكاره، و(كَنُود) صيغة مبالغة على وزن فَعُول؛ أي: لكَفور للنِّعمة، كثير الجَحْد لها، و(الكَنود) بلسان كندة: العاصي، وبلسان بني مالك: البخيل، وبلسان مُضَر وربيعة: الكَفور؛ أي: إنه لنعمة ربه شديد الكُفْران والنُّكْران.   ﴿ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ : فيه أسلوب قصْر، بتقديم ما حقُّه التأخير؛ حيث قدِّم شبه الجملة: ﴿ عَلَى ذَلِكَ ﴾، على متعلقه، وهو: ﴿ لَشَهِيدٌ ﴾، وكُرِّر التوكيد بـ (أن واللام) إمعانًا في ذكْر جُحوده، وإبرازًا لخطورة مسلكه، و(شهيد) صفة مشبَّهة، فهو يشهد على ذلك شهادةً دائمةً، واستعمال ﴿ ذَلِكَ ﴾ موضِّح لضخامة الجحود، وبشاعة النكران.   ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ : عُبِّر عن الإنسان بضمير الغائب الذي يتناسب مع سلوكه، واحتقار مسلكه، وفي تقديم ما حقُّه التأخير ﴿ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ أسلوب قصْر؛ حيث قصَر بخْله وحب المال على نفسه، وكذا إنفاقه على ذاته في وجوه الخير، "وأل" في الخير عهدية؛ أي: الخير المعهود عند الإنسان، وهو المال، أو هي جنسية؛ أي: جِنس الخير فهو يَبخل به، و(شديد): صفة مشبَّهة على وزن فَعيل، وتعني (بخيل)، فهو جدَّ في طلب المال وتَعِبَ في تحصيله، وبدا مُتهالِكًا عليه، فانيًا عمره في جمعه، ثم هو يتشدَّد في إنفاقه، ويَبخل به على مستحقِّيه؛ قال طَرفة: أرى الموت يَعتام الكرام ويَصطفي عَقيلة مال الباخِل المتشدِّدِ فالشديد إما البخيل المُمسِك، وإما القوي، وإما المتقبِّض، غير مُنبسِط العطاء.   ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴾: هنا إيجاز بالحذف في جملة وقعتْ بين الهمزة والفاء: ﴿ أَفَلَا ﴾؛ أي أفَعمِيَ فلم يَعلم، أو أجَهِل فلم يُدرِك، واستعمال الهمزة هنا يُفيد التقرير والتقريع، والفعل ﴿ يَعْلَمُ ﴾ من أفعال القلوب، أي: يجب أن يَعلم ويُدرك ويُوقن، و﴿ بُعْثِرَ ﴾ مبني لما لم يُسمَّ فاعله، أي: يُبعثِره الله، بَناه للمجهول؛ للعِلم بالفاعل، و﴿ مَا ﴾ لغير العاقل مع أن المبعوث عاقل، وهو إما لقيام "ما" مقام "مَن" لكثرة مَن يُبعَث مِن إنسان وحيوان وطير ونحوه، وإما جاءتْ على أصلها احتقارًا لشأنه، فهو لجهْلِه بمهمَّتِه، وعدم تحقيقه لرسالته - صار كالأعجميِّ الذي لا يُبين، وكالعجماء التي تتخبَّط، لا تَدري وجْهتَها، ولا تُحسِن فهْم هدَفِها.   ﴿ فِي الْقُبُورِ ﴾ استعمال "في" يفيد أن جميع مَن في قبور الأرض مهما بَعُد وكثُرَ سيَخرج، و(أل) في القبور جنسية؛ أي: جِنس قبور الأرض ستَلفِظ ما فيها حيًّا، يَمضي إلى عرصات يوم القيامة، إلى أرض المحشَر؛ حيث الحساب والجزاء.   والقبور جمع كثرة على وزن فُعُول، وما أكثر قبور البشر المُنتشِرة على مرمى البصر، فكل قبر سيَلفِظ كل ما فيه، وكل أرض ستُخرِج مَخبوءها.   ﴿ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾: بناء الفعل لما لم يُسَمَّ فاعله كناية عن موصوف، هو الله - جل جلاله - القادر على تحصيل وجمع ما في الصدور، واستعمال (ما) يدل على جمع كل ما حدَث على مدى تاريخ الإنسان؛ فإنه يُحصَد حَصدًا، ويُجمَع جمعًا، والصدور مجاز مُرسل علاقته المحلية؛ حيث أَطلق المحلَّ، وأراد الحالَّ فيه، وهو القلب، فالمقصود: حُصِّل ما في القلوب التي هي وِعَاء الأحداث، ومكمن كل شيء في الإنسان، وجمع ﴿ الصُّدُورِ ﴾ دليل على كثرتها، و(أل) فيها جنسية؛ أي: جِنس صدور البشر، وفيه كذلك كناية عن طلاقَة القدرة الإلهية، والهَيمنة الكاملة على مُجرَيات الكون، و(من) و(ما) فيه، وفي كل مِن ﴿ الْقُبُورِ ﴾ و﴿ الصُّدُورِ ﴾ جناس غير تامٍّ، وحرف التَّكرار يُبيِّن ما وراءه مِن ظل المعنى، في أن ذلك الجمع سيتكرَّر، ويُخرج العمل مِن كل صدر، كما خرج الإنسان من كل قبر، بحيث لا يَبقي أحدٌ داخل القبور، ولا يظل شيءٌ مخبوءًا داخل تلك الصدور.   ﴿ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾: أسلوب توكيد؛ وذلك لانتِشال الشكِّ من قلوب الشاكِّين، ولبيان عظمة الله في عِلمه بكل صغيرة وكبيرة، وفيه كذلك أسلوب قصر بتقديم ما حقُّه التأخير؛ حيث تعلَّق شبه الجملة (بهم) بقوله: "خبير" الآتي بعدُ، وفيه إيجاز بالحذف؛ حيث حذَف جملةً كاملةً: (أي: إن ربهم بهم يوم إذ يُبَعثر ما في القبور ويُحَصَّل ما في الصدور لخبير)، و (خبير) فيها تضمين؛ لأنها بمعنى مُجَازٍ لهم على أفعالهم، و(خبير) بوزن فعيل: صفة مشبهة، تلك التي تبين أن عِلمه أزلي شامل، وجزاءه مُحيط كامل.   • وفي السورة سجْع مرصَّع في نحو: (شهيد/ شديد/ صدور/ قبور)، وهو محسِّن بديعيٌّ لفظيٌّ، وفيها الجناس غير التام في نحو: (لشهيد/ شديد/ ضبحًا/ صبحًا)، والسورة كلها كناية عن قيمة الجهاد في حياة الناس، وبيان وسائله، وبيئته، وكناية عن طبيعة الإنسان في البخل بالمال، وجحوده له، وعدم إنفاقه، وفيها تعريض بضرورة العودة إلى الله قبل الممات؛ حتى لا نتعرَّض لسوء العاقبة، وخطورة المساءلة.   نسأل الله - تعالى - أن يبصِّرنا بشرف المُجاهَدة، وجلال الجهاد في سبيله، وحُسن الاستعداد له، وأن يُبعِدنا عن حياة البخْل والباخِلين، ويقرِّبنا من جمال الإنفاق والمُنفِقين، والصدقة والمتصدِّقين، وأن يُبصِّرنا بحقيقة البعث، وصدق الإيمان باليوم الآخِر، والعمل له والخوف من الله - جل في علاه - وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين """""""""""" قراءة بلاغية في قصار السور سورة المسد (1)   قال - تعالى-: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1 - 5].   تعرض السورة لنمط من أنماط المواجهة بين الحق والباطل، وتحكي عاقبة الباطل الوخيمة، وتكشف عن انتصار الحق وأهله في نهاية المطاف، وتوعد الحق - جل جلاله - لكل مَن يقف أمام دينه ورسله ودعاته، رجالاً ونساء، بالويل والثبور، والتَّباب والهلاك.   • فتبدأ الآيات بهذا الدعاء المشفوع بالخبر، الدعاء على الصادِّ عن سبيل الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾، والخبر: ﴿ وَتَبَّ ﴾، والتبُّ في اللغة هو الانقطاع والخسران والهلاك، يقال في الدعاء: تبت يده، وتبًّا له، وتحمل المادة اللغوية معنى الضعف والشيخوخة إلى جوار الهلاك والدمار، والخسارة الكاملة، وهنا مجاز عقلي علاقته السببية؛ لأن اليد سبب في كل خير أو في كل شر.   وقد يكون مجازًا مرسلاً علاقته الجزئية؛ حيث أطلق اليد، وأراد كل الجسد؛ لأنه إذا هلكت اليد التي هي سبب الفعل، فقد هلك صاحبها، وفيها كناية كذلك عن صفة هي الهلاك والخسران والضياع.   كما أن فيها استعارة مكنية؛ حيث شبه اليد بإنسان يَخسر ويهلك، وحذف المشبه به، ودل عليه بشيء من لوازمه، وهو التب والخسارة والهلاك.   وفيها كناية كذلك عن صفة هي محبة الله - سبحانه - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - حيث سارع بالدفاع عنه، وذلك عند ما صَعِد الرسول - عليه الصلاة والسلام - على الجبل وقال : ((يا صباحاه))، فاجتمعت قريش، فقال: ((أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبِّحُكم أو ممسيكم، أكنتم تصدقوني؟))، قالوا: نعم، قال: ((فإني نذير بين يدي عذاب شديد))، فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبًَّا لك؛ فأنزل الله: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾.   وحذفت نون المثنى ﴿ يَدَا ﴾ للإضافة، فهي يداه التي آذى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان كثير البغض له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه، وفي قوله: ﴿ أَبِي لَهَبٍ ﴾ كنايتان: الأولى: كناية عن موصوف، وهو عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - واسمه عبدالعزى بن عبدالمطلب، وكنيته أبو عتبة.   والثانية: كناية عن صفة هي التهاب وجهه من الاحمرار والإشراق، وكان رجلاً وضيئًا، أحول العين ذا غديرتين.   • وقوله: ﴿ وَتَبَّ ﴾؛ أي: وقد هلك، وتحقق خسرانه وهلاكه بالفعل؛ فهي كناية عن صفة هي القصاص، وحصول ما يشفي الغليل؛ لأنه فعل ماضٍ، وهي كناية توحِي بالراحة التامة، والسعادة الكاملة بالنقمة التي تقع بكل مَن يقف أمام أهل الله، وأحبابه، والدعاة إلى دينه وشرعه.   