اذهبي الى المحتوى
  • اﻹهداءات

    قومي بتسجيل الدخول أوﻻً لإرسال إهداء
    عرض المزيد

المنتديات

  1. "أهل القرآن"

    1. ساحة القرآن الكريم العامة

      مواضيع عامة تتعلق بالقرآن الكريم

      المشرفات: **راضية**
      58671
      مشاركات
    2. ساحات تحفيظ القرآن الكريم

      ساحات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وتسميعه.
      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصته" [صحيح الترغيب]

      109817
      مشاركات
    3. ساحة التجويد

      ساحة مُخصصة لتعليم أحكام تجويد القرآن الكريم وتلاوته على الوجه الصحيح

      9073
      مشاركات
  2. القسم العام

    1. الإعلانات "نشاطات منتدى أخوات طريق الإسلام"

      للإعلان عن مسابقات وحملات المنتدى و نشاطاته المختلفة

      المشرفات: المشرفات, مساعدات المشرفات
      284
      مشاركات
    2. الملتقى المفتوح

      لمناقشة المواضيع العامة التي لا تُناقش في بقية الساحات

      المشرفات: **راضية**
      180822
      مشاركات
    3. شموخٌ رغم الجراح

      من رحم المعاناة يخرج جيل النصر، منتدى يعتني بشؤون أمتنا الإسلامية، وأخبار إخواننا حول العالم.

      المشرفات: مُقصرة دومًا
      56695
      مشاركات
    4. 260001
      مشاركات
    5. شكاوى واقتراحات

      لطرح شكاوى وملاحظات على المنتدى، ولطرح اقتراحات لتطويره

      23503
      مشاركات
  3. ميراث الأنبياء

    1. قبس من نور النبوة

      ساحة مخصصة لطرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم و شروحاتها و الفوائد المستقاة منها

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      8450
      مشاركات
    2. مجلس طالبات العلم

      قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع"

      32136
      مشاركات
    3. واحة اللغة والأدب

      ساحة لتدارس مختلف علوم اللغة العربية

      المشرفات: الوفاء و الإخلاص
      4164
      مشاركات
    4. أحاديث المنتدى الضعيفة والموضوعة والدعوات الخاطئة

      يتم نقل مواضيع المنتدى التي تشمل أحاديثَ ضعيفة أو موضوعة، وتلك التي تدعو إلى أمور غير شرعية، إلى هذا القسم

      3918
      مشاركات
    5. ساحة تحفيظ الأربعون النووية

      قسم خاص لحفظ أحاديث كتاب الأربعين النووية

      25484
      مشاركات
    6. ساحة تحفيظ رياض الصالحين

      قسم خاص لحفظ أحاديث رياض الصالحين

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      1677
      مشاركات
  4. الملتقى الشرعي

    1. الساحة الرمضانية

      مواضيع تتعلق بشهر رمضان المبارك

      المشرفات: فريق التصحيح
      30284
      مشاركات
    2. الساحة العقدية والفقهية

      لطرح مواضيع العقيدة والفقه؛ خاصة تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة.

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      53204
      مشاركات
    3. أرشيف فتاوى المنتدى الشرعية

      يتم هنا نقل وتجميع مواضيع المنتدى المحتوية على فتاوى شرعية

      المشرفات: أرشيف الفتاوى
      19530
      مشاركات
    4. 6679
      مشاركات
  5. داعيات إلى الهدى

    1. زاد الداعية

      لمناقشة أمور الدعوة النسائية؛ من أفكار وأساليب، وعقبات ينبغي التغلب عليها.

      المشرفات: جمانة راجح
      21022
      مشاركات
    2. إصدارات ركن أخوات طريق الإسلام الدعوية

      إصدراتنا الدعوية من المجلات والمطويات والنشرات، الجاهزة للطباعة والتوزيع.

      776
      مشاركات
  6. البيت السعيد

    1. بَاْبُڪِ إِلَے اَلْجَنَّۃِ

      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الوالد أوسط أبواب الجنة فأضع ذلك الباب أو احفظه." [صحيح ابن ماجه 2970]

      المشرفات: جمانة راجح
      6307
      مشاركات
    2. .❤. هو جنتكِ وناركِ .❤.

      لمناقشة أمور الحياة الزوجية

      97013
      مشاركات
    3. آمال المستقبل

      "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" قسم لمناقشة أمور تربية الأبناء

      36840
      مشاركات
  7. سير وقصص ومواعظ

    1. 31796
      مشاركات
    2. القصص القرآني

      "لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يُفترى"

      4884
      مشاركات
    3. السيرة النبوية

      نفحات الطيب من سيرة الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم

      16438
      مشاركات
    4. سيرة الصحابة والسلف الصالح

      ساحة لعرض سير الصحابة رضوان الله عليهم ، وسير سلفنا الصالح الذين جاء فيهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.."

      المشرفات: سدرة المُنتهى 87
      15483
      مشاركات
    5. على طريق التوبة

      يقول الله تعالى : { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى } طه:82.

      المشرفات: أمل الأمّة
      29727
      مشاركات
  8. العلم والإيمان

    1. العبادة المنسية

      "وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.." عبادة غفل عنها الناس

      31147
      مشاركات
    2. الساحة العلمية

      العلوم الكونية والتطبيقية وجديد العلم في كل المجالات

      المشرفات: ميرفت ابو القاسم
      12928
      مشاركات
  9. مملكتكِ الجميلة

    1. 41310
      مشاركات
    2. 33865
      مشاركات
    3. الطيّبات

      ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ))
      [البقرة : 172]

      91749
      مشاركات
  10. كمبيوتر وتقنيات

    1. صوتيات ومرئيات

      ساحة مخصصة للمواد الإسلامية السمعية والمرئية

      المشرفات: ام جومانا وجنى
      32386
      مشاركات
    2. جوالات واتصالات

      قسم خاص بما يتعلق بالجوالات من برامج وأجهزة

      13117
      مشاركات
    3. 34853
      مشاركات
    4. 65623
      مشاركات
    5. وميضُ ضوء

      صور فوتوغرافية ملتقطة بواسطة كاميرات عضوات منتدياتنا

      6122
      مشاركات
    6. 8966
      مشاركات
    7. المصممة الداعية

      يداَ بيد نخطو بثبات لنكون مصممات داعيـــات

      المشرفات: خُـزَامَى
      4925
      مشاركات
  11. ورشة عمل المحاضرات المفرغة

    1. ورشة التفريغ

      هنا يتم تفريغ المحاضرات الصوتية (في قسم التفريغ) ثم تنسيقها وتدقيقها لغويا (في قسم التصحيح) ثم يتم تخريج آياتها وأحاديثها (في قسم التخريج)

      12904
      مشاركات
    2. المحاضرات المنقحة و المطويات الجاهزة

      هنا توضع المحاضرات المنقحة والجاهزة بعد تفريغها وتصحيحها وتخريجها

      508
      مشاركات
  12. IslamWay Sisters

    1. English forums   (38734 زيارات علي هذا الرابط)

      Several English forums

  13. المكررات

    1. المواضيع المكررة

      تقوم مشرفات المنتدى بنقل أي موضوع مكرر تم نشره سابقًا إلى هذه الساحة.

      101648
      مشاركات
  • المتواجدات الآن   0 عضوات, 0 مجهول, 29 زوار (القائمه الكامله)

    لاتوجد عضوات مسجلات متواجدات الآن

  • العضوات المتواجدات اليوم

    2 عضوات تواجدن خلال ال 24 ساعة الماضية
    أكثر عدد لتواجد العضوات كان 13، وتحقق
  • أحدث المشاركات

    • سورة الفاتحة |7| اهدنا الصراط المستقيم  

      أيمن الشعبان الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29]. إن تأملَ وتدبرَ آيات كتابِ الله عز وجل واستخراج كنوزها والتعرف على أسرارها؛ يعود على العبد بالبركةِ والخيرِ والنفع والهداية وسعادة الدارين. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.

      قال تعالى في سورة الفاتحة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (5)} أي: دُلَّنا، وأرشدنا، ووفقنا إلى الطريق المستقيم، وثبتنا عليه حتى نلقاك، وهو الإسلام، الذي هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وإلى جنته، الذي دلّ عليه خاتم رسله وأنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم، فلا سبيل إلى سعادة العبد إلا بالاستقامة عليه. (التفسير الميسر). والمعنى: دُلَّنا على الطَّريق الواضِح الذي لا اعوجاجَ فيه، ووفِّقنا لسلوكه، وثبِّتنا عليه.

      فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:
        1- {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} هو الدعاء الوحيد الواجب على المسلم في يومه وليلته؛ فهو آية من سورة الفاتحة، التي هي ركن من أركان الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بها. 2- إذا أيقن العبد أن غايته في الدنيا هي تحقيق العبودية لله، عَلِمَ أن السبيل إليها هو سلوك الصراط المستقيم، ولا يكون ذلك إلا بالاعتماد على الله وطلب هدايته. 3- لماذا كان دعاء “اهدنا الصراط المستقيم” هو الواجب الوحيد؟ لشدة حاجة المسلم إلى الاتصاف بالهداية وسلوك الطريق القويم والثبات عليه، وأنه جامع لسعادة الدارين وما يعود على العبد بالنفع.