والفاعل مستتر تقديره هو، ففي الأولى دعاء عليه بهلاك يديه، وفي الثانية إخبار عن هلاكه هو نفسه هلاكًا تامًّا، والفعل الأول أُنِّث جوازًا، والثاني ذُكِّر وجوبًا.   • قوله: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾. إما أنه أسلوب استفهام؛ لإفادة حسرته وضياعه، هذا إن اعتبرنا ﴿ مَا ﴾ استفهامية؛ أي: أيُّ شيء أغنى عنه ماله؟ أو أي شيء أغنى عنه ذلك المال، إذا كانت نهايته وخيمة وعاقبته سيئة؟ ما الذي قدمه ماله وهو في هذا الهلاك والدمار؟   أو هو أسلوب نفي إن اعتبرنا ﴿ مَا ﴾ هنا نافية؛ أي: لم يُغنِه ماله، وكسبه عن ضياعه ودخوله النار، وفيه دلالة على رعاية الله - تعالى - لأنبيائه وأوليائه، بأنه لا يمكِّن أعداءه من أوليائه، ولا يترك أصفياءه؛ فتخرج ﴿ مَا ﴾ على هذا الوجه نافية، فهو أسلوب نفي، وفيه كناية عن صفة، وهي عدم نفع المال لصاحبه إذا كان الله له بالمرصاد.   واستعمال ﴿ مَا ﴾ التي تفيد العموم، له دلالته في سياقه؛ وذلك ليدخل فيه كل ما كسب أبو لهب: من مال، وعشيرة، وأهل، ونسَب، وعقار، وأراض؛ لأن الولد من كسب الرجل، و"مال" هنا اسم جنس؛ أي: جنس أمواله، وهي تعني أن المال في يد أبي لهب وحده، لم يملِّكه أحدًا، ولم يتركه لغيره، فهو له على وجه التفرد والسيطرة، وترك المفعول به في ﴿ كسب ﴾، وحذفه ولم يظهره؛ أي: "كسبه"، كما أن بناء الجملة قصير، والأفعال هي الأخرى قد اقتصرت على فواعلها تحقيرًا له، وعدم إكثار للحديث عنه، فهو لا يستأهل أن نستكثر الحديث عنه.   • وقوله: ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، هذا أسلوب توكيد، أداته السين؛ أي: إنه سيدخل النار حتمًا، وذلك الدخول مؤكد، واستعمال السين دون سوف لبيان سرعة دخوله، وعدم تأخره، وورود الفعل ﴿ يَصْلَى ﴾ بالمضارع يفيد استمرار صلائه، ودخوله النار، وعدم خروجه منها، وأن ذلك حاصل وحتم لازم، قد كتبه الله عليه، وفيه دليل على معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - الظاهرة، وهو كذلك دليل واضح على النبوة، فإن أبا لهب منذ نزل قوله - تعالى- : ﴿ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾، وعلم أنه أخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان - لم يقيضْ لهما أن يؤمنا، ولا واحد منهما، لا ظاهرًا ولا باطنًا، ولا مسرًّا، ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة، ومن أقوى الأدلة على سَعة علم الله، وكامل هيمنته على كونه، وعباده.   قراءة بلاغية في قصار السور سورة المسد (2)     قال - تعالى -: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1 - 5].   تعرضُ السورةُ لنمطٍ من أنماط المواجهة بين الحق والباطل، وتحكي عاقبةَ الباطل الوخيمة، وتكشف عن انتصارِ الحق وأهلِه في نهاية المطاف، وتوعُّدَ الحقِّ - جل جلاله - لكل من يقف أمام دِينه ورُسلِه ودُعاته - رجالاً ونساءً - بالويل والثبور، والتَّباب والهلاك.   • ونكملُ اليوم ما بدَأْناه بالأمس.   وقوله - تعالى -: ﴿ نَارًا ﴾ بالتَّنكير: إنما ورَد كذلك لبيان عِظَمها وجَسامتها وخُطورتها وكِبَرها، فهي اسمُ جنس؛ أي: نيرانًا، وقوله: ﴿ ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ صفةٌ لـ(نَارًا)، وقد وُصفت هنا بأنها صاحبةُ لَهب، والإضافة على معنى اللام، فكأنها تملِكُ اللهبَ، فهو مِلكٌ لها، لا يُفارقها، ومن ثَمَّ فهو لا يفارق أبا لهبٍ، وهناك جناسٌ بين (أبي لهب) و(نارًا ذات لهب)، وفيها مشاكلة تُحْزِن أبا لهبٍ، وتستهزئ به، وتُخبره أنَّه سيَصلى نارًا مُتأجِّجةً، كما هو مُتأجِّج وجهُه، وملتهبٌ قلبُه على الدعاة، ومَن وَهبوا أنفسهم لله، ولبيان شرعِه وجلالِ دِينِه للناس.   قوله - تعالى -: ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ ورَد التعبيرُ هنا بالاسمِ الظاهرِ، دون التعويلِ على اسمها الحقيقي، وفيه كنايةٌ عن احتقارها، بعدَمِ إيراد اسمها، على شاكلة قولِ الهدهد الذي لم يُعجِبْه سلوكُ بلقيس في هذا الموطن، فقال محتقرًا لها، منكِّرًا اسمَها، مُتحدِّثًا عنها كأنها غائبةٌ نكرة لا شأنَ لها ولا قيمةَ: ﴿ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ ﴾ [النمل: 23]، وصيغة المبالغة ﴿ حَمَّالَةَ ﴾ تُوحِي بكثرةِ أفعالها السيِّئة، وحملها المتكرِّر للأذى، والحطب كنايةٌ عن موصوف، وهو الأذى، والفتن، والتنقُّص، والازدراء، وكلُّ ما يمكن أنْ يُحتَطب، فيحتمل أنَّها تحمل الحطبَ على وجه الحقيقة، أو أنَّ الحطب سببٌ في الإشعال والإحراقِ، فهو مجازٌ مرسل علاقتُه اعتبارُ ما كان، ونصبُ حمَّالة (وهو قراءة حفص)، فعلى الذمِّ، فهي مفعول بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه أذمُّ، أو ألعنُ، أو منصوبٌ على القطع من ﴿ وَامْرَأَتُهُ ﴾، واستعمالُ صيغةِ المبالغة يدلُّ على قدر ما بذلَتْه ضد الدعوة، وما احتملَتْه من آثامٍ وذنوب كثيرة، عُبِّرَ عنه بـ(حمالة) التي هي على وزن فَعَّالة، والإضافة هنا إضافةٌ لفظيَّة، وعلى الرفع في ﴿ حَمَّالَةَ ﴾ تكون ﴿ حَمَّالَةَ ﴾ خبرًا لامرأته؛ أي: إنها امرأةٌ سيِّئة تحملُ الشرَّ للناس، والحطبُ رمزُ الفتنة، والفتنة أشد من القتل.   قوله - تعالى -: ﴿ فِي جِيدِهَا ﴾ فيه مجازٌ مرسَل علاقته الجزئيَّة؛ حيث أَطلق الجزء (الجيد)، وأراد الكلَّ، أي: النفسَ كلَّها؛ والجِيدُ للمرأة رمزُ جمالها وأنوثتها، وهي تتدلَّلُ به لابسةً فيه ما يجذبُ الرجال إليها، وهو مَثارُ إعجابٍ وفخارٍ بالنسبة لها، واستعمالُ الحرف ﴿ فِي ﴾ يدلُّ على استغراق الحبل في كلِّ عُنقها، لم يَترُك صغيرة ولا كبيرة إلا ولفَّها، ودار حولها حارقًا إيَّاها، مفتِّتًا لها، كما أنَّ هناك أسلوبَ قصرٍ، بتقديم ما حقُّه التأخير: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾، فقدَّم الخبر﴿ فِي جِيدِهَا ﴾ على المبتدأ ﴿ حَبْلٌ ﴾؛ ليُبرز - بجلاء وسرعة - عن مَكان وجود الحبل الملتفِّ من النار، أو الليف الحار، وتنكير ﴿ حَبْلٌ ﴾ لبَيان كِبَره، ومَتانة فتله، وعِظَمه، وضَخامته، فهو تنكيرٌ للتعظيم، ثم وُصِفَ بأنَّه من مسدٍ، قال بعض أهل العلم: في عنقها حبلٌ من نار جهنم، تُرفَع به إلى شَفِيرها، ثم يُرْمى بها إلى أسفلها، ثم يتتابَعُ ذلك دائمًا، وربما كان وَجْهُ هذا القول: ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ ﴾ على أنَّه جملة اسميَّة استئنافيَّة، أو على أنه جملة وقعت خبرًا عن (امرأته)؛ فقد أخبر عنها بهذه الجملة ذات التقديم والتأخير، وفيه كنايةٌ عن العاقبة السيِّئة لكل من سوَّلت له نفسُه إيذاءَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو أحدٍ من الدعاة، كما أنَّ فيها تطمينًا لكلِّ داعيةٍ أنَّ اللهَ معه، ولا يتركه، بل هو من وَرائه يُؤيِّده، ويقوِّيه، ويُعينه، ويرعاه، وكنايةٌ عن صفة هي إدخال السكينة والهدوء على أفئدة الدعاة؛ ليستمرُّوا في دعوتهم، واثقين من معية الله، ورعايته لمسيرتهم وطريقهم.   والسورة كلُّها تأييدٌ لرسول الله بوصفه الداعيةَ الأولَ، ولكلِّ مَن يسير على نهجه؛ لأنه مُقْتدٍ به، مُؤْتَسٍ بسيرته؛ فالقارئ لهذه السورة يَشعُر بالراحة والسكينة، خُصوصًا إذا كان داعيةً، قد حَمَلَ هَمَّ دعوتِه في صدره، ومشى بها، وعاش لها، ونذر أنفاسه لنشرها، والذودِ عنها، كما أنَّ فيها تَشفِّيًا بنهاية الظالمين، وعاقبة الفاسقين، إنَّه الخسران المبين، والبَوار التامُّ لكلِّ من عاند الله، وآذى رسوله، أو أحدًا من أوليائه، وهو يذكرنا بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن ربِّه: ((من عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرب))، نسأل الله - تعالى - أن يمكِّن لعباده، ولدينه ولأوليائه، وأن يكتب لهم التوفيق، والسداد، والتمكين، والثبات، وأن يخذلَ كلَّ من خذل الدين، وصدَّ عن سبيل الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. """""""""""""""""""""" قراءة بلاغية في سورة الماعون (1)   سـورة الماعـون (1) قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 1 - 7].   