      قال شيخ الإسلام: فَتَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ هُوَ الْجَامِعُ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ يَحْصُلُ بِهِ كُلُّ مَنْفَعَةٍ وَيَنْدَفِعُ بِهِ كُلُّ مَضَرَّةٍ فَلِهَذَا فُرِضَ عَلَى الْعَبْدِ. ويقول أيضا: وَالْعَبْدُ مُضْطَرٌّ دَائِمًا إلَى أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. 4- إنما أمر الله عبده بطلب الهداية مرارًا كل يوم، ليبقى معترفًا بفقره إلى ربه، مدركًا أنه لا يستقيم على الحق إلا بعون الله وتوفيقه. 5- بعد حمد الله والثناء عليه، ثم الإقرار بعبوديته وحده، يأتي أعظم المطالب وأشرفها: {اهدنا الصراط المستقيم}. 6- من المهم أن يدرك الإنسان أن أولوياته في الدنيا قد تتفاوت، فقد يقدم المفضول على الفاضل، أو ينشغل بطاعة والأَوْلى غيرها، لذا كان طلب الهداية للصراط المستقيم ضرورياً ليُوَفَّق لأفضل الأقوال والأعمال في كل حال، مهما بلغت منزلته. 7- لمّا ذُكِرَت العبادة والاستعانة بالله تعالى وحده، جاء سؤال الهداية إلى الطريق الواضح؛ فبالهداية إليه تصح العبادة. 8- الصراط المستقيم هو طريق الأنبياء جميعاً: قال سبحانه عن إبراهيم عليه السلام: {وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[النحل:121]، وقال تعالى عن موسى وهارون عليهما السلام: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}[الصافات:118]، وقال سبحانه عن عيسى عليه السلام: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}[مريم:51]، وقال تعالى عن محمد ﷺ {إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[الأنعام:161]، وقال عز وجل عن جميع الأنبياء عليهم السلام: {وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[الأنعام:87]. 9- السر في تكرار دعاء {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} في كل صلاة؛ هو أن الهداية طريق متجدد لا نهاية له، وكل درجة فيها تقود إلى درجات أعلى من الهداية والثبات، فكل هداية فوقها هدايات لا منتهى لها. 10- {اهدنا الصراط المستقيم} هو طلب أعظم ما يحتاجه المؤمن: الهداية الكاملة إلى الدين الحق والطريق المستقيم. 11- هذا الدعاء هو الجامع لكل مطلوب، فإذا وُفِّق العبد للهداية، جاءه ما يتبعها من النصر، والرزق، والتوفيق، وسائر البركات. قال شيخ الإسلام: فإِنَّهُ إذَا هَدَاهُ هَذَا الصِّرَاطَ: أَعَانَهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ، فَلَمْ يُصِبْهُ شَرٌّ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. 12- قال شيخ الإسلام: وَلِهَذَا كَانَ أَنْفَعُ الدُّعَاءِ وَأَعْظَمُهُ وَأَحْكَمُهُ دُعَاءَ الْفَاتِحَةِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}. 13- دعاء {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} يشمل طلب الهداية في كل شؤون الحياة: في علاقتك مع الله بعبادة صحيحة، وفي تعاملاتك اليومية مع الأسرة والعمل والناس، وفي الثبات على الطريق يوم القيامة، فهو دعاء جامع لهداية القلب والسلوك في الدنيا والآخرة. 14- الهداية: هي طلبُ الدَّلالة بتلطف، فمن دلَّك على شيء بتلطف فقد هداك. 15- حاجتنا إلى الهداية دائمة إلى آخر أنفاسنا، قال شيخ الإسلام: والعبد مُحْتَاجٌ إلَى الْهُدَى فِي كُلِّ لَحْظَةٍ: وَهُوَ إلَى الْهُدَى أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. 16- ومعنى اهدنا أي مِل بنا إليك، وخذنا لك، وكن علينا دليلنا، ويسّر إليك سبيلنا، وأقم لنا هممنا، واجمع بك همومنا. 17- الهداية في القرآن أقسام ومراتب: أولا: الهدى العام، هدايةُ كلِّ نفسٍ إلى مصالحها في معاشها. قال تعالى على لسان موسى: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه:50]. ثانيا: هداية البيان والدلالة والإرشاد والتعليم، إلى مصالح العبد في معاده. قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}[فصلت:17]. ثالثا: هداية التوفيق والإذعان والانقياد والإلهام، وهذه لا يقدر عليها إلا الله سبحانه. قال تعالى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ}[الكهف:17]. رابعا: الهدايةُ يومَ المعاد إلى طريق الجنة أو النار. قال تعالى عن هداية أهل الجنة: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)}[محمد:4-6]. وقال سبحانه عن أهل النار: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23)}[الصافات:22-23]. 18- الصراط المستقيم هو أن يلتزم العبدُ بفعل ما أمره الله به في كل وقتٍ وحين. 19- دعاء الهداية يشمل نوعين: هداية الدلالة التي تُبصّر العبد بالحق والباطل وتُعينه على التمييز بينهما، وهداية التوفيق التي تعينه على اتباع الحق والعمل به وترك الباطل. 20- قال تعالى: {اهدِنَا} بصيغة الجمع لا “اهدني”، لأن الدعاء الجماعي أرجى للقبول، ويُعبّر عن روح الجماعة في العبادة كما في {إياك نعبد}، ويَدلّ على محبة الخير للناس، وحرص الداعي على هداية الجميع لا نفسه فقط. 21- في قولك: {اهدِنَا} تذكير بأنك لست وحدك في طريق الهداية، بل تسير مع جماعة المؤمنين، فالهداية جماعية، والطريق إلى الله يُسلك جماعة لا فرادى. 22- لماذا يقول المؤمن في صلاته: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}، وهو مهتدٍ أصلًا؟ لأن الهداية ليست لحظة واحدة، بل هي طريق طويل يحتاج إلى تجديد وتثبيت واستزادة، فالعبد يطلب من ربه الهداية الكاملة المستمرة، في كل لحظة وسلوك، حتى يلقاه على الصراط المستقيم. 23- الصراط في لغة العرب هو: الطريق المسلوك الواضح الواسع السهل المستقيم، الذي يُوصل إلى الغاية والمقصود. 24- الصراط لا يُعد صراطًا في حقيقته إلا إذا اجتمعت فيه خمسة أوصاف: أن يكون مستقيمًا، واسعًا، سهلًا، مسلوكا، وموصلًا إلى الغاية، فبهذه الصفات يُهتدى به ويُسلك بيسر نحو المطلوب. 25- الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الموصل إلى رضوان الله وجنته، والسعادة في الدنيا والآخرة، بأقصر طريق وأيسر سبيل، وهو الذي ينجّي من سخط الله وعذابه. 26- الصراط المستقيم له مراتب يتفاضل فيها السالكون بحسب التزامهم وصدقهم، وله حدود من تجاوزها ضل وانحرف عن الجادة. 27- سواء الصراط هو أوسطه وأعدله، وهو أقوم المواضع فيه، كما في قوله تعالى: {واهدِنَا سَوَاءَ الصِّرَاطِ}، أي: وسطه المستقيم الذي لا ميل فيه ولا انحراف. 28- يقول العبد: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ولم يقل “الصراط” فقط، مع أن الصراط في الأصل لا يكون إلا مستقيماً، وذلك: للتأكيد والمبالغة في الوصف، كما يُقال: طريق مستقيم غير معوج، أو رجل صادق غير كاذب. 29- من خصائص الصراط المستقيم القرب واليسر: فهو أقرب طريق، كالمستقيم في الهندسة هو أقصر مسافة بين نقطتين، وهو الأنسب لعجز العبد وضعفه. 30- من خصائص الصراط المستقيم الأمان والسلامة: فلا يشبهه غيره، وكل ما عداه معوجٌ مُعرَّضٌ للانحراف والمخاطر. 31- من خصائص الصراط المستقيم بلوغ الهدف والغاية: لأنه وحده الموصل إلى المقصود، بخلاف الطرق المعوجة التي تضل وتهلك. 32- من خصائص الصراط المستقيم الثبات والاستقامة: لا اعوجاج فيه ولا تقلب، بينما المعوج يتغير بحسب الأهواء والظروف. 33- من خصائص الصراط المستقيم أنه صواب لا خطأ فيه: كما قال الطبري: وصفه الله بالاستقامة لأنه حقّ لا باطل فيه. 34- من خصائص الصراط المستقيم الوضوح والدلالة: فلا غموض فيه ولا التباس، فهو بيّن في أصوله ومعالمه. 35- هذه الآيةُ تعلمنا أهمية الدعاء والإلحاح فيه. 36- سؤال الهداية هو نوع من التوسل إلى الله تعالى بصفاته وأفعاله، فهو سبحانه وتعالى الهادي والمرشد. 37- سؤال الهداية يتضمن الخوف من الضلال والانحراف عن الصراط المستقيم، وهذا يدفع المسلم إلى المزيد من الطاعة والاجتهاد في العبادة. 38- قال تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ولم يقل “السبيل” أو “الطريق” – مع أن المعنى متقارب – لأن لفظ “الصراط” يُذكّر العبد بـصراط جهنم المنصوب على النار يوم القيامة، فيورثه ذلك خوفًا وخشيةً ويقظةً دائمة، فيكون أحرص على لزوم الهداية والثبات عليها. 39- قال تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} باستخدام أل التعريف في “الصراط”، ولم يقل “صراطًا”، وذلك لسببين: الأول: للاستغراق: أي طلب الهداية الكاملة والشاملة لهذا الطريق بكل ما فيه من رضا وخير. الثاني: للحصر والتفرد: فهو صراطٌ واحد لا يتعدد، فيه معنى الكمال والتشريف، لا يُغني عنه غيره. 40- قال تعالى: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ولم يقل “إلى الصراط”، لأن المطلوب ليس مجرد الوصول، بل المعرفة والسير والثبات حتى النهاية، وهي هداية كاملة لا ناقصة. 41- أعظم ما يحتاجه المسافر في رحلته هو معرفة الطريق، فكيف بطريق الآخرة؟ لا نجاة فيه إلا بهداية الله للصراط المستقيم. 42- في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}، طلبُ الهداية من الله وحده إلى الطريق الواضحة، التي لا اعوجاج فيها ولا انحراف. 43- من آداب الدعاء أن يُبدأ أولًا بـالثناء على الله وتمجيده، ثم يُتبع ذلك بـعرض الحاجة وطلب المسألة. 44- الهداية إلى الحق منحة إلهية لا يملكها إلا الله، فكل الناس في ضلال إلا من هداهم. ولا يهتدي أحد إلى ما ينفعه في دينه أو دنياه، تفصيلًا أو إجمالًا، إلا بتوفيق الله وحده. 45- في قول العبد: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} تبرؤٌ من حوله وقوّته، واعترافٌ بعجزه عن الاهتداء بنفسه، ولجوءٌ كامل إلى حول الله وقوّته وهدايته. 46- من أعظم مظاهر رحمة الله بالعبد أن يهديه إلى الصراط المستقيم، فهو دليل عنايته به، وإرادته الخير له في الدنيا والآخرة. 47- مَن رُزق الهداية فقد رُزق كل خير، ومن حُرمها فهو المحروم حقًا، ولو مُنح الدنيا بما فيها. 48- من أعظم النعم أن يعلّمنا ربنا كيف نطلبه ونسأله الهداية، فالدعاء بهداية الله دليل على رحمته وفضله علينا. 49- ما قيمة القوة، والعزة، والغنى، والإحسان، والكرم، إذا افتقدنا الهداية؟ كلها لا تساوي شيئًا بدون نور الله الذي يوجهنا إلى الحق ويثبتنا عليه. 50- مَن أدرك حقيقة الهداية عرف أن الذي لم يحصل له منها أضعاف ما حصل له! 51- مهما بلغتَ من علمٍ أو عبادةٍ أو مكانة، تبقى محتاجًا إلى هداية الله وتوفيقه دائمًا. 52- في دعاء {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} علاجٌ للجهل، إذ يطلب العبد من الله الهداية إلى الطريق الواضح المستقيم الذي ينير له سبيله. 53- كلما ثبت العبد على الصراط المستقيم في الدنيا، ثبتت قدمه وأمن من الزلل على الصراط المنصوب فوق جهنم يوم القيامة. 54- كلاليب الصراط المستقيم في الدنيا هي الشهوات والشبهات، فمن نجى منها وثبت على الحق فاز برضا الله وجنته في الآخرة. 55- في الآية تذكير بأهمية الثبات وعدم التهاون فيه، لذلك كان أكثر ما يدعو به النبي ﷺ: “اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”. 56- الطريق الموصل إلى الله واحدٌ مقصود، وما سواه مغلقٌ مسدود، فلا تقرع سوى بابِه، ولا تسترشد بغير رسله وكتابه. 57- {اهدنا الصراط المستقيم} دعوة ترتب بها حياتك إن صدقت الله سؤالها. 58- {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} دعاء جماعي للهداية، يُربِّي النفس على التواضع، ويكسر غرور “الأنا”، فلا يزعم الداعي أنه وحده على الحق، بل يسأل الهداية له ولغيره، متجردًا من التعالي على الآخرين. 59- لأن القلوب في سيرها إلى الله تعترضها صوارف وشهوات وشبهات، شُرعت قراءة الفاتحة في كل صلاة، وفيها الدعاء العظيم: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ}، لتجديد الهداية والثبات على الطريق في كل وقت. 60- أخطر ما يواجهه السائر إلى الله تربص الشيطان له في طريقه المستقيم، {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}[الأعراف:16]. 61- سُبُل الباطل شتى وسبيلُ الحق واحد، فيا ربّ وفقنا للثبات عليه.







      سورة الفاتحة |8| صراط الذين أنعمت عليهم
       
      أيمن الشعبان الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].

      إن تأملَ وتدبرَ آيات كتابِ الله عز وجل واستخراج كنوزها والتعرف على أسرارها؛ يعود على العبد بالبركةِ والخيرِ والنفع والهداية وسعادة الدارين. يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ. قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.

      قال تعالى في سورة الفاتحة: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ (6)} أي: طريق الذين أَنعمَ الله تعالى عليهم بالهِداية إلى الصِّراط المستقيم، وهم الذين علِموا الحقَّ وعمِلوا به؛ امتثالًا لِمَا أمَر الله عزَّ وجلَّ، واجتنابًا لِمَا نهى عنه سبحانَه، بإخلاصٍ لله تعالى، ومتابعةٍ للرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وهم المذكورون في قوله تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}[النساء:69] (التفسير المحرر).

      فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:
        1- لمَّا كان في الآية السابقة طلبُ الهِداية إلى أشرفِ طَريق، ناسَب ذلك سؤالَ أَحسنِ رفيقٍ. 2- فائدة إعادة لفظِ الصراط في هذه الآية – مع أنها سورة مختصرة وجامعة لمعاني القرآن – للأسباب التالية: أولاً: لأنها قضيةٌ عظيمة وأمر مهم يجب استشعاره. ثانياً: تعليماً لنا وتنبيها ولفتا لانتباهنا للبحث عنه، فإن كنت لا تعرف هذا الصراط فابحث عنه. ثالثاً: أن كثيراً من الناس هم في ضلال ويقولون نحن على حق! فتأتي هذه الآية فتقول أنتم مخالفون لهؤلاء، انتبهوا! 3- غرضُ هذه الآية: التعريفُ بالصراط المستقيم وأهله، ولأهميته لم يؤجل الجواب، بل جاء مباشرة. 4- {أنعمتَ عليهم}: أَيْ مَننْتَ عَلَيْهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالتوْفِيقِ، والثباتِ على الإيمان والاستقامة، والطاعة والعبادة. 5- النعمة: هي الإحسان والخير الواصل إلى الغير من بني آدم، والنعم تكون دينية ودنيوية وأخروية. 6- النِّعمةُ في قوله تعالى: {صراطَ الذين أنعمتَ عليهم} اشتملت على ثلاثةِ أمورٍ عظيمةٍ ومهمّةٍ: أولاً: كمالُ الهِدايةِ في الدِّين. ثانياً: كمالُ التَّفضيلِ في الدُّنيا والآخرة. ثالثاً: كمالُ الجَزاءِ. 7- أَضافَ اللهُ {الصِّراطَ} إلى المُنعَمِ عَلَيْهِم لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ طَرِيقُ القَلِيلِ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَيَتَسَلَّى المُؤْمِنُ بِالوَحْدَةِ وَالغُرْبَةِ، لأَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَنُوءُونَ عَنْهُ. 8- تُنَبِّهُ هَذِهِ الآيَةُ إِلَى أَهَمِّيَّةِ الرَّفِيقِ فِي طَرِيقِ الحَقِّ، إِذْ وَصَفَ اللهُ الصِّرَاطَ وَأَضافَهُ إِلَى سَالِكِيهِ لِيُشْعِرَهُمْ بِالرِّفْقَةِ وَيُعِينَهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ فِي السَّيْرِ. 9- قَالَ اللهُ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لِتَشْوِيقِ النَّفْسِ وَتَحْفِيزِهَا عَلَى الاقْتِدَاءِ بِهِمْ، فَلَا يَكْتَفِي الإِنْسَانُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مُؤْمِنًا أَوْ نَبِيًّا، بَلْ يَطْمَحُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وَتَمَسَّكُوا بِهِ وَعَمِلُوا الخَيْرَ، فَالإنْعَامُ هُنَا نِعْمَةُ الدِّينِ. 10- كلمة {عَلَيْهِم}: قَرَأَهَا حَمْزَةُ بِضَمِّ الهَاءِ {عَلَيْهُم}، وَقَرَأَهَا البَاقُونَ بِكَسْرِهَا {عَلَيْهِم}. 11- {أَنْعَمْتَ}: فِيهِ إِضَافَةُ النِّعْمَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى إِضَافَةَ تَكْرِيمٍ وَتَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، فَكَأَنَّ القَارِئَ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَدْخِلْنِي مَعَ مَنْ أَكْرَمْتَهُمْ وَشَرَّفْتَهُمْ. 12- إِسْنَادُ النِّعْمَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فِي هِدَايَةِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الهِدَايَةَ فَضْلٌ مَحْضٌ وَمِنَّةٌ خَالِصَةٌ مِنَ اللهِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا مَنٌّ وَلَا اسْتِحْقَاق. 13- فِي لَفْظِ {أَنْعَمْتَ} إِشَارَةٌ إِلَى أَدَبٍ رَفِيعٍ، وَهُوَ أَنْ تُنْسَبَ النِّعْمَةُ إِلَى مُسْدِيهَا خُصُوصًا عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ، فَتَقُولُ: “أَنْعَمْتَ” وَلَا تَقُولُ: “أُنْعِمَ عَلَيَّ”. 14- عُبِّر بالماضي {أَنْعَمْتَ} لِيَدُلَّ عَلَى ثُبُوتِ النِّعْمَةِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَلِأَنَّهُ أَشْمَلُ فَيَتَنَاوَلُ مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ سَابِقًا وَلاحِقًا، وَلِيُبَيِّنَ أَنَّ صِرَاطَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ عَدَدَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ يَزْدَادُ مَعَ مَرِّ الزَّمَنِ. 15- التَّعْبِيرُ بِـ {عَلَيْهِم} يُصَوِّرُ شُمُولَ النِّعْمَةِ وَإِحَاطَتَهَا بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِم، فَكَأَنَّهَا قَدْ غَشِيَتْهُم مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَذَلِكَ إِنْعَامٌ عَظِيمٌ مِنْ رَبٍّ كَرِيمٍ. 16- قَوْلُهُ تَعَالَى {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ تَنَعَّمُوا بِكُلِّ مَا يُسْعِدُهُمْ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ فَهُمْ مُنَعَّمُونَ فِي عِبَادَتِهِمْ لِلَّهِ، وَمُنَعَّمُونَ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَقَدْ حَازُوا السَّعَادَةَ عَلَى أَتَمِّ صُوَرِهَا. 17- قَوْلُهُ تَعَالَى {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم} جَاءَ مُطْلَقًا دُونَ تَحْدِيدٍ لِنَوْعِ النِّعْمَةِ، فَذَكَرَ المُنْعِمَ وَالمُنْعَمَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَذْكُرِ المُنْعَمَ بِهِ؛ أَوَّلًا لِأَنَّ السُّورَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الإِجْمَالِ، وَثَانِيًا لِيَتَفَتَّحَ الخَيَالُ فِي تَصَوُّرِ هَذَا الإِنْعَامِ مِنَ الرَّبِّ الكَرِيمِ، مُبْتَدِئًا بِالهِدَايَةِ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ وَمُنْتَهِيًا بِحُسْنِ الجَزَاءِ وَالعَاقِبَةِ، وَلِيَشْمَلَ كُلَّ نِعْمَةٍ مِنْ إِيمَانٍ وَصَلَاحٍ وَتَقْوَى وَاسْتِقَامَةٍ وَثَبَاتٍ وَغَيْرِهَا. 18- {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} هذا الدُّعاء شفاءٌ للقلب من داءِ الجحود والجهل والضلال. 19- أعظمُ نعمةٍ على الإطلاق هي نعمةُ الهداية والإسلام. 20- دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى فَضْلِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِمْ، وَرَفْعَةِ مَرْتَبَتِهِمْ وَقَدْرِهِمْ. 21- تَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أُولَئِكَ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ، وَبِشَارَةٌ لِلمُهْتَدِي أَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ فِي السَّيْرِ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ. 22- في قَوْل الله {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} تسلية وتثبيت للمؤمن في زمن الغربة، فتُذكِّره أن الطريق قد سلكه السابقون من الأنبياء والأتقياء، فلا يشعر بالوحدة، ويجد الأنس والاطمئنان، ويحثه على الاقتداء بهم في السير على هذا الصراط. 23- مِن رَحْمَةِ اللهِ بِنَا فِي وَصْفِ الصِّرَاطِ وَذِكْرِ الرَّفِيقِ فِيهِ، لِيَحْفِزَنَا عَلَى الجِدِّ وَالاجْتِهَادِ وَالاسْتِعْدَادِ، عَسَى أَنْ نَلْحَقَ بِهِمْ فِي طَرِيقِ الهِدَايَةِ. 24- الحَلُّ لِنَجَاةِ النَّفْسِ لا يَكْمُنُ عِنْدَ أَهْلِ الاقْتِصَادِ أَوِ السِّياسَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، بَلِ الهِدَايَةُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ هِيَ السَّبِيلُ الحَقِيقِيُّ. 25- أَهَمِّيَّةُ القُدْوَةِ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ تَكْمُنُ فِي الثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَيَجِبُ الاقْتِدَاءُ بِسَالِكِي هَذَا الطَّرِيقِ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ. 26- دِينُ الأَنْبِياءِ جَمِيعًا وَاحِدٌ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ الأَنْبِيَاءُ، دَلِيلٌ عَلَى وَحْدَةِ الدِّينِ وَالطَّرِيقِ. 27- فِي هَذِهِ الآيَةِ انْكَسَارٌ وَاسْتِعْطَافٌ، فَكَما أَنْعَمْتَ عَلَى غَيْرِنَا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُمْ، فَأَنْعِمْ عَلَيْنَا نَحْنُ الْمَسَاكِينُ، وَهَذَا مَقَامٌ عَزِيزٌ يَتَجَلَّى فِيهِ التَوَاضُعُ وَالاعْتِرَافُ بِنِعْمَةِ اللهِ. 28- يَقُولُ سُفْيَانُ الثُّورِي: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ المَعْرُوفِ يُؤْنِسُكَ اللهُ فِي قَبْرِكَ، وَاجْتَنِبِ المُحَارِمَ تَجِدْ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ. 29- اعْرِفِ الحَقَّ أَوَّلًا، ثُمَّ اعْرِفْ أَهْلَهُ لِتَتَّبِعَ السَّبِيلَ الصَّحِيحَ وَتَقْتَدِي بِالصَّالِحِينَ. 30- مَعَ أَنَّهُمْ أَنْبِيَاءٌ وَصِدِّيقُونَ وَشُهَدَاءٌ وَصَالِحُونَ، فَكُلُّ المَنِّةِ لِلَّهِ وَكُلُّ النِّعْمَةِ مِنْهُ، فَلُولَا اللهِ مَا بَلَغُوا هَذِهِ المَقَامَاتِ. 31- مِنْ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِ الصَّالِحِينَ وَسِيَرِهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. 32- تَدُلُّنَا هَذِهِ الآيَةُ: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} عَلَى مِعْيَارِ وَمِيزَانِ مَعْرِفَةِ النِّعْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، ليسَ بِوَفْرَةِ الدنيا بل الهِدَايَةُ إِلَى سُلُوكِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَمَا سِوَاهُ لَا يُعَدُّ نِعْمَةً حَقِيقِيَّةً. 33- عندما نقرأُ هذه الآيةَ في كلِّ ركعةٍ، ينبغي أن نستحضِرَ: أنَّنا نطلُبُ من اللهِ أن يَهدِيَنا طريقَ الأنبياءِ والصالحينَ، وأن نُجدِّدَ العَزمَ على اتِّباعِ هذا الطَّريقِ. 34- تُؤكِّدُ الآيةُ أنَّ الصِّراطَ واحدٌ مستقيمٌ، وهو: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}، وهذا يَدُلُّ على: أنَّ دِينَ اللهِ واحِدٌ عَبرَ التَّاريخِ، وأنَّ جميعَ الأنبياءِ على مَنهَجٍ واحدٍ، وأنَّ الاختِلافَ في الشَّرائعِ لا في أُصولِ العَقيدةِ. 35- إِسْنادُ النِّعْمَةِ إِلَى اللَّهِ {أَنْعَمْتَ}، لِيَشْعُرَ الْمُؤْمِنُ بِالافْتِقَارِ الدَّائِمِ إِلَى مَوْلاهُ، فَلا يَرَى الْهُدَى بِجُهْدِهِ فَقَطْ، بَلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ. 36- إن قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} يحمل في طياته دعوة عملية للسير على منهج الأنبياء والصالحين، وهو منهج واضح المعالم، محدد الطريق، يبدأ بطاعة الله ورسوله، ويمر بالصدق والتصديق، وقد يصل إلى الشهادة في سبيل الله، وينتهي بالصلاح العام الذي هو مطلب كل مؤمن. 37- القدوة في الإيمان: في طلب المؤمن أن يكون على صراط الذين أنعم الله عليهم، دلالة على أن الإيمان الجماعي والقدوة العملية أنفع للعبد من أن يسلك طريقًا فرديًا مبتدعًا. 38- فِي الآيَةِ بُرْهَانٌ عَلَى بَقَاءِ الدِّينِ الْحَقِّ فِي الْأَرْضِ، إِذْ لَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْهُدَايَةِ إِلَى صِرَاطِهِمْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الصِّرَاطُ قَائِمًا مُمتَدًّا عَبْرَ الأَجْيَالِ. 39- في الآية تحذير من الانحرافات الفكرية والسلوكية؛ لأنّ السير مع “المنعَم عليهم” يقتضي المفارقة التامة لأهل الغضب والضلال. 40- الدعوة لمجاهدة النفس؛ فسلوك طريق المُنعَم عليهم لا يتأتى بالكسل، بل بالمجاهدة الدائمة للنفس والهوى. 41- التربية على التواضع، إذ لا يدّعي المؤمن أنه مهتدٍ بذاته، بل يسأل في كل صلاة أن يوفّقه الله إلى صراط المنعَم عليهم.







      سورة الفاتحة |9| غير المغضوب عليهم ولا الضالين
       
      أيمن الشعبان

      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
      فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].


      إن تأملَ وتدبرَ آيات كتابِ الله عز وجل واستخراج كنوزها والتعرف على أسرارها؛ يعود على العبد بالبركةِ والخيرِ والنفع والهداية وسعادة الدارين.
      يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.
      قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.
      قال تعالى في سورة الفاتحة: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}، أي: إنَّ مِن صفات الذين أَنعم الله تعالى عليهم، أنَّهم ليسوا كاليهود، ومَن سلَك طريقتَهم في ترْك العمل بالحقِّ بعد معرفته.
      فأخصُّ أوصاف اليهود، الغضبُ، كما قال الله تعالى فيهم: {مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ}[المائدة:60]، وقال سبحانه أيضًا: {فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ}[البقرة:90].
      وعن عَديِّ بن حاتمٍ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “المغضوب عليهم: اليهود”.


      {وَلَا الضَّالِّينَ}، أي: إنَّ من صِفات الذين أنعمَ الله تعالى عليهم، أنَّهم ليسوا كالنَّصارى، ومَن سلك طريقتَهم ممَّن جهِلوا الحقَّ، فعبَدوا الله تعالى بغير عِلم.
      فأخصُّ أوصاف النصارى الضلال، كما قال سبحانه: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}[المائدة:77].
      وعن عديِّ بن حاتم رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: “ولا الضالين: النَّصارى”. (التفسير المحرر).


      فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:

      1- قرأ حمزة {عليهُم} بالضم، وقرأ بقيةُ السبعة {عليهِم} بالكسر.
      2- بيَّنت خِتامُ الفاتحة مَعالِمَ الافتراق ومَناطَ الهداية، فالصراطُ المستقيمُ وسطٌ بين مَن علِم ولم يعمَل، ومَن عمِل بلا علم؛ وأهلُه هم الذين جمعوا بين العلمِ والعمل، فاستقاموا على الحقّ سنّةً وهدًى.
      3- رسمتْ الفاتحةُ طريق النجاة للأمم كافة، فدعتْ لاتّباع الصراط المستقيم الذي يجمع العلم والعمل، ويحفظك من مسالك الغضب والضلال، ليبقى الهُدى متجدداً لكل زمان.
      4- لو نفعَ العلمُ بلا عملٍ لما ذَمَّ اللهُ أحبارَ اليهود، ولو نفعَ العملُ بلا علمٍ لما ذمَّ الله رُهبانَ النصارى.
      5- ضرورة الجمع بين العلم والعمل، وبيان أن التقصير في أحدهما سببٌ للغضب أو الضلال، وهو أصلٌ في إصلاح العقيدة وإيمان القلب.
      6- قال ابنُ القيمِ في أحكام أهل الذمة: فَالْأُمَّةُ الْغَضَبِيَّةُ هُمُ الْيهُودُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَأُمَّةُ الضَّلَالِ هُمُ النَّصَارَى الْمُثلِّثَةُ عُبَّادُ الصُّلْبَانِ.
      7- وصفَ اللهُ صراطَ المُنعَمِ عليهم بقوله: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}؛ تأكيدًا لكمال هذا الصراط، إذ تُذكَر الصفاتُ السَّلبيّةُ لإبراز كمال أضدادِها، كما في قوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}، فذِكرُ نفيِ الموتِ دليلٌ على كمالِ الحياة.
      8- الغضبُ صفةٌ إلهيّةٌ ثابتةٌ لله تعالى، تليقُ بجلالِه وكمالِه، من غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ بصفات المخلوقين، وهو من موجِبات الهلاك لمن استحقَّه؛ قال تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فقَدْ هَوَى}.
      9- تأمّلوا دقّة البيان: أضافَ الإنعامَ إلى نفسه فقال: {أَنْعَمْتَ}، ولم يُضِفِ الغضبَ إليه فقال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}؛ لأنّ الإنعامَ مظهرُ فضلٍ ورحمةٍ، والغضبَ مظهرُ عدلٍ وانتقامٍ، فرحمتُه أسبقُ وغلبتُه أتمّ، فنسبَ إلى نفسه أكملَ الوصفين، وجاء بغيره في مقام الجزاء، وهذا من أدقّ أساليب القرآن.
      10- قال بعض أهل العلم: “مَن فسدَ من عُبّادنا ففيه شَبه من النصارى، ومن فسد من علمائِنا ففيه شبه من اليهود”.
      11- قُدِّمَ أهلُ الغضبِ على أهلِ الضلال؛ لقُربِ اليهودِ من المؤمنين مكانًا، ولسَبْقِهم زمانًا، ولأنّ الغضبَ أغلظُ من الضلال، فمَن عرفَ الحقَّ ثم أعرضَ عنه، أعظمُ جرمًا ممّن تاهَ عنه ولم يهتدِ إليه.
      12- الضلالُ: انحرافٌ عن الهُدى، وجهلٌ بالحق، وتيَهٌ يُبعِدُ عن الصراطِ المستقيم والمنهجِ القويم.
      13- الغضب والضلال عقوبتان أنزل الله بهما أقوامًا ومرتكبي الكبائر والمنافقين والمشركين، وجعل القرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعيدًا للذين خالفوا أمره وضلوا عن سبيله، فدلّ على شدة خطرهما وفداحة عاقبتهما.
      14- في الآية دلالةٌ على خطر تحريف الدين والانحراف عنه، إذ المغضوب عليهم عرفوا الحق وتخلّوا عنه، والضالون جهلوا الصواب فسلكوا غير سبيله.
      15- تحصين الإيمان بوجوب السلوك على بصيرة ووعي، وعدم الانحراف عن الحق.
      16- يقول ابن القيم: فَالضَّلَالُ نَتِيجَةُ فَسَادِ الْعِلْمِ، وَالْغَضَبُ نَتِيجَةُ فَسَادِ الْقَصْدِ، وَهَذَانَ الْمَرَضَانِ هُمَا مِلَاكُ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ جَمِيعِهَا.
      17- الحث على الاحتراز، والحذر من الأخطاء التي وقع فيها السابقون.
      18- من لم يثبت على الصراط المستقيم عرّض نفسه للزلل؛ فيقع في الغضب بمعرفة الحق وتركه، أو في الضلال باتباع الباطل عن جهلٍ وعمى.
      19- دعوة المسلم للمحافظة على الطاعة والابتعاد عن المعاصي التي تجلب الغضب.
      20- تغرسُ الآيةُ في قلبِ المؤمنِ اليقظةَ والحذرَ؛ لئلّا يسلكَ سبيلَ المغضوبِ عليهم ولا طريقَ الضالّين.
      21- تُبرزُ الآيةُ شدّةَ الترهيبِ من سلوكِ طريقِ المغضوبِ عليهم والضالّين، إذ هو مسلكُ من أعرضَ عن الحقِّ أو تاهَ عنه.
      22- من أعجب العجب أن يترك المسلم وسامَ الهداية ونعيمَ الإنعام، ويختار لنفسه ذل الاتباع لأممٍ تائهة بين الغضب والضلال، ويترك السعادة الحقيقية التي ميزه الله بها.
      23- الآيةُ دلالةٌ واضحةٌ على خطرِ التشبه باليهودِ والنصارى، إذ فيها تحذيرٌ من سلوكِ مسارهم، وإشارةٌ إلى تحريمِ الاقتداء بهم في العمل أو الاعتقاد.
      24- فيها دعوة لحب الهداية والاستقامة، والاستعاذة من طرق أهل الانحراف والبدع، وأهمية الحرص على طلب الحق والالتزام بالهدي النبوي والسنة.
      25- أنفع الدعاء وأوجبه للعبد: أن يسأل ربّه الهداية للصراط المستقيم، ويلتجئ إليه ليجنّبه طريق من عرفوا الحق وخالفوه أو عبدوا الله على جهل وضلال.
      26- ينبغي للعبد أن يسعى لأحسن الطرق وأقومها، ولا يتحقق له ذلك إلا باجتناب مسالك الكفر والظلم والضلال.
      27- تقديمُ الهوى على الشرع من طرق اليهود، وأداءُ العبادة بجهل من طرق النصارى.
      28- مركزية الاستقامة على الحق، واجتناب الانحراف عن الدين والسنة، مع استمرار الدعاء والحرص على العلم النافع والعمل الصالح.
      29- تعليم الأجيال والقُرّاء، أهمية الوعي الفردي، والمسؤولية الشخصية، أمام التوجيه الإلهي.
      30- ترسيخ مبدأ أن التربية الحقيقية تبدأ من تعزيز الضمير الواعي، والقدرة على التمييز بين الحق والباطل.

      تمت سلسلة “سوانح تدبرية من سورة الفاتحة”، والحمد لله أولاً وآخراً على فضله وتوفيقه.
    • سورة الفاتحة |5| مالك يوم الدين


      أيمن الشعبان


      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

      فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].


      يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.


      قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.


      قال تعالى في سورة الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (3)}


      أي: مالك الأمور ومدبّرها، وقاضيها يوم المجازاة للعباد على أعمالهم؛ بإثابة المؤمنين، وعقاب الكافرين، وهو يوم القيامة.
      أي: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ هو المتصرِّف في جميع خلْقِه بالقول والفِعل.

      فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:


      1- لما وصف الله نفسه بالرحمة، خشية أن يغلبَ الرجاءُ على العبد، نبّه بملكه ليوم الدين، ليدفعه إلى الخوف والعمل، وليوقن أن الجزاء آتٍ على ما قدّم من خير أو شر.


      2- لما وصف الله تعالى نفسه بأنه {مالك يوم الدين}، أراد أن يُظهر للعالمين كمال عدله، فقال: {وما ربك بظلام للعبيد}[فصلت: 46]، ثم بيّن صورة هذا العدل فقال: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئًا}[الأنبياء: 47].
      فدلّ ذلك على أن حقيقة ملكه ليوم الدين تتجلّى في عدله الكامل، إذ لا يُظلم فيه أحد، ولا يُهضم فيه حق.


      3- لما بين اللهُ سبحانه ملكَهُ التام في الدنيا بقوله {رب العالمين} أتبعَ ذلكَ ببيان ملكه التام والمطلق في الآخرة، فقال سبحانه {مالكِ يوم الدين}.


      4- {مالكِ يومِ الدين} و{ملِكِ يومِ الدين}: قراءتان سبعيتان متواترتان.


      5- “مالك”: هو: المتصرِّفُ بالفِعل في الأشياء المملوكةِ له.


      6- “مَلِك”: هو الحيُ المتصرِّف بالقول أمرًا ونهيًا في مَن هو مَلِكٌ عليهم، يأمرُ وينهى ويُطاع.


      7- قوله تعالى: {مالك يوم الدين} يتضمن تمجيدًا لله وثناءً عليه، حيث يُظهر عظمة الله وتفرده بالملك والحكم في الآخرة، مما يوجب على المسلم التقديس والتسليم لله.


      8- مَن أكثر مِن حمد الله وشكره وعمل بما يرضيه، نجّاه الله برحمته يوم القيامة.


      9- لأن الرحمة فضل من الله، بينما الجزاء عدل، وفضل الله سابق؛ لذا قدّم ذكر الرحمة على {يوم الدين}.


      10- قال تعالى: {مالك يوم الدين} ولم يقل: “مالك الدين” ليبيّن أن للدين يومًا معينًا يُجزى فيه كل عامل بعمله.