سورة الماعون سورةٌ مكيَّة، انتَظَمتِ التَّنبيه على أمراضٍ اجتماعيَّة خطيرة، كثيرًا ما تحدُث ولا يتنبَّه الناس إليها، وقد تضمَّنت الحديث عن صِنفَيْن موجودَيْن في المجتمع الإنساني: المكذِّبين بالدِّين، والمرائين بأعْمالهم، والاثنان محلُّ مَذمَّةٍ، وموطن مَنقَصة، يلزَمُ المسلمَ غير المكذِّب بالدِّين الابتِعادُ عنهما، ولا بُدَّ من أنْ يتَخفَّف المجتمعُ المسلم بأسْره من هذين النَّمَطَيْن المخذِّلَيْن، والفريقين الساقطين، غير أنهما مصدرَا التخلُّف والرَّجعيَّة.   بدأت السورة الكريمة بأسلوب الاستفهام الذي أداته الهمزة: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾، فهو إنشاءٌ غرَضُه التعجُّب والتشويق لمعرفة هذا المكذِّب بالدِّين، الجاحد بتعاليمه؛ أي: أجاءك مَن كذَّب الدِّين؟ وهل عرفت سُلوكيَّاته؟ هل أدرَكت صِفاته وأوْصافه؟ والعجَب في الجواب الذي لم يكنْ أحدٌ يتوقَّعه، فالمتوقَّع أنْ يُقال: الذي يُكذِّب بالدِّين هو الكافر الجاحد لوجود الله، المكابر عن الاعتِقاد الصحيح، الذي لا يُؤمِنُ بإلهٍ، ولا يقتَدِي برسولٍ، ولا يُصلِّي، ولا يصومُ، ولا يُزكِّي، ولا يحجُّ، ولكنْ جاء الجوابُ مفاجئًا بأنَّه ذلك الذي يُؤمِنُ بالله ورسوله، ولكنَّه يرتكبُ آثامًا اجتماعيَّة من دَعِّ اليتيم؛ أي: من دفعه بعُنْفٍ وشدَّة، وصَلَفٍ وقَسْوةٍ، وعدم الحضِّ على طَعام المسكين، والتغافُل عن الصلاة والسَّهو عنها، والمراءاة بالعمَل؛ انتظارًا لثَناء الناس، ومنْع الخيرِ والعَوْنِ عنهم، وكلُّها أمورٌ في الظاهر لا عَلاقةَ لها بقضيَّة الإيمان، ولكنْ عند التحقيق نرى أنها من أعمدة الإيمان، ورَكائز الإسلام وأساسيَّاته؛ بدليل أنَّ المضيِّع لها وُصِفَ في مَطلَعِها بأنَّه مُكذِّب بالدِّين.   والتعبير بـ(الذي) دُون ذِكر اسمه يأتي إمعانًا في احتقاره، كأنَّه غائبٌ مُبهَم لا وزْن له ولا قيمة، واستِخدام المضارع (يكذب) يُوحِي بأنَّ ذلك دَيْدَنُه وسُلوكُه، فشأنه التكذيب، ينتقلُ من تكذيبٍ إلى تكذيبٍ، ومن صَدٍّ إلى صَدٍّ، ثم إنَّ الفعل (يُكذِّب) متعدٍّ (نقول: كذبني زيد، وكذب فلان فلانًا)، أمَّا هنا فعُدِلَ عن التعدِّي إلى اللُّزوم، فهو يُكذِّب بالدِّين، ولا يُكذِّب الدِّين؛ حيث إنَّه انتقل من مرحلة تكذيب الدِّين إلى الصَّدِّ عنه، والتنفير منه، ودعاء الناس إلى عدَم اتِّباعه، والابتعاد عن أتْباعه، فقد أمسى داعيةً ولكنْ على أبواب جهنَّم، يَسْخَرُ من الدِّين، ومن دُعاته، ومن أوليائه، فلا يفتأ ينتقصُ منهم، ومن سُلوكهم، ومن دَعوتهم، ومن قيم الإسلام وتعاليم القُرآن.   والجواب المفاجئ غير المتوقَّع: ﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾، الفاء هي الفصيحة؛ أي: إنْ أردت أنْ تقفَ على ذلك وتعرفَه، فهو الشَّخصُ الذي يُكذِّب بالدِّين، فهنا إيجازٌ بالحذف في جملة الشَّرط، استعجالاً لبيانه وتمييزه للناس، فيعرفونه، ويتجنَّبون فِعاله وصِفاته.   والإشارة إليه بـ(فذلك) بيانٌ لوُضوحه واشمِئزاز الناس منه وانتباذه، بحيث أمسى مَعزُولاً مُنفَرِدًا في حَياته بعيدًا عن الناس، والتعبير بـ(الذي) فيه تأكيدٌ لذلك وترشيحٌ، والمضارع "يدعُّ" بمعنى يدفعُ دفعًا شديدًا بعُنفٍ، وهو كنايةٌ عن صفةٍ، هي قسْوة القَلب وانعِدام الرَّأفة، والمضارع يُوضِّح أنَّ ذلك قد صارَ شأنًا له، ووصفًا يُعلَمُ به، وعملاً دائمًا يرتسمُ على وجهه، ويتَّضح على سُلوكه، و(أل) في ﴿ اليتيم ﴾ عهديَّة؛ أي: اليتيم المعهود يُتمه شرعًا، أو أنها جنسيَّة، فهو يدعُّ جنسَ اليتيم: طفلاً أو صبيًّا، أو يافعًا أو شابًّا، وهي تُؤكِّد قَساوةَ القلب، وافتقاده الرحمة التي يتمتَّع بها الأسوياء تجاه اليتامى، فهو بدل أنْ يمسَح رأس اليتيم، ويُطيِّب خاطره، إذ به يدفَعُه دفعًا حتى يرتطم بجدارٍ أو حائطٍ، أو يدفعه بعُنْفٍ، فيسقُط على الأرض قد مسَح وجهَه بها فتعفَّر، وسال دمُه وبُكاؤه، فهو منظرٌ غاية في القسوة، ولعلَّ التعبيرَ بالجملةِ الاسميَّة هنا يُرشِّح ثُبوتَ تلك الصِّفة في هذا الشَّخص القاسي الذي نفَى عنه القُرآن وصْف الإيمان، وألصَق به إلى غير عودة وصْف التكذيب والجحود بالدِّين وتعاليمه ورقَّته.   قراءة بلاغية في قصار السور سورة الماعون (2)   قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 1 - 7].   سورة الماعون سورةٌ مكيَّة، انتَظَمتِ التَّنبيه على أمراضٍ اجتماعيَّة خطيرة، كثيرًا ما تحدُث ولا يتنبَّه الناس إليها، وقد تضمَّنت الحديث عن صِنفَيْن موجودَيْن في المجتمع الإنساني: المكذِّبين بالدِّين، والمرائين بأعْمالهم، والاثنان محلُّ مَذمَّةٍ، وموطن مَنقَصة، يلزَمُ المسلمَ غير المكذِّب بالدِّين الابتِعادُ عنهما، ولا بُدَّ من أنْ يتَخفَّف المجتمعُ المسلم بأسْره من هذين النَّمَطَيْن المخذِّلَيْن، والفريقين الساقطين، غير أنهما مصدرَا التخلُّف والرَّجعيَّة.   ونتابع ما بدَأْناه أمس.   ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾: أسلوب نفي، وهو كنايةٌ عن صفة، هي البُخل الشديد حتى في الكلمة؛ ولذلك يقول أبو حيان في تفسيره "البحر المحيط": "وفي قوله: ﴿ ولا يَحُضُّ ﴾ إشارة إلى أنَّه هو نفسه لا يطعم إذا قدر، هذا من باب الأَوْلَى؛ لأنَّه إذا لم يحضَّ غيره بخلاً، فلأنْ يترُك هو ذلك فعلاً أَوْلَى وأحْرى".   وقال الرازي: "فإن قيل: لم قال: ﴿ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾، ولم يقل: (ولا يطعم المسكين)؟   فالجواب أنَّه إذا منَع اليتيمَ حقَّه، فكيف يطعم المسكين من مال نفسِه؟! بل هو بخيلٌ من مال غيره، وهذا هو النهاية في الخسَّة، ويدلُّ على نهاية بُخلِه، وقَساوة قلبه، وخَساسة طبعِه".   فالآية كنايةٌ عن خِسَّةِ الطَّبع، وقَساوة القلب، وتَشِي بدَيْمومة تلك الصِّفات الذَّميمة، والأمراض الاجتماعيَّة الساقطة الدَّنيئة؛ إذ إنَّ النَّفس السويَّة إنْ لم تجدْ ما تطعم به بالفعل، فإنها تحثُّ غيرها على الفعل ممَّن لديه وُسعٌ ووجدٌ.   ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ عطف هنا بيانًا لسوء العاقبة ووخم النِّهاية، و(ويل) ورَد مُنكَّرًا لبيان خُطورته وشدَّة عِقابه، والتعبيرُ هنا ورد على صورة الجملة الاسميَّة؛ ليفيد الثَّبات في المعنى والاستمرار عليه، وقد استُعمِلت اللام في (للمصلين) التي تفيدُ الملكيَّة، وكأنَّ الويل أمسى ملكًا لهم لا يُفارِقونه، ولا منه يخرُجون، مع أنهم في الأصل مُصلُّون، واللهَ يُوحِّدون، وإلى المساجد مع الناس يذهَبُون، غير أنهم لكلِّ ذلك رياءً وسمعةً يفعَلُون، ولالتِماس ثناءِ الناس ومَدْحِهم وحَمْدِهم يعمَلُون ويرغَبُون.   ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾: صلة الموصول هنا جملةٌ اسميَّة، تعني أنَّ الغَفلة عن الصَّلاة أصبَحتْ من سُلوكيَّاتهم وأوصافهم، صحيحٌ أنهم يُصلُّون في النهاية، ولكنَّهم يغفلون عنها، ويُؤخِّرونها عن أوقاتها تهاوُنًا بها، واستِصغارًا لشأنها، وعدَم تعويلٍ على مَقاصِدها وأهدافها، أو لا يُتِمُّون رُكوعَها ولا سُجودَها، وليس في بالهم أهميَّةٌ لصلاة، ولا في قَلبِهم قداسةٌ لعِبادة.   واستعمالُ (عن) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الحديث عن المنافقين وليس عن أهل الإيمان؛ ولذلك قال بعض السَّلَفِ: "الحمد لله الذي قال: ﴿ عَنْ صَلَاتِهِمْ ﴾، ولم يقلْ: (في صلاتهم)؛ لأنه لو قال: (في صلاتهم) لكانت في المؤمنين، والمؤمن قد يسهو في صَلاته، لكنَّه لا يسهو عن صَلاته، والفَرْقُ بين السَّهوَيْن واضحٌ، فسهوُ المنافق سهوُ تركٍ وقلَّة التفاتٍ إليها أو اعتناءٍ بها، فهو لا يتذكَّرها إلا قليلاً، ويكون مشغولاً بالحياة عنها، وبأعماله التي رَبَتْ عندَه على طاعة ربِّه، فهو يضيعُ الصلاة؛ لأنها ليسَتْ لدَيْه ذات قيمةٍ، فهو في نهاية يومِه ينقُرها نَقْرَ الغُراب، هذا إذا تذكَّرها، أمَّا المؤمن، فهو يعتَنِي بها وبمقدِّماتها، فإذا سها في صلاتِه تدارَكَها في الحال، وجبر ذلك بسُجود السهو، والدعاء، ورَجاء القبول، لكنَّه على كلِّ حالٍ بذَل فيها جُهدًا مخلصًا، وكان ذِهنُه حاضرًا، وقلبُه يَقِظًا، وإحساسه بالصلاة راقيًا.   كما أنَّ في الآية ما يدلُّ على سعَة رحمة الله الذي استثنى مَن يسهو فيها بأنهَّ في منجى من الوَيْل والثُّبور، أمَّا مَن يسهو عنها وهي دبر أذُنِه لا قيد ناظريه، فقد استحقَّ الوَيْلَ، وصاحَبَه الوَيْلُ والثُّبور.   قراءة بلاغية في قصار السور سورة الماعون (3)   قال تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 1 - 7].   سورة الماعون سورةٌ مكيَّة، انتَظَمتِ التَّنبيه على أمراضٍ اجتماعيَّة خطيرة، كثيرًا ما تحدُث ولا يتنبَّه الناس إليها، وقد تضمَّنت الحديث عن صِنفَيْن موجودَيْن في المجتمع الإنساني: المكذِّبين بالدِّين، والمرائين بأعْمالهم، والاثنان محلُّ مَذمَّةٍ، وموطن مَنقَصة، يلزَمُ المسلمَ غير المكذِّب بالدِّين الابتِعادُ عنهما، ولا بُدَّ من أنْ يتَخفَّف المجتمعُ المسلم بأسْره من هذين النَّمَطَيْن المخذِّلَيْن، والفريقين الساقطين، غير أنهما مصدرَا التخلُّف والرَّجعيَّة. ونُكمِلُ اليومَ بقيَّة السورة الكريمة.   ♦ ﴿ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ ﴾ وردت الصلة جملةً اسميَّة؛ لبَيان أنَّ ذلك صار سُلوكًا له، دَأَبَ ودرَج علَيْه، فالمراءاة عندهم أصلٌ يتنقَّلون من رياءٍ إلى رياء؛ ومن ثَمَّ فلا إخلاصَ عندهم ولا إخبات، ولا خُشوع ولا خُضوع، وفي الآية إيجازٌ بالحذف؛ حيث حذف المفعول به لتذهَبَ النفس في تَصوُّره كلَّ مذهبٍ، فهم يُراؤُون كلَّ ما يمكن أنْ يُرَاءى: صغيرًا أم كبيرًا، عالمًا أو جاهلاً، ذكرًا أم أنثى، فهم في أعمالهم مُتخشِّعون لا خاشعون، وفي زُهدِهم المزعوم مُتزهِّدون لا زاهدون، يتصدَّقون؛ ليقول الناس: إنهم مِعطاؤون، كُرَماء سخَّاؤون، والمضارع ﴿ يراؤون ﴾ الذي يفيدُ الاستمرار يفضَحُهم بالغُدوِّ والرَّواح، في مَسائهم والصَّباح، في الحلِّ والترحال، وهكذا سائر الأعمال.   ♦ ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾: جملةٌ فعليَّة بدَأتْ بالفِعل المضارع الذي يفيدُ الاستمرارَ بالمنع، فهم يتنقَّلون من منْع إلى منْع، ومن حِرمان لخيرهم عن الناس إلى حِرمان، ويمضون من بُخْلٍ إلى بُخْلٍ، وهم في ذلك على أفجَرِ قلب رجلٍ واحد، والماعون الشيء القليل من المعْن، وهو القلَّة، تقول العرب: "ما له مَعنَة، ولا سَعنَة"؛ أي: ما له قليلٌ ولا كثيرٌ من المال، قال المبرِّد والزجاج: "الماعون كلُّ ما فيه مَنفعَةٌ؛ كالفَأس والقِدر والدَّلو، وغير ذلك ممَّا يَنتفِعُ به الناس".   فالماعون كنايةٌ عن صفةٍ، هي بُخلُهم، وانحِصارُ خيرِهم، ومنْع الناس مَنافِعَ ما عندهم، وفي الآية زجرٌ عن البُخل بهذه الأشياء القليلة، فالبُخل بها علامةُ نهايةِ الشحِّ، وبُلوغ النفس قمَّةَ الانحِطاط والخسَّة، وذلك مُخِلٌّ بالمروءة، مُسْقِطٌ لها، كما أنَّ في ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ جناسًا غيرَ تامٍّ، يتناسبُ مع عدَمِ تمام أخْلاقهم، ونُقصان آدَميَّتهم، وانحِطاط إنسانيَّتهم، ولعلَّ الأنينَ الحاصِلَ من السَّجع المتكرِّر في (النون) ما ينهضُ لكشفِ انطِباع الناس حولهم، ورأيهم فيه.   نسأل الله تعالى أنْ يُبصِّرنا بكَمال الإسلام، وجَلال الإيمان، وسموِّ الأخلاق الحسَنَة؛ حتى نبتعدَ عن دَعِّ اليتيم، ونلتزمَ الحضَّ على إطعام المسكين، ونُسارِع بالحِفاظ على أداء الصَّلوات في مَواقِيتها بتَمامها وكَمالها، وأنَّ يَرزُقَنا الإخلاصَ وعدم الرياء، وأنْ نُعِين الناسَ كلَّ الناس بكلِّ ما نملك، وألاَّ نبخل أو نكتُم أيَّ معونةٍ عن أحدٍ، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمدُ لله ربِّ العالمين.   ::::::::::::::::: قراءة بلاغية في قصار السور   سورة الهمزة (1 - 2)     سورةُ الهمزة سورة مكية، آياتها تسع، عالجت جملةً من الأمراض الاجتماعية القاتلة؛ كإعابة النَّاس وسَبِّهم، والخوض في أعراضِهم، والطعن فيهم، وازدرائهم، والتنقصِ منهم، والسخرية بهم، والاستهزاء باللِّسان، أو بحركةِ العيون، أو إشارة اليد، وكذلك جماع الأموال الذين لا يؤدون حقَّ الله فيه، واكتناز الثروات، والإعجاب بذلك، حتى وصولهم إلى أنَّ المالَ سيخلدهم ويعطيهم فوق ما يُعطاه الناس، وبينت كذلك عاقبةَ هؤلاء جميعًا، وهي التحطيم في نارِ جهنَّم التي ستوصدُ عليهم، ويوثقون في أعمدتِها، فلا ينفذ إليهم بصيصٌ من روح أو أملٍ في خروج.       • بدأتِ السورةُ بجملةٍ اسمية نكِّر فيه المبتدأ، تضمنت الوعيدَ الشديد والعذابَ الأكيد لكلِّ من ينتقصُ من أقدار الناس: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1]؛ بتنكير ﴿ وَيْلٌ ﴾ المفيد لشدتِه وخطورته، وهلاكه ودماره، والهُمَزَة فُعَلَة: الذي يدلُّ على الاعتيادِ والمبالغة، وكأنَّ ذلك الهمزة واللمزة قد صار ديدنًا له وعادة وسلوكًا، على شاكلةِ: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 11].  
      صحيحٌ أنَّها نزلت في الأخنس بن شريق، الذي كان كثيرَ الوقيعة في النَّاس همزًا ولمزًا وسبًّا وسخرية، يلمزهم في الغدوةِ والروحة، مقبلين ومدبرين، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصِ السَّبب، قالوا: الهُمزة الذي يغتاب الرجلَ في وجهه، واللمزة الذي يغتابُ الرَّجلَ من خلفِه، أو الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء لفظه، واللمزة الذي يكسر عينَه على جليسه، ويشير بيده أو برأسه أو بحاجبِه سخرية وانتقاصًا، فقد ورد وصفٌ خاص باللسان وهو الهمز "يعيبهم بلسانِه وينالُ منهم بلفظِه السَّاقط"، ووصف خاص بالعينين وحركة الحاجب، فاستعمال وزن فُعَلَة يدلُّ على أنَّ ذلك قد أمسى عادةً له يتصف بها وهو عنوان له، مثل اللعنةِ والضحكة، وهو نازل ومنطبق في كلِّ من يباشِرُ ذلك العمل القبيح، وهو في الوقتِ نفسه يجري مجرى التعرض بالوارد فيه، فإنَّ ذلك أزجر له وأنكر.       وبين الهمزةِ واللمزة جناسٌ غير تام، يحكي ما وراءه من اللعبِ باللفظ وتمايل الجسد، وتتابع حركاتِ العين والحاجب، ولي اللِّسانِ لإضحاك النَّاس من أثرِ التنقص والسخرية.       • ﴿ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ [الهمزة: 2]:   ﴿ الَّذِي ﴾: اسمٌ موصول للغائبِ احتقارًا له، وكأنه لا قدرَ له ولا قيمة، فهو غائبٌ عن السُّلوكِ الحسن، ودماثة الأخلاق.     وقوله: ﴿ جَمَعَ مَالًا ﴾: قرئتْ بالتشديد ﴿ جَمَّعَ ﴾ على شاكلةِ ما بعدها ﴿ عَدَّدَهُ ﴾، وقُرئ ما بعدها بالتخفيف ليشاكل ﴿ جَمَعَ ﴾، فجمَعَ بالتخفيفِ في الميم يصلح للقليلِ والكثير، وتنكير ﴿ مَالًا ﴾ ليدلَّ على شمولِ المال، ويبرز حيرة جامع المال، وتتصور جمعه من هنا ومن هنا، على اختلافِ نوعه ومصدره.       ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ بتشديدِ الدال للمبالغة والتكثير، فهو كثيرُ التعداد والنظر فيه مرةً بعد أخرى، صباحًا ومساءً، ظهرًا وعصرًا، فهو إبانة عن كثرةِ المال، والحيرة والانشغال به، وقد يُشارُ بالمالِ إلى قومه وأنصاره من قولهم: فلان ذو عَدَدٍ وعُدَد؛ إذا كان له عددٌ وافر من الأنصارِ والأهل، وتعدادُ المال كناية عن البخلِ، ومنعه عن مستحقيه، وعدم إنفاقه في وجوهِه الصحيحة.       وقد أشار الطبري إلى أنَّ جمعَه يعني عدم إنفاقه في سبيلِ الله، وعدم تأدية حقِّ الله فيه، إنما يقتصرُ على حفظه ورعايته ليزداد، وفيها كذلك كناية عن الحرصِ وتعب القلب، وإتعاب الجسد والفكر وإجهاد الذهن في الصفقات؛ ربحًا وخسارة، وذهابًا وانتقالاً، وكأنه بهذه الآيةِ يبرزُ السَّببَ في هذا الهمز، وذاك اللمز، فصلتُها بما قبلها وعلاقتها أنها جملةٌ سببية وعلاقة أجليَّة، وكأنَّ إعجابَه بما جمع من مالٍ كثير متنوع في عقارات وشركات ومؤسسات وأعمال ضخام، أوصلَهُ إلى أنه أمسى صاحبَ فضلٍ على النَّاس، وكلمةٍ مسموعة، يسيِّرهم بمالِه، فهم بين يديه خدم، يسمعون ولا يتكلمون، وينفذون ولا يعترضون، فهو لأجلِ ماله يستقصر غيره هامزًا لامزًا، قد غدا شأنه التنقص والاحتقار، ودأبه الازدراء والاستصغار، وحياته السخرية والتعالي.     • ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ [الهمزة: 3]:   جملةٌ فعلية ذات فعل مضارع يفيدُ الظَّنَّ والشك، فهو ذو تفكيرٍ خاطئ ونظرة مريضة، ولا يمتلكُ المعاييرَ الصحيحة لفنِّ التعامل، حيث أعماه المال، حتى غيَّر ضوابطَ الحياةِ وسنن الوجود في أنَّ المال زينة، وليس قيمة يُحتكمُ إليها، فهو كناية عن ضيقِ أُفقِه، واعوجاج فهمه، وانحدار عقله، وعدم امتلاكه لسلامةِ الرأي، وفيه كنايةٌ كذلك عن صفةٍ هي جهله وغفلته، وفي المال استعارةٌ مكنية؛ حيث شبهه بإنسانٍ يمكن أن يجعلَه في مأْمنٍ من الموت، ويكتب له الخلود، لكن ذلك خرج مخرجَ الشك والظن، إمعانًا في بيان قلة فهمه، وانعدام عقل :::::::::::::::::::::::::::::   قراءة بلاغية في قصار السور     سورة الكافرون   قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 1 - 6].       هي سورةٌ مكيَّة، آياتها ستٌّ، وتُعَدُّ سورة التوحيد والبراءة من الشِّرك والغِوايةِ والضَّلال؛ فقد طلَبتْ قريش من الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ يَعبُدَ آلهتَهم سنةً، ويَعبُدوا إلَهَه سنةً، فقال: معاذ الله أن نُشرِك بالله شيئًا، فقالوا: فاستَلِمْ بعض آلهتنا نُصدِّقك ونعبُد إلَهَك، فنزلت السُّورة، فغَدَا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى المسجد الحرام، وفيه الملأُ من قريش، فقامَ على رُؤوسِهم، فقرَأَها عليهم، فأيسوا منه، وآذوه، وآذوا أصحابَه، كما يَذكُر الألوسي في "روح المعاني"، والقُرطبي في "جامعه".       قوله: ﴿ قُلْ ﴾ هو أسلوب إنشائي، نوعُه أمرٌ، غرضه النُّصح والتَّوجيه، وفيه كنايةٌ عن صفةٍ هي الجرأة في الحق، ووجوب الإعلان عنه، والتصريح به، كما أنَّ فيه كنايةً عن صفةٍ هي صِدقُ الرَّسول فيما بلَّغ، وعدم كِتمانه شيئًا ممَّا أُمِرَ به، كما أنَّ فيها صَدْعًا بالحق، وعدم خِزي منه أو استِهانةٍ به، وفيه كذلك تعليمٌ للصَّفِّ المؤمن أنْ يقولَ الحقَّ، لا يَخشَى في الله لَوْمَةَ لائم، وأنْ يجعَلَه ديدَنَه في الحياة، يَنشُرُه ويَذُود عنه، ويموتُ في سبيله؛ لكَوْنه الأحقَّ بالحياة والحُكم والبَقاءِ.       ﴿ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ ﴾: هذا أسلوبٌ إنشائيٌّ، نوعه نداء، غرَضُه البَراءة من الكُفر وأهله، وفيه كنايةٌ عن صفةٍ هي أنَّه محروسٌ بالله، مَحُوطٌ بعَوْنِه، مشتملٌ على رِعايته، فينطقُ بالحق، لا يَخافُ من الباطل وأهله، والوُضوح سمةُ الداعية، وعِند احتِدام الأمر لا محلَّ للخَلط وحديث النِّفاق، وإنما لا بُدَّ من وُجود حُدودٍ فاصلةٍ، فمع أنهم سيغضَبُون من نسبة الكُفر إليهم، لكنَّه صَدَعَ به على ملأٍ منهم، وفي وُجود الخلق في المسجد الحرام، وفيه دليلٌ على أنَّه مأمورٌ بذلك من عِند الله، كما أنَّ في هذا النِّداء كنايةً عن صفةٍ هي عدم الخوف منهم، أو المبالاة بهم، وبطَواغِيتهم، وهكذا أهلُ الصِّدق ثابتو الجنان، مُطمئنُّو القلب؛ بسبَبِ رعاية الربِّ سبحانه، كما أنَّ الخِطاب بهذا النِّداء إنما ورَد للتَّشنيع والتَّوبيخ على أهل مكَّة، واسم الفاعل (الكافرون) يحمِلُ الفعل ومَن قام به، وفيه النيَّة المبيَّتة للفعل، أو أنَّ "أل" موصولة، وهذا يعني أنهم كفَرُوا، واتَّخذوا الكفر مَنهَجًا وطَريقًا؛ ومن ثَمَّ وجبت البراءة منهم.       ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾: (لا) تنفي الحال، فأنا لا أعبد إلهكم في الحال كما تطلبون إليَّ، فهي كنايةٌ عن صفةٍ هي التوحيد، والتبرُّؤ من عِبادة الأوثان والأصنام، وهي إلَهُهم الباطل، واستعمالُ المضارع المنفيِّ يفيدُ كمالَ البراءة واستِمرار الوَلاء لله، والتخلُّص من كلِّ شَوائب الشِّرك، وفيه كنايةٌ عن المسؤوليَّة الفرديَّة، فالهمزة في (أَعْبُدُ) تُبيِّن ضَرُورةَ تبرُّؤ كلِّ إنسانٍ من عَقائد الوثنيَّة، كما أنَّ استعمالَ (ما) في المعبود - وهي الدالَّة على غير العاقل - تُبرِزُ عدمَ اعتِرافِه به، أو إقراره بألوهيَّته، فهو في إطار ما لا يَعقِل، ومن ثَمَّ فلا حقَّ له في الألوهيَّة، كما أنَّ فيها خَلْعَ صِفات الإله من سمعٍ وحسٍّ وعقل واتِّزان، فهو أشبَهُ بِجَمادٍ عُبِّرَ عنه بـ(ما) الموضوعة لغير العاقل.       و﴿ تَعْبُدُونَ ﴾: تدلُّ على دَيْمُومة عبادتهم له، واستمرار دُعائهم إيَّاه، مع أنَّه صنمٌ ووثنٌ، لا يعقلُ ولا حيلةَ له، ولا ينفع نفسَه فضلاً عن تقديم أيِّ لونٍ من النَّفع لسِواه، وفي الآية كناية سلب (لاَ أَعْبُدُ - تَعْبُدُونَ)، والضدُّ يُظهِر حُسنَه الضدُّ، نفي وإثبات لمادَّة لُغويَّة واحدة (عبد)، وفيها مقارنةٌ بين حَياتهم المتدنِّية، وعقيدتهم الفاسدة، وحياته السامية، وعقيدته الصحيحة، وبضدِّها تتميَّز الأشياء، إنها حياة الطُّهر والعَفاف والنُّور، وفي مقابل حياة الفُسوق والخنا والظُّلمات.       ﴿ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾: تأكيد وترشيح إلى أنَّ عُقولهم لا تصلُ إلى العبادة الحقيقيَّة والعقيدة الصحيحة الراسخة؛ فهو يعبُدُ الإلهَ الحقَّ، وهو الله ربُّ العالمين، الحقيق بالسجود والأولى بالطاعة، وهم يَعبُدون أحجارًا وأشجارًا وأوثانًا لا تستحقُّ أنْ تُسمَّى معبودًا، فضلاً عن عِبادتها، وشتَّان ما بين عبادة الرحمن وعبادة الأوثان، والجملة الاسميَّة تفيدُ الثُّبوت والاستِمرار، كما أنَّ الفِعل المضارع (أَعْبُدُ) يُوحِي بسَلامة العلاقة، وحُسن الاتِّصال، ودَوام العبادة وصِدق الطاعة.   قراءة بلاغية في قصار السور سورة الكافرون (2)   قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [الكافرون: 1 - 6].   هي سورة مكيَّة آياتها ستٌّ، وتعدُّ سورة التوحيد والبراءة من الشِّرك والغواية والضَّلال، فقد طلبت قريش من الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ يعبُدَ آلهتهم سنةً، ويعبدوا إلهه سنةً، فقال: ((مَعاذ الله أنْ نُشرِكَ بالله شيئًا))، فقالوا: فاستَلِمْ بعضَ آلهتنا نُصدِّقك ونعبُد إلهك، فنزَلتِ السورة، فغدا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى المسجد الحرام، وفيه الملأ من قُريش، فقام على رُؤوسِهم، فقرَأَها عليهم، فأيسوا منه، وآذوه، وآذوا أصحابه، كما يَذكُرالألوسي في "روح المعاني"، والقرطبي في "جامعه".   • والمقابلة بين الجملتين الأُوليَيْن: ﴿ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ – ﴿ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾؛ أي: في الحال، وكذا المقابلة بين الجملتين الأخيرتين: ﴿ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾، ﴿ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾، هاتان المقابلتان فيهما نهيٌ قاطعٌ لهذه العبادة المهترئة في الحال والاستقبال، وهو مُحسِّن من المحسِّنات البديعيَّة التي تكشفُ عن طبيعة كلٍّ من الإيمان والكُفر، والتوحيد والشِّرك، والنُّور والظُّلمة، والبَياض والسَّواد، والنَّقاء والظَّلماء.   • ﴿ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ﴾ فيه نفيٌ كاملٌ في المستقبَل بعد نفيِ الحال، فهو كنايةٌ عن صفةٍ هي استِمرار التبرُّؤ ودَيْمومته، وفيه إبرازٌ لطبيعة الموحِّد أنَّه دائم البراء من أعداء الله، دائمُ الولاء لله - جلَّ في عُلاه - ففيه تأكيدٌ لما سبَق من تلك البراءة ممَّا يستأهلُ عبادة وقطعًا لأطماع الكفَّار والفُسَّاق من حجاراتهم، فلا وفاق بيننا وبينهم، ولا احتمال لمدِّ اليد أو التنازُل عن شيءٍ من (ألف باء) العقيدة الصحيحة والاعتقاد السليم.   • ﴿ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾؛ أي ولستم أنتم في المستقبل كذلك بعابدين إلهي الحق الذي أعبُدُه، وفيه تأكيدٌ على أنَّ أهل الباطل والفُسوق لا يُفكِّرون في الإيمان، ولا يترُكون مجالاً لفهْم سليم أو فكرٍ نظيف.   • ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ ﴾: أسلوب قصر بتقديم ما حقُّه التأخير، كما أنَّ فيه احترامًا للآخَر بتسمية شِركه دِينًا، وفي ذلك تَسامٍ بقواعد الإسلام في عدَم إكراه الآخَر أو السُّخرية منه، فهو وما يَرى، لا حِكرَ على فكرٍ، ولا إكراه في الدِّين.   • ﴿ وَلِيَ دِينِ ﴾: تقديم الخبَرِ فيه إشعارٌ بالمسؤوليَّة، وفيه انتماءٌ حقيقيٌّ للإسلام واعتزازٌ بالدِّين الصحيح، وقد يرى بعضُ المتسرِّعين أنَّ التقديم للخبر واجبٌ؛ لِمَجِيء المبتدأ (دين) منكرًا، لكنَّ هذا غيرُ صحيح، فالنون من (دين) مكسورة، والأصل (ديني)، فهو معرفةٌ أُضِيفَتْ إلى ياء المتكلِّم المحذوفة اجتزاءً واكتفاءً بالكسْرة، فالتقديم جائزٌ لأنَّ المبتدأ معرفةٌ بسبب إضافته، ويُحقِّق هذا الحذف تَوافُق الفَواصل في الحرْف الأخير (الكَافِرُونَ.. مَا تَعْبُدُونَ.. دِينِ).   وتُبرِزُ الآياتُ الاختلافَ التامَّ في المعبود، فإلهُ المشركين الأوثانُ، وإلهُ المسلمين الرحمنُ، والاختلاف التامُّ كذلك في العِبادة؛ فهم على عبادة الشِّرك، ونحن على عبادة الله وحدَه، فلا معبودنا واحد، ولا عبادتنا واحدة؛ أي: هناك اختلافٌ تامٌّ في السيرة، وتبايُن تامٌّ في الاعتقاد؛ ومن ثَمَّ في الحياة كلِّها.   والسورةُ كلُّها بأساليبها: الأمر، والنداء، والنفي كنايةٌ عن صَفاء التوحيد، ونَقاء الإيمان، وصحَّة التوجُّه، وصِدق الاعتقاد، كما أنَّ فيها كنايةً عن وُجوب المصارحة، وعدم الممالأة، ووُجوب الفصْل والتمييز والاعتزاز بالحق، وعدم الاستِخزاء منه، أو الاستحياء من اعتِناقه، فلا مُشاركة في الشرك، حالاً ولا استقبالاً، وإنما تبرُّؤٌ ووضوح، وتميُّز وانفراد، ثم حُسن الانتماء إلى الدِّين، والشُّعور بالفخر بالتديُّن، ﴿ وَلِيَ دِينِ ﴾.   نسأل الله أنْ يُبصِّرنا بسلامة الطريق، وحُسن الاعتقاد، ووضوح المسلك، والثَّبات عليه، إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه، والحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.   """""""""""""""""" قراءة بلاغية في سورة الناس (1)   يتَّسِمُ القُرآن بأنَّه مُعجِزٌ في حركتِه وسكنتِه، وفي حَرفِه وبِنيتِه، وفي تَراكيبه وصُوَرِه، وفي أساليبه وجُمَلِه، وفي مَعانيه وأخيِلَتِه، وفي أُطروحاته وأسئلته، وفي هذه السُّطور نقفُ أمامَ سورةٍ من سُوَرِه الجليلة، نستَقرِي بلاغتها، ونستَمطِرُ عبيرَها، ونعتبقُ شَذاها، ونعيشُ في أفيائها، ونتنقَّلُ بين ظِلالها وأفنانها؛ يقول الله - عزَّ في عُلاه - في سورة الناس: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ [الناس: 1 - 6].   نلحَظُ أوَّلَ ما نلحَظُ هنا: وجودَ حرفٍ يتكرَّر كلَّ آيةٍ؛ بل يتعدَّد في الآية الواحدة، وهو حرف السينِ، والسينُ هو الحرف الثاني عشر من حُروف الهجاء، مخرَجُه من بين طَرَفِ اللسان وفُوَيق الثَّنايا العُليا، ومن صِفاته أنَّه مهموسٌ، رخم، من حُروف الصَّفير، فهو من الأحرُف المتَّصفة بالهمس، وهو يرسُمُ بشكلٍ واضحٍ طبيعةَ عملِ الشيطان الوَسواس؛ حيث يقومُ بعمَلِه بهمسٍ وخِفَّةٍ وحركةٍ لا صوتَ معها كما يخرجُ حرف السين، وفي هذا كنايةٌ عن الجُبن والخِداع، وعدم قُدرتِه على المواجهة الحقيقيَّة للإنسان المتَّصِلِ بالله، والموصول بالقُدرة الإلهيَّة، فغاية ما عندَه أنْ يُرى جبانًا مخادعًا، لا يَقوَى على الحركة أو الصوت، وإنْ صات أو صوَّت ففي إطار الضَّعف والهمس، يُقال: همَس همسًا وهموسًا: سارَ بالليل بلا فُتور، ومشى مُستَخفيًا، وهمَس فلان إلى فلان همسًا، تكلَّم معه كلامًا خفيًّا لا يَكادُ يُفهَم، وهمَسَ الشيطان: وَسوَسَ، وهمَسَ الكلام: أخفاه همسًا، وتهامَسَ القومُ: تساروا، والمهموس من الكلام: غير الظاهر، والهمس كلُّ خَفِيٍّ من كلامٍ ونحوِه، وفي التَّنزيل الحميد: ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾ [طه: 108]، والهمسُ أخفى ما يكونُ من صوتِ القدَم.   والملاحظة الثانية: أنْ تحتَشِدَ كلُّ هذه الصفات الثلاث: الربوبيَّة والملك والألوهيَّة من شَرِّ ذلك الوَسواس الخنَّاس؛ وذلك كنايةٌ عن خُطورةِ ما يفعَلُه ذلك الخنَّاس في الخَلْقِ والبشَر، وما يُحدِثُه في الكون من غَوايةٍ وضَلالةٍ وتدميرٍ وهلاكٍ، فهو يُغوي الإنسان والمجتمع والدُّول والشعوب على تدمير حَضارات بعضها البعض، ونسْف وُجود أسلافِها، وإيقاعِ الفتن بأبنائها، وإحداث الوَقِيعة بين الأمَّة؛ ممَّا يستوجبُ معه الاستعاذة بصاحب الأمرِ والنَّهي في ذلك الكون؛ حيث لا يقدرُ على الشيطان إلا خالقُه وإلهه ومليكُه، فهذه الكناية تكشفُ عن خُطورة إبليس، وفَداحة الشيطان، وأثر الوَسواس في حياة الأُمَمِ والشُّعوبِ والناسِ، فهذا مَطلَعٌ قُرآني يجعَلُ الخلق في حَذَرٍ من الشيطان، ودأبٍ على تجنُّبِه وتنكُّبِ طريقِه، ذلك الطريق الذي يُودِي بجهودهم وأعمالهم وحيواتهم.   وقوله: ﴿ قُلْ ﴾ أسلوبٌ إنشائي، ونوعُه أمر، وغرضُه البلاغي النُّصح والإرشاد والتوجيه، وفيه كنايةٌ عن صِدْقِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما بلَّغ، فلم يكتفِ بالمقول كما نفعلُ، وإنما قال الفعل الذي أمَرَ به نفسَه، فلم يتدخَّل حتى في تلك اللفظة، وفي ذلك ردٌّ على كلِّ ناعقٍ أو كاذبٍ أو جهولٍ قائل: "إنَّ القُرآن من تأليف محمد"، كما قِيل سابقًا وحكاه القُرآن: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ [النحل: 103]، فردَّ عليهم القُرآنُ بقوله: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾[النجم: 3، 4].   وقوله: ﴿ أَعُوذُ ﴾ هذا فعلٌ مضارع يفيدُ الاستمرارَ، وهو يعني أنْ يظلَّ المسلم معتصمًا بربِّه، عائذًا بمولاه، محتميًا بحِماه، ملتجئ إلى سيِّده القادر المقتدر، لا يَنْسَى ذلك لحظةً؛ حتى لا يفترسه الشيطان، فإذا تحصَّن كلُّ مسلمٍ بالله، واعتصَمَ بمولاه، ولجأ إلى حماه - كان في مَأمَنٍ ومَنجى من هذه الوسوسة، وذلك الشرِّ الوَبِيل.   ♦ وقوله: ﴿ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ الباء هنا للاستعانةِ، فالعَوْذُ يكونُ بالله - جَلَّ في عُلاه - وقوله: ﴿ بِرَبِّ ﴾ اسمُ فاعلٍ أصله رابِب - بكسر الباء الأولى - حُذِفَتْ كسرةُ الباء الأولى للاستِثقال، فالتَقَى ساكنان، فحُذفت الألفُ لئلا يلتَقِيَ ساكنان، واسمُ الفاعل هنا بمعنى المربِّي، والمتفضِّل، والمعين، والرازق، والخالق، والربوبيَّة تعني الحدَب والإشفاقَ، والتربية، والحنان، والرعاية والعناية.   ♦ و(أل) في ﴿ النَّاسِ﴾ جنسيَّةٌ؛ فهو ربُّ جنسِ الناس، وإلهُ كلِّ البشَر، لا يشذُّ أحدٌ عن ذلك، ولا يمكنه الخروجُ عن هذا الحدِّ، فإذا اعتاذَ الإنسان بربِّ جميع الأناسيِّ، وكلِّ الخلق، فقد اعتاذَ بالقادرِ على النَّفْعِ، والمقتدرِ على تحصينِ العبد من وَيْلاتِ الحياة، ونزغات الشيطان، وعَواقِب الوسوسة.   وقوله: ﴿ مَلِكِ النَّاسِ ﴾ المَلِك (بوزن فَعِل) صفة مُشبَّهة؛ أي: إنَّ امتلاكه للناس أمرٌ على سبيل الديمومة والأزَل، فهو المتفرِّد بالتصرُّف فيهم، والمالك المطلق لهم، وهو مالكُ الملوك، ومالكُ يوم الدِّين، وصاحب الملك في الأولى والآخِرة، والناس من ممتلكاته؛ فهو يملكُ ما في الدنيا، وما في الآخِرة: ماديًّا ومعنويًّا، فمَلِك - كما سبق - صفة مشبهة تدلُّ على الصفة ومَنْ ملكَها على سبيل الثُّبوت والدَّوام، وفيه كنايةٌ عن طَلاقة القُدرة، والسَّيْطرة الكاملة على الكون، ومَن فيه، وما فيه.   د. جمال عبدالعزيز أحمد   شبكة الألوكة    
    • قراءة بلاغية في قصار السور   سورة الهمزة     سورةُ الهمزة سورة مكية، آياتها تسع، عالجت جملةً من الأمراض الاجتماعية القاتلة؛ كإعابة النَّاس وسَبِّهم، والخوض في أعراضِهم، والطعن فيهم، وازدرائهم، والتنقصِ منهم، والسخرية بهم، والاستهزاء باللِّسان، أو بحركةِ العيون، أو إشارة اليد، وكذلك جماع الأموال الذين لا يؤدون حقَّ الله فيه، واكتناز الثروات، والإعجاب بذلك، حتى وصولهم إلى أنَّ المالَ سيخلدهم ويعطيهم فوق ما يُعطاه الناس، وبينت كذلك عاقبةَ هؤلاء جميعًا، وهي التحطيم في نارِ جهنَّم التي ستوصدُ عليهم، ويوثقون في أعمدتِها، فلا ينفذ إليهم بصيصٌ من روح أو أملٍ في خروج.   • بدأتِ السورةُ بجملةٍ اسمية نكِّر فيه المبتدأ، تضمنت الوعيدَ الشديد والعذابَ الأكيد لكلِّ من ينتقصُ من أقدار الناس: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1]؛ بتنكير ﴿ وَيْلٌ ﴾ المفيد لشدتِه وخطورته، وهلاكه ودماره، والهُمَزَة فُعَلَة: الذي يدلُّ على الاعتيادِ والمبالغة، وكأنَّ ذلك الهمزة واللمزة قد صار ديدنًا له وعادة وسلوكًا، على شاكلةِ: ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴾ [القلم: 11].