      11- قال تعالى: {مالك يوم الدين} ولم يقل: “يوم القيامة” لأن الدين هنا يشير إلى الجزاء والحساب، وهو أنسب للفظ {رب العالمين}.
      كما أن القيامة تتضمن أحداثًا لا تتعلق بالجزاء وحده، فبذكر {يوم الدين} يُستحضَر يوم المحاسبة والطاعة والاعتقاد السليم، وهو اليوم الذي يُبرز فيه الدين ويُعظّم. إضافة إلى ذلك، يُظهر المعنى أن الجزاء يكون حسب نقاء دين المرء وعقيدته.


      12- إذا قرأ العبد في كل ركعة {مالك يوم الدين}، تذكر الآخرة، فتأهب لها، واستعد للقاء الله، فدفعته الآية للطاعة، وردعته عن المعصية.


      13- وإن كان الله يملك الدنيا والآخرة، فقد خُصَّ يوم الدين لأنه لا يشاركه فيه أحد، إذ يزول كل مُلك، ويُعلن: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}، فيستوي الخلق جميعًا أمام ملكه، وإذا كان يملك هذا اليوم العظيم، فما سواه أولى وأحرى.


      14- خصَّ الله يوم الدين بالملك، مع أنه يملك كل الأيام، ليُظهر عظمة ذلك اليوم، ويُبيِّن أنه يوم الجزاء والحساب، لا حكم فيه إلا لله وحده، ولأن الأملاك يومئذ زائلة، فلا ملك ولا أمر إلا لله سبحانه.


      15- من المعاني المهمة التي تغرسها سورة الفاتحة في النفوس، كلما قرأها المصلي، هي عقيدة الإيمان باليوم الآخر، والجزاء، والحساب، والبعث.


      16- إن قوله تعالى: {مالك يوم الدين} ليس مجرد خبر عن ملكه سبحانه للآخرة، بل هو نداء للمؤمن أن يعلو فوق شهوات الدنيا، وألا تستهويه رغباتها، أو تأسره أهواؤها، أو يغفل عن آخرته.


      17- مَن أيقن أن هناك يومًا يُدان فيه الناس، وأن الله هو مالك ذلك اليوم، لم يركن إلى دنيا زائلة، بل سامى بنفسه إلى ما هو أبقى.


      18- المتأمل في قوله تعالى: {مالك يوم الدين}، يجد في نفسه دافعًا عظيمًا للعمل بإخلاصٍ لوجه الله، ويشعر بخشيةٍ تردعه عن كل بغيٍ وظلم، وتمنعه من مقارفة المعصية والإثم.
      فإنّ من استحضر ملك الله المطلق ليوم الحساب، لا يرضى أن يلقى ربه وهو مُثقلٌ بالذنوب.


      19- هذه الآية تُكسب المؤمنين الطمأنينة لموعود الله، وتمنحهم الصبر والثبات على دين الله، وحينها تطمئن قلوبهم إلى أن هناك حياة أخرى أبدية تستحق منهم أن يبذلوا أنفسهم وأموالهم وأوقاتهم لنصرة الحق في سبيل الله.


      20- في قوله تعالى: {مالك يوم الدين} تذكيرٌ للعبد بيوم الجزاء، وتحفيز له ليستعد بالعمل لذلك اليوم الذي يُجازى فيه كل عامل بعمله.
      فمن أيقن بيوم الدين، لزمه مجاهدة النفس والاستعداد له بالعمل الصالح.


      21- قوله تعالى: {يوم الدين} يتضمن إثبات البعث بعد الموت، إذ لا جزاء إلا بعد إحياء الخلق للحساب.


      22- الآية تضمنت إثبات الجزاء على أعمال العباد، خيرها وشرها، في يوم الدين.


      23- تضمنت الآية تفرد الله بالحكم يوم الدين، حيث يُجازي العباد على أعمالهم، ولا حكم لأحد سواه.


      24- تتضمن الآية تسليةً لكل مظلوم قد ضاع حقه، حيث يُقتص له من ظالمه يوم القيامة، ويُظهر أن الجزاء في الدنيا ليس هو الجزاء النهائي. فيقتص الله للعبد بالكلمة والنظرة والضربة، وغير ذلك. فمحكمة الدنيا قد تكون جائرة، أما محكمة الآخرة فهي عادلة.


      25- أُثِرَ ذكرُ إلهية الله سبحانه وربوبيته ورحمته وملكه في بداية الفاتحة، لأن هذه الصفات الأربع تتضمن جميع صفات كماله عزَّ وجلَّ.


      26- في قوله: {مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} جاء تخصيصُ اليومِ بالإضافة؛ إمَّا لتعظيمه وتهويله، أو لتفرُّده تعالى بنفوذِ الأمر فيه، وانقطاعِ العلائق بين المُلَّاك والأملاك حينئذٍ بالكليَّة.


      27- قوله تعالى: {مالك يوم الدين} يدعونا إلى اغتنام الأوقات بالطاعات، فكل لحظة في الحياة فرصة للعمل الصالح، لأن يوم القيامة هو يوم الجزاء، ولن تنفعنا إلا الأعمال التي نُقدّمها في الدنيا.


      28- يا أيها الملوك، لا تغتروا بما آتاكم الله من مالٍ وسلطان، فإنكم أسرى في قبضة قدرةِ {مالكِ يومِ الدين}.


      29- يا أيها الرعية إذا كنتم تخافون سياسة الملك أفما تخافون سياسة ملك الملوك الذي هو {مالك يوم الدين}؟!


      30- من تمام أحكام كونه تعالى ملكًا، أنه ملكٌ لا يُشبه ملوك الدنيا؛ فإن ملوكهم إن تصدّقوا أو أنفقوا، نقصت خزائنهم، وقلّ ملكهم.
      أما اللهُ عز وجل، فملكُه لا ينقص بالعطاء، ولا تضعف خزائنه بالإحسان، بل هو الغني الحميد، وكلما أعطى عباده ازداد ملكُه جلالًا، وحمدًا، وكمالًا.



        سورة الفاتحة |6| إياك نعبد وإياك نستعين
        أيمن الشعبان



      الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

      فإن من أعظم الحِكم والغايات من إنزال الآيات، التدبر والتفكر واستخراج الدرر والمكنونات، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29].


      إن تأملَ وتدبرَ آيات كتابِ الله عز وجل واستخراج كنوزها والتعرف على أسرارها؛ يعود على العبد بالبركةِ والخيرِ والنفع والهداية وسعادة الدارين.


      يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.


      قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنما آيات القرآن خزائن، فإذا دخلتَ خزانةً فاجتهد أن لا تخرج منها حتى تعرف ما فيها.


      قال تعالى في سورة الفاتحة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (4)}


      أي: إنا نخصك وحدك بالعبادة، ونستعين بك وحدك في جميع أمورنا، فالأمر كله بيدك، لا يملك منه أحد مثقال ذرة، فلا نعبد إلا إياك ولا نستعين
      إلا بك.



      فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:


      1- هذه الآية “آية العبودية” قاعدة السورة، فما قبلها مقدمةُ حمدٍ وثناء، وما بعدها خاتمةُ سؤالٍ ودعاء.


      2- هذه الآية هي سرُّ العبودية، ومفتاحُ السعادة في الدنيا والآخرة، وهي قلب سورة الفاتحة، فرغم قِصر كلماتها ووجازة ألفاظها، إلا أنها تحمل في طيّاتها معانيَ عظيمة، ومقاصدَ جليلة.


      3- في هذه الآية دليل على أن العبد لا يجوز له أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة كالدعاء والاستغاثة والذبح والطواف إلا لله وحده.


      4- في الآية شفاءُ القلوب من داء التعلق بغير الله، ومن أمراض الرياء والعجب، والكبرياء.


      5- يقول ابن القيم: وَسِرُّ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَالْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ، وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ انْتَهَى إِلَى هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوْحِيدِ.


      6- يقول ابن القيم: هي متضمنة لأجلِّ الغايات وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات عبوديته وأفضل الوسائل إعانته.


      7- العبودية هي الغاية التي من أجلها خلقَ اللهُ الخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.


      8- العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال، والأقوال الظاهرة والباطنة.


      9- للعبودية ركنان أساسان لا تقوم إلا بهما وهما: الذل والمحبة.


      10- الاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك.


      11- كلما كان العبدُ أتمَ عبوديةً كانت الإعانةُ من الله له أعظم.


      12- لا يزال العبد مفتقرا إلى إخلاص التوحيد لربه عبادةً واستعانة؛ لأن الشيطان لا ينفك يزين له الشرك، ونفسه لا تفتأ تدعوه إلى طاعته واتباعه.


      13- العبد لا يمكن أن يعبد الله حقًا إلا إذا أعانه الله، ولا يعينه الله إلا إذا لجأ إليه، فهما متلازمان.



      14- عبادة الله تعالى لا تتهيأ إلا بمعونته، والهداية إليه لا تكون إلا بتوفيقه، فيا أيها العبد الضعيف: اعتقد عجزك، واستشعر افتقارك، واعتصم بحول الله وقوته.


      15- في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} جاء التعبير بصيغة الجمع لا المفرد، فلم يقل: “أعبد وأستعين”، وذلك لحكمٍ عظيمة:

      أولا: إشارة إلى الوحدة والائتلاف، وأهمية الجماعة في الإسلام، فالصلاة جماعة.


      ثانيا: الشعور بأن الصلاة قد بنيت على الاجتماع.


      ثالثا: المقام عظيم، لا يقوم به الفرد وحده، فناسبه الجمع.


      رابعا: تحقيق العبودية والاستعانة لله يرفع العبد، ويمنحه الشرف الحقيقي.


      خامسا: وفيه تعظيم أبلغ، فكأنك تقول: “نحن جميعًا يا رب عبيدك، نعبدك ونعظمك” لا “أنا وحدي”.


      سادسا: تعليم أدب الدعاء، بأن لا ينفرد العبد بنفسه، بل يستحضر الأمة كلها.


      سابعا: تذكير بأن العبد ليس وحيدًا في الطريق إلى الله، بل هو مع جماعة المؤمنين.


      16- قال ابن القيم في مدارج السالكين: وَكَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ السَّعَادَةَ الْأَبَدِيَّةَ، فَلْيَلْزَمْ عَتَبَةَ الْعُبُودِيَّةِ.


      17- في هذه الآية أنفع الدعاء للعبد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته ثم رأيته في الفاتحة في: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.


      18- وصف العبودية هو أشرف، وأرفع، وأعلى، وأعظم الأوصاف التي يمكن أن يُوصَف بها العبد.


      19- من أسرار قوله تعالى: {إياك نعبد}، أن فيه تبرؤًا تامًا من الشرك، لأن العبادة لا تُصرف إلا لله وحده، لا شريك له.
      فكأن العبد يقول: “لا أعبد سواك يا رب، ولا أتوجه إلا إليك”.


      20- في قوله: {وإياك نستعين}، تبرؤ من الطول، ومن الحول والقوة، واعتماد كامل على الله، في كل صغيرة وكبيرة.
      كأن العبد يعترف: “لا أقدر على شيء من طاعتك ولا ديني ولا دنياي إلا بعونك يا الله”.


      21- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: آيةٌ عظيمة تُحقق للعبد الكمال البشري، الجامع بين العلم والعمل، بين العبادة والاعتماد، بين الصدق والتواضع.


      22- العبادة وحدها قد تُصيّبها آفة الرياء، فجاء قوله: “إيَّاك نعبد” ليُصفِّيها من شوائب الشرك ويُخلِص الوجهة لله وحده.


      23- العلم قد يصيبه الغرور والكبر، فجاء: “وإياك نستعين” ليُذكّر العبد أن لا حول له ولا قوة إلا بالله، وأنه مفتقر لربه في كل شيء.


      24- تهدم هذه الآية آفتين من أعظم ما يُفسد القلوب: الرياء والكِبْر، وتبني مكانهما الإخلاص في العبادة والافتقار في الاستعانة.

      قال ابن القيم في مدارج السالكين: وَكَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}[الفاتحة: 5] تَدْفَعُ الرِّيَاءَ {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}[الفاتحة: 5] تَدْفَعُ الْكِبْرِيَاءَ.


      25- مَن فهم {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} حقَّ الفهم؛ سار إلى الله بقلبٍ خاشع، وعقلٍ خاضع، وروحٍ مخلصة.


      26- من أعجب الأمور أن يقرأ العبد في كل ركعة من صلاته {إياك نعبد وإياك نستعين} ثم يتزين بها لخلقه!


      27- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تحقيق لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، و{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تحقيق لكلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله).
      فـ (لا إله إلا الله) فيها إفراد الله بالعبادة، و(لا حول ولا قوة إلا بالله) فيها إفراد الله بالاستعانة.


      28- لم يُذكر “المستعان عليه” ولم يُحَدَّد ليَعُم كل شيء.
      أي: نستعين بك يا ربنا على كل شيء، صغير أو كبير، ديني أو دنيوي، ظاهر أو باطن.


      29- لم تُذكر نوع العبادة في قوله تعالى: {إياك نعبد} لشمول كل أنواع العبادات بلا استثناء.


      30- {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} تشير إلى قضية مهمة جداً في حياة المسلم؛ هي وضوح الهدف، و{وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} تشير إلى الحاجة لمعرفة الطريق والوسيلة الموصلة إليه.
      فكم مرة نظرت لهدفك ووسائل تحقيقه؟


      31- من أجْلِ العبودية قامت السموات والأرض وخُلقت البشرية، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)}[الذاريات: 56-58].


      32- في هذه الآية اجتمع الدين كله، قال شيخ الإسلام: فالله قد جمع بَين الْعِبَادَة والتوكل فِي عدَّة مَوَاضِع؛ لِأَن هذَيْن يجمعان الدّين كُله.


      33- النتيجة الحتمية لمحبتك ورجائك وخوفك هي قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}:
      {الحمد لله رب العالمين} تورث المحبة.
      {الرحمن الرحيم} تورث الرجاء.
      {مالك يوم الدين} تورث الخوف.
      والنتيجة: {إياك نعبد وإياك نستعين}.


      34- {إياك نعبد} إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي.


      35- {إياك نستعين} إشارة إلى ما اقتضته الربوبية، من التوكل والتفويض والتسليم.


      36- كتبَ الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز: لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ. (تفسير ابن رجب 1/74).


      37- من كلامِ بعضِ السلفِ: يا ربِّ عَجبتُ لمن يعرفك كيفَ يرجُو غيرَك، عجبتُ لمن يعرفُك كيفَ يستعينُ بغيرِكَ. (تفسير ابن رجب 1/74).


      38- إذا قال العبد: {إياك نعبد}، فليعلم أنه يُعلن بذلك انقيادَه التام، وتسليمَه الكامل لربه؛ إذ العبادة لا تقتصر على ركوع وسجود، بل تشمل أن يكون سعيه، وحياته، ومماته، وأدقّ شؤونه، وقفًا لله وحده، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الأنعام:162].


      39- مثل قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}، ما ورد في قوله سبحانه: {فاعبده وتوكل عليه}، وفي قوله: {عليه توكلت وإليه أنيب}.


      40- تقديم المفعول به “إياك” على الفعل في الموضعين في الآية الكريمة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} له عدة حِكَمٍ بلاغية ودلالية مهمة، منها:

      أولا: للاهتمام بتقديم حقه سبحانه على حق عبده؛ حتى يتذكر العبد أن المقصود بالعبادة هو الله، وأيضا هو وحده المستعان.


      ثانيا: التقديم هنا يفيد الحصر والقصر والاختصاص، أي أن العبادة والاستعانة تكون لله وحده لا شريك له. والمعنى: “لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك”.


      ثالثا: للتشريف والتعظيم والتقديس؛ لئلا يتقدمَ ذكرُ العبد والعبادة على المعبود، كقوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}، ولئلا يتقدمَ ذكرُ الاستعانة والمستعين على المستعان به، كقوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.


      رابعا: للتنبيه والتوكيد، فتقديم المفعول به يُثير انتباه السامع ويُؤكِّد عليه، فكأنه يقول: “أنت – يا رب – المقصود بالعبادة والاستعانة دون سواك”.


      41- تكرار الضميرُ “إياك” مرة أخرى في قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} له ثلاثة أهداف رئيسية:

      أولا: للاهتمام والتأكيد على الحصر، لإفادة أن العبادة والاستعانة لله وحده لا شريك له.


      ثانيا: الفصل بين مقام العبادة التي هي خضوع لله، ومقام الاستعانة التي هي طلب العون، فكلٌ يحتاج تأكيداً مستقلا.


      ثالثا: قطع الشرك الخفي؛ لئلا يظن أحد أن العبادة لله لكن الاستعانة قد تكون بغيره.


      42- لأهمية الاستعانة ذُكرت بعد العبادة مع دخولها فيها.


      43- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى.


      44- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم العموم على الخصوص.


      45- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لتقديمُ حقه تعالى على حق عباده وحاجتهم؛ لأن العبادة حق الله والاستعانة حق العبد، فحق الله مقدم على حق العبد.


      46- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن العبادة هي المقصودة والغاية والاستعانة هي الوسيلة لتلك العبادة.


      47- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ من تقديم الأهم على المهم.


      48- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ للتلازم بينهما، كما قال سبحانه: {سبعاً من المثاني}؛ والعبادة والاستعانة مثاني، وهما متلازمتان فلا عبادة إلا باستعانة، ولا يحصلُ العون للعبد من الله بدون عبادته.


      49- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأنه بهما يتحقق الإيمان، وتحصلُ السعادة الأبدية والنجاة من جميع الشرور.


      50- {إياك نعبد} متعلق بألوهيته، {وإياك نستعين} متعلق بربوبيته، فقدم قسم الرب على قسم العبد.


      51- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكلُ عابد عبادة تامة مستعين به، ولا ينعكس لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم.


      52- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له.


      53- ذكرت الاستعانة بعد العبادة؛ لأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص.


      54- في قوله {إياك نعبد وإياك نستعين}، بعد الآيات الثلاث الأولى التفاتٌ من الغَيْبَةِ إلى الخطاب؛ لما فيه من التنبيه للمستمع؛ وأنه أدعى للإصغاء وأبعث على النشاط، بخلاف ما لو كان على وتيرة ونمط واحد.


      55- هذه الآية هي أقوى مناجاة بين العبد وربه، حيث يقرّ العبد بالعبودية المطلقة لله، والافتقار الكامل إليه.


      56- هذه الآية مختصر الإيمان، فمن حققها بقلبه وعمله، فقد أدرك لبَّ العبودية.


      57- التوازن بين العمل والتوكل؛ الذي هو سِرّ النجاح في الدين والدنيا، فليس العبد متواكلًا ولا معتدًا بنفسه.


      “نعبد” تدل على العمل، وبذل الجهد، والتكليف، و “نستعين” تدل على التوكل، والثقة، والاعتماد على الله.


      58- عند مواجهة الصعوبات، تذكّر: “نستعين”، فهي باب الفرج.


      59- أن كل عمل لا يُعين الله -تبارك وتعالى- عليه العبد، لا يمكن أن يكون، وأن كل عمل لا يُتوجه به إلى الله، ولا يُطلب به ما عند الله، فإنه لا ينفع، بل يبطل ويضمحل ويتلاشى.


      60- حينما تتحول الاهتمامات إلى إقامة هذه الدنيا الفانية، والتهافت عليها، والتركيز على ذلك، فهذا خلاف الغاية والمقصود الذي هو العبادة.



      موقع الشيخ أيمن الشعبان  
    • صلاة التراويح | القارئ حميد محمد الحمادي | 20 رمضان
    • قلبي مشغول بمن 
      الدكتورة رقية العلواني مقدمة   بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   هذه أحاديث ورسائل أود أن أرسلها من القلب لتصل إلى قلوب أبنائي وبناتي من الشباب. هذه الرسائل لم تأتِ فجأة، هذه الرسائل جاءت نتاج قلق وخوف وتجارب إنسانية ومواقف حدثت معي في مراحل عمرية مختلفة. أردت أن أتشارك فيها، أردت أن تكون فيها وقفات، على هذه الوقفات تنفع تلك القلوب التي أرغب في أن تصل الرسائل إليها.   حديث عن القلب   والحديث، على فكرة، من القلب إلى القلب، وعن القلب حديثنا عن القلب. نعم، القلب! القلب الذي هو محط نظر الله عز وجل، القلب الذي يميز الواحد منا عن سائر المخلوقات والكائنات. القلب الذي هو إما يجر الإنسان إلى، لسمح الله، الهاوية، وإما يرفعه إلى عليين، بكفره أو بإيمانه. القلب الذي هو محط المشاعر الإنسانية المتعددة، من كره، من بغض، من حقد، من حسد، من ضغينة لا سمح الله، أو من مشاعر إيجابية من محبة ورحمة ومودة وتعاطف. القلب هو أهم وأعظم ما يمتلكه الإنسان.   ما هي أحوال هذا القلب؟ إلى أين وصلت القلوب التي نتحدث عنها، قلوبنا التي في صدورنا؟ أين هي الآن؟ ما هي أحوالها؟ ما هي المساحات التي قد شغلت بها؟ هل بالفعل نحن راضون عن قلوبنا؟ هل بالفعل وصلنا إلى مرحلة قناعة بأن هذا القلب الذي هو محط نظر الله عز وجل، قلب يستحق أن ينظر له الله عز وجل، وحين ينظر إليه ينظر إليه نظرة رضا وليس بنظرة غضب؟   هذه القلوب نريد أن نجلس معها جلسات مصارحة. نريد أن نفتح معها حوارًا صادقًا، حوارًا ليس الغرض منه التأنيب أو التوبيخ، ليس الغرض منه فقط أن نقول هذا خطأ وهذا صواب، فهذا لا يكفي. حوار الغرض الأساس من أن نشد على أيدي بعضنا البعض، سواء كنا في حالة خطأ أو في حالة صواب، نمسك بأيدِ بعضنا البعض لنمشي سوية على الطريق الصح. لنقطع خطوات حقيقية تسير بنا نحو الصواب، نحو تصويب القلوب، نحو الارتقاء بقلوبنا، الوصول بها إلى مرحلة السمو والنقاء والطهر والصفاء الذي نتمنى أن يكون، لينظر الله عز وجل إلى هذه القلوب نظرة رضا، ونظرة جزاء، ونظرة حب، ونظرة تفيض علينا وعلى حياتنا بالرحمة وبالسكينة وبالطمأنينة.   إذا أردنا بالفعل أن نفتح هذه الحوارات مع قلوبنا، كما سنفعل إن شاء الله، نحتاج إلى جلسة تفكر، ساعة تفكر، ساعة نطرح فيها على قلوبنا أسئلة واضحة صريحة محددة. نحتاج فيها إلى إجابات، نحتاج فيها إلى إجابات تعكس الواقع الذي نعيش فيه، إجابات تخرج من إطار المفروض والينبغي إلى حيز الواقع. كلنا يعلم أنه من المفروض أن تمتلئ قلوبنا بمحبة الله عز وجل، ولكن هل هذا المفروض هو الواقع؟ هل هذا المفروض هو الذي يطبق في حياتنا؟ أم أننا لسبب أو لآخر قد تجاوزنا هذا المفروض وهذا الذي ينبغي وهذا الذي يجب؟   هذا النوع من الأسئلة لا يملك الإجابة عليه إلا الشخص، إلا القلب، ذات القلب هو الذي سيجيب، وهو ما نريد أن نفتحه في هذه الحوارات. ما هي المساحات التي شغلت بها قلبي؟ هل قلبي بالفعل منشغل، ومنشغل بمن وبماذا؟ هل الاهتمامات التي شغلت بها قلبي اهتمامات منطقية؟ هل هي اهتمامات تؤدي بي إلى نتيجة إيجابية في حياتي، في معاشي، في واقعي، في آخرتي، في مستقبلي؟ هل هي اهتمامات ستصل بي إلى الأمر الذي أتمناه؟ هل هي اهتمامات ستحقق لي الأهداف التي وضعتها أمام عيني كإنسان مسؤول؟ أم هي اهتمامات طارئة؟ أم هي مشاغل أصبحت تفرضها عليّ الحياة التي أعيش، المواقف التي أمر بها، الأشخاص الذين ألتقي بهم، الأناس الذين أتى معهم؟   هذا سؤال مهم، أحتاج أن أجد الإجابة عليه. هل الاهتمامات التي شغلت بها قلبي، هل الحجرات، لنفرض أن في القلب، وهو حقيقة يعني من الناحية الفسيولوجية في القلب حجرات، هل الحجرات التي شغلت بها قلبي وأخذت مساحة واسعة في قلبي، حجرات جاءت بناءً على حقائق، على مواقف عقلية، أم أنها أمور عاطفية عارضة شغلت قلبي وشغلت الحجرات في نفسي وانتهى الأمر؟ وأصبحت أسير هذه الاهتمامات، أصبحت بين ليلة وضحاها أسير الاهتمامات المفروضة عليّ، أصبحت أشعر كإنسان إني واقع تحت تأثير خواطر أو أفكار أو انشغالات لا أجد فكاكًا عنها؟ أحيانًا حين أفكر بعقلي للحظة، بعيدًا عن منطق العاطفة، أجد نفسي أريد أن أتخلص من هذه الخواطر ولكني لا أعرف كيف السبيل