      صحيحٌ أنَّها نزلت في الأخنس بن شريق، الذي كان كثيرَ الوقيعة في النَّاس همزًا ولمزًا وسبًّا وسخرية، يلمزهم في الغدوةِ والروحة، مقبلين ومدبرين، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوصِ السَّبب، قالوا: الهُمزة الذي يغتاب الرجلَ في وجهه، واللمزة الذي يغتابُ الرَّجلَ من خلفِه، أو الهمزة الذي يؤذي جلساءه بسوء لفظه، واللمزة الذي يكسر عينَه على جليسه، ويشير بيده أو برأسه أو بحاجبِه سخرية وانتقاصًا، فقد ورد وصفٌ خاص باللسان وهو الهمز "يعيبهم بلسانِه وينالُ منهم بلفظِه السَّاقط"، ووصف خاص بالعينين وحركة الحاجب، فاستعمال وزن فُعَلَة يدلُّ على أنَّ ذلك قد أمسى عادةً له يتصف بها وهو عنوان له، مثل اللعنةِ والضحكة، وهو نازل ومنطبق في كلِّ من يباشِرُ ذلك العمل القبيح، وهو في الوقتِ نفسه يجري مجرى التعرض بالوارد فيه، فإنَّ ذلك أزجر له وأنكر.   وبين الهمزةِ واللمزة جناسٌ غير تام، يحكي ما وراءه من اللعبِ باللفظ وتمايل الجسد، وتتابع حركاتِ العين والحاجب، ولي اللِّسانِ لإضحاك النَّاس من أثرِ التنقص والسخرية.   • ﴿ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ ﴾ [الهمزة: 2]: ﴿ الَّذِي ﴾: اسمٌ موصول للغائبِ احتقارًا له، وكأنه لا قدرَ له ولا قيمة، فهو غائبٌ عن السُّلوكِ الحسن، ودماثة الأخلاق.   وقوله: ﴿ جَمَعَ مَالًا ﴾: قرئتْ بالتشديد ﴿ جَمَّعَ ﴾ على شاكلةِ ما بعدها ﴿ عَدَّدَهُ ﴾، وقُرئ ما بعدها بالتخفيف ليشاكل ﴿ جَمَعَ ﴾، فجمَعَ بالتخفيفِ في الميم يصلح للقليلِ والكثير، وتنكير ﴿ مَالًا ﴾ ليدلَّ على شمولِ المال، ويبرز حيرة جامع المال، وتتصور جمعه من هنا ومن هنا، على اختلافِ نوعه ومصدره.   ﴿ وَعَدَّدَهُ ﴾ بتشديدِ الدال للمبالغة والتكثير، فهو كثيرُ التعداد والنظر فيه مرةً بعد أخرى، صباحًا ومساءً، ظهرًا وعصرًا، فهو إبانة عن كثرةِ المال، والحيرة والانشغال به، وقد يُشارُ بالمالِ إلى قومه وأنصاره من قولهم: فلان ذو عَدَدٍ وعُدَد؛ إذا كان له عددٌ وافر من الأنصارِ والأهل، وتعدادُ المال كناية عن البخلِ، ومنعه عن مستحقيه، وعدم إنفاقه في وجوهِه الصحيحة.   وقد أشار الطبري إلى أنَّ جمعَه يعني عدم إنفاقه في سبيلِ الله، وعدم تأدية حقِّ الله فيه، إنما يقتصرُ على حفظه ورعايته ليزداد، وفيها كذلك كناية عن الحرصِ وتعب القلب، وإتعاب الجسد والفكر وإجهاد الذهن في الصفقات؛ ربحًا وخسارة، وذهابًا وانتقالاً، وكأنه بهذه الآيةِ يبرزُ السَّببَ في هذا الهمز، وذاك اللمز، فصلتُها بما قبلها وعلاقتها أنها جملةٌ سببية وعلاقة أجليَّة، وكأنَّ إعجابَه بما جمع من مالٍ كثير متنوع في عقارات وشركات ومؤسسات وأعمال ضخام، أوصلَهُ إلى أنه أمسى صاحبَ فضلٍ على النَّاس، وكلمةٍ مسموعة، يسيِّرهم بمالِه، فهم بين يديه خدم، يسمعون ولا يتكلمون، وينفذون ولا يعترضون، فهو لأجلِ ماله يستقصر غيره هامزًا لامزًا، قد غدا شأنه التنقص والاحتقار، ودأبه الازدراء والاستصغار، وحياته السخرية والتعالي.   • ﴿ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ [الهمزة: 3]: جملةٌ فعلية ذات فعل مضارع يفيدُ الظَّنَّ والشك، فهو ذو تفكيرٍ خاطئ ونظرة مريضة، ولا يمتلكُ المعاييرَ الصحيحة لفنِّ التعامل، حيث أعماه المال، حتى غيَّر ضوابطَ الحياةِ وسنن الوجود في أنَّ المال زينة، وليس قيمة يُحتكمُ إليها، فهو كناية عن ضيقِ أُفقِه، واعوجاج فهمه، وانحدار عقله، وعدم امتلاكه لسلامةِ الرأي، وفيه كنايةٌ كذلك عن صفةٍ هي جهله وغفلته، وفي المال استعارةٌ مكنية؛ حيث شبهه بإنسانٍ يمكن أن يجعلَه في مأْمنٍ من الموت، ويكتب له الخلود، لكن ذلك خرج مخرجَ الشك والظن، إمعانًا في بيان قلة فهمه، وانعدام عقله.

      د. جمال عبدالعزيز أحمد
      شبكة الألوكة
       
    • صدقة التطوُّع مُستحبَّةٌ.

      الأدلَّة:
      أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ

      1- قال اللهُ تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة: 245]
      2- وقال اللهُ تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:274]
      3- وقال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكاة وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المزمل: 20]

      ثانيًا: من السُّنَّة
      1- عن المُنْذِر بنِ جَريرٍ، عن أبيه، قال: ((كنَّا عند رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم في صَدرِ النَّهارِ، قال: فجاءَه قومٌ حُفاةٌ عُراةٌ مُجتابي النِّمارِ أو العَباءِ، مُتقلِّدي السُّيوفِ، عامَّتُهم مِن مُضَرَ، بل كلُّهم مِن مُضَرَ، فتمَعَّرَ وَجهُ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لِمَا رأى بهم مِنَ الفاقةِ، فدخل ثمَّ خرَجَ، فأمَرَ بلالًا، فأذَّنَ وأقام فصلَّى، ثم خطَبَ، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ)) إلى آخِرِ الآية إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1] والآية التي في الحَشرِ: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحشر: 18] ، تصدَّق رجلٌ مِن دينارِه، مِن دِرهَمِه، مِن ثَوبِه، مِن صاعِ بُرِّه، مِن صاعِ تَمرِه- حتى قال- ولو بشقِّ تمرةٍ. قال: فجاء رجلٌ مِنَ الأنصارِ بصُرَّةٍ كادت كفُّه تعجِزُ عنها، بل قد عَجَزَت، قال: ثمَّ تتابَعَ النَّاسُ حتَّى رأيتُ كَومينِ مِن طعامٍ وثيابٍ، حتى رأيتُ وَجهَ رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يتهلَّلُ، كأنَّه مُذهَبَةٌ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: مَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً حسَنةً، فله أجْرُها، وأجرُ مَن عَمِلَ بها بَعدَه، مِن غَيرِ أن يَنقُصَ مِن أجُورِهم شيءٌ، ومَن سنَّ في الإسلامِ سُنَّةً سيِّئةً، كان عليه وِزرُها، ووِزرُ مَن عَمِلَ بها مِن بَعدِه، مِن غَيرِ أن ينقُصَ مِن أوزارِهم شَيءٌ
      2- وعن حُذيفةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((فِتنةُ الرَّجُلِ في أهلِه، ووَلَدِه، وجارِه، تُكفِّرُها الصلاةُ، والصَّومُ، والصَّدَقةُ، والأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَر ))
      3- عن أبي أُمامةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((يا ابن آدَمَ، إنَّك أن تَبذُلَ الفَضلَ خيرٌ لك، وأن تُمسِكَه شرٌّ لك، ولا تُلامُ على كَفافٍ، وابدأ بمن تَعولُ، واليدُ العُليا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلى ))
      ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
      نقل الإجماعَ على استحبابِ الصَّدَقةِ: النوويُّ ، وابن حجر الهيتمي ، والبُهوتيُّ

      الدرر السنية
         
    • الله لا يحبُّ المعتدين   قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [المائدة: 87]، والاعتداء هو إلحاق الضرر بالآخرين من غير وجه حق، أو هو تجاوز الحد المقرر في أخذ الحق، وهو نوع من أنواع الظلم، وإنَّ ما مارسه فرعون مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل من هذا النوع، قال تعالى: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ﴾ [يونس: 90]، وعدوًا: أي اعتداءً، وقال الأنباري في الزاهر في معاني كلام الناس: وقولهم: قد اعتدى فلانٌ على فلانٍ، قال أبو بكر: معناه قد ظلمه، واعتدى من العَداء والعُدوان، وهو الظلم، قال الشاعر: بَكَتْ إبلي وحُقَّ لها البكاءُ وأحرَقَها.المحابِسُ.والعَداءُ[1]   والمعتدون الذين ذكر القرآن الكريم أن الله جل جلاله لا يحبهم، هم الذين يمارسون الاعتداء على الآخرين، ويكون الاعتداء على ثلاثة أنواع: الأول: الاعتداء مع الله جل جلاله، قال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [الأعراف: 55]، ونقول هاهنا: مع الله جل جلاله، وليس الاعتداء على الله جل جلاله؛ لأنه كلام مجازي، فالعبد الضَّعيف لا يمكن له أنْ يعتدي على الله جل جلاله؛ لأنه لن يستطيع أنْ يلحق شيئًا من الضُّـر بالله جل جلاله - حاشا لله - لأنه عبدٌ ضعيف، والله جل جلاله هو خالقه، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما روى عن الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي أنَّ الله جل جلاله قال: ((يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضـري فتضـروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا....))[2].   وإنما حقيقة هذا النوع من الاعتداء يكون في أنَّ العبد لا يمارس حقوق العبودية لله جل جلاله التي خُلق من أجلها كما يجب عليه، والآية قالت: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ ﴾ [الأعراف: 55]، والدعاء هو رمز العبودية؛ ولهذا فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدُّعاء هو العبادة))، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60][3].   وإنَّ الصلاة بمعناها العام تعني الدُّعاء، وتُقرر الآية أنْ يكون دعاء المؤمن لله جل جلاله الذي لا عدوان فيه تضرُّعًا وخُفية؛ لما في ذلك من علامات الذُّل والخنوع والإخلاص لله جل جلاله، قال الشنقيطي: "وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرِّياء"[4]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه مَنْ لم يَسألِ الله يغضب عليه))[5]، ولأنَّ في الدُّعاء تحقيقًا لتوحيد الألوهية، فالدُّعاء هو العبادة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن في الدعاء توحيدًا للربوبية؛ لأنَّ الله جل جلاله هو من يستجيب للدعاء فيغفر، ويستر، ويرزق، ويشفي، ويحمي، ويُدخِل الجنة، ويُنجِّي من النار، فإنَّ المؤمن إن دعا الله جل جلاله بأسمائه الحسنى، وبصفاته العُلى، يكون قد حقق توحيد الألوهية والربوبية، والأسماء والصفات في ذات الوقت، من هنا كان الدعاء هو العبادة كلها، ومن لم يفعلْه فإنه من المعتدين، ولكي يكون الدعاء موافقًا لمراد الله جل جلاله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وليس فيه عدوان، لزم أنْ يتصف بمجموعة من الصفات، وهي: 1- أنْ يُبدأ بحمد الله جل جلاله والثناء عليه، ثمَّ بالصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويُختم بذلك؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يتهجد، قال: ((اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق، والساعة حق...))[6].   2- استقبال القِبلة في الدعاء، والتَّدبر وذلك بحضور القلب، والتضـرُّع، واستشعار الخشوع والرهبة، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشـركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشـر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القِبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: ((اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلِك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض))، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله، كذاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك...."[7]، قال الإمام النووي رحمه الله في شرح هذا الحديث: "وفيه استحباب استقبال القبلة في الدعاء، ورفع اليدين فيه"[8].   3- اليقين بإجابة الدعاء؛ فإنَّ المؤمن يعلم علم اليقين أنَّ من بيده ملك السموات والأرض، لن يعجزه أنْ يجيب دعاء عبد فقير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء لا مكرِه له))[9]، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله عز وجل - أيها الناس - فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل))[10].   4- الابتعاد عن تكلُّف السجع في الدعاء، فعن عامر بن شراحيل الشعبي، عن أبي السائب الأنصاري - وكان قاصًّا - قال: "أرسَلَتْ إليه عائشة، فقالت: حدِّث في كلِّ جمعة يومًا، فإنْ أبيتَ فيومين، فإنْ أبيتَ فثلاثة، وإياك أنْ تأتي القوم وهم يتحدثون فتقُصَّ عليهم فتُملَّهم، وإياك والسَّجع في الدعاء؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يكرهونَهُ"[11]، إلا ما ورد بدليل ثابت في كتاب وسنة.   5- عدم الاستعجال في إجابة الدعاء، بل الاستمرار بالتَّوسل إلى الله جل جلاله، والدُّعاء بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أو بعمل صالح، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 180]، ولعل التأخير في إجابة الدعاء لحكمة يراها الله جل جلاله ولا يراها العبد، وقد يَدفع الله جل جلاله بالدُّعاء شرًّا محدقًا، وقد يكتنزه للعبد ليوم القيامة، والأمر على كل حال من الأحوال هو خير للعبد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل))، قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أرَ يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَع الدعاء))[12].   6- خفض الصَّوت بالدُّعاء بين المخافتة والجهر، قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 110]، فعن هشام بن عروة بن الزبيـر، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، في قوله جل جلاله: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ﴾ [الإسراء: 110]، قالت: أُنزلَ هذا في الدُّعاء[13].   7- تحري أوقات الإجابة، ومنها: • في الثلث الأخير من الليل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
      ((ينزل ربنا تبارك وتعالى كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟))[14].   • وعند الأذان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اثنتان لا تردان - أو قلَّما تردان -: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يلتحم بعضهم بعضًا))[15].   • وبين الأذان والإقامة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة))[16].   • وفي السجود، فعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء))[17].   • وفي ساعة من يوم الجمعة، وهي على الأرجح آخر ساعة من ساعات العصـر قبل الغروب، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها))[18].