      قلبي مشغول 
      الدكتورة رقية العلواني
      انشغال القلب بالدنيا   بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمه الله وبركاته. توقفنا في اللقاء السابق عند الإجابة الحقيقية التي ينبغي أن نواجه أنفسنا فيها: انشغال القلوب بمساحات هائلة من الدنيا. انشغلنا بالدنيا كثيراً، وهذا الانشغال، كما ذكرنا في المرة السابقة، ربما لأننا بالفعل نجهل، أو نتجاهل، ونتغاضى.   دليل ولا تحتاج إلى برهان، نحن ندرك جميعاً حقيقة الدنيا، ولكننا ننسى أو نتغافل. هذا التغافل وهذا الجهل بحقيقة الدنيا، والتجاهل لحقيقتها، وتجاهل أننا هنا ضيوف مجرد عابري سبيل، سنترك ونرحل إلى مرحلة أخرى، هذا التجاهل يضعف القلب تماماً. يضعف القلب عن السير لله سبحانه وتعالى، يدخل القلب في حالة فراغ، أو في حالة من الوهم، يهيأ للقلب أنه قد مُلئ، ولكنه على وجه الحقيقة فارغ خاوي، لا شيء فيه. يعني مجرد عملية انتفاخ وهمي غير حقيقية.   النتيجة التي تترتب عليها أن قلوبنا تعاني من الكثير من الأمراض. ولكن الليلة سنتحدث عن أمر آخر. الليلة نريد أن نوجه لقلوبنا سؤالاً آخر: هذا السؤال: من هم الأشخاص الذين احتلوا مساحات في قلبي؟   الحب الحقيقي   لماذا هذا السؤال؟ لأن القضية خطيرة. كلنا يعلم أن القلب حين ينشغل بمن يحب، يشغل به ليل نهار. أن القلب حين ينشغل بأحد من الناس ويحب هذا الشخص، سيتوجه لإرضائه، سيصبح بشكل أو بآخر أسير لهذا الشخص، يحاول إرضاءه بأي طريقة من الطرق، يحاول أن ينشغل به ويشغل به، حتى لو حاول أن لا ينشغل به.   ولذلك ينبغي علينا، بل يجب علينا أن نصارح قلوبنا: يا قلب، بمن قد شغلت؟ وهذا السؤال سؤال فيه شيء من الحساسية، الحساسية التي تحتاج أن نصارح أنفسنا فيها، وخاصةً مع معاشر الشباب من الفتيان والفتيات.   كلنا يعلم أن هذا العصر قد جاء فيه، وظهر فيه بشكل كبير وواسع شيء اسمه الحب، هكذا الاسم، هو الحب، أو العاطفة، أو أسماء متعددة، كلها تدور في فضاء الحب. ما هو هذا الحب؟ هل هو كاسمه فعلاً شيء جميل؟ ومن منا لا يحب الحب؟ ومن منا لا يقدر قيمة الحب؟ أليس بالحب تُعمر الأراضي؟ أليس بالحب تُعمر هذه الأرض؟ أليس بالحب ينمو الطفل الصغير؟ أليس بحب الأم لوليدها تحنو عليه وتربيه، وتعطيه من جسدها لأجل أن يتغذى وينمو ويكبر؟ أليس هذا هو الحب؟ أكيد هذا جزء من الحب. الحب أنواع.   أما النوع الذي تأمر به الأرض، أما النوع الذي تزهو به الحياة، فهو النوع الذي أوجده الله فطرةً في نفوس الخلق، ودعا إليه، وجعله فضيلةً من أعظم الفضائل التي يتسم بها الإنسان، بل أوجده كذلك بمقادير مختلفة، حتى في نفوس الكائنات والمخلوقات المختلفة. فالأم تحنو على صغيرها، سواء كانت من من بني الحيوان، أو من بني الإنسان، أو من بني الطير، كلها أمم أمثالنا. هذا الحب لا نزاع فيه، اللهم إلا في حالة إذا ما شغل القلب، وانشغل القلب به عن محبة الله عز وجل. بمعنى أن يصبح الأولاد هم الهم الأكبر والوحيد في حياة الأم أو الأب. فالله سبحانه وتعالى حذر من ذلك، وقال: إنما أموالكم وأولادكم فتنة، اختبار. انشغل بأولادي، أحب أولادي، أقدم لهم كل ما ينبغي أن أقدم لهم، ولكن هذا لا يعني أبداً أن أبقى دائماً في هذا الحيز وفي هذا الإطار، دون أن أعمل لآخرتي، دون أن أجعل هؤلاء الأولاد مطيةً يصلون بي ويرتقون بي إلى مراحل ودرجات عليا في الآخرة. علي أن أتحكم في عواطفي، علي أن أدرك أنهم أمانات، علي أن أدرك أنهم التزامات، أنهم تكاليف علي أن أقوم بها، أعباء لابد من أن أقوم بها على أتم وجه وأكمل وجه، وبالتالي لا أقع أسيراً من جديد لأي نوع من أنواع هذا الحب، حتى وإن كان في أصله مباحاً مشروعاً، أو واجباً. هذه نقطة.   الحب بين الشباب ولكن الحب الذي نريد أن نطرق بابه اليوم، وفي الحلقات القادمة، هو الحب السائد بين الشباب والشابات، الحب الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام، الحب الذي تتحدث عنه الفضائيات والمسلسلات والأفلام والمجلات والدنيا بأسرها، حتى كأن الناس ما عاد لهم شغل يشتغلون به سوى ما يسمونه ويطلقون عليه حب. فما هو الحب؟ الحب الذي يتحدثون عنه بهذه الصورة هو ميل، هو فطرة ميل جعله الله سبحانه وتعالى بين الشاب والشابة، لأجل أي شيء؟ لأجل غاية عظمى، لأجل أن يكون هناك أسرة، لأجل أن يُفتح بيت، بيت قائم على أساس المودة، أساس الرحمة، أساس الصدق، أساس الخير والمعروف الذي أراد الله أن تنشأ به الأسرة، وأن تأمر به الأرض والحياة، وتستمر به الحياة، وتنجب به الذرية، ويحدث به التكاثر والإعمار والاستخلاف على هذه الأرض. ولكن هذا الميل الفطري الذي جعله الله سبحانه فطرةً في نفس الشاب والشابة، جعله ضمن إطار واحد، جعله ضمن إطار لا ينبغي أن يحيد عنه ولا يخرج عنه. ذاك الإطار هو الزواج. بمعنى آخر، أن هذا الميل الفطري بين الشاب والشابة لا ينبغي أن يأتي من النافذة، عليه دائماً أن يطرق الأبواب، أبواب الصحيحة، عليه أن يدخل البيوت من أبوابها، وليس من نوافذها المغلقة والموصدة أمامه. هذا هو الإطار الشرعي الذي وضعه الله سبحانه، الذي خلق الشاب والشابة، الذي خلقنا جميعاً، الذي قال: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ أي انحدار، أي حيدة عن هذا الطريق الصح، أي خروج عن هذا الإطار، سيوقع الإنسان في مشاكل جمّة. سنقف على تلك المشاكل، سنداوي تلك الجروح سويةً
      قلبي مشغول بمن 
      الدكتورة رقية العلواني خطورة الهوى   بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.   بدأنا بتحليل مشاعرنا وعواطفنا، بدأنا بمحاولة التقرب من قلوبنا لإدراك ما الذي يشغلها. توقفنا عند قضية التعلق بالأشخاص، أو ما يطلق عليه الحب بين الشباب والشابات. توقفنا عند نقطة الهوى.   لماذا ننجرف وراء الهوى؟   لماذا ننجرف وراء هذا الهوى؟ لماذا ننجرف وراء هذا الحب؟ لماذا ننجرف وراء العيش في عالم من الخيال صنعناه بأيدينا، بأفكارنا، بخواطرنا، بقلوبنا التي شُغلت؟ أصبحنا ليل نهار نفكر في ذلك الشخص. وقعنا في الأسر، وقعنا في الفخ، ولا ندري ما هي النهاية.   قلنا وحددنا السبب بأنه الهوى. قلنا أن الهوى ما تميل إليه النفس بأشكال مختلفة. يصبح في قلوبنا كالإله المعبود، يأمرنا فنطيع، يقول لنا فنمشي حسب ما يقول لنا ويوجهنا. لم يعد هناك ناصح في حياتنا، لم يعد هناك منطق في عقولنا وفي قلوبنا وفي واقعنا نهتدي به، لأننا قد وقعنا، أو أوقعنا أنفسنا على وجه الحقيقة، في فخ وفي أسر الهوى.   عندما يصبح الإنسان أسيرًا للهوى   حينها فقط، حين يصبح الإنسان أسيرًا لهذا الهوى، يفقد العقل والمنطق. حتى النصيحة حين تأتي من أعز الناس أو أقرب الناس، ربما أم، ربما أب، ربما أخ، ربما صديقة ناصحة، لا أستطيع أن أستمع إلى هذه النصيحة، فهي لا تعلم عن طبيعة العالم الذي أنا أعيش فيه.   ثم إن هذا الشاب، أو هذا الشخص الذي ارتضيته الآن ليكون فعلاً مصاحباً لي في عالمي المنسوج من الخيال، هو شخص خارج مواصفات البشر! هو شخص قد جاء من كوكب آخر، نزيه، نظيف، لا يعرف الغش، ولا يعرف الخيانة، ولا يعرف الكذب، لا يعرف سوى النزاهة والصدق والعفة. لم يجرب الحب من قبل إلا مع هذه الفتاة أو هذه الشابة. هكذا يزين لها الهوى.   ولذلك الله عز وجل يقول: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. الهوى يفقد الإنسان صوابه، يفقد الإنسان عقله، يصبح الإنسان عدو نفسه، عدو منطقه، لا يستمع لنصيحة ناصح، أو نقد ناقد، أو حكمة حكيم. يغتر برأيه ونفسه، ويعتقد أنه الشخص الوحيد في العالم، هو والحبيب الذي أحبه، الذي يمتلك الصواب والحقيقة المطلقة.   أما البشر الآخرون من حوله، فهم أناس لا يعرفون شيئاً، أناس في غاية من الجهل، أناس في غاية من التعقيد، فقدوا عقولهم، لا يعلمون شيئاً، لا يعرفون حكم هذا الزمان، ولا يعرفون قوانينه. فهنا يزداد الأمر وطأة، يزداد الهوى تجذراً.   وصاحب ابن عباس رضي الله عنهما، شر إله يُعبد في الأرض هو الهوى. إله يصل بالإنسان إلى شيء لا نهاية من ورائه، طريق مسدود، طريق مظلم، طريق متعثر. هذا الهوى لا يقود إلى خير أبداً، لا يقود إلى خير، بل لا يأتي بخير على الإطلاق.   كيف نتعامل مع الهوى؟   ما الذي أفعل به؟ كيف أتعامل به؟ النبي عليه الصلاة والسلام، وهو نبي، كان يتعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء. كان يقول كلاماً في غاية الخطورة، يقول: "سيخرج من أمتي أقوام تتجارى، أي تتسابق، بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقي منه عرق ولا مفصل إلا دخل". لا يبقى منه أبداً، بمعنى آخر، أن الهوى يتغلغل في جسم الإنسان، في عقله، في روحه، في قلبه، في كيانه، لا يدع له شيئاً إلا ويتغلغل فيه ويدخل فيه.   هذا الأمر في غاية الخطورة. الإمام علي رضي الله عنه يقول كلاماً أخطر، يقول: "إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل، فاتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل يُنسي الآخرة". وقال رجل للحسن البصري: "يا أبا سعيد، أخبرني أي الجهاد أفضل؟" قال: "جهاد هواك". أي بمعنى آخر أن أخالف هوايا، أن أنظر ما الذي يأمرني به هوايا. هوايا على سبيل المثال يقول لي اتصلي به، اخرجي معه، اذهبي معه في نزهة لمدة ساعة وأنتم في مكان عام، كل الناس من حولكم، لن يحدث خلوة، لن يحدث ما تخافين، لن يحدث، لن يحدث. يزين لي الأمر. مجاهدة الهوى أن أفعل ضد ما يأمرني به هواي.   دور شياطين الإنس   ودعوني هنا أنبه على نقطة في غاية الخطورة. أحياناً يأتي مع الهوى شيطان من شياطين الإنس، صاحب سوء أو صاحبة سوء، يزين للإنسان عمله، يزين عمل السوء. ولذا ربي عز وجل يقول: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. هذا الأمر في غاية الخطورة، العمل سيئ وقبيح، ولكني أراه حسناً. كيف؟ هناك من زين لي، الهوى، نفسي العدو الداخلي، والعدو الخارجي، صاحب السوء أو صاحبة السوء، يزينون العمل.   وأحياناً، ودعونا في غاية المصارحة، يكون بعض من هؤلاء يكونوا بالفعل قد وقعوا في مثل هذه المواقف السيئة، فيريدون أن يوقعوا كل من حولهم. بعض الفتيات، لا سمح الله، تكون هي قد وقعت في الفخ أو في الأسر، وقعت ضحية، هي بالأصل ضحية. ولكنها عوضاً عن أن تتحول من ضحية إلى إنسانة ترشد وتنبه وتغير وتصحح وتخرج من هذه الكبوة والعثرة إلى الطريق الصح، إلى النور، إلى الصواب، فتحذر من الوقوع في مثل هذه المواقف، نراها تبدأ بمحاولة أن تجرف كل من حولها، كل من تتعرف إليهم، إلى الطريق الخطأ، إلى الطريق الذي لا يقود إلا إلى الانحراف.   فتزين العمل، تزين السوء، وتبين وكأن الأمر لا يعني شيئاً، الأمر في غاية البساطة، نحن نخرج في مكان عام أمام كل الناس. دون أن تعرض لهذه الفتاة، ولو على سبيل التبسيط فقط، ما الذي يمكن أن يترتب على ذلك من إساءة للسمعة، من بعد عن رضا الله عز وجل، من انشغال القلب، من انحراف الخواطر، من التصرفات غير السليمة.   مصالحة مع القلب نحتاج اليوم إلى جلسة مصارحة مع القلب. نحتاج أن نفتح القلوب حتى ولو كانت بها جروح. دعونا ننظر إلى الجرح من قريب، ليس لأجل أن نثير هذا الجرح، أو نعم، إطلاقاً، ولكن لأننا نريد أن نداويه. ولن يكون هناك دواء أو علاج على وجه الحقيقة دون أن يكون هناك تشخيص دقيق
        تشخيص سبب التعلق بالأشخاص خطوات العلاج  سنبدأ بمرحلة العلاج. أول خطوة على الطريق الصحيح أن أحدد مكان الداء. مكان الداء هو اتباع الهوى. كيف أعالج مرض اتباع الهوى؟  
       أول وأهم نقطة هي اتخاذ القرار الصحيح، القرار الجريء، القرار الشجاع، القرار الذي لا رجعة فيه.
          بعد أن عرفت الداء، عليّ أن أقوم باتخاذ الخطوة. ما هي الخطوة؟ قطع الاتصال. هذه العلاقة إما أن يكون الغرض الأساس من ورائها علاقة وهدف نبيل، وهو إتمام هذه العلاقة بزواج، وهذا لا يمكن أن يكون له أبواب متعددة. ذكرنا في المرات السابقة ليس له إلا باب واحد فقط، باب التواصل مع الأهل وإجراء الزواج وانتهاء الموضوع على هذا الشكل وهذه الصورة. لا يمكن أن تتعدد الوسائل أو السبل أو الطرق.  
      الأمر الآخر، إن لم تكن هذه هي النتيجة، إذاً فأمر نتائج أخرى وسبل أخرى متعددة، وكلها لا تؤدي إلى ما يريده الله ويرضاه. وبالتالي في مثل هذه الحالة، عليّ أن أقوم باتخاذ القرار الصح حتى ولو جاء متأخرًا.  
      بعض الناس قد ردد في اتخاذ القرار. حين يأتي القرار متأخرًا، أبدًا ليس هناك تأخر في اتخاذ أي قرار شجاع طالما أنا على وجه هذه الأرض، طالما هناك نفس يدخل ويخرج، وأنا في مرحلة الاختبار، وأنا على هذه الأرض وليس في بطنها أو داخلها، هناك مجال للتغيير، هناك مجال لاتخاذ القرار مهما كان هذا القرار قد جاء في فترات لاحقة، وكان ينبغي أن يأتي سابقًا أو مسبقًا. ليس لهذا أهمية كبيرة، المهم أن أستيقظ من الغفلة التي كنت فيها، المهم أن أنفض عن نفسي غبار الوهم والخيال الذي كنت قد صنعته بنفسي ونسجته في حياتي.  
      المهم أن أبدأ بنفض غبار الهوى عن قلبي وعن بصري لأرى الصورة الواقعية الصحيحة التي كان ينبغي أن أراها من قبل، ولكني تأخرت في رؤيتها. طالما الآن رأيت الصورة كما هي، عليّ أن أتخذ القرار. ما هو القرار؟ أقطع كل ما يمكن أن يؤدي إلى هذه العلاقة، سواء كان ذلك عن طريق اتصال، أو عن طريق دردشة، أو عن طريق رسائل، أو عن طريق أشخاص، أو لقاءات. أي أمر، أي شيء يربطني بهذه العلاقة المشؤومة، إن صح التعبير، عليّ أن أبدأ بقطع الاتصال، عليّ أن أبدأ أعالج هذا التعلق.  
      طبعًا هناك نقطة مهمة علينا أن نتذكرها دائمًا، بقدر ما أنا كنت متعلقة بهذا الشخص، بقدر ما سيكون الأمر صعب وفي غاية الصعوبة عليّ أن أقطع هذا التعلق، ولكنه قطعًا ليس بالمستحيل. الإرادة القوية، العزيمة، النية الصادقة، التوجه الصادق بالقلب وبنية لله عز وجل، طالبين الاستعانة من مؤكدين: "يا رب، أنا اكتشفت الخطأ الذي كنت فيه، أنا اكتشفت أني قد وقعت في خطأ، يا ربي ساعدني، يا ربي أعني، يا ربي خذ بيدي للطريق الصح، يا ربي أرني الحق، يا ربي أنر بصيرتي، أنر قلبي، دعني أرى الطريق الصحيح وساعدني على السير".   هذه الخطوات مهمة جدًا. البداية عادة ما تكون صعبة. وكما ذكرنا قبل قليل، إذا كنت قد بلغت أو وصلت إلى مراحل متأخرة في تعلقي بالشخص، قطعًا الأمر لن يكون سهلًا في البداية. سيكون صعب، سيكون كالقبض على الجمر تمامًا، لأني قد تعلقت، أنا ذا أقطع وشائج، وأقطع حبال، وأقطع خيوط متعلقة متجذرة في قلبي، أنا ذا أمشي وراء وعكس التيار، تيار الهوى. لا شك أنني سأجد صعوبات بالغة، لا شك أنني سأقع تحت عمليات جذب وشد كبير جدًا، لا شك أنني في لحظات كثيرة سأشعر بالرغبة في البكاء، لا شك بأني سأشعر في بعض الأحيان أنني أريد أن أرجع وأعود إلى ما كنت عليه، ولكن الاستعانة بالله، الصدق في النية مع الله، العزيمة، الإرادة القوية، إبصار الحقيقة التي لم أكن أبصرها، كل هذه الأمور ستسهل عليّ.   ولكن كما ذكرت، أول نقطة مهمة أن أقطع كل عوامل التواصل مع هذا الشخص. هذا القطع لهذه العوامل سيحدث نوعًا من أنواع الفراغ الشديد في قلبي وفي نفسي. أحتاج أن أملأ هذا الفراغ. هذا الفراغ، عليّ الآن أن أبادر بملئه بالشيء الصحيح. أنا كنت فترة طويلة من الزمن قد ملأت الحجرات في قلبي بمتعلقات من الدنيا، بأشخاص شغلوا بالي وأخذوا قلبي معهم وأفكاري وخواطري. الآن أنا الآن أن أبدأ بملء الحجرات بالشيء الصحيح. ما هو الذي سيملا كل هذه الحجرات؟ حب الله عز وجل.   أنا بدأت بعملية التخلية، بمعنى إفراغ القلب من التعلق بالأشخاص، من التعلق بالشواغل، من التعلق بالدنيا، من التعلق بالأشياء. النقطة الأخرى أن أبدأ شيئًا فشيئًا بوضع القطرات، قطرة قطرة، من حب الله عز وجل في كل فراغ قد ترك في نفسي وفي قلبي. وكل نقطة، وكل قطرة من محبة الله عز وجل تقع في قلبي ستحدث نوعًا من أنواع النور، نوعًا من أنواع الطمأنينة والسكينة والراحة، أجد فيها عوضًا عن كل شيء آخر قد فقدته، أو يهيأ لي أني قد فقدته من خلال قطع علاقاتي بهذا الشخص أو ذاك.  
      أيضًا من الأمور المهمة التي ينبغي أن أتذكرها دائمًا في هذه المرحلة الصعبة جدًا أن أترك عني الخواطر، بمعنى آخر، كل خاطرة تأتيني في البداية، أعمل عملية كنترول أو فلترة على أفكاري. كل خاطرة تأتيني تذكرني بذلك الماضي، كل فكرة تريد أن تجذبني إلى الماضي في هذه العلاقة والعودة إلى المربع الأول الذي كنت قد خرجت منه بشيء من الصعوبة البالغة، عليّ أن أدفع الخواطر. عملية دفع الأفكار ودفع الخواطر منذ بداياتها أسهل بكثير من أن تتحول الخاطرة إلى عزم، عزيمة، وانشغال، وإرادة. عليّ أن أعمل نوعًا من أنواع الفلترة، وهذا النوع من أنواع الفلترة ليس بالمستحيل على الإطلاق، وليس بالصعب. كل ما أحتاج إليه عملية تدريب لنفسي شيئًا فشيئًا، ولا أترك أبدًا دواء الاستعانة بالله عز وجل: وأنا أقوم، وأنا أجلس، وأنا أتحرك: "يا رب أعني، يا رب ساعدني، يا رب بصرني بالصح الذي تريده مني، يا رب تقبل مني".

      الإنسان قد يبلغ بنيته الصادقة وعزيمته وإرادته القوية وفتح صفحة جديدة في علاقته مع الله عز وجل ما لا يبلغه بعشرات الأعمال. النية مهمة جدًا

       
  • آخر تحديثات الحالة المزاجية

    • omo sara تشعر الآن ب راضية
  • إحصائيات الأقسام

    • إجمالي الموضوعات
      182953
    • إجمالي المشاركات
      2537664
  • إحصائيات العضوات

    • العضوات
      93296
    • أقصى تواجد
      6236

    أحدث العضوات
    Hend khaled
    تاريخ الانضمام

منتدى❤ أخوات طريق الإسلام❤

< إنّ من أجمل ما تُهدى إليه القلوب في زمن الفتن أن تُذكَّر بالله، وأن تُعادَ إلى أصلها الطاهر الذي خُلِقت لأجله. فالروح لا تستقيم بالغفلة، ولا تسعد بالبعد، ولا تُشفى إلا بالقرب من الله؛ قريبٌ يُجيب، ويعلم، ويرى، ويرحم

×