        8- ألا يكون في الدُّعاء إثم، أو قطيعة رحم، أو الدُّعاء على الأهل والمال والولد والنفس. ويُفضَّل أنْ يكون الدُّعاء بأسماء الله جل جلاله الحُسنى وبصفاته العُلى التي أثبتها جل جلاله لنفسه، ويُستحب أنْ يكون الدعاء من القرآن أو من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز الدعاء بما لم يَردْ في القرآن ولا في السنة، ولكن على ألا يتقاطع مع أصل من أصول الدين، أو ابتكار أسماء لله جل جلاله لم تثبت له جل جلاله، فقد سمع الأصمعي رجلاً يدعو ربه، ويقول في دعائه: يا ذو الجلال[19] والإكرام، فقال له الأصمعي: ما اسمك، قال: ليث، فقال الأصمعي: يُناجِي رَبَّهُ باللَّحنِ لَيثٌ لذاكَ إذا دَعاهُ لا يُجابُ[20]   الثاني: الاعتداء على النَّفس: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [المائدة: 87]، وهذا النوع من الاعتداء الذي أثبتته الآية، هو أنْ يحرم المرء على نفسه شيئًا أحله الله جل جلاله له؛ لأنَّ الحلال والحرام بيد الله جل جلاله يحلُّ ما يشاءُ ويحرِّمُ ما يشاء، له الملك والخلق والأمر، فإنْ نازعه في هذا مخلوق ولو على نفسه التي بين جنبيه، فهو معتدٍ، ولنا أنْ نتدبر لطف الله جل جلاله في هذا الموضع في أنَّ الله جل جلاله قد أحل لنا طيبات نقضي بها شهواتنا، ثم إنْ لم نفعل وحرَّمناها على أنفسنا فإننا من المعتدين، فسبحان ربنا اللطيف الرحيم! وجاءت ضوابط الامتناع عن الاعتداء في هذا الموضع في تفسير اللباب، حيث قال ابن عادل: "فقوله تعالى: ﴿ لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [المائدة: 87] يحتمل وُجُوهًا: الأول: ألا تعتقدوا تحريم ما أحل الله لكم.   وثانيها: لا تظهروا باللسان تحريم ما أحل الله لكم.   وثالثها: لا تجتنبوها اجتنابًا يشبه الاجتناب عن المحرمات، فهذه الوجوه الثلاثة محمولة على الاعتقاد والقول والعمل.   ورابعها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى.   وخامسها: لا تلتزموا تحريمها بنذر أو يمين، ونظيره قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ﴾ [التحريم: 1].   وسادسها: أن يخلط المغصوب بالمملوك اختلاطًا لا يمكنه التمييز، وحينئذٍ يحرم الكل، فذلك الخلط سبب لتحريم ما كان حلالاً، وكذلك إذا خلط النجس بالطاهر، فالآية محتملة لكل هذه الوجوه، ولا يبعد حملها على الكل"[21].   الثالث: الاعتداء على الخلق: قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190]، وجاء المثل القرآني هنا في القتال في سبيل الله جل جلاله، الذي هو ذروة سنام الإسلام، ففي ساحة الوغى وتحت قراع السيوف قد يُباح للمقاتل ما لا يُباح لغيره؛ لشدَّة الهول، وظروف الموقف، ونيات الأعداء الخبيثة، فإذا كان القرآن يأمر الناس ألا يعتدوا حتى في القتال في سبيل الله جل جلاله، فإنه من باب أَولى أنَّ الناس لا يعتدون في الأمر الأقل شأنًا من أمور الدين والحياة، قال الماوردي في تفسيره: "وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ ثلاثة أقاويل: أحدها: أنَّ الاعتداء قتالُ مَن لم يُقاتل. والثاني: أنه قَتْلُ النِّساء والولدان. والثالث: أنه القتال على غير الدِّين"[22].   ولكن يحق للإنسان أن يأخذ حقه إذا اعتُدي عليه، بقدر الاعتداء الواقع، من غير زيادة، قال تعالى: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]، فمن أنواع الاعتداء على الخلق التي وردت في القرآن الكريم: أ- أنَّ عقوبة القصاص في القتل تكون للشبيه، فإن تجاوز ذلك كان اعتداءً، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 178].   ب- الاعتداء على المرأة في أمر الطلاق، من حيث عدم التطليق، سواء بأخذ ما دفع الرجل صداقًا لها، أو إمساك المرأة من أجل الإضـرار بها، وكل ذلك وصفه القرآن على أنه اعتداء، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 231].   ت- خيانة الكفَّار للمؤمنين اعتداء سافر، فالكفار يستمرئون الغدر، وليس عندهم أدنى اعتبار لصلة القرابة التي بينهم وبين المؤمنين، أو عهد الذمة الذي يتحاكمون إليه مع المسلمين، قال تعالى: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾ [التوبة: 10]، قال البقاعي في نظم الدرر: "ولما أخبر تعالى بعراقتهم في الفسق، دلَّ عليه بأن خيانتهم ليست خاصة بالمخاطبين، بل عامة لكلِّ من اتصف بصفتهم من الإيمان، فمدار خيانتهم على الوصف ، فقال جل جلاله: ﴿ لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا ﴾؛ أي: قرابة وأصلاً ثابتًا، ﴿ وَلَا ذِمَّةً ﴾؛ أي: عهدًا أكيدًا، ﴿ وَأُولَئِكَ ﴾؛ أي: البُعَداء من كلِّ خير، ﴿ هُمُ ﴾؛ أي: خاصَّة لتناهي عدوانهم، ﴿ الْمُعْتَدُونَ ﴾؛ أي: عادتهم المبالغة في حمل أنفسهم على أنْ يعدوا الحدود؛ لعدم وجود ما يَردُّهم عن ذلك من وازع إلهي، ورادع شرعي"[23].   [1] الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري، ج1، ص 364. [2] صحيح مسلم، باب تحريم الظلم، ج4، ص 1994، حديث: 2577. [3] صحيح ابن حبان - كتاب الرقائق - باب: الأدعية، ج3، ص 172، حديث: 890. [4] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، ج3، ص539. [5] سنن الترمذي الجامع الصحيح - الذبائح - ج5، ص 456، حديث: 3373. [6] صحيح البخاري - كتاب الجمعة، أبواب التهجد ، ج1، ص377، حديث: 1069. [7] صحيح مسلم، باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، ج3، ص1383- 1384، حديث: 1763. [8] المنهاج شـرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا النووي، ج12، ص84. [9] صحيح مسلم، باب العزم بالدعاء، ج4، ص 2063،حديث: 2679. [10] مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص177، حديث: 6655. [11] الدعاء، ابن فضيل، ص 206. [12] صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ج4، ص 2096، حديث: 2735. [13] صحيح مسلم، باب التوسط في القراءة، ج1، ص329، حديث: 447. [14] صحيح البخاري، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل، ج1، ص384، حديث: 1094. [15] صحيح ابن خزيمة - كتاب الصلاة، باب استحباب الدعاء عند الأذان ورجاء إجابة الدعوة عنده، ج1، ص 219، حديث: 419. [16] سنن الترمذي الجامع الصحيح - أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة، ج5، ص 577، حديث: 3595. [17] صحيح مسلم - كتاب الصلاة - باب ما يقال في الركوع والسجود، ج1، ص350، حديث: 482. [18] صحيح البخاري، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ج1، ص 316، حديث: 893. [19] الصواب أنْ يقول: يا ذا الجلال والإكرام. [20] الأمالي في لغة العرب، ابن القاسم البغدادي، ج3، ص32. [21] اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل الدمشقي، ج7، ص491-492. [22] النكت والعيون (تفسير الماوردي)، أبو الحسن الماوردي، ج1، ص 251. [23] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، برهان الدين البقاعي، ج3، ص276. عبدالستار المرسومي شبكة الألوكة  
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      183235
    • إجمالي المشاركات
      2538909
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      15553

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×